(٣٤٤)
باب المبارزة
(٣٣٦٨) قال الشافعي: ولا بَأسَ بالمبارَزَةِ، قد بارز يَوْمَ بَدْرٍ عُبَيْدَةُ بنُ الحارِثِ وحَمْزَةُ بنُ عبدِالمطّلِبِ وعليٌّ بأمْرِ النبيِّ ﷺ ، وبارز محمّدُ بنُ مَسْلَمَةَ مَرْحَبًا يَوْمَ خَيْبَرَ بأمْرِ النبيّ ﷺ ، وبارَزَ يَوْمَئِذٍ الزُّبَيْرُ بن العوّام ياسِرًا، وعلي بن أبي طالبٍ يَوْمَ الخنْدَقِ عَمْرَو بْنَ عَبْدِ وُدٍّ.
(٣٣٦٩) قال الشافعي: فإن بارَزَ مُسْلِمٌ مُشْرِكًا، أو مُشْرِكٌ مُسْلِمًا، على أن لا يُقاتِلَه غَيْرُه .. وُفِّيَ بذلك له، فإن وَلَّى عنه المسْلِمُ أو جَرَحَه فأثْخَنَه (١) فلهم أن يَحْمِلُوا عليه ويَقْتُلُوه؛ لأنّ قِتالَهُما قد انْقَضَى، ولا أمانَ له عليهم، إلّا أن يَكُونَ شَرَطَ أنّه آمِنٌ حتّى يَرْجِعَ إلى مَخْرَجِه مِنْ الصَّفِّ، فلا يَكُونُ لهم قَتْلُه، ولهم دَفْعُه واسْتِنْقاذُ المسْلِمِ منه، فإن امْتَنَعَ وعَرَضَ دُونَهم يُقاتِلُهم (٢) قاتَلُوه؛ لأنّه نَقَضَ أمانَ نَفْسِه، أعان حَمْزَةُ وعليٌّ على عُتْبَةَ بعد أن لم يَكُنْ في عُبَيْدَةَ قِتالٌ، ولم يَكُنْ لعُتْبَةَ أمانٌ يَكُفُّونَ به عنه.
(٣٣٧٠) ولو أعان المشركون صاحِبَهم كان حَقًّا على المسلمين أن يُعِينُوا صاحِبَهم ويَقْتُلُوا مَنْ أعان عليه، ولا يَقْتُلُون المبارِزَ ما لم يَكُنْ اسْتَنْجَدَهم (٣).
стр. 1599
(٣٤٥)
باب فتح السواد، وحكمِ ما يُوقِفُه الإمام من الأرض للمسلمين
(٣٣٧١) قال الشافعي: ولا أعْرِفُ ما أقُولُ في أرْضِ السَّوادِ إلّا بظَنٍّ مَقْرُونٍ إلى عِلْمٍ، وذلك أنّي وَجَدْتُ أصَحَّ حَدِيثٍ يَرْوِيه الكُوفِيُّون عندهم في السَّوادِ ليس فيه بَيانٌ، ووَجَدْتُ أحادِيثَ مِنْ أحادِيثِهم مخْتَلِفَةً (١)، منها أنّهم يَقُولون: إنّ السَّوادَ صُلْحٌ، ويَقُولون: السَّوادُ عَنْوَةٌ، ويَقُولون: بَعْضُه صُلْحٌ وبَعْضُه عَنْوَةٌ، ويَقُولون: إنّ جَرِير البَجَلِيّ، وهذا أثْبَتُ حديثٍ عندهم فيه (٢)، قال الشافعي: أخبرنا الثِّقَةُ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير، قال: «كانت بَجِيلَةُ رُبُعَ النّاسِ، فقُسِمَ لهم رُبُعُ السَّوادِ، فاسْتَغَلُّوه ثلاث أو أرْبَعَ سِنِينَ - قال الشافعي: أنا شَكَكْتُ (٣) -، قال: ثُمّ قَدِمْتُ على عُمَرَ بنِ الخطابِ ومَعِي فُلانَةُ بِنْتُ فلانٍ - امْرَأةٌ منهم قد سَمّاها فلم يَحْضُرْنِي ذِكْرُ اسْمِها - فقال عمرُ: لولا أنّي قاسِمٌ مَسْؤولٌ لتَرَكْتُكُمْ على ما قُسِمَ لكم، ولكنْ أرَى أن تَرَادُّوا على النّاسِ» (٤)، قال الشافعي: وكان في حَدِيثِه: «وعاضَنِي مِنْ حَقِّي نَيِّفًا وثمانين دِينارًا»، وكان في حَدِيثِه: «فقالَتْ فُلانةُ: قد شَهِدَ أبي القادِسِيَّةَ وثَبَتَ سَهْمُه ولا أسَلِّمُه
стр. 1600
حتّى تُعْطِيَني كذا وكذا، فأعْطاها إيّاه»، قال الشافعي: ففي هذا الحديثِ دَلالَةٌ إذْ أعْطَى جَرِيرًا عِوَضًا مِنْ سَهْمِه والمرْأةَ عِوَضًا مِنْ سَهْمِ أبِيها على أنّه اسْتَطَابَ أنْفُسَ الذين أوْجَفُوا عليه، فتَرَكُوا حُقُوقَهم منه، فجَعَلُوه وَقْفًا للمسلمين، وقد سَبَى النبيُّ ﷺ هَوازِنَ، وقَسَمَ الأرْبَعَةَ الأخْماسَ بين الموجِفِين، ثُمّ جاءَتْه وُفُودُ هَوازِنَ المسْلِمِين (١)، فسَألُوه أن يَمُنّ بأن يَرُدَّ عليهم ما أخَذُوا منهم، فخَيَّرَهُم النبيُّ ﷺ بَيْنَ الأمْوالِ والسَّبْيِ، فقالوا: خَيَّرْتَنا بَيْنَ أحْسابِنا وأمْوالِنا (٢)، فنَخْتارُ أحْسابَنا، فتَرَكَ النبيُّ ﷺ حَقَّه وحَقَّ أهْلِ بَيْتِه، فسَمِعَ بذلك المهاجرون فتَرَكُوا له حُقُوقَهُم (٣)، وسَمِعَ بذلك الأنصارُ فتَرَكُوا له حُقُوقَهُم، ثُمّ بَقِيَ قَوْمٌ مِنْ المهاجرين الآخَرِين، فأمَرَ فعَرَّفَ على كُلِّ عَشَرَةٍ واحِدًا، ثُمّ قال: ائتُونِي بطِيبِ أنْفُسِ مَنْ بَقِيَ، فمَن كَرِهَ فله عليَّ كذا وكذا مِنْ الإبِلِ إلى وَقْتٍ ذَكَرَه، فجاؤوه بطِيبِ أنْفُسِهِم إلّا الأقْرَعَ بنَ حابِسٍ وعُيَيْنَةَ بنَ بدرٍ؛ فإنّهما أبَيَا ليُعَيِّرا هَوازنَ، فلم يُكْرِهْهُما رسولُ الله ﷺ على ذلك، حتّى كانا هُما اللَّذَان تَرَكَا بأنْ خُدِعَ عُيَيْنَةُ عن
стр. 1601
حَقِّه، وسَلَّم لهم النبيُّ ﷺ مَنْ طاب نَفْسًا عن حَقِّه، وهذا أوْلَى الأمْرَيْن عندنا بعُمَرَ في السَّوادِ وفُتُوحِه؛ إنْ كانَتْ عَنْوَةً لا يَنْبَغِي أن تَكُونَ قُسِمَتْ إلّا عن أمْرِ عُمَرَ؛ لكِبَرِ قَدْرِه، ولو تُفُوِّتَ عليه فيه ما انْبَغَى أن يَغِيبَ عنه قَسْمُه في ثلاثِ سِنِينَ، ولو كان القَسْمُ ليس لمن قُسِمَ لهم ما كان له منه عِوَضٌ، ولكان عليهم أن يَرُدُّوا الغَلَّةَ، والله أعْلَمُ كيف كان، وهكذا صَنَعَ رسولُ الله في خَيْبَرَ وبني قُرَيْظَةَ لمن أوْجَفَ عليها أرْبَعَةُ أخْماسٍ، والخُمُسُ لأهْلِه، فمَن طابَ نَفْسًا عن حَقِّه .. فجائزٌ للإمامِ نَظَرًا للمُسْلِمِين أن يَجْعَلَها وَقْفًا عليهم، تُقْسَمُ غَلَّتُه فيهم على أهْلِ الفَيْءِ والصَّدَقةِ وحَيْثُ يَرَى الإمامُ، ومَن لم يَطِبْ نَفْسًا فهو أحَقُّ بمالِه.
(٣٣٧٢) قال: وأيُّ أرْضٍ فُتِحَتْ صُلْحًا على أنّ أرْضَها لأهْلِها ويُؤدُّون فيها خَراجًا .. فلَيْسَ لأحَدٍ أخْذُها مِنْ أيْدِيهم، وما أخِذَ مِنْ خَراجِها فهو لأهْلِ الفَيْءِ دُون أهْلِ الصَّدقاتِ؛ لأنّه فَيْءٌ مِنْ مالِ مُشْرِكٍ، وإنّما فَرْقُ بينِ هذه المسألةِ والمسألةِ قَبْلَها: أنّ ذلك وإنْ كان مِنْ مُشْرِكٍ فقد مَلَكَ المسْلِمُون رَقَبَةَ الأرْضِ، فلَيْسَ بحَرامٍ أن يَأخُذَ منه صاحِبُ صَدَقَةٍ ولا صاحِبُ فَيْءٍ ولا غَنِيٌّ ولا فَقِيرٌ؛ لأنّه كالصَّدَقَةِ الموْقُوفَةِ يَأخُذُها مَنْ وُقِفَتْ عليه.
(٣٣٧٣) ولا بَأسَ أن يَكْتَرِيَ المسْلِمُ مِنْ أرْضِ الصُّلْحِ كما يَكْتَرِي دَوابَّهم، والحديثُ الذي جاء عن رسولِ الله: «لا يَنْبَغِي لمسْلِمٍ أن يُؤدِّيَ الخَرَاجَ، ولا لمشْرِكٍ أن يَدْخُلَ المسْجِدَ الحرامَ» .. إنّما هو خَراجُ الجِزْيَةِ، وهذا كِراءٌ.
стр. 1602
(٣٤٦)
باب الأسير يؤخذ عليه العهد أن لا يهرب، أو على الفداء
(٣٣٧٤) قال الشافعي: وإذا أسِرَ المسْلِمُ، فأحْلَفَه المشْرِكُون على أن لا يَخْرُجَ مِنْ بِلادِهم، على أن يُخَلُّوه .. فله أن يَخْرُجَ، لا يَسَعُه أن يُقِيمَ، ويَمِينُه يَمْينُ مُكْرَهٍ، وليس له أن يَغْتالَهُم في أمْوالِهِم وأنْفُسِهم؛ لأنّهم إذا أمَّنُوه فهم في أمانٍ منه، ولو حَلَفَ وهو مُطْلَقٌ .. كَفَّرَ.
