Полный текст (1 788 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
إعجاب أهل الحديث والرأي معًا، فكان من أصحابه من المحدِّثين: الإمام أحمد بن حنبل والزعفراني، ومن أهل الرأي: أبو ثور والحسين الكرابيسي، فعرض عليهم كتابه «الحجة» بقراءة الزعفراني عليه، وهكذا نشأ ما عرف بعد بالمذهب القديم وهكذا تحدَّدت مصادره.
لا شكَّ أن المذهب في أول أمره لم يكن قديمًا، ولكن جرت حوادث وصراعات سياسية وعقدية في العراق ربما كانت هي السبب في اختيار الإمام السفر والابتعاد عن بغداد، إلى أن استقرَّ به المقام في مصر، حيث عقد في مسجد عمرو بن العاص حلقته، واجتمع فيها على الأخذ عنه ثلة من أصحابه المصريين: البُوَيْطي والمُزَني والربيع المرادي وحرملة والربيع الجيزي وغيرهم، فكتب العديد من الكتب الجديدة التي لا تعرف له من قبل، وأعاد قراءة أغلب كتبه القديمة بزيادة بحث وتمحيص، وتخلَّل ذلك الاطلاع على مدارك كانت خفيت عليه من ذي قبل، وكذا زيادة قوة في الشخصية الاجتهادية، وتغيّر رأي في بعض القضايا الأصولية، وكل ذلك حمله إلى تغيير الكثير من آرائه السابقة في الحجاز والعراق، وعرف عنه رأي جديد هو الناسخ الذي لا يصح أن يُنسَب إليه غيره مما رجع عنه، ولذلك حظر لأصحابه العراقيين أن يرووا عنه الكتاب القديم لكثرة ما رجع عنه فيه من المسائل، قال الآبري (١) في: «قرأت على أبي إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي قال: سمعت البُوَيْطي يقول: سمعت الشافعي يقول: لا أجعل في حِلٍّ مَنْ روى عني الكتاب البغدادي» (٢).
_________
(١) انظر «مناقب الشافعي» للآبري (رقم: ٥٠).
(٢) ونقله الفخر الرازي في «مناقب الشافعي» (ص: ١٨٧) من طريق البَيْهَقي عن زكريا الساجي في كتابه عن البُوَيْطي.
стр. 177
هذه خلاصة قصة ظهور القديم والجديد، فنجد أنفسنا أمام عدة تساؤلات نذكرها ونحاول أن نُجيب عنها بما قدَّر الله لنا.
السؤال الأول: ما هي الأسباب التي حملت الشافعي على تغيير رأيه في المذهب الجديد؟
هذا السؤال حاول الإجابة عنه بعض من عُنِي بالكتابة في ما بات يُسمى بـ «تاريخ التشريع الإسلامي»، وهي في غالبها إجابات استرواحية لا تحظى بالمصداقية من جهة الدليل واستقراء مسائل القديم والجديد في كتب الإمام، ومن أهم تلك الفرضيات ما انتشر على ألسنة الناس من أن اختلاف البيئة بين مصر والعراق هي التي حملت الإمام على تغيير الكثير من آرائه السابقة، وذلك لما فيه من دعم بعض الأفكار الهدامة التي يُعنى بها الحداثيون أو من يمهِّدون لهم دون علم من توصلهم به إلى تطوير الشريعة الإسلامية بما يناسب في ظنهم احتياجات العصر، ولك أن تسأل نفسك: أيّ أثر للبيئة في امتداد وقت المغرب من غروب الشمس إلى غروب الشفق كما قال في القديم وأنه ليس له إلا وقت واحد بعد الغروب كما قال في الجديد؟ وإن عَنَّ لبعضهم الهرطقة بما ليس من فنه فأعود لأسأله عن أثر البيئة في استحباب السورة من القرآن بعد الفاتحة في الركعتين الأخيرتين من الصلاة الرباعية.
فالدعوى فوق كونها مجرد فرضية خالية عن أيّ دليل مثبت، وأريد أن أطرح عدة أسباب أراها حقيقية في تحول الإمام الشافعي وتغيُّر رأيه في الجديد، وهي أسباب ثلاثة:
السبب الأول: تكامل شخصية الإمام الشافعي الاجتهادية، فقد ذكرنا أن الذي حدا بالإمام إلى تأليف الكتاب القديم هو الردّ على محمد بن
стр. 178
الحسن الشيباني نزولًا عند رغبة أصحاب الحديث، فكان في هذا الكتاب في موقف الذابِّ عن فقه أصحاب الحديث عامة وأهل الحجاز خاصة، وكان كذلك في موقف الرادِّ على محمد بن الحسن الشيباني رده على أهل المدينة.
ولا ينكر أن الشافعي في هذه الفترة كان له شخصيته المستقلة في الاجتهاد أصولًا وفروعًا، ومما يؤكِّد ذلك كتاب الرسالة القديمة التي هي أصل علم الأصول، وكذلك ما عُرف عن الشافعي من عدم إقراره بعمل أهل المدينة الذي تميَّز به الفقه المالكي، ومخالفته مالكًا في بعض الفروع الفقهية في الديات وغيرها، ولكن هذه الاستقلالية لم تكتمل عند الشافعي قبل سفره إلى مصر واحتكاكه بأصحاب مالك على نحو ما حدث قبل مع أصحاب أبي حنيفة.
ففي مصر ألَّف كتابه في اختلافه وشيخه مالك، وأملى الكثير على كتب مالك وابن القاسم وأشهب يردُّ عليهم بعض آرائهم، وفي مصر تعرَّف على فقه الليث بن سعد وخلافه مع مالك، فكان كل هذا له أثر نفسي كبير على استقلال شخصية الإمام الاجتهادية، ومن ثم زيادة تجرُّده في الاجتهاد والنظر في المسائل، ومما يؤكِّد هذه الفكرة اتفاق الكثير من آراء الشافعي القديمة مع مذهب مالك ومخالفته في الجديد، بل إن قضية الردِّ على مالك لا يكاد يظهر في المذهب القديم إلا عرضًا خلال مناقشة محمد بن الحسن.
السبب الثاني: سبب منهجي في الاستنباط، وهو أن الشافعي في القديم كان يقدم آثار الصحابة على القياس الجليّ، ورأيه الجديد تقديم القياس على أقوال الصحابة ما لم تكن إجماعًا، وهذا معنى منهجي أصولي يرجع إليه فروع كثيرة من مسائل القديم والجديد، قال إمام الحرمين في
стр. 179
«النهاية» (١٥/ ٢٨٣): «معظم أقوال [الشافعي] القديمة تخالف الأقيسةَ الجلية وتستند إلى أقضيةٍ وآثارٍ من أصحاب رسول الله ﷺ ، وتُمسك بطرفٍ من المعنى الكلي»، وقال (١٥/ ٢٨٨): «إن [الشافعي] بنى أقواله القديمة على اتباع الأثر وتَرْكِ القياس الجليّ، وتحقق عنده في الجديد أن ذلك باطل».
السبب الثالث: زيادة تمحيص الاجتهاد الجزئي في المسائل، سواء كان ذلك بسبب اطلاع على دليل جزئي جديد غير اجتهاده، أو تنبه إلى نكتة استنباطية خفيت عليه في القديم، وهذا نتيجة طبيعية في مراجعة العلماء لجهودهم السابقة، وليس للشافعي خصوصية في ذلك، فقد أبى الله الكمال إلا لنفسه، وكل العلماء عُرف عنهم القول ثم إعادة النظر فيه والرجوع عن بعضه.
هذه هي جملة الأسباب التي ظهرت لي، والله أعلم بحقيقة الحال.
السؤال الثاني: ما هي طبيعة رجوع الشافعي عن القديم؛ هل هو رجوع كلي أو جزئي؟
سبق أن ذكرنا قول الشافعي: «لا أجعل في حِلٍّ مَنْ رَوَى عني الكتاب البغدادي»، وظاهره أن كل القديم ليس مذهبًا للشافعي، لكن ذلك غير مراد للشافعي بالمرة، ويُكذِّبه حقيقة ما عليه كتب المذهب، ومن أبرز الأمثلة «المختصَر» للمُزَني فهو كما اعتمد في اختصاره علم الشافعي على كتبه الجديدة اعتمد كذلك على الكتب القديمة، ولو كانت مردودة عند الشافعي مطلقًا لما صحَّ له ذلك، ومن هنا ينبغي ألا يقطع القول في المذهب القديم جملة، وإنما يفصل فيه على حسب المسائل وموقف الأصحاب منها، فأقول:
стр. 180
الشافعي لما نشر في العراق ما بات يعرف بكتاب «الحجة» أو «القديم» ثم سافر إلى مصر أعاد قراءة هذه الكتب بعينها مع تغيير ما تغيَّر رأيه فيه من مسائلها، ومن هنا صار مضمون هذه الكتب القديمة على أنواع:
النوع الأول: مسائل نصّ عليها في القديم وأقرّ بها في الجديد، فهذا مقبول اتفاقًا، بل إنه من الجديد إقرارًا كما أشير إليه في تعريف الجديد الذي ذكرناه أولًا، وليس هذا محلّ نظر أو بحث.
النوع الثاني: مسائل من القديم لم يتعرَّض لها الشافعي في الجديد إقرارًا أو إنكارًا، وهذا له صورتان:
أولاهما: كتب قديمة في بعض أبواب الفقه لم يتسنَّ للشافعي إعادة تحريرها في مصر، وقد ذكر البَيْهَقي منها: كتاب الصيام، وكتاب الصداق، وكتاب الحدود، وكتاب الرهن الصغير، وكتاب الإجارة، وكتاب الجنائز، قال البَيْهَقي: «فكان يأمر بقراءة هذه الكتب عليه في الجديد، ثم يأمر بتخريق ما تغيَّر اجتهاده فيه، وربما يدعه اكتفاءً بما ذكر في موضع آخر» (١)، كذا قال البَيْهَقي وهو أعرف الناس بكتب الشافعي، ويشكل عليه قول الماوردي: «الشافعي غير جميع كتبه القديمة في الجديد وصنفها ثانية، إلا الصداق، فإنه لم يغيِّره في الجديد ولا أعاد تصنيفه، وإنما ضرب على مواضع منه وزاد في مواضع» (٢).
الصورة الثانية: مسائل نصّ على حكمها في كتبه القديمة ولم يتعرَّض لها في الجديد، مثل مسألة استحباب الغسل للحجامة وللخروج من الحمام، فنسبة هذا إلى القديم لا يصحّ إلا باعتبار الكتاب الذي نقل منه، وإلا فهو
_________
(١) انظر «مناقب الشافعي» للبَيْهَقي (١/ ٢٥٥).
(٢) انظر «الحاوي» (٩/ ٤٥٢).
