← Фикх шафии

Фикх шафии · id 914

مختصر المزني - ت الداغستاني

المزني

Полный текст (1 788 стр.). Показаны 1563–1602 · переход к 1568.

стр. 1563

(٣٣٤) باب عدد حد الخمر، ومن يموت مِنْ ضرب الإمام ومِن خطأ السلطان (٣٢٨٢) قال الشافعي: أخبرنا الثِّقَةُ، عن معمر، عن الزهري، عن عبدالرحمن بن أزهر، قال: «أُتِيَ رسولُ الله ﷺ بشارِبٍ، فقال: اضْرِبُوه، فضَرَبُوه بالأيْدِي والنِّعالِ وأطْرافِ الثِّيَابِ، وحَثَوْا عليه التُّرابَ، ثُمّ قال: بَكِّتُوه، فَبَكَّتُوه، ثُمّ أرْسَلَه» (١)، قال: «فلَمّا كان أبُو بَكْرٍ سأل مَنْ حَضَرَ ذلك الضَّرْبَ، فقَوَّمُوه أرْبَعِين، فضَرَبَ أبُو بَكْرٍ في الخَمْرِ أرْبَعِينَ حَياتَه (٢)، ثُمّ عُمَرُ، ثُمّ تَتابَعَ النّاسُ في الخَمْرِ، فاسْتَشارَ، فضَرَبَه ثمانين». (٣٢٨٣) [ورَوَى أنّ عُمَرَ بنَ الخطابِ اسْتَشارَ، فقال عليٌّ: «نَرَى أن يُجْلَدَ ثمانين (٣)؛ لأنّه إذا شَرِبَ سَكِرَ، وإذا سَكِرَ هَذَى، وإذا هَذَى افْتَرَى»، أو كما قال، فجَلَدَ عُمَرُ ثمانين في الخَمْرِ. (٣٢٨٤) ورَوَى عن عَلِيٍّ أنّه قال: «لَيْسَ أحَدٌ نُقِيمُ عليه الحَدَّ فيَمُوتُ فأجِدُ في نَفْسِي منه شَيْئًا الحَقُّ قَتَلَه، إلّا حَدُّ الخَمْرِ، فإنّه شَيْءٌ رَأيْناه بعد النبيِّ ﷺ ، فمَن مات منه فَدِيَتُه»، إمّا قال: «في بَيْتِ المالِ»، وإمّا قال: «على عَاقِلَةِ الإمامِ»، الشَّكُّ مِنْ الشافعيّ.

стр. 1564

(٣٢٨٥) قال الشافعي: وإذا ضَرَبَ الإمامُ في الخَمْرِ أو ما يُسْكِرُ مِنْ الشّرابِ بنَعْلَيْن أو طَرَفِ ثَوْبٍ أو رِداءٍ أو ما أشْبَهَه ضَرْبًا يُحِيطُ العِلْمُ أنّه لم يُجاوِزْ أرْبَعِينَ، فماتَ مِنْ ذلك، فالحَقُّ قَتَلَه (١)، وإن ضَرَبَه أكْثَرَ مِنْ أرْبَعِين بالنِّعالِ أو غَيْرِ ذلك فماتَ، فَدِيَتُه على عاقلةِ الإمامِ، دُون بَيْتِ المالِ؛ لأنّ عُمَرَ أرْسَلَ إلى امْرَأةٍ ففَزِعَتْ فأجْهَضَتْ ذا بَطْنِها (٢)، فاسْتَشارَ عَلِيًّا، فأشارَ عليه أن يَدِيَه، فأمَرَ عُمَرُ عَلِيًّا، فقال: «عَزَمْتُ عليك لتَقْسِمَنَّها على قَوْمِك» (٣). قال المزني: هذا عندي (٤) غَلَطٌ في قَوْلِه، إذا ضَرَبَه أكْثَرَ مِنْ أرْبَعِينَ فماتَ، فلم يَمُتْ مِنْ الزِّيادَةِ وَحْدَها، وإنّما ماتَ مِنْ الأرْبَعِينَ وغَيْرِها، فكَيْفَ تكُونُ الدِّيَةُ على الإمامِ كُلُّها وإنّما ماتَ المضْرُوبُ مِنْ مُباحٍ وغَيْرِ مُباحٍ؟! ألا تَرَى أنّ الشافعيَّ قال (٥): «لو ضَرَبَ الإمامُ رَجُلًا في القَذْفِ إحْدَى وثَمانِينَ فماتَ، أنّ فيها قَوْلَيْن: أحَدُهما - أنّ عليه نِصْفَ الدِّيَةِ، والآخَرُ - أنّ عليه جُزْءًا مِنْ أحَدٍ وثمانين جُزْءًا (٦) مِنْ الدِّيَةِ»؟ قال المزني:

стр. 1565

ألا تَراه يَقُولُ (١): «لو جَرَحَ رَجُلٌ رَجُلًا جُرْحًا (٢)، فخاطَه المجْرُوحُ، فمات .. فإن كان خاطَه في لَحْمٍ حَيٍّ فعَلَى الجانِي نِصْفُ الدِّيَةِ؛ لأنّه مات مِنْ جُرْحِه والجُرْحِ الذي أحْدَثَه في نَفْسِه (٣)»؟ فكُلُّ هذا يَدُلُّك أنّه إذا ماتَ المضْرُوبُ مِنْ أكْثَرَ مِنْ أرْبَعِينَ فماتَ، أنّه بهما ماتَ (٤)، فلا تكُونُ الدِّيَةُ كُلُّها على الإمامِ؛ لأنّه لم يَقْتُلْه بالزِّيادَةِ وَحْدَها حتّى كان معها مُباحٌ، أوَلَا تَرَى أنّه يَقُولُ: «مَنْ جَرَحَ مُرْتَدًّا ثُمّ أسْلَمَ، ثُمّ جَرَحَه جُرْحًا آخَرَ فماتَ، أنّ عليه نِصْفَ الدِّيَةِ؛ لأنّه مات مِنْ مُباحٍ وغَيْرِ مُباحٍ»؟ قال المزني: وكذلك مات المضْرُوبُ بأكْثَرَ مِنْ أرْبَعِينَ مِنْ مُباحٍ وغَيْرِ مُباحٍ (٥).

стр. 1566

(٣٢٨٦) قال الشافعي: ولو ضَرَبَ امْرَأةً حَدًّا فأجْهَضَتْ .. لم يَضْمَنْها، وضَمِنَ ما في بَطْنِها؛ لأنّه قَتَلَه. (٣٢٨٧) ولو حَدَّه بشَهادَةِ عَبْدَيْن، أو غَيْرِ عَدْلَيْن في أنْفُسِهما، فمات .. ضَمِنَه عاقِلَتُه؛ لأنّ كُلَّ هذا خطأٌ منه في الحكْمِ، ولَيْسَ على الجالِدِ شَيْءٌ. (٣٢٨٨) ولو قال الإمامُ للجالِدِ: أنا أضْرِبُ هذا ظُلْمًا .. ضَمِنَ الجالِدُ والإمامُ معًا. (٣٢٨٩) ولو قال الجالِدُ (١): قد ضَرَبْتُه وأنا أرَى الإمامَ مُخْطِئًا، وعَلِمْتُ أنّ ذلك رَأيُ بعضِ الفُقَهاءِ .. ضَمِنَ إلّا ما غاب عنه سَبَبُ ضَرْبِه. (٣٢٩٠) ولو قال: اضْرِبْه ثمانين، فزاد سَوْطًا، فمات .. فلا يَجُوزُ فيه إلّا واحدٌ مِنْ قَوْلَيْن: أحَدُهما - أنّ عليهما نِصْفَيْن؛ كما لو جَنَى رَجُلانِ عليه؛ أحَدُهما بضَرْبَةٍ والآخَرُ بثمانين، ضَمِنا الدِّيَةَ نِصْفَيْن، أو سَهْمًا مِنْ واحِدٍ وثمانين سَهْمًا (٢). (٣٢٩١) قال: وإذا خافَ رَجُلٌ نُشُوزَ امْرأتِه فضَرَبها فماتَتْ .. فالعَقْلُ على العاقلةِ؛ لأنّ ذلك إباحَةٌ، وليس بفَرْضٍ. (٣٢٩٢) ولو عَزَّرَ الإمامُ رَجُلًا فمات .. فالدِّيَةُ على عاقِلَتِه، والكفّارَةُ في مالِه. (٣٢٩٣) وإذا كانَتْ برَجُلٍ سِلْعَةٌ (٣)، فأمَرَ السُّلْطانُ بقَطْعِها، وآكِلَةٌ،

стр. 1567

فأمَرَ بقَطْعِ عُضْوٍ منه، فمات .. فعلى السُّلْطانِ القَوَدُ في الْمُكْرَهِ، وقد قيل: عليه القَوَدُ في الذي لا يَعْقِلُ، وقيل: لا قَوَدَ عليه في الذي لا يَعْقِلُ، وعليه الدِّيَةُ في مالِه (١)، وأمّا غَيْرُ السُّلْطان يَفْعَلُ هذا .. فعليه القَوَدُ. (٣٢٩٤) ولو كان رجلٌ أغْلَفُ، أو امْرأةٌ لم تُخْفَضْ، فأمَرَ السُّلطانُ فعُذِرا فماتا (٢) .. لم يَضْمَنِ السُّلطانُ؛ لأنّه كان عليهما أن يَفْعَلا، إلّا أن يَعْذِرَهما في حَرٍّ شديدٍ أو بَرْدٍ مُفْرِطٍ الأغْلَبُ أنّه لا يَسْلَمُ مَنْ عُذِرَ في مِثْلِه، فتَضْمَنُ عاقِلَتُه الدِّيَةَ (٣).

