(٣٣٨)
باب أصل فرض الجهاد
(٣٣١٧) قال الشافعي: لمّا مَضَتْ برسولِ الله ﷺ مُدَّةٌ مِنْ هِجْرَتِه (١)، أنْعَمَ الله فيها على جماعاتٍ باتِّباعِه .. حَدَثَتْ لها مع عَوْنِ الله قُوَّةٌ بالعَدَدِ لم تكُنْ قَبْلَها، ففَرَضَ اللهُ عليهم الجهادَ، فقال ﵎: ﴿كتب عليكم القتال وهو كره لكم﴾ [البقرة: ٢١٦] (٢)، وقال: ﴿وقاتلوا في سبيل الله﴾ [البقرة: ١٩٠]، مع ما ذُكِرَ به فَرْضُ الجهادِ.
(٣٣١٨) ودَلّ كتابُ الله جل ذكره ثُمّ على لسانِ نَبِيِّه ﷺ أنّه لم يَفْرِض الجهادَ على مَمْلُوكٍ، ولا على أنْثَى، ولا على مَنْ لم يَبْلُغْ؛ لقول الله جل ذكره (٣): ﴿وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله﴾ [التوبة: ٤١]، فحَكَمَ أن لا مالَ للمَمْلُوكِ، وقال: ﴿حرض المؤمنين على القتال﴾ [الأنفال: ٦٥]، فدَلّ على أنّهم الذُّكُورُ، وعُرِضَ ابنُ عُمَرَ على النبيّ ﷺ يَوْمَ أحُدٍ وهو ابْنُ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فرَدَّه، وعُرِضَ عليه عامَ الخَنْدَقِ وهو ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فأجازَه، وحَضَرَ مع النبيّ ﷺ في غَزْوِةٍ عَبِيدٌ ونِساءٌ وغَيْرُ بالِغِين، فرَضَخَ لهم وأسْهَمَ لضَعْفَى أحْرارٍ وجَرْحَى بالِغِين، فدَلَّ على أنّ السُّهْمانَ إنّما تكُونُ لمن شَهِدَ القِتالَ مِنْ الرِّجالِ والأحْرارِ، ودَلَّ بذلك على أن لا فَرْضَ على غَيْرِهِم في الجِهادِ.
стр. 1579
(٣٣٩)
باب من له عذر بالضَّعفِ والضررِ والزَّمانةِ والعذرِ بترك الجهاد
من كتاب الجزية
(٣٣١٩) قال الشافعي: قال الله ﵎: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٩١]، وقال : ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٩٣]، وقال: ﴿ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج﴾ [الفتح: ١٧]، وقيل: «الأعْرَجُ»: المقْعَدُ، والأغْلَبُ: أنّه أعْرَجُ الرِّجْلِ الواحِدَةِ (١)، وقيل: نَزَلَتْ في وَضْعِ الجِهادِ عنهم، قال: ولا يَحْتَمِلُ غَيْرَه، فإذا كان سالمَ البَدَنِ قَوِيَّه لا يَجِدُ أُهْبَةَ الخُرُوجِ، ونَفَقَةَ مَنْ تَلْزَمُه نَفَقَتُه إلى قَدْرِ ما يَرَى لمدَّتِه في غَزْوِه .. فهو ممَّن لا يَجِدُ ما يُنْفِقُ، فلَيْسَ له أن يَتَطَوَّع بالخُرُوجِ ويَدَعَ الفَرْضَ.
(٣٣٢٠) ولا يُجاهِدُ إلّا بإذْنِ أهْلِ الدَّيْنِ، وبإذْنِ أبَوَيْه؛ لشَفَقَتِهما ورِقَّتِهما عليه إذا كانا مُسْلِمَيْن، وإنْ كانا على غَيْرِ دِينِه .. فإنّما يُجاهِدُ أهْلَ دِينِهما، فلا طاعَةَ لهما عليه؛ قد جاهَدَ ابْنُ عُتْبَةَ بنِ رَبِيعَةَ مع النبيِّ ﷺ ، ولسْتُ أشُكُّ في كَراهِيَةِ أبِيه لجِهادِه مع النبيِّ ﷺ ، وجاهَدَ عبدُالله بنُ
стр. 1580
عبدِالله بنِ أبَيٍّ مع النبيِّ ﷺ وأبُوه مُتَخَلِّفٌ عن النبيِّ ﷺ بأحُدٍ يُخَذِّلُ عنه مَنْ أطاعَه.
(٣٣٢١) قال: ومَن غَزا ممَّن له عُذْرٌ، أو حَدَثَ له بعد الخُرُوجِ عُذْرٌ .. كان عليه الرُّجُوعُ، ما لم يَلْتَقِ الزَّحْفانِ، أو يَكُونُ في مَوْضِعٍ يُخافُ إن رَجَعَ أن يَتْلَفَ.
(٣٣٢٢) قال: ويَتَوَقَّى في الحَرْبِ قَتْلَ أبيه.
(٣٣٢٣) ولا يَجُوزُ أن يَغْزُوَ بجُعْلٍ مِنْ مالِ رَجُلٍ، ويَرُدَّه إنْ غَزا به، وإنّما أجَزْتُه مِنْ السُّلْطانِ لأنّه يَغْزُو بشَيْءٍ مِنْ حَقِّه.
(٣٣٢٤) قال: ومَن ظَهَرَ منه تَخْذِيلٌ للمُسْلِمِين، أو إرْجافٌ بهم، أو عَوْنٌ عَلَيْهم .. مَنَعَه الإمامُ الغَزْوَ معهم؛ لأنّه ضَرَرٌ عَلَيْهم، وإنْ غَزا لم يُسْهِمْ له.
(٣٣٢٥) وواسِعٌ للإمامِ أن يَأذَنَ للمُشْرِكِ أن يَغْزُوَ معه إذا كانَتْ فيه للمُسْلِمِين مَنْفَعَةٌ، وقد غَزا النبيُّ ﷺ بيَهُودٍ من بني قَيْنُقاعٍ، وشَهِدَ معه صَفْوانُ حُنَيْنَ بعد الفَتْحِ وصَفْوانُ مُشْرِكٌ.
(٣٣٢٦) وأحِبُّ (١) أن لا يُعْطَى المشْرِكُ مِنْ الفَيْءِ شَيْئًا، ويَسْتَأجِرَ إجارَةً مِنْ مالٍ لا مالِكَ له بعَيْنِه، وهو سَهْمُ النَّبِيِّ ﷺ ، فإن أغْفَلَ ذلك الإمامُ أعْطِيَ مِنْ سَهْمِ النَّبيِّ ﷺ .
(٣٣٢٧) ويَبْدَأ الإمامُ بالقِتالِ مَنْ يَلِيه مِنْ الكُفّارِ وبالأخْوَفِ، فإن كان الأبْعَدُ أخْوَفَ .. فلا بَأسَ أن يَبْدَأ به على مَعْنَى الضَّرُورَةِ التي يَجُوزُ فيها ما لا يَجُوزُ في غَيْرِها.
стр. 1581
(٣٣٢٨) قال: وأقَلُّ ما على الإمامِ أن لا يَأتِيَ عليه عامٌ إلّا وله فيه غَزْوٌ، بنَفْسِه أو بسَرَاياه، على حُسْنِ النَّظَرِ للمُسْلِمِين، حتّى لا يَكُونَ الجِهادُ مُعَطَّلًا في عامٍ إلّا مِنْ عُذْرٍ (١).
(٣٣٢٩) ويُغْزِي أهْلَ الفَيْءِ، كُلَّ قَوْمٍ إلى مَنْ يَلِيهم.
стр. 1582
(٣٤٠)
باب النفير
من كتاب الجزية والرسالة
(٣٣٣٠) قال الشافعي: قال الله : ﴿إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما﴾ [التوبة: ٣٩] وقال : ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: ٩٥]، فلمّا وَعَدَ القاعِدِين الحُسْنَى، دَلّ أنّ فَرْضَ النَّفِيرِ على الكِفايَةِ، فإذا لم يَقُمْ بالنَّفِيرِ كِفايَةٌ حَرِجَ مَنْ تَخَلَّفَ واسْتَوْجَبُوا ما قال اللهُ ﵎، وإنْ كان فيهم كِفايَةٌ حتّى لا يَكُونَ النَّفِيرُ مُعَطَّلًا لم يَأثَمْ مَنْ تَخَلَّفَ؛ لأنّ اللهَ وَعَدَ جَمِيعَهُم الحُسْنَى.
(٣٣٣١) وكذلك رَدُّ السَّلامِ، ودَفْنُ الموْتَى، والقِيامُ بالعِلْمِ، ونَحْوُ ذلك، فإذا قام بذلك مَنْ فيه الكِفايَةُ لم يَحْرَج الباقُون، وإلّا حَرِجُوا أجْمَعُون.
стр. 1583
(٣٤١)
باب جامع السير
(٣٣٣٢) قال الشافعي: الحُكْمُ في المشْرِكِين حُكْمان: فمَن كان مِنهم أهْلَ الأوْثانِ أو مَنْ عَبَدَ ما اسْتَحْسَنَ مِنْ غَيْرِ أهْلِ الكِتابِ .. لم تُؤخَذْ منهم الجِزْيَةُ، وقُوتِلُوا حتّى يُقْتَلُوا أو يُسْلِمُوا؛ لقولِ الله : ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة: ٥]، وقال رسولُ الله ﷺ : «أمِرْتُ أنْ أقاتِلَ النّاسَ حتّى يَقُولُوا: لا إلهَ إلّا اللهَ»، ومَن كان مِنْهُم أهْلَ كِتابٍ .. قُوتِلُوا حتّى يُسْلِمُوا أو يُعْطُوا الجِزْيَةَ عن يَدٍ وهم صاغِرُون (١)، فإن لم يُعْطُوها قُوتِلُوا وقُتِلُوا وسُبِيَتْ ذَرارِيُّهم ونِساؤُهم وأمْوالُهم ودِيارُهُم، وكان ذلك كُلُّه فَيْئًا بَعْدَ السَّلَبِ للقاتِلِ في الإقْبالِ، قال ذلك الإمامُ أو لم يَقُلْه؛ لأنّ رسولَ الله ﷺ نَفَّلَ أبا قَتادَةَ يَوْمَ حُنَيْنٍ سَلَبَ قَتِيلِه، وما نَفَّلَه إيّاه إلّا بَعْدَ تَقَضِّي الحَرْبِ، ونَفَّلَ محمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ سَلَبَ مَرْحَبٍ يَوْمَ خَيْبَرَ، ونَفَّلَ يَوْمَ بَدْرٍ عَدَدًا ويَوْمَ أحُدٍ رَجُلًا أو رَجُلَيْن أسْلابَ قَتْلاهم، وما عَلِمْتُه حَضَرَ مَحْضَرًا قَطُّ فقَتَلَ رَجُلٌ قَتِيلًا في الإقْبالِ إلّا نَفَّلَه سَلَبَه، ولقد فَعَلَ ذلك بعدَ رسولِ الله أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ.
