(٣١٧٤) قال الشافعي: ولو أنّ قَوْمًا أظْهَرُوا رَأيَ الخوارِجِ، وتَجَنَّبُوا الجماعاتِ وأكْفَرُوهُم .. لم يَحِلَّ بذلك قِتالُهم، بَلَغَنا أنّ عَلِيًّا سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: «لا حُكْمَ إلّا لله» في ناحِيَةِ المسْجِدِ، فقال عليٌّ: «كَلِمَةُ حَقٍّ أرِيدَ بها باطِلٌ، لكُمْ عَلَيْنا ثلاثٌ: لا نَمْنَعُكُمْ مَساجِدَ الله أنْ تَذْكُرُوا فيها اسْمَ الله، ولا نَمْنَعُكُم الفَيْءَ ما دامَتْ أيْدِيكُم مع أيْدِينَا، ولا نَبْدَؤُكُمْ بقِتالٍ».
(٣١٧٥) قال الشافعي: ولو قَتَلُوا والِيَهم أو غَيْرَه قبل أن يَنْصِبُوا إمامًا ويُظْهِرُوا حُكْمًا مُخالِفًا لحُكْمِ الإمامِ .. كان عَلَيْهِم في ذلك القِصاصُ، قد سَلَّمُوا وأطاعُوا والِيًا عليهم مِنْ قِبَلِ عليٍّ ثُمّ قَتَلُوه (١)، فأرْسَلَ إليهم عليٌّ: أن ادْفَعُوا إلينا قاتِلَه نَقْتُلْه به، قالوا: كُلُّنا قَتَلَه، قال: فاسْتَسْلِمُوا نَحْكُمْ عليكُمْ، قالوا: لا، فسَارَ إليهم فقاتَلَهُم فأصابَ أكْثَرَهُم.
(٣١٧٦) قال الشافعي: وإذا قاتَلَتْ منهم امْرأةٌ أو عَبْدٌ أو غُلامٌ مُراهِقٌ قُوتِلُوا مُقْبِلِين، وتُرِكُوا مُوَلِّين؛ لأنّهم منهم.
(٣١٧٧) ويَخْتَلِفُون في الإسارِ، فلو أسِرَ بالِغٌ مِنْ الرِّجالِ الأحْرارِ فحُبِسَ ليُبايِعَ رَجَوْتُ أن يَسَعَ، ولا يَسَعُ أن يُحْبَسَ ممْلُوكٌ ولا غَيْرُ بالِغٍ مِنْ الأحْرارِ ولا امْرَأةٌ لتُبايِعَ، وإنّما يُبايعُ النِّساءُ على الإسْلامِ، فأمّا على الطّاعَةِ فهُنَّ لا جِهادَ عليهنّ، فأمّا إذا انْقَضَت الحَرْبُ فلا يُحْبَسُ أسِيرُهُم.
(٣١٧٨) وإن سَألُوا أن يُنْظَرُوا .. لم أرَ بأسًا على ما يَرْجُو الإمامُ منهم.
стр. 1529
(٣١٧٩) وإنْ خاف على الفِئَةِ العادِلَةِ الضَّعْفَ عنهم، رأيْتُ تأخِيرَهُم إلى أن تُمَكِّنَه القُوَّةُ عليهم.
(٣١٨٠) ولو اسْتَعان أهْلُ البَغْيِ بأهْلِ الحرْبِ على قِتالِ أهْلِ العَدْلِ، قُتِلَ أهْلُ الحرْبِ وسُبُوا، ولا يَكُونُ هذا أمانًا إلّا على الكَفِّ، فأمّا على قِتالِ أهْلِ العَدْلِ .. فلو كان لهم أمانٌ فقاتَلُوا أهْلَ العَدْلِ كان نَقْضًا لأمانِهم.
(٣١٨١) وإن كانُوا أهْلَ ذِمَّةٍ .. فقد قيل: ليْسَ هذا نَقْضًا للعَهْدِ، قال: وأرَى إنْ كانُوا مُكْرَهِين، أو ذَكَرُوا جَهالَةً فقالُوا: كُنّا نَرَى إذا حَمَلَتْنا طائِفَةٌ مِنْ المسْلِمِين على أخْرَى أنّ دَمَها يَحِلُّ كقُطّاعِ الطَّرِيقِ، أو لم نَعْلَمْ أنّ مَنْ حَمَلُونا على قِتالِه مُسْلِمٌ .. لم يَكُنْ هذا نَقْضًا للعَهْدِ، وأخِذُوا بكُلِّ ما أصابُوا مِنْ دَمٍ ومالٍ، وذلك أنّهم ليْسُوا بالمسْلِمِين الذين أمَرَ اللهُ بالإصْلاحِ بينهم.
(٣١٨٢) وإنْ أتَى أحَدُهُم تائِبًا لم يُقَصَّ منه؛ لأنّه مُسْلِمٌ مُحَرَّمُ الدَّمِ (١).
(٣١٨٣) قال الشافعي: وقال لي قائلٌ: ما تَقُولُ فيمَن أرادَ دَمَ رَجُلٍ أو مالَه أو حَرِيمَه؟ قلتُ: يُقاتِلُه وإنْ أتَى القَتْلُ على نَفْسِه إذا لم يَقْدِرْ على دَفْعِه إلّا بذَلِكَ، فرَوَى (٢) حديثَ النبيِّ ﷺ : «لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا بإحْدَى ثلاثٍ: كُفْرٌ بعد إيمانٍ، وزِنًا بعد إحْصانٍ، وقَتْلُ نَفْسٍ بغَيْرِ نَفْسٍ»، قلتُ: هذا كلامٌ عربيٌّ، ومعناه: إذا أتَى واحِدَةً مِنْ الثلاثِ حَلَّ دَمُه، فمَعْناه: كان رَجُلًا زَنَى مُحْصَنًا ثُمّ تَرَكَ الزِّنا وتابَ منه وهَرَبَ، ثُمّ قُدِرَ
стр. 1530
عليه، قُتِلَ رَجْمًا، أو قَتَلَ عَمْدًا وتَرَكَ القَتْلَ وتابَ منه وهَرَبَ، ثُمّ قُدِرَ عليه، قُتِلَ قَوَدًا، وإذا كَفَرَ ثُمّ تابَ فارَقَه اسْمُ الكُفْرِ، وهذان لا يُفارِقُهما اسْمُ الزِّنا والقَتْلِ ولو تابا وهَرَبا.
(٣١٨٤) قال الشافعي: ولا يُسْتَعانُ عليهم بمَن يَرَى قَتْلَهُم مُدْبِرِينَ.
(٣١٨٥) ولا بأسَ إذا كان حُكْمُ الإسْلامِ الظاهِرُ أن يُسْتَعانَ بالمشْرِكِين على قِتالِ المشْرِكِين، وذلك أنّه تَحِلُّ دِماؤُهُم مُقْبِلِين ومُدْبِرِين.
(٣١٨٦) ولا يُعِينُ العادِلُ إحْدَى الطَّائِفَتَيْن الباغِيَتَيْن (١) - وإن اسْتَعانَتْه - على الأخْرَى حتّى تَرْجِعَ إليه.
(٣١٨٧) ولا يُرْمَوْن بالمنْجَنِيقِ ولا بنارٍ إلّا أن تكُونَ ضَرُورَةٌ، بأن يُحاطَ بهم فيَخافُوا الاصْطِلامَ (٢)، أو يَرْمُونَ بالمنْجَنِيقِ فيَسَعُهم ذلك دَفْعًا عن أنْفُسِهم.
(٣١٨٨) وإذا غَلَبُوا على بِلادٍ فأخَذُوا صَدَقاتِ أهْلِها وأقامُوا علَيْهِم الحُدُودَ، لم تُعَدْ عليهم.
(٣١٨٩) ولا يُرَدُّ مِنْ قَضاءِ قاضِيهِم إلّا ما يُرَدُّ مِنْ قَضاءِ قاضِي غَيْرِهم.
وقال في موضع آخر: «إذا كانَ غَيْرَ مأمُونٍ برَأيِه على اسْتِحْلالِ دَمٍ ومالٍ، لم يُنَفَّذْ حُكْمُه، ولم يُقْبَلْ كِتابُه» (٣).
стр. 1531
(٣١٩٠) قال: ولو شَهِدَ منهم عَدْلٌ، قُبِلَتْ شَهادَتُه ما لم يَكُنْ يَرَى أن يَشْهَدَ لِمُوافِقِه بتَصْدِيقِه.
(٣١٩١) فإن قُتِلَ باغٍ في المعْتَرَكِ غُسِلَ وصُلِّيَ عليه ودُفِنَ، وإن كان مِنْ أهْلِ العَدْلِ ففيها قولان: أحدهما - أنّه كالشَّهِيدِ، والآخر - أنّه كالموْتَى، إلّا مَنْ قَتَلَه المشْرِكُون (١).