стр. 1568

(٣٣٥) باب صفة السوط (٣٢٩٥) قال الشافعي: يُضْرَبُ المحْدُودُ (١) بسَوْطٍ بين السَّوْطَيْن، لا جَدِيدٍ ولا خَلَقٍ. (٣٢٩٦) ويُضْرَبُ الرَّجُلُ في الحَدِّ والتَّعْزِيرِ قائمًا، وتُتْرَكُ له يَدُه يَتَّقِي بها (٢)، ولا يُرْبَطُ، ولا يُمَدُّ، والمرأةُ جالِسَةً، ويُضَمُّ عليها ثِيابُها، وتُرْبَطُ لئلا تَنْكَشِفَ، ويَلِي ذلك منها امْرأةٌ. (٣٢٩٧) ولا يَبْلُغُ في الجَلْدِ أن يُنْهَرَ الدَّمُ؛ لأنّه سَبَبُ التَّلَفِ، وإنّما يُرادُ بالجَلْدِ (٣) النَّكالُ أو الكفّارةُ. (٣٢٩٨) قال المزني: ويَتَّقِي الجَلّادُ الوَجْهَ والفَرْجَ، ورُوِيَ ذلك عن عليّ بن أبي طالب. (٣٢٩٩) قال الشافعي: ولا يَبْلُغُ في العُقُوبَةِ (٤) أرْبَعِين؛ تَقْصِيرًا عن مُساواةِ عُقُوبَةِ الله في حُدُودِه. (٣٣٠٠) ولا تُقامُ الحُدُودُ في المساجِدِ.

стр. 1569

[٥٥] كتاب الردة

стр. 1570

(٣٣٦) باب قتال أهل الردة وما أصيب في أيديهم من متاع المسلمين (١) من كتاب قتل الخطأ (٣٣٠١) قال الشافعي: وإذا أسْلَمَ القَوْمُ ثُمّ ارْتَدُّوا عن الإسْلامِ إلى أيِّ كُفْرٍ كانَ، في دار الإسْلامِ أو دارِ الحَرْبِ، وهُم مَقْهُورُون أو قاهِرُون في مَوْضِعِهم الذي ارْتَدُّوا فيه .. فعَلَى المسْلِمِين أن يَبْدَؤوا بجِهادِهِم قبل جِهادِ أهْلِ الحَرْبِ الذين لم يُسْلِمُوا قَطُّ. (٣٣٠٢) فإذا ظَفِرُوا بهم اسْتَتابُوهم، فمَن تاب حُقِنَ دَمُه، ومَن لم يَتُبْ قُتِلَ بالرِّدَّةِ، وسَواءٌ في ذلك الرَّجُلُ والمرْأةُ. (٣٣٠٣) وما أصاب أهْلَ الرِّدَّةِ مِنْ المسْلِمِين، في حالِ الرِّدَّةِ وبعد إظْهارِ التَّوْبَةِ، في قِتالٍ وهم مُمْتَنِعُون أو غَيْرِ قِتالٍ، أو على نائِرَةٍ (٢) أو غَيْرِها .. فسَواءٌ، والحكْمُ عليهم كالحُكْمِ على المسْلِمِين، لا يَخْتَلِفُ في القَوَدِ والعَقْلِ وضَمانِ ما يُصِيبُون. قال المزني: هذا خِلافُ قَوْلِه في «باب قِتال أهْلِ البَغْيِ» [ف: ٣١٧٣]. قال الشافعي: فإن قيل: فما صَنَعَ أبو بَكْرٍ في أهْلِ الرِّدَّةِ؟ .. قيل: قال لقَوْمٍ جاؤوه تائِبِين: «تَدُونَ قَتْلانا ولا نَدِي قَتْلاكم»، فقال عمر:

стр. 1571

«لا نأخُذُ لقَتْلانا دِيَةً» (١)، فإن قيل: فما قوله: «تَدُونَ»؟ .. قيل: إن كانوا يُصِيبُون غير مُتَعَمِّدِين أدَّوْا، وإذا ضَمِنُوا الدِّيَةَ في قَتْلٍ غَيْرَ مُتَعَمِّدِين كان عليهم القِصاصُ في قَتْلِهم مُتَعَمِّدِين، وهذا خِلافُ حُكْمِ أهْلِ الحَرْبِ عند أبي بَكْرٍ الصديق، فإن قيل: فلا نَعْلَمُ أحَدًا منهم أقِيدَ بأحَدٍ .. قيل: ولا يَثْبُتُ عليه قَتْلُ أحَدٍ بشَهادَةٍ، ولو ثَبَتَ لم نَعْلَمْ حاكِمًا أبْطَلَ لوَلِيٍّ دَمًا طَلَبَه، والرِّدَّةُ لا تَدْفَعُ عنهم قَوَدًا ولا عَقْلًا، ولا تَزِيدُهُم خَيْرًا إن لم تَزِدْهُم شَرًّا. قال المزني: هذا عِندي أقْيَسُ مِنْ قَوْلِه في «كتاب قتال أهل البغي»: يُطْرَحُ ذلك كُلُّه؛ لأنّ حُكْمَ أهْلِ الرِّدَّةِ أن نَرُدَّهُم إلى حُكْمِ الإسلامِ، ولا يُرَقُّون ولا يُغْنَمُون كأهْلِ الحَرْبِ، فكذلك يُقادُ منهم ويَضْمَنُون (٢). (٣٣٠٤) قال الشافعي: وإذا قامَتْ بَيِّنَةٌ لمرْتَدٍّ أنّه أظْهَرَ القَوْلَ بالإيمانِ، ثُمّ قَتَلَه رَجُلٌ يَعْلَمُ تَوْبَتَه أو لا يَعْلَمُها .. فعَلَيْه القَوَدُ.

стр. 1572

[٥٦] كتاب صَوْلِ الفحل ودَفعِ الرجل عن نفسه ومن يتطلع في بيته وحريمه (١)

стр. 1573

(٣٣٠٥) قال الشافعي: إذا طَلَبَ الفَحْلُ رَجُلًا، فلم يَقْدِر على دَفْعِه إلّا بقَتْلِه .. لم يَكُنْ عليه غُرْمٌ؛ كما لو حَمَلَ عليه مُسْلِمٌ بالسَّيْفِ فلم يَقْدِر على دَفْعِه إلّا بضَرْبِه، فقَتَلَه بالضَّرْبِ، أنَّه هَدْرٌ، قال رسولُ الله ﷺ : «مَنْ قُتِلَ دُون مالِه فهو شَهِيدٌ»، فإذا سَقَطَ عنه الأكْثَرُ لأنّه دَفَعَه عن نَفْسِه بما يَجُوزُ له، كان الأقَلُّ أسْقَطَ. (٣٣٠٦) ولو عَضَّ يَدَه رَجُلٌ، فانْتَزَعَ يَدَه، فنَدَرَتْ ثَنِيَّتا العاضِّ .. كان ذلك هَدْرًا، واحْتَجَّ بأنّ النّبيّ ﷺ قال: «أيَدَعُ يَدَه في فِيك تَقْضَمُها (١) كأنّها في في فَحْلٍ» وأهْدَرَ ثَنِيَّتَه. (٣٣٠٧) قال: ولو عَضَّه .. كان له فَكُّ لَحْيَيْه بيَدِه الأخْرَى. (٣٣٠٨) فإن عَضَّ قَفاه فلم تَنَلْه يَداه كان له نَتْرُ رَأسِه مِنْ فيه (٢)، فإن لم يَقْدِرْ فله التّحامُل عليه برأسِه إلى وَرائِه مُصْعِدًا ومُنْحَدِرًا (٣)، وإنْ غَلَبَه ضَبْطًا بفِيه كان له ضَرْبُ فِيه بيَدِه حتّى يُرْسِلَه، فإن بَعَجَ بَطْنَه بسِكِّينٍ (٤)، أو فَقَأ عَيْنَه بيَدِه، أو ضَرَبَه في بَعْضِ جَسَدِه .. ضَمِنَ. (٣٣٠٩) ورُفِعَ إلى عُمَرَ جاريةٌ كانَتْ تَحْتَطِبُ، فاتَّبَعَها رَجُلٌ، فراوَدَها

стр. 1574

عن نَفْسِها، فرَمَتْه بفِهْرٍ أو حَجَرٍ، فقَتَلَتْه، فقال عمر: «هذا قَتِيلُ الله، والله لا يُودَى أبدًا» (١). (٣٣١٠) قال الشافعي: ولو قَتَلَ رَجُلٌ رَجُلًا، فقال: وَجَدْتُه على امْرَأتِي .. فقَدْ أقَرَّ بالقَوَدِ وادَّعَى، فإن لم يُقِمْ بَيِّنَةً قُتِلَ، قال سَعْدٌ: يا رسول الله، أرَأيْتَ لو وَجَدْتُ مع امْرأتِي رَجُلًا أمْهِلُه حتّى آتِيَ بأرْبَعَةِ شُهَداءَ؟! فقال رسول الله ﷺ : نعم، وقال علي بن أبي طالب: «إن لم يَأتِ بأرْبَعَةِ شُهَداءَ فليُعْطَ بِرُمَّتِه» (٢). (٣٣١١) قال: ولو تَطَلَّعَ إليه رَجُلٌ مِنْ ثَقْبٍ، فطَعَنَه بعُودٍ أو رَماهُ بحَصَاةٍ أو ما أشْبَهها، فذَهَبَتْ عَيْنُه .. فهي هَدْرٌ، واحْتَجَّ بأنّ رسول الله ﷺ نَظَرَ إلى رَجُلٍ يَنْظُرُ إلى بَيْتِه مِنْ جُحْرٍ وفي يَدِه مِدْرَى يَحُكُّ به رَأسَه (٣)، فقال ﵇: «لو أعْلَمُ أنّك تَنْظُرُني لطَعَنْتُ به في عَيْنِكَ، إنّما جُعِلَ الاسْتِئذانُ مِنْ أجْلِ البَصَرِ (٤)». (٣٣١٢) قال: ولو دَخَلَ بَيْتَه، فأمَرَه بالخُرُوجِ، فلم يَخْرُجْ .. فله ضَرْبُه وإنْ أتَى على نَفْسِه. قال المزني: الذي عَضَّ رَأسَه، فلم يَقْدِرْ أن يَتَخَلَّصَ مِنْ العاضِّ، أوْلَى بضَرْبِه ودَفْعِه عن نَفْسِه وإن أتَى ذلك على نَفْسِه (٥).