(٣٣٧٥) ولو خَلَّوْه على فِداءٍ إلى وَقْتٍ، فإن لم يَفْعَلْ عاد إلى أسْرِهِم .. فلا يَعُودُ، ولا يَدَعُه الإمامُ أن يَعُودَ، ولو امْتَنَعُوا مِنْ تَخْلِيَتِه إلّا على مالٍ يُعْطِيهِمُوه .. فلا يُعْطِيهِم منه شَيْئًا؛ لأنّه مالٌ أكْرَهُوه على دَفْعِه بغَيْرِ حَقٍّ، ولو أعْطاهُمُوه على شَيْءٍ أخَذَه منهم .. لم يَحِلَّ له إلّا أداؤُه إليهم، إنّما أطْرَحُ عنه ما اسْتُكْرِهَ عليه.
(٣٣٧٦) قال: وإذا قُدِّمَ ليُقْتَلَ، لم يَجُزْ له مِنْ مالِه إلّا الثُّلُثُ.
стр. 1603
(٣٤٧)
باب إظهار دين النبي ﷺ على الأديان
من كتاب الجزية
(٣٣٧٧) قال الشافعي: قال الله ﵎: ﴿ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون﴾ [التوبة: ٣٣]، ورَوَى مُسْنَدًا أنّ رسولَ الله ﷺ قال: «إذا هَلَكَ كِسْرَى فلا كِسْرَى بَعْدَه، وإذا هَلَكَ قَيْصَرُ فلا قَيْصَرَ بَعْدَه، والذي نَفْسِي بيَدِه لتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهما في سَبِيلِ الله»، قال: ولمّا أتَى كتابُ النبيِّ ﷺ إلى كِسْرَى مَزَّقَه، فقال رسولُ الله ﷺ : «يُمَزَّقُ مُلْكُه»، قال الشافعي: وحَفِظْنا أنّ قَيْصَرَ أكْرَمَ كِتابَه ووَضَعَه في مِسْكٍ فقال النبيُّ ﵇: «ثَبَتَ مُلْكُه»، قال: ووَعَدَ رسولُ الله النّاسَ فَتْحَ فارِسَ والشَّامِ، فأغْزَى أبو بَكْرٍ الشّامَ على ثِقَةٍ مِنْ فَتْحِها لقَوْلِ النبيِّ ﷺ ، ففَتَحَ بَعْضَها، فتَمَّ فَتْحُها في زَمَنِ عُمَرَ، وفَتَحَ عُمَرُ العِراقَ وفارِسَ، قال الشافعي: فقد أظْهَرَ اللهُ دِينَ رَسُولِه على الأدْيانِ بأنْ أبانَ لكُلِّ مَنْ سَمِعَه أنّه الحقُّ، وما خالَفَه مِنْ الأدْيانِ باطِلٌ، وأظْهَرَه بأنّ جِماعَ الشِّرْكِ دِينان: دِينُ أهْلِ الكِتابِ، ودِينُ أمِّيِّينَ، فقَهَرَ رسولُ الله الأمِّيِّينَ حتّى دانُوا بالإسلامِ طَوْعًا وكَرْهًا، وقَتَلَ مِنْ أهْلِ الكِتابِ وسَبَى حتّى دان بَعْضُهم بالإسلامِ، وأعْطَى بعضٌ الجزيةَ صاغِرِين، وجَرَى عليهم حُكْمُه ﷺ ، قال: فهذا ظُهُورُه على الدِّينِ كُلِّه، قال: ويُقالُ: ويَظْهَرُ دِينُه على الأدْيانِ حتّى لا يُدانُ اللهُ إلّا به، وذلك متى شاء الله ، قال الشافعي: وكانَتْ قُرَيْشٌ تَنْتابُ الشّامَ انْتِيابًا كَثِيرًا، وكان
стр. 1604
كَثِيرٌ مِنْ مَعاشِهِم منه (١)، وتَأتِي العِراقَ، فلمّا دَخَلَتْ في الإسلامِ ذَكَرَتْ للنَّبِيّ ﷺ خَوْفَها مِنْ انْقِطاعِ مَعاشِها بالتِّجارَةِ مِنْ الشّامِ والعِراقِ، وفارَقَت الكُفْرَ ودَخَلَتْ في الإسلامِ مع خِلافِ مَلِكِ الشّامِ والعِراقِ لأهْلِ الإسْلامِ، فقال النبيُّ ﷺ : «إذا هَلَكَ كِسْرَى فلا كِسْرَى بَعْدَه»، فلم يَكُنْ بأرْضِ العِراقِ كِسْرَى ثَبَتَ له أمْرٌ بَعْدَه، وقال: «إذا هَلَكَ قَيْصَرُ فلا قَيْصَرَ بَعْدَه»، فلم يَكُنْ بأرْضِ الشّامِ قَيْصَرٌ بَعْدَه، وأجابَهُم النبيُّ ﷺ على نحو ما قالوا، وكان كما قالَ النبيُّ ﷺ ، وقَطَعَ اللهُ الأكاسِرَةَ عن العِراقِ وفارِسَ وقَيْصَرَ ومَن قام بعده بالشَّامِ، وقال في قَيْصَرَ: فثَبَتَ مُلْكُه ببلادِ الرُّومِ إلى اليَوْمِ، وتَنَحَّى مُلْكُه عن الشّامِ، وكُلُّ هذا مُتَّفِقٌ يُصَدِّقُ بَعْضُه بَعْضًا.
стр. 1605
[٥٨]
كتاب الجزية (١)
المختصر من كتاب الجامع من كتاب الجزية وما دخل فيه من «اختلاف الحديث»، وما دخل فيه من «إملاء على كتاب الواقدي في السير» (٢)، ومن «اختلاف الأوزاعي وأبي حنيفة في السير» (٣)
стр. 1606
(٣٤٨)
باب من يلحق بأهل الكتاب
(٣٣٧٨) قال الشافعي: انْتَوَتْ قَبائلُ مِنْ العَرَبِ قَبْل أن يَبْعَثَ اللهُ محمَّدًا ﷺ ويُنَزِّلَ عليه القرآنَ فدانَتْ دِينَ أهْلِ الكِتابِ (١)، فأخَذَ النبيُّ ﷺ الجِزْيَةَ مِنْ أُكَيْدِرِ دُومَةَ، وهو رَجُلٌ يُقالُ: مِنْ غَسَّانَ أو كِنْدَةَ (٢)، ومِن أهلِ ذِمَّةِ اليَمَنِ، وعامَّتُهم عَرَبٌ، ومِن أهْلِ نَجْرانَ، وفيهم عَرَبٌ، فدَلَّ ما وَصَفْتُ أنّ الجِزْيَةَ لَيْسَتْ على الأحْسابِ، وإنّما هي على الأدْيانِ.
(٣٣٧٩) وكان أهْلُ الكِتابِ المشْهُورِ عند العامَّةِ أهْلَ التَّوْراةِ مِنْ اليَهُودِ، والإنْجِيلِ مِنْ النَّصارَى، وكانُوا مِنْ بني إسْرائِيلَ، وأحَطْنا بأنّ الله ﵎ أنْزَلَ كِتابًا غَيْرَ التَّوْراةِ والإنجيلِ والفُرْقانِ؛ لقوله : ﴿أم لم ينبأ بما في صحف موسى * وإبراهيم الذي وفى﴾ [النجم: ٣٦ - ٣٧]، وقال : ﴿إنه لفي زبر الأولين﴾ [الشعراء: ١٩٦]، فأخْبَرَ أنّ له كِتابًا سِوَى هذا المشْهُورِ.
(٣٣٨٠) قال: فأمّا قَوْلُ أبي يُوسُفَ: لا تُؤخَذُ الجِزْيَةُ مِنْ العَرَبِ .. فنَحْنُ كُنّا على هذا أحْرَصَ، ولولا أن نَأثَمَ بتَمَنِّي باطِلٍ وَدِدْناه كما قال، وأن لا يَجْرِيَ على عَرِبِيٍّ صَغارٌ، ولكنَّ اللهَ تبارك اسمه أجَلُّ في أعْيُنِنا مِنْ أن نُحِبَّ غَيْرَ ما حَكَمَ به.
стр. 1607
(٣٣٨١) قال الشافعي: والمجُوسُ أهْلُ كِتابٍ دانُوا بغَيْرِ دِينِ أهْلِ الأوْثانِ (١)، وخَالفُوا اليَهُودَ والنَّصارَى في بَعْضِ دِينِهم كما خالَفَتِ اليَهُودُ والنَّصارَى في بَعْضِ دِينِهم، وكانَت المجوسُ في طَرَفٍ مِنْ الأرْضِ لا يَعْرِفُ السَّلَفُ مِنْ أهْلِ الحِجازِ مِنْ دِينِهم ما يَعْرِفُون مِنْ دِينِ اليَهُودِ والنَّصارَى، حتّى عَرَفُوه، وأنّ رَسُولَ الله ﷺ أخَذَها مِنْ مَجُوسِ أهْلِ هَجَرَ، قال عليٌّ: «هُمْ أهْلُ الكِتابِ، بَدَّلُوا فأصْبَحُوا وقد أسْرِيَ على كِتابِهم»، وأخَذَها منهم أبو بَكْرٍ وعُمَرُ.
(٣٣٨٢) قال الشافعي: والصّابِئُون والسّامِرَةُ مِثْلُهم، تُؤخَذُ مِنْ جميعِهم الجِزْيَةُ.
(٣٣٨٣) ولا تُؤخَذُ الجِزْيَةُ مِنْ أهْلِ الأوْثانِ، ولا ممَّنْ يَعْبُدُ ما اسْتَحْسَنَ مِنْ غيرِ أهْلِ الكِتابِ.
стр. 1608
(٣٤٩)
باب الجزية على أهل الذمة والضيافة وما لهم وعليهم
(٣٣٨٤) قال الشافعي: أمَرَ اللهُ ﵎ بقِتالِ المشْرِكِين مِنْ الذين أوتُوا الكِتابَ حتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عن يَدٍ وهُمْ صاغِرُون، قال: و «الصَّغارُ»: أن تُؤخَذَ منهم الجِزْيَةُ، وتَجْرِيَ عليهم أحْكامُ الإسْلامِ.
(٣٣٨٥) ولا نَعْلَمُ النَّبيَّ ﷺ صالَح أحَدًا على أقَلَّ مِنْ دِينارٍ، فمَن أعْطَى منهم دِينارًا، غَنِيًّا كان أو فَقِيرًا، في كُلِّ سَنَةٍ .. قُبِلَ منه، ولم يُزَدْ عليه، ولا يُقْبَلُ أقَلُّ مِنْ دينارٍ، مِنْ فَقِيرٍ ولا غَنِيٍّ، فإن زادُوا قُبِلَ منهم.
