(٣٥٠)
باب نصارى العرب تُضَعَّفُ عليهم الصدقة ومَسْلَكُ الجزية (١)(٣٤٠٥) قال الشافعي: اخْتَلَفَت الأخبارُ عن عُمَرَ بن الخطاب في نَصارَى العَرَبِ مِنْ تَنُوخَ وبَهْراءَ وبني تَغْلِبَ، فرُوِيَ عنه أنّه صالحهم على أن يُضَعِّفَ عليهم الجزيةَ ولا يُكْرَهُوا على غَيْرِ دِينِهم، وهكذا حَفِظَ أهْلُ المغازِي، قالُوا: رامَهُم عُمَرُ على الجِزْيَةِ، فقالُوا: نحن عَرَبٌ لا نُؤَدِّي ما تُؤَدِّي العَجَمُ، ولكن خُذْ مِنّا كما يَأخُذُ بَعْضُكم مِنْ بَعْضٍ، يَعْنُون الصَّدَقَةَ؛ فقال عمرُ: هذا فَرْضٌ على المسْلِمِين، قالُوا: فزِدْنا ما شِئتَ بهذا الاسْمِ، لا اسْمِ الجِزيةِ (٢)، فرَاضَاهُم على أن يُضَعِّفَ عليهم الصَّدَقَةَ، فإذا أضْعَفَها عليهم فانْظُر إلى مَواشِيهِم وذَهَبِهم ووَرِقِهم وأطْعِمَتِهم، وما أصابُوا مِنْ معادِنِ بلادِهم ورِكازِها، فكُلُّ ما أخِذَ فيه مِنْ مُسْلِمٍ خُمُسٌ فخُذْ خُمسَيْن، وعُشْرٌ فخُذْ عُشْرَين، أو نِصْفُ عُشْرٍ فخُذْ عُشْرًا، أو رُبُعُ عُشْرٍ فخُذْ نِصْفَ عُشْرٍ، وكذلك ماشِيَتُهم، خُذ الضِّعْفَ منهم.
(٣٤٠٦) وكُلُّ ما أخِذَ مِنْ ذِمِّيٍّ عَرَبِيٍّ فمَسْلَكُه مَسْلَكُ الفَيْءِ، وما تَجَرَ به نَصارَى العَرَبِ وأهْلُ دِينِهم وإن كانُوا يَهُودًا، تُضاعَفُ عليهم فيه الصَّدَقَةُ.
стр. 1614
(٣٥١)
باب المهادنة على النظر للمسلمين ونقضِ ما لا يجوز من الصلح (١)(٣٤٠٧) قال الشافعي: إن نَزَلَتْ بالمسْلِمِين نازِلَةٌ بقُوَّةِ عَدُوٍّ عليهم - وأرْجُو أن لا يُنْزِلَها اللهُ بهم - هادَنَهم الإمامُ على النَّظَرِ للمسْلِمِين إلى مُدَّةٍ يَرْجُو إليها القُوَّةَ عليهم، لا تُجاوِزُ مُدَّةَ أهْلِ الحُدَيْبِيَةِ التي هادَنَهم عليها رسولُ الله ﷺ ، وهي عَشْرُ سِنِينَ، فإنْ أراد أن يُهادِنَ إلى غَيْرِ مُدَّةٍ على أنّه متى (٢) بَدا له نَقَضَ الهدْنَةَ .. فجائِزٌ.
(٣٤٠٨) وإن كان قَوِيًّا على العَدُوِّ .. لم يُهادِنْهم أكْثَرَ مِنْ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ؛ لقَوْلِ الله ﵎ لمّا قَوِيَ أهْلُ الإسلامِ: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر﴾ [التوبة: ١]، وجَعَلَ النبيُّ ﷺ لصَفْوانَ بعد فَتْحِ مَكَّةَ تَسْيِيرَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، ولا أعْلَمُه زاد أحَدًا بعد قُوَّةِ الإسْلامِ عليها (٣).
(٣٤٠٩) ولا يَجُوزُ أن يُؤَمِّنَ الرَّسُولَ والمسْتأمِنَ إلّا بقَدْرِ ما يَبْلُغانِ حاجَتَهُما، ولا يَجُوزُ أن يُقِيمَا بها سَنَةً بغَيْرِ جِزيةٍ.
(٣٤١٠) ولا يَجُوزُ أن يُهادِنَهم على أن يُعْطِيَهم المسْلِمُون شَيْئًا بحالٍ؛
стр. 1615
لأنّ القَتْلَ للمُسْلِمِين شَهادَةٌ، وأنّ الإسْلامَ أعَزُّ مِنْ أن يُعْطَى مُشْرِكٌ على أن يَكُفَّ عن أهْلِه؛ لأنّ أهْلَه قاتِلِين ومَقْتُولِين ظاهِرُون على الحَقِّ، إلّا في حالٍ يَخافُون فيها الاصْطِلامَ، فيُعْطُون مِنْ أمْوالِهِم، أو يَفْتَدِي مأسُورًا فلا بَأسَ؛ لأنّ هذا مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ.
(٣٤١١) وإنْ صالَحَهُم الإمامُ على ما لا يَجُوزُ .. فالطّاعَةُ نَقْضُه؛ كما صَنَعَ رسولُ الله ﷺ في النِّساءِ، وقد أعْطَى المشْرِكِين ما أعْطاهُم في الرِّجالِ ولم يَسْتَثْنِ، فجاءتْه أمُّ كُلْثُومٍ بنتُ عُقْبَةَ بنِ أبي مُعَيْطٍ مُسْلِمَةً مُهاجِرَةً، فجاء أخَواها يَطْلُبانها، فمَنَعَهما منها، وأخْبَرَ أنّ اللهَ مَنَعَ الصُّلْحَ في النِّساءِ (١)، وبهذا قُلْنا: لو أعْطَى الإمامُ قَوْمًا مِنْ المشْرِكِين الأمانَ على أسِيرٍ في أيْدِيهم مِنْ المسْلِمِين أو مالٍ، ثُمّ جاؤوه، لم يَحِلَّ له إلّا نَزْعُه منهم بلا عِوَضٍ.