стр. 1575

(٣٣٧) باب الضمان على البهائم (٣٣١٣) قال الشافعي: أخبرنا مالك، عن الزهري، عن حرام بن سعد بن مُحيِّصة، أنّ ناقة البراء دَخَلَتْ حائطًا فأفْسَدَتْ فيه، فقَضَى النبيُّ ﷺ أنّ على أهْلِ الأمْوالِ حِفْظَها بالنَّهارِ، وما أفْسَدَت المواشِي باللَّيْلِ فهو ضَمانٌ على أهْلِها. (٣٣١٤) قال الشافعي: والضَّمانُ على البَهائِمِ وجهان: أحدهما - ما أفْسَدَتْ مِنْ الزَّرْعِ باللَّيْلِ ضَمِنَه أهْلُها، وما أفْسَدَتْ بالنَّهارِ لم يَضْمَنُوه، والوجه الثاني - إذا كان الرَّجُلُ راكِبًا فما أصابَتْ بيَدِها أو رِجْلِها أو فِيها أو ذَنَبِها، مِنْ نَفْسٍ وجُرْحٍ .. فهو ضامِنٌ له؛ لأنّ عليه مَنْعَها في تِلْكِ الحالِ مِنْ كُلِّ ما تُتْلِفُ به أحَدًا، وكذلك إذا كان سائقًا أو قائدًا، وكذلك الإبلُ المقَطَّرَةُ بالبَعِيرِ الذي هو عليه؛ لأنّه قائدٌ لها، وكذلك الإبلُ يَسُوقُها، ولا يَجُوزُ إلّا ضَمانُ ما أصابَت الدَّابَّةُ تَحْتَ الرِّجْلِ أوْ لا يَضْمَنُ إلّا ما حَمَلَها عليه فوَطِئَتْه، فأمّا مَنْ ضَمَّنَ عن يَدِها ولم يُضَمِّنْ عن رِجْلِها .. فهذا تَحَكُّمٌ، وأمّا ما رُوِيَ عن النبيّ ﷺ مِنْ أنّ «الرِّجْلَ جُبارٌ» .. فهو خَطَأٌ؛ لأنّ الحُفّاظَ لم يَحْفَظُوه هكذا.

стр. 1576

(٣٣١٥) قال: ولو أوْقَفَها في مَوْضِعٍ ليس له أن يَقِفَها فيه .. ضَمِنَ، ولو أوْقَفَها في مِلْكِه .. لم يَضْمَنْ. (٣٣١٦) ولو جَعَلَ في دارِه كَلْبًا عَقُورًا أو حِبالَةً، فدَخَلَ إنْسانٌ، فقَتَلَه .. لم يَكُنْ عليه شَيْءٌ. قال المزني: سواءٌ عندي (١) أذِنَ لذلك الإنسانِ (٢) أن يَدْخُلَ الدارَ، أو لم يَأذَنْ له (٣).

стр. 1577

[٥٧] كتاب السير (١) من خمسة كتب: الجزية، والحكم في أهل الكتاب، وإملاء على كتاب الواقدي، وأصل غزوة بدر (٢)، وإملاء على كتاب الأوزاعي وأبي حنيفة

стр. 1578

(٣٣٨) باب أصل فرض الجهاد (٣٣١٧) قال الشافعي: لمّا مَضَتْ برسولِ الله ﷺ مُدَّةٌ مِنْ هِجْرَتِه (١)، أنْعَمَ الله فيها على جماعاتٍ باتِّباعِه .. حَدَثَتْ لها مع عَوْنِ الله قُوَّةٌ بالعَدَدِ لم تكُنْ قَبْلَها، ففَرَضَ اللهُ عليهم الجهادَ، فقال ﵎: ﴿كتب عليكم القتال وهو كره لكم﴾ [البقرة: ٢١٦] (٢)، وقال: ﴿وقاتلوا في سبيل الله﴾ [البقرة: ١٩٠]، مع ما ذُكِرَ به فَرْضُ الجهادِ. (٣٣١٨) ودَلّ كتابُ الله جل ذكره ثُمّ على لسانِ نَبِيِّه ﷺ أنّه لم يَفْرِض الجهادَ على مَمْلُوكٍ، ولا على أنْثَى، ولا على مَنْ لم يَبْلُغْ؛ لقول الله جل ذكره (٣): ﴿وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله﴾ [التوبة: ٤١]، فحَكَمَ أن لا مالَ للمَمْلُوكِ، وقال: ﴿حرض المؤمنين على القتال﴾ [الأنفال: ٦٥]، فدَلّ على أنّهم الذُّكُورُ، وعُرِضَ ابنُ عُمَرَ على النبيّ ﷺ يَوْمَ أحُدٍ وهو ابْنُ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فرَدَّه، وعُرِضَ عليه عامَ الخَنْدَقِ وهو ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فأجازَه، وحَضَرَ مع النبيّ ﷺ في غَزْوِةٍ عَبِيدٌ ونِساءٌ وغَيْرُ بالِغِين، فرَضَخَ لهم وأسْهَمَ لضَعْفَى أحْرارٍ وجَرْحَى بالِغِين، فدَلَّ على أنّ السُّهْمانَ إنّما تكُونُ لمن شَهِدَ القِتالَ مِنْ الرِّجالِ والأحْرارِ، ودَلَّ بذلك على أن لا فَرْضَ على غَيْرِهِم في الجِهادِ.

стр. 1579

(٣٣٩) باب من له عذر بالضَّعفِ والضررِ والزَّمانةِ والعذرِ بترك الجهاد من كتاب الجزية (٣٣١٩) قال الشافعي: قال الله ﵎: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٩١]، وقال : ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٩٣]، وقال: ﴿ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج﴾ [الفتح: ١٧]، وقيل: «الأعْرَجُ»: المقْعَدُ، والأغْلَبُ: أنّه أعْرَجُ الرِّجْلِ الواحِدَةِ (١)، وقيل: نَزَلَتْ في وَضْعِ الجِهادِ عنهم، قال: ولا يَحْتَمِلُ غَيْرَه، فإذا كان سالمَ البَدَنِ قَوِيَّه لا يَجِدُ أُهْبَةَ الخُرُوجِ، ونَفَقَةَ مَنْ تَلْزَمُه نَفَقَتُه إلى قَدْرِ ما يَرَى لمدَّتِه في غَزْوِه .. فهو ممَّن لا يَجِدُ ما يُنْفِقُ، فلَيْسَ له أن يَتَطَوَّع بالخُرُوجِ ويَدَعَ الفَرْضَ. (٣٣٢٠) ولا يُجاهِدُ إلّا بإذْنِ أهْلِ الدَّيْنِ، وبإذْنِ أبَوَيْه؛ لشَفَقَتِهما ورِقَّتِهما عليه إذا كانا مُسْلِمَيْن، وإنْ كانا على غَيْرِ دِينِه .. فإنّما يُجاهِدُ أهْلَ دِينِهما، فلا طاعَةَ لهما عليه؛ قد جاهَدَ ابْنُ عُتْبَةَ بنِ رَبِيعَةَ مع النبيِّ ﷺ ، ولسْتُ أشُكُّ في كَراهِيَةِ أبِيه لجِهادِه مع النبيِّ ﷺ ، وجاهَدَ عبدُالله بنُ

стр. 1580

عبدِالله بنِ أبَيٍّ مع النبيِّ ﷺ وأبُوه مُتَخَلِّفٌ عن النبيِّ ﷺ بأحُدٍ يُخَذِّلُ عنه مَنْ أطاعَه. (٣٣٢١) قال: ومَن غَزا ممَّن له عُذْرٌ، أو حَدَثَ له بعد الخُرُوجِ عُذْرٌ .. كان عليه الرُّجُوعُ، ما لم يَلْتَقِ الزَّحْفانِ، أو يَكُونُ في مَوْضِعٍ يُخافُ إن رَجَعَ أن يَتْلَفَ. (٣٣٢٢) قال: ويَتَوَقَّى في الحَرْبِ قَتْلَ أبيه. (٣٣٢٣) ولا يَجُوزُ أن يَغْزُوَ بجُعْلٍ مِنْ مالِ رَجُلٍ، ويَرُدَّه إنْ غَزا به، وإنّما أجَزْتُه مِنْ السُّلْطانِ لأنّه يَغْزُو بشَيْءٍ مِنْ حَقِّه. (٣٣٢٤) قال: ومَن ظَهَرَ منه تَخْذِيلٌ للمُسْلِمِين، أو إرْجافٌ بهم، أو عَوْنٌ عَلَيْهم .. مَنَعَه الإمامُ الغَزْوَ معهم؛ لأنّه ضَرَرٌ عَلَيْهم، وإنْ غَزا لم يُسْهِمْ له. (٣٣٢٥) وواسِعٌ للإمامِ أن يَأذَنَ للمُشْرِكِ أن يَغْزُوَ معه إذا كانَتْ فيه للمُسْلِمِين مَنْفَعَةٌ، وقد غَزا النبيُّ ﷺ بيَهُودٍ من بني قَيْنُقاعٍ، وشَهِدَ معه صَفْوانُ حُنَيْنَ بعد الفَتْحِ وصَفْوانُ مُشْرِكٌ. (٣٣٢٦) وأحِبُّ (١) أن لا يُعْطَى المشْرِكُ مِنْ الفَيْءِ شَيْئًا، ويَسْتَأجِرَ إجارَةً مِنْ مالٍ لا مالِكَ له بعَيْنِه، وهو سَهْمُ النَّبِيِّ ﷺ ، فإن أغْفَلَ ذلك الإمامُ أعْطِيَ مِنْ سَهْمِ النَّبيِّ ﷺ . (٣٣٢٧) ويَبْدَأ الإمامُ بالقِتالِ مَنْ يَلِيه مِنْ الكُفّارِ وبالأخْوَفِ، فإن كان الأبْعَدُ أخْوَفَ .. فلا بَأسَ أن يَبْدَأ به على مَعْنَى الضَّرُورَةِ التي يَجُوزُ فيها ما لا يَجُوزُ في غَيْرِها.

