← Фикх шафии

Фикх шафии · id 914

مختصر المزني - ت الداغستاني

المزني

Полный текст (1 788 стр.). Показаны 1493–1532 · переход к 1498.

стр. 1493

(٣٠٧) باب عقل الحلفاء (١) (٣٠٩٣) قال الشافعي: ولا يَعْقِلُ الحلِيفُ، إلّا أن يَكُونَ قَضَى بذلك خَبَرٌ، ولا العَدِيدُ (٢)، ولا يُعْقَلُ عنه، ولا يَرِثُ ولا يُورَثُ، إنّما يُعْقَلُ بالنَّسَبِ أو الوَلاءِ الذي كالنَّسَبِ، ومِيراثُ الحليفِ والعَقْلُ عنه مَنْسُوخٌ، وإنّما يَثْبُتُ مِنْ الحِلْفِ أن تكُونَ الدَّعْوَةُ واليَدُ واحدةً، لا غيرَ ذلك.

стр. 1494

(٣٠٨) باب عقل من لا يُعرَف نَسبُه، وعقل أهل العهد (١) (٣٠٩٤) قال الشافعي: إذا كان الجاني نُوبِيًّا .. فلا عَقْلَ على أحَدٍ مِنْ النُّوبَةِ حتّى يَكُونُوا يُثْبِتُون أنْسابَهُم إثْباتَ أهْلِ الإسْلامِ، وكذلك كُلُّ رَجُلٍ مِنْ قَبِيلةٍ أعْجَمِيَّةٍ أو اللقِيطُ (٢) أو غَيْرُه، فإن لم يَكُنْ له وَلاءٌ يُعْلَمُ .. فَعَلَى المسْلِمِين؛ لِما بَيْنَه وبَيْنَهُم مِنْ وِلايَةِ الدِّينِ، وأنّهم يَأخُذُون مالَه إذا ماتَ. (٣٠٩٥) ومَن انْتَسَبَ إلى نَسَبٍ .. فهو منه، إلّا أن تَثْبُتَ بَيِّنَةٌ بخِلافِ ذلك، ولا يُدْفَعُ نَسَبٌ بالسَّماعِ. (٣٠٩٦) وإذا حَكَمْنا على أهْلِ العَهْدِ .. ألْزَمْنا عَواقِلَهُم الذين تَجْرِي أحْكامُنا عليهم، [فإن كانُوا أهْلَ حَرْبٍ لا يَجْرِي حُكْمُنا عليهم (٣) .. ألْزَمْنا الجانيَ، ولا نَقْضِي على أهْلِ دِينِه إذا لم يَكُونُوا عَصَبَةً؛ لأنّهم لا يَرِثُونَه (٤)، ولا على المسْلِمِين؛ لقَطْعِ الوِلايَةِ بينهم، وأنّهم لا يَأخُذُون مالَه على الميراثِ، إنّما يَأخُذُونَه فَيْئًا.

стр. 1495

(٣٠٩) باب وضع الحجر حيث لا يجوز وضعه، وميلِ الحائط (١) (٣٠٩٧) قال الشافعي: ولو وَضَعَ حَجَرًا في أرْضٍ لا يَمْلِكُها، وآخَرُ حَدِيدَةً، فتَعَقَّلَ رجلٌ بالحجَرِ (٢) فوَقَعَ على الحَدِيدَةِ، فماتَ .. فعَلى واضِعِ الحجَرِ دِيَةٌ؛ لأنّه كالدّافِعِ. (٣٠٩٨) ولو حَفَرَ في صَحْراءَ أو طريقٍ واسِعٍ محتملٍ فمات به إنسانٌ، أو مالَ حائطٌ مِنْ دارِهِ فوَقَعَ على إنسانٍ فماتَ .. فلا شَيْءَ فيه، وإنْ أشْهِدَ عليه؛ لأنّه وَضَعَه في مِلْكِه، والميْلُ حادِثٌ مِنْ غَيْرِ فِعْلِه، وقد أساء بتَرْكِه، وما وَضَعَه في مِلْكِه فمات به إنْسانٌ فلا شَيْءَ عليه. قال المزني: وإنْ تَقَدَّم إليه الوالي أو غَيْرُه فلم يَهْدِمْه حتّى وَقَعَ على إنسانٍ فقَتَلَه، فلا شَيْءَ عليه عِندي، وهو قِياسُ قَوْلِ الشّافعيّ (٣).

стр. 1496

(٣١٠) باب دية الجنين (١) (٣٠٩٩) قال الشافعي: في الجنينِ المسْلِمِ بأبَوَيْه أو بأحَدِهما غُرَّةٌ (٢)، وأقَلُّ ما يَكُونُ به جَنينًا أن يُفارِقَ المضْغَةَ والعَلَقَةَ، حتّى يَبِينَ فيه (٣) شَيْءٌ مِنْ خَلْقِ آدَمِيٍّ، إصْبَعٍ أو ظُفْرٍ أو عَيْنٍ أو ما أشْبَه ذلك، فإذا ألْقَتْه مَيِّتًا فسَواءٌ، ذَكَرًا كان أو أنْثَى. قال المزني: هذا يَدُلُّ على أنّ أمَتَه إذا ألْقَتْ منه دَمًا لا تكُونُ به أمَّ وَلَدٍ؛ لأنّه لم يَجْعَلْه ههنا وَلَدًا، وقد جَعَلَه في غَيْرِ هذا المكانِ وَلَدًا، وهذا عِندي أوْلَى مِنْ ذلك (٤). (٣١٠٠) قال الشافعي: وكذلك إنْ ألْقَتْه مِنْ الضَّرْبِ بعد مَوْتِها .. ففيه غُرَّةٌ، عَبْدٌ أو أمَةٌ، تُورَثُ كما لو خَرَجَ حيًّا فماتَ؛ لأنّه المجْنِيَّ عليه دُون أمِّه، وعليه عِتْقُ رَقَبَةٍ، ولا شَيْءَ لها في الألمِ. (٣١٠١) ولمن وَجَبَتْ له الغُرَّةُ أن لا يَقْبَلَها دُون سَبْعِ سِنِينَ أو ثَمانٍ؛ لأنّها لا تَسْتَغْنِي بنَفْسِها دُون هذه السِّنِينَ، ولا يُفَرَّقُ بينها وبين أمِّها في البَيْعِ إلّا في هاتَيْن السَّنَتَيْن فأعْلى.

стр. 1497

(٣١٠٢) وليس عليه أن يَقْبَلَها مَعِيبَةً ولا خَصِيًّا؛ لأنّه ناقِصٌ عن الغُرَّةِ وإن زاد ثَمَنُها بالإخْصاءِ (١). (٣١٠٣) وقِيمَتُها إذا كان الجنينُ حُرًّا مُسْلِمًا نِصْفُ عُشْرِ دِيَةِ مُسْلِمٍ، وإنْ كان نَصْرانيًّا أو مجوسيًّا فنِصْفُ عُشْرِ دِيَةِ نصرانيٍّ أو مجوسيٍّ، وإنْ كانَتْ أمُّه مجوسيَّةً وأبوه نصرانيٌّ أو أمُّه نصرانيَّةٌ وأبوه مجوسيٌّ فدِيَةُ الجنينِ في أكْثَرِ أبَوَيْه، نِصْفُ عُشْرِ دِيَةِ نصرانيٍّ. (٣١٠٤) ولو جَنَى على أمَةٍ حاملٍ فلم تُلْقِ جنينَها حتّى أعْتِقَتْ، أو على ذِمِّيَّةٍ فلم تُلْقِ جَنِينَها حتّى أسْلَمَتْ .. ففيه غُرَّةٌ؛ لأنّه جَنَى عليها وهي ممْنُوعَةٌ. (٣١٠٥) وقال في «كتاب دياتٍ وجناياتٍ»: ولا أعْرِفُ أن يَدْفَعَ الغُرَّةَ قِيمَةً، إلّا أن يَكُونَ بمَوْضِعٍ لا تُوجَدُ فيه. قال المزني: هذا مَعْنَى أصْلِه في الدِّيَةِ أنّها الإبلُ؛ لأنّ النبيَّ ﷺ قَضَى بها، فإن لم تُوجَدْ فقِيمَتُها، فكذلك الغُرَّةُ إن لم تُوجَدْ فقِيمَتُها (٢). (٣١٠٦) قال الشافعي: ويَغْرَمُها مَنْ يَغْرَمُ دِيَةَ الخطأِ. (٣١٠٧) قال: وإن قامَت البَيِّنَةُ على أنّها لم تَزَلْ ضَمِنَةً مِنْ الضَّرْبَةِ حتّى طَرَحَتْه .. لَزِمَه، وإن لم تَقُمْ بَيِّنَةٌ حَلَفَ الجاني وبَرِئَ. (٣١٠٨) وإنْ صَرَخَ الجنينُ، أو تَحَرَّكَ ولم يَصْرُخْ، ثُمّ مات مَكانَه ..

стр. 1498

فدِيَتُه تامَّةٌ، وإن لم يَمُتْ مَكانَه فالقَوْلُ قَوْلُ الجاني وعاقِلَتِه أنّه مات مِنْ غَيْرِ جنايتِه. (٣١٠٩) ولو خَرَجَ حَيًّا لأقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أشْهُرٍ، فكان في حالٍ لم يَتِمَّ لمثْلِه حَياةٌ قَطُّ .. ففيه الدِّيَةُ تامَّةً، وإنْ كان في حالٍ تَتِمُّ فيه لأحَدٍ مِنْ الأجِنَّةِ حَياةٌ ففيه الدِّيَةُ. قال المزني: هذا سَقَطٌ مِنْ الكاتِبِ عندي، إذا أوْجَبَ الدِّيَةَ لأنّه بحالٍ تَتِمُّ لمثْلِه الحياةُ فيَنْبَغِي أن تَسْقُطَ إذا كان بحالٍ لا تَتِمُّ لمثْلِه حياةٌ، قال المزني: وقد قال: «لو كان لأقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أشْهُرٍ، فقَتَلَه رجلٌ عَمْدًا، فأرادَ وَرَثَتُه القَوَدَ .. فإنْ كان مِثْلُه يَعِيشُ اليَوْمَ أو اليَوْمَيْن ففيه القَوَدُ»، ثُمّ سَكَتَ، قال المزني: كأنّه يَقُولُ: إن لم يَكُنْ كذلك فهو في مَعْنَى المذْبُوحِ يُقْطَعُ باثْنَيْن، أو المخْرَجِ منه حُشْوَتُه (١) فيُضْرَبُ عُنُقُه، فلا قَوَدَ على الثّاني ولا دِيَةَ، وفي هذا عندي دليلٌ، وبالله التوفيق (٢).