стр. 181
مذهب الشافعي قديمًا وحديثًا باتفاق الأصحاب، يدل عليه اعتماد المُزَني ذلك، واعتماده ثم اعتماد الأصحاب عليه دليل قاطع على أن هذا من المذهب، وليس مرجوعًا عنه لا يجوز حكايته عن الإمام.
ومن الطريف أن المُزَني (ف: ٢٠٩٨) حكى عن الشافعي في مسألة إسلام الزوج وله زوجات حرة وإماء، فإن أسلم معه الإماء وتخلفت الحرة وُقِفَ نكاح الإماءِ، قال: «فإنْ أسْلَمَت الحُرَّةُ انْفَسَخَ نِكاحُ الإماءِ، ولو اخْتارَ مِنْهُنَّ واحِدَةً ولم تُسْلِم الحُرَّةُ ثَبَتَتْ»، كذا قال المُزَني ومقتضاه: ألا يكون له خيار جديد، والمذهب: يجب اختيار جديد، ولا يصح ذلك الاختيار، واختلف أصحابنا في تخريج نقل المُزَني، ومنهم من حَمَله على المذهب القديم، وهذا وارد جدًّا، فقول الشافعي في القديم متردِّد في وقف العقود، فقد يكون المُزَني نقله من الكتاب القديم وغاب عنه رجوع الشافعي عنه في الجديد، قال إمام الحرمين: «وما ينقله المُزَني - إذا أطلقه - محمول على النصوص الجديدة، فإن أراد نقل شيء عن القديم صرَّح به، ولا ينبغي أن يُغلَّط بتركه نسبةَ قول إلى القديم، فقد اتفق له مثل ذلك كثيرًا في السواد، من غير تعرُّض لذكر القديم» (١).
النوع الثالث: مسائل تعرض لها في القديم والجديد، وهذا له صور مختلفة:
فمن أبينها: أن ينصّ في الجديد على رجوعه عن قوله القديم وتغيّر اجتهاده، وهذا لا يختلف فيه اثنان من أصحاب الشافعي على أن مذهبه فيه قوله الجديد، وأن القديم إن ذكر فإنما يذكر لبيان ما كان عليه الإمام، لا باعتبار أنه قول آخر له، وليس هذا محلّ بحث أو نظر.
_________
(١) انظر «النهاية» (١٢/ ٣٢٤).
стр. 182
الصورة الثانية: أن يجزم في الجديد بقول جزم في القديم بخلافه، لكن دون أن ينصّ على رجوعه عن القول القديم، فهل قوله الجديد رجوع عن القديم أو قول آخر له يبتغى الترجيح بينهما كما يبتغى بين القولين الجديدين؟ مذهبان للأصحاب حكاهما الشيخ أبو إسحاق الشيرازي والقاضي الحسين (١).
فقال بعض أصحابنا: إذا نصّ المجتهد على خلاف قوله لا يكون رجوعًا عن الأول، بل يكون له قولان.
والصحيح الذي عليه العمل أن الجديد في هذه الصورة رجوع عن القديم، وأشار إليه المُزَني (ف: ٣٠١٩) فقال: «رُجُوعُه عن القديمِ رَغْبَةٌ عنه إلى الجديدِ»، وهو مثل ما لو وجد من صاحب الشرع قولان مختلفان في وقتين مختلفين في حادثة واحدة، فإنه يكون الثاني نسخًا للأول، كذلك هاهنا يكون القول الثاني رجوعًا عن الأول، قاله الشيخ أبو إسحاق الشيرازي والسمعاني فيما حكاه عن الماوردي مقرًّا له، وقال النووي: «هذا هو الصواب الذي قاله المحققون وجزم به المتقِنون من أصحابنا وغيرهم» (٢).
وقد أكثر إمام الحرمين في «النهاية» من تأييد هذا المذهب والقطع به فقال: «معتقَدي أن الأقوال القديمة ليست من مذهب الشافعي حيث كانت؛ لأنه جزم القول على مخالفتها في الجديد، والمرجوع عنه لا يكون مذهبًا للراجع» (٣)، وقال: «كل قول قديم عندي مرجوعٌ عنه غيرُ معدود من
_________
(١) انظر «شرح اللمع» (٢/ ١٠٨٠)، و «التعليقة» (٢/ ١٠٣٣).
(٢) انظر «التبصرة» (ص: ٥١٢، و ٥١٤)، و «شرح اللمع» (٢/ ١٠٨٠) للشيخ أبي إسحاق، و «القواطع» للسمعاني (٥/ ٧٥)، و «المجموع» للنووي (١/ ١٠٩).
(٣) انظر «النهاية» (١/ ٢٩).
стр. 183
المذهب» (١)، وقال: «إن القول القديم لا يحل عَدُّه من مذهب الشافعي مع رجوعه عنه» (٢).
ووراء هاتين الصورتين صورتان أخريان هما: أن يردد قوله في القديم ويجزم في الجديد، وعكسه، وسأتكلَّم عليهما بعد إن شاء الله.
وأخيرًا هذا التفصيل الذي سلكته في بيان موقف الأصحاب من القديم هو الصواب من حكاية أقوال مطلقة متضاربة عن الأئمة ومحاولة حملها على مذاهب مختلفة كما هو المشهور المتعارف عليه، ويؤيِّده قول الإمام النووي: «اعلم أن قولهم: (القديم ليس مذهبًا للشافعي، أو مرجوع عنه، أو لا فتوى عليه) .. المراد به قديم نصّ في الجديد على خلافه، أمَّا قديم لم يخالفه في الجديد، أو لم يتعرض لتلك المسألة في الجديد .. فهو مذهب الشافعي واعتقاده، ويعمل به ويُفتى عليه، فإنه قاله ولم يرجع عنه، وهذا النوع وقع منه مسائل كثيرة، وإنما أطلقوا أن القديم مرجوع عنه ولا عمل عليه لكون غالبه كذلك» (٣).
السؤال الثالث: ما هي مصادر ما يُذكر في كتب المذهب من الأقوال القديمة وأصولها؟
الذي يظهر لي من تأمُّل ما عليه كتب المذهب أن مرجع الأقوال القديمة التي نجدها في كتب المذهب أصول ثلاثة حاصرة:
الأصل الأول: كتب الشافعي القديمة، وهي كتب ألَّفها الشافعي في مكة وعرضها في العراق بقراءة الزعفراني عليه، لا جرم قال الماوردي بأنه
_________
(١) انظر «النهاية» (٣/ ٢٥٩) ونحوه في (١/ ١٢٤).
(٢) انظر «النهاية» (١٦/ ٥٣٥).
(٣) انظر «المجموع» (١/ ١١٠).
стр. 184
أثبت أصحاب القديم (١)، وهذه الكتب هي أوثق مصادر المذهب القديم وأعمُّها، وهي عمدة المُزَني فيما نقله من القديم، وإليها يشيرون بعبارتهم المشهورة: «وقال في القديم، وفي القديم»، يريدون: الكتاب القديم أو الكتب، والمشهور منها: كتاب «الحجة» الذي يرويه الزعفراني عن الشافعي، وقد ذكرت أن الزعفراني هو الذي كان يقرأ على الشافعي في العراق، وكتاب «القديم» الذي يرويه الحسين الكرابيسي عن الشافعي، قال الإسنوي في مقدمة «المهمات» (١/ ١١٤): «وهو مجلد ضخم، ظفرت بنسخة عتيقة منه، وعليها خط ابن الصلاح بغرابته والثناء عليه».
الأصل الثاني: روايات تلاميذ الشافعي العراقيين عنه، وأهمهم: الإمام المحدث أحمد بن حنبل، والفقيه أبو ثور، والمتكلم الحسين الكرابيسي، والحارث بن سريج النقال، ونسيب الإمام أبو عبدالرحمن الشافعي، والزعفراني (٢).
فأما الإمام أحمد .. فهو على جلالته في نفسه من المقلِّين عن الشافعي، وهو مع ذلك ينقل آراء الشافعي دون نصوصه، ومن هنا - والله أعلم - لا يظهر لروايته كبير أثر في الفقه الشافعي، ومن أمثلتها ما روي عنه أنه قال: «ألا تعجبون من أبي عبدالله يقول: يلاعن الرجلُ عن أم ولده» (٣).
وأما أبو ثور الفقيه .. فجُلُّ ما ينقل عنه روايته عن الشافعي أو أبي عبدالله رأيه أو قوله الجملي، وقد يختلفون في تحديد مقصوده بأبي
_________
(١) انظر «الحاوي» (٢/ ٢٠).
(٢) انظر «الحاوي» (١٠/ ٤١٩).
(٣) انظر «المختصَر» (الفقرة: ٢٦١٢).
стр. 185
عبدالله هل هو مالك أو الشافعي؟ ومن ثم قد يتركون روايته ولا يعزونه إلى الشافعي، ومن أمثلته ما روي عن الشافعي أن وقت المغرب يدوم إلى غيبوبة الشفق، فمن أصحابنا من حكاه قولًا قديمًا، وعليه مشى الشيخان تبعًا لإمام الحرمين، وأنكره جمهور الشافعية (١).
وأما الحارث بن سريج النقال .. فهو الذي حمل رسالة الشافعي إلى ابن مهدي، وبسببه سُمِّي «النقال»، ومن غرائب روايته التي خالف بها رواية المُزَني والربيع في مسألة السارق اللطيف أنه يجب القطع على السارقين المتعاونين معًا (٢).
وأما أبو عبدالرحمن الشافعي .. فكان من كبار أصحاب الشافعي الملازمين له ببغداد، ثم صار من أصحاب ابن أبي دؤاد واتبعه على رأيه وقال بمنكرات من المسائل (٣).
وقد سبق ذكر كل من الحسين الكرابيسي والزعفراني فلا نعيدهما.
الأصل الثالث: نقل بعض رواة الجديد، ومن أمثلتهم المُزَني، فقد اهتمَّ بنقل أقوال الشافعي القديمة، وبعض هذه الأقوال لا تعرف إلا من طريقه، ومن أمثلته قال (ف: ٢٤٤٤): «ولا يَلْزَمُ المغْلُوبُ على عَقْلِه، إلَّا مَنْ سَكِرَ، وقال في القديم: في ظِهارِ السَّكْرانِ قَوْلان: أحَدُهما - يَلْزَمُه، والآخَرُ - لا يَلْزَمُه»، فذكر قولين عن القديم، قال الماوردي: «مذهب الشافعي في الجديد والقديم وما ظهر في جميع كتبه ونقله عنه سائر أصحابه
_________
(١) انظر «المختصَر» (الفقرة: ١٤٢).
(٢) انظر «المختصَر» (الفقرة: ٣٢٥١).
(٣) انظر «الطبقات» لابن السُّبْكي (٢/ ٦٥).