стр. 1584
(٣٣٣٣) قال: ثُمّ يُرْفَعُ بعدَ السَّلَبِ خُمُسُه لأهْلِه، ويُقْسَمُ أرْبَعَةُ أخْماسِه بين مَنْ حَضَرَ الوَقْعَةَ، دُون مَنْ جاء بَعْدَها، واحْتَجَّ بأنّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ قالا: «الغَنِيمَةُ لمَنْ شَهِدَ الوَقْعَةَ».
(٣٣٣٤) قال: ويُسْهَمُ للبِرْذَوْنِ كما يُسْهَمُ للفَرَسِ سَهْمان (١)، وللفارِسِ سَهْمٌ، ولا يُعْطَى إلّا لفَرَسٍ واحدٍ.
(٣٣٣٥) قال: ويُرْضَخُ لمن لم يَبْلُغْ، وللمَرْأةِ، والعَبْدِ، والمشْرِكِ إذا قاتَلَ، ولمن اسْتُعِين به مِنْ المشْرِكِين، ويُسْهَمُ للتَّاجِرِ إذا قاتَلَ.
(٣٣٣٦) وتُقْسَمُ الغَنِيمَةُ (٢) في دارِ الحَرْبِ، قَسَمَها رسولُ الله ﷺ حَيْثُ غَنِمَها، وهي دار حَرْبِ بَنِي المصْطَلِقِ وخَيْبَرَ (٣)، فأمّا ما احْتَجّ به أبو يوسُفَ أنّ النبيَّ ﵇ قَسَمَ غَنائِمَ بَدْرٍ بعد مَقْدَمِه إلى المدينةِ، وقولُه: «الدَّليلُ على ذلك: أنّه أسْهَمَ لعُثْمانَ وطلحةَ ولم يَشْهَدا بَدْرًا .. فإنْ كان كَما قال فقد خالَفَ سُنَّةَ رسولِ الله ﷺ ؛ لأنّه لا يُعْطِي أحَدًا لم يَشْهَد الوَقْعَةَ ولم يَقْدَمْ مَدَدًا عليهم في دار الحَرْبِ»، ولَيْسَ كما قالَ، ما قَسَمَ النّبيٌّ ﷺ غَنائِمَ بَدْرٍ إلّا بِسَيرِ شِعْبٍ مِنْ شِعابِ الصَّفْراءِ قَرِيبٍ مِنْ بَدْرٍ، فلمّا تَشاحَّ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ في غَنِيمَتِها أنْزَلَ اللهُ : ﴿يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول﴾ [الأنفال: ١]، فقَسَمَها بَيْنَهم وهي له تَفَضُّلًا، وأدْخَلَ معهم ثَمانِيَةَ نَفَرٍ مِنْ المهاجرين والأنصارِ بالمدينةِ، وإنّما نَزَلَتْ: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه﴾ [الأنفال: ٤١] بعد بَدْرٍ، ولم نَعْلَمْه أسْهَمَ لأحَدٍ لم يَشْهَد الوَقْعَةَ بعد نُزُولِ الآيةِ، قال: ومَن أعْطَى مِنْ المؤَلَّفَةِ وغَيْرِهم فمِن مالِه
стр. 1585
أعْطاهُم ﷺ ، لا مِنْ الأرْبَعَةِ الأخْماسِ، وأمّا ما احْتَجَّ به مِنْ وَقْعَةِ عبدِالله بنِ جَحْشٍ وابنِ الحَضْرَمِيّ .. فذلك قَبْلَ بَدْرٍ، وكانَتْ وَقْعَتُهُم في آخِرِ الشَّهْرِ الحرامِ، فتَوَقَّفُوا فيما صَنَعُوا حتّى نَزَلَتْ: ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير﴾ [البقرة: ٢١٧]، ولَيْسَ ممّا (١) خالَفَ فيه الأوْزاعِيَّ في شَيْءٍ.
(٣٣٣٧) قال الشافعي: ولهم أن يَأكُلُوا ويَعْلِفُوا دَوابَّهم في دارِ الحَرْبِ، فإنْ خَرَجَ أحَدٌ منهم مِنْ دارِ الحَرْبِ وفي يَدِه شَيْءٌ منه، صَيَّرَه إلى الإمامِ (٢).
(٣٣٣٨) وما كان مِنْ كُتُبِهم فيه طِبٌّ أو ما لا مَكْرُوهَ فيه بِيعَ، وما كان فيه شِرْكٌ (٣) أُبْطِلَ وانْتُفِعَ بأوْعِيَتِه.
(٣٣٣٩) وما كان مِثْلُه مُباحًا في بلادِ الإسْلامِ مِنْ شَجَرٍ أو حَجَرٍ، أو صَيْدٍ في بَرٍّ أو بَحْرٍ، فهو لمن أخَذَه، إلّا أن يَكُونَ مَصْنُوعًا، أو صَيْدًا مُقَرَّطًا (٤) أو مَوْسُومًا، فلا يَكُونُ لمن أخَذَه.
стр. 1586
(٣٣٤٠) ومَن أسِرَ منهم .. فإنْ أشْكَلَ بُلُوغُهم .. فمَن لم يُنْبِتْ فحُكْمُه حُكْمُ طِفْلٍ، ومَن أنْبَتَ فهو بالِغٌ، والإمامُ في البالغين بالخيارِ بَيْنَ أن يَقْتُلَهم بلا قَطْعِ يَدٍ ولا عُضْوٍ، أو (١) يُسْلِمَ أهْلُ الأوْثانِ، ويُؤدِّيَ الجِزْيَةَ أهْلُ الكِتابِ، أو يَمُنَّ عليهم، أو يُفادِيَهُم بمالٍ أو بأسْرَى مِنْ المسلمين، أو يَسْتَرِقَّهم، فإن اسْتَرَقَّهُم أو أخَذَ مِنْهم (٢) فسَبِيلُه سَبِيلُ الغَنِيمَةِ، أسَرَ النبيُّ ﷺ أهْلَ بَدْرٍ، فقَتَلَ عُقْبَةَ بنَ أبي مُعَيْطٍ والنَّضْرَ بنَ الحارِثِ، ومَنَّ على أبي عَزَّةَ الجُمَحِي على أن لا يُقاتِلَه، فأخْفَرَه (٣) وقاتَلَه يَوْمَ أحُدٍ، فدَعا أن لا يُفْلِتَ (٤)، فما أُسِرَ غَيْرُه، ثُمّ أُسِرَ ثُمامَةُ بنُ أُثالٍ الحَنَفِيّ فمَنَّ عليه ثُمّ أسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُه، وفَدَى النبيُّ ﷺ رَجُلًا مِنْ المسْلِمِين برَجُلَيْن مِنْ المشْرِكِين.
(٣٣٤١) قال: وإنْ أسْلَمُوا بعد الإسارِ رَقُّوا، وإنْ أسْلَمُوا قبل الإسارِ فهم أحْرارٌ.
(٣٣٤٢) وإذا الْتَقَوْا والعَدُوَّ فلا يُوَلُّوهُم الأدْبارَ، قال ابنُ عبّاسٍ: «مَنْ فَرَّ مِنْ ثلاثةٍ فلم يَفِرَّ، ومَن فَرَّ مِنْ اثْنَيْنِ فقد فَرَّ»، قال الشافعي: وهذا مِثلُ مَعْنَى التَّنْزِيلِ (٥)، فإذا فَرَّ الواحِدُ مِنْ الاثْنَيْن فأقَلَّ، إلّا مُتَحَرِّفًا لقِتالٍ،
стр. 1587
أو مُتَحَيِّزًا إلى فِئةٍ مِنْ المسْلِمِين، قَلَّتْ أو كَثُرَتْ، بحَضْرَتِه أو مُنْتَئِيَةً عنه (١) .. فسَواءٌ، ونِيَّتُه في التَّحَرُّفِ والتَّحَيُّزِ ليَعُودَ للقِتالِ المسْتَثْنَى المخْرِجِ مِنْ سَخَطِ اللهِ، وإنْ كان هَرَبُه على غَيْرِ هذا المعْنَى خِفْتُ عليه - إلّا أن يَعْفُوَ اللهُ - أن يَكُونَ قَدْ باءَ بسَخَطٍ مِنْ اللهِ.
(٣٣٤٣) ونَصَبَ رسولُ الله ﷺ على أهْلِ الطّائِفِ مَنْجَنِيقًا أو عَرّادَةً، ونَحْنُ نَعْلَمُ أنّ فيهم النّساءَ والوِلْدانَ، وقَطَعَ أمْوالَ بني النَّضِيرِ وحَرَّقَها، وشَنَّ الغارَةَ على بَنِي المصْطَلِق غارِّين، وأمَرَ بالبَياتِ والتَّحْرِيقِ، وقَطَعَ بخَيْبَرَ - وهي بعد النَّضِيرِ - وبالطّائِفِ - وهي آخِرُ غَزاةٍ غَزاها ﷺ قَطُّ لَقِيَ فيها قِتالًا - قال الشافعي: فبِهَذا كُلِّه أقُولُ، وما أصِيبَ بذلك مِنْ النِّساءِ والوِلْدانِ فلا بَأسَ؛ لأنّه على غَيْرِ عَمْدٍ.
(٣٣٤٤) فإن كان في دارِهِم أُسارَى مُسْلِمُون أو مُسْتَأمِنُون .. كَرِهْتُ النَّصْبَ عليهم بما يَعُمُّ مِنْ التَّحْرِيقِ والتَّغْرِيقِ احْتِياطًا، غَيْرَ مُحَرِّمٍ له تَحْرِيمًا بَيِّنًا، وذلك أنّ الدَّارَ إذا كانَتْ مُباحَةً، فلا يَبِينُ أن يُحَرَّمَ بأن يَكُونَ فيها مُسْلِمٌ يَحْرُمُ دَمُه.
(٣٣٤٥) ولكن لو التَحَمُوا فكانَ يَنْكَأُ مَنْ التَحَمَهُم أن يَفْعَلُوا ذلك، رَأيْتُ لهم أن يَفْعَلُوه، وكانُوا مأجُورِينَ؛ لأمْرَيْنِ: أحَدُهما - الدَّفْعُ عن أنْفُسِهم، والآخَرُ - نِكايَةُ عَدُوِّهِم، ولو كانُوا غَيْرَ مُلْتَحِمِين فتَتَرَّسُوا بأطْفالهم .. فقد قيل: يضْرِبُ المتَتَرِّسَ (٢)، ولا يَعْمِدُ الطِّفْلَ، وقد قيل: يَكُفُّ (٣).
стр. 1588
(٣٣٤٦) قال: ولو تَتَرَّسُوا بمُسْلِمٍ .. رَأيْتُ أن يَكُفَّ، إلّا أن يَكُونُوا مُلْتَحِمِين، فيَضْرِبَ المشْرِكَ، ويَتَوَقَّى المسْلِمَ جُهْدَه، فإنْ أصابَ في هذا الحالِ مُسْلِمًا .. قال في «كتاب حكم أهل الكتاب»: أعْتَقَ رَقَبَةً، وقال في موضع آخر من هذا الكتاب: إن كان عَلِمَه مُسْلِمًا فالدِّيَةُ مع الرَّقَبَةِ.