стр. 1499

(٣١١٠) قال الشافعي: ولو ضَرَبَها فألْقَتْ يَدًا وماتَتْ .. ضَمِنَ الأمَّ والجنينَ؛ لأنّي قد عَلِمْتُ أنّه قد جَنَى على جنينٍ (١).

стр. 1500

(٣١١) باب جنين الأمة والاختلاف فيه (١) (٣١١١) قال الشافعي: وفي جنينِ الأمَةِ عُشْرُ قِيمَةِ أمِّه يَوْمَ جَنَي عليه (٢)، ذَكَرًا كان أو أنْثَى، وهو قَوْلُ المدَنِيِّينَ. قال المزني: القياسُ على أصْلِه عُشْرُ قِيمَةِ أمِّه يَوْمَ تُلْقِيه؛ لأنّه قال: «لو ضَرَبَها أمَةً، فألْقَتْ جنينًا مَيِّتًا، ثُمّ أعْتِقَتْ، فألْقَتْ جنينًا آخَرَ .. فعليه عُشْرُ قِيمَةِ أمَةٍ لسَيِّدِها، وفي الآخَرِ ما في جنينِ حُرَّةٍ لأمِّه ولوَرَثَتِه (٣). (٣١١٢) قال الشافعي: قال محمد بن الحسن للمدنيين: أرأيْتُم لو كان حَيًّا ألَيْسَ فيه قِيمَتُه وإن كان أقَلَّ مِنْ عُشْرِ ثَمَنِ أمِّه؟ ولو كان مَيِّتًا فعُشْرُ قِيمَةِ أمِّه، فقد أغْرَمْتُم فيه مَيِّتًا أكْثَرَ ممّا أغْرَمْتُم فيه حَيًّا؟ قال الشافعي: فقلت له: ألَيْسَ أصْلُكَ جَنِينَ الحُرَّةِ التي قَضَى فيها رَسولُ الله ﷺ ؟ ولم يُذْكَرْ عنه أنّه سَألَ: أذَكَرٌ هو أم أنْثَى؟ قال: بلى، قلت: وجَعَلْتَ وجَعَلْنا فيه خَمْسًا مِنْ الإبلِ، أو خمسين دِينارًا إذا لم تَكُنْ غُرَّةٌ؟ قال: بلى، قلت: فلو خَرجا حَيَّيْن ذَكَرًا وأنْثَى فماتا؟ قال: في الذَّكَرِ مائةٌ، وفي الأنْثَى خمسون، قلت: فإذا زَعَمْتَ أنّ حُكْمَيْهِما في أنْفُسِهما مخْتَلِفٌ، فلم سَوَّيْتَ بين حُكْمِهما مَيِّتَيْن؟ أمَا يَدُلُّك هذا أنّ حُكْمَهما مَيِّتَيْن حُكْمُ غَيْرِهما؟ ثُمّ قِسْتَ على ذلك

стр. 1501

جنينَ الأمَةِ فقُلْتَ: إذا كان ذَكَرًا فنِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِه لو كان حَيًّا، وإنْ كانَتْ أنْثَى فعُشْرُ قِيمَتِها لو كانَتْ حَيَّةً، ألَسْتَ قد جَعَلْتَ عَقْلَ الأنْثَى مِنْ أصْلِ عَقْلِها في الحياةِ ضِعْفَ عَقْلِ الرَّجُلِ مِنْ أصْلِ عَقْلِه في الحياةِ؟ لا أعْلَمُكَ إلّا نَكَسْتَ القياسَ وقَلَبْتَه، قال: فأنْتَ قد سَوَّيْتَ بينهما، قلت: مِنْ أجْلِ أنّي زَعَمْتُ أنّ أصْلَ حُكْمِهما حُكْمُ غَيْرِهما، لا حُكْمُ أنْفُسِهما؛ كما سَوَّيْتَ بين الذَّكَرِ والأنْثَى مِنْ جَنينِ الحُرَّةِ، فكان مَخْرَجُ قَوْلِي مُعْتَدِلًا، وكيف يَكُونُ الحُكْمُ لمَن لم يَخْرُجْ حَيًّا؟

стр. 1502

(٣١٢) باب أصل القسامة (١) (٣١١٣) قال الشافعي: أخبرنا مالك بن أنس، عن أبي ليلى بن عبدالله بن عبدالرحمن، عن سهل بن أبي حَثْمَةَ، أنّه أخْبَرَه ورجالٌ مِنْ كُبَراءِ قَوْمِه، أنّ عبدَالله ومُحَيِّصَةَ خَرَجا إلى خَيْبَرَ، فتَفَرَّقا في حَوائِجِهِما (٢)، فأخْبَرَ مُحَيِّصَةُ أنّ عبدَالله قُتِلَ وطُرِحَ في فَقِيرٍ أو عَيْنٍ (٣)، فأتَى يَهُودًا فقالَ: أنْتُم قَتَلْتُمُوه، قالوا: ما قَتَلْناه، فقَدِمَ على قَوْمِه فأخْبَرَهم، فأقْبَلَ وأخُوه حُوَيِّصَةُ وعبدُالرحمن بنُ سَهْلٍ أخُو المقْتُولِ إلى رسولِ الله ﷺ ، فذَهَبَ مُحَيِّصَةُ يَتَكَلَّمُ، فقال رسولُ الله ﷺ : «كَبِّرْ، كَبِّرْ» يُرِيدُ السِّنَّ، فتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ ثُمّ مُحَيِّصَةُ، فقال النبيُّ ﷺ : «إمّا أن يَدُوا صاحِبَكُم، وإمّا أن يُؤذَنُوا بحَرْبٍ» (٤)، فكَتَبَ إليهم رسولُ الله ﷺ في ذلك، فكَتَبُوا: إنّا والله ما قَتَلْناه، فقال لحُوَيِّصَةَ ومُحَيِّصَةَ وعبدِالرحمن: «تَحْلِفُون وتَسْتَحِقُّون دَمَ

стр. 1503

صاحِبِكُم؟»، قالوا: لا، قال: «فَتَحْلِفُ (١) يَهُودُ»، قالوا: ليْسُوا بمُسْلِمِين، فوَداهُ رسولُ الله ﷺ مِنْ عنده، فبَعَثَ إليهم مائَةَ ناقَةٍ، قال سهلٌ: لقد رَكَضَتْنِي منها ناقةٌ حَمْراءُ. (٣١١٤) قال الشافعي: فإن قيل: فقد قال للوليِّ وغَيْرِه: «تَحْلِفُون وتَسْتَحِقُّون»، وأنْتَ لا تُحَلِّفُ إلّا الأولياءَ (٢)؟ .. قيل: يَكُونُ قال ذلك (٣) لأخي المقتولِ الوارِثِ، ويَجُوزُ أن يَقولَ: «تَحْلِفُون» لواحِدٍ، والدَّليلُ على ذلك: حُكْمُ الله وحُكْمُ رَسُولِه ﷺ أنّ اليَمِينَ لا تكُونُ إلّا فيما يَدْفَعُ بها المرْءُ عن نَفْسِه، أو يَأخُذُ بها مع شاهِدِه، ولا يَجُوزُ لحالِفٍ يَمينٌ يَأخُذُ بها غَيْرَه. (٣١١٥) قال الشافعي: فإذا كان مِثْلُ السَّبَبِ الذي قَضَى فيه رسولُ الله ﷺ بالقَسامَةِ حَكَمْتُ بها، وجَعَلْتُ الدِّيَةَ فيها على المدَّعَى عليهم، فإن قيل: وما السَّبَبُ الذي حَكَمَ فيه رسولُ الله؟ .. قيل: كانَتْ خَيْبَرُ دارَ يَهُودَ مَحْضَةً، لا يَخْلِطُهُم غَيْرُهم، وكانَت العَداوَةُ بين الأنصارِ وبينهم ظاهِرَةً، وخَرَجَ عبدُالله بعد العَصْرِ فوُجِدَ قَتِيلًا قبل اللَّيْلِ، فيَكادُ يَغْلِبُ (٤) على مَنْ سَمِعَ هذا أن لم يَقْتُلْه إلّا بَعْضُ اليَهُودِ، فإذا كانَتْ دارَ قَوْمٍ مَحْضَةً أو قَبِيلَةٍ، وكانوا أعْداءً للمَقْتُولِ فيهم (٥)، فادَّعَى أوْلِياؤُه قَتْلَه .. فلهم القَسامَةُ، وكذلك يَدْخُلُ نَفَرٌ بَيْتًا أو صَحْراءَ وَحْدَهُم، أو صَفَّيْنِ في حَرْبٍ، أو ازْدِحامِ جماعَةٍ، فلا يَفْتَرِقُون إلّا وقَتِيلٌ بينهم، أو في ناحِيَةٍ ليْسَ إلى جَنْبِه