стр. 186
غير المُزَني أن طلاق [السكران المتعدي بسكره] وظهاره واقع كالصاحي، ونقل المُزَني عنه قولًا ثانيًا في القديم أن طلاقه وظهاره لا يقع، فاختلف أصحابنا فيما نقله عنه، فأثبته بعضهم قولًا ثانيًا؛ لثقة المُزَني في روايته وضبطه لنقله، ونفاه الأكثرون وامتنعوا من تخريجه قولًا ثانيًا؛ لأن المُزَني وإن كان ثقة ضابطًا فليس من أصحابه في القديم، ومذهبه في القديم إمَّا أن يكون مأخوذًا من كتبه القديمة، وليس فيها هذا القول، وإمَّا أن يكون منقولًا من أصحاب القديم، وهم: الزعفراني، والكرابيسي، وأبو ثور، وأحمد بن حنبل، والحارث بن سريج النقال، وأبو عبد الرحمن الشافعي، ولم ينقل عن واحد منهم هذا القول، فلا يجوز أن يضاف إليه، ويجوز أن يكون سمعه من بعض أصحاب القديم مذهبًا له فوهم ونسبه إلى الشافعي؛ لأن أبا ثور يرى ذلك مذهبًا لنفسه، فصار مذهبه قولًا واحدًا في الجديد والقديم أن طلاق السكران وظهاره واقع» (١).
قلت: ويجوز أن يكون وجده فيما عنده من الكتب القديمة، أو يكون خرجه على أصل للشافعي في القديم، فالشافعية كما يستخرجون قول الشافعي في المسكوت عنه من قوله في أصله أو شبيهه فكذلك يفعلون في القديم، ولا يخفى أن مرجع هذا إلى الأصلين قبله، وسنتكلم عنه بشيء من التفصيل إن شاء الله.
فهذه الأصول الثلاثة التي إليها يرجع ما قد توجد في كتب المذهب من الأقوال القديمة.
_________
(١) انظر «الحاوي» (١٠/ ٤١٩).
стр. 187
السؤال الرابع والأخير: ما هو التعريف الصحيح للجديد والقديم على ضوء ما سبق ذكره؟
فأقول: الذي يظهر من استعمال المُزَني لعبارة الجديد والقديم أو الحديث والقديم أنهما وصفان لكتب الشافعي، فالقديم: ما كتبه الشافعي قبل سفره إلى مصر، سواء رجع عنه في مصر أو سكت عنه، والجديد: ما كتبه في مصر، سواء كان كتابًا جديدًا مستقلًّا بذاته، أو إعادة تحرير وإملاء لما سبق تأليفه له في الحجاز والعراق يقرّ بعضه ويغيّر بعضًا، كما حصل ذلك في الرسالة القديمة والجديدة، ولا أرى وراء هذا حاجة إلى التنطع في تشقيق عبارات واستدراك صور افتراضية لا حقيقة لها في واقع فقه الشافعي، والله أعلم.
موقف الأصحاب الشافعية من القديم
سبق أن ذكرنا عن الشافعي بالإسناد الصحيح أنه قال: «لا أجعل في حِلٍّ مَنْ رَوَى عني الكتاب البغدادي»، وذكرنا تخصيصه بالقديم الذي رجع عنه في الجديد، بل إن إمام الحرمين زاد على ذلك وقال بأن الغالب على الأقوال القديمة أنها خارج محلّ الاجتهاد، وأن قضاء القاضي بها يجب أن ينقض، ومن أمثلته مسألة عدة زوجة المفقود، قال في القديم: تتربص بعد انقطاع الأخبار أربعَ سنين، ثم تعتد بعدها عدة الوفاة أربعةَ أشهر وعشرًا، ثم تنكِح إن شاءت، قال الشافعي: «قلدت فيه عمرَ بنَ الخطاب»، ثم إن الشافعي رجع عن هذا القول وقال في الجديد: تصبر حتى يأتيَها يقينُ طلاقه أو وفاتِه، وعَنَى باليقين أن يثبت سبب الفراق بطريق من الطرق الشرعية وبيِّنةٍ من البينات، ثم تتوقف إن استبهم الأمر ما عُمِّرت وبقيت، وغلَّط الشافعي مَنْ يعتقد بالقول القديم وصار إلى أنه لو قضى به قاضٍ نقضت
стр. 188
قضاءه، قال إمام الحرمين في: «وهذا المسلك يجري في معظم الأقوال الجديدة بالإضافة إلى القديمة؛ من قِبل أن التعويل في نقض القضاء على مصادفة قضاء القاضي سببًا معلوم بطلانه، وكذلك يجري الجديد مع القديم، فإنه بَنَى أقواله القديمة على اتباع الأثر وتَرْكِ القياس الجليّ، وتحقَّق عنده في الجديد أن ذلك باطل، فبنى نقضَ القضاء على معتقد إصرارٍ مقطوع به» (١).
ونحن لسنا مع إمام الحرمين في دعواه نقض قضاء القاضي بالقديم، ودعواه بأن ذلك مقتضى المذهب إذا خالف الرأي القياس الجليّ غير وارد مطلقًا؛ لأن هذا ليس من باب مخالفة القياس الجليّ ذهابًا إلى عدم الاحتجاج به، وإنما لما عارضه من أقوال الصحابة، وقضاء عمر خاصة في المسألة التي تكلم فيها إمام الحرمين خاصة، والاختلاف في تقديم القياس على قول الصحابي أو العكس ليس في شيء من مخالفة البينات التي ينقض بسببه قضاء القاضي، وإنما أوردت عبارته هذه للتنبيه إليه أولًا، ثم الإشارة إلى أن مقتضى دراسة المذهب الشافعي عدم الاشتغال بالأقوال القديمة التي رجع عنها الإمام، وهذا لا ينبغي الاختلاف فيه.
إلا أنه يشكل عليه أننا نجد الأصحاب يحكون عن الشافعي أقواله القديمة التي رجع عنها، بل ويوجِّهونها ويفرعون عليها، بل إنهم أحيانًا يرجحون القديم على الجديد، فكان لا بد من شرح ذلك وتفصيل القول فيه في ترتيب أسئلة ثلاثة والجواب عنها.
_________
(١) انظر «النهاية» (١٥/ ٢٨٧)، وانظر «المختصَر» (الفقرة: ٢٦٨٦).
стр. 189
السؤال الأول: لماذا عُنِي الشافعية بذكر الأقوال القديمة مع رجوع الشافعي عنها؟
الذي يظهر لي أن العناية بالأقوال القديمة سرى إلى الشافعية من خلال عنايتهم بمختصَر المُزَني، فالمُزَني عُنِي في الكتاب بذكر تلك الأقوال، وعلى بنائه بنى الشافعية من بعده، فكلهم شرَّاح لكتابه إما الشرح المباشر أو بالواسطة، وقد قال إمام الحرمين: «لا أصل للقول القديم، وهو مرجوع عنه، ولولا إقامة الرسم ومحاولة نقل ما بلغني لما كنت أعدُّ الأقوال القديمة مذهبًا للشافعي» (١).
ويعتذر عن ذلك بأمرين اثنين:
أحدهما: أن ذكر المُزَني والأصحاب لها إنما كان من فهم غرض الشافعي بتأليفه، فالشافعي نهى أصحابه عن تقليده سواء في ذلك القديم والجديد، وإنما المتبع الدليل، والقديم والجديد باعتبار الدليل على مرتبة واحدة في الفقه الإسلامي، ويؤيِّد هذه النظرة عدم تحرج الأصحاب من ترجيح القديم والعمل به حيث أيَّده الدليل في نظرهم واجتهادهم الخاص، فهم اتبعوا الشافعي في أمره بالاجتهاد، وذكروا القديم كوجه من وجوهه.
ثانيهما: أنهم إذ يحكون القديم عن الشافعي لا يحكونه مطلقًا، وإنما مقيدًا بكونه القديم، والجديد هو المذهب دون القديم كما قال السمعاني (٢)، أو كما قال الغزالي: «له قولان بالإضافة إلى عمره، لا بالإضافة إلى وقت واحد» (٣)، فلا إشكال في حكايته على هذا الوجه،
_________
(١) انظر «النهاية» (١٥/ ٢٨٤).
(٢) انظر «القواطع» (٥/ ٧٦).
(٣) انظر «حقيقة القولين» (ص: ٢٨٠).
стр. 190
ويفيد القارئ تقرير قيمة الرجوع إلى الحق إذا اتضح للعالم والمتفقِّه.
السؤال الثاني: لماذا عُنِي الشافعية بتوجيه الأقوال القديمة والتفريع عليها عنايتهم بأقواله الجديدة؟
لقد ذكرنا مرارًا أن القديم في حكم المرجوع عنه، فهو في ذاته قول ضعيف، فالظاهر عدم الاشتغال بتوجيهه والتفريع عليه، وقد أشار إلى هذا المعنى إمام الحرمين فقال: «إن القولَ القديم ليس معدودًا من المذهب؛ فإن الشافعي ﵀ لما نصَّ عليه في الجديد على جزم رجع عمَّا صار إليه في القديم، ولكن أئمة المذهب يعتادون توجيه الأقوال القديمة على أقصى الإمكان، ثم يفرعون عليه» (١).
ولمَّا ذكر الغزالي في «الوجيز» مسألة طلاق المريض اكتفى بذكر القول الجديد الصحيح أنه يقطع الميراث كطلاق الصحيح، وقال: «فلا معنى لتطويل التفريع على القول الضعيف»، لكن الرافعي في «شرحه» (١٤/ ٦٨٣) تعقَّبه وقال: «أعرض عن التفريع على القديم وقال: (لا معنى لتطويل التفريع على القول الضعيف)، ولو سلكنا هذا المسلك في مسائل القولين والوجهين لانحطت عنَّا مُؤَن كبيرة وفاتنا لطائف كثيرة، فنفرع على القديم كما هو دأب الفقيه ونقول: … ».
فأشار إلى أن هذا دأب الفقهاء توجيه القديم والتفريع عليه، بل تطويل التفريع، بل أحيانًا يفرعون القديم على الجديد كما نقل ذلك عن ابن سريج في مسألة اقتداء القارئ بالأمي أنه صحيح سواء كانت الصلاة جهرية أو سرية، إلا أن ذلك أنكر عليه وعدوه غير مستحسن في الفقه، قال إمام
_________
(١) انظر «النهاية» (٢/ ١٩٦).
стр. 191
الحرمين: «تفريع القديم على الجديد لا يحسن في نظم المذهب» (١)، والسبب في استنكار هذا العمل أنه يقتضي القول بأن القديم مذهب للشافعي، وقد قدمنا أن الصحيح خلافه، لكن يمكن أن يوجه صنيع ابن سريج بأنه اجتهاد خاص له، أو أنه تصرف منه بغرض التدريب على طرق الاجتهاد الذي هو غاية كل متفقِّه، ويؤيد ذلك ما سبق أن ذكرناه من أن الأصحاب نظروا إلى هذه الأقوال من زاوية الاجتهاد الحر دون تقيُّد بنسبتها إلى الشافعي ﵁.