(٣١٩٢) قال: وأكْرَهُ للعَدْلِ أن يَعْمِدَ قَتْلَ ذِي رَحِمٍ مِنْ أهْلِ البَغْيِ؛ وذلك أنّ النبيّ ﵇ كَفَّ أبا حُذَيْفَةَ بنَ عُتْبَةَ مِنْ قَتْلِ أبِيه، وأبا بَكْرٍ يَوْمَ أحُدٍ مِنْ قَتْلِ ابْنِه.
(٣١٩٣) وأيُّهما قَتَلَ أباه أو ابْنَه .. فقال بعضُ الناسِ: إن قَتَلَ العادِلُ أباه وَرِثَه، وإن قَتَلَه الباغِي لم يَرِثْه، وخالَفَه بعضُ أصْحابِه فقالُوا: يَتَوارَثان؛ لأنّهما مُتأوِّلان، وخالَفَه آخَرُ فقال: لا يَتَوارَثان؛ لأنّهما قاتِلان، قال الشافعي: وهذا أشْبَهُ بمَعْنى الحديثِ، فيَرِثُهُما غَيْرُهما مِنْ وَرَثَتِهما (٢).
(٣١٩٤) ومَن أرِيدَ دَمُه أو حَرِيمُه أو مالُه .. فلَه أن يُقاتِلَ وإنْ أتَى ذلك على نَفْسِ مَنْ أرادَه، قال رسولُ الله ﷺ : «مَنْ قُتِلَ دُون مالِه فهو شَهِيدٌ».
(٣١٩٥) قال الشافعي: والحديثُ عن رسولِ الله يَدُلُّ على جَوازِ أمانِ كُلِّ مُسْلِمٍ، مِنْ حُرٍّ (٣)، وامْرأةٍ، وعَبْدٍ، قاتَلَ أو لم يُقاتِلْ، لأهْلِ بَغْيٍ أو حَرْبٍ.
стр. 1532
(٣٢٣)
باب الخلاف في قتال أهل البغي
(٣١٩٦) قال الشافعي: قال بعض الناس: إذا كانَت الحرْبُ قائِمَةً اسْتُمْتِعَ بدَوابِّهِم وسِلاحِهِم، فإذا انْقَضَت الحرْبُ فذلك رَدٌّ، قلتُ: أرَأيْتَ إن عارَضَك وإيّانا مُعارِضٌ يَسْتَحِلُّ مالَ مَنْ يَسْتَحِلُّ دَمَه فقال: الدَّمُ أعْظَمُ (١)، فإذا حَلَّ الدَّمُ حَلَّ المالُ، هل لك حُجَّةٌ إلّا أنّ هذا في أهْلِ الحرْبِ الذين يُرَقُّ أحْرارُهُم، وتُسْبَى نِساؤُهُم وذَرارِيهم؟ والحُكْمُ في أهْلِ القِبْلَةِ خِلافُهُم، وقد يَحِلُّ دَمُ الزّانِي المحْصَنِ والقاتِلِ ولا تَحِلُّ أمْوالُهُما بجِنايَتِهما، والباغِي أخَفُّ حالًا منهما، ويُقالُ لهما: مُباحا الدَّمِ مُطْلَقًا، ولا يُقالُ للباغِي: مُباحُ الدَّمِ، وإنّما يُقالُ: يُمْنَعُ مِنْ البَغْيِ إنْ قُدِرَ على مَنْعِه بالكلامِ، أو كان غَيْرَ مُمْتَنِعٍ لا يُقاتَلُ ولم يَحِلَّ قِتالُه؟ قال: فإنّي إنّما آخُذُ سِلاحَهُم لأنّه أقْوَى لي وأوْهَنُ لهم ما كانُوا مُقاتِلِين، فقلتُ له: فإذا أخَذْتَ مالَ قَتِيلٍ قد صارَ مِلْكُهُ لِطِفْلٍ أو كَبِيرٍ لم يُقاتِلْك قَطُّ (٢)، أفَتَقْوَى بمالِ غائِبٍ غَيْرِ باغٍ على باغٍ؟ وقلتُ له: أرَأيْتَ لو وَجَدْتَ لهم دَنانِيرَ أو دَراهِمَ تُقَوِّيكَ عليهم أتَأخُذُها؟ قال: لا، قلتُ: فقد تَرَكْتَ ما هو أقْوَى لك عليهم مِنْ السِّلاحِ في بَعْضِ الحالاتِ.
(٣١٩٧) وقال: فإنّ صاحِبَنا يَزْعُمُ أنّه لا يُصَلّي على قَتْلَى أهْلِ البَغْيِ، قلتُ: ولِمَ؟ وهو يُصَلِّي على مَنْ قَتَلَه في حَدٍّ، وهو يَجِبُ عليه قَتْلُه ولا يَحِلُّ له تَرْكُه (٣)، والباغِي مُحَرَّمٌ عليه قَتْلُه مُولِيًا وراجِعًا عن البَغْيِ، ولو تُرِكَت
стр. 1533
الصَّلاةُ على أحَدِهما دُونَ الآخَرِ .. كان مَنْ لا يَحِلُّ إلّا قَتْلُه بتَرْكِ الصَّلاةِ أوْلَى، قال: كأنّه ذَهَبَ إلى أنّ ذلك عُقُوبَةٌ؛ ليُنَكِّلَ بها غَيْرَه، قلتُ: فإنْ كان ذلك جائِزًا فاصْلُبْه، أو حَرِّقْه، أو حُزَّ رَأسَه وابْعَثْ به، فهو أشَدُّ في العُقُوبَةِ، قال: لا أفْعَلُ به شَيْئًا مِنْ هذا، وقلتُ له: وهلْ يُبالِي مَنْ قاتَلَكَ على أنّكَ كافِرٌ أن لا تُصَلِّيَ عليه، وصَلاتُك لا تُقَرِّبُه إلى رَبِّه ؟ وقلتُ له: أتَمْنَعُ الباغِيَ أن تَجُوزَ شَهادَتُه، أو يُناكَحَ، أو شَيْئًا ممّا يَجْرِي لأهْلِ الإسْلامِ؟ قال: لا، قلتُ: فكيف مَنَعْتَه الصَّلاةَ وَحْدَها؟!
(٣١٩٨) وقال: ويَجُوزُ أمانُ المرْأةِ والرَّجُلِ المسْلِمَيْن لأهْلِ البَغْيِ والحرْبِ، فأمّا العَبْدُ المسْلِمُ .. فإنْ كان يُقاتِلُ جازَ أمانُه، وإلّا لم يَجُزْ، قلتُ: وما الفَرْقُ بَيْنَه يُقاتِلُ ولا يُقاتِلُ؟ قال: قَوْلُ رسولِ الله ﷺ : «المسْلِمُون يَدٌ على مَنْ سِواهُم، تَتكَافَأ دِماؤُهُم، ويَسْعَى بذِمَّتِهِم أدْناهُمْ»، قلتُ: فإن قلتَ: ذلك على الأحْرارِ فقد أجَزْتَ أمانَ عَبْدٍ، وإنْ كانَ على الإسْلامِ فقد رَدَدْتَ أمانَ عَبْدٍ مُسْلِمٍ لا يُقاتِلُ، قال: كأنّ العَقْلَ يَدُلُّ على هذا، قلتُ: ويَلْزَمُك في أصْلِ مَذْهَبِك أن لا تُجِيزَ أمانَ امْرَأةٍ ولا زَمِنٍ؛ لأنّهما لا يُقاتِلان، وأنْتَ تُجِيزُ أمانَهما، قال: فأذْهَبُ إلى الدِّيَةِ فأقُولُ: دِيَةُ العَبْدِ لا تُكافِئ دِيَةَ الحُرِّ، قلتُ: هذا أبْعَدُ لك مِنْ الصَّوابِ، قال: ومِن أيْنَ؟ قلتُ: دِيَةُ المرْأةِ نِصْفُ دِيَةِ الحُرِّ، وأنْتَ تُجِيزُ أمانَها، ودِيَةُ بَعْضِ العَبِيدِ أكْثَرُ مِنْ دِيَةِ المرْأةِ ولا تُجِيزُ أمانَه، وقد تكونُ دِيَةُ عَبْدٍ لا يُقاتِلُ أكْثَرَ مِنْ دِيَةِ عَبْدٍ يُقاتِلُ فلا تُجِيزُ أمانَه، فقد تَرَكْتَ أصْلَ مَذْهَبِك، قال: فإن قلتُ: فإنّما عَنَى مُكافَأةَ الدِّماءِ في القَوَدِ، قلتُ: فأنْتَ تُقِيدُ بالعَبْدِ الذي لا يَسْوَى عَشَرَةَ دَنَانيرَ الحُرَّ الذي دِيَتُه ألْفُ دِينارٍ، كان العَبْدُ يُحْسِنُ قِتالًا
стр. 1534
أو لا يُحْسِنُه، قال: إنّي لأفْعَلُ، وما هو على القَوَدِ، قلتُ (١): ولا على الدِّيَةِ، ولا على القِتالِ (٢)، قال: فعَلى ما هو؟ (٣)، قلتُ: على اسْمِ الإسلامِ.