стр. 1504

عَيْنٌ ولا أثَرٌ إلّا رَجُلٌ واحِدٌ مُخْتَضِبٌ بدَمِه في مَقامِه ذلك، أو تَأتِي بَيِّنَةٌ مُتَفَرِّقَةٌ مِنْ المسْلِمِين مِنْ نَواحٍ لم يَجْتَمِعُوا فيها، يُثْبِتُ كُلُّ واحِدٍ على الانْفِرادِ على رَجُلٍ أنّه قَتَلَه، فتَتَواطَأ شَهاداتُهم (١)، ولم يَسْمَعْ بَعْضُهم شَهادَةَ بَعْضٍ، وإن لم يكُونُوا (٢) ممَّن يُعَدَّلُ، أو يَشْهَدُ (٣) عَدْلٌ أنّه قَتَلَه؛ لأنّ كُلَّ سَبَبٍ مِنْ هذا شَهادَتُهُم يُغَلِّبُ على عَقْلِ الحاكِمِ أنّه كما ادَّعَى وَلِيُّه (٤). (٣١١٦) وللوَلِيِّ أن يُقْسِمَ على الواحِدِ والجماعةِ مَنْ أمْكَنَ أن يَكُونَ في جُمْلَتِهم، وسَواءٌ كان به جُرْحٌ أو غَيْرُه؛ لأنّه قد يَقْتُلُ بما لا أثَرَ له. (٣١١٧) وإنْ أنْكَرَ المدَّعَى عليه أن يَكُونَ فيهم .. لم يَسَع الوَلِيَّ أن يَحْلِفَ إلّا بِبَيِّنَةٍ (٥) أو إقْرارٍ أنّه كان فيهم. (٣١١٨) ولا أنْظُرُ إلى دَعْوَى الميِّتِ. (٣١١٩) ولوَرَثَةِ القَتِيلِ أن يُقْسِمُوا وإنْ كانوا غُيَّبًا عن مَوْضِعِ القَتِيلِ؛ لأنّه يُمْكِنُ أن يَعْلَمُوا ذلك باعْتِرافِ القاتِلِ، أو ببَيِّنَةٍ لا يَعْلَمُهُم الحاكِمُ مِنْ أهْلِ الصِّدْقِ [عندهم، وغَيْرِ ذلك (٦) مِنْ وُجُوهِ ما يَعْلَمُ به الغائِبُ. (٣١٢٠) ويَنْبَغِي للحاكِمِ أن يَقُولَ لهم: اتَّقُوا اللهَ ولا تَحْلِفُوا إلّا بعد الاسْتِثْباتِ.

стр. 1505

(٣١٢١) وتُقْبَلُ أيْمانُهم متى حَلَفُوا، مُسْلِمِين كانُوا على مُشْرِكِين، أو مُشْرِكِين على مُسْلِمِين؛ لأنّ كُلًّا وَلِيُّ دَمِه ووارِثُ دِيَتِه. (٣١٢٢) ولسَيِّدِ العَبْدِ القَسامَةُ في عَبْدِه على الأحْرارِ والعَبِيدِ. (٣١٢٣) ويُقْسِمُ المكاتَبُ في عَبْدِه؛ لأنّه مالُه، فإن لم يُقْسِمْ حتّى عَجَزَ كان للسَّيِّدِ أن يُقْسِمَ. (٣١٢٤) ولو قُتِلَ عَبْدٌ لأمِّ وَلَدٍ، فلم يُقْسِمْ سَيِّدُها حتّى ماتَ، وأوْصَى لها بثَمَنِ العَبْدِ .. لم تُقْسِمْ، وأقْسَمَ وَرَثَتُه، وكان لها ثَمَنُ العَبْدِ، وإن لم يُقْسِم الوَرَثَةُ لم يَكُنْ لهم ولا لها شَيْءٌ إلّا أيْمانُ المدَّعَى عليهم (١). (٣١٢٥) ولو جُرِحَ رَجُلٌ، فماتَ مُرْتَدًّا .. بَطَلَت القَسامَةُ؛ لأنّ مالَه فَيْءٌ (٢)، ولو كان رَجَعَ إلى الإسْلامِ كانَتْ فيه القَسامَةُ للوارِثِ. (٣١٢٦) ولو جُرِحَ وهو عَبْدٌ، فأعْتِقَ ثُمّ ماتَ حُرًّا .. وَجَبَتْ فيه القَسامَةُ لوَرَثَتِه الأحْرارِ، ولسَيِّدِه المعْتِقِ، بقَدْرِ ما يَمْلِكُ في جِراحِه. (٣١٢٧) ولا تَجِبُ القَسامَةُ في دُونَ النَّفْسِ. (٣١٢٨) ولو لم يُقْسِم الوَلِيُّ حتّى ارْتَدَّ فأقْسَمَ .. وَقَفْتُ الدِّيَةَ، فإن رَجَعَ أخَذَهَا، وإن قُتِلَ كانَتْ فَيْئًا (٣).

стр. 1506

(٣١٢٩) والأيْمانُ في الدّماءِ مُخالِفَةٌ لها في الحُقُوقِ، وهي في جَمِيعِ الحقُوقِ يَمِينٌ يَمِينٌ، وفي الدِّماءِ خمْسُونَ يَمِينًا. وقال في «كتاب العمد»: «ولو ادَّعَى أنّه قَتَلَ أباه عَمْدًا، فقال: بل خَطَأً .. فالدِّيَةُ عليه في ثَلاثِ سِنِينَ بَعْدَ أن يَحْلِفَ ما قَتَلَه إلّا خَطَأً، فإن نكَلَ حَلَفَ المدَّعِي لقَتْلِه عَمْدًا وكان له القَوَدُ»، قال المزني: هذا القياسُ على أقاوِيلِه في الطّلاقِ والعِتاقِ وغيرِهما في النُّكُولِ ورَدِّ اليَمِينِ (١). (٣١٣٠) قال الشافعي: وسَواءٌ في النّكُولِ المحْجُورُ عليه وغَيْرُ المحْجُورِ عليه، ويَلْزَمُه منها في مالِه ما يَلْزَمُ غَيْرَ المحْجُورِ، والجِنايَةُ خِلافُ البَيْعِ والشِّراءِ. (٣١٣١) قال قائلٌ (٢): كيف يَحْلِفُون على ما لا يَعْلَمُون؟ .. قيل: فأنْتُم تَقُولُون: لو أنّ ابْنَ عِشْرِين سَنَةً رُبِّيَ بالمشْرِقِ اشْتَرَى عَبْدًا ابْنَ مائةِ سَنَةٍ رُبِّيَ بالمغْرِبِ فباعَه مِنْ ساعَتِه، فأصاب به المشْتَرِي عَيْبًا، أنّ البائعَ يَحْلِفُ على البَتِّ لقد باعه إيّاه وما به هذا العَيْبُ ولا عِلْمَ له به، والذي قُلْنا قد يَصِحُّ عِلْمُه بما وَصَفْنا.

стр. 1507

(٣١٣) باب ما ينبغي للحاكم أن يعلمه من الذي له القسامة وكيف يقسم (٣١٣٢) قال الشافعي: يَنْبَغِي أن يَقُولَ له: مَنْ قَتَلَ صاحِبَكَ؟ فإن قال: فلانٌ .. قال: وَحْدَه؟ فإن قال: نعم .. قال: عَمْدًا أو خَطَأً؟ فإن قال: عَمْدًا .. سألَه: وما العَمْدُ؟ .. فإن وَصَفَ ما في مِثْلِه القِصاصُ .. أحْلَفَه على ذلك، وإن وَصَفَ مِنْ العَمْدِ ما لا يَجِبُ به القِصاصُ .. لم يُحَلِّفْه عليه (١)، والعَمْدُ في مالِه والخَطَأُ على عاقِلَتِه في ثَلاثِ سِنِينَ. (٣١٣٣) وإن قال: قَتَلَه فلانٌ ونَفَرٌ معه .. لم يُحَلِّفْه حتّى يُسَمِّيَ النَّفَرَ أو عَدَدَهُم إن لم يَعْرِفْهُم. (٣١٣٤) ولو أحْلَفَه قبل أن يَسْألَه عن هذا، ولم يَقُلْ له: عَمْدًا ولا خَطَأً .. أعاد عليه.

стр. 1508

(٣١٤) باب عدد الأيمان (٣١٣٥) قال الشافعي: ويَحْلِفُ وارِثُ القَتِيلِ على قَدْرِ مَوارِيثِهِم، ذَكَرًا كان أو أنْثَى، زَوْجًا أو زَوْجَةً (١). (٣١٣٦) فإنْ تَرَكَ ابْنَيْن كَبِيرًا وصَغِيرًا، أو غائِبًا وحاضِرًا، أو أكْذَبَ أخاه وأرادَ الآخَرُ اليَمِينَ .. قيل له: لا تَسْتَوْجِبُ شَيْئًا مِنْ الدِّيَةِ إلّا بخَمْسِين يَمِينًا، فإن شِئتَ فاحْلِفْ خمْسِين يَمِينًا وخُذْ مِنْ الدِّيَةِ مَوْرِثَكَ (٢)، وإن امْتَنَعْتَ فدَعْ حتّى يَحْضُرَ معك وارِثٌ تُقْبَلُ يَمِينُه، فتَحْلِفان خَمْسِين يَمِينًا. (٣١٣٧) وإنْ تَرَكَ ثلاثَةَ بَنِينَ .. حَلَفَ كُلُّ واحِدٍ منهم سَبْعَ عَشْرَةَ يَمِينًا، يُجْبَرُ عليهم كَسْرُ اليَمِينِ، فإنْ تَرَكَ أكْثَرَ مِنْ خمسينَ ابْنًا حَلَفَ كُلُّ واحِدٍ منهم يَمِينًا، يُجْبَرُ الكَسْرُ مِنْ الأيْمانِ. (٣١٣٨) ومَن مات مِنْ الوَرَثَةِ قَبْلُ يُقْسِمُ .. قام وَرَثَتُه مَقَامَه بقَدْرِ مَوارِيثِهم، ولو لم يُتِمَّ القَسامَةَ حتّى مات ابْتَدَأ وارِثُه القَسامَة. (٣١٣٩) ولو غُلِبَ على عَقْلِه ثُمّ أفاقَ بَنَى؛ لأنّه حَلَفَ بجَمِيعِها.