السؤال الثالث: ما وجه ترجيح الأقوال القديمة والعمل بها وهي مرجوع عنها وما ماهية هذا الترجيح؟
ذكرنا أن كل مسألة اختلف فيها قوله في القديم والجديد فالمذهب الجديد، والقديم مرجوع عنه، غير أن إمام الحرمين قال: «قال الأئمة: كل قولين أحدهما جديد، فهو أصحُّ من القديم، إلا في ثلاث مسائل» (٢)، فذكر منها: مسألة التثويب في أذان الصبح، ومسألة التباعد عن النجاسة في الماء الكثير، قال ابن الصلاح: «ولم ينصَّ على الثالثة، غير أنه لما ذكر القول بعدم استحباب قراءة السورة بعد الركعتين الأوليين - وهو القول القديم - ذكر أن عليه العمل، وفي هذا إشعار بأن عليه الفتوى»، كذا قال في «أدب المفتي والمستفتي» (ص: ٩٠)، وقال في «الفتاوى» (١/ ٢٢٥): «كنا نظن أن هذه هي الثالثة، حتى وجدته قد قال في (المختصَر المنتخَب من النهاية) أن الثالثة تأتي في كتاب زكاة التجارة»، ثم إن ابن الصلاح حكى عن بعض المتأخِّرين أنه بلغ بها أربع عشرة مسألة، وزاد عليه من عنده أربعة مسائل
_________
(١) انظر «النهاية» (٨/ ٤١٨)، وانظر «فرائد الفوائد» للمناوي (ص: ٥٨).
(٢) انظر «النهاية» (٢/ ٥٩)، وانظر نحوه (١/ ٢٥٨).
стр. 192
أخرى لتصير ثماني عشرة مسألة كما عدَّها ابن الصلاح في «الفتاوى» وقد سئل عن كميتها، ونقلها عنه النووي في «المجموع» (١/ ١٠٨) وزاد عليه مسألة أخرى، وزاد عليه آخرون مسائل ظهر لهم فيها الفتوى بالقديم، وليس عدها أو شرحها من مقاصدنا هنا، ذلك أن شيئًا منها كما قال ابن الصلاح ليس متفقًا عليه، لا من حيث إنها ذلك العدد ليس غير، ولا من حيث إن الخلاف فيها من قبيل الخلاف بين القديم والجديد، ولا من حيث إن الأصحَّ فيها القديم، فإن منها - كما قال - ما ذهب فيه بعض الأئمة إلى أن الصحيح هو الجديد لا القديم، ومنها ما قطع فيه بعض الأئمة بالقول الواحد ولم يجعل خلافًا بين الجديد والقديم، ومنها ما يجعله بعض الأئمة مسألة وجهين لا مسألة قولين، فلا داعي للإطالة بذكر تفاصيل تلك المسائل وشرحها (١).
وإنما الذي يَعنينا هنا هو بيان وجه التصحيح والفتوى بالقديم عند من يُفتي به، فليس ذلك من بابة واحدة كما قد يتوهَّم من أول النظر، والذي ظهر لي منها باعتبار عمل المُزَني في «مختصَره» وعمل الأئمة من بعده وجوه أربعة:
الوجه الأول: تخريج القديم مذهبًا واختيارًا للمرجح، وعليه فالمراد بالأصحِّ الأصحُّ اختيارًا ودليلًا، لا الأصحُّ مذهبًا ونقلًا، وقد أشار إلى هذا ابن الصلاح فقال بأن اختيارهم القديم مع أنه لم يبق قولًا للشافعي لرجوعه عنه من قبيل اختيار أحدهم مذهب غير الشافعي إذا أداه اجتهاده إليه، قال:
_________
(١) انظر في شرح المسائل التسعة عشر التي عدها النووي كتاب «فرائد الفوائد» للمناوي (ص: ٥٩ - ٦٨)، وانظر كتاب «المعتمد» (ص: ١٣٧ - ١٤٧) للباحث محمد بن عمر بن أحمد الكاف منشور على الشبكة، فقد ذكر ما بلغه علمه من عَدِّ مسائل القديم التي يفتى بها.
стр. 193
«وبل أولى؛ لكون القديم قد كان قولًا له منصوصًا» (١)، فجعله من باب اجتهاد الأصحاب واختياراتهم، وهم أهله «وإن كان اجتهادهم مقيَّدًا مشوبًا بتقليد نقل ذلك الشوب من التقليد عن ذلك الإمام إلى غيره، ولا يلزم من ذلك نسبته إلى الشافعي، ولم يقل أحد من المتقدمين في هذه المسائل أنها مذهب الشافعي أو أنه استثناها»، قاله النووي، وقال: «وإذا أفتى بين ذلك في فتواه، فيقول: مذهب الشافعي كذا، ولكني أقول بمذهب أبي حنيفة وهو كذا» (٢).
قال ابن الصلاح: «ثم حكم من لم يكن أهلًا للترجيح من المتبعين لمذهب الشافعي ﵁ ألا يتبعوا شيئًا من اختياراتهم هذه المذكورة؛ لأنهم مقلدون للشافعي دون من خالفه، والله أعلم» (٣).
قال النووي: «فالحاصل أن من ليس أهلًا للتخريج يتعيَّن عليه العمل والإفتاء بالجديد من غير استثناء، ومن هو أهل للتخريج والاجتهاد في المذهب يلزمه اتباع ما اقتضاه الدليل في العمل والفتيا مبينًا في فتواه أن هذا رأيه، وأن مذهب الشافعي كذا، وهو ما نصَّ عليه في الجديد» (٤).
وهذا الوجه هو المشهور ذكره المعروف خبره في التوجيه، غير أنه ليس كافيًا ولا حاصرًا لما عليه حال هذه الترجيحات، بل إن من ضمن هذه الترجيحات ما يُنسب إلى المذهب قطعًا، ومنها ما نسبه أصحابها وإن لم يوافقوا عليه، فأقول:
_________
(١) انظر «أدب المفتي والمستفتي» (ص: ٩٠).
(٢) انظر «المجموع» (١/ ١١٠).
(٣) انظر «أدب المفتي والمستفتي» (ص: ٩٠).
(٤) انظر «المجموع» (١/ ١١٠).
стр. 194
الوجه الثاني: تخريج القديم قولًا للشافعي جديدًا منصوصًا في بعض كتبه وأماليه، فهو قديم باعتبار الكتاب الذي نقل منه، وجديد باعتبار إقرار الشافعي له في كتبه الجديدة، فقد يرجحه بعض الأصحاب باعتبار النصِّ الجديد، ويخفى على آخرين نصُّه الجديد فيرجحه لدليله معتقدًا أنه من باب ترجيح القديم وليس به، وهذا معنى ما سبق أن نقلناه عن ابن الصلاح من عدم اتفاقهم على أن الخلاف في تلك المسائل من قبيل الخلاف بين القديم والجديد.
الوجه الثالث: ترجيح القديم باعتبار قياس قول للشافعي في الجديد في نظائر المسألة وأشباهها، وقد أكثر من هذا المُزَني في «المختصَر»، وهذا بمثابة معارضة المنصوص بالقول المخرج، بل هذا أولى بالجواز منه؛ لأن نصَّ الشافعي عليه ولو في القديم دليل على وجاهته عنده وإن كان رجوعه عنه يوهم ضعفه أيضًا، وعلى كل فليس هذا الوجه أيضًا مما يمكن أن يتمحَّض فيه القول بأنه من باب ترجيح القديم على الجديد.
الوجه الرابع: ترجيح القديم بناءً على أصول الشريعة التي هي عمدة الشافعي في فقهه واستنباطه، وقد قال إمام الحرمين: «ومما يجب أن يعتقده من ينتحل مذهب الإمام المطلبي أنه يبني فرعه على أصول الشريعة، وقد صحَّ في منصوصاته أنه قال: (إذا بلغكم عني مذهب، وصحَّ عندكم خبر على مخالفته .. فاعلموا أن مذهبي موجَبُ الخبر)، والظن به أنه لو زَلَّ قلم ناسخ عنه عن أصلِ أنَّ مذهبه موجَبُ الأصل، وما نُقل محمول على تحريف أو غفلة» (١)، قال عبدالله: هذا في نصٍّ منقول عن الشافعي لا معارض له، والمذهب القديم إذا كان مقتضى أصوله أن يكون مذهبه أولى.
_________
(١) انظر «النهاية» (١٩/ ٣٨٩).
стр. 195
إلا أن عندي وقفة مِنْ أخذ هذا الوجه على عمومه، فإن أصول الشريعة معنى عام لا اختصاص للشافعي بها، وفتح باب تصحيح المذهب بناءً على تلك الأصول العامة لا يمكن أن يكون صحيحًا ولا مقصودًا لإمام الحرمين أو غيره، وإنما يكون ذلك حيث يغلب على الظن بأن الشافعي عدل عن قوله القديم لضعف دليل بعينه ثم يبيِّن قوته على وَفْق أصوله المعروفة، وأخصّ ذلك أن يعدل عن القديم لعدم ثبوت حديث يؤيده عنده، ثم يثبت الحديث من غير إسناده، وقد نصَّ النووي في «المجموع» (١/ ١١٠) على هذه الصورة فقال: «القديم الذي عضده نصّ حديث صحيح لا معارض له مذهب الشافعي ﵀، ومنسوب إليه، إذا وجد الشرط الذي قدمناه فيما إذا صحَّ الحديث على خلاف نصه، والله أعلم».
اصطلاح آخر في القديم والجديد
ليس القول الأول والثاني للشافعي مقتصرًا على أقواله في مصر وقبله، بل قد يوجد للشافعي في الجديد قولان أول قديم، وثانٍ جديد (١)، ويكون ذلك لأجل دليل ناقل اطلع عليه لم يعلمه أولًا.
ومن أمثلته أن المُزَني (ف: ٧٨٥) نقل عنه في صوم المتمتع الذي لا يجد الهدي في أيام التشريق أنه لا يجزئه عند الشافعي، ثم قال المُزَني: «قد كان قال: يُجْزِئه، ثُمَّ رَجَعَ عنه»، وحمل القولان في كتب الأصحاب على القديم والجديد، بل إن النووي قال في زوائد «الروضة» (٢/ ٣٦٦): «هذا القديم هو الراجح دليلًا، وإن كان مرجوحًا عند الأصحاب».
_________
(١) انظر القسم الخامس في «القواطع» للسمعاني (٥/ ٦٩).