قال المزني: [ليس هذا عندي بمُخْتَلِفٍ، ولكنّه يَقُولُ: إذا قَتَلَه مع العِلْمِ بأنّه مُحَرَّمُ الدَّمِ فدِيَةٌ مع الرَّقَبَةِ (١)، وإذا ارْتَفَعَ العِلْمُ فالرَّقَبَةُ دُون الدِّيَةِ، [قال: وكذلك قال الشافعي (٢): «لو رَمَى في دارِ الحَرْبِ فأصاب مُسْتأمِنًا ولم يَقْصِدْه .. فليس عليه إلّا رَقَبَةٌ، ولو كان عَلِمَ مَكانَه ثُمّ رَماه غَيْرَ مُضْطَرٍّ إلى الرَّمْيِ .. فعليه رَقَبَةٌ ودِيَةٌ» (٣).
(٣٣٤٧) قال الشافعي: ولو أدْرَكُونا وفي أيْدِينا خَيْلُهم وماشِيَتُهم .. لم يَحِلَّ قَتْلُ شَيْءٍ منها ولا عَقْرُه، إلّا أن يُذْبَحَ لمأكَلِه، ولو جاز ذلك لغَيْظِهِم بقَتْلِهِم طَلَبْنا غَيْظَهُم بقَتْلِ أطْفالهم، ولكن لو قاتَلُونا على خَيْلِهِم فوَجَدْنا السَّبِيلَ إلى قَتْلِهِم بأن نَعْقِرَ بهم فَعَلْنا؛ لأنّها تَحْتَهُم أداةٌ لقَتْلِنا، وقد عَقَرَ حَنْظَلَةُ بنُ الرّاهِبِ بأبي سُفْيان بنِ حَرْبٍ يَوْمَ أحُدٍ، فاكْتَسَعَتْ به فَرَسُه، فسَقَطَ عنها، فجَلَسَ على صَدْرِه ليَذْبَحَه، فرآه ابْنُ شَعُوبٍ فرَجَعَ إليه فقَتَلَه، واسْتَنْقَذَ أبا سُفْيانَ مِنْ تَحْتِه (٤).
стр. 1589
(٣٣٤٨) وقال في «كتاب حكم أهل الكتاب»: وإنّما تَرَكْنا قَتْلَ الرُّهْبانِ اتِّباعًا لأبي بكرٍ، وقال في «كتاب السير»: ويُقْتَلُ الشُّيُوخُ والأُجَراءُ والرُّهْبانُ، قُتِلَ دُرَيْدُ بنُ الصِّمَّةِ مِنْ خَمْسٍ أو خَمْسِين ومائةِ سَنَةٍ - شَكَّ المزنيُّ (١) - في شِجارٍ لا يَسْتَطِيعُ الجُلُوسَ (٢)، فذُكِرَ ذلك للنَّبِيّ ﷺ فلم يُنْكِرْ قَتْلَه، قال: ورُهْبانُ الدِّياراتِ والصَّوامَعِ والمساكِنِ سَوَاءٌ (٣)، ولو ثَبَتَ عن أبي بَكْرٍ الصديقِ خِلافُ هذا لأشْبَه أن يَكُونَ أمَرَهُم بالجِدِّ على قِتالِ مَنْ يُقاتِلُهُم، ولا يَتَشاغَلُوا بالمقامِ على الصَّوامِع عن الحَرْبِ كالحُصُونِ، ولا يَشْتَغِلُون بالمقامِ بها ليَسْتَحِقَّ النِّكايَةَ بالعَدُوِّ، ولَيْسَ أنّ قِتالَ أهْلِ الحُصُونِ حَرامٌ، وكما رُوِيَ عنه أنّه نَهَى عن قَطْعِ الشَّجَرِ المثْمِرِ؛ لأنّه قد حَضَرَ رسولَ الله ﷺ يَقْطَعُ الشَّجَرَ المثْمِرَ على بني النَّضِيرِ، وعَلِمَ أنّ رسولَ الله ﷺ قد وَعَدَهُم بفَتْحِ الشّامِ، فتَرَكَ قَطْعَه؛ لتَبْقَى لهم مَنْفَعَتُه، إذْ كان واسِعًا لهم تَرْكُ قَطْعِه.
قال المزني: هذا أوْلَى القَوْلَيْن عندي (٤) بالحقِّ؛ لأنَّ كُفْرَ جَمِيعِهم
стр. 1590
واحِدٌ، فكذلك حِلُّ سَفْكِ دِمائِهم بالكُفْرِ في القِياسِ واحِدٌ (١).
(٣٣٤٩) قال الشافعي: فإذا أمَّنَهُم مُسْلِمٌ حُرٌّ بالِغٌ، أو عَبْدٌ يُقاتِلُ أو لا يُقاتِلُ، أو امْرَأةٌ .. فالأمانُ جائزٌ، قال رسولُ الله: «المسْلِمُون يَدٌ على مَنْ سِواهُم، يَسْعَى بذِمَّتِهِم أدْناهُمْ» (٢).
(٣٣٥٠) ولو خَرَجُوا إلَيْنا بأمانِ صَبِيٍّ أو مَعْتُوهٍ .. كان عَلَيْنا رَدُّهُم إلى مَأمَنِهم؛ لأنّهم لا يَعْرِفُون مَنْ يَجُوزُ أمانُه لهم ومَن لا يَجُوزُ.
(٣٣٥١) ولو أنّ عِلْجًا دَلَّ المسْلِمِين على قَلْعَةٍ على أنّ له جارِيَةً سَمّاها، فلمّا انْتَهَوْا إليها صالَحُوا صاحِبَ القَلْعَةِ على أن يَفْتَحَها لهم ويُخَلُّوا بَيْنَه وبَيْنَ أهْلِه، ففَعَلَ، فإذا أهْلُه تِلْكَ الجاريةُ .. فأرَى أن يُقالَ للدَّلِيلِ: إن رَضِيتَ العِوَضَ عَوَّضْناك قِيمَتَها، وإنْ أبَيْتَ قيل لصاحِبِ القَلْعَةِ: أعْطَيْناك ما صالحْنا عليه غَيْرَكَ بجَهَالَةٍ، فإنْ سَلَّمْتَها عَوَّضْناك، وإن لم تَفْعَلْ نَبَذْنا إلَيْكَ وقاتَلْناك، فإن كانَتْ أسْلَمَتْ قبل الظَّفَرِ أو ماتَتْ .. عُوِّضَ، ولا يَبِينُ ذلك في الموْتِ كما يَبِينُ إذا أسْلَمَتْ (٣).
(٣٣٥٢) وإنْ غَزَتْ طائفةٌ بغَيْرِ أمْرِ الإمامِ كَرِهْتُه؛ لِما في إذْنِ الإمامِ
стр. 1591
مِنْ مَعْرِفَتِه بغَزْوِهِم ومَسْألَتِه، ويَأثِرُ الخَبَرَ (١) عنهم فيُغِيثُهم حيثُ يُخافُ هَلاكُهُم فيُقْتَلُون ضَيْعَةً، قال: ولا أعْلَمُ ذلك يَحْرُمُ عليهم، وذلك أنّ رسولَ الله ﷺ ذَكَرَ الجنَّةَ، فقال له رَجُلٌ مِنْ الأنْصارِ: إنْ قُتِلْتُ يا رسولَ الله صابِرًا مُحْتَسِبًا؟ قال: «فلك الجنَّةُ»، قال: فانْغَمَسَ في العَدُوِّ فقَتَلُوه (٢)، [وألْقَى رجلٌ مِنْ الأنْصارِ دِرْعًا كان عليه حين ذَكَرَ النبيُّ ﷺ الجنَّةَ، ثُمّ انْغَمَسَ في القَوْمِ فقَتَلُوه (٣) بين يَدَيْ رسولِ الله، قال الشافعي: فإذا حَلَّ للمُنْفَرِدِ أن يَتَقَدَّمَ على ما الأغْلَبُ أنّهم يَقْتُلُونَه، كان هذا أكْثَرُ ما في الانْفِرادِ مِنْ الرَّجُلِ والرِّجالِ بغَيْرِ إذْنِ الإمامِ، وبَعَثَ رسولُ الله ﷺ عَمْرَو بنَ أمَيَّةَ الضَّمْرِيّ ورَجُلًا مِنْ الأنصارِ سَرِيَّةً وَحْدَهما، وبَعَثَ عبدَالله بنَ أُنَيسٍ سَرِيَّةً وحْدَه، فإذا سَنَّ رسولُ الله ﷺ أن يَتَسَرَّى واحِدٌ ليُصِيبَ غِرَّةً ويَسْلَمَ بالحِيلَةِ أو يُقْتَلَ في سبيلِ الله، فحُكْمُ اللهِ أنّ ما أوْجَفَ المسلمون عليه غَنِيمَةٌ.
(٣٣٥٣) ومَن سَرَقَ مِنْ الغَنِيمَةِ مِنْ حُرٍّ أو عَبْدٍ حَضَرَ الغَنِيمَةَ .. لم يُقْطَعْ؛ لأنّ للحُرِّ سَهْمًا، ويُرْضَخُ للعَبْدِ، ومَن سَرَقَ مِنْ الغَنِيمَةِ وفي أهْلِها أبُوه أو ابْنُه .. لم يُقْطَعْ، وإنْ كان أخُوه أو امْرَأتُه .. قُطِعَ.
قال المزني: وقال في «كتاب السرقة» [ف: ٣٢٦٥]: «إنْ سَرَقَ مِنْ امْرأتِه لم يُقْطَعْ» (٤).
стр. 1592
(٣٣٥٤) قال الشافعي: وما افْتُتِحَ مِنْ أرْضٍ مَواتٍ، فهي لمن أحْياها مِنْ المسْلِمِين.
(٣٣٥٥) وما فَعَلَ المسْلِمُون بَعْضُهم ببَعْضٍ في دارِ الحَرْبِ، لَزِمَهم حُكْمُه حيثُ كانُوا إذا جُعِلَ ذلك لإمامِهِم، لا تَضَعُ الدّارُ عنهم حَدًّا لله ولا حَقًّا لمسْلِمٍ، وقال في «كتاب السير»: يُؤخَّرُ الحُكْمُ عليهم حتّى يَرْجِعَ مِنْ دارِ الحَرْبِ (١).
(٣٣٥٦) قال الشافعي: ولا أعْلَمُ أحَدًا مِنْ المشْرِكِين لم تَبْلُغْه الدَّعْوَةُ اليَوْمَ، إلّا أن يَكُونَ خَلْفَ الذين يُقاتِلُوننا أمَّةٌ مِنْ المشْرِكِين خَلْفَ الخَزَرِ والتُّرْكِ لم تَبْلُغْهُم الدَّعْوَةُ، فلا يُقاتَلُون حتّى يُدْعَوْا إلى الإيمانِ، فإنْ قُتِلَ منهم أحَدٌ قبل ذلك فعلى مَنْ قَتَلَه الدِّيَةُ.