стр. 1509

(٣١٥) باب ما يُسقِط القسامة من الاختلاف ولا يسقطها (١) (٣١٤٠) قال الشافعي: ولو ادَّعَى أحَدُ الابْنَيْن على رَجُلٍ مِنْ أهْلِ هذه المحِلَّةِ أنّه قَتَلَ أباه وَحْدَه، وقال الآخَرُ - وهو عَدْلٌ -: ما قَتَلَه؛ فإنّه (٢) كان في الوَقْتِ الذي قُتِلَ فيه ببَلَدٍ لا يُمْكِنُ أن يَصِلَ إليه في ذلك الوَقْتِ .. ففيها قولان: أحدهما - أنّ للمُدَّعِي أن يُقْسِمَ خمسين يَمِينًا ويَسْتَحِقَّ نِصْفَ الدِّيَةِ، والثاني - أن ليس له أن يُقْسِمَ على رَجِلٍ يُبْرِئه وارِثٌ. قال المزني: قِياسُ قَوْلِه أنّ مَنْ يُثْبِتُ (٣) السَّبَبَ الذي به القَسامَةُ حَلَفَ، ولم يَمْنَعْه مِنْ ذلك إنْكارُ الآخَرِ؛ كما لو أقام أحَدُهُما شاهِدًا لأبِيهِما بدَيْنٍ وأنْكَرَ الآخَرُ ما ادَّعى أخُوه وأكْذَبَه أنَّ للمُدَّعِي مع الشّاهِدِ اليَمِينَ ويَسْتَحِقُّ، كذلك للمُدَّعِي مع السَّبَبِ القَسامَةُ ويَسْتَحِقُّ، فالسَّبَبُ والشّاهِدُ بمَعْنًى واحِدٍ في قَوْلِه؛ لأنّه يُوجِبُ مع كُلِّ واحِدٍ اليَمِينَ والاسْتِحْقاقَ، إلّا أنّ في الدَّمِ خمسين يَمِينًا، وفي غَيْرِه يَمِينٌ يَمِينٌ (٤). (٣١٤١) قال الشافعي: ولكِنْ لو قال أحَدُهما: قَتَلَ أبي عبدُاللهِ بنُ خالدٍ ورجلٌ لا أعْرِفُه، وقال الآخَرُ: قَتَلَ أبي زيدُ بنُ عامرٍ ورجلٌ لا أعْرِفُه ..

стр. 1510

فهذا خِلافٌ لِما مَضَى؛ لأنّه قد يَجُوزُ أن يَكُونَ الذي جَهِلَه أحَدُهما هو الذي عَرَفَه الآخَرُ، فلا يَسْقُطُ حَقُّ أحَدٍ منهما في القَسامَةِ (١). (٣١٤٢) ولو قال الأوَّلُ: قد عَرَفْتُ زَيْدًا وليس بالذي قَتَلَ مع عبدِالله، وقال الآخَرُ: قد عَرَفْتُ عبدَالله وليس بالذي قَتَلَ مع زيدٍ .. ففيها قولان: أحدهما - أن يَكُونَ لكُلِّ واحدٍ منهما (٢) القَسامَةُ على الذي ادَّعَى عليه، ويَأخُذُ حِصَّتَه مِنْ الدِّيَةِ، والقول الثاني - أن ليْسَ لواحِدٍ منهما أن يُقْسِمَ حتّى تَجْتَمِعَ دَعْواهُما على واحِدٍ. قال المزني: وقد قَطَعَ بالقَوْلِ الأوَّلِ في البابِ الذي قَبْلَ هذا [ف: ٣١٣٥]، وهو أقْيَسُ على أصْلِه؛ لأنّ الشَّرِيكَيْن عنده في الدَّمِ يَحْلِفانِ مع السَّبَبِ كالشَّرِيكَيْن عنده في المالِ يَحْلِفان مع الشّاهِدِ، فإذا أكْذَبَ أحَدُ الشَّرِيكَيْن صاحِبَه في الحَقِّ حَلَفَ صاحِبُه مع الشّاهِدِ واسْتَحَقَّ، فكذلك إذا أكْذَبَ أحَدُ الشَّرِيكَيْن صاحِبَه في الدَّمِ حَلَفَ صاحِبُه مع السَّبَبِ واسْتَحَقَّ (٣). (٣١٤٣) قال الشافعي: ومتى قامَت البَيِّنَةُ بما يَمْنَعُ إمْكانَ السَّبَبِ أو بإقْرارٍ، وقد أخَذْتُ الدِّيَةَ بالقَسامَةِ .. رَدَدْتُ الدِّيَةَ (٤).

стр. 1511

(٣١٦) باب كيف يمين مدعي الدم والمدعى عليه؟ (٣١٤٤) قال الشافعي: فإذا وَجَبَتْ لرَجُلٍ قَسامَةٌ .. حَلَفَ بالله الذي لا إلهَ إلّا هو عالمُ خائِنَةِ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ، لقد قَتَلَ فلانٌ فلانًا مُنْفَرِدًا بقَتْلِه ما شَرِكَه في قَتْلِه غَيْرُه (١)، وإن ادَّعَى على آخَرَ معه .. حَلَفَ لَقَتَلَ فُلانٌ وآخَرُ معه فلانًا مُنْفَرِدَيْن بقَتْلِه ما شَرِكَهما فيه غَيْرُهما، وإن ادَّعَى الجاني أنّه بَرَأ مِنْ الجِراحِ .. زادَ: وما بَرَأ مِنْ جِراحَةِ فُلانٍ حتّى ماتَ فيها (٢). (٣١٤٥) وإذا حَلَفَ المدَّعَى عليه حَلَفَ كذلك: ما قَتَلَ فلانًا، ولا أعان على قَتْلِه، ولا نالَه مِنْ فِعْلِه ولا بسَبَبِ فِعْلِه شَيْءٌ جَرَحَه، ولا وَصَلَ إلى شَيْءٍ مِنْ بَدَنِه؛ لأنّه قد يَرْمِي فيُصِيبُ شَيْئًا فيَطِيرُ الذي أصابه فيَقْتُلُه، ولا أحْدَثَ شَيْئًا مات منه فلانٌ؛ لأنّه قد يَحْفِرُ البِئرَ ويَضَعُ الحَجَرَ فيَمُوتُ منه. (٣١٤٦) ولو لم يَزِدْه السُّلْطانُ على حَلِفِه باللهِ ﵎ .. أجْزَأه؛ لأنّ الله جَعَلَ بين المتلاعِنَيْن الأيْمانَ بالله .

стр. 1512

(٣١٧) باب دعوى الدم في الموضع الذي ليس فيه قسامة (٣١٤٧) قال الشافعي: وإذا وُجِدَ قَتِيلٌ في مَحِلَّةِ قَوْمٍ يَخْلِطُهُم غَيْرُهم، أو في صَحْراءَ أو مَسْجِدٍ أو سُوقٍ .. فلا قَسامَةَ، فإن ادَّعَى وَلِيُّه على أهْلِ المحِلَّةِ لم يَحْلِفْ إلّا مَنْ أثْبَتُوه بعَيْنِه ولو كانوا ألْفًا، فيَحْلِفُون يَمِينًا يَمِينًا؛ لأنّهم يَزِيدُون على خمْسِينَ، فإن لم يَبْقَ منهم إلّا واحِدٌ حَلَفَ خمسين يَمِينًا وبَرِئَ، فإن نكَلُوا حَلَفَ وُلاةُ الدَّمِ خَمْسِينَ يَمِينًا واسْتَحَقُّوا الدِّيَةَ في أمْوالهم إنْ كان عَمْدًا، وعلى عَواقِلِهِم في ثَلاثِ سِنِينَ إن كان خَطَأً، وفي دِياتِ العَمْدِ (١): على قَدْرِ حِصَصِهم. (٣١٤٨) والمحْجُورُ وغَيْرُه سواءٌ؛ لأنّ إقْرارَه بالجِنايَةِ يَلْزَمُه في مالِه، والجنايةُ خِلافُ الشِّراءِ والبَيْعِ. (٣١٤٩) وكذلك العَبْدُ، إلّا في إقْرارِه بجِنايَةٍ لا قِصاصَ فيها، فإنّه لا يُباعُ فيها؛ لأنّ ذلك في مالِ غَيْرِه، فمتى عَتَقَ لَزِمَه. قال المزني: فكما لم يَضُرَّ سَيِّدَه إقْرارُه بما يُوجِبُ المالَ، فكذلك لا يَضُرُّ عاقِلَةَ الحُرِّ قَوْلُه فيما يُوجِبُ عليهم المالَ (٢). (٣١٥٠) قال الشافعي: ومَن كان منهم سَكْرانًا .. لم يَحْلِفْ حتّى يُفِيقَ.

стр. 1513

قال المزني: وهذا مِنْ قَوْلِه يَدُلُّ على إبْطالِ طَلاقِ السَّكْرانِ الذي لا يَعْقِلُ ولا يُمَيِّزُ، وقال لنا ابنُ بُكَيْر: «وهذا قَوْلُ اللَّيْثِ» (١). (٣١٥١) وقد قيل: لا يَبْرَأ المدَّعَى عليهم إلّا بخَمْسِينَ يَمِينًا، كُلُّ واحِدٍ منهم، ولا يُحْسَبُ له يَمِينُ غَيْرِه (٢). (٣١٥٢) وهكذا الدَّعْوَى فيما دُونَ النَّفْسِ، وقيل: يَلْزَمُه مِنْ الأيْمانِ على قَدْرِ الدِّيَةِ، في اليَدِ خمسٌ وعشرون، وفي الموضِحَةِ ثلاثةُ أيْمانٍ. قال المزني: قد قال في أوَّلِ بابٍ مِنْ «القَسامة»: «ولا تَجِبُ القَسامَةُ في دُونَ النَّفْسِ»، وهذا عندي (٣) أوْلَى بقَوْلِ العُلماء (٤).