وقال في «كتاب السير» ما يَدُلُّ على أنّه لا جِزْيَةَ على فَقِيرٍ حتّى يَسْتَغْنِيَ، قال المزني: الأوَّلُ أصَحُّ عندي في أصْلِه (١)، وأوْلَى عندي بقَوْلِه (٢).
(٣٣٨٦) قال الشافعي: وإن صُولِحُوا على ضِيافَةٍ (٣) .. وُصِفَتْ ثلاثًا، وقال: «يُضِيفُ الموسِرُ كذا، والوَسَطُ كذا»، ويُسَمِّي ما يُطْعِمُونَهم: خُبْزُ كذا، وأُدُمُ كذا، ويَعْلِفُون دَوابَّهم، مِنْ التِّبْنِ كذا، والشَّعِيرِ كذا، ويُضِيفُ مَنْ مَرَّ به مِنْ واحِدٍ إلى كذا، وأيْنَ يُنْزِلُونهم، مِنْ فُضُولِ مَنازِلِهِم، أو في كَنائِسِهم، أو ما يُكِنُّ مِنْ بَرْدٍ وحَرٍّ؟
стр. 1609
(٣٣٨٧) ولا تُؤخَذُ مِنْ امْرأةٍ، ولا مَجْنُونٍ حتّى يُفِيقَ، ولا ممْلُوكٍ حتّى يَعْتِقَ، ولا صَبِيٍّ حتّى يَنْبُتَ الشَّعْرُ تحت ثِيابِه، أو يَحْتَلِمَ، أو يَبْلُغَ خمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فتَلْزَمُه الجزيةُ كأصْحابِه.
(٣٣٨٨) وتُؤخَذُ مِنْ الشَّيْخِ الفاني، والزَّمِنِ (١).
(٣٣٨٩) ومَن بَلَغَ وأمُّهُ نَصْرَانِيَّةٌ وأبُوه مَجُوسِيٌّ، أو أمُّه مجوسِيَّةٌ وأبُوه نَصْرانيٌّ .. فجِزْيَتُه جِزْيَةُ أبيه؛ لأنّ الأبَ هو الذي عليه الجِزْيَةُ، لسْتُ أنْظُرُ إلى غَيْرِ ذلك.
(٣٣٩٠) وأيُّهُم أفْلَسَ أو ماتَ .. فالإمامُ غَريمٌ، يَضْرِبُ مع غُرمائِه.
(٣٣٩١) وإنْ أسْلَمَ وقد مَضَى بَعْضُ سَنَةٍ .. أخِذَ منه بقَدْرِ ما مَضَى منها.
(٣٣٩٢) ويَشْتَرِطُ عليهم أنّ مَنْ ذَكَرَ كِتابَ اللهِ أو محمَّدًا رسولَ الله أو دِينَ الله بما لا يَنْبَغِي، أو زَنَى بمُسْلِمَةٍ، أو أصابَها باسْمِ نِكاحٍ، أو فَتَنَ مُسْلِمًا عن دِينِه، أو قَطَعَ عليه الطريقَ، أو أعانَ أهْلَ الحرْبِ بدَلالَةٍ على المسلمين، أو آوَى عَيْنًا لهم (٢) .. فقد نَقَضَ عَهْدَه، وأحَلَّ دَمَه، وبَرِئَتْ مِنه ذِمَّةُ اللهِ وذِمَّةُ رسولِه.
(٣٣٩٣) ويَشْتَرِطُ عليهم أن لا يُسْمِعُوا المسلمين شِرْكَهُم وقَوْلَهُم في عُزَيْرٍ والمسيحِ، ولا يُسْمِعُوهم صَوْتَ ناقُوسٍ، فإنْ فَعَلُوا عُزِّرُوا، ولا يَبْلُغُ بهم الحدَّ، قال: ولا يُحْدِثُوا (٣) في أمْصارِ المسْلِمِين كَنِيسَةً، ولا مُجْتَمَعًا لصَلاتِهِم، ولا يُظْهِرُوا فيها حَمْلَ خَمْرٍ، ولا إدْخالَ خِنْزِيرٍ، ولا يُحْدِثُوا (٤)
стр. 1610
بِناءً يَطُولُون به بِناءَ المسْلِمِين، وأن يُفَرِّقُوا بين هَيْئاتِهم في الملْبَسِ والمرْكَبِ وبين هَيْئاتِ المسْلِمِين، وأن يَعْقِدُوا الزَّنانِيرَ على أوْساطِهم، ولا يَدْخُلُوا مَسْجِدًا، ولا يَسْقُوا مُسْلِمًا خَمْرًا، ولا يُطْعِمُوه خِنْزِيرًا (١).
(٣٣٩٤) وإنْ كانُوا في قَرْيَةٍ يَمْلِكُونَها مُنْفَرِدِين .. لم يَعْرِضْ لهم في خَمْرِهِم وخَنازِيرِهم ورَفْعِ بِنائِهم.
(٣٣٩٥) وإنْ كان لهم بمِصْرِ المسْلِمِين كَنِيسَةٌ أو بِناءٌ طائلٌ لبِناءِ المسْلِمِين .. لم يَكُنْ للمُسْلِمِين هَدْمُ ذلك، وتُرِكَ على ما وُجِدَ (٢)، ومُنِعُوا إحْداثَ مِثْلِه.
(٣٣٩٦) وهذا إذا كان المصْرُ للمُسْلِمِين أحْيَوْه أو فَتَحُوه عَنْوَةً، وشُرِطَ هذا على أهْلِ الذِّمَّةِ، وإن كانُوا فَتَحُوا بلادَهُم على صُلْحٍ مِنْهُم على تَرْكِهِم وذلك .. خُلُّوا وإيّاه، ولا يَجُوزُ أن يُصالَحُوا على أن يَنْزِلُوا بِلادَ الإسْلامِ ويُحْدِثُوا فيها ذلك.
(٣٣٩٧) ويَكْتُبُ الإمامُ أسْماءَهم وحُلاهُم في دِيوانٍ، ويُعَرِّفُ عليهم عُرَفاءَ، لا يَبْلُغُ منهم مَوْلُودٌ ولا يَدْخُلُ فيهم أحَدٌ مِنْ غَيْرِهِم إلّا رَفَعُوا إليه.
(٣٣٩٨) وإذا أشْكَلَ عليه صُلْحُهُم بَعَثَ في كُلِّ بِلادٍ [كذا]، فجَمَعَ البالِغِين منهم، ثُمّ يُسْألُون عن صُلْحِهِم، فمَن أقَرَّ بأقَلِّ الجِزْيَةِ قُبِلَ منه، وإن أقَرَّ بزِيادَةٍ لم يَلْزَمْه غَيْرُها.
стр. 1611
(٣٣٩٩) وليس للإمامِ أن يُصالِحَ أحَدًا منهم على أن يَسْكُنَ الحِجازَ بحالٍ، ولا يَبِينُ أن يَحْرُمَ أن يَمُرَّ ذِمِّيٌّ بالحِجازِ مارًّا، لا يُقِيمُ بها أكْثَرَ مِنْ ثلاثِ لَيَالٍ، وذلك مُقامُ مُسافِرٍ، لاحْتِمالِ أمْرِ النبيِّ ﷺ بإجْلائِهم منها أن لا يَسْكُنُوها، ولا بَأسَ أن يَدْخُلَها الرُّسُلُ؛ لقَوْلِه جل ثناؤُه: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه﴾ [التوبة: ٦]، ولولا أنّ عُمَرَ أجَّلَ لمَنْ يَقْدَمُ المدينةَ تاجِرًا ثلاثًا لا يُقِيمُ فيها بعد ثلاثٍ .. لرَأيْتُ أن لا يُصالَحُوا على أن يَدْخُلُوها بحالٍ، ولا يُتْرَكُوا يَدْخُلُونَها إلّا بصُلْحٍ؛ كما كان عُمَرُ بنُ الخطابِ يأخُذُ مِنْ أمْوالِهِم إذا دَخَلُوا المدينةَ.
(٣٤٠٠) ولا يَتْرُكُ أهْلَ الحَرْبِ يَدْخُلُون بِلادَ الإسْلامِ تُجّارًا، فإنْ دَخَلُوا بغَيْرِ أمانٍ ولا رِسالةٍ .. غُنِمُوا، وإنْ دَخَلُوا بأمانٍ، وشُرِطَ أن يُؤخَذَ منهم عُشْرٌ، أو أقَلُّ، أو أكْثَرُ .. أخِذَ، وإن لم يَكُنْ عليهم شَرْطٌ .. لم يُؤخَذْ منهم شَيْءٌ، وسَواءٌ كانوا يَعْشُرُون المسْلِمِين إذا دَخَلُوا بلادَهم أو يَخْمُسُونهم أو لا يَعْرِضُوا لهم (١).
(٣٤٠١) قال: وإذا اتَّجَرُوا في بِلادِ المسْلِمِين إلى أفُقٍ مِنْ الآفاقِ، لم يُؤخَذْ منهم في السَّنةِ إلّا مَرَّةً كالجِزْيَةِ، وقد ذُكِرَ عن عُمَرَ بنِ عبدِالعزيز أنّه كَتَبَ أن يُؤخَذَ فيما ظَهَرَ مِنْ أمْوالِهِم وأمْوالِ المسْلِمِين، وأن تُكْتَبَ لهم بَراءَةٌ إلى مِثْلِه مِنْ الحَوْلِ، ولولا أنّ عُمَرَ أخَذَه منهم ما أخَذْناه، ولم يَبْلُغْنا أنّه أخَذَ مِنْ أحَدٍ في سَنَةٍ إلّا مَرَّةً.
(٣٤٠٢) قال: ويُؤخَذُ منهم ما أخَذَ عُمَرُ، مِنْ المسْلِمِين رُبُعُ العُشْرِ، ومِن أهْلِ الذِّمَّةِ نِصْفُ العُشْرِ، ومِن أهْلِ الحَرْبِ العُشْرُ؛ اتِّباعًا له على ما أخَذَ.
стр. 1612
قال المزني: وقد رَوَى الشّافِعيُّ عن عُمَرَ بنِ الخطّابِ مِنْ حَديثٍ صَحِيحِ الإسْنادِ أنّه أخَذَ مِنْ القِبْطِ مِنْ الحِنْطَةِ والزَّيْتِ نِصْفَ العُشْرِ، يُرِيدُ بذلك: أن يُكْثِرَ الحَمْلَ إلى المدينةِ، ومِن القُطْنِيَّةِ العُشْرَ، قال الشافعي: «ولا أحْسَبُه أخَذَ ذلك منهم إلّا بشَرْطٍ».