стр. 196
ويلاحظ أن المُزَني على غير عادته لم ينسب القول الأول إلى القديم كما فعل الأصحاب، ذلك أن مصدره عنده هو حكاية الشافعي له في الجديد، كما ذكر ذلك بعدُ (ف: ٨٣١) على لسان الشافعي قال: «قدْ كُنْتُ أراهُ، وقد يَكُون مَنْ قال: «يَصُومُ أيَّامَ مِنًى» ذَهَبَ عنه نَهْيُ رسولِ الله ﷺ عنها»، وهذا نصٌّ محتمل لا يلزم أنه كان يراه قبل مصر أو بعده، وربما كان ذلك قبل القديم والجديد معًا، والشاهد توسع الأصحاب في إطلاق القديم على القول الأول دون تقيُّد بالكتاب القديم.
ومن أمثلته كذلك نقل النووي في أصل «الروضة» (١/ ٢٩) قولًا عن القديم بأن الأرض النجسة تطهر بالشمس، فتعقَّبه الإسنوي وقال في «المهمات» (٢/ ٨٢): «رأيت في (التقريب) للإمام القاسم ابن القفال الكبير الشاشي أن الشافعي نصَّ في (الإملاء) على أن الأرض تطهر بالشمس»، قال: «وحينئذ فيكون التطهير بها قولًا واحدًا جديدًا، لا قديمًا؛ لأن (الإملاء) من الكتب الجديدة كما قاله الرافعي في مواضع كثيرة، وأن الجديد إذا أطلقوه في مقابلته أرادوا به (الأم)».
قلت: لا وجه لهذا الإطلاق والتخصيص إلا اعتبار الأولية، والله أعلم.
стр. 197
الفصل الرابع: الترديد بين الأقوال في موضع واحد
هذا الفصل من أكثر ما استشكل على الشافعي وشنع به عليه، والنكتة فيه أن القولين أو الأقوال صدرت في آن واحد وليس ذلك بشأن الفقيه، ولا شناعة إذا عرف وجه الحقيقة ومقاصد الإمام بذلك؛ ذلك أن الإمام لم يكن من مقاصده ضبط القول في الفروع الفقهية حتى يتخذ قوله من بعده قانونًا متبعًا يقلد فيه كما يتوهم الواهمون وكما حصل أخيرًا على أيدي المقلدين الحاجرين المتحجِّرين، وإنما أراد ضبط طرق الاستدلال والنظر التي هي قطعية ويجب أن تكون محل إجماع، ومن هنا كثر في كلامه الترديد بين الآراء المحتملة القابلة للنقاش والجدل والمناظرة، ليس ذلك لأنه لا رأي له، وإنما لأنه يريد أن يصل كل إلى الرأي المختار عنده بطريق الاستدلال الصحيح.
وفي هذا الفصل نحاول أن نضبط صور ترديد الشافعي الأقوال في المسألة بحصر موارده، ومن ثَمَّ نبيِّن حكمه وحكمته، والذي ظهر لي منها صور سبعة:
стр. 198
الصورة الأولى: الترديد بين القولين أو الأقوال مع بيان المختار عنده (١).
فيكون مذهبه هو القول الذي رجَّحه؛ لأن قول المجتهد ليس غير ما يترجَّح عنده، وفائدة ذكر المرجوح معه بيان مرجوحيته لئلَّا يتوهَّم رجحانه (٢)، ثم النظر في أمرين:
أحدهما: في نسبة الأقوال المرجوحة إلى الشافعي، فظاهر كلام الأصوليين عدم نسبتها إليه والجزم بما رجَّحه، والمشهور في كتب الفقه النسبة، وقد يجزم بعضهم، ويمكن الجمع بين المذهبين بأن الأول باعتبار الحقيقة والثاني على التوسع والمجاز، فلا شك أن مذهب الإمام وقد صرح باختياره هو المختار عنده، لكن ترديده القول وعدم جزمه بالحكم يدل على أن للأقوال المذكورة أيضًا وجهًا من الفقه والنظر، وأنها محلُّ اجتهاد المتفقِّه المجتهد ومباحثته، وبهذا الاعتبار جاز النسبة.
ثانيهما: موافقة الإمام في ترجيحه ومخالفته، ولا يخفى أن من يقلد الشافعي لا يصحُّ له إلا موافقته في ترجيحه، لكن الأصحاب وهم أهل اجتهاد قد يخالفونه في الترجيح، إما على أساس التخريج وقياس المذهب، أو على أساس الدليل واختيار القول الخارج من أصول المذهب، ولا يستنكر هذا منهم، فهم قد يستخرجون القول على قياس المذهب فيعارضون به النصَّ الجازم، وقد يخالفون المذهب ويقولون بحسب ما أدَّاهم إلاه الاجتهاد المطلق، فبالأولى أن يصحَّ مخالفتهم للشافعي في
_________
(١) انظر الضرب الأول من القسم الرابع عشر في «القواطع» للسمعاني (٥/ ٧٩).
(٢) انظر «تشنيف المسامع» للزركشي (٣/ ٦٦٧)، و «الغيث الهامع» للعراقي (٣/ ٨٣).
стр. 199
الترجيح بين أقوال ردد القول فيها وإن كان صرح بترجيحه، وقد أكثر من ذلك المُزَني في «مختصَره» (١).
ثم إن للشافعي في الترجيح بين القولين أو الأقوال في حال الترديد أنحاءً وأوجهًا:
الوجه الأول (٢): أن يذكر القولين أو الأقوال ثم يصرح بما يختاره، وله في ذلك عبارات وأساليب، فقد يقول: «وبه أقول»، أو يقول: «وهذا أصحُّ»، وقد يجمع بينهما فيقول: «وهو أصحُّ وبه أقول»، أو: «وهو أصحُّ القولين وبه أقول»، أو يقول: «هو أشبه»، قال المُزَني (ف: ٢٨٦٨): «الأشبه أولى به»، أو يقول: «أحسن عنده»، وقد قال المُزَني (ف: ٢٢١٣): «الأحْسَنُ أوْلَى به مِنْ الذي لَيْسَ بأحْسَنَ»، وأمثلة ذلك كثيرة لا داعي للإطالة بذكرها.
الوجه الثاني (٣): أن يكون له قول معروف هو مذهبه، ثم يردّد القولين بقصد المحاجَّة وإظهار بطلان ما خالف قوله الذي هو مذهبه، فلا حكم لهذا الترديد ولا ينبغي أن ينسب إلى الشافعي، وقد قال إبراهيم ﵇ أقوال عَبَدة النجوم والكواكب، لا لتخالج ريب استبطنه، بل حجة على كفار قومه ليتبيَّنوا بطلان ما يعبدونه.
وقد يكون المقصود بالإبطال أحد القولين اللذَيْن ردد بينهما، مثل مسألة من جامع امرأته في شهر رمضان فكفر عن جماعه هل يجب عليه قضاء اليوم الذي أفطره أم لا؟ خرجه على قولين، لا لاحتمالهما في الفتيا
_________
(١) انظر على سبيل المثال (الفقرتين: ١٣٣٧، و ١٣٣٨).
(٢) انظر «القواطع» للسمعاني (٥/ ٨٠).
(٣) وهو القسم الأول في «نصرة القولين» لابن القاص (ص: ١٠٧).
стр. 200
عنده، وإنما لاحتمالهما في التفسير واختلاف الناس فيهما، وليتبيَّن فساد قول من أسقط القضاء فيزداد به السامع يقينًا في تحقيق قول من أوجبه، وهو قوله (١).
وقد يقصد بالترديد بين القولين إبطال ما توسَّطهما (٢)، مثل قوله في وضع الجوائح وقد قدرها مالك بوضع الثلث: «ليس إلا واحد من قولين: إما أن توضع جميعها، أو لا يوضع شيء منها»، ومثل قوله في الجارية الموصَى بها إذا ولدت أو وهب لها بعد موت الموصي وقبل قبول الموصى له لما جعل أهل العراق بعض ولدها وبعض ما وهب لها لورثة الموصي وبعضه للموصى له: «ليس إلا واحد من قولين: إمَّا أن يملكها الموصى له بالموت، فيكون كل ذلك له بحدوثه على ملكه، وإما أن يملكها بالقبول، فكل ذلك للورثة»، وليس لتبعيضه وجه، وهذا تحقيق يبطل به ما خالف القولين (٣).
قال السمعاني: «وليس فيه تعيين لأحد القولين وإن كان الحق لا يخرج عن أحدهما، فإن اقترن ما يدل على اختياره، مثل أن يفرع على أحدهما ويحكم به .. كان هو المذهب المضاف إليه دون الآخر، وإن تجرَّد عن قرينة لم يضف إليه واحد من القولين، وإن علم أن الحق لا يخرج منها؛ لعدم ما عداهما» (٤).
_________
(١) انظر «نصرة القولين» لابن القاص (١٠٧).
(٢) انظر القسم الثامن في «القواطع» (٥/ ٧٢).
(٣) انظر «المختصر» للمُزَني مسألة وضع الجوائح برقم: (١٠٦٧)، ومسألة الجارية برقم: (١٨٤٦).
(٤) انظر «القواطع» للسمعاني (٥/ ٧٣).
стр. 201
الوجه الثالث: أن يردد بين قولين ثم يبطل أحدهما، فيقول: «وهذا قول ينكسر ولا أقول به»، فالمذهب القول الآخر (١).
الوجه الرابع: أن يردد بين القولين أو الأقوال ويشير إلى قول منها بما يظهر ميله إليه، وهذا مجال اختلاف ونظر في مراد الشافعي.
فمن أمثلة ذلك: أن يقول: «وهذا مما أستخير الله تعالى فيه»، عدَّه السمعاني من علامات الترجيح (٢)، واعتبره المُزَني من الشك (٣)، فمن مسائله طلاق المريض هل يقطع الإرث أو لا يقطع؟ قال الشافعي في القديم: لا يقطع، واختلفت عبارته في الجديد، فجزم مرة بأنه يقطع، وقال في موضع آخر أنه يستخير الله فيه، فحمله المُزَني على اختلاف قوله فيه في الجديد، والأصح أن يحمل ذلك على الاتفاق (٤)، ومن مسائله كذلك: الكسير إذا صلى بالمسح على الجبيرة هل يعيد أو لا يعيد؟ قولان، واستخار الله في أنه لا يعيد (٥).
ومن أمثلته: أن يقول: «أشبهها في القياس»، وهذا يقرب من مرتبة التصريح بالترجيح؛ لأن «القياس عنده حق» كما قال المُزَني (ف: ٩٨٣)، لكني جعلته في مرتبة أدون من التصريح لأنه يمكن أن يكون القول أشبه في القياس ويكون مرجوحًا لأسباب أخرى.