стр. 1514

(٣١٨) باب كفارة القتل (٣١٥٣) قال الشافعي: قال الله ﵎: ﴿ومن قتل مؤمنًا خطأً فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله﴾، وقال : ﴿فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة﴾، يَعْنِي: في قَوْمٍ في دارِ الحَرْبِ مُباحَةٍ، ولم يَجْعَلْ له قَوَدًا ولا دِيَةً إذا قَتَلَه وهو لا يَعْرِفُه مُسْلِمًا، وذلك أن يُغِيرَ، أو يَقْتُلَه في سَرِيَّةٍ، أو يَلْقاه مُنْفَرِدًا بهَيْئَةِ المشْرِكِين في دارِهم (١)، أو نَحْوِ ذلك، قال: ﴿وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة﴾ [النساء: ٩٢]، قال الشافعي: وإذا وَجَبَتْ عليه كفّارَةُ القَتْلِ في الخَطَأِ، وفي قَتْلِ المؤمِنِ في دارِ الحرْبِ، كانَت الكفّارَةُ في العَمْدِ أوْلَى. قال المزني: واحْتَجَّ بأنّ الكفّارَةَ في قَتْلِ الصَّيْدِ في الإحْرامِ والحرَمِ عَمْدًا وخَطَأً سَواءٌ إلّا في المأثَمِ، فكذلك كفّارَةُ القَتْلِ عَمْدًا وخَطَأً سواءٌ إلّا في المأثَمِ (٢).

стр. 1515

(٣١٩) باب لا يرث القاتل خطأ (١) من كتاب اختلاف أبي حنيفة وأهل المدينة (٢) (٣١٥٤) قال المزني: قُرِئَ على الشافعيِّ: قال أبو حنيفة: لا يَرِثُ قاتِلٌ خَطَأً ولا عَمْدًا، إلّا أن يَكُونَ مَجْنُونًا أو صَبِيًّا، فلا يُحْرَمُ الميراثَ؛ لأنّ القَلَمَ عنهما مَرْفُوعٌ، وقال أهل المدينة: لا يَرِثُ قاتلٌ عَمْدًا، ولا يَرِثُ قاتِلٌ خَطَأً مِنْ الدِّيَةِ، ويَرِثُ مِنْ سائِرِ مالِه، قال محمد بن الحسن: هل رَأيْتُم وارِثًا يَرِثُ بَعْضَ مالِ رَجُلٍ دُون بَعْضٍ؟ إمّا أن يَرِثَ الكُلَّ أو لا يَرِثَ شَيْئًا، قال الشافعي: يَدْخُلُ على محمَّدِ بنِ الحسن أنّه يُسَوِّي بين المجْنُونِ والصَّبِيِّ، وبين البالِغِ الخاطِئِ في قَتْلِ الخَطَأِ، ويَجْعَلُ على عَواقِلِهم الدِّيَةَ، ويَرْفَعُ عنهم المأثَمَ، فكَيْفَ وَرَّثَ بَعْضَهُم دُون بَعْضٍ وهُمْ سَواءٌ في المعنى؟ قال: ويَدْخُلُ على أصْحابِنا ما أدْخَلَ عليهم محمَّدُ بنُ الحسن، ولَيْسَ في الفَرْقِ بين قاتِلٍ خَطَأً لا يَرِثُ وقاتِلٍ عَمْدًا يَرِثُ (٣) خَبَرٌ يَلْزَمُ، ولو كان ثابِتًا كانَتْ فيه الحجَّةُ.

стр. 1516

قال المزني: فمعنى تأوِيلِه إذا لم يَثْبُتْ فَرْقٌ .. أنّهما سَواءٌ في أنّهما لا يَرِثان، وقد قَطَعَ بهذا المعْنَى في «كتاب قتال أهل البغي» [ف: ٣١٩٣] فقال: «إذا قَتَلَ العادِلُ الباغِيَ، أو الباغِي العادِلَ .. لا يَتَوارَثان؛ لأنّهما قاتلان»، وقال: «هذا أشْبَهُ بمَعْنَى الحديثِ».

стр. 1517

(٣٢٠) باب الشهادة على الجناية (٣١٥٥) قال الشافعي: لا يُقْبَلُ في القَتْلِ وجِراحِ العَمْدِ والحدُودِ سِوَى الزِّنا إلّا عَدْلان. (٣١٥٦) ويُقْبَلُ شاهِدٌ وامْرَأتان ويَمِينٌ وشاهِدٌ فيما لا قِصاصَ فيه، مِثْلُ: الجائفةِ، وجِنايَةِ مَنْ لا قَوَدَ عليه، مِنْ مَعْتُوهٍ، وصَبِيٍّ، ومُسْلِمٍ على كافِرٍ، وحُرٍّ على عَبْدٍ، وأبٍ على ابْنٍ؛ لأنّ ذلك مالٌ، فإنْ كان الجرحُ هاشِمَةً أو مَأمُومَةً لم أقْبَلْ أقَلَّ مِنْ شاهِدَيْن؛ لأنّ الذي شُجَّ إنْ أرادَ أن آخُذَ له القِصاصَ مِنْ مُوضِحَةٍ فَعَلْتُ؛ لأنّها مُوضِحَةٌ وزِيادَةٌ (١). (٣١٥٧) ولو شَهِدا أنّه ضَرَبَه بسَيْفٍ .. وَقَفْتُهما، فإنْ قالا: فأنْهَرَ دَمَه وماتَ مَكانَه .. قَبِلْتُهُما وجَعَلْتُه قاتلًا، وإنْ قالا: لا نَدْرِي أنْهَرَ دَمَه أم لا

стр. 1518

ورَأيْناه سائلًا .. لم أجْعَلْه جارِحًا حتّى يَقُولَا: أوْضَحَه هذه الموضِحَةَ بعَيْنِها. (٣١٥٨) ولو شَهِدا على رَجُلَيْن أنّهما قَتَلاه، وشَهِدَ الآخَران على الشّاهِدَيْن الأوَّلَيْن أنّهما قَتلاه، وكانَتْ شَهادَتُهم (١) في مَقامٍ واحِدٍ .. فإنْ صَدَّقَهم (٢) وَلِيُّ الدَّمِ معًا .. بَطَلَت الشّهادَةُ، وإنْ صَدَّقَ اللذَيْن شَهِدا أوَّلًا .. قَبِلْتُ شَهادَتَهما، وجَعَلْتُ الآخَرَيْن دافِعَيْن لشَهادَتِهما، وإنْ صَدَّقَ اللذَيْن شَهِدا آخِرًا .. أبْطَلْتُ شَهادَتَهما؛ لأنّهما يَدْفَعان بشَهادَتِهما ما شُهِدَ به عليهما. (٣١٥٩) ولو شَهِدَ أحَدُهما على إقْرارِه أنّه قَتَلَه عَمْدًا، والآخَرُ على إقْرارِه ولم يَقُلْ: عَمْدًا ولا خَطَأً .. جَعَلْتُه قاتلًا، والقَوْلُ قَوْلُه، فإن قال: عَمْدًا .. فعليه القِصاصُ، وإن قال: خَطَأً .. أحْلِفَ ما قَتَلَه عَمْدًا، وكانَت الدِّيَةُ في مالِه في مُضِيِّ ثَلاثِ سِنِينَ. (٣١٦٠) ولو قال أحَدُهما: قَتَلَه غُدْوَةً، وقال الآخَرُ: عَشِيَّةً، أو قال أحَدُهما: بسَيْفٍ، وقال الآخَرُ: بعَصًا .. فكُلُّ واحِدٍ منهما مُكَذِّبٌ لصاحِبِه، ومِثْلُ هذا يُوجِبُ القَسامَةَ (٣).

стр. 1519

(٣١٦١) ولو شَهِدَ أحَدُهما أنّه قَتَلَه، والآخَرُ أنّه أقَرَّ بقَتْلِه .. لم تَجُزْ شَهادَتُهما؛ لأنّ الإقْرارَ مُخالِفٌ للفِعْلِ. (٣١٦٢) ولو شَهِدا أنّه ضَرَبَه مُلَفَّفًا فقَطَعَه باثْنَيْن، ولم يُثْبِتا أنّه كان حَيًّا .. لم أجْعَلْه قاتلًا، وأحْلَفْتُه: ما ضَرَبَه حَيًّا (١). (٣١٦٣) ولو شَهِدَ أحَدُ الوَرَثَةِ أنّ أحَدَهُم عَفا القَوَدَ والمالَ، فلا سَبِيلَ إلى القَوَدِ وإن لم تَجُزْ شَهادَتُه، وأُحْلِفَ المشْهُودُ عليه: ما عَفا المالَ، ويَأخُذُ حِصَّتَه مِنْ الدِّيَةِ، وإنْ كان ممّن تَجُوزُ شَهادَتُه حَلَفَ القاتِلُ مع شَهادَتِه: لقد عَفا عنه القِصاصَ والمالَ، وبَرِئَ مِنْ حِصَّتِه مِنْ الديةِ. (٣١٦٤) ولو شَهِدَ وارِثٌ أنّه جَرَحَه عَمْدًا أو خَطَأً لم أقْبَلْ؛ لأنّ الجُرْحَ قد يَكُونُ نَفْسًا فيَسْتَوْجِبُ بشَهادَتِه الدِّيَةَ، فإنْ شَهِدَ وله مَنْ يَحْجُبُه قَبِلْتُه، فإن لم أحْكُمْ حتّى صار وارِثًا طَرَحْتُه، ولو كُنْتُ حَكَمْتُ ثُمّ ماتَ مَنْ يَحْجُبُه وَرَّثْتُه؛ لأنّها مَضَتْ في حينٍ لا يَجُرُّ بها إلى نَفْسِه. (٣١٦٥) ولو شَهِدَ مِنْ عاقِلَتِه بالجُرْحِ لم أقْبَلْ وإن كان فَقِيرًا؛ لأنّه قد يَكُونُ له مالٌ في وَقْتِ العَقْلِ، فيَكُونُ دافِعًا عن نَفْسِه بشَهادَتِه ما يَلْزَمُه. [قال المزني (٢): وأجازَه في مَوْضِعٍ آخَرَ إذا كان مِنْ عاقِلَتِه في قُرْبِ