(٣٤٠٣) قال: ويُجَدِّدُ الإمامُ بَيْنَه وبينهم في تجاراتِهم ما يَبِينُ له ولهم وللعامَّةِ ليَأخُذَهُم به الولاةُ.
(٣٤٠٤) وأمّا الحَرَمُ .. فلا يَدْخُلُها أحَدٌ منهم بحالٍ، كان له بها مالٌ أو لم يَكُنْ، ويَخْرُجُ الإمامُ منه إلى الرُّسُلِ، ومَن كان بها منهم مَرِيضًا أو ماتَ .. أخْرِجَ مَيِّتًا، ولم يُدْفَنْ بها، ورَوَى أنّه سَمِعَ عَدَدًا مِنْ أهْلِ المغازِي يَرْوُون أنّ النبيَّ ﷺ قال: «لا يَجْتَمِعُ مُسْلِمٌ ومُشْرِكٌ في الحَرَمِ بعد عامِهِم هذا».
стр. 1613
(٣٥٠)
باب نصارى العرب تُضَعَّفُ عليهم الصدقة ومَسْلَكُ الجزية (١)(٣٤٠٥) قال الشافعي: اخْتَلَفَت الأخبارُ عن عُمَرَ بن الخطاب في نَصارَى العَرَبِ مِنْ تَنُوخَ وبَهْراءَ وبني تَغْلِبَ، فرُوِيَ عنه أنّه صالحهم على أن يُضَعِّفَ عليهم الجزيةَ ولا يُكْرَهُوا على غَيْرِ دِينِهم، وهكذا حَفِظَ أهْلُ المغازِي، قالُوا: رامَهُم عُمَرُ على الجِزْيَةِ، فقالُوا: نحن عَرَبٌ لا نُؤَدِّي ما تُؤَدِّي العَجَمُ، ولكن خُذْ مِنّا كما يَأخُذُ بَعْضُكم مِنْ بَعْضٍ، يَعْنُون الصَّدَقَةَ؛ فقال عمرُ: هذا فَرْضٌ على المسْلِمِين، قالُوا: فزِدْنا ما شِئتَ بهذا الاسْمِ، لا اسْمِ الجِزيةِ (٢)، فرَاضَاهُم على أن يُضَعِّفَ عليهم الصَّدَقَةَ، فإذا أضْعَفَها عليهم فانْظُر إلى مَواشِيهِم وذَهَبِهم ووَرِقِهم وأطْعِمَتِهم، وما أصابُوا مِنْ معادِنِ بلادِهم ورِكازِها، فكُلُّ ما أخِذَ فيه مِنْ مُسْلِمٍ خُمُسٌ فخُذْ خُمسَيْن، وعُشْرٌ فخُذْ عُشْرَين، أو نِصْفُ عُشْرٍ فخُذْ عُشْرًا، أو رُبُعُ عُشْرٍ فخُذْ نِصْفَ عُشْرٍ، وكذلك ماشِيَتُهم، خُذ الضِّعْفَ منهم.
(٣٤٠٦) وكُلُّ ما أخِذَ مِنْ ذِمِّيٍّ عَرَبِيٍّ فمَسْلَكُه مَسْلَكُ الفَيْءِ، وما تَجَرَ به نَصارَى العَرَبِ وأهْلُ دِينِهم وإن كانُوا يَهُودًا، تُضاعَفُ عليهم فيه الصَّدَقَةُ.
стр. 1614
(٣٥١)
باب المهادنة على النظر للمسلمين ونقضِ ما لا يجوز من الصلح (١)(٣٤٠٧) قال الشافعي: إن نَزَلَتْ بالمسْلِمِين نازِلَةٌ بقُوَّةِ عَدُوٍّ عليهم - وأرْجُو أن لا يُنْزِلَها اللهُ بهم - هادَنَهم الإمامُ على النَّظَرِ للمسْلِمِين إلى مُدَّةٍ يَرْجُو إليها القُوَّةَ عليهم، لا تُجاوِزُ مُدَّةَ أهْلِ الحُدَيْبِيَةِ التي هادَنَهم عليها رسولُ الله ﷺ ، وهي عَشْرُ سِنِينَ، فإنْ أراد أن يُهادِنَ إلى غَيْرِ مُدَّةٍ على أنّه متى (٢) بَدا له نَقَضَ الهدْنَةَ .. فجائِزٌ.
(٣٤٠٨) وإن كان قَوِيًّا على العَدُوِّ .. لم يُهادِنْهم أكْثَرَ مِنْ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ؛ لقَوْلِ الله ﵎ لمّا قَوِيَ أهْلُ الإسلامِ: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر﴾ [التوبة: ١]، وجَعَلَ النبيُّ ﷺ لصَفْوانَ بعد فَتْحِ مَكَّةَ تَسْيِيرَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، ولا أعْلَمُه زاد أحَدًا بعد قُوَّةِ الإسْلامِ عليها (٣).
(٣٤٠٩) ولا يَجُوزُ أن يُؤَمِّنَ الرَّسُولَ والمسْتأمِنَ إلّا بقَدْرِ ما يَبْلُغانِ حاجَتَهُما، ولا يَجُوزُ أن يُقِيمَا بها سَنَةً بغَيْرِ جِزيةٍ.
(٣٤١٠) ولا يَجُوزُ أن يُهادِنَهم على أن يُعْطِيَهم المسْلِمُون شَيْئًا بحالٍ؛
стр. 1615
لأنّ القَتْلَ للمُسْلِمِين شَهادَةٌ، وأنّ الإسْلامَ أعَزُّ مِنْ أن يُعْطَى مُشْرِكٌ على أن يَكُفَّ عن أهْلِه؛ لأنّ أهْلَه قاتِلِين ومَقْتُولِين ظاهِرُون على الحَقِّ، إلّا في حالٍ يَخافُون فيها الاصْطِلامَ، فيُعْطُون مِنْ أمْوالِهِم، أو يَفْتَدِي مأسُورًا فلا بَأسَ؛ لأنّ هذا مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ.
(٣٤١١) وإنْ صالَحَهُم الإمامُ على ما لا يَجُوزُ .. فالطّاعَةُ نَقْضُه؛ كما صَنَعَ رسولُ الله ﷺ في النِّساءِ، وقد أعْطَى المشْرِكِين ما أعْطاهُم في الرِّجالِ ولم يَسْتَثْنِ، فجاءتْه أمُّ كُلْثُومٍ بنتُ عُقْبَةَ بنِ أبي مُعَيْطٍ مُسْلِمَةً مُهاجِرَةً، فجاء أخَواها يَطْلُبانها، فمَنَعَهما منها، وأخْبَرَ أنّ اللهَ مَنَعَ الصُّلْحَ في النِّساءِ (١)، وبهذا قُلْنا: لو أعْطَى الإمامُ قَوْمًا مِنْ المشْرِكِين الأمانَ على أسِيرٍ في أيْدِيهم مِنْ المسْلِمِين أو مالٍ، ثُمّ جاؤوه، لم يَحِلَّ له إلّا نَزْعُه منهم بلا عِوَضٍ.
قال المزني: هذا خِلافُ قَوْلِه في «الرسالة»: «لا يُنْسَخُ قُرآنٌ إلّا بالقُرآنِ، ولا سُنَّةٌ إلّا بالسُّنَّةِ» (٢).
قال الشافعي: فإنْ ذَهَبَ ذاهِبٌ إلى أنّ النبيَّ ﷺ رَدَّ أبا جَنْدَلِ بنَ سُهَيْلٍ إلى أبيه، وابنَ عَيّاش بنِ أبي رَبِيعَةَ إلى أهْلِه .. قيل له: أهْلُوهُم أشْفَقُ النّاسِ عليهم وأحْرَصُهم على سَلامَتِهم، ولعَلَّهُم يَقُونَهُم بأنْفُسِهم ممّا يُؤذِيهم، فَضْلًا عن أن يَكُونُوا مُتَّهَمِين على أن يَنالُوهُم بتَلَفٍ أو عَذابٍ، وإنّما نَقَمُوا منهم دِينَهم (٣)، وقد وَضَعَ اللهُ المأثَمَ في إكْراهِهِم، أوَلَا تَرَى أنّ النِّساءَ إذا أرِيدَ بهنّ الفِتْنَةُ ضَعُفْنَ أو لم يَفْهَمْنَ فَهْمَ الرِّجالِ أنّ التَّقِيَّةَ تَسَعُهُنّ، وكان فيهن أن يُصِيبَهُنَّ أزْواجٌ حَرامٌ عليهنّ.
стр. 1616
(٣٤١٢) قال الشافعي: وإذا جاءَتْنا امْرَأةٌ مُهادِنَةٌ مُسْلِمَةٌ مِنْ دارِ الحرْبِ إلى مَوْضِعِ الإمامِ، فجاءَ سِوَى زَوْجِها في طَلَبِها، مُنِعَ منها بلا عِوَضٍ، فإن جاء زَوْجُها .. ففيها قولان: أحَدُهما - يُعْطَى ما أنْفَقَ، وهو ما دَفَعَ إليها مِنْ المهْرِ، والآخَرُ - لا يُعْطَى، وقال في آخر الجواب: وأشْبَهُهُما أن لا يُعْطَوْا عِوَضًا.
قال المزني: هذا أشْبَهُ بالحقِّ عندي (١).
(٣٤١٣) قال الشافعي: وليس لأحَدٍ أن يَعْقِدَ هذا العَقْدَ إلّا الخلِيفَةُ أو رَجُلٌ بأمْرِه؛ لأنّه يَلِي الأمْوالَ كُلَّهَا، وعلى مَنْ بَعْدَه مِنْ الخلفاءِ إنْفاذُه.
(٣٤١٤) قال: ولا بَأسَ أن يُصالِحَهُم على خَراجٍ على أرَضِيهِم يَكُونُ في أمْوالِهِم مَضْمُونًا كالجزيةِ، ولا يَجُوزُ عُشُورُ ما زَرَعُوا؛ لأنّه مَجْهُولٌ.
стр. 1617
(٣٥٢)
باب تبديل أهل الذمة دينَهم
(٣٤١٥) قال الشافعي: أصْلُ ما أبْنِي عليه أنّ الجِزْيةَ لا تُقْبَلُ مِنْ أحَدٍ دانَ دِينَ كِتابِيٍّ إلّا أن يَكُونَ آباؤُه دانُوا به قَبْلَ نُزُولِ الفُرْقانِ، فلا تُقْبَلُ ممّن بَدَّلَ يَهُودِيّةً بنَصْرانِيَّةٍ، أو نَصْرانِيَّةً بمَجُوسِيَّةٍ، أو مَجُوسِيّةً بنَصْرانِيَّةٍ أو بغَيْرِ الإسلامِ، وإنّما أذِنَ اللهُ بأخْذِ الجِزْيةِ منهم على ما دانُوا به قَبْلَ محمَّدٍ ﷺ ، وذلك خِلافُ ما أحْدَثُوا مِنْ الدينِ بَعْدَه، فإنْ أقامَ على ما كان عليه، وإلّا نُبِذَ إليه عَهْدُه، وأخْرِجَ مِنْ بِلادِ الإسْلامِ بمالِه، وصار حَرْبًا، ومَن بَدَّلَ دِينَه مِنْ كِتابِيَّةٍ لم يَحِلَّ نِكاحِها.