стр. 1581

(٣٣٢٨) قال: وأقَلُّ ما على الإمامِ أن لا يَأتِيَ عليه عامٌ إلّا وله فيه غَزْوٌ، بنَفْسِه أو بسَرَاياه، على حُسْنِ النَّظَرِ للمُسْلِمِين، حتّى لا يَكُونَ الجِهادُ مُعَطَّلًا في عامٍ إلّا مِنْ عُذْرٍ (١). (٣٣٢٩) ويُغْزِي أهْلَ الفَيْءِ، كُلَّ قَوْمٍ إلى مَنْ يَلِيهم.

стр. 1582

(٣٤٠) باب النفير من كتاب الجزية والرسالة (٣٣٣٠) قال الشافعي: قال الله : ﴿إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما﴾ [التوبة: ٣٩] وقال : ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: ٩٥]، فلمّا وَعَدَ القاعِدِين الحُسْنَى، دَلّ أنّ فَرْضَ النَّفِيرِ على الكِفايَةِ، فإذا لم يَقُمْ بالنَّفِيرِ كِفايَةٌ حَرِجَ مَنْ تَخَلَّفَ واسْتَوْجَبُوا ما قال اللهُ ﵎، وإنْ كان فيهم كِفايَةٌ حتّى لا يَكُونَ النَّفِيرُ مُعَطَّلًا لم يَأثَمْ مَنْ تَخَلَّفَ؛ لأنّ اللهَ وَعَدَ جَمِيعَهُم الحُسْنَى. (٣٣٣١) وكذلك رَدُّ السَّلامِ، ودَفْنُ الموْتَى، والقِيامُ بالعِلْمِ، ونَحْوُ ذلك، فإذا قام بذلك مَنْ فيه الكِفايَةُ لم يَحْرَج الباقُون، وإلّا حَرِجُوا أجْمَعُون.

стр. 1583

(٣٤١) باب جامع السير (٣٣٣٢) قال الشافعي: الحُكْمُ في المشْرِكِين حُكْمان: فمَن كان مِنهم أهْلَ الأوْثانِ أو مَنْ عَبَدَ ما اسْتَحْسَنَ مِنْ غَيْرِ أهْلِ الكِتابِ .. لم تُؤخَذْ منهم الجِزْيَةُ، وقُوتِلُوا حتّى يُقْتَلُوا أو يُسْلِمُوا؛ لقولِ الله : ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة: ٥]، وقال رسولُ الله ﷺ : «أمِرْتُ أنْ أقاتِلَ النّاسَ حتّى يَقُولُوا: لا إلهَ إلّا اللهَ»، ومَن كان مِنْهُم أهْلَ كِتابٍ .. قُوتِلُوا حتّى يُسْلِمُوا أو يُعْطُوا الجِزْيَةَ عن يَدٍ وهم صاغِرُون (١)، فإن لم يُعْطُوها قُوتِلُوا وقُتِلُوا وسُبِيَتْ ذَرارِيُّهم ونِساؤُهم وأمْوالُهم ودِيارُهُم، وكان ذلك كُلُّه فَيْئًا بَعْدَ السَّلَبِ للقاتِلِ في الإقْبالِ، قال ذلك الإمامُ أو لم يَقُلْه؛ لأنّ رسولَ الله ﷺ نَفَّلَ أبا قَتادَةَ يَوْمَ حُنَيْنٍ سَلَبَ قَتِيلِه، وما نَفَّلَه إيّاه إلّا بَعْدَ تَقَضِّي الحَرْبِ، ونَفَّلَ محمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ سَلَبَ مَرْحَبٍ يَوْمَ خَيْبَرَ، ونَفَّلَ يَوْمَ بَدْرٍ عَدَدًا ويَوْمَ أحُدٍ رَجُلًا أو رَجُلَيْن أسْلابَ قَتْلاهم، وما عَلِمْتُه حَضَرَ مَحْضَرًا قَطُّ فقَتَلَ رَجُلٌ قَتِيلًا في الإقْبالِ إلّا نَفَّلَه سَلَبَه، ولقد فَعَلَ ذلك بعدَ رسولِ الله أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ.

стр. 1584

(٣٣٣٣) قال: ثُمّ يُرْفَعُ بعدَ السَّلَبِ خُمُسُه لأهْلِه، ويُقْسَمُ أرْبَعَةُ أخْماسِه بين مَنْ حَضَرَ الوَقْعَةَ، دُون مَنْ جاء بَعْدَها، واحْتَجَّ بأنّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ قالا: «الغَنِيمَةُ لمَنْ شَهِدَ الوَقْعَةَ». (٣٣٣٤) قال: ويُسْهَمُ للبِرْذَوْنِ كما يُسْهَمُ للفَرَسِ سَهْمان (١)، وللفارِسِ سَهْمٌ، ولا يُعْطَى إلّا لفَرَسٍ واحدٍ. (٣٣٣٥) قال: ويُرْضَخُ لمن لم يَبْلُغْ، وللمَرْأةِ، والعَبْدِ، والمشْرِكِ إذا قاتَلَ، ولمن اسْتُعِين به مِنْ المشْرِكِين، ويُسْهَمُ للتَّاجِرِ إذا قاتَلَ. (٣٣٣٦) وتُقْسَمُ الغَنِيمَةُ (٢) في دارِ الحَرْبِ، قَسَمَها رسولُ الله ﷺ حَيْثُ غَنِمَها، وهي دار حَرْبِ بَنِي المصْطَلِقِ وخَيْبَرَ (٣)، فأمّا ما احْتَجّ به أبو يوسُفَ أنّ النبيَّ ﵇ قَسَمَ غَنائِمَ بَدْرٍ بعد مَقْدَمِه إلى المدينةِ، وقولُه: «الدَّليلُ على ذلك: أنّه أسْهَمَ لعُثْمانَ وطلحةَ ولم يَشْهَدا بَدْرًا .. فإنْ كان كَما قال فقد خالَفَ سُنَّةَ رسولِ الله ﷺ ؛ لأنّه لا يُعْطِي أحَدًا لم يَشْهَد الوَقْعَةَ ولم يَقْدَمْ مَدَدًا عليهم في دار الحَرْبِ»، ولَيْسَ كما قالَ، ما قَسَمَ النّبيٌّ ﷺ غَنائِمَ بَدْرٍ إلّا بِسَيرِ شِعْبٍ مِنْ شِعابِ الصَّفْراءِ قَرِيبٍ مِنْ بَدْرٍ، فلمّا تَشاحَّ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ في غَنِيمَتِها أنْزَلَ اللهُ : ﴿يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول﴾ [الأنفال: ١]، فقَسَمَها بَيْنَهم وهي له تَفَضُّلًا، وأدْخَلَ معهم ثَمانِيَةَ نَفَرٍ مِنْ المهاجرين والأنصارِ بالمدينةِ، وإنّما نَزَلَتْ: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه﴾ [الأنفال: ٤١] بعد بَدْرٍ، ولم نَعْلَمْه أسْهَمَ لأحَدٍ لم يَشْهَد الوَقْعَةَ بعد نُزُولِ الآيةِ، قال: ومَن أعْطَى مِنْ المؤَلَّفَةِ وغَيْرِهم فمِن مالِه

стр. 1585

أعْطاهُم ﷺ ، لا مِنْ الأرْبَعَةِ الأخْماسِ، وأمّا ما احْتَجَّ به مِنْ وَقْعَةِ عبدِالله بنِ جَحْشٍ وابنِ الحَضْرَمِيّ .. فذلك قَبْلَ بَدْرٍ، وكانَتْ وَقْعَتُهُم في آخِرِ الشَّهْرِ الحرامِ، فتَوَقَّفُوا فيما صَنَعُوا حتّى نَزَلَتْ: ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير﴾ [البقرة: ٢١٧]، ولَيْسَ ممّا (١) خالَفَ فيه الأوْزاعِيَّ في شَيْءٍ. (٣٣٣٧) قال الشافعي: ولهم أن يَأكُلُوا ويَعْلِفُوا دَوابَّهم في دارِ الحَرْبِ، فإنْ خَرَجَ أحَدٌ منهم مِنْ دارِ الحَرْبِ وفي يَدِه شَيْءٌ منه، صَيَّرَه إلى الإمامِ (٢). (٣٣٣٨) وما كان مِنْ كُتُبِهم فيه طِبٌّ أو ما لا مَكْرُوهَ فيه بِيعَ، وما كان فيه شِرْكٌ (٣) أُبْطِلَ وانْتُفِعَ بأوْعِيَتِه. (٣٣٣٩) وما كان مِثْلُه مُباحًا في بلادِ الإسْلامِ مِنْ شَجَرٍ أو حَجَرٍ، أو صَيْدٍ في بَرٍّ أو بَحْرٍ، فهو لمن أخَذَه، إلّا أن يَكُونَ مَصْنُوعًا، أو صَيْدًا مُقَرَّطًا (٤) أو مَوْسُومًا، فلا يَكُونُ لمن أخَذَه.