(٣١٩٩) وقال بعضُ الناسِ: إذا امْتَنَعَ أهْلُ البَغْيِ بدارِهِم مِنْ أن يَجْرِيَ عليهم الحُكْمُ .. فما أصابَه المسْلِمُون مِنْ التُّجّارِ والأسْرَى في دارِهِم مِنْ حُدُودِ اللهِ بَيْنَهُم أو لله، لم تُؤخَذْ منهم ولا الحقوقُ بالحُكْمِ، وعليهم فيما بَيْنَهُم وبينَ اللهِ تَأدِيَتُها إلى أهْلِها، قلتُ: ولِمَ قُلْتَه؟ قال: قِياسًا على دارِ المحارِبِين يَقْتُلُ بَعْضُهُم بَعْضًا، ثُمّ نَظْهَرُ عليهم فلا نُقِيدُ منهم، قلتُ: فهُمْ مُخالِفُون للتُّجّارِ والأسْرَى في المعْنَى الذي ذَهَبْتَ إليه خِلافًا بَيِّنًا، أرَأيْتَ لو سَبَى المحارِبُون بَعْضُهُمْ بَعْضًا ثُمّ أسْلَمُوا (٤)، أنَدَعُ السَّابِيَ يَتَخَوَّلُ (٥) المسْبِيَّ مَوْقوفًا له؟ قال: نعم، قلتُ: أفَتُجِيزُ هذا في التُّجّارِ والأسْرَى في دارِ أهْلِ البَغْيِ؟ قال: لا، قلتُ: فلو غَزانا أهْلُ الحرْبِ فقَتَلُوا مِنّا ثُمّ رَجَعُوا مُسْلِمِين، أيَكُونُ على أحَدٍ مِنْهُم قَوَدٌ؟ قال: لا، قلتُ: ولو فَعَلَ ذلك التُّجّارُ والأسْرَى غَيْرَ مُكْرَهِين ولا شُبْهَةَ عليهم؟ قال: يُقْتَلُون، قلتُ: أيَسَعُ قَصْدُ التُّجّارِ والأسْرَى ببِلادِ الحرْبِ فيُقْتَلُونَ؟ قال: لا، بل محَرَّمٌ، قلتُ: أرَأيْتَ التُّجّارَ والأسْرَى لو تَرَكُوا الصَّلاةَ والزَّكاةَ في دارِ الحرْبِ ثُمّ خَرَجُوا إلى دارِ الإسْلامِ، أيَكُونُ عليهم قَضاءُ ذلك؟ قال: نعم، قلتُ: لا يَحِلُّ لهم في دارِ الحرْبِ إلّا ما يَحِلُّ لهم في دارِ الإسْلامِ؟ قال:
стр. 1535
لا، قلتُ: فإذا كانَت الدّارُ لا تُغَيِّرُ ما أحِلَّ لهم وحُرِّمَ عليهم، فكَيْفَ أسْقَطْتَ عنهم حَقَّ الله جل ذكره وحَقَّ الآدَمِيِّينَ الذي أوْجَبَهُ اللهُ عليهم؟ ثُمَّ أنْتَ لا تُحِلُّ لهم حَبْسَ حَقٍّ قِبَلَهُم في دَمٍ ولا غَيْرِه، وما كان لا يَحِلُّ لهم حَبْسُه كان على الإمامِ اسْتِخْراجُه عندك في غَيْرِ هذا الموْضِعِ، قال: فأقِيسُهُم بأهْلِ الرِّدَّةِ الذين أُبْطِلُ ما أصابُوا، قلتُ: فأنْت تَزْعُمُ أنّ أهْلَ البَغْيِ يُقادُ منهم ما لم يَنْصِبُوا إمامًا ويُظْهِرُوا حُكْمًا، والتُّجّارُ والأسْرَى لا إمامَ لهم ولا امْتِناعَ، وتَزْعُمُ لو قَتَلَ أهْلُ البَغْيِ بَعْضُهم بَعْضًا بلا شُبْهَةٍ أقَدْتَ منهم؟ قال: لا (١)، ولكنّ الدّارَ ممْنُوعَةٌ مِنْ أن يَجْرِيَ عليهم الحُكْمُ، قلتُ: أرَأيْتَ لو أنّ جماعَةً مِنْ أهْلِ القِبْلَةِ مُحارِبِين امْتَنَعُوا في مَدِينَةٍ حتّى لا يَجْرِيَ عليها حُكْمٌ، فقَطَعُوا الطَّرِيقَ، وسَفَكُوا الدِّماءَ، وأخَذُوا أمْوالَ المسْلِمِين (٢)، وأتَوا الحدُودَ؟ فقال: يُقامُ هذا كُلُّه عليهم، قلتُ: فهذا كُلُّه تَرْكُ مَعْناك.
(٣٢٠٠) وقلتُ له: وأنْكَرْتَ على المدَنِيِّينَ قَوْلَهُم: «لا يَرِثُ قاتِلُ عَمْدٍ، ويَرِثُ قاتِلُ خَطَأٍ إلّا مِنْ الدِّيَةِ» فقلتَ: لا يَرِثُ في الوَجْهَيْن؛ لأنّه يَلْزَمُه اسْمُ قاتِلٍ، فكَيْفَ لم تَقُلْ هذا في القاتِلِ مِنْ أهْلِ البَغْيِ والعَدْلِ؛ لأنّ كُلًّا يَلْزَمُه اسْمُ قاتِلٍ، وأنْتَ تُسَوِّي بينهما، فلا تُقِيدُ أحَدَهُما بصاحِبِه؟
(٣٢٤)
باب حكم المرتد (١)(٣٢٠١) قال الشافعي: مَنْ ارْتَدَّ عن الإسْلامِ إلى أيِّ كُفْرٍ (٢)، كان مَوْلُودًا على الإسْلامِ أو أسْلَمَ ثُمّ ارْتَدَّ .. قُتِلَ، وأيُّ كُفْرٍ ارْتَدَّ إليه ممّا يُظْهِرُ أو يُسِرُّ مِنْ الزَّنْدَقَةِ ثُمّ تاب لم يُقْتَلْ، فإن لم يَتُبْ قُتِلَ، امْرَأةً كانَتْ أو رَجُلًا، عَبْدًا كان أو حُرًّا (٣).
стр. 1538
(٣٢٠٢) وقال: في التَّأنِّي باسْتِتابَتِه ثلاثًا .. قولان: أحدهما - حديثُ عُمَرَ يُتَأنَّى به ثلاثًا، والآخر - لا يُؤخَّرُ؛ لأنّ النبيَّ لم يَأمُرْ فيه بأناةٍ، ولو تُؤنِّيَ به بعد ثلاثٍ كهَيْئَتِه قَبْلَها، قال الشافعي: وهذا ظاهرُ الخَبَرِ.
قال المزني: وأصْلُه الظّاهِرُ، وهو أقْيَسُ على أصْلِه (١).
(٣٢٠٣) قال الشافعي: ويُوقَفُ مالُه (٢).
стр. 1539
(٣٢٠٤) وإذا قُتِلَ فمالُه بعد قَضاءِ دَيْنِه وجِنايَتِه ونَفَقَةِ مَنْ تَلْزَمُه نَفَقَتُه فَيْءٌ، لا يَرِثُ المسْلِمُ الكافِرَ، ولا الكافِرُ المسْلِمَ، وكما لا يَرِثُ مُسْلِمًا لا يَرِثُه مُسْلِمٌ.
(٣٢٠٥) ويُقْتَلُ السّاحِرُ إن كان ما يَسْحَرُ به كُفْرًا إن لم يَتُبْ.
(٣٢٠٦) ويُقالُ لمن تَرَكَ الصَّلاةَ وقال: أنا أطِيقُها ولا أصَلِّيها: لا يَعْمَلُها غَيْرُك، فإن فَعَلْتَ، وإلّا قَتَلْناكَ؛ كما تَتْرُكُ الإيمانَ فلا يَعْمَلُه غَيْرُك، فإنْ آمَنْتَ، وإلّا قَتَلْنَاكَ (١).