стр. 1593
(٣٤٢)
باب ما أحرز المشركون من المسلمين
(٣٣٥٧) قال الشافعي: لا يَمْلِكُ المشْرِكُون ما أحْرَزُوه على المسْلِمِين بحالٍ، أباح اللهُ لأهْلِ دِينِه مِلْكَ أحْرارِهِم ونِسائِهم وذَرارِيِّهم وأمْوالِهِم، فلا يُساوُوا (١) المسْلِمِين في شَيْءٍ مِنْ ذلك أبَدًا، قد أحْرَزُوا ناقَةَ النبيِّ ﵇ وأحْرَزَتْها منهم الأنْصارِيَّةُ، فلم يَجْعَلْ لها النبيُّ شَيْئًا وجَعَلَها على أصْلِ مِلْكِه فيها، وأبَقَ لابْنِ عُمَرَ عَبْدٌ وعارَ له فَرَسٌ (٢) فأحْرَزَهما المشْرِكُون، ثُمّ أحْرَزَهما عليهم المسْلِمُون فرُدَّا عليه، وقال أبو بكرٍ الصديقُ: «مالِكُه أحَقُّ به قَبْلَ القَسْمِ وبعده»، قال: ولا أعْلَمُ أحَدًا خالَفَ في أنّ المشْرِكِين إذا أحْرَزُوا عَبْدًا لِرَجُلٍ، فأدْرَكَه وقد أوْجَفَ عليه قَبْلَ القَسْمِ أنّه لمالِكِه بلا قِيمَةٍ، ثُمّ اخْتَلَفُوا بعدما يَقَعُ في المقاسِمِ، فقال منهم قائلٌ بقَوْلِنا، وعلى الإمامِ أن يُعَوِّضَ مَنْ صار في سَهْمِه مِثْلَ سَهْمِه مِنْ خُمُسِ الخُمُسِ، وهو سَهْمُ النَّبِيِّ ﷺ ، وهذا يُوافِقُ الكِتابَ والسُّنَّةَ والإجماعَ، وقال غَيْرُنا: هو أحَقُّ به بالقِيمَةِ إنْ شاء، ولا يَخْلُو مِنْ أن يَكُونَ مالَ مُسْلِمٍ فلا يَغْنَمُ، أو مالَ
стр. 1594
مُشْرِكٍ فيَغْنَمُ فلا يَكُونُ لرَبِّه فيه حَقٌّ، ومَن زَعَمَ أنّهم لا يَمْلِكُون الحُرَّ ولا المكاتَبَ ولا أمَّ الوَلَدِ ولا المدَبَّرَ ويَمْلِكُون مَنْ سِواهُم .. فإنّما يَتَحَكَّمُ.
(٣٣٥٨) قال الشافعي: وإذا دَخَلَ الحَرْبِيُّ إلينا بأمانٍ، فأوْدَعَ وباعَ وتَرَكَ مالًا، ثُمّ قُتِلَ بدارِ الحَرْبِ .. فجَمِيعُ مالِه مَغْنُومٌ.
وقال في «كتاب المكاتب»: «مَرْدُودٌ إلى وَرَثَتِه؛ لأنّه مالٌ له أمانٌ»، قال المزني: هذا عندي (١) أصَحُّ؛ لأنّه إذا كان حَيًّا لا يَغْنَمُ مالَه في دارِ الإسلامِ؛ لأنّه مالٌ له أمانٌ، فوارِثُه فيه بمَثابَتِه (٢).
(٣٣٥٩) قال الشافعي: ومَن خَرَجَ إلَيْنا منهم مُسْلِمًا، أحْرَزَ مالَه وصِغارَ وَلَدِه، حَصَرَ النبيُّ ﷺ بني قُرَيْظَةَ، فأسْلَمَ ابْنا سَعْيَة، فأحْرَزَ لهما إسْلامُهما أمْوالَهما وأوْلادَهما الصِّغارَ، قال: وسَواءٌ الأَرَضُون وغَيْرُها.
(٣٣٦٠) ولو دَخَلَ مُسْلِمٌ فاشْتَرَى منهم دارًا أو أرْضًا أو غَيْرَهما، ثُمّ ظَهَرَ على الدّارِ، كان للمُشْتَرِي، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: الأرْضُ والدَّارُ فَيْءٌ، والرَّقِيقُ والمتاعُ للمُشْتَرِي.
(٣٣٦١) قال الأوزاعي: فَتَحَ رسولُ الله ﷺ مَكَّةَ عَنْوَةً فخَلَّى بين المهاجِرِين وأَرَضِيهم ودِيارِهم، قال أبو يوسف: لأنّه عَفا عنهم، ودَخَلَها عَنْوَةً، وليس النبيُّ ﷺ في هذا كغَيْرِه (٣)، قال الشافعي: ما دَخَلَها رسولُ الله ﷺ عَنْوَةً، وما دَخَلَها إلّا صُلْحًا، والذين قاتَلُوا وأذِنَ في قِتالِهِم (٤) بنو نُفاثَةَ قَتَلَةُ خُزاعَةَ، وليس لهم بمَكَّةَ دارٌ، إنّما هَرَبُوا إليها، فأمّا
стр. 1595
غَيْرُهم ممّن دَفَعَ .. فادَّعَوْا أنّ خالِدًا بَدَأهُم بالقِتالِ ولم يُنَفِّذْ لهم الأمانَ، وادَّعَى خالدٌ أنّهم بَدَؤوه ثُمّ أسْلَمُوا قبل أن يَظْهَرَ لهم على شَيْءٍ (١)، ومَن لم يُسْلِمْ صار إلى قَبُولِ الأمانِ بما تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِه ﵇: «مَنْ ألْقَى السِّلاحَ فهو آمِنٌ، ومَن دَخَلَ دارَه فهو آمِنٌ»، فمالُ مَنْ يَغْنَمُ؟ وما يُقْتَدَى إلّا بما صَنَعَ النبيُّ ﷺ ، وما كان له خاصًّا فمُبَيَّنٌ في الكتابِ والسُّنَّةِ، وكيف يَجُوزُ قَوْلُهُما بجَعْلِ بَعْضِ مالِ مُسْلِمٍ فَيْئًا، وبَعْضِه غَيْرَ فَيْءٍ؟ أمْ كيف يُغْنَمُ مالُ مُسْلِمٍ بحالٍ؟ (٢).
стр. 1596
(٣٤٣)
باب وقوع الرجل على الجارية قبل القسم
أو يكون له فيهم أب أو ابن، وحكم السبي
(٣٣٦٢) قال الشافعي: إن وَقَعَ على جارِيَةٍ مِنْ المغْنَمِ قَبْلَ القَسْمِ .. فعليه مَهْرُ مِثْلِها، يُؤدِّيه في المغْنَمِ، ويُنْهَى إنْ جَهِلَ، ويُعَزَّرُ إنْ عَلِمَ، ولا حَدَّ للشُّبْهَةِ؛ لأنّ له فيها شَيْئًا، وإنْ أحْصَوُا المغْنَمَ فعُلِمَ كم حَقُّه منها مع جماعةِ أهْلِ المغْنَمِ .. سَقَطَ عنه بقَدْرِ حِصَّتِه منها، وإنْ حَمَلَتْ .. فهكذا، وتُقَوَّمُ عليه إنْ كان حَمْلٌ، وكانَتْ له أمَّ وَلَدٍ.
(٣٣٦٣) وإنْ كان في السَّبْيِ ابْنٌ أو أبٌ لرَجُلٍ لم يَعْتِقْ عليه حتّى يَقْتَسِمَه، وإنّما يَعْتِقُ عليه مَنْ اجْتَلَبَه شِراءً أو هِبَةً، وهو لو تَرَكَ حَقَّه مِنْ مَغْنَمٍ، لم يَعْتِقْ عليه حتّى يُقْسَمَ.
قال المزني: فإذا كان فيهم ابْنُه فلم يَعْتِقْ منه عليه نَصِيبُه قَبْلَ القَسْمِ، كانَت الأمَةُ تَحْمِلُ منه مِنْ أنْ تكُونَ له أمَّ وَلَدٍ أبْعَدَ (١).
стр. 1597
(٣٣٦٤) قال الشافعي: ومَن سُبِيَ منهم مِنْ الحرائِرِ فقد رَقَّ وبانَتْ مِنْ الزَّوْجِ، كان مَعَها أو لم يَكُنْ، سَبَى النَّبِيُّ ﷺ أوطاسَ وبني المصْطَلِقِ، رِجالَهُم ونِساءَهُم جميعًا، فقَسَمَ السَّبْيَ، وأمَرَ أن لا تُوطَأَ حامِلٌ حتّى تَضَعَ، ولا حائلٌ حتّى تَحِيضَ، ولم يَسْألْ عن ذاتِ زَوْجٍ ولا غَيْرِها، ولَيْسَ قَطْعُ العِصْمَةِ بَيْنَهُنّ وبين أزْواجِهِنّ بأكْثَرَ مِنْ اسْتِيمائِهنّ.
(٣٣٦٥) ولا يُفَرَّقُ بينها وبين وَلَدِها حتّى يَبْلُغَ سَبْعَ سنين أو ثمانِ سِنِين، وهو عندنا اسْتِغْناءُ الوَلَدِ عنها، وكذلك وَلَدُ الوَلَدِ، فأمّا الأخَوان فيُفَرَّقُ بينهما.
(٣٣٦٦) ولنا بَيْعُ أوْلادِ المشْرِكِين مِنْ المشْرِكِين بعد مَوْتِ أمّهاتِهِم، إلّا أن يَبْلُغُوا فيَصِفُوا الإسْلامَ.
قال المزني: ومِن قَوْلِه: «إذا سُبِيَ الطِّفْلُ وليس معه أبواه ولا أحَدُهما أنّه مُسْلِمٌ، وإذا سُبِيَ ومعه أحَدُهما فعلى دِينِهما»، فمَعْنَى هذه المسألةِ في قَوْلِه: أن يَكُونَ سَبْيُ الأطْفالِ مع أمّهاتِهم، فثَبَتَ في الإسلامِ حُكْمُ أمَّهاتِهم، ولا يُوجِبُ إسْلامَهُم مَوْتُ أمّهاتِهم (١).
(٣٣٦٧) قال الشافعي: ومَن يَعْتِقُ منهم، فلا يُورَّثُ حميلٌ إلّا أن تَقُومَ بنَسَبِه بَيِّنَةٌ مِنْ المسْلِمِين (٢).