стр. 1586

(٣٣٤٠) ومَن أسِرَ منهم .. فإنْ أشْكَلَ بُلُوغُهم .. فمَن لم يُنْبِتْ فحُكْمُه حُكْمُ طِفْلٍ، ومَن أنْبَتَ فهو بالِغٌ، والإمامُ في البالغين بالخيارِ بَيْنَ أن يَقْتُلَهم بلا قَطْعِ يَدٍ ولا عُضْوٍ، أو (١) يُسْلِمَ أهْلُ الأوْثانِ، ويُؤدِّيَ الجِزْيَةَ أهْلُ الكِتابِ، أو يَمُنَّ عليهم، أو يُفادِيَهُم بمالٍ أو بأسْرَى مِنْ المسلمين، أو يَسْتَرِقَّهم، فإن اسْتَرَقَّهُم أو أخَذَ مِنْهم (٢) فسَبِيلُه سَبِيلُ الغَنِيمَةِ، أسَرَ النبيُّ ﷺ أهْلَ بَدْرٍ، فقَتَلَ عُقْبَةَ بنَ أبي مُعَيْطٍ والنَّضْرَ بنَ الحارِثِ، ومَنَّ على أبي عَزَّةَ الجُمَحِي على أن لا يُقاتِلَه، فأخْفَرَه (٣) وقاتَلَه يَوْمَ أحُدٍ، فدَعا أن لا يُفْلِتَ (٤)، فما أُسِرَ غَيْرُه، ثُمّ أُسِرَ ثُمامَةُ بنُ أُثالٍ الحَنَفِيّ فمَنَّ عليه ثُمّ أسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُه، وفَدَى النبيُّ ﷺ رَجُلًا مِنْ المسْلِمِين برَجُلَيْن مِنْ المشْرِكِين. (٣٣٤١) قال: وإنْ أسْلَمُوا بعد الإسارِ رَقُّوا، وإنْ أسْلَمُوا قبل الإسارِ فهم أحْرارٌ. (٣٣٤٢) وإذا الْتَقَوْا والعَدُوَّ فلا يُوَلُّوهُم الأدْبارَ، قال ابنُ عبّاسٍ: «مَنْ فَرَّ مِنْ ثلاثةٍ فلم يَفِرَّ، ومَن فَرَّ مِنْ اثْنَيْنِ فقد فَرَّ»، قال الشافعي: وهذا مِثلُ مَعْنَى التَّنْزِيلِ (٥)، فإذا فَرَّ الواحِدُ مِنْ الاثْنَيْن فأقَلَّ، إلّا مُتَحَرِّفًا لقِتالٍ،

стр. 1587

أو مُتَحَيِّزًا إلى فِئةٍ مِنْ المسْلِمِين، قَلَّتْ أو كَثُرَتْ، بحَضْرَتِه أو مُنْتَئِيَةً عنه (١) .. فسَواءٌ، ونِيَّتُه في التَّحَرُّفِ والتَّحَيُّزِ ليَعُودَ للقِتالِ المسْتَثْنَى المخْرِجِ مِنْ سَخَطِ اللهِ، وإنْ كان هَرَبُه على غَيْرِ هذا المعْنَى خِفْتُ عليه - إلّا أن يَعْفُوَ اللهُ - أن يَكُونَ قَدْ باءَ بسَخَطٍ مِنْ اللهِ. (٣٣٤٣) ونَصَبَ رسولُ الله ﷺ على أهْلِ الطّائِفِ مَنْجَنِيقًا أو عَرّادَةً، ونَحْنُ نَعْلَمُ أنّ فيهم النّساءَ والوِلْدانَ، وقَطَعَ أمْوالَ بني النَّضِيرِ وحَرَّقَها، وشَنَّ الغارَةَ على بَنِي المصْطَلِق غارِّين، وأمَرَ بالبَياتِ والتَّحْرِيقِ، وقَطَعَ بخَيْبَرَ - وهي بعد النَّضِيرِ - وبالطّائِفِ - وهي آخِرُ غَزاةٍ غَزاها ﷺ قَطُّ لَقِيَ فيها قِتالًا - قال الشافعي: فبِهَذا كُلِّه أقُولُ، وما أصِيبَ بذلك مِنْ النِّساءِ والوِلْدانِ فلا بَأسَ؛ لأنّه على غَيْرِ عَمْدٍ. (٣٣٤٤) فإن كان في دارِهِم أُسارَى مُسْلِمُون أو مُسْتَأمِنُون .. كَرِهْتُ النَّصْبَ عليهم بما يَعُمُّ مِنْ التَّحْرِيقِ والتَّغْرِيقِ احْتِياطًا، غَيْرَ مُحَرِّمٍ له تَحْرِيمًا بَيِّنًا، وذلك أنّ الدَّارَ إذا كانَتْ مُباحَةً، فلا يَبِينُ أن يُحَرَّمَ بأن يَكُونَ فيها مُسْلِمٌ يَحْرُمُ دَمُه. (٣٣٤٥) ولكن لو التَحَمُوا فكانَ يَنْكَأُ مَنْ التَحَمَهُم أن يَفْعَلُوا ذلك، رَأيْتُ لهم أن يَفْعَلُوه، وكانُوا مأجُورِينَ؛ لأمْرَيْنِ: أحَدُهما - الدَّفْعُ عن أنْفُسِهم، والآخَرُ - نِكايَةُ عَدُوِّهِم، ولو كانُوا غَيْرَ مُلْتَحِمِين فتَتَرَّسُوا بأطْفالهم .. فقد قيل: يضْرِبُ المتَتَرِّسَ (٢)، ولا يَعْمِدُ الطِّفْلَ، وقد قيل: يَكُفُّ (٣).

стр. 1588

(٣٣٤٦) قال: ولو تَتَرَّسُوا بمُسْلِمٍ .. رَأيْتُ أن يَكُفَّ، إلّا أن يَكُونُوا مُلْتَحِمِين، فيَضْرِبَ المشْرِكَ، ويَتَوَقَّى المسْلِمَ جُهْدَه، فإنْ أصابَ في هذا الحالِ مُسْلِمًا .. قال في «كتاب حكم أهل الكتاب»: أعْتَقَ رَقَبَةً، وقال في موضع آخر من هذا الكتاب: إن كان عَلِمَه مُسْلِمًا فالدِّيَةُ مع الرَّقَبَةِ. قال المزني: [ليس هذا عندي بمُخْتَلِفٍ، ولكنّه يَقُولُ: إذا قَتَلَه مع العِلْمِ بأنّه مُحَرَّمُ الدَّمِ فدِيَةٌ مع الرَّقَبَةِ (١)، وإذا ارْتَفَعَ العِلْمُ فالرَّقَبَةُ دُون الدِّيَةِ، [قال: وكذلك قال الشافعي (٢): «لو رَمَى في دارِ الحَرْبِ فأصاب مُسْتأمِنًا ولم يَقْصِدْه .. فليس عليه إلّا رَقَبَةٌ، ولو كان عَلِمَ مَكانَه ثُمّ رَماه غَيْرَ مُضْطَرٍّ إلى الرَّمْيِ .. فعليه رَقَبَةٌ ودِيَةٌ» (٣). (٣٣٤٧) قال الشافعي: ولو أدْرَكُونا وفي أيْدِينا خَيْلُهم وماشِيَتُهم .. لم يَحِلَّ قَتْلُ شَيْءٍ منها ولا عَقْرُه، إلّا أن يُذْبَحَ لمأكَلِه، ولو جاز ذلك لغَيْظِهِم بقَتْلِهِم طَلَبْنا غَيْظَهُم بقَتْلِ أطْفالهم، ولكن لو قاتَلُونا على خَيْلِهِم فوَجَدْنا السَّبِيلَ إلى قَتْلِهِم بأن نَعْقِرَ بهم فَعَلْنا؛ لأنّها تَحْتَهُم أداةٌ لقَتْلِنا، وقد عَقَرَ حَنْظَلَةُ بنُ الرّاهِبِ بأبي سُفْيان بنِ حَرْبٍ يَوْمَ أحُدٍ، فاكْتَسَعَتْ به فَرَسُه، فسَقَطَ عنها، فجَلَسَ على صَدْرِه ليَذْبَحَه، فرآه ابْنُ شَعُوبٍ فرَجَعَ إليه فقَتَلَه، واسْتَنْقَذَ أبا سُفْيانَ مِنْ تَحْتِه (٤).

стр. 1589

(٣٣٤٨) وقال في «كتاب حكم أهل الكتاب»: وإنّما تَرَكْنا قَتْلَ الرُّهْبانِ اتِّباعًا لأبي بكرٍ، وقال في «كتاب السير»: ويُقْتَلُ الشُّيُوخُ والأُجَراءُ والرُّهْبانُ، قُتِلَ دُرَيْدُ بنُ الصِّمَّةِ مِنْ خَمْسٍ أو خَمْسِين ومائةِ سَنَةٍ - شَكَّ المزنيُّ (١) - في شِجارٍ لا يَسْتَطِيعُ الجُلُوسَ (٢)، فذُكِرَ ذلك للنَّبِيّ ﷺ فلم يُنْكِرْ قَتْلَه، قال: ورُهْبانُ الدِّياراتِ والصَّوامَعِ والمساكِنِ سَوَاءٌ (٣)، ولو ثَبَتَ عن أبي بَكْرٍ الصديقِ خِلافُ هذا لأشْبَه أن يَكُونَ أمَرَهُم بالجِدِّ على قِتالِ مَنْ يُقاتِلُهُم، ولا يَتَشاغَلُوا بالمقامِ على الصَّوامِع عن الحَرْبِ كالحُصُونِ، ولا يَشْتَغِلُون بالمقامِ بها ليَسْتَحِقَّ النِّكايَةَ بالعَدُوِّ، ولَيْسَ أنّ قِتالَ أهْلِ الحُصُونِ حَرامٌ، وكما رُوِيَ عنه أنّه نَهَى عن قَطْعِ الشَّجَرِ المثْمِرِ؛ لأنّه قد حَضَرَ رسولَ الله ﷺ يَقْطَعُ الشَّجَرَ المثْمِرَ على بني النَّضِيرِ، وعَلِمَ أنّ رسولَ الله ﷺ قد وَعَدَهُم بفَتْحِ الشّامِ، فتَرَكَ قَطْعَه؛ لتَبْقَى لهم مَنْفَعَتُه، إذْ كان واسِعًا لهم تَرْكُ قَطْعِه. قال المزني: هذا أوْلَى القَوْلَيْن عندي (٤) بالحقِّ؛ لأنَّ كُفْرَ جَمِيعِهم