_________
(١) انظر «شرح اللمع» للشيرازي (٢/ ١٠٧٧) وانظر «المختصر» (الفقرة: ١٨٤٣).
(٢) انظر «القواطع» للسمعاني (٥/ ٨٠).
(٣) انظر «المختصر» (الفقرة: ٢٦٥٢).
(٤) انظر «المختصر» (الفقرتين: ٢٣٥٨).
(٥) انظر «المختصر» (الفقرة: ٨١)، وهذه أرقام جميع مسائل الاستخارة في «المختصر»: (٨١، و ٦٣٩، و ٢٦٥٢، و ٣٢٢٧).
стр. 202
ومن أمثلته: أن يقول: «وهذا ظاهر الخبر»، فذكر الشافعي (ف: ٣٢٠٢) قولين في التأني باستتابة المرتد ثلاثًا، أحدهما لا يتأنى به، قال الشافعي: «وهذا ظاهرُ الخَبَرِ»، قال المُزَني: «وأصْلُه الظَّاهِرُ، وهو أقْيَسُ على أصْلِه».
ومن أمثلته: أن يقول عن أحد القولين: «هذا حكم الله»، فاختلف قول الشافعي في نفقة الأمة الحامل في العدة، فقال في موضع: النفقة على الزوج وأن ذلك حكم الله جل ثناؤه، وقال في موضع آخر: النفقة على السيد، قال المُزَني (ف: ٢٧٩٢): «الأوَّلُ أحَقُّ به؛ لأنَّه شَهِدَ أنَّه حُكْمُ اللهِ تبارك اسمه، وحُكْمُ اللهِ أوْلَى ممَّا خالَفَه».
الصورة الثانية: الترديد بين قول على الجزم وقول معلق بصحة دليل.
وذلك بأن يطلق قولًا على مقتضى دليل ويعلق آخر على ثبوت دليل آخر أرجح منه أو سقوطه.
فمن الأول (١): تعليق القول على صحة الخبر، وهذا كثير، فقد تبلغه سنة لم تثبت عنده، فيعمل بظاهر القرآن أو مقتضى القياس، ويجعل قوله من بعد موقوفًا على ثبوت السنة، ومن طرائف أمثلته: قال في القديم باستحباب التثويب في أذان الصبح، ثم رجع عنه في الجديد لأن أبا محذورة لم يَحكِه عن النبي ﷺ ، فمن أصحابنا من حكى القولين وأفتى بالقديم نظرًا لثبوت الخبر بالتثويب، وهذه طريقة المُزَني في «المختصَر» (ف: ١٥٩)، والمذهب الذي قطع به الأكثرون - استحبابه قولًا واحدًا، ووجهه: ثبوت التثويب من حديث أبي محذورة أيضًا، وقد اعتمد حديثه في الجديد، قال إمام
_________
(١) انظر القسم السادس في «القواطع» للسمعاني (٥/ ٦٩).
стр. 203
الحرمين: «كل حكم اعتمد الشافعي فيه الخبر وقد بلغه الحديث لا على وجهه أو لم يبلغه التمام .. فنحن نعلم قطعًا أنه لو بلغه الحديث على خلاف ما اعتقده وصحّ على شرطه لكان يرجع إلى موافقة الحديث، فكأنه في الجديد قال: مذهبي في التثويب ما صحَّ من قصَّة أبي محذورة» (١).
ومن الثاني (٢): أن يثبت عنده الخبر على خلاف القياس، فيقضي بالخبر ويعلق القول بمقتضى القياس ويقول: «لولا الخبر كان القياس … » (٣)، وقال الشافعي: «وأحِبُّ للنائم قاعدًا أن يَتوضَّأ، ولا يَبِينُ لي أنْ أوجِبَهُ عليه؛ لما رَوَى أنس بن مالك أنَّ أصحاب رسول الله ﷺ كانوا ينتظرون العِشاء فينامون - أحسبه قال: قُعودًا -»، قال المُزَني (ف: ٤٣): «وقد قال الشافعي: لو صِرْنا إلى النَّظر .. كان إذا غَلَبَ عليه النومُ تَوضَّأ بأيِّ حالاته كان. وعن ابن عمر: كان يَنام قاعدًا ويُصَلِّي ولا يَتَوَضَّأ».
وهذا في الحقيقة ليس من باب الترديد؛ لأن قول الشافعي في تعارض الخبر والقياس واحد، وهو القول بالخبر وترك القياس.
وهناك وجه ثالث من التعليق: وهو التعليق العام، وذلك أن الشافعي أصَّل أصول فقهه وقواعده، ورتَّب أدلة مذهبه ودلالاتها، فحيث خالفها في فرع من الفروع ولم يطلع على سبب موجب للمخالفة حسب أصوله .. كان اعتبار الأصل أولى من مراعاة الفرع الواحد المخالف له، ومن ذلك: أن الشافعي قال: «كل قول قلته فثبت عن النبي ﷺ خلافه فأنا أول راجع عما قلته، وقائل بموجب الحديث»، فبلوغ السنة لنا بعده كبلوغها له، وقد نُقل
_________
(١) انظر «النهاية» (٢/ ٥٩).
(٢) وهو القسم الرابع في «نصرة القولين» لابن القاص (ص: ١١٤).
(٣) انظر «المختصَر» (الفقرات: ١٠٠٩، و ١٦٢٦، و ١٨٢٢).
стр. 204
عن كثير من الأصحاب قولهم بالسنة الصحيحة المخالفة لقول الشافعي ثم نسبة ذلك القول له بناءً على هذا التعليق، وفعل الماوردي ذلك في الصلاة الوسطى، فإن الشافعي نصَّ على أنها الصبح عملًا بظاهر قوله تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين﴾ [البقرة: ٢٣٨]، ولا قنوت إلا في الصبح على تفسير القنوت بالدعاء، فلما بلغنا أن ابن مسعود ﵁ روى قوله ﷺ : «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر» .. انتقلنا عما قاله الشافعي من العمل بظاهر الكتاب إلى هذه السنة، إلا أن الأصحاب لا يكادون يتفقون على نسبة مثل هذا إلى الإمام، وذلك لما للنظر في الأحاديث من سعة أبواب الاجتهاد.
الصورة الثالثة: أن يذكر القولين، معتقدًا لأحدهما، وزاجرًا بالآخر (١).
فعل ذلك في قضاء القاضي بعلمه، وفي تضمين الأجير المشترك، فإن مذهبه أن للقاضي أن يحكم بعلمه وأن لا ضمان على الأجير، لكن ذكر الآخر زاجرًا ومرهبًا، وقد قال الشافعي رحمة الله عليه بعد ذكر القولين فيهما: «ولولا خوفي ميل القضاة وخيانة الأجراء لجعلت .. للقاضي أن يحكم بعلمه، ولأسقطت الضمان عن الأجير»، فعلل منع القاضي بميله، وضمان الأجير بخيانته، فدلَّ أن مذهبه فيمن لم يمل من القضاة جواز حكمه بعلمه، وفيمن لم يخن من الأجراء سقوط الضمان عنه، وإذا صحَّ هذا فيمن أمن ميله وخيانته ثبت حكمه فيمن خيف ميله وخيانته لعموم الحكم في الجميع، و «من كان زعيمًا في الدين فحقيق أن يكون زاجرًا ومحذِّرًا» (٢).
_________
(١) انظر القسم السابع في «نصرة القولين» لابن القاص (ص: ١٢٠)، والقسم الثالث عشر في «القواطع» للسمعاني (٥/ ٧٨).
(٢) و «القواطع» للسمعاني (٥/ ٧٨)، و «فرائد الفوائد» للمناوي (ص: ٣٢).
стр. 205
الصورة الرابعة: الجزم بقول ثم تعقيبه باحتمال قول آخر.
فيذكر الشافعي في موضع قولًا ثم يقول: «ولو قال قائل كذا كان مذهبًا» (١)، فالقول الذي هو مذهبه ما جزم به، وما ذكر من الاحتمال إخبار عن احتمال المسألة وجهًا من وجوه الاجتهاد، ولا يجوز أن ينسب إليه قولًا له على الصحيح، وقال بعض أصحابنا: يجعل ذلك قولًا له (٢).
الصورة الخامسة: الجزم بقول ورواية قول آخر.
كما فعل في مسألة وجوب الفدية إن وضع المحرم على رأسه حِملًا أو زَبيلًا، قال بعدم الوجوب، وروى عن عطاء الوجوب ولم يرد عليه، فحمله بعض الأصحاب على التردد؛ لأن دأب الشافعي أن يردَّ على كل مذهب لا يرتضيه، والمذهب الجزم أن لا فدية (٣).
الصورة السادسة: ترديد القول بين الحجة والاحتياط
فيكون المذهب ما يقتضيه الحجة، كما فعل في صيد المحرم فقال (ف: ٩٧٧) «إنْ نَتَفَ طَيْرًا .. فعليه بقَدْرِ ما نَقَصَ النَّتْفُ، فإن تَلِفَ بعدُ .. فالاحتياطُ أن يَفْدِيَه، والقياسُ أن لا شيءَ عليه إذا كان ممْتَنِعًا حتى يَعْلم أنه مات مِنْ نَتْفِه»، والقياس حجة، وهو الأظهر من القولين.
الصورة السابعة: ترديد القول من غير ترجيح أو إشارة إلى اختيار (٤).
_________
(١) انظر «المختصَر» (الفقرات: ٣١٩، و ١٩٦٥، و ٢٢٥٩، و ٢٤٢٠، و ٢٦٠٥، و ٢٧٦٩).
(٢) انظر «شرح اللمع» للشيرازي (٢/ ١٠٨٥)، و «القواطع» للسمعاني (٥/ ٨٨).
(٣) انظر «النهاية» لإمام الحرمين (٤/ ٢٤٢)، و «العزيز» للرافعي (٥/ ١٥٥)، وانظر «المختصَر» (الفقرة: ٨٧٦).
(٤) انظر الضرب الثاني من القسم الرابع عشر في «القواطع» للسمعاني (٥/ ٨١)، والقسم الرابع والخامس في «حقيقة القولين» للغزالي (ص: ٢٨٦).
стр. 206
وهنا يتسع باب البحث والنظر، وأحاول أن أرتِّب دلالاتها حسب ترتيب النظر فيها.