(٣٢٠٧) ومَن قَتَلَ مُرْتَدًّا قَبْلَ يُسْتَتابُ، أو جَرَحَه، فأسْلَمَ ثُمّ ماتَ مِنْ الجُرْحِ .. فلا قَوَدَ ولا دِيَةَ، ويُعَزَّرُ القاتلُ؛ لأنّ المتَوَلِّيَ لقَتْلِه بعد اسْتِتابَتِه الحاكمُ.
(٣٢٠٨) قال: ولا تُسْبَى للمُرْتَدِّين ذُرِّيَّةٌ (٢) وإن لَحِقُوا بدارِ الحرْبِ؛ لأنّ حُرْمَةَ الإسْلامِ قد ثَبَتَتْ لهم، ولا ذَنْبَ لهم في تَبْدِيلِ آبائِهم، ومَن بَلَغَ منهم إن لم يَتُبْ قُتِلَ، ومَن وُلِدَ للمُرْتَدِّين في الرِّدَّةِ لم يُسْبَ؛ لأنّ آباءَهم لا يُسْبَوْن (٣).
(٣٢٠٩) وإن ارْتَدَّ مُعاهِدُون ولَحِقُوا بدارِ الحرْبِ وعِندنا لهم ذَرارِيُّ .. لم نَسْبِهم، وقُلْنا إذا بَلَغُوا: لكُم العَهْدُ إن شِئتُم، وإلّا نَبَذْنا إليكم ثُمّ أنْتُمْ حَرْبٌ.
стр. 1540
(٣٢١٠) وإن ارْتَدَّ سَكْرانٌ فمات .. كان مالُه فَيْئًا، ولا يُقْتَلُ إن لم يَتُبْ حتّى يَمْتَنِعَ مُفِيقًا.
قال المزني: هذا يَدُلُّ على طَلاقِ السَّكْرانِ الذي لا يُمَيِّزُ أنّه لا يَجُوزُ (١).
(٣٢١١) قال الشافعي: ولو شَهِدَ عليه شاهدان بالرِّدَّةِ وأنْكَرَ .. قيل: إنْ أقْرَرْتَ بأن لا إلهَ إلّا اللهُ وأنّ محمَّدًا رسولُ الله وتَبْرَأُ مِنْ كُلِّ دِينٍ خالفَ الإسلامَ .. لم يُكْشَفْ عن غيرِه.
(٣٢١٢) وما جَرَحَ أو أفْسَدَ في رِدَّتِه أخِذَ به.
(٣٢١٣) وإنْ جُرِحَ مُرْتَدًّا ثُمّ جُرِحَ مُسْلِمًا فماتَ .. فعلى مَنْ جَرَحَه مُسْلِمًا نِصْفُ الدِّيَةِ.
(٣٢٥)
باب حد الزنا والشهادة عليه
(٣٢١٤) قال الشافعي: رَجَمَ رسولُ الله ﷺ مُحْصَنَيْن يَهُودِيَّيْن زَنَيَا، ورَجَمَ عُمَرُ مُحْصَنَةً، وجَلَدَ النَّبِيُّ بِكْرًا مائةً وغَرَّبَه عامًا (١)، وبذلك أقُولُ.
(٣٢١٥) فإذا أصاب الحُرُّ أو أصِيبَت الحُرَّةُ بعد البُلُوغِ بنِكاحٍ صَحِيحٍ فقد أحْصَنَا، فمَن زَنَى منهما فحَدُّه الرَّجُمُ حتّى يَمُوتَ، ثُمّ يُغْسَلُ ويُصَلَّى عليه ويُدْفَنُ.
(٣٢١٦) ويَجُوزُ للإمامِ أن يَحْضُرَ رَجْمَه ويَتْرُكَ.
(٣٢١٧) وإن لم يُحْصِنْ جُلِدَ مائةً، وغُرِّبَ عامًا عن بَلَدِه بالسُّنَّةِ.
(٣٢١٨) وإنْ أقَرَّ مَرَّةً حُدَّ؛ لأنّ النبيَّ ﷺ أمَرَ أُنَيْسًا أن يَغْدُوَ على امْرَأةٍ فإن اعْتَرَفَتْ رَجَمَها، وأمَرَ عُمَرُ أبا واقِدٍ اللَّيْثِيَّ بمِثْلِ ذلك، ولم يَأمُرا بعَدَدِ إقْرارٍ (٢)، وفي ذلك دليلٌ أنّه يَجُوزُ أن يُقِيمَ الإمامُ الحدَّ وإن لم يَحْضُرْه، ومتى رَجَعَ تُرِكَ، وَقَعَ به بَعْضُ الحدِّ أو لم يَقَعْ.
(٣٢١٩) ولا يُقامُ حَدُّ الجَلْدِ على الحُبْلَى، ولا على المريضِ الدَّنِفِ، ولا في يَوْمٍ حَرُّه أو بَرْدُه مُفْرِطٌ، ولا في أسْبابِ التَّلَفِ، ويُرْجَمُ المحْصَنُ في كُلِّ ذلك، إلّا أن تكُونَ امْرَأةً حُبْلَى، فتُتْرَكُ حتّى تَضَعَ وتَكْفُلَ وَلَدَها.
стр. 1543
(٣٢٢٠) وإنْ كان البِكْرُ نِضْوَ الخَلْقِ، إنْ ضُرِبَ بالسَّوْطِ تَلِفَ .. ضُرِبَ بإثْكالِ النَّخْلِ (١)؛ اتِّباعًا لفِعْلِ النّبيّ ﷺ ذلك في مِثْلِه.
(٣٢٢١) ولا يَجُوزُ على الزِّنا واللِّواطِ وإتْيانِ البَهائمِ إلّا أربعةٌ يَقُولُون: «رَأيْنا ذلك منه يَدْخُلُ في ذلك منها دُخُولَ المِرْوَدِ في المُكْحُلَةِ».
قال المزني: ولم يَجْعَلْ في «كتاب الشّهاداتِ» [ف: ٣٨١٧] إتْيانَ البَهائِمِ زِنًا، ولا في «كتاب الطهارة» [ف: ٤١] في مَسِّ فَرْجِ البَهِيمَةِ وُضُوءًا (٢).
(٣٢٢٢) قال الشافعي: فإنْ شَهِدُوا مُتَفَرِّقِين .. قَبِلْتُهم إذا كانَ الزِّنا واحِدًا.
(٣٢٢٣) قال: ومَن رَجَعَ بعد تَمامِ الشَّهادَةِ لم يُحَدَّ غَيْرُه، وإن لم تَتِمَّ شُهُودُ الزِّنا أربعةً فهُمْ قَذَفَةٌ يُحَدُّون (٣).
стр. 1544
(٣٢٢٤) فإن رُجِمَ بشَهادَةِ أربعةٍ ثُمّ رَجَعَ أحَدُهم .. سَألْتُه، فإن قال: عَمَدْتُ أنْ أشْهَدَ بِزُورٍ مع غَيْرِي ليقْتَلَ .. فعليه القَوَدُ، وإن قال: شَهِدْتُ ولا أعْلَمُ عليه القَتْلَ أو غَيْرَه .. أحْلِفَ وكان عليه رُبُعُ الدِّيَةِ والحدُّ، وكذلك إن رَجَعَ الباقُون.
(٣٢٢٥) ولو شَهِدَ عليها بالزِّنا أربعةٌ، وشَهِدَ أرْبَعُ نِسْوَةٍ عُدُولٍ أنّها عَذْراءُ .. فلا حَدَّ.
(٣٢٢٦) وإنْ أكْرَهَها على الزِّنا .. فعليه الحدُّ دُونها، ومَهْرُ مِثْلِها.
(٣٢٢٧) وحَدُّ العَبْدِ والأمَةِ - أحْصِنا بالزَّوْجِ أو لم يُحْصَنا - نِصْفُ حَدِّ الحُرِّ مِنْ الجَلْدِ، خمسُون جَلْدَةً.
وقال في موضع آخر: «أسْتَخِيرُ اللهَ في نَفْيِه نِصْفَ سَنَةٍ»، وقَطَعَ في موضع آخر بأن يُنْفَى نِصْفَ سَنَةٍ، قال المزني: وهذا بقَوْلِه أوْلى؛ قِياسًا على نِصْفِ ما يجبُ على الحُرِّ مِنْ عُقُوبَةِ الزِّنا (١).
(٣٢٢٨) قال الشافعي: ويَحُدُّ (٢) الرَّجُلُ أمَتَه إذا زَنَتْ؛ لقَوْلِ النبيِّ ﷺ : «إذا زَنَتْ أمَةُ أحَدِكُم فتَبَيَّنَ زِناها، فليَجْلِدْها».