стр. 1590

واحِدٌ، فكذلك حِلُّ سَفْكِ دِمائِهم بالكُفْرِ في القِياسِ واحِدٌ (١). (٣٣٤٩) قال الشافعي: فإذا أمَّنَهُم مُسْلِمٌ حُرٌّ بالِغٌ، أو عَبْدٌ يُقاتِلُ أو لا يُقاتِلُ، أو امْرَأةٌ .. فالأمانُ جائزٌ، قال رسولُ الله: «المسْلِمُون يَدٌ على مَنْ سِواهُم، يَسْعَى بذِمَّتِهِم أدْناهُمْ» (٢). (٣٣٥٠) ولو خَرَجُوا إلَيْنا بأمانِ صَبِيٍّ أو مَعْتُوهٍ .. كان عَلَيْنا رَدُّهُم إلى مَأمَنِهم؛ لأنّهم لا يَعْرِفُون مَنْ يَجُوزُ أمانُه لهم ومَن لا يَجُوزُ. (٣٣٥١) ولو أنّ عِلْجًا دَلَّ المسْلِمِين على قَلْعَةٍ على أنّ له جارِيَةً سَمّاها، فلمّا انْتَهَوْا إليها صالَحُوا صاحِبَ القَلْعَةِ على أن يَفْتَحَها لهم ويُخَلُّوا بَيْنَه وبَيْنَ أهْلِه، ففَعَلَ، فإذا أهْلُه تِلْكَ الجاريةُ .. فأرَى أن يُقالَ للدَّلِيلِ: إن رَضِيتَ العِوَضَ عَوَّضْناك قِيمَتَها، وإنْ أبَيْتَ قيل لصاحِبِ القَلْعَةِ: أعْطَيْناك ما صالحْنا عليه غَيْرَكَ بجَهَالَةٍ، فإنْ سَلَّمْتَها عَوَّضْناك، وإن لم تَفْعَلْ نَبَذْنا إلَيْكَ وقاتَلْناك، فإن كانَتْ أسْلَمَتْ قبل الظَّفَرِ أو ماتَتْ .. عُوِّضَ، ولا يَبِينُ ذلك في الموْتِ كما يَبِينُ إذا أسْلَمَتْ (٣). (٣٣٥٢) وإنْ غَزَتْ طائفةٌ بغَيْرِ أمْرِ الإمامِ كَرِهْتُه؛ لِما في إذْنِ الإمامِ

стр. 1591

مِنْ مَعْرِفَتِه بغَزْوِهِم ومَسْألَتِه، ويَأثِرُ الخَبَرَ (١) عنهم فيُغِيثُهم حيثُ يُخافُ هَلاكُهُم فيُقْتَلُون ضَيْعَةً، قال: ولا أعْلَمُ ذلك يَحْرُمُ عليهم، وذلك أنّ رسولَ الله ﷺ ذَكَرَ الجنَّةَ، فقال له رَجُلٌ مِنْ الأنْصارِ: إنْ قُتِلْتُ يا رسولَ الله صابِرًا مُحْتَسِبًا؟ قال: «فلك الجنَّةُ»، قال: فانْغَمَسَ في العَدُوِّ فقَتَلُوه (٢)، [وألْقَى رجلٌ مِنْ الأنْصارِ دِرْعًا كان عليه حين ذَكَرَ النبيُّ ﷺ الجنَّةَ، ثُمّ انْغَمَسَ في القَوْمِ فقَتَلُوه (٣) بين يَدَيْ رسولِ الله، قال الشافعي: فإذا حَلَّ للمُنْفَرِدِ أن يَتَقَدَّمَ على ما الأغْلَبُ أنّهم يَقْتُلُونَه، كان هذا أكْثَرُ ما في الانْفِرادِ مِنْ الرَّجُلِ والرِّجالِ بغَيْرِ إذْنِ الإمامِ، وبَعَثَ رسولُ الله ﷺ عَمْرَو بنَ أمَيَّةَ الضَّمْرِيّ ورَجُلًا مِنْ الأنصارِ سَرِيَّةً وَحْدَهما، وبَعَثَ عبدَالله بنَ أُنَيسٍ سَرِيَّةً وحْدَه، فإذا سَنَّ رسولُ الله ﷺ أن يَتَسَرَّى واحِدٌ ليُصِيبَ غِرَّةً ويَسْلَمَ بالحِيلَةِ أو يُقْتَلَ في سبيلِ الله، فحُكْمُ اللهِ أنّ ما أوْجَفَ المسلمون عليه غَنِيمَةٌ. (٣٣٥٣) ومَن سَرَقَ مِنْ الغَنِيمَةِ مِنْ حُرٍّ أو عَبْدٍ حَضَرَ الغَنِيمَةَ .. لم يُقْطَعْ؛ لأنّ للحُرِّ سَهْمًا، ويُرْضَخُ للعَبْدِ، ومَن سَرَقَ مِنْ الغَنِيمَةِ وفي أهْلِها أبُوه أو ابْنُه .. لم يُقْطَعْ، وإنْ كان أخُوه أو امْرَأتُه .. قُطِعَ. قال المزني: وقال في «كتاب السرقة» [ف: ٣٢٦٥]: «إنْ سَرَقَ مِنْ امْرأتِه لم يُقْطَعْ» (٤).

стр. 1592

(٣٣٥٤) قال الشافعي: وما افْتُتِحَ مِنْ أرْضٍ مَواتٍ، فهي لمن أحْياها مِنْ المسْلِمِين. (٣٣٥٥) وما فَعَلَ المسْلِمُون بَعْضُهم ببَعْضٍ في دارِ الحَرْبِ، لَزِمَهم حُكْمُه حيثُ كانُوا إذا جُعِلَ ذلك لإمامِهِم، لا تَضَعُ الدّارُ عنهم حَدًّا لله ولا حَقًّا لمسْلِمٍ، وقال في «كتاب السير»: يُؤخَّرُ الحُكْمُ عليهم حتّى يَرْجِعَ مِنْ دارِ الحَرْبِ (١). (٣٣٥٦) قال الشافعي: ولا أعْلَمُ أحَدًا مِنْ المشْرِكِين لم تَبْلُغْه الدَّعْوَةُ اليَوْمَ، إلّا أن يَكُونَ خَلْفَ الذين يُقاتِلُوننا أمَّةٌ مِنْ المشْرِكِين خَلْفَ الخَزَرِ والتُّرْكِ لم تَبْلُغْهُم الدَّعْوَةُ، فلا يُقاتَلُون حتّى يُدْعَوْا إلى الإيمانِ، فإنْ قُتِلَ منهم أحَدٌ قبل ذلك فعلى مَنْ قَتَلَه الدِّيَةُ.

стр. 1593

(٣٤٢) باب ما أحرز المشركون من المسلمين (٣٣٥٧) قال الشافعي: لا يَمْلِكُ المشْرِكُون ما أحْرَزُوه على المسْلِمِين بحالٍ، أباح اللهُ لأهْلِ دِينِه مِلْكَ أحْرارِهِم ونِسائِهم وذَرارِيِّهم وأمْوالِهِم، فلا يُساوُوا (١) المسْلِمِين في شَيْءٍ مِنْ ذلك أبَدًا، قد أحْرَزُوا ناقَةَ النبيِّ ﵇ وأحْرَزَتْها منهم الأنْصارِيَّةُ، فلم يَجْعَلْ لها النبيُّ شَيْئًا وجَعَلَها على أصْلِ مِلْكِه فيها، وأبَقَ لابْنِ عُمَرَ عَبْدٌ وعارَ له فَرَسٌ (٢) فأحْرَزَهما المشْرِكُون، ثُمّ أحْرَزَهما عليهم المسْلِمُون فرُدَّا عليه، وقال أبو بكرٍ الصديقُ: «مالِكُه أحَقُّ به قَبْلَ القَسْمِ وبعده»، قال: ولا أعْلَمُ أحَدًا خالَفَ في أنّ المشْرِكِين إذا أحْرَزُوا عَبْدًا لِرَجُلٍ، فأدْرَكَه وقد أوْجَفَ عليه قَبْلَ القَسْمِ أنّه لمالِكِه بلا قِيمَةٍ، ثُمّ اخْتَلَفُوا بعدما يَقَعُ في المقاسِمِ، فقال منهم قائلٌ بقَوْلِنا، وعلى الإمامِ أن يُعَوِّضَ مَنْ صار في سَهْمِه مِثْلَ سَهْمِه مِنْ خُمُسِ الخُمُسِ، وهو سَهْمُ النَّبِيِّ ﷺ ، وهذا يُوافِقُ الكِتابَ والسُّنَّةَ والإجماعَ، وقال غَيْرُنا: هو أحَقُّ به بالقِيمَةِ إنْ شاء، ولا يَخْلُو مِنْ أن يَكُونَ مالَ مُسْلِمٍ فلا يَغْنَمُ، أو مالَ