قال المزني: قد قال في «كتاب النكاح» [ف: ٢٠٨٣] وقال في «كتاب الصيد والذبائح» [ف: ٣٤٣٨]: «إذا بَدَّلَتْ بدِينٍ يَحِلُّ نِكاحُ أهْلِه فهي حَلالٌ»، وهذا عِنْدِي أشْبَهُ، قال ابنُ عبّاس: «﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾ [المائدة: ٥١]»، فمَن دان منهم دِينَ أهْلِ الكِتابِ قَبْل نُزُولِ الفُرْقانِ وبَعْدَه سَواءٌ عندي في القياسِ، وبالله التوفيقُ (١).
стр. 1618
(٣٥٣)
باب نقض العهد
(٣٤١٦) قال الشافعي: إذا نَقَضَ الذين عَقَدُوا الصُّلْحَ عليهم، أو جماعَةٌ منهم فلم يُخالِفُوا الناقِضَ بقَوْلٍ أو فِعْلٍ ظاهِرٍ، أو اعْتِزالِ بلادِهِم، أو يُرْسِلُون إلى الإمامِ أنّهم على صُلْحِهم .. فللإمامِ غَزْوُهُم، وقَتْلُ مُقاتِلَتِهم، وسَبْيُ ذَرارِيِّهم، وغَنِيمَةُ أمْوالِهِم، وهكذا فَعَلَ رسولُ الله ﷺ بسَبْيِ قُرَيْظَةَ، عَقَدَ عليهم صاحِبُهُم فنَقَضَ ولم يُفارِقُوه، ولَيْسَ كُلُّهُم أشْرَكَ في المعُونَةِ على النبيِّ ﷺ وأصْحابِه، ولكنَّ كُلَّهُم لَزِمَ حِصْنَه فلم يُفارِق النّاقِضَ إلّا نَفَرٌ منهم، وأعان على خُزاعَةَ وهم في عَقْدِ النَّبِيِّ ﷺ ثلاثةُ نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ فشَهِدُوا قِتالَهُم، فغَزا النبيُّ ﷺ قُرَيْشًا عامَ الفَتْحِ بغَدْرِ ثلاثةِ نَفَرٍ وتَرْكِهِم مَعُونَةَ خُزاعَةَ وإيوائِهم مَنْ قاتَلَها.
(٣٤١٧) قال: ومتى ظَهَرَ مِنْ مُهادِنِين ما يَدُلُّ على خِيانَتِهم .. نبَذَ إليهم عَهْدَهم، وأبْلَغَهُم مأمَنَهم، ثُمّ هُمْ حَرْبٌ، قال الله : ﴿وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء﴾ [الأنفال: ٥٨] (١).
стр. 1619
(٣٥٤)
باب الحكم بين المهادنين والمعاهدين
وما أُتْلِفَ من خمرهم وخنازيرهم وما عُفِيَ عنه وما يُرَدُّ (١)(٣٤١٨) قال الشافعي: لم أعْلَمْ مُخالِفًا مِنْ أهْلِ العِلْمِ بالسِّيَرِ أنّ رسولَ الله ﷺ لمّا نَزَلَ المدينةَ وادَعَ يَهُودًا كافَّةً على غَيْرِ جِزْيَةٍ (٢)، وأنّ قول الله : ﴿فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم﴾ [المائدة: ٤٢] إنّما نَزَلَتْ فيهم، ولم يُقَرُّوا أن يَجْرِيَ عليهم الحكْمُ، وقال بعضهم: نَزَلَتْ في اليَهُودِيَّيْنِ اللَّذَيْن زَنَيَا، وهذا أشْبَه؛ لقول الله تبارك اسمه: ﴿وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك﴾ [المائدة: ٤٣]، قال الشافعي: ولَيْسَ للإمامِ الخِيارُ في أحَدٍ مِنْ المعاهِدِين الذين يَجْرِي عليهم الحكْمُ إذا جاؤوه في حَدٍّ لله ، وعليه أن يُقِيمَه؛ لِما وَصَفْتُ مِنْ قَوْلِ الله : ﴿وهم صاغرون﴾ [التوبة: ٢٩].
стр. 1620
قال المزني: هذا أشْبَهُ مِنْ قَوْلِه في «كتاب الحدود»: «لا يُحَدُّون، وأرْفَعُهم إلى أهْلِ دِينِهم» (١).
(٣٤١٩) قال الشافعي: فما كانوا يَدِينُون به فلا يَجُوزُ حُكْمُنا عليهم بإبْطالِه، وما أحْدَثُوا ممّا ليْسَ بجائِزٍ في دِينِهم وله حُكْمٌ عندنا، أُمْضِيَ عليهم.
(٣٤٢٠) قال: ولا يَكْشِفُوا (٢) عن شَيْءٍ ممّا اسْتَحَلُّوه، ما لم يَكُنْ ضَرَرًا على مُسْلِمٍ أو مُعاهِدٍ أو مُسْتَأمِنٍ غَيْرِهم.
(٣٤٢١) وإنْ جاءَت امْرَأةُ رَجُلٍ منهم تَسْتَعْدِي بأنّه طَلَّقَها أو آلى منها .. حَكَمْتُ عليه حُكْمِي على المسْلِمِين، وأمَرْتُه في الظِّهارِ أن لا يَقْرَبَها حتّى يُكَفِّرَ رَقَبَةً مُؤمِنَةً؛ كما يُؤَدِّي الواجِبَ مِنْ حَدٍّ وجُرْحٍ وأرْشٍ، وإن لم يُكَفِّرْ عنه، وأنَفِّذُ عِتْقَه، قال: ولا أفْسَخُ نِكاحَه؛ لأنّ النبيَّ ﷺ عَفا عن عَقْدِ ما يَجُوزُ أن يُسْتأنَفَ، ورَدَّ ما جاوَزَ العَدَدَ، إلّا أن يَتَحاكَمُوا وهي في عِدَّةٍ فنَفْسَخَه، وكذا كُلُّ ما قَبَضَ مِنْ رِبًا أو ثَمَنِ خَمْرٍ أو خِنْزِيرٍ ثُمّ أسْلَما أو أحَدُهما، عُفِيَ عنه.
(٣٤٢٢) ومَن أراق لهم خَمْرًا، أو قَتَلَ لهم خِنْزِيرًا .. لم يَضْمَنْ؛ لأنّ ذلك حَرامٌ، ولا ثَمَنَ لمحَرَّمٍ، فإن قيل: فأنْتَ تُقِرُّهم على ذلك .. قيل: نعم، وعلى الشِّرْكِ بالله ، وقد أخْبَرَنا اللهُ ﵎ أنّهم لا يُحَرِّمُون ما حَرَّم اللهُ ورسولُه، فهذا حَرامٌ لا ثَمَنَ له وإن اسْتَحَلُّوه.
стр. 1621
(٣٤٢٣) قال: وإذا كُسِرَ لهم صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ لم يَكُنْ فيه غُرْمٌ، وإن كان مِنْ عُودٍ فكان إذا فُرِّقَ صَلَحَ لغَيْرِ الصَّلِيبِ .. فما نَقَصَ الكَسْرُ العُودَ (١)، وكذلك الطُّنْبُورُ والمزْمارُ.
(٣٤٢٤) ويَجُوزُ للنَّصْرانيِّ أن يُقارِضَ المسْلِمَ، وأكْرَهُ للمُسْلِمِ أن يُقارِضَ النَّصْرانيَّ أو يُشارِكَه، وأكْرَه أن يَكْرِيَ نَفْسَه مِنْ نَصْرانِيٍّ ولا أفْسَخُه.
(٣٤٢٥) وإذا اشْتَرَى النَّصْرانِيُّ مُصْحَفًا أو دَفْتَرًا فيه أحادِيثُ رسولِ الله ﷺ .. فَسَخْتُه.
(٣٤٢٦) ولو أوْصَى ببِناءِ كَنِيسَةٍ لصَلاةِ النَّصارَى .. فمَفْسُوخٌ، ولو قال: يَنْزِلُها المارَّةُ .. أجَزْتُه، وليْسَ في بِنائِها مَعْصِيَةٌ إلّا بأنْ تُبْنَى لصَلاةِ النَّصارَى.
(٣٤٢٧) ولو قال: اكْتُبُوا بثُلُثِي التَّوْراةَ والإنْجِيلَ .. فَسَخْتُه؛ لتَبْدِيلِهم، قال الله : ﴿فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله﴾ الآية [البقرة: ٧٩].
стр. 1622
[٥٩]
كتاب الصيد والذبائح
إملاء على مسائل مالك وأشهب واختلاف أبي حنيفة وأهل المدينة (١)
стр. 1623
(٣٥٥)
باب صفة الصائد من كلب وغيره، وما يحل من الصيد وما يحرم
(٣٤٢٨) قال الشافعي: كُلُّ مُعَلَّمٍ مِنْ كَلْبٍ وفَهْدٍ ونَمِرٍ وغَيْرِها مِنْ الوَحْشِ (١)، فكانَ إذا أُشْلِيَ اسْتَشْلَى (٢)، وإذا أخَذَ حَبَسَ ولم يَأكُلْ، فأيُّها فَعَلَ هذا مَرَّةً بعد مَرَّةٍ .. فهو مُعَلَّمٌ، وإن قَتَلَ فكُلْ ما لم يَأكُلْ، فإنْ أكَلَ فلا تَأكُلْ، فإنّما أمْسَكَ على نَفْسِه، وذَكَرَ الشَّعْبِيُّ عن عَدِيّ بنِ حاتِمٍ أنّه سَمِعَ النبيَّ ﷺ يَقُولُ: «فإنْ أكَلَ فلا تأكُلْ» (٣).
стр. 1624
(٣٤٢٩) قال: وإذا جَمَعَ (١) البازِيُّ أو الصَّقْرُ أو العُقابُ أو غَيْرُها ممّا يَصِيدُ أن يُدْعَى فيُجِيبَ، ويُشْلَى فيَطِيرَ، ويَأخُذَ فيَحْبِسَ، مَرَّةً بعد مَرَّةٍ .. فهو مُعَلَّمٌ، فإن قَتَلَ فكُلْ، وإنْ أكَلَ ففي القِياسِ أنّه كالكَلْبِ.