стр. 1545
(٣٢٦)
باب حد الذِّمِّيِّينَ
(٣٢٢٩) قال الشافعي في «كتاب الحدود»: إنْ تَحاكَمُوا إلَيْنا فلَنا أن نَحْكُمَ أو نَدَعَ، فإن حَكَمْنا حَدَدْنا المحْصَنَ بالرَّجْمِ؛ لأنّ النبيَّ رَجَمَ يَهُودِيَّيْن زَنَيَا، وجَلَدْنا البِكْرَ مائةً وغَرَّبْناه عامًا.
وقال في «كتاب الجزية» [ف: ٣٤١٨]: «إنّه لا خِيارَ له، إذا جاؤوه في حَدٍّ لله فعَلَيْه أن يُقِيمَ؛ لِما وَصَفْتُ مِنْ قول الله : ﴿وهم صاغرون﴾ [التوبة: ٢٩]، قال المزني: هذا أوْلى قَوْلَيْه به؛ إذْ زَعَمَ أنَّ مَعْنَى قَوْلِ الله تعالى: ﴿وهم صاغرون﴾: أنْ يَجْرِيَ عليهم حُكْمُ الإسلامِ، ما لم يَكُنْ أمْرُ حُكْمِ الإسلامِ فيه تَرْكَهُم وإيّاه (١).
стр. 1546
(٣٢٧)
باب حد القذف
(٣٢٣٠) قال الشافعي: إذا قَذَفَ البالِغُ حُرًّا بالِغًا مُسْلِمًا، أو حُرَّةً بالِغَةً مُسْلِمَةً .. حُدَّ ثَمانِين.
(٣٢٣١) فإن قَذَفَ نَفَرًا بكَلِمَةٍ واحدةٍ .. كان لِكُلِّ واحِدٍ منهم حَدُّه (١).
(٣٢٣٢) فإن قال: «يا ابْنَ الزّانِيَيْن»، وكان أبَواه حُرَّيْن مُسْلِمَيْن مَيِّتَيْن .. فعليه حَدّان.
(٣٢٣٣) ويَأخُذُ حَدَّ الميِّتِ وَلَدُه وعَصَبَتُه مَنْ كانُوا.
(٣٢٣٤) ولو قال القاذِفُ للمَقْذُوفِ: إنّه عَبْدٌ .. فعلى المقْذُوفِ البَيِّنَةُ؛ لأنّه يَدَّعِي الحَدَّ، وعلى القاذِفِ اليَمِينُ؛ لأنّه يُنْكِرُ الحَدَّ.
(٣٢٣٥) ولو قال لعَرَبِيٍّ: «يا نَبَطِيّ»، فإن قال: عَنَيْتُ نَبَطِيَّ الدّارِ واللِّسانِ (٢) .. أحْلَفْتُه: ما أرادَ أن يَنْسِبَه إلى النَّبَطِ، ونَهَيْتُه أن يَعُودَ، وأدَّبْتُه
стр. 1547
على الأذَى، وإن لم يَحْلِفْ .. حَلَفَ المقْذُوفُ: لقد أرادَ نَفْيَه، وحُدَّ له، فإنْ عَفا .. فلا حَدَّ، وإن قال: عَنَيْتُ بالقَذْفِ الأبَ الجاهليَّ .. حَلَفَ، وعُزِّرَ على الأذَى.
(٣٢٣٦) ولو قَذَفَ امْرَأةً وُطِئَتْ وَطْئًا حَرامًا .. دُرِئَ عنه الحدُّ في هذا، وعُزِّرَ.
(٣٢٣٧) ولا يُحَدُّ مَنْ لم تَكْمُلْ فيه الحرِّيَّةُ إلّا حَدَّ العَبْدِ.
(٣٢٣٨) ولا حَدَّ في التَّعْرِيضِ؛ لأنّ الله جل ثناؤه أباحَ التَّعْرِيضَ فيما حَرَّمَ عَقْدَه، فقال : ﴿ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله﴾، وقال: ﴿ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء﴾ [البقرة: ٢٣٥]، فجَعَلَ التَّعْرِيضَ مُخالِفًا للتَّصْرِيحِ، فلا يُحَدُّ إلّا بقَذْفٍ صَريحٍ.
стр. 1548
[٥٣]
كتاب السرقة
стр. 1549
(٣٢٨)
باب ما يجب فيه القطع
من كتاب الحدود وغيره
(٣٢٣٩) قال الشافعي: القَطْعُ في رُبُعِ دِينارٍ فصاعِدًا؛ لثُبُوتِ الخَبَرِ عن رسولِ الله ﷺ بذلك.
(٣٢٤٠) وإنّ عثمانَ بنَ عفّانَ قَطَعَ سارِقًا في أُتْرُجَّةٍ قُوِّمَتْ بثلاثةِ دَراهِمَ مِنْ صَرْفِ اثْنَيْ عَشَرَ درهمًا بدينارٍ، قال مالكٌ: «هي الأُتْرُجَّةُ التي تُؤكَلُ»، قال الشافعي: وفي ذلك دَلالَةٌ على قَطْعِ مَنْ سَرَقَ الرَّطْبَ مِنْ طَعامٍ وغَيْرِه إذا بَلَغَتْ سَرِقَتُه رُبُعَ دينارٍ وأخْرَجَها مِنْ حِرْزِها.
(٣٢٤١) والدِّينارُ هو المثْقالُ الذي كان على عَهْدِ رسولِ الله ﷺ .
(٣٢٤٢) ولا يُقْطَعُ إلّا مَنْ بَلَغَ الاحْتِلامَ مِنْ الرِّجالِ، والحَيْضَ مِنْ النساءِ، وأيُّهما اسْتَكْمَلَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وإن لم يَحْتَلِمْ أو لم تَحِضْ.
(٣٢٤٣) وجُمْلَةُ الحِرْزِ أن يُنْظَرَ إلى المسْرُوقِ .. فإنْ كان الموْضِعُ الذي سُرِقَ منه تَنْسِبُه العامَّةُ إلى أنّه حِرْزٌ في ذلك الموْضِعِ قُطِعَ إذا أخْرَجَها مِنْ الحِرْزِ، وإن لم تَنْسِبْه العامَّةُ إلى أنّه حِرْزٌ لم يُقْطَعْ، ورِداءُ صَفْوانَ كان مُحْرَزًا باضْطِجاعِه عليه، فَقَطَعَ النبيُّ سارِقَ رِدائِه.
(٣٢٤٤) قال الشافعي: وإذا ضُمَّ بَعْضُ مَتاعِ السُّوقِ إلى بَعْضٍ في مَوْضِعِ بِقاعاتِه ورُبِطَ بحَبْلٍ، أو جُعِلَ الطَّعامُ في خَيْشٍ وخِيطَ عليه .. قُطِعَ، وهكذا يُحْرَزُ.
стр. 1550
(٣٢٤٥) وإذا كان يَقُودُ قِطارَ إبِلٍ أو يَسُوقُها وقَطَّرَ بَعْضَها إلى بَعْضٍ، فسَرَقَ منها أو ممّا عليها شَيْئًا سارِقٌ .. قُطِعَ.
(٣٢٤٦) وإنْ أناخَها حيثُ يَنْظُرُ إليها في صَحْراءَ، أو كانَتْ غَنَمًا أواها إلى مُراحٍ واضْطَجَعَ حيثُ يَنْظُرُ إليها .. فهذا حِرْزُها.
(٣٢٤٧) ولو ضَرَبَ فيه فُسْطاطًا أوَى فيه مَتاعَه، فاضْطَجَعَ فيه، فسُرِقَ الفُسْطاطُ أو المتاعُ مِنْ جَوْفِه .. قُطِعَ؛ لأنّ اضْطِجاعَه حِرْزٌ له ولما فيه، إلّا أنّ الأحْرازَ تَخْتَلِفُ، فيُحْرِزُ كُلُّ ما تكُونُ العامَّةُ تُحْرِزُ بمِثْلِه.
(٣٢٤٨) ولو اضْطَجَعَ في صَحْراءَ ووَضَعَ ثَوْبَه بين يَدَيْه، أو تَرَكَ أهْلُ الأسْواقِ مَتاعَهم في مَقَاعِدَ ليْسَ عليها حِرْزٌ ولم يُضَمَّ ولم يُرْبَطْ، أو أرْسَلَ رَجُلٌ إبلَه تَرْعَى أو تَمْضِي على الطريقِ غيرَ مَقْطُورَةٍ، أو أَباتَها بصَحْراءَ ولم يَضْطَجِعْ عندها، أو ضَرَبَ فُسْطاطًا فلم يَضْطَجِعْ فيه، فسُرِقَ مِنْ هذا شيءٌ .. لم يُقْطَعْ؛ لأنّ العامَّةَ لا تَرَى هذا حِرْزًا.
(٣٢٤٩) والبُيُوتُ المغْلَقَةُ حِرْزٌ لِما فيها، فإنْ سُرِقَ منها شَيْءٌ، فأخْرِجَ بنَقْبٍ أو فَتْحِ بابٍ أو قَلْعِه .. قُطِعَ، وإنْ كان البيتُ مَفْتُوحًا لم يُقْطَع.