فأول ذلك: أن ذكر القولين واقتصاره عليهما إبطال لما عداهما، ذكره أبو إسحاق المروزي وغيره (١)، وهذا غرض فقهي صحيح جاء بنحوه الشرع والعمل المأثور، أمَّا الشرع .. فما قاله النبي ﷺ في ليلة القدر: «التمسوها في العشر الأواخر من رمضان»، فنفى أن تكون في غير شهر رمضان، وفي غير العشر الأواخر منه، وجعلها موقوفة على الاجتهاد في العشر الأواخر، وأما العمل المأثور .. فما فعله عمر في أهل الشورى، جعلها في ستة نفى بهم طلب الإمام في غيرهم ووقف الإمامة فيهم على من يؤدي الاجتهاد إليه منهم، وهذا عمل انعقد به إجماعهم، والشافعي ﵀ في هذا العمل مقتدٍ بالشرع من الرسول ﷺ والعمل من الصحابة ﵃، ولا يمتنع أن يبطل بالقولين ما عداهما ليكون الاجتهاد مقصورًا عليهما ولا يعدوهما.
الدلالة الثانية: أن ذكره القولين يدل على أن لكل واحد منهما في الاجتهاد وجهًا ودليلًا، وقد يكون ذلك لاختلاف القراءة في آية قرآنية لم يترجَّح عنده أحد وجوهها، مثل قوله تعالى: ﴿أو لامستم النساء﴾ [النساء: ٤٣]، فقراءة «لامستم» يوجب الوضوء على اللامس والملموس، و «لمستم» يوجبه على اللامس دون الملموس، وقد يكون ذلك لاختلاف الرواية عن النبي ﷺ ، كالمروي عنه ﷺ في بيان المواقيت أنه صلى عشاء الآخرة في الوقت الثاني حين ذهب من الليل نصفه، وفي خبر آخر: حين ذهب من الليل ثلثه، ولأجل اختلاف القراءة والرواية اختلف قوله، ولا يتوجه عليه في مثل هذا إنكار؛ لأن اختلاف الدليل يوجب اختلاف المدلول، وترجيح
_________
(١) وهو القسم السابع في «القواطع» للسمعاني (٥/ ٧١)، وانظر «التلخيص» لإمام الحرمين (٣/ ٤١٦).
стр. 207
أحدهما بدون مرجح تحكُّم لا يجوز في الفقه والاجتهاد (١).
الدلالة الثالثة: قد يردد الشافعي بين القولين أو الأقوال ليمتحن المتعلمين باستخراجهما ويتبيَّن فضل المجتهد على البليد (٢)، والواجب في مثله التعرف على المذهب بواسطة دليل خارجي من نصوص الإمام وتصرفاته، وغالب هذه المواطن وَفْق الأصحاب أن يتعرفوا على اختيار الشافعي فيها من خلال النظر في مجموع نصوصه، وخفي عليهم بعض ذلك، ومن هنا وجب بيان وسائلهم في معرفة الراجح، وبيان حكم القولين إذا لم يعرف من كلام الإمام المختار عنده.
وسائل معرفة اختيار الإمام من أقوال الترديد:
الوسيلة الأولى: أن يعيد الشافعي ﵀ ذكر المسألة في موضع آخر ويقطع بأحد القولين، فهل يكون ذلك من الشافعي تركًا للتردد؟ ذكر الماوردي فيه ثلاثة مذاهب عن أصحابنا (٣):
فقال بعضهم: لا يكون ذلك تركًا للتردد ولا قطعًا بالقول المعاد، ولا تأثير لإعادة ذكره أحد القولين كما لا تأثير لزيادة الشهود في تعارض البينتين، وإنما الذي يقتضي تحقيق مذهب الشافعي في أحد القولين أن يقول: «وبهذا أقول»، «وهو أولى أن يحتج له».
وقال آخرون: لها تأثير في ألا يترجح عليه القول المتروك على المعاد، لكن لا يصير المعاد بها أرجح من غيره.
_________
(١) انظر القسم الرابع في «القواطع» للسمعاني (٥/ ٦٨).
(٢) انظر القسم الثالث والعاشر في «نصرة القولين» لابن القاص (ص: ١١٠).
(٣) انظر «الحاوي» للماوردي (١٨/ ١٠).
стр. 208
والمذهب الثالث: قال المُزَني (ف: ٣٨١٦): «من قطع بشيء كان أولى به من حكايته له»، وأكثر منه في مختصَره، واختلف في حكايته عنه، فظاهر حكاية الشيخ أبي إسحاق الشيرازي أن ذلك اختيار للقول المعاد (١)، وحكاية الماوردي وإمام الحرمين أن ذلك رجوع عن التردُّد وإبطال للقول المتروك.
قال الماوردي: «إن المُزَني يبني على أصل لم يخالف فيه، وهو أن الشافعي إذا نصَّ على قولين ثم عمل بأحدهما أنه يكون إبطالًا للقول الآخر، وعند غيره من أصحابنا أنه لا يكون استعماله إبطالًا للآخر، وإنما يكون ترجيحًا له على الآخر» (٢).
وقال: «وليس الأمر على ما توهم [المُزَني]؛ لأن أقاويله إذا فرقت لم يحتج إلى تكرارها في كل موضع، ولو كان ما توهّم صحيحًا لاقتضى إذا كرر أحدهما في مواضع وكرر الأخرى في مواضع أن يكون نافيًا لهما» (٣).
وقال إمام الحرمين: «مذهب المُزَني في أن الشافعي إذا قطع قولًا في موضع كان ذلك تركًا منه للقولين» (٤)، قال: «وفي هذا دقيقة لا بد من التنبُّه لها، وهي أن الشافعي إذا نصَّ على قولين فكأنه لم يذكر لنفسه مذهبًا، وإنما ردَّدَ، ولو انتهى نظره نهايته لجزم القولَ، ولا مذهب لمتردِّد، نعم إن كان ينقدح مذهب ثالث فإعراضه عنه مذهب، ثم إن قطع قوله بعد القولين فيجب القطع بأن مذهبه ما قطع به، وما كان يتردد فيه ينتهى إليه ويقف،
_________
(١) انظر «شرح اللمع» للشيرازي (٢/ ١٠٨١).
(٢) انظر «الحاوي» للماوردي (١٧/ ٣٣٦).
(٣) انظر «الحاوي» للماوردي (١٨/ ٩ ونحوه: ٥/ ٢٠٥).
(٤) انظر «النهاية» لإمام الحرمين (١٩/ ٢١٠).
стр. 209
وإن تقدم قطعُه ثم قطع بعده بخلافه فهو رجوع واستحداث مذهب، وإن قطع بمذهب ثم ذكر بعده قولين فقد ترك المذهب وعاد إلى التردد، وإن نُقلت عنه نصوص مختلفة من غير تأريخ فلا وجه للاستشهاد بالبعض منها، غير أن المُزَني يستشهد بكثرة النصوص، وهذا لا متعلق فيه» (١).
وقال: «ولما قاله المُزَني وجه، وإن أنكره معظم الأصحاب» (٢).
قلت: كلام إمام الحرمين بالتفصيل أدقُّ من إطلاق الماوردي، وعليه فلنا ثلاثة أحوال:
الأولى - أن يردِّد الشافعي القول أولًا ثم يقطع آخِرًا، فالمذهب ما قطع به جزمًا، ومن أمثلته: أن يردد القول في القديم ويجزم بأحدهما في الجديد.
الثانية - أن يجزم الشافعي القول أولًا ثم يردد آخِرًا، مثل أن يجزم في القديم بقول ويردد في الجديد، فيجب النظر في الأظهر من القولين، ولا يكون جزمه القديم دليلًا على الاختيار قطعًا.
الثالثة - أن يجهل الأول والآخر من الترديد والجزم، وهذا محل اختلاف الأصحاب، ومذهب المُزَني النظر إلى كثرة النصوص، ثم إن الشيخ أبا إسحاق الشِّيرازي صحَّح مذهب المُزَني بالصفة التي حكاه من أن إعادة أحد القولين جازمًا به ترجيح له، ويستنبط من كلام الماوردي عَزْوه إلى مذهب جمهور الأصحاب، فيكون الصحيح إن شاء الله أن القول المعاد هو الراجح عند الشافعي؛ لأنه لما أعاد أحد القولين فالظاهر أن مذهبه هو
_________
(١) انظر «النهاية» لإمام الحرمين (١٩/ ٢١٠).
(٢) انظر «التلخيص» لإمام الحرمين (٣/ ٤١٨).
стр. 210
ذلك؛ لأنه لو كان مقيمًا على القولين لأعادهما، فلما أفرد أحدهما بالإعادة دَلَّ أنه هو الذي يذهب إليه ويختاره.
وحينئذ لا يخفى دقة المُزَني وقوة حجته في الترجيح، ولا يبعد أن يكون الصواب معه، والله أعلم.
الوسيلة الثانية لمعرفة الراجح من القولين عند الشافعي: تفريعه على أحد القولين دون الآخر هل يدل على أنه المختار عنده؟ جعله الماوردي والشيرازي والسمعاني مثل ترديده بين القولين في موضع وقطعه بأحدهما في آخر (١)، وقد يقال بأن التفريع أضعف دلالة على الترجيح من الجزم بأحد القولين؛ لأنه يرد فيه التنزل والتسليم.
ومن أمثلته الطريفة: مسألة ضمان الأجراء، ذكر الشافعي فيه قولين ولم يرجح بينهما، لكنه أورد عقبها مسائل جزئية فرعها على القول بالضمان، فاستنبط المُزَني منه أن الضمان هو مذهبه الذي يقول به، فتعقبه الماوردي وقال: «ليس تفريع الشافعي على أحد القولين إبطالًا للقول الآخر فيصح احتجاج المُزَني، وإنما يدل على أنه أرجح القولين في نفسه، وهذا صحيح من مذهبه، بل قد قال الشافعي: لولا خوفي من خيانة الأجراء لقطعت القول بسقوط الضمان عنهم» (٢)، وهذا النصُّ من الماوردي إقرار منه بتسليم دلالة التفريع على الترجيح، وإنما أنكر على المُزَني إبطاله القول الآخر لا ترجيحه، ويشكل على الماوردي إنكاره مع هذا على المُزَني استدلاله بموضع الجزم على موضع الترديد في وسيلة الترجيح السابقة.
_________
(١) انظر «الحاوي» (١٨/ ٢١٠)، و «شرح اللمع» (٢/ ١٠٨٢)، و «القواطع» (٥/ ٨٠).
(٢) انظر «الحاوي» للماوردي (٧/ ٤٢٩)، وانظر «المختصر» (الفقرات: ١٦٧٣ - ١٦٧٦).
стр. 211
الوسيلة الثالثة: النظر في قياس قول الشافعي فما وافقه من القولين يكون مذهبه، وذلك بناء على قواعد مذهبه ومآخذه (١)، وقد أكثر منه المُزَني أيَّما إكثار، ويعبر عنه بقوله: «قياس قوله»، أو: «أصله»، أو: «أولى به»، أو ما شابه ذلك.