стр. 1520

النَّسَبِ مَنْ يَحْمِلُ العَقْلَ؛ حتّى لا يَخْلُصَ إليه الغُرْمُ إلّا بعد مَوْتِ الذي هو أقْرَبُ (١). (٣١٦٦) قال [الشافعي]: وتَجُوزُ الوَكالَةُ في تَثْبِيتِ البَيِّنَةِ على القَتْلِ عَمْدًا أو خَطَأً، فإذا كان القَوَدُ لم يُدْفَعْ إليه حتّى يَحْضُرَ الوَليُّ أو يُوَكِّلَه بقَتْلِه، فيَكُونَ له قَتْلُه. (٣١٦٧) وإذا أمَرَ السُّلْطانُ بقَتْلِ رَجُلٍ أو قَطْعِه .. أقِصَّ مِنْ السُّلْطانِ (٢)؛ لأنّ هَكَذا يُفْعَلُ، ويُعَزَّرُ المأمورُ.

стр. 1521

(٣٢١) باب الحكم في الساحر إذا قَتَلَ بسحره (١) (٣١٦٨) قال الشافعي: وإذا سَحَرَ رَجُلٌ رَجُلًا فماتَ .. سُئِلَ عن سِحْرِه، فإن قال: أنا أعْمَلُ هذا لأقْتُلَ فأخْطِئُ القَتْلَ وأصِيبُ، وقد ماتَ مِنْ عَمَلي .. ففيه الدِّيَةُ، وإن قال: مَرِضَ منه ولم يَمُتْ .. أقْسَمَ أوْلِياؤُه: لَماتَ مِنْ ذلك العَمَلِ، وكانَت الدِّيَةُ. قال المزني: أصْلُ قَوْلِ الشّافعيّ: أنّ مَنْ أقَرَّ بما لو كان بَيِّنَةً حَمَلَتْه العاقِلَةُ أنّ ذلك في مالِه (٢). قال الشافعي: وإن قال: عَمَلِي يَقْتُلُ المعْمُولَ به، وقد عَمَدْتُ قَتْلَه، قُتِلَ به قَوَدًا.

стр. 1522

[٥٠] كتاب قتال أهل البغي

стр. 1523

(٣٢٢) باب من يجب قتاله من أهل البغي والسيرة فيهم (١) (٣١٦٩) قال الشافعي: قال الله ﵎: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين﴾ [الحجرات: ٩] (٢). (٣١٧٠) قال الشافعي: فأمَرَ اللهُ ﵎ أن نُصْلِحَ بَيْنَهم بالعَدْلِ، ولم يَذْكُرْ تِباعَةً في مالٍ ولا دَمٍ (٣)، وإنّما ذَكَرَ الصُّلْحَ آخِرًا كما ذَكَرَ الإصْلاحَ بَيْنَهُم أوَّلًا قَبْلَ الإذْنِ بقِتالِهِم، فأشْبَه هذا أنْ تكُونَ التِّباعاتُ في الدِّماءِ والجِراحِ وما تَلِفَ مِنْ الأمْوالِ ساقِطَةً بينهم، وكما قال ابنُ شِهابٍ عندنا قال: «كانَتْ في تِلْكَ الفِتْنَةِ (٤) دِماءٌ يُعْرَفُ في بَعْضِها القاتِلُ والمقْتُولُ، وأتْلِفَتْ فيها الأمْوالُ، ثُمّ صارَ النّاسُ إلى أنْ سَكَنَت الحَرْبُ بَيْنَهم، وجَرَى الحُكْمُ عَلَيْهم، فما عَلِمْتُه اقْتُصَّ مِنْ أحَدٍ، ولا أُغْرِمَ مالًا أتْلَفَه»، قال

стр. 1524

الشافعي: وما عَلِمْتُ النّاسَ اخْتَلَفُوا في أنّ ما حَوَوْا في البَغْيِ مِنْ مالٍ (١) فوُجِدَ بعَيْنِه أنّ صاحِبَه أحَقُّ به. (٣١٧١) قال: وأهْلُ الرِّدَّةِ بعد رسولِ الله ﷺ ضَرْبان: فمنهم قَوْمٌ كَفَرُوا بعد إسْلامِهِم، مِثْلُ: طُلَيْحَةَ ومُسَيْلِمَةَ والعَنْسِيِّ وأصْحابِهم، ومنهم قَوْمٌ تَمَسَّكُوا بالإسْلامِ ومَنَعُوا الصَّدَقاتِ، وهو لِسانٌ عَرَبِيٌّ، والرِّدَّةُ ارْتِدادٌ عمّا كانُوا عليه [بالكُفْرِ، وارْتِدادٌ بمَنْعِ حَقٍّ كانُوا عليه (٢). وقَوْلُ عُمَرَ لأبي بَكْرٍ: ألَيْسَ قد قال رسولُ الله ﷺ : «أمِرْتُ أنْ أقاتِلَ النّاسَ حتّى يَقُولُوا: لا إلهَ إلّا الله، فإذا قالُوها فقد عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهُم وأمْوالَهم إلّا بحَقِّها، وحِسابُهُم على الله» (٣)، وقَوْلُ أبي بَكْرٍ: «هذا مِنْ حَقِّها، لو مَنَعُونِي عَناقًا ممّا أعْطَوْا رسولَ الله ﷺ لقاتَلْتُهُم عليها» .. مَعْرِفَةٌ منهما معًا أنّ ممَّنْ قاتَلُوا مَنْ تَمَسَّكَ بالإسلامِ، ولولا ذلك ما شَكَّ عُمَرُ في قِتالهم، ولقال أبو بَكْرٍ: قد تَرَكُوا «لا إلهَ إلّا الله» فصارُوا مُشْرِكِين، وذلك بَيِّنٌ في مُخاطَبَتِهم جُيُوشَ أبي بَكْرٍ، وأشْعارِ مَنْ قال الشِّعْرَ منهم، قال شاعِرُهم (٤): ألا أصْبِحِينا قبل نائِرَةِ الفَجْرِ … لَعَلَّ مَنايانا قَرِيبٌ وما نَدْرِي (٥)

стр. 1525

أطَعْنا رسولَ اللهِ ما كان بَيْنَنا … فيا عَجَبًا ما بالُ مُلْكِ أبي بَكْرِ؟ فإنّ الذي سَألُوكُمْ فمَنَعْتُمُ … لكالتَّمْرِ أو أحْلَى إليهم مِنْ التَّمْرِ سَنَمْنَعُهُم ما كان فينا بَقِيَّةٌ … كِرامٌ على العَزَّاءِ في ساعَةِ العُسْر (١) وقالُوا لأبي بَكْرٍ بعد الإِسارِ: «ما كَفَرْنا بعد إيمانِنا، ولكِنّا شَحَحْنا على أمْوالِنا»، فسار إليهم أبو بَكْرٍ بنَفْسِه حتّى لَقِيَ أخا بني بَدْرٍ الفَزارِيّ (٢) فقاتَلَه مَعَه عُمَرُ وعامَّةُ أصْحابِ رسولِ الله ﷺ ، ثُمّ أمْضَى أبو بَكْرٍ خالِدًا في قِتالِ مَنْ ارْتَدَّ ومَنَعَ الزَّكاةَ فقاتَلَهُم بعَوامٍّ مِنْ أصْحابِ رسولِ الله ﷺ . قال الشافعي: ففي هذا دَلالَةٌ على أنّ مَنْ مَنَعَ ما فَرَضَ اللهُ علَيْه فلم يَقْدِر الإمامُ على أخْذِه بامْتِناعِه قاتَلَه، وإنْ أتَى القَتْلُ على نَفْسِه، وفي هذا المعْنَى كُلُّ حَقٍّ لرَجُلٍ على رَجُلٍ فمَنَعَه بجَماعَةٍ، وقال: «لا أُؤَدِّي ولا أبْدَؤُكُمْ بقِتالٍ» قُوتِلَ، وكذا قال مَنْ مَنَعَ الصَّدَقَةَ ممَّن يُنْسَبُ إلى الرِّدَّةِ، فإذا لم يَخْتَلِفْ أصْحابُ رسولِ الله ﷺ في قِتالِهِم بمَنْعِ الزَّكاةِ .. فالباغِي الذي يُقاتِلُ الإمامَ العادِلَ في مِثْلِ مَعْناهُم في أنّه لا يُعْطِي الإمامَ العادِلَ حَقًّا يَجِبُ عليه، ويَمْتَنِعُ مِنْ حُكْمِه، ويَزِيدُ على مانِعِ الصَّدَقَةِ أن يُرِيدَ أن يَحْكُمَ هو على الإمامِ العادِلِ. (٣١٧٢) قال: ولو أنّ نَفَرًا يَسِيرًا قَلِيلِي العَدَدِ يُعْرَفُ أنّ مِثْلَهُم لا يَمْتَنِعُ إذا أرِيدُوا، فأظْهَرُوا رَأيَهُم ونابَذُوا الإمامَ العادِلَ (٣) وقالُوا: نَمْتَنِعُ مِنْ