(٣٢٥٠) وإنْ أخْرَجَه مِنْ البَيْتِ والحُجْرَةِ إلى الدّارِ، والدّارُ للمَسْرُوق وَحْدَه .. لم يُقْطَعْ حتّى يُخْرِجَه مِنْ جميعِ الدّارِ؛ لأنّها حِرْزٌ لِما فيها، وإنْ كانَتْ مُشْتَرَكَةً وأخْرَجَه مِنْ الحُجْرَةِ إلى الدّارِ .. فلَيْسَت الدّارُ بحِرْزٍ لأحَدٍ مِنْ السُّكّانِ، وقُطِعَ.
(٣٢٥١) ولو أخْرَجَ السَّرِقَةَ فوَضَعَها في بَعْضِ النَّقْبٍ، وأخَذَها رَجُلٌ مِنْ خارِجٍ .. لم يُقْطَعْ واحِدٌ منهما (١).
стр. 1551
(٣٢٥٢) وإن رَمَى بها فأخْرَجَها مِنْ الحِرْزِ .. قُطِعَ.
(٣٢٥٣) وإن كانُوا ثلاثةً فحَمَلُوا مَتاعًا وأخْرَجُوه معًا يَبْلُغُ ثلاثةَ أرْباعِ دِينارٍ .. قُطِعُوا، وإن نَقَصَ شَيْئًا .. لم يُقْطَعُوا، [وإنْ أخْرَجُوه مُتَفَرِّقًا .. فمَن أخْرَجَ ما يُساوِي رُبُعَ دِينارٍ قُطِعَ، وإن لم يُساوِ رُبُعَ دِينارٍ لم يُقْطَعْ (١)، ولو نَقَبُوا معًا، ثُمّ أخْرَجَ بَعْضُهم ولم يُخْرِجْ بَعْضٌ .. قُطِعَ المخْرِجُ خاصَّةً (٢).
(٣٢٥٤) وإن سَرَقَ سارِقٌ ثَوْبًا فشَقَّه، أو شاةً فذَبَحَها في حِرْزِها، ثُمّ أخْرَجَ ما سَرَقَ .. فإنْ بَلَغَ رُبُعَ دينارٍ قُطِعَ، وإلّا لم يُقْطَعْ.
(٣٢٥٥) ولو كانَتْ قِيمَةُ ما سَرَقَ رُبُعَ دينارٍ، ثُمّ نَقَصَت القِيمَةُ فصارَتْ أقَلَّ مِنْ رُبُعِ دينارٍ، ثُمّ زادَت القِيمَةُ .. فإنّما أنْظُرُ إلى الحالِ التي خَرَجَ به فيها مِنْ الحِرْزِ.
(٣٢٥٦) ولو وُهِبَتْ له .. لم أدْرَأ بذلك عنه الحدَّ.
(٣٢٥٧) ولو سَرَقَ عَبْدًا صَغِيرًا لا يَعْقِلُ أو أعْجَمِيًّا مِنْ حِرْزٍ .. قُطِعَ، وإن كان يَعْقِلُ .. لم يُقْطَعْ.
(٣٢٤٨) وإنْ سَرَقَ مُصْحَفًا أو سَيْفًا أو شَيْئًا ممّا يَحِلُّ ثَمَنُه .. قُطِعَ.
(٣٢٤٩) وإنْ أعارَ رَجُلًا بَيْتًا فكانَ يُغْلِقُه دُونَه، فسَرَقَ منه رَبُّ البَيْتِ .. قُطِعَ.
стр. 1552
(٣٢٥٠) ويُقْطَعُ العَبْدُ آبِقًا وغَيْرَ آبِقٍ.
(٣٢٥١) ويُقْطَعُ النَّبَّاشُ إذا أخْرَجَ الكَفَنَ مِنْ جميعِ القَبْرِ؛ لأنّ هذا حِرْزُ مِثْلِه.
стр. 1553
(٣٢٩)
باب قطع اليد والرِّجل في السرقة
(٣٢٥٢) قال الشافعي: أخبرنا بعض أصحابنا، عن محمد بن عبدالرحمن بن أبي ذئب، عن الحارث بن عبدالرحمن، عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال في السّارقِ: «إنْ سَرَقَ فاقْطَعُوا يَدَه، ثُمّ إنْ سَرَقَ فاقْطَعُوا رِجْلَه، ثُمّ إنْ سَرَقَ فاقْطَعُوا يَدَه، ثُمّ إنْ سَرَقَ فاقْطَعُوا رِجْلَه».
(٣٢٥٣) واحْتَجَّ بأنَّ أبا بكرٍ الصديقَ قَطَعَ يَدَ سارِقٍ اليُسْرَى، وقد كان أقْطَعَ اليَدِ والرِّجْلِ.
(٣٢٥٤) قال الشافعي: فإذا سَرَقَ .. قُطِعَتْ يَدُه اليُمْنَى مِنْ مَفْصِلِ الكَفِّ وحُسِمَتْ بالنّارِ (١)، فإذا سَرَقَ الثّانِيَةَ .. قُطِعَتْ رِجْلُه اليُسْرَى مِنْ مَفْصِلِ الكَعْبِ وحُسِمَتْ بالنّارِ، فإذا سَرَقَ الثّالِثَةَ .. قُطِعَتْ يَدُه اليُسْرَى مِنْ مَفْصِلِ الكَفِّ ثُمّ حُسِمَتْ بالنّارِ، فإذا سَرَقَ الرّابِعَةَ قُطِعَتْ رِجْلُه اليُمْنَى مِنْ مَفْصِلِ الكَعْبِ وحُسِمَتْ بالنّارِ.
(٣٢٥٥) ويُقْطَعُ بأخَفِّ مُؤنَةٍ وأقْرَبِه سَلامَةً.
(٣٢٥٦) فإنْ سَرَقَ الخامِسَةَ .. عُزِّرَ وحُبِسَ.
(٣٢٥٧) ولا يُقْطَعُ الحَرْبِيُّ إذا دَخَلَ إلينا بأمانٍ، ويُضَمَّنُ السَّرِقَةَ (٢).
стр. 1554
(٣٣٠)
باب الإقرار بالسرقة والشهادة عليها (١)(٣٢٥٨) قال الشافعي: ولا يُقامُ على سارِقٍ حَدٌّ إلّا بأن يَثْبُتَ على إقْرارِه حتّى يُقامَ عليه الحدُّ (٢)، أو بعَدْلَيْنِ يَقُولان: إنّ هذا بعَيْنِه سَرَقَ متاعًا لهذا مِنْ حِرْزٍ يَصِفانِه (٣) يَسْوَى رُبُعَ دينارٍ، ويَحْضُرُ المسْرُوقُ منه يَدَّعِي شَهادَتَهما.
(٣٢٥٩) فإن ادَّعَى أنّ هذا مَتاعُه غَلَبَه عليه، أو ابْتاعَه منه، أو أذِنَ له في أخْذِه .. لم أقْطَعْه؛ لأنّي أجْعَلُه له خَصْمًا، لو نكَلَ صاحِبُه أحْلَفْتُ المشْهُودَ عليه ودَفَعْتُه إليه.
(٣٢٦٠) وإن لم يَحْضُرْ رَبُّ المتاعِ .. حُبِسَ السّارِقُ حتّى يَحْضُرَ (٤).
(٣٢٦١) ولو شَهِدَ رَجُلٌ وامرأتان، أو شاهِدٌ ويَمِينٌ، على سَرِقَةٍ .. أوْجَبْتُ الغُرْمَ في المالِ، ولم أوجِبْه في الحدِّ.
стр. 1555
(٣٢٦٢) وفي إقرارِ العَبْدِ بالسَّرِقَةِ شيئان: أحَدُهما - لله في بَدَنِه، فأقْطَعُه، والآخَرُ - في مالٍ، وهو لا يَمْلِكُ مالًا، فإذا عَتَقَ ومَلَكَ أغْرَمْتُه (١).
стр. 1556
(٣٣١)
باب غرم السارق ما سرق (١)(٣٢٦٣) قال الشافعي: أُغَرِّمُ السَّارِقَ ما سَرَقَ، قُطِعَ أو لم يُقْطَعْ، وكذلك قاطِعُ الطريقِ، والحَدُّ لله، فلا يُسْقِطُ حَدُّ الله غُرْمَ ما أتْلَفَ للعبادِ.