قال المزني: ليْسَ البازِيُّ كالكَلْبِ؛ لأنّ البازِيَّ وصِنْفَه إنّما يُعَلَّمُ بالطُّعْمِ، وبه يَأخُذُ الصَّيْدَ، والكَلْبُ يُؤَدَّبُ على تَرْكِ الطُّعْمِ، والكَلْبُ يُضْرَبُ أدَبًا، ولا يُمْكِنُ ذلك في الطَّيْرِ، فهما مُخْتَلِفان، فيُؤكَلُ ما قَتَلَ البازِيُّ وإن أكَلَ، ولا يُؤكَلُ ما قَتَلَ الكَلْبُ إذا أكَلَ؛ لنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عن ذلك (٢).
(٣٤٣٠) قال الشافعي: وإذا أرْسَلَ أحْبَبْتُ أن يُسَمِّيَ، فإن نَسِيَ فلا بَأسَ؛ لأنّ المسْلِمَ يَذْبَحُ على اسْمِ الله.
(٣٤٣١) ولو أرْسَلَ مُسْلِمٌ ومَجُوسِيٌّ كَلْبَيْن مُتَفَرِّقَيْن، أو طائِرَيْن، أو سَهْمَيْن، فقَتَلَا .. فلا يُؤكَلُ.
(٣٤٣٢) وإذا رَمَى أو أرْسَلَ كَلْبَه على الصَّيْدِ، فوَجَدَه قَتِيلًا .. فالخَبَرُ عن ابنِ عبّاسٍ والقِياسُ أن لا يَأكُلَه؛ لأنّه يُمْكِنُ أن يَكُونَ قَتَلَه غَيْرُه، وقال ابنُ عباسٍ: «كُلْ ما أصْمَيْت، ودَعْ ما أنْمَيْت»، و «ما أصْمَيْتَ»: ما قَتَلْتَه وأنْتَ تَراه، و «ما أنْمَيْتَ»: ما غاب عنك مَقْتَلُه (٣)، إلّا أن يَبْلُغَ منه مَبْلَغَ
стр. 1625
الذَّبْحِ، فلا يَضُرُّه ما حَدَثَ بعده (١).
(٣٤٣٣) وإذا أدْرَكَ الصَّيْدَ ولم يَبْلُغْ سِلاحُه أو مُعَلَّمُه ما يَبْلُغُ الذَّبْحُ، فأمْكَنَه أن يَذْبَحَه، فلم يَفْعَلْ .. فلا يَأكُلُ، كان معه ما يَذْبَحُ به أو لم يَكُنْ، فإن لم يُمْكِنْك أن تَذْبَحَه ومَعَك ما تُذَكِّيه به ولم تُفَرِّطْ حتّى مات .. فكُلْ.
(٣٤٣٤) ولو أرْسَلَ كَلْبَه أو سَهْمَه وسَمَّى اللهَ وهو يَرَى صَيْدًا، فأصابَ غَيْرَه .. فلا بأسَ بأكْلِه (٢) مِنْ قِبَلِ أنّه قد رَأى صَيْدًا ونَواهُ وإن أصابَ غَيْرَه، وإنْ أرْسَلَهُما ولا يَرَى صَيْدًا ونَوَى .. فلا يَأكُلُ، ولا تَعْمَلُ النِّيَّةُ إلّا مع عَيْنٍ تَرَى (٣)، ولو كان لا يَجُوزُ إلّا ما نَواه بعَيْنِه، لكان العِلْمُ يُحِيطُ أن لو أرْسَلَ سَهْمًا على مِائةِ ظَبْيٍ، أو كَلْبًا فأصابَ واحِدًا، فالواحِدُ المصابُ غَيْرُ مَنْوِيٍّ بعَيْنِه.
(٣٤٣٥) ولو خَرَجَ الكَلْبُ إلى الصَّيْدِ مِنْ غَيْرِ إرْسالِ صاحِبِه، فزَجَرَه فانْزَجَرَ، واسْتَشْلاه فأخَذَ وقَتَلَ (٤) .. أكَلَ، وإن لم يُحْدِثْ غَيْرَ الأمْرِ الأوَّلِ
стр. 1626
فلا يَأكُلُ، وسَواءٌ اسْتَشْلاه صاحِبُه أو غَيْرُه ممّن تَجُوزُ ذَكاتُه.
(٣٤٣٦) وإذا ضَرَبَ الصَّيْدَ فقَطَعَه قِطْعَتَيْن .. أكَلَ، وإن كانَتْ إحْدَى القِطْعَتَيْن أقَلَّ مِنْ الأخْرَى، ولو قَطَعَ منه يَدًا أو رِجْلًا (١) أو أذُنًا أو شَيْئًا يُمْكِنُ لو لم يَزِدْ على ذلك أن يَعِيشَ بعده ساعَةً أو مُدَّةً أكْثَرَ منها، ثُمّ قَتَلَه بَعْدُ برَمْيَتِه .. أكَلَ كُلَّ ما كان ثابِتًا فيه مِنْ أعْضائِه، ولم يَأكُل العُضْوَ الذي بانَ وفيه الحياةُ؛ لأنّه عُضْوٌ مَقْطُوعٌ مِنْ حَيٍّ وحَيِيَ بعد قَطْعِه، ولو مات مِنْ قَطْعِ الأوَّلِ أكَلَهُما مَعًا؛ لأنّ ذَكاةَ بَعْضِه ذَكاةٌ لكُلِّه.
(٣٤٣٧) ولا بأسَ أن يَصِيدَ المسْلِمُ بكَلْبِ المجُوسِيِّ، ولا يَجُوزُ أكْلُ ما أصابَ (٢) المجوسِيُّ بكَلْبِ المسْلِمِ؛ لأنّ الحكْمَ حُكْمُ المرْسِلِ، وإنّما الكَلْبُ أداةٌ.
(٣٤٣٨) وأيُّ أبَوَيْه كان مجُوسِيًّا فلا تُؤكَلُ ذَبِيحَتُه، وقال في «كتاب النكاح»: «ولا يَنْكِحُ إنْ كانَتْ جارِيَةً، ولَيْسَتْ كالصَّغِيرَةِ يُسْلِمُ أحَدُ أبَوَيْها؛ لأنّ الإسْلامَ لا يَشْرَكُه الشِّرْكُ، والشِّرْكُ يَشْرَكُه الشِّرْكُ» (٣).
(٣٤٣٩) ولا يُؤكَلُ ما قَتَلَتْه الأُحْبُولَةُ، كان فيها سِلاحٌ أو لم يَكُنْ؛ لأنّها ذَكاةٌ بغَيْرِ فِعْلِ أحَدٍ.
(٣٤٤٠) والذَّكاةُ وَجْهان: أحَدُهما ما كان مَقْدُورًا عليه مِنْ إنْسِيٍّ أو وَحْشِيٍّ، لم يَحِلَّ إلّا بأن يُذَكَّى، وما كان مُمْتَنِعًا مِنْ إنْسِيٍّ أو وَحْشِيٍّ، فما قَدَرْتَ به عليه مِنْ الرَّمْيِ أو السِّلاحِ فهو به ذَكِيٌّ.
(٣٤٤١) وقال رسولُ الله ﷺ : «ما أنْهَرَ الدَّمَ وذُكِرَ اسْمُ الله عليه
стр. 1627
فكُلُوه، إلّا ما كان مِنْ سِنٍّ أو ظُفُرٍ؛ لأنّ السِّنَّ عَظْمٌ مِنْ الإنسانِ، والظُّفُرَ مُدَى الحَبَشِ» (١)، وثَبَتَ عن رسولِ الله ﷺ أنّه جَعَلَ ذَكاةَ الإنْسِيِّ كذَكاةِ الوَحْشِيِّ إذا امْتَنَعَ، قال: ولمّا كان الوَحْشِيُّ يَحِلُّ بالعَقْرِ ما كان مُمْتَنِعًا، فإذا قُدِرَ عليه لم يَحِلَّ إلّا بما يَحِلُّ به الإنْسِيُّ .. كان كذلك الإنْسِيُّ إذا صار كالوَحْشِيِّ مُمْتَنِعًا حَلَّ بما يَحِلُّ به الوَحْشِيُّ.
(٣٤٤٢) قال: ولو وَقَعَ بَعِيرٌ في بِئرٍ، فطُعِنَ .. فهو كالصَّيْدِ.
(٣٤٤٣) ولو رَمَى صَيْدًا فكَسَرَه أو قَطَعَ جَناحَه، ورَماه آخَرُ فقَتَلَه .. كان حَرامًا، وكان على الرّامِي الآخَرِ قِيمَتُه بالحالِ التِي رَماه بها مَكْسُورًا أو مَقْطُوعًا.
قال المزني: مَعْنَى قَوْلِ الشّافِعِيِّ في ذلك عِنْدِي إنّما يَغْرَمُ قِيمَتَه مَقْطُوعًا؛ لأنّه رَماهُ فَقَطَع رَأسَه، أو بَلَغَ مِنْ مَقاتِلِه ما يَعْلَمُ (٢) أنّه قَتَلَه دُونَ جُرْحِ الجناحِ، ولو كان جُرْحًا كالجُرْحِ الأوَّلِ، ثُمّ أخَذَه رَبُّه فماتَ في يَدَيْه، فقد مات مِنْ جُرْحَيْن، فعلى الثّاني قِيمَةُ جُرْحِه مَقْطُوعَ الجناحِ الأوَّلِ، ونِصْفُ قِيمَتِه مَجْرُوحًا جُرْحَيْن؛ لأنّ قَتْلَه مَقْطُوعَ الجناحَيْن مِنْ فِعْلِه وفِعْلِ مالِكِه.
(٣٤٤٤) قال الشافعي: ولو كان مُمْتَنِعًا بعدَ رَمْيَةِ الأوَّلِ (٣)، يَطِيرُ إن كان طائرًا، أو يَعْدُو إن كان دابَّةً، ثُمّ رَماهُ الثّاني فأثْبَتَه .. كان للثّاني، ولو رَماهُ الأوَّلُ بهذه الحالِ فقَتَلَه .. ضَمِنَ قِيمَتَه للثّاني؛ لأنّه صار له دُونَه.
стр. 1628
قال المزني: يَنْبَغِي أن يَكُونَ قِيمَتُه مَجْرُوحًا الجرْحَيْن الأوَّلَيْن في قِياسِ قَوْلِه.
(٣٤٤٥) قال الشافعي: ولو رَمَياه مَعًا فقَتَلاه .. كان بَيْنَهما نِصْفَيْن.
(٣٤٤٦) ولو رَماه الأوَّلُ ورَماه الثّاني، ولم نَدْرِ أبَلَغَ به الأوَّلُ أن يَكُونَ مُمْتَنِعًا أو غَيْرَ مُمْتَنِعٍ .. جَعَلْناه بَيْنَهما نِصْفَيْن.