стр. 1598
(٣٤٤)
باب المبارزة
(٣٣٦٨) قال الشافعي: ولا بَأسَ بالمبارَزَةِ، قد بارز يَوْمَ بَدْرٍ عُبَيْدَةُ بنُ الحارِثِ وحَمْزَةُ بنُ عبدِالمطّلِبِ وعليٌّ بأمْرِ النبيِّ ﷺ ، وبارز محمّدُ بنُ مَسْلَمَةَ مَرْحَبًا يَوْمَ خَيْبَرَ بأمْرِ النبيّ ﷺ ، وبارَزَ يَوْمَئِذٍ الزُّبَيْرُ بن العوّام ياسِرًا، وعلي بن أبي طالبٍ يَوْمَ الخنْدَقِ عَمْرَو بْنَ عَبْدِ وُدٍّ.
(٣٣٦٩) قال الشافعي: فإن بارَزَ مُسْلِمٌ مُشْرِكًا، أو مُشْرِكٌ مُسْلِمًا، على أن لا يُقاتِلَه غَيْرُه .. وُفِّيَ بذلك له، فإن وَلَّى عنه المسْلِمُ أو جَرَحَه فأثْخَنَه (١) فلهم أن يَحْمِلُوا عليه ويَقْتُلُوه؛ لأنّ قِتالَهُما قد انْقَضَى، ولا أمانَ له عليهم، إلّا أن يَكُونَ شَرَطَ أنّه آمِنٌ حتّى يَرْجِعَ إلى مَخْرَجِه مِنْ الصَّفِّ، فلا يَكُونُ لهم قَتْلُه، ولهم دَفْعُه واسْتِنْقاذُ المسْلِمِ منه، فإن امْتَنَعَ وعَرَضَ دُونَهم يُقاتِلُهم (٢) قاتَلُوه؛ لأنّه نَقَضَ أمانَ نَفْسِه، أعان حَمْزَةُ وعليٌّ على عُتْبَةَ بعد أن لم يَكُنْ في عُبَيْدَةَ قِتالٌ، ولم يَكُنْ لعُتْبَةَ أمانٌ يَكُفُّونَ به عنه.
(٣٣٧٠) ولو أعان المشركون صاحِبَهم كان حَقًّا على المسلمين أن يُعِينُوا صاحِبَهم ويَقْتُلُوا مَنْ أعان عليه، ولا يَقْتُلُون المبارِزَ ما لم يَكُنْ اسْتَنْجَدَهم (٣).
стр. 1599
(٣٤٥)
باب فتح السواد، وحكمِ ما يُوقِفُه الإمام من الأرض للمسلمين
(٣٣٧١) قال الشافعي: ولا أعْرِفُ ما أقُولُ في أرْضِ السَّوادِ إلّا بظَنٍّ مَقْرُونٍ إلى عِلْمٍ، وذلك أنّي وَجَدْتُ أصَحَّ حَدِيثٍ يَرْوِيه الكُوفِيُّون عندهم في السَّوادِ ليس فيه بَيانٌ، ووَجَدْتُ أحادِيثَ مِنْ أحادِيثِهم مخْتَلِفَةً (١)، منها أنّهم يَقُولون: إنّ السَّوادَ صُلْحٌ، ويَقُولون: السَّوادُ عَنْوَةٌ، ويَقُولون: بَعْضُه صُلْحٌ وبَعْضُه عَنْوَةٌ، ويَقُولون: إنّ جَرِير البَجَلِيّ، وهذا أثْبَتُ حديثٍ عندهم فيه (٢)، قال الشافعي: أخبرنا الثِّقَةُ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير، قال: «كانت بَجِيلَةُ رُبُعَ النّاسِ، فقُسِمَ لهم رُبُعُ السَّوادِ، فاسْتَغَلُّوه ثلاث أو أرْبَعَ سِنِينَ - قال الشافعي: أنا شَكَكْتُ (٣) -، قال: ثُمّ قَدِمْتُ على عُمَرَ بنِ الخطابِ ومَعِي فُلانَةُ بِنْتُ فلانٍ - امْرَأةٌ منهم قد سَمّاها فلم يَحْضُرْنِي ذِكْرُ اسْمِها - فقال عمرُ: لولا أنّي قاسِمٌ مَسْؤولٌ لتَرَكْتُكُمْ على ما قُسِمَ لكم، ولكنْ أرَى أن تَرَادُّوا على النّاسِ» (٤)، قال الشافعي: وكان في حَدِيثِه: «وعاضَنِي مِنْ حَقِّي نَيِّفًا وثمانين دِينارًا»، وكان في حَدِيثِه: «فقالَتْ فُلانةُ: قد شَهِدَ أبي القادِسِيَّةَ وثَبَتَ سَهْمُه ولا أسَلِّمُه
стр. 1600
حتّى تُعْطِيَني كذا وكذا، فأعْطاها إيّاه»، قال الشافعي: ففي هذا الحديثِ دَلالَةٌ إذْ أعْطَى جَرِيرًا عِوَضًا مِنْ سَهْمِه والمرْأةَ عِوَضًا مِنْ سَهْمِ أبِيها على أنّه اسْتَطَابَ أنْفُسَ الذين أوْجَفُوا عليه، فتَرَكُوا حُقُوقَهم منه، فجَعَلُوه وَقْفًا للمسلمين، وقد سَبَى النبيُّ ﷺ هَوازِنَ، وقَسَمَ الأرْبَعَةَ الأخْماسَ بين الموجِفِين، ثُمّ جاءَتْه وُفُودُ هَوازِنَ المسْلِمِين (١)، فسَألُوه أن يَمُنّ بأن يَرُدَّ عليهم ما أخَذُوا منهم، فخَيَّرَهُم النبيُّ ﷺ بَيْنَ الأمْوالِ والسَّبْيِ، فقالوا: خَيَّرْتَنا بَيْنَ أحْسابِنا وأمْوالِنا (٢)، فنَخْتارُ أحْسابَنا، فتَرَكَ النبيُّ ﷺ حَقَّه وحَقَّ أهْلِ بَيْتِه، فسَمِعَ بذلك المهاجرون فتَرَكُوا له حُقُوقَهُم (٣)، وسَمِعَ بذلك الأنصارُ فتَرَكُوا له حُقُوقَهُم، ثُمّ بَقِيَ قَوْمٌ مِنْ المهاجرين الآخَرِين، فأمَرَ فعَرَّفَ على كُلِّ عَشَرَةٍ واحِدًا، ثُمّ قال: ائتُونِي بطِيبِ أنْفُسِ مَنْ بَقِيَ، فمَن كَرِهَ فله عليَّ كذا وكذا مِنْ الإبِلِ إلى وَقْتٍ ذَكَرَه، فجاؤوه بطِيبِ أنْفُسِهِم إلّا الأقْرَعَ بنَ حابِسٍ وعُيَيْنَةَ بنَ بدرٍ؛ فإنّهما أبَيَا ليُعَيِّرا هَوازنَ، فلم يُكْرِهْهُما رسولُ الله ﷺ على ذلك، حتّى كانا هُما اللَّذَان تَرَكَا بأنْ خُدِعَ عُيَيْنَةُ عن
стр. 1601
حَقِّه، وسَلَّم لهم النبيُّ ﷺ مَنْ طاب نَفْسًا عن حَقِّه، وهذا أوْلَى الأمْرَيْن عندنا بعُمَرَ في السَّوادِ وفُتُوحِه؛ إنْ كانَتْ عَنْوَةً لا يَنْبَغِي أن تَكُونَ قُسِمَتْ إلّا عن أمْرِ عُمَرَ؛ لكِبَرِ قَدْرِه، ولو تُفُوِّتَ عليه فيه ما انْبَغَى أن يَغِيبَ عنه قَسْمُه في ثلاثِ سِنِينَ، ولو كان القَسْمُ ليس لمن قُسِمَ لهم ما كان له منه عِوَضٌ، ولكان عليهم أن يَرُدُّوا الغَلَّةَ، والله أعْلَمُ كيف كان، وهكذا صَنَعَ رسولُ الله في خَيْبَرَ وبني قُرَيْظَةَ لمن أوْجَفَ عليها أرْبَعَةُ أخْماسٍ، والخُمُسُ لأهْلِه، فمَن طابَ نَفْسًا عن حَقِّه .. فجائزٌ للإمامِ نَظَرًا للمُسْلِمِين أن يَجْعَلَها وَقْفًا عليهم، تُقْسَمُ غَلَّتُه فيهم على أهْلِ الفَيْءِ والصَّدَقةِ وحَيْثُ يَرَى الإمامُ، ومَن لم يَطِبْ نَفْسًا فهو أحَقُّ بمالِه.
(٣٣٧٢) قال: وأيُّ أرْضٍ فُتِحَتْ صُلْحًا على أنّ أرْضَها لأهْلِها ويُؤدُّون فيها خَراجًا .. فلَيْسَ لأحَدٍ أخْذُها مِنْ أيْدِيهم، وما أخِذَ مِنْ خَراجِها فهو لأهْلِ الفَيْءِ دُون أهْلِ الصَّدقاتِ؛ لأنّه فَيْءٌ مِنْ مالِ مُشْرِكٍ، وإنّما فَرْقُ بينِ هذه المسألةِ والمسألةِ قَبْلَها: أنّ ذلك وإنْ كان مِنْ مُشْرِكٍ فقد مَلَكَ المسْلِمُون رَقَبَةَ الأرْضِ، فلَيْسَ بحَرامٍ أن يَأخُذَ منه صاحِبُ صَدَقَةٍ ولا صاحِبُ فَيْءٍ ولا غَنِيٌّ ولا فَقِيرٌ؛ لأنّه كالصَّدَقَةِ الموْقُوفَةِ يَأخُذُها مَنْ وُقِفَتْ عليه.
(٣٣٧٣) ولا بَأسَ أن يَكْتَرِيَ المسْلِمُ مِنْ أرْضِ الصُّلْحِ كما يَكْتَرِي دَوابَّهم، والحديثُ الذي جاء عن رسولِ الله: «لا يَنْبَغِي لمسْلِمٍ أن يُؤدِّيَ الخَرَاجَ، ولا لمشْرِكٍ أن يَدْخُلَ المسْجِدَ الحرامَ» .. إنّما هو خَراجُ الجِزْيَةِ، وهذا كِراءٌ.
стр. 1602
(٣٤٦)
باب الأسير يؤخذ عليه العهد أن لا يهرب، أو على الفداء
(٣٣٧٤) قال الشافعي: وإذا أسِرَ المسْلِمُ، فأحْلَفَه المشْرِكُون على أن لا يَخْرُجَ مِنْ بِلادِهم، على أن يُخَلُّوه .. فله أن يَخْرُجَ، لا يَسَعُه أن يُقِيمَ، ويَمِينُه يَمْينُ مُكْرَهٍ، وليس له أن يَغْتالَهُم في أمْوالِهِم وأنْفُسِهم؛ لأنّهم إذا أمَّنُوه فهم في أمانٍ منه، ولو حَلَفَ وهو مُطْلَقٌ .. كَفَّرَ.