стр. 1526

الحُكْمِ، فأصابُوا دِماءً وأمْوالًا وحُدُودًا في هذه الحالِ مُتأوِّلِينَ، ثُمّ ظَهَرَ عليهم .. أقِيمَتْ عليهم الحدُودُ وأخِذَتْ منهم الحقُوقُ كما تُؤخَذُ مِنْ غير المتأوِّلِينَ. (٣١٧٣) وإذا كانَتْ لأهْلِ البَغْيِ جماعَةٌ تكْثُرُ، ويَمْتَنِعُ مِثْلُها بمَوْضِعِها الذي هي به بَعْضَ الامْتِناعِ، حتّى يُعْرَفَ أنّ مِثْلَها لا يُنالُ حتّى تكْثُرَ نِكايَتُه، واعْتَقَدَتْ ونَصَبَتْ إمامًا، وأظْهَرَتْ حُكْمًا، وامْتَنَعَتْ مِنْ حُكْمِ الإمامِ العادِلِ .. فهذه الفِئَةُ الباغِيَةُ التي تُفارِقُ حُكْمَ مَنْ ذَكَرْنا قَبْلَها، فيَنْبَغِي إذا فَعَلُوا مِثْلَ هذا أن يُسْألُوا ما نَقَمُوا، فإنْ ذَكَرُوا مَظْلِمَةً بَيِّنَةً رُدَّتْ (١)، وإن لم يَذْكُرُوها بَيِّنَةً قيل (٢): عُودُوا لِما فارَقْتُمْ مِنْ طاعَةِ الإمامِ العادِلِ، وأنْ تكُونَ كَلِمَتُكُمْ وكَلِمَةُ أهْلِ دِينِ اللهِ على المشْرِكِينَ واحِدَةً، وأن لا تَمْتَنِعُوا مِنْ الحكْمِ، فإن فَعَلُوا قُبِلَ منهم (٣)، وإن امْتَنَعُوا قيل: إنّا مُوذِنُكُمْ (٤) بحَرْبٍ، فإن لم يُجِيبُوا قُوتِلُوا، ولا يُقاتَلُوا حتّى يُدْعَوْا ويُناظَرُوا، إلّا أن يَمْتَنِعُوا مِنْ المناظَرَةِ، فيُقاتَلُوا حتّى يَفِيئُوا إلى أمْرِ الله . قال الشافعي: والفَيْئَةُ الرُّجُوعُ عن القِتالِ بالهزِيمَةِ أو التَّرْكِ للقِتالِ، فأيُّ حالٍ تَرَكُوا فيها القِتالَ فقد فاؤوا وحَرُمَ قِتالُهم؛ لأنّه أمِرَ أن يُقاتِلَ، وإنَّما يُقاتَلُ مَنْ يُقاتِلُ، فإذا لم يُقاتَلْ حَرُمَ بالإسْلام أن يُقاتِلَ، فأمّا مَنْ لا يُقاتِلُ فإنّما يُقالُ: «اقْتُلُوه»، لا «قاتِلُوه»، نادَى مُنادِي عليٍّ رحمة الله عليه يَوْمَ الجَمَلِ: «ألا لا يُتَّبَعُ مُدْبِرٌ، ولا يُذَفَّفُ على جَرِيحٍ» (٥)، وأُتِيَ عليٌّ

стр. 1527

يَوْمَ صِفِّينَ [بأسِيرٍ، فقال له عليٌّ رحمة الله عليه: «لا أقْتُلُكَ صَبْرًا، إنّي أخافُ اللهَ رَبَّ العالَمِينَ»، فخَلَّى سَبِيلَه والحَرْبُ يَوْمَ صِفِّينَ (١) قائِمَةٌ، ومُعاوِيَةُ يُقاتِلُ جادًّا في أيّامِه كُلِّها مُنْتَصِفًا أو مُسْتَعْلِيًا (٢)، فبهذا كُلِّه أقُولُ، وأمّا إذا لم تكُنْ جَماعَةٌ مُمْتَنِعَةٌ .. فحُكْمُه القِصاصُ، قَتَلَ ابْنُ مُلْجِمٍ عَلِيًّا مُتأوِّلًا، فأمَرَ بحَبْسِه، وقال لوَلَدِه: إن قَتَلْتُمْ فلا تُمَثِّلُوا، ورَأَى عليه القَتْلَ، وقَتَلَه الحسنُ بنُ عليٍّ (٣) وفي النّاسِ بَقِيَّةٌ مِنْ أصْحابِ رسولِ الله ﷺ فما أنْكَرَ قَتْلَه ولا عابَه أحَدٌ، ولم يُقِدْ عَلِيٌّ - وقد وَلِيَ قِتالَ المتَأوِّلِينَ - ولا أبُو بَكْرٍ مَنْ قَتَلَتْه الجماعَةُ الممْتَنِعُ مِثْلُها على التّأوِيلِ عَلَى ما وَصَفْنا، وعلى الكُفْرِ وإنْ كان بارْتِدادٍ إذا تَابُوا، قد قَتَلَ طُلَيْحَةُ عُكاشَةَ بنَ مِحْصَنٍ وثابِتَ بنَ أقْرَمَ ثُمّ أسْلَمَ فلم يَضْمَنْ عَقْلًا ولا قَوَدًا، فأمّا جماعَةٌ مُمْتَنِعَةٌ غَيْرُ مُتَأوِّلَةٍ قَتَلَتْ وأخَذَت المالَ فحُكْمُهُم حُكْمُ قُطّاعِ الطَّرِيقِ. قال المزني: هذا خِلافُ قَوْلِه في «قِتالِ أهْلِ الرِّدَّةِ» [ف: ٣٣٠٣]؛ لأنّه ألْزَمَهُم هُناك ما وَضَعَ عَنْهُم هُنا، [وهو عندي أشْبَهُ بالقِياسِ (٤).

стр. 1528

(٣١٧٤) قال الشافعي: ولو أنّ قَوْمًا أظْهَرُوا رَأيَ الخوارِجِ، وتَجَنَّبُوا الجماعاتِ وأكْفَرُوهُم .. لم يَحِلَّ بذلك قِتالُهم، بَلَغَنا أنّ عَلِيًّا سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: «لا حُكْمَ إلّا لله» في ناحِيَةِ المسْجِدِ، فقال عليٌّ: «كَلِمَةُ حَقٍّ أرِيدَ بها باطِلٌ، لكُمْ عَلَيْنا ثلاثٌ: لا نَمْنَعُكُمْ مَساجِدَ الله أنْ تَذْكُرُوا فيها اسْمَ الله، ولا نَمْنَعُكُم الفَيْءَ ما دامَتْ أيْدِيكُم مع أيْدِينَا، ولا نَبْدَؤُكُمْ بقِتالٍ». (٣١٧٥) قال الشافعي: ولو قَتَلُوا والِيَهم أو غَيْرَه قبل أن يَنْصِبُوا إمامًا ويُظْهِرُوا حُكْمًا مُخالِفًا لحُكْمِ الإمامِ .. كان عَلَيْهِم في ذلك القِصاصُ، قد سَلَّمُوا وأطاعُوا والِيًا عليهم مِنْ قِبَلِ عليٍّ ثُمّ قَتَلُوه (١)، فأرْسَلَ إليهم عليٌّ: أن ادْفَعُوا إلينا قاتِلَه نَقْتُلْه به، قالوا: كُلُّنا قَتَلَه، قال: فاسْتَسْلِمُوا نَحْكُمْ عليكُمْ، قالوا: لا، فسَارَ إليهم فقاتَلَهُم فأصابَ أكْثَرَهُم. (٣١٧٦) قال الشافعي: وإذا قاتَلَتْ منهم امْرأةٌ أو عَبْدٌ أو غُلامٌ مُراهِقٌ قُوتِلُوا مُقْبِلِين، وتُرِكُوا مُوَلِّين؛ لأنّهم منهم. (٣١٧٧) ويَخْتَلِفُون في الإسارِ، فلو أسِرَ بالِغٌ مِنْ الرِّجالِ الأحْرارِ فحُبِسَ ليُبايِعَ رَجَوْتُ أن يَسَعَ، ولا يَسَعُ أن يُحْبَسَ ممْلُوكٌ ولا غَيْرُ بالِغٍ مِنْ الأحْرارِ ولا امْرَأةٌ لتُبايِعَ، وإنّما يُبايعُ النِّساءُ على الإسْلامِ، فأمّا على الطّاعَةِ فهُنَّ لا جِهادَ عليهنّ، فأمّا إذا انْقَضَت الحَرْبُ فلا يُحْبَسُ أسِيرُهُم. (٣١٧٨) وإن سَألُوا أن يُنْظَرُوا .. لم أرَ بأسًا على ما يَرْجُو الإمامُ منهم.