الوسيلة الرابعة: اعتبار موافقة جماعة العلماء، وقد عمل بها المُزَني في مواطن، ومن قوله في ذلك: «قَوْلُه في جماعةِ العُلماءِ أوْلَى به مِنْ انْفِرادِه عنها» (٢)، وقد أقر هذا الوجه للترجيح كل من ابن الصلاح والنووي (٣)، ويدخل تحت هذا الأصل كذلك:
اعتبار موافقة أبي حنيفة ومخالفته، وهو الوسيلة الخامسة، وذكرها الفقهاء الأصوليون ونقلوا عن القفال أن الموافق أولى، وعن الشيخ أبي حامد أن المخالف أولى (٤)، ولا فقه في ذلك يعتد به.
حكم أقوال الترديد إذا لم نتمكَّن من معرفة اختيار الشافعي فيها:
فإذا لم يمكن معرفة اختيار الإمام بأحد الوسائل المقبولة التي أشرنا إليها - وقلما يحصل ذلك - اختلف الأصحاب في معنى الترديد على مذاهب:
فذهب بعضهم إلى أنه قصد بذكر القولين حكاية مذهبين من مذاهب العلماء.
_________
(١) انظر «أدب المفتي والمستفتي» لابن الصلاح (ص: ٨٦)، و «الروضة» للنووي (٨/ ٩٧).
(٢) انظر «المختصَر» (الفقرات: ٩٧، و ١١٩، و ٢٣٨٧، و ٣١٥٢، و ٣٥٩٧).
(٣) انظر «أدب المفتي والمستفتي» لابن الصلاح (ص: ٨٩)، و «المجموع» (١/ ١١١).
(٤) انظر «أدب المفتي والمستفتي» لابن الصلاح (ص: ٨٩)، و «المجموع» (١/ ١١١)، وانظر «تشنيف المسامع» للزركشي (٣/ ٦٧٠).
стр. 212
قال إمام الحرمين: «وهذا غير سديد من وجهين: أحدهما - أنه قد يجعل المسألة على قولين في صورة لا يؤثر فيها عن العلماء قول على التنصيص، والآخر - أنه يضيف القولين إلى اجتهاده، ولا يجري في ذلك مجرى حكاية المذاهب، فإنه إذا حكى المذهب فصيغة كلامه في الحكاية تتميَّز عند كل مصنف عن صيغة ذكره القولين» (١).
وذهب آخرون إلى أنه قال ذلك على التخيير، بناءً على القول بتصويب المجتهدين، وهذا مذهب القاضي الباقلَّاني (٢).
وقد ردَّ عليه إمام الحرمين هذا المذهب بأمرين (٣): أحدهما - أن الصحيح من مذهب الشافعي أن المصيب واحد، وثانيهما - القول بالتخيير إنما يمكن في تقدير واجبين، مثل أن يؤدي أحد الاجتهادين إلى إيجاب شيء والثاني إلى إيجاب غيره، ولا يؤدي تقدير جمعهما على سبيل التخيير إلى تناقض، أما إذا كان أحد الاجتهادين يؤدي إلى التحليل ويؤدي الثاني إلى التحريم فلا يتصور التخيير في القولين، إذ من المستحيل التخيير بين الحظر والتحليل، وكذلك لا يتحقَّق التخيير بين محرمين. وهذا الثاني في الأصل من اعتراض الحنفية على الشافعي، وقد رد عليهم ذلك السمعاني فقال: «إنما جاز التخيير بينهما على وجه البدل دون الجمع لأمرين: أحدهما - أنه لا يمتنع اعتدال الفرع في الشبه بين أصلين متجاذبين لوجود ذلك عيانًا، كما لا يمتنع اعتدال جهتين مختلفتين في القبلة، ثم كان لا يمنع اعتدال جهتين مختلفتين في القبلة من التخيير في الصلاة إلى أيهما شاء
_________
(١) انظر «التلخيص» لإمام الحرمين (٣/ ٤١٦).
(٢) انظر القسم الخامس في «حقيقة القولين» (ص: ٢٩٧)، وانظر «القواطع» للسمعاني (٥/ ٨٢).
(٣) انظر «التلخيص» (٣/ ٤١٩).
стр. 213
إجماعًا، وكذلك جاز مثل هذا اعتدال فروع بين أصلين في تخيير ردِّه إلى أيهما شاء، والثاني - أن القياس طريق إلى الأحكام كالنصوص، فلما جاز ورود النصِّ بالتخيير في الكفارة جاز أيضًا أن يكون القياس موجبًا للتخيير كالنصِّ، وليس بمستحيل في الشرع ورود النصِّ بالتخيير بين حكمين متنافيين، كما يُخيَّر المسافر بين الصوم والفطر وبين الإتمام والقصر، ويُخيَّر العبد بين الجمعة والظهر» (١).
هكذا أجاب السمعاني تنزلًا على قول تكافؤ الأدلة وإصابة المجتهدين، وليس ذلك مذهب المحقِّقين من أصحاب الشافعي، وليس أبدًا بالذي سار عليه الأصحاب وعملوا، بل إن الشيخ أبا إسحاق قال: «لا يقول به أحد»، لكن الغزالي ذهب إليه واستحسنه (٢).
والمذهب السديد: إنه ليس له في المسألة قول ولا مذهب، وإنما ذكر القولين ليتردَّد فيهما، وهو القول الثالث.
قال السمعاني: «إن الشافعي لم يذكر القولين في هذا المعنى على معنى أنه معتقد لهما أو مخيّر، وإنما ذكرهما لأن الحادثة تحتمل كلا القولين ولم يترجَّح عنده بعد أحدهما، فذكرهما لينظر فيهما ويختار منهما الصواب، فأدركه الموت قبل البيان، وليس في هذا عيب على المجتهد، بل هو دليل على غزارة علم المجتهد وكمال فضله وشدة تَوَقِّيه» (٣).
فإن قال قائل: فلا معنى لقولكم: «للشافعي قولان»؛ إذ ليس له على ما زعمتم في مثل هذه المسائل قول واحد ولا قولان .. أجاب إمام
_________
(١) انظر «القواطع» للسمعاني (٥/ ٨٣).
(٢) انظر «شرح اللمع» للشِّيرازي (٢/ ١٠٧٦)، و «حقيقة القولين» للغزالي (ص: ٢٩٨).
(٣) انظر «القواطع» للسمعاني (٥/ ٨٤)، ونحوه لإمام الحرمين في «التلخيص» (٣/ ٤٢٠).
стр. 214
الحرمين فقال: «هكذا نقول ولا نتحاشى منه، وإنما وجه الإضافة إلى الشافعي ذكره لهما واستقصاؤه وجوه الأشباه فيهما» (١).
قلت: وبعد ذلك يبقى البحث عن الأظهر منهما، فإن ترجَّح شيء من ذلك كان الترجيح مذهبًا لمن ترجَّح عنده، ولم يكن مذهبًا للإمام الشافعي؛ لأنه لم يترجَّح عنده (٢).
الصورة الثامنة: أن يذكر القولين حكاية عن مذهب غيره (٣).
كما يفعل في «كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى» ينقل عن هذا قولًا وعن هذا قولًا آخر، ومنه كذلك قوله: «فمن أصحابنا من رأى حلق الشعر وتقليم الأظفار ومنهم من لم يره» (٤).
وهذه الصورة مثل سابقتها في أنه توقف وليس قولًا للشافعي ولا مذهبًا له، ويزيد عليه بأنه لا دلالة له في حصر الحق في المذهبين المحكيين، إلا أن يعرف ذلك من خارج، قال السمعاني: «فإن أشار إليهما بالإنكار .. كان الحق عنده في غيرهما، وإن أشار إليهما بالجواز .. جاز أن يكون الحق عنده فيهما وفي غيرهما، وإن أشار إليهما بالاختيار .. كان الحق عنده فيهما» (٥).
وهذا لأن مجرد الحكاية لا توجب أن يكون المروي قولًا للراوي؛ لأن الحاكي يخبر عن معتقد غيره، فلم يجز أن يضاف حكايته إليه أنه يعتقده، وهذا كمن حكى الكفر لا يصير كافرًا، ومن نقل الخلاف لا يكون
_________
(١) انظر «التلخيص» لإمام الحرمين (٣/ ٤٢١).
(٢) انظر «القواطع» للسمعاني (٥/ ٦٨).
(٣) وهو القسم الثاني في «نصرة القولين» لابن القاص (ص: ١٠٩)، والقسم الثاني عشر في «القواطع» للسمعاني (٥/ ٧٧)، والقسم الثالث في «حقيقة القولين» للغزالي (ص: ٢٨٢).
(٤) انظر «المختصَر» (الفقرة: ٤٧٠).
(٥) انظر «القواطع» للسمعاني (٥/ ٧٧).
стр. 215
مخالفًا، وقد حكى الله تعالى عن أهل الكتاب أقوالهم في عدد أصحاب الكهف فقال: ﴿سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم﴾ [الكهف: ٢٢].
ومن أمثلة هذه الصورة مسألة الثوب إذا دفعه إلى الخياط فقطعه فاختلفا في ذلك، فقال الخياط: أمرني أن أقطعه قباء، وقال رب الثوب: أمرتك أن تقطعه قميصًا، فذكر الشافعي في المسألة قول ابن أبي ليلى: إن القول قول الخياط، وقول أبي حنيفة: إن القول قول رب الثوب، ثم قال الشافعي: «وهذا أشبه القولين، وكلاهما مدخول» (١)، فأشار بقوله: «وهذا أشبه القولين» إلى ترجيح مذهب أبي حنيفة، وبقوله: «وكلاهما مدخول» إلى قولٍ ثالثٍ في المسألة، وهو ما نصَّ عليه في «الأمالي» أنهما يتحالفان، وحكاه عنه المُزَني في «الجامع الكبير»، واختلف أصحابنا: فمنهم من قال: مذهب الشافعي التحالف، وما سواه حكاه مذهبًا لغيره، وقد دفعه بقوله: «وكلاهما مدخول»، وبهذا قال أبو علي الطبري وصاحب «التقريب» والشيخ أبو حامد، ومنهم من قال: ليس في المسألة إلا قولان، واختلفوا في عينهما، فعن ابن سريج، وأبي إسحاق، وابن أبي هريرة، والقاضي أبي حامد وغيرهم؛ أنهما مذهب أبي حنيفة وابن أبي ليلى، ومنهم من قال: هما تصديق المالك والتحالف، وأما تصديق الخياط فإن الشافعي أعرض عنه، حيث رجح القول الآخر، ومنهم من أثبت الأقوال الثلاثة، وأخذ ذلك من ترجيحه مذهبَ أبي حنيفة على مذهب ابن أبي ليلى، وهذا يُشعر بتردُّده في القولين؛ فإن من يُفسد القولين لا يرجّحِ أحدهما على الثاني، وينقل هذا عن القفَّال.
_________
(١) انظر «المختصَر» للمُزَني (الفقرة: ١٦٨١).
следующие страницы →