(٣٣٧٥) ولو خَلَّوْه على فِداءٍ إلى وَقْتٍ، فإن لم يَفْعَلْ عاد إلى أسْرِهِم .. فلا يَعُودُ، ولا يَدَعُه الإمامُ أن يَعُودَ، ولو امْتَنَعُوا مِنْ تَخْلِيَتِه إلّا على مالٍ يُعْطِيهِمُوه .. فلا يُعْطِيهِم منه شَيْئًا؛ لأنّه مالٌ أكْرَهُوه على دَفْعِه بغَيْرِ حَقٍّ، ولو أعْطاهُمُوه على شَيْءٍ أخَذَه منهم .. لم يَحِلَّ له إلّا أداؤُه إليهم، إنّما أطْرَحُ عنه ما اسْتُكْرِهَ عليه.
(٣٣٧٦) قال: وإذا قُدِّمَ ليُقْتَلَ، لم يَجُزْ له مِنْ مالِه إلّا الثُّلُثُ.
стр. 1603
(٣٤٧)
باب إظهار دين النبي ﷺ على الأديان
من كتاب الجزية
(٣٣٧٧) قال الشافعي: قال الله ﵎: ﴿ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون﴾ [التوبة: ٣٣]، ورَوَى مُسْنَدًا أنّ رسولَ الله ﷺ قال: «إذا هَلَكَ كِسْرَى فلا كِسْرَى بَعْدَه، وإذا هَلَكَ قَيْصَرُ فلا قَيْصَرَ بَعْدَه، والذي نَفْسِي بيَدِه لتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهما في سَبِيلِ الله»، قال: ولمّا أتَى كتابُ النبيِّ ﷺ إلى كِسْرَى مَزَّقَه، فقال رسولُ الله ﷺ : «يُمَزَّقُ مُلْكُه»، قال الشافعي: وحَفِظْنا أنّ قَيْصَرَ أكْرَمَ كِتابَه ووَضَعَه في مِسْكٍ فقال النبيُّ ﵇: «ثَبَتَ مُلْكُه»، قال: ووَعَدَ رسولُ الله النّاسَ فَتْحَ فارِسَ والشَّامِ، فأغْزَى أبو بَكْرٍ الشّامَ على ثِقَةٍ مِنْ فَتْحِها لقَوْلِ النبيِّ ﷺ ، ففَتَحَ بَعْضَها، فتَمَّ فَتْحُها في زَمَنِ عُمَرَ، وفَتَحَ عُمَرُ العِراقَ وفارِسَ، قال الشافعي: فقد أظْهَرَ اللهُ دِينَ رَسُولِه على الأدْيانِ بأنْ أبانَ لكُلِّ مَنْ سَمِعَه أنّه الحقُّ، وما خالَفَه مِنْ الأدْيانِ باطِلٌ، وأظْهَرَه بأنّ جِماعَ الشِّرْكِ دِينان: دِينُ أهْلِ الكِتابِ، ودِينُ أمِّيِّينَ، فقَهَرَ رسولُ الله الأمِّيِّينَ حتّى دانُوا بالإسلامِ طَوْعًا وكَرْهًا، وقَتَلَ مِنْ أهْلِ الكِتابِ وسَبَى حتّى دان بَعْضُهم بالإسلامِ، وأعْطَى بعضٌ الجزيةَ صاغِرِين، وجَرَى عليهم حُكْمُه ﷺ ، قال: فهذا ظُهُورُه على الدِّينِ كُلِّه، قال: ويُقالُ: ويَظْهَرُ دِينُه على الأدْيانِ حتّى لا يُدانُ اللهُ إلّا به، وذلك متى شاء الله ، قال الشافعي: وكانَتْ قُرَيْشٌ تَنْتابُ الشّامَ انْتِيابًا كَثِيرًا، وكان
стр. 1604
كَثِيرٌ مِنْ مَعاشِهِم منه (١)، وتَأتِي العِراقَ، فلمّا دَخَلَتْ في الإسلامِ ذَكَرَتْ للنَّبِيّ ﷺ خَوْفَها مِنْ انْقِطاعِ مَعاشِها بالتِّجارَةِ مِنْ الشّامِ والعِراقِ، وفارَقَت الكُفْرَ ودَخَلَتْ في الإسلامِ مع خِلافِ مَلِكِ الشّامِ والعِراقِ لأهْلِ الإسْلامِ، فقال النبيُّ ﷺ : «إذا هَلَكَ كِسْرَى فلا كِسْرَى بَعْدَه»، فلم يَكُنْ بأرْضِ العِراقِ كِسْرَى ثَبَتَ له أمْرٌ بَعْدَه، وقال: «إذا هَلَكَ قَيْصَرُ فلا قَيْصَرَ بَعْدَه»، فلم يَكُنْ بأرْضِ الشّامِ قَيْصَرٌ بَعْدَه، وأجابَهُم النبيُّ ﷺ على نحو ما قالوا، وكان كما قالَ النبيُّ ﷺ ، وقَطَعَ اللهُ الأكاسِرَةَ عن العِراقِ وفارِسَ وقَيْصَرَ ومَن قام بعده بالشَّامِ، وقال في قَيْصَرَ: فثَبَتَ مُلْكُه ببلادِ الرُّومِ إلى اليَوْمِ، وتَنَحَّى مُلْكُه عن الشّامِ، وكُلُّ هذا مُتَّفِقٌ يُصَدِّقُ بَعْضُه بَعْضًا.
стр. 1605
[٥٨]
كتاب الجزية (١)
المختصر من كتاب الجامع من كتاب الجزية وما دخل فيه من «اختلاف الحديث»، وما دخل فيه من «إملاء على كتاب الواقدي في السير» (٢)، ومن «اختلاف الأوزاعي وأبي حنيفة في السير» (٣)
стр. 1606
(٣٤٨)
باب من يلحق بأهل الكتاب
(٣٣٧٨) قال الشافعي: انْتَوَتْ قَبائلُ مِنْ العَرَبِ قَبْل أن يَبْعَثَ اللهُ محمَّدًا ﷺ ويُنَزِّلَ عليه القرآنَ فدانَتْ دِينَ أهْلِ الكِتابِ (١)، فأخَذَ النبيُّ ﷺ الجِزْيَةَ مِنْ أُكَيْدِرِ دُومَةَ، وهو رَجُلٌ يُقالُ: مِنْ غَسَّانَ أو كِنْدَةَ (٢)، ومِن أهلِ ذِمَّةِ اليَمَنِ، وعامَّتُهم عَرَبٌ، ومِن أهْلِ نَجْرانَ، وفيهم عَرَبٌ، فدَلَّ ما وَصَفْتُ أنّ الجِزْيَةَ لَيْسَتْ على الأحْسابِ، وإنّما هي على الأدْيانِ.
(٣٣٧٩) وكان أهْلُ الكِتابِ المشْهُورِ عند العامَّةِ أهْلَ التَّوْراةِ مِنْ اليَهُودِ، والإنْجِيلِ مِنْ النَّصارَى، وكانُوا مِنْ بني إسْرائِيلَ، وأحَطْنا بأنّ الله ﵎ أنْزَلَ كِتابًا غَيْرَ التَّوْراةِ والإنجيلِ والفُرْقانِ؛ لقوله : ﴿أم لم ينبأ بما في صحف موسى * وإبراهيم الذي وفى﴾ [النجم: ٣٦ - ٣٧]، وقال : ﴿إنه لفي زبر الأولين﴾ [الشعراء: ١٩٦]، فأخْبَرَ أنّ له كِتابًا سِوَى هذا المشْهُورِ.
(٣٣٨٠) قال: فأمّا قَوْلُ أبي يُوسُفَ: لا تُؤخَذُ الجِزْيَةُ مِنْ العَرَبِ .. فنَحْنُ كُنّا على هذا أحْرَصَ، ولولا أن نَأثَمَ بتَمَنِّي باطِلٍ وَدِدْناه كما قال، وأن لا يَجْرِيَ على عَرِبِيٍّ صَغارٌ، ولكنَّ اللهَ تبارك اسمه أجَلُّ في أعْيُنِنا مِنْ أن نُحِبَّ غَيْرَ ما حَكَمَ به.
стр. 1607
(٣٣٨١) قال الشافعي: والمجُوسُ أهْلُ كِتابٍ دانُوا بغَيْرِ دِينِ أهْلِ الأوْثانِ (١)، وخَالفُوا اليَهُودَ والنَّصارَى في بَعْضِ دِينِهم كما خالَفَتِ اليَهُودُ والنَّصارَى في بَعْضِ دِينِهم، وكانَت المجوسُ في طَرَفٍ مِنْ الأرْضِ لا يَعْرِفُ السَّلَفُ مِنْ أهْلِ الحِجازِ مِنْ دِينِهم ما يَعْرِفُون مِنْ دِينِ اليَهُودِ والنَّصارَى، حتّى عَرَفُوه، وأنّ رَسُولَ الله ﷺ أخَذَها مِنْ مَجُوسِ أهْلِ هَجَرَ، قال عليٌّ: «هُمْ أهْلُ الكِتابِ، بَدَّلُوا فأصْبَحُوا وقد أسْرِيَ على كِتابِهم»، وأخَذَها منهم أبو بَكْرٍ وعُمَرُ.
(٣٣٨٢) قال الشافعي: والصّابِئُون والسّامِرَةُ مِثْلُهم، تُؤخَذُ مِنْ جميعِهم الجِزْيَةُ.
(٣٣٨٣) ولا تُؤخَذُ الجِزْيَةُ مِنْ أهْلِ الأوْثانِ، ولا ممَّنْ يَعْبُدُ ما اسْتَحْسَنَ مِنْ غيرِ أهْلِ الكِتابِ.
стр. 1608
(٣٤٩)
باب الجزية على أهل الذمة والضيافة وما لهم وعليهم
(٣٣٨٤) قال الشافعي: أمَرَ اللهُ ﵎ بقِتالِ المشْرِكِين مِنْ الذين أوتُوا الكِتابَ حتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عن يَدٍ وهُمْ صاغِرُون، قال: و «الصَّغارُ»: أن تُؤخَذَ منهم الجِزْيَةُ، وتَجْرِيَ عليهم أحْكامُ الإسْلامِ.
(٣٣٨٥) ولا نَعْلَمُ النَّبيَّ ﷺ صالَح أحَدًا على أقَلَّ مِنْ دِينارٍ، فمَن أعْطَى منهم دِينارًا، غَنِيًّا كان أو فَقِيرًا، في كُلِّ سَنَةٍ .. قُبِلَ منه، ولم يُزَدْ عليه، ولا يُقْبَلُ أقَلُّ مِنْ دينارٍ، مِنْ فَقِيرٍ ولا غَنِيٍّ، فإن زادُوا قُبِلَ منهم.
وقال في «كتاب السير» ما يَدُلُّ على أنّه لا جِزْيَةَ على فَقِيرٍ حتّى يَسْتَغْنِيَ، قال المزني: الأوَّلُ أصَحُّ عندي في أصْلِه (١)، وأوْلَى عندي بقَوْلِه (٢).