стр. 1529

(٣١٧٩) وإنْ خاف على الفِئَةِ العادِلَةِ الضَّعْفَ عنهم، رأيْتُ تأخِيرَهُم إلى أن تُمَكِّنَه القُوَّةُ عليهم. (٣١٨٠) ولو اسْتَعان أهْلُ البَغْيِ بأهْلِ الحرْبِ على قِتالِ أهْلِ العَدْلِ، قُتِلَ أهْلُ الحرْبِ وسُبُوا، ولا يَكُونُ هذا أمانًا إلّا على الكَفِّ، فأمّا على قِتالِ أهْلِ العَدْلِ .. فلو كان لهم أمانٌ فقاتَلُوا أهْلَ العَدْلِ كان نَقْضًا لأمانِهم. (٣١٨١) وإن كانُوا أهْلَ ذِمَّةٍ .. فقد قيل: ليْسَ هذا نَقْضًا للعَهْدِ، قال: وأرَى إنْ كانُوا مُكْرَهِين، أو ذَكَرُوا جَهالَةً فقالُوا: كُنّا نَرَى إذا حَمَلَتْنا طائِفَةٌ مِنْ المسْلِمِين على أخْرَى أنّ دَمَها يَحِلُّ كقُطّاعِ الطَّرِيقِ، أو لم نَعْلَمْ أنّ مَنْ حَمَلُونا على قِتالِه مُسْلِمٌ .. لم يَكُنْ هذا نَقْضًا للعَهْدِ، وأخِذُوا بكُلِّ ما أصابُوا مِنْ دَمٍ ومالٍ، وذلك أنّهم ليْسُوا بالمسْلِمِين الذين أمَرَ اللهُ بالإصْلاحِ بينهم. (٣١٨٢) وإنْ أتَى أحَدُهُم تائِبًا لم يُقَصَّ منه؛ لأنّه مُسْلِمٌ مُحَرَّمُ الدَّمِ (١). (٣١٨٣) قال الشافعي: وقال لي قائلٌ: ما تَقُولُ فيمَن أرادَ دَمَ رَجُلٍ أو مالَه أو حَرِيمَه؟ قلتُ: يُقاتِلُه وإنْ أتَى القَتْلُ على نَفْسِه إذا لم يَقْدِرْ على دَفْعِه إلّا بذَلِكَ، فرَوَى (٢) حديثَ النبيِّ ﷺ : «لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا بإحْدَى ثلاثٍ: كُفْرٌ بعد إيمانٍ، وزِنًا بعد إحْصانٍ، وقَتْلُ نَفْسٍ بغَيْرِ نَفْسٍ»، قلتُ: هذا كلامٌ عربيٌّ، ومعناه: إذا أتَى واحِدَةً مِنْ الثلاثِ حَلَّ دَمُه، فمَعْناه: كان رَجُلًا زَنَى مُحْصَنًا ثُمّ تَرَكَ الزِّنا وتابَ منه وهَرَبَ، ثُمّ قُدِرَ

стр. 1530

عليه، قُتِلَ رَجْمًا، أو قَتَلَ عَمْدًا وتَرَكَ القَتْلَ وتابَ منه وهَرَبَ، ثُمّ قُدِرَ عليه، قُتِلَ قَوَدًا، وإذا كَفَرَ ثُمّ تابَ فارَقَه اسْمُ الكُفْرِ، وهذان لا يُفارِقُهما اسْمُ الزِّنا والقَتْلِ ولو تابا وهَرَبا. (٣١٨٤) قال الشافعي: ولا يُسْتَعانُ عليهم بمَن يَرَى قَتْلَهُم مُدْبِرِينَ. (٣١٨٥) ولا بأسَ إذا كان حُكْمُ الإسْلامِ الظاهِرُ أن يُسْتَعانَ بالمشْرِكِين على قِتالِ المشْرِكِين، وذلك أنّه تَحِلُّ دِماؤُهُم مُقْبِلِين ومُدْبِرِين. (٣١٨٦) ولا يُعِينُ العادِلُ إحْدَى الطَّائِفَتَيْن الباغِيَتَيْن (١) - وإن اسْتَعانَتْه - على الأخْرَى حتّى تَرْجِعَ إليه. (٣١٨٧) ولا يُرْمَوْن بالمنْجَنِيقِ ولا بنارٍ إلّا أن تكُونَ ضَرُورَةٌ، بأن يُحاطَ بهم فيَخافُوا الاصْطِلامَ (٢)، أو يَرْمُونَ بالمنْجَنِيقِ فيَسَعُهم ذلك دَفْعًا عن أنْفُسِهم. (٣١٨٨) وإذا غَلَبُوا على بِلادٍ فأخَذُوا صَدَقاتِ أهْلِها وأقامُوا علَيْهِم الحُدُودَ، لم تُعَدْ عليهم. (٣١٨٩) ولا يُرَدُّ مِنْ قَضاءِ قاضِيهِم إلّا ما يُرَدُّ مِنْ قَضاءِ قاضِي غَيْرِهم. وقال في موضع آخر: «إذا كانَ غَيْرَ مأمُونٍ برَأيِه على اسْتِحْلالِ دَمٍ ومالٍ، لم يُنَفَّذْ حُكْمُه، ولم يُقْبَلْ كِتابُه» (٣).

стр. 1531

(٣١٩٠) قال: ولو شَهِدَ منهم عَدْلٌ، قُبِلَتْ شَهادَتُه ما لم يَكُنْ يَرَى أن يَشْهَدَ لِمُوافِقِه بتَصْدِيقِه. (٣١٩١) فإن قُتِلَ باغٍ في المعْتَرَكِ غُسِلَ وصُلِّيَ عليه ودُفِنَ، وإن كان مِنْ أهْلِ العَدْلِ ففيها قولان: أحدهما - أنّه كالشَّهِيدِ، والآخر - أنّه كالموْتَى، إلّا مَنْ قَتَلَه المشْرِكُون (١). (٣١٩٢) قال: وأكْرَهُ للعَدْلِ أن يَعْمِدَ قَتْلَ ذِي رَحِمٍ مِنْ أهْلِ البَغْيِ؛ وذلك أنّ النبيّ ﵇ كَفَّ أبا حُذَيْفَةَ بنَ عُتْبَةَ مِنْ قَتْلِ أبِيه، وأبا بَكْرٍ يَوْمَ أحُدٍ مِنْ قَتْلِ ابْنِه. (٣١٩٣) وأيُّهما قَتَلَ أباه أو ابْنَه .. فقال بعضُ الناسِ: إن قَتَلَ العادِلُ أباه وَرِثَه، وإن قَتَلَه الباغِي لم يَرِثْه، وخالَفَه بعضُ أصْحابِه فقالُوا: يَتَوارَثان؛ لأنّهما مُتأوِّلان، وخالَفَه آخَرُ فقال: لا يَتَوارَثان؛ لأنّهما قاتِلان، قال الشافعي: وهذا أشْبَهُ بمَعْنى الحديثِ، فيَرِثُهُما غَيْرُهما مِنْ وَرَثَتِهما (٢). (٣١٩٤) ومَن أرِيدَ دَمُه أو حَرِيمُه أو مالُه .. فلَه أن يُقاتِلَ وإنْ أتَى ذلك على نَفْسِ مَنْ أرادَه، قال رسولُ الله ﷺ : «مَنْ قُتِلَ دُون مالِه فهو شَهِيدٌ». (٣١٩٥) قال الشافعي: والحديثُ عن رسولِ الله يَدُلُّ على جَوازِ أمانِ كُلِّ مُسْلِمٍ، مِنْ حُرٍّ (٣)، وامْرأةٍ، وعَبْدٍ، قاتَلَ أو لم يُقاتِلْ، لأهْلِ بَغْيٍ أو حَرْبٍ.

стр. 1532

(٣٢٣) باب الخلاف في قتال أهل البغي (٣١٩٦) قال الشافعي: قال بعض الناس: إذا كانَت الحرْبُ قائِمَةً اسْتُمْتِعَ بدَوابِّهِم وسِلاحِهِم، فإذا انْقَضَت الحرْبُ فذلك رَدٌّ، قلتُ: أرَأيْتَ إن عارَضَك وإيّانا مُعارِضٌ يَسْتَحِلُّ مالَ مَنْ يَسْتَحِلُّ دَمَه فقال: الدَّمُ أعْظَمُ (١)، فإذا حَلَّ الدَّمُ حَلَّ المالُ، هل لك حُجَّةٌ إلّا أنّ هذا في أهْلِ الحرْبِ الذين يُرَقُّ أحْرارُهُم، وتُسْبَى نِساؤُهُم وذَرارِيهم؟ والحُكْمُ في أهْلِ القِبْلَةِ خِلافُهُم، وقد يَحِلُّ دَمُ الزّانِي المحْصَنِ والقاتِلِ ولا تَحِلُّ أمْوالُهُما بجِنايَتِهما، والباغِي أخَفُّ حالًا منهما، ويُقالُ لهما: مُباحا الدَّمِ مُطْلَقًا، ولا يُقالُ للباغِي: مُباحُ الدَّمِ، وإنّما يُقالُ: يُمْنَعُ مِنْ البَغْيِ إنْ قُدِرَ على مَنْعِه بالكلامِ، أو كان غَيْرَ مُمْتَنِعٍ لا يُقاتَلُ ولم يَحِلَّ قِتالُه؟ قال: فإنّي إنّما آخُذُ سِلاحَهُم لأنّه أقْوَى لي وأوْهَنُ لهم ما كانُوا مُقاتِلِين، فقلتُ له: فإذا أخَذْتَ مالَ قَتِيلٍ قد صارَ مِلْكُهُ لِطِفْلٍ أو كَبِيرٍ لم يُقاتِلْك قَطُّ (٢)، أفَتَقْوَى بمالِ غائِبٍ غَيْرِ باغٍ على باغٍ؟ وقلتُ له: أرَأيْتَ لو وَجَدْتَ لهم دَنانِيرَ أو دَراهِمَ تُقَوِّيكَ عليهم أتَأخُذُها؟ قال: لا، قلتُ: فقد تَرَكْتَ ما هو أقْوَى لك عليهم مِنْ السِّلاحِ في بَعْضِ الحالاتِ. (٣١٩٧) وقال: فإنّ صاحِبَنا يَزْعُمُ أنّه لا يُصَلّي على قَتْلَى أهْلِ البَغْيِ، قلتُ: ولِمَ؟ وهو يُصَلِّي على مَنْ قَتَلَه في حَدٍّ، وهو يَجِبُ عليه قَتْلُه ولا يَحِلُّ له تَرْكُه (٣)، والباغِي مُحَرَّمٌ عليه قَتْلُه مُولِيًا وراجِعًا عن البَغْيِ، ولو تُرِكَت
следующие страницы →