стр. 1557
(٣٣٢)
باب ما لا قطع فيه
(٣٢٦٤) قال الشافعي: لا قَطْعَ على مَنْ سَرَقَ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ، ولا في خِلْسَةٍ، ولا على عَبْدٍ سَرَقَ مِنْ مَتاعِ سَيِّدِه، ولا على زَوْجٍ سَرَقَ مِنْ مَتاعِ امْرَأتِه، ولا على امْرَأةٍ سَرَقَتْ مِنْ مَتاعِ زَوْجِها، ولا على عَبْدِ واحِدٍ منهما سَرَقَ مِنْ مَتاعِ صاحِبِه؛ للأثَرِ، والشُّبْهَةِ، ولخُلْطَةِ كُلِّ واحِدٍ منهما بصاحِبِه.
وقال في «كتاب اختلاف أبي حنيفة والأوزاعي»: «إذا سَرَقَتْ مِنْ مالِ زَوْجِها الذي لم يَأتَمِنْها عليه، وفي حِرْزٍ منها .. قُطِعَتْ»، قال المزني: هذا عندي أقْيَسُ (١).
(٣٢٦٥) قال الشافعي: ولا يُقْطَعُ مَنْ سَرَقَ مِنْ مالِ وَلَدِه ووَلَدِ وَلَدِه، أو أبِيه أو أمِّه أو أجْدادِه مِنْ قِبَلِ أيِّهما كان.
(٣٢٦٦) ولا قَطْعَ في طُنْبُورٍ، ولا مِزْمارٍ، ولا خَمْرٍ، ولا خِنْزِيرٍ.
стр. 1558
(٣٣٣)
باب قُطّاع الطريقِ
(٣٢٦٧) قال الشافعي: عن ابْنِ عبّاس في قُطّاعِ الطَّرِيقِ (١): «إذا قَتَلُوا وأخَذُوا المالَ .. قُتِلُوا وصُلِبُوا، وإذا قَتَلُوا ولم يَأخُذُوا المالَ .. قُتِلُوا ولم يُصْلَبُوا، وإذا أخَذُوا المالَ ولم يَقْتُلُوا .. قُطِعَتْ أيْدِيهم وأرْجُلُهم مِنْ خِلافٍ، ونَفْيُهم إذا هَرَبُوا أن يُطْلَبُوا حتّى يُؤخَذُوا فيُقامَ عليهم الحَدُّ»، قال الشافعي: فبهذا أقُولُ.
(٣٢٦٨) وقُطّاعُ الطَّريقِ هم الذين يَعْتَرِضُونَ بالسِّلاحِ القَوْمَ حتّى يَغْصِبُوهم المالَ في الصَّحارِي مُجاهَرَةً، وأراهُمْ في المِصْرِ إن لم يَكُونُوا أعْظَمَ ذَنْبًا فحُدُودُهم واحِدَةٌ (٢).
(٣٢٦٩) ولا يُقْطَعُ منهم إلّا مَنْ أخَذَ رُبُعَ دينارٍ فصاعِدًا؛ قِياسًا على السُّنَّةِ في السّارِقِ.
(٣٢٧٠) ويُحَدُّ كُلُّ رجلٍ منهم بقَدْرِ فِعْلِه.
(٣٢٧١) فمَن وَجَبَ عليه القَتْلُ والصَّلْبُ .. قَتَلْتُه قَبْلَ صَلْبِه، كَراهِيَةَ تَعْذِيبِه.
стр. 1559
وقال في «كتاب قتل العمد»: «يُصْلَبُ ثلاثًا ثُمّ يُنْزَلُ».
(٣٢٧٢) قال: ومَن وَجَبَ عليه القَتْلُ دُون الصَّلْبِ .. قُتِلَ، ودُفِعَ إلى أهْلِه يَدْفِنُونَه.
(٣٢٧٣) ومَن وَجَبَ عليه القَطْعُ دُونَ القَتْلِ .. قُطِعَتْ يَدُه اليُمْنَى، ثُمّ حُسِمَتْ، ثُمّ رِجْلُه اليُسْرَى، ثُمّ حُسِمَتْ، في مَكانٍ واحِدٍ، ثُمّ خُلِّيَ.
(٣٢٧٤) ومَن حَضَرَ منهم فكَثَّرَ، أو هَيَّبَ، أو كان رِدْءًا .. عُزِّرَ وحُبِسَ.
(٣٢٧٥) ومَن قَتَلَ وجَرَحَ .. أقِصَّ لصاحِبِ الجُرْحِ ثُمّ قُتِلَ، ولو أخَذَ المالَ وجَرَحَ .. أقِصَّ لصاحِبِ الجُرْحِ ثُمّ قُطِعَ، لا يَمْنَعُ حَقُّ الله حَقَّ الآدَمِيِّين في الجِراحِ وغَيْرِها.
(٣٢٧٦) ومَن عَفا الجِراحَ .. كانَ له، ومَن عَفا النَّفْسَ لم يَحْقِنْ بذلك دَمَه، وكان على الإمامِ قَتْلُه إذا بَلَغَتْ جِنايَتُه القَتْلَ.
(٣٢٧٧) ومَن تاب منهم مِنْ قَبْلِ أن يُقْدَرَ عليه .. سَقَطَ عنه الحدُّ، ولا تَسْقُطُ حُقُوقُ الآدَمِيِّين، ويَحْتَمِلُ أن يَسْقُطَ كُلُّ حَقٍّ لله بالتَّوْبَةِ، وقال في «كتاب الحدود»: وبه أقُولُ (١).
(٣٢٧٨) ولو شَهِدَ شاهدان مِنْ أهْلِ الرُّفْقَةِ أنّ هؤلاء عَرَضُوا لنا فنالونا، وأخَذُوا مَتاعَنا .. لم تَجُزْ شَهادَتُهما؛ لأنّهما خَصْمان، ويَسَعُهما
стр. 1560
أن يَشْهَدا أنّ هؤلاء عَرَضُوا لهؤلاء فَفَعَلُوا بهم كذا وكذا، وأخَذُوا منهم كذا ونَحْنُ نَنْظُرُ، وليس على الإمامِ أن يَكْشِفَهما عن غير ذلك.
(٣٢٧٩) قال: وإذا اجْتَمَعَتْ على رجلٍ حُدُودٌ وقَذْفٌ .. بُدِئَ بحَدِّ القَذْفِ ثمانين جَلْدَةً، ثُمّ حُبِسَ، فإذا بَرَأ حُدَّ في الزِّنا مائةَ جَلْدَةٍ، فإذا بَرَأ قُطِعَتْ يَدُه اليُمْنَى ورِجْلُه اليُسْرَى مِنْ خِلافٍ لقَطْعٍ الطَّرِيقِ، وكانت يَدُهُ اليُمْنَى للسَّرِقَةِ وقَطْعِ الطَّرِيقِ مَعًا، ورِجْلُه لقَطْعِ الطَّرِيقِ مع يَدِه، ثُمّ قُتِلَ قَوَدًا، وإنْ مات في الحدِّ الأوَّلِ سَقَطَتْ عنه الحدُودُ كُلُّها، وفي مالِه دِيَةُ النَّفْسِ.
стр. 1561
[٥٤]
باب الأَشْرِبة والحَدِّ فيها
стр. 1562
(٣٢٨٠) قال الشافعي: كُلُّ شَرابٍ أسْكَرَ كَثِيرُه فقَلِيلُه حَرامٌ، وفيه الحَدُّ قياسًا على الخَمْرِ (١).
(٣٢٨١) ولا يُحَدُّ إلّا بأن يَقُولَ: شَرِبْتُ الخَمْرَ، أو يُشْهَدَ عليه به، أو يَقْولَ: شَرِبْتُ ما يُسْكِرُ، أو يَشْرَبَ مِنْ إناءٍ هو ونَفَرٌ فيَسْكَرَ بَعْضُهُم، فيَدُلُّ على أنّ الشَّرابَ مُسْكِرٌ، واحْتَجَّ بأنّ عليَّ بنَ أبي طالبٍ قال: «لا أُوتَى بأحَدٍ شَرِبَ خَمْرًا أو نَبِيذًا مُسْكِرًا إلّا جَلَدْتُه الحَدَّ».
стр. 1563
(٣٣٤)
باب عدد حد الخمر، ومن يموت مِنْ ضرب الإمام ومِن خطأ السلطان
(٣٢٨٢) قال الشافعي: أخبرنا الثِّقَةُ، عن معمر، عن الزهري، عن عبدالرحمن بن أزهر، قال: «أُتِيَ رسولُ الله ﷺ بشارِبٍ، فقال: اضْرِبُوه، فضَرَبُوه بالأيْدِي والنِّعالِ وأطْرافِ الثِّيَابِ، وحَثَوْا عليه التُّرابَ، ثُمّ قال: بَكِّتُوه، فَبَكَّتُوه، ثُمّ أرْسَلَه» (١)، قال: «فلَمّا كان أبُو بَكْرٍ سأل مَنْ حَضَرَ ذلك الضَّرْبَ، فقَوَّمُوه أرْبَعِين، فضَرَبَ أبُو بَكْرٍ في الخَمْرِ أرْبَعِينَ حَياتَه (٢)، ثُمّ عُمَرُ، ثُمّ تَتابَعَ النّاسُ في الخَمْرِ، فاسْتَشارَ، فضَرَبَه ثمانين».