стр. 1594

مُشْرِكٍ فيَغْنَمُ فلا يَكُونُ لرَبِّه فيه حَقٌّ، ومَن زَعَمَ أنّهم لا يَمْلِكُون الحُرَّ ولا المكاتَبَ ولا أمَّ الوَلَدِ ولا المدَبَّرَ ويَمْلِكُون مَنْ سِواهُم .. فإنّما يَتَحَكَّمُ. (٣٣٥٨) قال الشافعي: وإذا دَخَلَ الحَرْبِيُّ إلينا بأمانٍ، فأوْدَعَ وباعَ وتَرَكَ مالًا، ثُمّ قُتِلَ بدارِ الحَرْبِ .. فجَمِيعُ مالِه مَغْنُومٌ. وقال في «كتاب المكاتب»: «مَرْدُودٌ إلى وَرَثَتِه؛ لأنّه مالٌ له أمانٌ»، قال المزني: هذا عندي (١) أصَحُّ؛ لأنّه إذا كان حَيًّا لا يَغْنَمُ مالَه في دارِ الإسلامِ؛ لأنّه مالٌ له أمانٌ، فوارِثُه فيه بمَثابَتِه (٢). (٣٣٥٩) قال الشافعي: ومَن خَرَجَ إلَيْنا منهم مُسْلِمًا، أحْرَزَ مالَه وصِغارَ وَلَدِه، حَصَرَ النبيُّ ﷺ بني قُرَيْظَةَ، فأسْلَمَ ابْنا سَعْيَة، فأحْرَزَ لهما إسْلامُهما أمْوالَهما وأوْلادَهما الصِّغارَ، قال: وسَواءٌ الأَرَضُون وغَيْرُها. (٣٣٦٠) ولو دَخَلَ مُسْلِمٌ فاشْتَرَى منهم دارًا أو أرْضًا أو غَيْرَهما، ثُمّ ظَهَرَ على الدّارِ، كان للمُشْتَرِي، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: الأرْضُ والدَّارُ فَيْءٌ، والرَّقِيقُ والمتاعُ للمُشْتَرِي. (٣٣٦١) قال الأوزاعي: فَتَحَ رسولُ الله ﷺ مَكَّةَ عَنْوَةً فخَلَّى بين المهاجِرِين وأَرَضِيهم ودِيارِهم، قال أبو يوسف: لأنّه عَفا عنهم، ودَخَلَها عَنْوَةً، وليس النبيُّ ﷺ في هذا كغَيْرِه (٣)، قال الشافعي: ما دَخَلَها رسولُ الله ﷺ عَنْوَةً، وما دَخَلَها إلّا صُلْحًا، والذين قاتَلُوا وأذِنَ في قِتالِهِم (٤) بنو نُفاثَةَ قَتَلَةُ خُزاعَةَ، وليس لهم بمَكَّةَ دارٌ، إنّما هَرَبُوا إليها، فأمّا

стр. 1595

غَيْرُهم ممّن دَفَعَ .. فادَّعَوْا أنّ خالِدًا بَدَأهُم بالقِتالِ ولم يُنَفِّذْ لهم الأمانَ، وادَّعَى خالدٌ أنّهم بَدَؤوه ثُمّ أسْلَمُوا قبل أن يَظْهَرَ لهم على شَيْءٍ (١)، ومَن لم يُسْلِمْ صار إلى قَبُولِ الأمانِ بما تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِه ﵇: «مَنْ ألْقَى السِّلاحَ فهو آمِنٌ، ومَن دَخَلَ دارَه فهو آمِنٌ»، فمالُ مَنْ يَغْنَمُ؟ وما يُقْتَدَى إلّا بما صَنَعَ النبيُّ ﷺ ، وما كان له خاصًّا فمُبَيَّنٌ في الكتابِ والسُّنَّةِ، وكيف يَجُوزُ قَوْلُهُما بجَعْلِ بَعْضِ مالِ مُسْلِمٍ فَيْئًا، وبَعْضِه غَيْرَ فَيْءٍ؟ أمْ كيف يُغْنَمُ مالُ مُسْلِمٍ بحالٍ؟ (٢).

стр. 1596

(٣٤٣) باب وقوع الرجل على الجارية قبل القسم أو يكون له فيهم أب أو ابن، وحكم السبي (٣٣٦٢) قال الشافعي: إن وَقَعَ على جارِيَةٍ مِنْ المغْنَمِ قَبْلَ القَسْمِ .. فعليه مَهْرُ مِثْلِها، يُؤدِّيه في المغْنَمِ، ويُنْهَى إنْ جَهِلَ، ويُعَزَّرُ إنْ عَلِمَ، ولا حَدَّ للشُّبْهَةِ؛ لأنّ له فيها شَيْئًا، وإنْ أحْصَوُا المغْنَمَ فعُلِمَ كم حَقُّه منها مع جماعةِ أهْلِ المغْنَمِ .. سَقَطَ عنه بقَدْرِ حِصَّتِه منها، وإنْ حَمَلَتْ .. فهكذا، وتُقَوَّمُ عليه إنْ كان حَمْلٌ، وكانَتْ له أمَّ وَلَدٍ. (٣٣٦٣) وإنْ كان في السَّبْيِ ابْنٌ أو أبٌ لرَجُلٍ لم يَعْتِقْ عليه حتّى يَقْتَسِمَه، وإنّما يَعْتِقُ عليه مَنْ اجْتَلَبَه شِراءً أو هِبَةً، وهو لو تَرَكَ حَقَّه مِنْ مَغْنَمٍ، لم يَعْتِقْ عليه حتّى يُقْسَمَ. قال المزني: فإذا كان فيهم ابْنُه فلم يَعْتِقْ منه عليه نَصِيبُه قَبْلَ القَسْمِ، كانَت الأمَةُ تَحْمِلُ منه مِنْ أنْ تكُونَ له أمَّ وَلَدٍ أبْعَدَ (١).

стр. 1597

(٣٣٦٤) قال الشافعي: ومَن سُبِيَ منهم مِنْ الحرائِرِ فقد رَقَّ وبانَتْ مِنْ الزَّوْجِ، كان مَعَها أو لم يَكُنْ، سَبَى النَّبِيُّ ﷺ أوطاسَ وبني المصْطَلِقِ، رِجالَهُم ونِساءَهُم جميعًا، فقَسَمَ السَّبْيَ، وأمَرَ أن لا تُوطَأَ حامِلٌ حتّى تَضَعَ، ولا حائلٌ حتّى تَحِيضَ، ولم يَسْألْ عن ذاتِ زَوْجٍ ولا غَيْرِها، ولَيْسَ قَطْعُ العِصْمَةِ بَيْنَهُنّ وبين أزْواجِهِنّ بأكْثَرَ مِنْ اسْتِيمائِهنّ. (٣٣٦٥) ولا يُفَرَّقُ بينها وبين وَلَدِها حتّى يَبْلُغَ سَبْعَ سنين أو ثمانِ سِنِين، وهو عندنا اسْتِغْناءُ الوَلَدِ عنها، وكذلك وَلَدُ الوَلَدِ، فأمّا الأخَوان فيُفَرَّقُ بينهما. (٣٣٦٦) ولنا بَيْعُ أوْلادِ المشْرِكِين مِنْ المشْرِكِين بعد مَوْتِ أمّهاتِهِم، إلّا أن يَبْلُغُوا فيَصِفُوا الإسْلامَ. قال المزني: ومِن قَوْلِه: «إذا سُبِيَ الطِّفْلُ وليس معه أبواه ولا أحَدُهما أنّه مُسْلِمٌ، وإذا سُبِيَ ومعه أحَدُهما فعلى دِينِهما»، فمَعْنَى هذه المسألةِ في قَوْلِه: أن يَكُونَ سَبْيُ الأطْفالِ مع أمّهاتِهم، فثَبَتَ في الإسلامِ حُكْمُ أمَّهاتِهم، ولا يُوجِبُ إسْلامَهُم مَوْتُ أمّهاتِهم (١). (٣٣٦٧) قال الشافعي: ومَن يَعْتِقُ منهم، فلا يُورَّثُ حميلٌ إلّا أن تَقُومَ بنَسَبِه بَيِّنَةٌ مِنْ المسْلِمِين (٢).

стр. 1598

(٣٤٤) باب المبارزة (٣٣٦٨) قال الشافعي: ولا بَأسَ بالمبارَزَةِ، قد بارز يَوْمَ بَدْرٍ عُبَيْدَةُ بنُ الحارِثِ وحَمْزَةُ بنُ عبدِالمطّلِبِ وعليٌّ بأمْرِ النبيِّ ﷺ ، وبارز محمّدُ بنُ مَسْلَمَةَ مَرْحَبًا يَوْمَ خَيْبَرَ بأمْرِ النبيّ ﷺ ، وبارَزَ يَوْمَئِذٍ الزُّبَيْرُ بن العوّام ياسِرًا، وعلي بن أبي طالبٍ يَوْمَ الخنْدَقِ عَمْرَو بْنَ عَبْدِ وُدٍّ. (٣٣٦٩) قال الشافعي: فإن بارَزَ مُسْلِمٌ مُشْرِكًا، أو مُشْرِكٌ مُسْلِمًا، على أن لا يُقاتِلَه غَيْرُه .. وُفِّيَ بذلك له، فإن وَلَّى عنه المسْلِمُ أو جَرَحَه فأثْخَنَه (١) فلهم أن يَحْمِلُوا عليه ويَقْتُلُوه؛ لأنّ قِتالَهُما قد انْقَضَى، ولا أمانَ له عليهم، إلّا أن يَكُونَ شَرَطَ أنّه آمِنٌ حتّى يَرْجِعَ إلى مَخْرَجِه مِنْ الصَّفِّ، فلا يَكُونُ لهم قَتْلُه، ولهم دَفْعُه واسْتِنْقاذُ المسْلِمِ منه، فإن امْتَنَعَ وعَرَضَ دُونَهم يُقاتِلُهم (٢) قاتَلُوه؛ لأنّه نَقَضَ أمانَ نَفْسِه، أعان حَمْزَةُ وعليٌّ على عُتْبَةَ بعد أن لم يَكُنْ في عُبَيْدَةَ قِتالٌ، ولم يَكُنْ لعُتْبَةَ أمانٌ يَكُفُّونَ به عنه. (٣٣٧٠) ولو أعان المشركون صاحِبَهم كان حَقًّا على المسلمين أن يُعِينُوا صاحِبَهم ويَقْتُلُوا مَنْ أعان عليه، ولا يَقْتُلُون المبارِزَ ما لم يَكُنْ اسْتَنْجَدَهم (٣).