(٣٣٨٦) قال الشافعي: وإن صُولِحُوا على ضِيافَةٍ (٣) .. وُصِفَتْ ثلاثًا، وقال: «يُضِيفُ الموسِرُ كذا، والوَسَطُ كذا»، ويُسَمِّي ما يُطْعِمُونَهم: خُبْزُ كذا، وأُدُمُ كذا، ويَعْلِفُون دَوابَّهم، مِنْ التِّبْنِ كذا، والشَّعِيرِ كذا، ويُضِيفُ مَنْ مَرَّ به مِنْ واحِدٍ إلى كذا، وأيْنَ يُنْزِلُونهم، مِنْ فُضُولِ مَنازِلِهِم، أو في كَنائِسِهم، أو ما يُكِنُّ مِنْ بَرْدٍ وحَرٍّ؟
стр. 1609
(٣٣٨٧) ولا تُؤخَذُ مِنْ امْرأةٍ، ولا مَجْنُونٍ حتّى يُفِيقَ، ولا ممْلُوكٍ حتّى يَعْتِقَ، ولا صَبِيٍّ حتّى يَنْبُتَ الشَّعْرُ تحت ثِيابِه، أو يَحْتَلِمَ، أو يَبْلُغَ خمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فتَلْزَمُه الجزيةُ كأصْحابِه.
(٣٣٨٨) وتُؤخَذُ مِنْ الشَّيْخِ الفاني، والزَّمِنِ (١).
(٣٣٨٩) ومَن بَلَغَ وأمُّهُ نَصْرَانِيَّةٌ وأبُوه مَجُوسِيٌّ، أو أمُّه مجوسِيَّةٌ وأبُوه نَصْرانيٌّ .. فجِزْيَتُه جِزْيَةُ أبيه؛ لأنّ الأبَ هو الذي عليه الجِزْيَةُ، لسْتُ أنْظُرُ إلى غَيْرِ ذلك.
(٣٣٩٠) وأيُّهُم أفْلَسَ أو ماتَ .. فالإمامُ غَريمٌ، يَضْرِبُ مع غُرمائِه.
(٣٣٩١) وإنْ أسْلَمَ وقد مَضَى بَعْضُ سَنَةٍ .. أخِذَ منه بقَدْرِ ما مَضَى منها.
(٣٣٩٢) ويَشْتَرِطُ عليهم أنّ مَنْ ذَكَرَ كِتابَ اللهِ أو محمَّدًا رسولَ الله أو دِينَ الله بما لا يَنْبَغِي، أو زَنَى بمُسْلِمَةٍ، أو أصابَها باسْمِ نِكاحٍ، أو فَتَنَ مُسْلِمًا عن دِينِه، أو قَطَعَ عليه الطريقَ، أو أعانَ أهْلَ الحرْبِ بدَلالَةٍ على المسلمين، أو آوَى عَيْنًا لهم (٢) .. فقد نَقَضَ عَهْدَه، وأحَلَّ دَمَه، وبَرِئَتْ مِنه ذِمَّةُ اللهِ وذِمَّةُ رسولِه.
(٣٣٩٣) ويَشْتَرِطُ عليهم أن لا يُسْمِعُوا المسلمين شِرْكَهُم وقَوْلَهُم في عُزَيْرٍ والمسيحِ، ولا يُسْمِعُوهم صَوْتَ ناقُوسٍ، فإنْ فَعَلُوا عُزِّرُوا، ولا يَبْلُغُ بهم الحدَّ، قال: ولا يُحْدِثُوا (٣) في أمْصارِ المسْلِمِين كَنِيسَةً، ولا مُجْتَمَعًا لصَلاتِهِم، ولا يُظْهِرُوا فيها حَمْلَ خَمْرٍ، ولا إدْخالَ خِنْزِيرٍ، ولا يُحْدِثُوا (٤)
стр. 1610
بِناءً يَطُولُون به بِناءَ المسْلِمِين، وأن يُفَرِّقُوا بين هَيْئاتِهم في الملْبَسِ والمرْكَبِ وبين هَيْئاتِ المسْلِمِين، وأن يَعْقِدُوا الزَّنانِيرَ على أوْساطِهم، ولا يَدْخُلُوا مَسْجِدًا، ولا يَسْقُوا مُسْلِمًا خَمْرًا، ولا يُطْعِمُوه خِنْزِيرًا (١).
(٣٣٩٤) وإنْ كانُوا في قَرْيَةٍ يَمْلِكُونَها مُنْفَرِدِين .. لم يَعْرِضْ لهم في خَمْرِهِم وخَنازِيرِهم ورَفْعِ بِنائِهم.
(٣٣٩٥) وإنْ كان لهم بمِصْرِ المسْلِمِين كَنِيسَةٌ أو بِناءٌ طائلٌ لبِناءِ المسْلِمِين .. لم يَكُنْ للمُسْلِمِين هَدْمُ ذلك، وتُرِكَ على ما وُجِدَ (٢)، ومُنِعُوا إحْداثَ مِثْلِه.
(٣٣٩٦) وهذا إذا كان المصْرُ للمُسْلِمِين أحْيَوْه أو فَتَحُوه عَنْوَةً، وشُرِطَ هذا على أهْلِ الذِّمَّةِ، وإن كانُوا فَتَحُوا بلادَهُم على صُلْحٍ مِنْهُم على تَرْكِهِم وذلك .. خُلُّوا وإيّاه، ولا يَجُوزُ أن يُصالَحُوا على أن يَنْزِلُوا بِلادَ الإسْلامِ ويُحْدِثُوا فيها ذلك.
(٣٣٩٧) ويَكْتُبُ الإمامُ أسْماءَهم وحُلاهُم في دِيوانٍ، ويُعَرِّفُ عليهم عُرَفاءَ، لا يَبْلُغُ منهم مَوْلُودٌ ولا يَدْخُلُ فيهم أحَدٌ مِنْ غَيْرِهِم إلّا رَفَعُوا إليه.
(٣٣٩٨) وإذا أشْكَلَ عليه صُلْحُهُم بَعَثَ في كُلِّ بِلادٍ [كذا]، فجَمَعَ البالِغِين منهم، ثُمّ يُسْألُون عن صُلْحِهِم، فمَن أقَرَّ بأقَلِّ الجِزْيَةِ قُبِلَ منه، وإن أقَرَّ بزِيادَةٍ لم يَلْزَمْه غَيْرُها.
стр. 1611
(٣٣٩٩) وليس للإمامِ أن يُصالِحَ أحَدًا منهم على أن يَسْكُنَ الحِجازَ بحالٍ، ولا يَبِينُ أن يَحْرُمَ أن يَمُرَّ ذِمِّيٌّ بالحِجازِ مارًّا، لا يُقِيمُ بها أكْثَرَ مِنْ ثلاثِ لَيَالٍ، وذلك مُقامُ مُسافِرٍ، لاحْتِمالِ أمْرِ النبيِّ ﷺ بإجْلائِهم منها أن لا يَسْكُنُوها، ولا بَأسَ أن يَدْخُلَها الرُّسُلُ؛ لقَوْلِه جل ثناؤُه: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه﴾ [التوبة: ٦]، ولولا أنّ عُمَرَ أجَّلَ لمَنْ يَقْدَمُ المدينةَ تاجِرًا ثلاثًا لا يُقِيمُ فيها بعد ثلاثٍ .. لرَأيْتُ أن لا يُصالَحُوا على أن يَدْخُلُوها بحالٍ، ولا يُتْرَكُوا يَدْخُلُونَها إلّا بصُلْحٍ؛ كما كان عُمَرُ بنُ الخطابِ يأخُذُ مِنْ أمْوالِهِم إذا دَخَلُوا المدينةَ.
(٣٤٠٠) ولا يَتْرُكُ أهْلَ الحَرْبِ يَدْخُلُون بِلادَ الإسْلامِ تُجّارًا، فإنْ دَخَلُوا بغَيْرِ أمانٍ ولا رِسالةٍ .. غُنِمُوا، وإنْ دَخَلُوا بأمانٍ، وشُرِطَ أن يُؤخَذَ منهم عُشْرٌ، أو أقَلُّ، أو أكْثَرُ .. أخِذَ، وإن لم يَكُنْ عليهم شَرْطٌ .. لم يُؤخَذْ منهم شَيْءٌ، وسَواءٌ كانوا يَعْشُرُون المسْلِمِين إذا دَخَلُوا بلادَهم أو يَخْمُسُونهم أو لا يَعْرِضُوا لهم (١).
(٣٤٠١) قال: وإذا اتَّجَرُوا في بِلادِ المسْلِمِين إلى أفُقٍ مِنْ الآفاقِ، لم يُؤخَذْ منهم في السَّنةِ إلّا مَرَّةً كالجِزْيَةِ، وقد ذُكِرَ عن عُمَرَ بنِ عبدِالعزيز أنّه كَتَبَ أن يُؤخَذَ فيما ظَهَرَ مِنْ أمْوالِهِم وأمْوالِ المسْلِمِين، وأن تُكْتَبَ لهم بَراءَةٌ إلى مِثْلِه مِنْ الحَوْلِ، ولولا أنّ عُمَرَ أخَذَه منهم ما أخَذْناه، ولم يَبْلُغْنا أنّه أخَذَ مِنْ أحَدٍ في سَنَةٍ إلّا مَرَّةً.
(٣٤٠٢) قال: ويُؤخَذُ منهم ما أخَذَ عُمَرُ، مِنْ المسْلِمِين رُبُعُ العُشْرِ، ومِن أهْلِ الذِّمَّةِ نِصْفُ العُشْرِ، ومِن أهْلِ الحَرْبِ العُشْرُ؛ اتِّباعًا له على ما أخَذَ.
стр. 1612
قال المزني: وقد رَوَى الشّافِعيُّ عن عُمَرَ بنِ الخطّابِ مِنْ حَديثٍ صَحِيحِ الإسْنادِ أنّه أخَذَ مِنْ القِبْطِ مِنْ الحِنْطَةِ والزَّيْتِ نِصْفَ العُشْرِ، يُرِيدُ بذلك: أن يُكْثِرَ الحَمْلَ إلى المدينةِ، ومِن القُطْنِيَّةِ العُشْرَ، قال الشافعي: «ولا أحْسَبُه أخَذَ ذلك منهم إلّا بشَرْطٍ».
(٣٤٠٣) قال: ويُجَدِّدُ الإمامُ بَيْنَه وبينهم في تجاراتِهم ما يَبِينُ له ولهم وللعامَّةِ ليَأخُذَهُم به الولاةُ.
(٣٤٠٤) وأمّا الحَرَمُ .. فلا يَدْخُلُها أحَدٌ منهم بحالٍ، كان له بها مالٌ أو لم يَكُنْ، ويَخْرُجُ الإمامُ منه إلى الرُّسُلِ، ومَن كان بها منهم مَرِيضًا أو ماتَ .. أخْرِجَ مَيِّتًا، ولم يُدْفَنْ بها، ورَوَى أنّه سَمِعَ عَدَدًا مِنْ أهْلِ المغازِي يَرْوُون أنّ النبيَّ ﷺ قال: «لا يَجْتَمِعُ مُسْلِمٌ ومُشْرِكٌ في الحَرَمِ بعد عامِهِم هذا».