(٣٢٨٣) [ورَوَى أنّ عُمَرَ بنَ الخطابِ اسْتَشارَ، فقال عليٌّ: «نَرَى أن يُجْلَدَ ثمانين (٣)؛ لأنّه إذا شَرِبَ سَكِرَ، وإذا سَكِرَ هَذَى، وإذا هَذَى افْتَرَى»، أو كما قال، فجَلَدَ عُمَرُ ثمانين في الخَمْرِ.
(٣٢٨٤) ورَوَى عن عَلِيٍّ أنّه قال: «لَيْسَ أحَدٌ نُقِيمُ عليه الحَدَّ فيَمُوتُ فأجِدُ في نَفْسِي منه شَيْئًا الحَقُّ قَتَلَه، إلّا حَدُّ الخَمْرِ، فإنّه شَيْءٌ رَأيْناه بعد النبيِّ ﷺ ، فمَن مات منه فَدِيَتُه»، إمّا قال: «في بَيْتِ المالِ»، وإمّا قال: «على عَاقِلَةِ الإمامِ»، الشَّكُّ مِنْ الشافعيّ.
стр. 1564
(٣٢٨٥) قال الشافعي: وإذا ضَرَبَ الإمامُ في الخَمْرِ أو ما يُسْكِرُ مِنْ الشّرابِ بنَعْلَيْن أو طَرَفِ ثَوْبٍ أو رِداءٍ أو ما أشْبَهَه ضَرْبًا يُحِيطُ العِلْمُ أنّه لم يُجاوِزْ أرْبَعِينَ، فماتَ مِنْ ذلك، فالحَقُّ قَتَلَه (١)، وإن ضَرَبَه أكْثَرَ مِنْ أرْبَعِين بالنِّعالِ أو غَيْرِ ذلك فماتَ، فَدِيَتُه على عاقلةِ الإمامِ، دُون بَيْتِ المالِ؛ لأنّ عُمَرَ أرْسَلَ إلى امْرَأةٍ ففَزِعَتْ فأجْهَضَتْ ذا بَطْنِها (٢)، فاسْتَشارَ عَلِيًّا، فأشارَ عليه أن يَدِيَه، فأمَرَ عُمَرُ عَلِيًّا، فقال: «عَزَمْتُ عليك لتَقْسِمَنَّها على قَوْمِك» (٣).
قال المزني: هذا عندي (٤) غَلَطٌ في قَوْلِه، إذا ضَرَبَه أكْثَرَ مِنْ أرْبَعِينَ فماتَ، فلم يَمُتْ مِنْ الزِّيادَةِ وَحْدَها، وإنّما ماتَ مِنْ الأرْبَعِينَ وغَيْرِها، فكَيْفَ تكُونُ الدِّيَةُ على الإمامِ كُلُّها وإنّما ماتَ المضْرُوبُ مِنْ مُباحٍ وغَيْرِ مُباحٍ؟! ألا تَرَى أنّ الشافعيَّ قال (٥): «لو ضَرَبَ الإمامُ رَجُلًا في القَذْفِ إحْدَى وثَمانِينَ فماتَ، أنّ فيها قَوْلَيْن: أحَدُهما - أنّ عليه نِصْفَ الدِّيَةِ، والآخَرُ - أنّ عليه جُزْءًا مِنْ أحَدٍ وثمانين جُزْءًا (٦) مِنْ الدِّيَةِ»؟ قال المزني:
стр. 1565
ألا تَراه يَقُولُ (١): «لو جَرَحَ رَجُلٌ رَجُلًا جُرْحًا (٢)، فخاطَه المجْرُوحُ، فمات .. فإن كان خاطَه في لَحْمٍ حَيٍّ فعَلَى الجانِي نِصْفُ الدِّيَةِ؛ لأنّه مات مِنْ جُرْحِه والجُرْحِ الذي أحْدَثَه في نَفْسِه (٣)»؟ فكُلُّ هذا يَدُلُّك أنّه إذا ماتَ المضْرُوبُ مِنْ أكْثَرَ مِنْ أرْبَعِينَ فماتَ، أنّه بهما ماتَ (٤)، فلا تكُونُ الدِّيَةُ كُلُّها على الإمامِ؛ لأنّه لم يَقْتُلْه بالزِّيادَةِ وَحْدَها حتّى كان معها مُباحٌ، أوَلَا تَرَى أنّه يَقُولُ: «مَنْ جَرَحَ مُرْتَدًّا ثُمّ أسْلَمَ، ثُمّ جَرَحَه جُرْحًا آخَرَ فماتَ، أنّ عليه نِصْفَ الدِّيَةِ؛ لأنّه مات مِنْ مُباحٍ وغَيْرِ مُباحٍ»؟ قال المزني: وكذلك مات المضْرُوبُ بأكْثَرَ مِنْ أرْبَعِينَ مِنْ مُباحٍ وغَيْرِ مُباحٍ (٥).
стр. 1566
(٣٢٨٦) قال الشافعي: ولو ضَرَبَ امْرَأةً حَدًّا فأجْهَضَتْ .. لم يَضْمَنْها، وضَمِنَ ما في بَطْنِها؛ لأنّه قَتَلَه.
(٣٢٨٧) ولو حَدَّه بشَهادَةِ عَبْدَيْن، أو غَيْرِ عَدْلَيْن في أنْفُسِهما، فمات .. ضَمِنَه عاقِلَتُه؛ لأنّ كُلَّ هذا خطأٌ منه في الحكْمِ، ولَيْسَ على الجالِدِ شَيْءٌ.
(٣٢٨٨) ولو قال الإمامُ للجالِدِ: أنا أضْرِبُ هذا ظُلْمًا .. ضَمِنَ الجالِدُ والإمامُ معًا.
(٣٢٨٩) ولو قال الجالِدُ (١): قد ضَرَبْتُه وأنا أرَى الإمامَ مُخْطِئًا، وعَلِمْتُ أنّ ذلك رَأيُ بعضِ الفُقَهاءِ .. ضَمِنَ إلّا ما غاب عنه سَبَبُ ضَرْبِه.
(٣٢٩٠) ولو قال: اضْرِبْه ثمانين، فزاد سَوْطًا، فمات .. فلا يَجُوزُ فيه إلّا واحدٌ مِنْ قَوْلَيْن: أحَدُهما - أنّ عليهما نِصْفَيْن؛ كما لو جَنَى رَجُلانِ عليه؛ أحَدُهما بضَرْبَةٍ والآخَرُ بثمانين، ضَمِنا الدِّيَةَ نِصْفَيْن، أو سَهْمًا مِنْ واحِدٍ وثمانين سَهْمًا (٢).
(٣٢٩١) قال: وإذا خافَ رَجُلٌ نُشُوزَ امْرأتِه فضَرَبها فماتَتْ .. فالعَقْلُ على العاقلةِ؛ لأنّ ذلك إباحَةٌ، وليس بفَرْضٍ.
(٣٢٩٢) ولو عَزَّرَ الإمامُ رَجُلًا فمات .. فالدِّيَةُ على عاقِلَتِه، والكفّارَةُ في مالِه.
(٣٢٩٣) وإذا كانَتْ برَجُلٍ سِلْعَةٌ (٣)، فأمَرَ السُّلْطانُ بقَطْعِها، وآكِلَةٌ،
стр. 1567
فأمَرَ بقَطْعِ عُضْوٍ منه، فمات .. فعلى السُّلْطانِ القَوَدُ في الْمُكْرَهِ، وقد قيل: عليه القَوَدُ في الذي لا يَعْقِلُ، وقيل: لا قَوَدَ عليه في الذي لا يَعْقِلُ، وعليه الدِّيَةُ في مالِه (١)، وأمّا غَيْرُ السُّلْطان يَفْعَلُ هذا .. فعليه القَوَدُ.
(٣٢٩٤) ولو كان رجلٌ أغْلَفُ، أو امْرأةٌ لم تُخْفَضْ، فأمَرَ السُّلطانُ فعُذِرا فماتا (٢) .. لم يَضْمَنِ السُّلطانُ؛ لأنّه كان عليهما أن يَفْعَلا، إلّا أن يَعْذِرَهما في حَرٍّ شديدٍ أو بَرْدٍ مُفْرِطٍ الأغْلَبُ أنّه لا يَسْلَمُ مَنْ عُذِرَ في مِثْلِه، فتَضْمَنُ عاقِلَتُه الدِّيَةَ (٣).