стр. 1599

(٣٤٥) باب فتح السواد، وحكمِ ما يُوقِفُه الإمام من الأرض للمسلمين (٣٣٧١) قال الشافعي: ولا أعْرِفُ ما أقُولُ في أرْضِ السَّوادِ إلّا بظَنٍّ مَقْرُونٍ إلى عِلْمٍ، وذلك أنّي وَجَدْتُ أصَحَّ حَدِيثٍ يَرْوِيه الكُوفِيُّون عندهم في السَّوادِ ليس فيه بَيانٌ، ووَجَدْتُ أحادِيثَ مِنْ أحادِيثِهم مخْتَلِفَةً (١)، منها أنّهم يَقُولون: إنّ السَّوادَ صُلْحٌ، ويَقُولون: السَّوادُ عَنْوَةٌ، ويَقُولون: بَعْضُه صُلْحٌ وبَعْضُه عَنْوَةٌ، ويَقُولون: إنّ جَرِير البَجَلِيّ، وهذا أثْبَتُ حديثٍ عندهم فيه (٢)، قال الشافعي: أخبرنا الثِّقَةُ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير، قال: «كانت بَجِيلَةُ رُبُعَ النّاسِ، فقُسِمَ لهم رُبُعُ السَّوادِ، فاسْتَغَلُّوه ثلاث أو أرْبَعَ سِنِينَ - قال الشافعي: أنا شَكَكْتُ (٣) -، قال: ثُمّ قَدِمْتُ على عُمَرَ بنِ الخطابِ ومَعِي فُلانَةُ بِنْتُ فلانٍ - امْرَأةٌ منهم قد سَمّاها فلم يَحْضُرْنِي ذِكْرُ اسْمِها - فقال عمرُ: لولا أنّي قاسِمٌ مَسْؤولٌ لتَرَكْتُكُمْ على ما قُسِمَ لكم، ولكنْ أرَى أن تَرَادُّوا على النّاسِ» (٤)، قال الشافعي: وكان في حَدِيثِه: «وعاضَنِي مِنْ حَقِّي نَيِّفًا وثمانين دِينارًا»، وكان في حَدِيثِه: «فقالَتْ فُلانةُ: قد شَهِدَ أبي القادِسِيَّةَ وثَبَتَ سَهْمُه ولا أسَلِّمُه

стр. 1600

حتّى تُعْطِيَني كذا وكذا، فأعْطاها إيّاه»، قال الشافعي: ففي هذا الحديثِ دَلالَةٌ إذْ أعْطَى جَرِيرًا عِوَضًا مِنْ سَهْمِه والمرْأةَ عِوَضًا مِنْ سَهْمِ أبِيها على أنّه اسْتَطَابَ أنْفُسَ الذين أوْجَفُوا عليه، فتَرَكُوا حُقُوقَهم منه، فجَعَلُوه وَقْفًا للمسلمين، وقد سَبَى النبيُّ ﷺ هَوازِنَ، وقَسَمَ الأرْبَعَةَ الأخْماسَ بين الموجِفِين، ثُمّ جاءَتْه وُفُودُ هَوازِنَ المسْلِمِين (١)، فسَألُوه أن يَمُنّ بأن يَرُدَّ عليهم ما أخَذُوا منهم، فخَيَّرَهُم النبيُّ ﷺ بَيْنَ الأمْوالِ والسَّبْيِ، فقالوا: خَيَّرْتَنا بَيْنَ أحْسابِنا وأمْوالِنا (٢)، فنَخْتارُ أحْسابَنا، فتَرَكَ النبيُّ ﷺ حَقَّه وحَقَّ أهْلِ بَيْتِه، فسَمِعَ بذلك المهاجرون فتَرَكُوا له حُقُوقَهُم (٣)، وسَمِعَ بذلك الأنصارُ فتَرَكُوا له حُقُوقَهُم، ثُمّ بَقِيَ قَوْمٌ مِنْ المهاجرين الآخَرِين، فأمَرَ فعَرَّفَ على كُلِّ عَشَرَةٍ واحِدًا، ثُمّ قال: ائتُونِي بطِيبِ أنْفُسِ مَنْ بَقِيَ، فمَن كَرِهَ فله عليَّ كذا وكذا مِنْ الإبِلِ إلى وَقْتٍ ذَكَرَه، فجاؤوه بطِيبِ أنْفُسِهِم إلّا الأقْرَعَ بنَ حابِسٍ وعُيَيْنَةَ بنَ بدرٍ؛ فإنّهما أبَيَا ليُعَيِّرا هَوازنَ، فلم يُكْرِهْهُما رسولُ الله ﷺ على ذلك، حتّى كانا هُما اللَّذَان تَرَكَا بأنْ خُدِعَ عُيَيْنَةُ عن

стр. 1601

حَقِّه، وسَلَّم لهم النبيُّ ﷺ مَنْ طاب نَفْسًا عن حَقِّه، وهذا أوْلَى الأمْرَيْن عندنا بعُمَرَ في السَّوادِ وفُتُوحِه؛ إنْ كانَتْ عَنْوَةً لا يَنْبَغِي أن تَكُونَ قُسِمَتْ إلّا عن أمْرِ عُمَرَ؛ لكِبَرِ قَدْرِه، ولو تُفُوِّتَ عليه فيه ما انْبَغَى أن يَغِيبَ عنه قَسْمُه في ثلاثِ سِنِينَ، ولو كان القَسْمُ ليس لمن قُسِمَ لهم ما كان له منه عِوَضٌ، ولكان عليهم أن يَرُدُّوا الغَلَّةَ، والله أعْلَمُ كيف كان، وهكذا صَنَعَ رسولُ الله في خَيْبَرَ وبني قُرَيْظَةَ لمن أوْجَفَ عليها أرْبَعَةُ أخْماسٍ، والخُمُسُ لأهْلِه، فمَن طابَ نَفْسًا عن حَقِّه .. فجائزٌ للإمامِ نَظَرًا للمُسْلِمِين أن يَجْعَلَها وَقْفًا عليهم، تُقْسَمُ غَلَّتُه فيهم على أهْلِ الفَيْءِ والصَّدَقةِ وحَيْثُ يَرَى الإمامُ، ومَن لم يَطِبْ نَفْسًا فهو أحَقُّ بمالِه. (٣٣٧٢) قال: وأيُّ أرْضٍ فُتِحَتْ صُلْحًا على أنّ أرْضَها لأهْلِها ويُؤدُّون فيها خَراجًا .. فلَيْسَ لأحَدٍ أخْذُها مِنْ أيْدِيهم، وما أخِذَ مِنْ خَراجِها فهو لأهْلِ الفَيْءِ دُون أهْلِ الصَّدقاتِ؛ لأنّه فَيْءٌ مِنْ مالِ مُشْرِكٍ، وإنّما فَرْقُ بينِ هذه المسألةِ والمسألةِ قَبْلَها: أنّ ذلك وإنْ كان مِنْ مُشْرِكٍ فقد مَلَكَ المسْلِمُون رَقَبَةَ الأرْضِ، فلَيْسَ بحَرامٍ أن يَأخُذَ منه صاحِبُ صَدَقَةٍ ولا صاحِبُ فَيْءٍ ولا غَنِيٌّ ولا فَقِيرٌ؛ لأنّه كالصَّدَقَةِ الموْقُوفَةِ يَأخُذُها مَنْ وُقِفَتْ عليه. (٣٣٧٣) ولا بَأسَ أن يَكْتَرِيَ المسْلِمُ مِنْ أرْضِ الصُّلْحِ كما يَكْتَرِي دَوابَّهم، والحديثُ الذي جاء عن رسولِ الله: «لا يَنْبَغِي لمسْلِمٍ أن يُؤدِّيَ الخَرَاجَ، ولا لمشْرِكٍ أن يَدْخُلَ المسْجِدَ الحرامَ» .. إنّما هو خَراجُ الجِزْيَةِ، وهذا كِراءٌ.

стр. 1602

(٣٤٦) باب الأسير يؤخذ عليه العهد أن لا يهرب، أو على الفداء (٣٣٧٤) قال الشافعي: وإذا أسِرَ المسْلِمُ، فأحْلَفَه المشْرِكُون على أن لا يَخْرُجَ مِنْ بِلادِهم، على أن يُخَلُّوه .. فله أن يَخْرُجَ، لا يَسَعُه أن يُقِيمَ، ويَمِينُه يَمْينُ مُكْرَهٍ، وليس له أن يَغْتالَهُم في أمْوالِهِم وأنْفُسِهم؛ لأنّهم إذا أمَّنُوه فهم في أمانٍ منه، ولو حَلَفَ وهو مُطْلَقٌ .. كَفَّرَ. (٣٣٧٥) ولو خَلَّوْه على فِداءٍ إلى وَقْتٍ، فإن لم يَفْعَلْ عاد إلى أسْرِهِم .. فلا يَعُودُ، ولا يَدَعُه الإمامُ أن يَعُودَ، ولو امْتَنَعُوا مِنْ تَخْلِيَتِه إلّا على مالٍ يُعْطِيهِمُوه .. فلا يُعْطِيهِم منه شَيْئًا؛ لأنّه مالٌ أكْرَهُوه على دَفْعِه بغَيْرِ حَقٍّ، ولو أعْطاهُمُوه على شَيْءٍ أخَذَه منهم .. لم يَحِلَّ له إلّا أداؤُه إليهم، إنّما أطْرَحُ عنه ما اسْتُكْرِهَ عليه. (٣٣٧٦) قال: وإذا قُدِّمَ ليُقْتَلَ، لم يَجُزْ له مِنْ مالِه إلّا الثُّلُثُ.
следующие страницы →