(٣٤٤٧) ولو رَمَى طائرًا فجَرَحَه، ثُمّ سَقَطَ إلى الأرْضِ، فأصَبْناه مَيِّتًا لم نَدْرِ أماتَ في الهواءِ أو بَعْدَما صار إلى الأرْضِ .. أُكِلَ؛ لأنّه لا يُوصَلُ إلى أن يَكُونَ مأخُوذًا إلّا بالوُقُوعِ، ولو حَرُمَ هذا حَرُمَ كُلُّ طائرٍ رُمِيَ فوَقَعَ وماتَ، ولكنَّه لو وَقَعَ على جَبَلٍ فتَرَدَّى عنه كان مُتَرَدِّيًا لا يُؤكَلُ (١)، إلّا أن تكُونَ الرَّمْيَةُ قد قَطَعَتْ رَأسَه أو ذَبَحَتْه أو قَطَعَتْه باثْنَيْن (٢)، فيُعْلَمُ أنّه لم يَتَرَدَّ إلّا ذَكِيًّا.
(٣٤٤٨) ولا يُؤكَلُ ما قَتَلَه الرَّمْيُ إلّا ما خَرَقَ برِقَّتِه، أو قَطَعَ بحَدِّه، فأمّا ما جَرَحَ بثِقَلِه .. فهو به وَقِيذٌ (٣).
(٣٤٤٩) وما نالَتْه الجوارِحُ فقَتَلَتْه ولم تُدْمِه .. احْتَمَلَ مَعْنَيَيْن: أحدهما - لا يُؤكَلُ (٤) حتّى يُجْرَحَ، قال الله : ﴿من الجوارح﴾ [المائدة: ٤]، والآخَرُ - أنّه حِلٌّ.
стр. 1629
قال المزني: الأوَّلُ أوْلاهما به، قِياسًا على رامِي الصَّيْدِ أو ضارِبِه أنّه لا يُؤكَلُ إلّا أن يَجْرَحَه (١).
(٣٤٥٠) قال الشافعي: ولو رَمَى شَخْصًا يَحْسِبُه حَجَرًا فأصاب صَيْدًا .. فلو أكَلَه ما رَأيْتُه مُحَرَّمًا؛ كما لو أخْطَأ شاةً (٢) فذَبَحَها لا يُرِيدُها، وكما لو ذَبَحَها وهو يَراها خَشَبَةً لَيِّنَةً.
(٣٤٥١) ومَن أحْرَزَ صَيْدًا فأفْلَتَ منه فصادَه غَيْرُه .. فهو للأوَّلِ.
(٣٤٥٢) وكُلُّ ما صادَه حَلالٌ في غَيْرِ حَرَمٍ ممّا يَكُونُ بمَكَّةَ مِنْ حَمامِها وغَيْرِه .. فلا بَأسَ، إنّما يُمْنَعُ بحُرْمَةٍ في غَيْرِه، مِنْ حَرَمٍ أو إحْرامٍ.
(٣٤٥٣) ولو تَحَوَّلَ مِنْ بُرْجٍ إلى بُرْجٍ فأخَذَه .. كان عليه رَدُّه، ولو صادَ ظَبْيًا مُقَرَّطًا (٣) .. فهو لغَيْرِه.
(٣٤٥٤) قال الشافعي: ولو شَقَّ السَّبُعُ بَطْنَ شاةٍ فوَصَلَ إلى مِعاها يَسْتَيْقِنُ أنّها إن لم تُذَكَّ ماتَتْ، فذُكِّيَتْ .. فلا بَأسَ بأكْلِها؛ لقَوْلِ الله: ﴿والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم﴾ [المائدة: ٣] (٤)، فالذَّكاةُ جائِزَةٌ بالقرآنِ.
стр. 1630
قال المزني: وأعْرِفُ له (١) أنّها لا تُؤكَلُ إذا بَلَغَ ما لا بَقاءَ لحياتِه إلّا حَياةَ المذَكّاةِ، وهو قَوْلُ المدَنِيِّ.
قال المزني: وهو عندي أقْيَسُ؛ لأنّي وَجَدْتُ الشّاةَ تَمُوتُ عن ذَكاةٍ فتَحِلُّ، وعن عَقْرٍ فتَحْرُمُ، فلمّا وَجَدْتُ التي أوْجَبَ الذَّبْحُ مَوْتَها وتَحْلِيلَها لا يُبَدِّلُها [أكْلُ السَّبُعِ لها ولا يُرْدِيها .. كان ذلك في القِياسِ إذا أوْجَبَ أكْلُ السَّبُعِ مَوْتَها وتَحْرِيمَها لم يُبَدِّلْها (٢) الذَّبْحُ لها، ولا أعْلَمُ خِلافًا أنّ سَبُعًا لو قَطَعَ ما يَقْطَعُ المذَكِّي مِنْ أسْفَلِ حَلْقِها أو أعْلاه، ثُمّ ذُبِحَتْ مِنْ حَيْثُ لم يَقْطَع السَّبُعُ مِنْ حَلْقِها، أنّها مَيْتَةٌ، فلو سَبَقَ (٣) الذَّبْحُ، ثُمّ قَطَعَ السَّبُعُ حيث لم يَقْطَع الذّابِحُ مِنْ حَلْقِها، أنّها ذَكِيَّةٌ، وفي هذا على ما قُلْتُ دَليلٌ، وقد قال الشافعي [ف: ٣٤٣٣]: «وإذا أدْرَكَ الصَّيْدَ، ولم يَبْلُغْ سِلاحُه أو مُعَلَّمُه ما يَبْلُغُ الذَّبْحُ، فأمْكَنَه أن يَذْبَحَه فلم يَفْعَلْ .. فلا يَأكُلُ»، قال المزني: وفي هذا دَليلٌ أنّه لو بَلَغَ ما بَلَغَ الذَّبْحُ أكَلَ، قال المزني: ودليلٌ آخَرُ مِنْ قَوْلِه، قال في «كتاب الديات (٤)» [ف: ٢٨٤٣]: «لو قَطَعَ حُلْقُومَ رَجُلٍ أو مَرِيَّه (٥)، أو قَطَعَ حُِشْوَتَه فأبانَها مِنْ جَوْفِه، أو صَيَّرَه في حالِ المذْبُوحِ ثُمّ ضَرَبَ آخَرُ عُنُقَه .. فالأوَّلُ قاتِلٌ دُون الآخِرِ»، قال المزني: قلت (٦): فهذه أدِلَّةٌ على ما وَصَفْتُ مِنْ قَوْلِه [الذي هو أصَحُّ في القِياسِ مِنْ
стр. 1631
قَوْلِه (١) الآخَرِ، وبالله التوفيق (٢).
(٣٤٥٥) قال الشافعي: وكُلُّ ما كان يَعِيشُ في الماءِ مِنْ حُوتٍ أو غَيْرِه .. فأخْذُه ذَكاتُه.
(٣٤٥٦) ولو كان شَيْءٌ تَطُولُ حَياتُه، فذَبَحَه لاسْتِعْجالِ مَوْتِه .. ما كَرِهْتُه.
(٣٤٥٧) وسَواءٌ مَنْ أخَذَه مِنْ مجُوسِيٍّ أو وَثَنِيٍّ، لا ذَكاةَ له.
(٣٤٥٨) وسَواءٌ ما لَفَظَه البَحْرُ وطَفا مِنْ مَيْتِه أو أُخِذَ حَيًّا، أكَلَ أبو أيُّوبَ سَمَكًا طافِيًا، وقال رسول الله ﷺ : «أُحِلَّتْ لنا مَيْتَتان ودَمان، الميْتَتانِ: الحُوتُ والجَرادُ، والدَّمانِ - أحْسِبُه قال: - الكَبِدُ والطِّحالُ»، وقال ﵇: «هو الطَّهُورُ ماؤُه، الحِلُّ مَيْتَتُه»، وقال اللهُ : ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة﴾ [المائدة: ٩٦]، وهذا عُمُومٌ، فمَن خَصَّ منه شَيْئًا فالمخْصُوصُ لا يَجُوزُ عند أهْلِ العِلْمِ إلّا بسُنَّةٍ أو إجْماعِ الذين لا يَجْهَلُون ما أراد اللهُ ﵎.
قال المزني: ولو جاز أن يَحْرُمَ الحُوتُ وهو ذَكِيٌّ لأنّه طَفا .. جاز أن يَحْرُمَ المذَكَّى مِنْ الغَنَمِ إذا طَفا، وفي ذلك دليلٌ، وبالله التوفيق.
стр. 1632
[٦٠]
كتاب الضحايا
من كتاب «اختلاف الحديث»، ومن «إملاء على كتاب أشهب»،
ومن «كتاب اختلاف أهل المدينة وأبي حنيفة» (١)
стр. 1633
(٣٤٥٩) قال الشافعي: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم، عن عبدالعزيز بن صُهَيْب، عن أنس بن مالك، أنّ النبيَّ ﷺ كان يُضَحِّي بكَبْشَيْنِ، قال أنسٌ: «وأنا أضَحِّي بكَبْشَيْن»، قال: وقال أنسٌ في غير هذا الحديث: «ضَحَّى النبيُّ ﷺ بكَبْشَيْن أمْلَحَيْن» (١).
(٣٤٦٠) قال: وذَبَحَ أبو بُرْدَةَ بنُ نِيارٍ قَبْل أن يَذْبَحَ النبيُّ ﷺ يَوْمَ الأضْحَى، فزَعَمَ أنّ النبيَّ ﷺ أمَرَه أن يَعُودَ لضَحِيَّةٍ أخْرَى، قال أبو بردة: لا أجِدُ إلّا جَذَعًا، فقال النبيُّ ﷺ : «وإن لم تَجِدْ إلّا جَذَعًا فاذْبَحْه»، قال الشافعي: فاحْتَمَلَ أمْرُه بالإعادَةِ أنّها واجِبَةٌ، واحْتَمَل على معنى أنّه إنْ أرادَ أن يُضَحِّيَ، فلمّا قال النبيُّ ﷺ : «إذا دَخَلَت العَشْرُ، فأرادَ (٢) أحَدُكُم أن يُضَحِّيَ، فلا يَمَسَّ مِنْ شَعْرِه وبَشَرِه شَيْئًا» .. دَلَّ أنّها غَيْرُ واجِبَةٍ، وبَلَغَنا أنّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ كانا لا يُضَحِّيان كَراهِيَةَ أن يُرَى أنّها واجِبَةٌ، وعن ابنِ عباس اشْتُرِي له بدرهمين لحمٌ، وقال: «هذه أضْحِيَّةُ ابنِ عبّاس».
(٣٤٦١) قال الشافعي: وآمُرُ مَنْ أراد أن يُضَحِّي أن لا يَمَسَّ (٣) مِنْ شَعْرِه شَيْئًا؛ اتِّباعًا واخْتِيارًا بدَلالةِ السُّنَّةِ، رَوَتْ عائشةُ أنّها كانَتْ تَفْتِلُ قَلائدَ هَدْيِ رسولِ الله ﷺ ، ثُمّ يُقَلِّدُها هو بيَدِه، ثُمّ يَبْعَثُ بها، فلم يُحَرِّمْ (٤) عليه شَيْئًا أحَلَّه الله له حتّى نَحَرَ الهدْيَ.