стр. 1613
(٣٥٠)
باب نصارى العرب تُضَعَّفُ عليهم الصدقة ومَسْلَكُ الجزية (١)(٣٤٠٥) قال الشافعي: اخْتَلَفَت الأخبارُ عن عُمَرَ بن الخطاب في نَصارَى العَرَبِ مِنْ تَنُوخَ وبَهْراءَ وبني تَغْلِبَ، فرُوِيَ عنه أنّه صالحهم على أن يُضَعِّفَ عليهم الجزيةَ ولا يُكْرَهُوا على غَيْرِ دِينِهم، وهكذا حَفِظَ أهْلُ المغازِي، قالُوا: رامَهُم عُمَرُ على الجِزْيَةِ، فقالُوا: نحن عَرَبٌ لا نُؤَدِّي ما تُؤَدِّي العَجَمُ، ولكن خُذْ مِنّا كما يَأخُذُ بَعْضُكم مِنْ بَعْضٍ، يَعْنُون الصَّدَقَةَ؛ فقال عمرُ: هذا فَرْضٌ على المسْلِمِين، قالُوا: فزِدْنا ما شِئتَ بهذا الاسْمِ، لا اسْمِ الجِزيةِ (٢)، فرَاضَاهُم على أن يُضَعِّفَ عليهم الصَّدَقَةَ، فإذا أضْعَفَها عليهم فانْظُر إلى مَواشِيهِم وذَهَبِهم ووَرِقِهم وأطْعِمَتِهم، وما أصابُوا مِنْ معادِنِ بلادِهم ورِكازِها، فكُلُّ ما أخِذَ فيه مِنْ مُسْلِمٍ خُمُسٌ فخُذْ خُمسَيْن، وعُشْرٌ فخُذْ عُشْرَين، أو نِصْفُ عُشْرٍ فخُذْ عُشْرًا، أو رُبُعُ عُشْرٍ فخُذْ نِصْفَ عُشْرٍ، وكذلك ماشِيَتُهم، خُذ الضِّعْفَ منهم.
(٣٤٠٦) وكُلُّ ما أخِذَ مِنْ ذِمِّيٍّ عَرَبِيٍّ فمَسْلَكُه مَسْلَكُ الفَيْءِ، وما تَجَرَ به نَصارَى العَرَبِ وأهْلُ دِينِهم وإن كانُوا يَهُودًا، تُضاعَفُ عليهم فيه الصَّدَقَةُ.
стр. 1614
(٣٥١)
باب المهادنة على النظر للمسلمين ونقضِ ما لا يجوز من الصلح (١)(٣٤٠٧) قال الشافعي: إن نَزَلَتْ بالمسْلِمِين نازِلَةٌ بقُوَّةِ عَدُوٍّ عليهم - وأرْجُو أن لا يُنْزِلَها اللهُ بهم - هادَنَهم الإمامُ على النَّظَرِ للمسْلِمِين إلى مُدَّةٍ يَرْجُو إليها القُوَّةَ عليهم، لا تُجاوِزُ مُدَّةَ أهْلِ الحُدَيْبِيَةِ التي هادَنَهم عليها رسولُ الله ﷺ ، وهي عَشْرُ سِنِينَ، فإنْ أراد أن يُهادِنَ إلى غَيْرِ مُدَّةٍ على أنّه متى (٢) بَدا له نَقَضَ الهدْنَةَ .. فجائِزٌ.
(٣٤٠٨) وإن كان قَوِيًّا على العَدُوِّ .. لم يُهادِنْهم أكْثَرَ مِنْ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ؛ لقَوْلِ الله ﵎ لمّا قَوِيَ أهْلُ الإسلامِ: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر﴾ [التوبة: ١]، وجَعَلَ النبيُّ ﷺ لصَفْوانَ بعد فَتْحِ مَكَّةَ تَسْيِيرَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، ولا أعْلَمُه زاد أحَدًا بعد قُوَّةِ الإسْلامِ عليها (٣).
(٣٤٠٩) ولا يَجُوزُ أن يُؤَمِّنَ الرَّسُولَ والمسْتأمِنَ إلّا بقَدْرِ ما يَبْلُغانِ حاجَتَهُما، ولا يَجُوزُ أن يُقِيمَا بها سَنَةً بغَيْرِ جِزيةٍ.
(٣٤١٠) ولا يَجُوزُ أن يُهادِنَهم على أن يُعْطِيَهم المسْلِمُون شَيْئًا بحالٍ؛
стр. 1615
لأنّ القَتْلَ للمُسْلِمِين شَهادَةٌ، وأنّ الإسْلامَ أعَزُّ مِنْ أن يُعْطَى مُشْرِكٌ على أن يَكُفَّ عن أهْلِه؛ لأنّ أهْلَه قاتِلِين ومَقْتُولِين ظاهِرُون على الحَقِّ، إلّا في حالٍ يَخافُون فيها الاصْطِلامَ، فيُعْطُون مِنْ أمْوالِهِم، أو يَفْتَدِي مأسُورًا فلا بَأسَ؛ لأنّ هذا مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ.
(٣٤١١) وإنْ صالَحَهُم الإمامُ على ما لا يَجُوزُ .. فالطّاعَةُ نَقْضُه؛ كما صَنَعَ رسولُ الله ﷺ في النِّساءِ، وقد أعْطَى المشْرِكِين ما أعْطاهُم في الرِّجالِ ولم يَسْتَثْنِ، فجاءتْه أمُّ كُلْثُومٍ بنتُ عُقْبَةَ بنِ أبي مُعَيْطٍ مُسْلِمَةً مُهاجِرَةً، فجاء أخَواها يَطْلُبانها، فمَنَعَهما منها، وأخْبَرَ أنّ اللهَ مَنَعَ الصُّلْحَ في النِّساءِ (١)، وبهذا قُلْنا: لو أعْطَى الإمامُ قَوْمًا مِنْ المشْرِكِين الأمانَ على أسِيرٍ في أيْدِيهم مِنْ المسْلِمِين أو مالٍ، ثُمّ جاؤوه، لم يَحِلَّ له إلّا نَزْعُه منهم بلا عِوَضٍ.
قال المزني: هذا خِلافُ قَوْلِه في «الرسالة»: «لا يُنْسَخُ قُرآنٌ إلّا بالقُرآنِ، ولا سُنَّةٌ إلّا بالسُّنَّةِ» (٢).
قال الشافعي: فإنْ ذَهَبَ ذاهِبٌ إلى أنّ النبيَّ ﷺ رَدَّ أبا جَنْدَلِ بنَ سُهَيْلٍ إلى أبيه، وابنَ عَيّاش بنِ أبي رَبِيعَةَ إلى أهْلِه .. قيل له: أهْلُوهُم أشْفَقُ النّاسِ عليهم وأحْرَصُهم على سَلامَتِهم، ولعَلَّهُم يَقُونَهُم بأنْفُسِهم ممّا يُؤذِيهم، فَضْلًا عن أن يَكُونُوا مُتَّهَمِين على أن يَنالُوهُم بتَلَفٍ أو عَذابٍ، وإنّما نَقَمُوا منهم دِينَهم (٣)، وقد وَضَعَ اللهُ المأثَمَ في إكْراهِهِم، أوَلَا تَرَى أنّ النِّساءَ إذا أرِيدَ بهنّ الفِتْنَةُ ضَعُفْنَ أو لم يَفْهَمْنَ فَهْمَ الرِّجالِ أنّ التَّقِيَّةَ تَسَعُهُنّ، وكان فيهن أن يُصِيبَهُنَّ أزْواجٌ حَرامٌ عليهنّ.
стр. 1616
(٣٤١٢) قال الشافعي: وإذا جاءَتْنا امْرَأةٌ مُهادِنَةٌ مُسْلِمَةٌ مِنْ دارِ الحرْبِ إلى مَوْضِعِ الإمامِ، فجاءَ سِوَى زَوْجِها في طَلَبِها، مُنِعَ منها بلا عِوَضٍ، فإن جاء زَوْجُها .. ففيها قولان: أحَدُهما - يُعْطَى ما أنْفَقَ، وهو ما دَفَعَ إليها مِنْ المهْرِ، والآخَرُ - لا يُعْطَى، وقال في آخر الجواب: وأشْبَهُهُما أن لا يُعْطَوْا عِوَضًا.
قال المزني: هذا أشْبَهُ بالحقِّ عندي (١).
(٣٤١٣) قال الشافعي: وليس لأحَدٍ أن يَعْقِدَ هذا العَقْدَ إلّا الخلِيفَةُ أو رَجُلٌ بأمْرِه؛ لأنّه يَلِي الأمْوالَ كُلَّهَا، وعلى مَنْ بَعْدَه مِنْ الخلفاءِ إنْفاذُه.
(٣٤١٤) قال: ولا بَأسَ أن يُصالِحَهُم على خَراجٍ على أرَضِيهِم يَكُونُ في أمْوالِهِم مَضْمُونًا كالجزيةِ، ولا يَجُوزُ عُشُورُ ما زَرَعُوا؛ لأنّه مَجْهُولٌ.
стр. 1617
(٣٥٢)
باب تبديل أهل الذمة دينَهم
(٣٤١٥) قال الشافعي: أصْلُ ما أبْنِي عليه أنّ الجِزْيةَ لا تُقْبَلُ مِنْ أحَدٍ دانَ دِينَ كِتابِيٍّ إلّا أن يَكُونَ آباؤُه دانُوا به قَبْلَ نُزُولِ الفُرْقانِ، فلا تُقْبَلُ ممّن بَدَّلَ يَهُودِيّةً بنَصْرانِيَّةٍ، أو نَصْرانِيَّةً بمَجُوسِيَّةٍ، أو مَجُوسِيّةً بنَصْرانِيَّةٍ أو بغَيْرِ الإسلامِ، وإنّما أذِنَ اللهُ بأخْذِ الجِزْيةِ منهم على ما دانُوا به قَبْلَ محمَّدٍ ﷺ ، وذلك خِلافُ ما أحْدَثُوا مِنْ الدينِ بَعْدَه، فإنْ أقامَ على ما كان عليه، وإلّا نُبِذَ إليه عَهْدُه، وأخْرِجَ مِنْ بِلادِ الإسْلامِ بمالِه، وصار حَرْبًا، ومَن بَدَّلَ دِينَه مِنْ كِتابِيَّةٍ لم يَحِلَّ نِكاحِها.
قال المزني: قد قال في «كتاب النكاح» [ف: ٢٠٨٣] وقال في «كتاب الصيد والذبائح» [ف: ٣٤٣٨]: «إذا بَدَّلَتْ بدِينٍ يَحِلُّ نِكاحُ أهْلِه فهي حَلالٌ»، وهذا عِنْدِي أشْبَهُ، قال ابنُ عبّاس: «﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾ [المائدة: ٥١]»، فمَن دان منهم دِينَ أهْلِ الكِتابِ قَبْل نُزُولِ الفُرْقانِ وبَعْدَه سَواءٌ عندي في القياسِ، وبالله التوفيقُ (١).