стр. 1634
(٣٤٦٢) قال الشافعي: والأضْحِيَّةُ سُنَّةُ تَطَوُّعٍ، لا نُحِبُّ تَرْكَها وإنْ كانَتْ غَيْرَ فَرْضٍ (١).
(٣٤٦٣) فإذا ضَحَّى الرَّجُلُ في بَيْتِه، فقد وَقَعَ ثَمَّ اسْمُ ضَحِيَّةٍ.
(٣٤٦٤) ويَجُوزُ في الضَّحايا الجَذَعُ مِنْ الضَّأنِ، والثَّنِيُّ مِنْ الإبِلِ والبَقَرِ والمعْزِ، ولا يَجُوزُ دُون هذا مِنْ السِّنِّ.
(٣٤٦٥) والإبلُ أحَبُّ إليَّ أن يُضَحِّيَ بها مِنْ البَقَرِ، والبَقَرُ مِنْ الغَنَمِ، والضَّأنُ أحَبُّ إليَّ مِنْ المعْزِ، والعَفْراءُ أحَبُّ إليَّ مِنْ السَّوْداءِ (٢)، وزَعَمَ بعضُ المفَسِّرِين أنّ قول الله ﵎: ﴿ذلك ومن يعظم شعائر الله﴾ [الحج: ٣٢] اسْتِسْمانُ الهدْيِ واسْتِحْسانُه.
(٣٤٦٦) قال الشافعي: ولا يَجُوزُ في الضَّحايا العَوْراءُ البَيِّنُ عَوَرُها، ولا العَرْجاءُ البَيِّنُ عَرَجُها، ولا المريضَةُ البَيِّنُ مَرَضُها، ولا العَجْفاءُ التي لا تُنْقِي.
(٣٤٦٧) وليس في القَرْنِ نَقْصٌ، فيُضَحَّى بالجَلْحاءِ، والمكْسُورَةُ القَرْنِ أكْبَرُ منها، دَمِيَ قَرْنُها أو لم يَدْمَ.
(٣٤٦٨) قال: ولا تُجْزِئ الجرْباءُ؛ لأنّه مَرَضٌ يُفْسِدُ لحْمَها.
(٣٤٦٩) ولا وَقْتَ للذَّبْحِ يَوْمَ الأضْحَى إلّا في قَدْرِ صَلاةِ النَّبِيّ ﷺ ، وذلك حين حَلَّت الصلاةُ، وقَدْرِ خُطْبَتَيْن خَفِيفَتَيْن، فإذا كان هذا القَدْرُ فقد حَلَّ الذَّبْحُ لكُلِّ أحَدٍ حيثُ كان، فأمّا صَلاةُ مَنْ بعده فليس فيها وَقْتٌ.
(٣٤٧٠) قال: والذَّكاةُ في الحَلْقِ واللَّبَّةِ، وهي ما لا حَياةَ بعده إذا قُطِعَ، وكَمالُها بأرْبَعٍ: الحُلْقُومِ، والْمَرِيءِ، والوَدَجَيْن، وأقَلُّ ما يُجْزِئ مِنْ
стр. 1635
الذَّكاةِ أن يُبِينَ الحُلْقُومَ والمرِيءَ، وإنّما أرِيدَ بفَرْيِ الأوْداجِ أنّها لا تُفْرَى إلّا بعد قَطْعِ الحُلْقُومِ والمرِيءِ (١)، والوَدَجانِ عِرْقانِ قد يُسَلّان مِنْ الإنسانِ والبَهِيمةِ ثُمّ يَحْيَيان.
(٣٤٧١) ومَوْضِعُ النَّحْرِ في الاخْتِيارِ في السُّنَّةِ في اللَّبَّةِ، ومَوْضِعُ الذَّبْحِ في الاختيارِ في السُّنَّةِ أسْفَلُ مَجامِعِ اللَّحْيَيْن، فإن نُحِرَتْ بَقَرَةٌ أو ذُبِحَ بَعِيرٌ .. فجائزٌ، قال عمر وابن عباس: «إنّما (٢) الذَّكاةُ في الحَلْقِ واللَّبَّةِ»، وزاد عُمَرُ: «ولا تُعْجِلُوا الأنْفُسَ أن تُزْهَقَ»، ونَهَى عن النَّخْعِ (٣).
(٣٤٧٢) قال الشافعي: وأحِبُّ أن لا يَذْبَحَ المناسِكَ التي يُتَقَرَّبُ بها إلى الله إلّا مُسْلِمٌ، فإن ذَبَحَ مُشْرِكٌ تَحِلُّ ذَبِيحَتُه، أجْزَأ على كَراهِيَتِي لِما وَصَفْتُ، وذَبْحُ مَنْ أطاق الذَّبْحَ مِنْ امْرَأةٍ حائِضٍ وصَبِيٍّ مِنْ المسْلِمِين، أحَبُّ إليّ مِنْ ذَبْحِ النَّصْرانيِّ واليَهُودِيِّ.
(٣٤٧٣) ولا بَأسَ بذَبِيحَةِ الأخْرَسِ (٤).
(٣٤٧٤) وأكْرَهُ ذَبِيحَةَ السَّكْرانِ والمجْنُونِ في حالِ جُنُونِه، ولا يَبِينُ أنّها حَرامٌ (٥).
стр. 1636
(٣٤٧٥) ولا تَحِلُّ ذَبِيحَةُ نَصارَى العَرَبِ، وهو قَوْلُ عُمَرَ.
(٣٤٧٦) وأحِبُّ أن يُوَجِّهَ الذَّبِيحَةَ إلى القِبْلَةِ، ويَقُولَ الرَّجُلُ على ذَبِيحَتِه: «باسم الله».
(٣٤٧٧) ولا أكْرَهُ الصَّلاةَ على رسولِ الله ﷺ ؛ لأنّها إيمانٌ بالله، قال ﷺ : «أخْبَرَنِي جبريلُ عن اللهِ أنّه قال ﵎: مَنْ صَلَّى عليك صَلَّيْتُ عليه».
(٣٤٧٨) قال: فإن قال: «اللَّهُمّ مِنك وإليك، فتَقَبَّلْ مِنّي» .. فلا بَأسَ، هذا دعاءٌ، فلا أكْرَهُه.
(٣٤٧٩) قال: وقد رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ مِنْ وَجْهٍ لا يَثْبُتُ أنّه ضَحَّى بكَبْشَيْن، فقال في أحَدِهما بعد ذِكْرِ الله: «اللَّهُمّ عن محمَّدٍ وآلِ محمَّدٍ»، وفي الآخَرِ: «اللَّهُمّ عن محمَّدٍ وأُمَّةِ محمَّدٍ».
(٣٤٨٠) قال الشافعي: وإذا ذَبَحَها فقَطَعَ رَأسَها .. فهي ذَكِيَّةٌ.
(٣٤٨١) ولو ذَبَحَها مِنْ قَفاها .. فإنْ تَحَرَّكَتْ بعد قَطْعِ رَأسِها أكِلَتْ، وإلّا لم تُؤكَلْ.
(٣٤٨٢) وإذا أوْجَبَها أُضْحِيَّةً، وهو أن يَقُولَ: هذه أضْحِيَّةٌ، وليس شِراؤُها والنِّيَّةُ أن يُضَحِّيَ بها إيجابًا لها.
(٣٤٨٣) فإذا أوْجَبَها .. لم يَكُنْ له أن يُبْدِلَها بحالٍ، وإن باعَها فالبَيْعُ مَفْسُوخٌ.
стр. 1637
(٣٤٨٤) فإن فاتَتْ بالبَيْعِ فعليه أن يَشْتَرِي بجَمِيعِ قِيمَتِها مَكانَها، فإن بَلَغَ أضْحِيَّتَيْن اشْتَراهُما؛ لأنّ ثَمَنَها بَدَلٌ منها، وإن بَلَغَ أضْحِيَّةً وزادَ شَيْئًا لا يَبْلُغُ أخْرَى .. ضَحَّى بالضَّحِيَّةِ، وأسْلَكَ الفَضْلَ مَسْلَكَ الضَّحِيَّةِ، وأحَبُّ إليَّ لو تَصَدَّقَ به، وإن نَقَصَ مِنْ الأُضْحِيَّةِ فعليه أن يَزِيدَ حتّى يُوَفِّيَه ضَحِيَّةً؛ لأنّه مُسْتَهْلِكٌ للضَّحِيَّةِ، فأقَلُّ ما يَلْزَمُه ضَحِيَّةٌ مِثْلُها.
(٣٤٨٥) وإن وَلَدَت الأضْحِيَّةُ .. ذُبِحَ معها.
(٣٤٨٦) ولا يَشْرَبُ مِنْ لَبَنِها إلّا الفَضْلَ عن وَلَدِها وما لا يَنْهَكُ لَحْمَها (١)، ولو تَصَدَّقَ به كان أحَبَّ إليَّ.
(٣٤٨٧) ولا يَجُزُّ صُوفَهَا.
(٣٤٨٨) ولو أوْجَبَها هَدْيًا وهو تامٌّ، ثُمّ عَرَضَ به نَقْصٌ وبَلَغَ المنْسَكَ .. أجْزَأ، إنّما أنْظُرُ في هذا كُلِّه إلى يَوْمِ يُوجِبُه ويَخْرُجُ مِنْ مالِه إلى ما جَعَلَه له، فإنْ أوْجَبَه ناقِصًا .. ذَبَحَه ولم يُجْزِه.
(٣٤٨٩) ولو ضَلَّتْ بعدما أوْجَبَها .. فلا بَدَلَ، وليْسَتْ بأكْثَرَ مِنْ هَدْيِ التَّطَوُّعِ يُوجِبُه صاحِبُه فيَمُوتُ فلا يَكُونُ عليه بَدَلٌ.
(٣٤٩٠) ولو وَجَدَها وقد مَضَتْ أيّامُ النَّحْرِ كُلُّها .. صَنَعَ بها كما يَصْنَعُ في النَّحْرِ؛ كما لو أوْجَبَ أن يُهْدِيَها العامَ فأخَّرَها إلى قابِلٍ، وما أوْجَبَه على نَفْسِه لوَقْتٍ ففاتَ الوَقْتُ .. لم يَبْطُل الإيجابُ.
(٣٤٩١) ولو أنّ مُضَحِّيَيْن ذَبَحَ كُلُّ واحِدٍ منهما أُضْحِيَّةَ صاحِبِه .. ضَمِنَ كُلُّ واحِدٍ منهما ما بَيْنَ قِيمَةِ ما ذَبَحَ حَيًّا ومَذْبُوحًا، وأجْزَأ عن كُلٍّ منهما أضْحِيَّتُه وهَدْيُه.