قال المزني: هذا خِلافُ قَوْلِه في «الرسالة»: «لا يُنْسَخُ قُرآنٌ إلّا بالقُرآنِ، ولا سُنَّةٌ إلّا بالسُّنَّةِ» (٢).
قال الشافعي: فإنْ ذَهَبَ ذاهِبٌ إلى أنّ النبيَّ ﷺ رَدَّ أبا جَنْدَلِ بنَ سُهَيْلٍ إلى أبيه، وابنَ عَيّاش بنِ أبي رَبِيعَةَ إلى أهْلِه .. قيل له: أهْلُوهُم أشْفَقُ النّاسِ عليهم وأحْرَصُهم على سَلامَتِهم، ولعَلَّهُم يَقُونَهُم بأنْفُسِهم ممّا يُؤذِيهم، فَضْلًا عن أن يَكُونُوا مُتَّهَمِين على أن يَنالُوهُم بتَلَفٍ أو عَذابٍ، وإنّما نَقَمُوا منهم دِينَهم (٣)، وقد وَضَعَ اللهُ المأثَمَ في إكْراهِهِم، أوَلَا تَرَى أنّ النِّساءَ إذا أرِيدَ بهنّ الفِتْنَةُ ضَعُفْنَ أو لم يَفْهَمْنَ فَهْمَ الرِّجالِ أنّ التَّقِيَّةَ تَسَعُهُنّ، وكان فيهن أن يُصِيبَهُنَّ أزْواجٌ حَرامٌ عليهنّ.
стр. 1616
(٣٤١٢) قال الشافعي: وإذا جاءَتْنا امْرَأةٌ مُهادِنَةٌ مُسْلِمَةٌ مِنْ دارِ الحرْبِ إلى مَوْضِعِ الإمامِ، فجاءَ سِوَى زَوْجِها في طَلَبِها، مُنِعَ منها بلا عِوَضٍ، فإن جاء زَوْجُها .. ففيها قولان: أحَدُهما - يُعْطَى ما أنْفَقَ، وهو ما دَفَعَ إليها مِنْ المهْرِ، والآخَرُ - لا يُعْطَى، وقال في آخر الجواب: وأشْبَهُهُما أن لا يُعْطَوْا عِوَضًا.
قال المزني: هذا أشْبَهُ بالحقِّ عندي (١).
(٣٤١٣) قال الشافعي: وليس لأحَدٍ أن يَعْقِدَ هذا العَقْدَ إلّا الخلِيفَةُ أو رَجُلٌ بأمْرِه؛ لأنّه يَلِي الأمْوالَ كُلَّهَا، وعلى مَنْ بَعْدَه مِنْ الخلفاءِ إنْفاذُه.
(٣٤١٤) قال: ولا بَأسَ أن يُصالِحَهُم على خَراجٍ على أرَضِيهِم يَكُونُ في أمْوالِهِم مَضْمُونًا كالجزيةِ، ولا يَجُوزُ عُشُورُ ما زَرَعُوا؛ لأنّه مَجْهُولٌ.
стр. 1617
(٣٥٢)
باب تبديل أهل الذمة دينَهم
(٣٤١٥) قال الشافعي: أصْلُ ما أبْنِي عليه أنّ الجِزْيةَ لا تُقْبَلُ مِنْ أحَدٍ دانَ دِينَ كِتابِيٍّ إلّا أن يَكُونَ آباؤُه دانُوا به قَبْلَ نُزُولِ الفُرْقانِ، فلا تُقْبَلُ ممّن بَدَّلَ يَهُودِيّةً بنَصْرانِيَّةٍ، أو نَصْرانِيَّةً بمَجُوسِيَّةٍ، أو مَجُوسِيّةً بنَصْرانِيَّةٍ أو بغَيْرِ الإسلامِ، وإنّما أذِنَ اللهُ بأخْذِ الجِزْيةِ منهم على ما دانُوا به قَبْلَ محمَّدٍ ﷺ ، وذلك خِلافُ ما أحْدَثُوا مِنْ الدينِ بَعْدَه، فإنْ أقامَ على ما كان عليه، وإلّا نُبِذَ إليه عَهْدُه، وأخْرِجَ مِنْ بِلادِ الإسْلامِ بمالِه، وصار حَرْبًا، ومَن بَدَّلَ دِينَه مِنْ كِتابِيَّةٍ لم يَحِلَّ نِكاحِها.
قال المزني: قد قال في «كتاب النكاح» [ف: ٢٠٨٣] وقال في «كتاب الصيد والذبائح» [ف: ٣٤٣٨]: «إذا بَدَّلَتْ بدِينٍ يَحِلُّ نِكاحُ أهْلِه فهي حَلالٌ»، وهذا عِنْدِي أشْبَهُ، قال ابنُ عبّاس: «﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾ [المائدة: ٥١]»، فمَن دان منهم دِينَ أهْلِ الكِتابِ قَبْل نُزُولِ الفُرْقانِ وبَعْدَه سَواءٌ عندي في القياسِ، وبالله التوفيقُ (١).
стр. 1618
(٣٥٣)
باب نقض العهد
(٣٤١٦) قال الشافعي: إذا نَقَضَ الذين عَقَدُوا الصُّلْحَ عليهم، أو جماعَةٌ منهم فلم يُخالِفُوا الناقِضَ بقَوْلٍ أو فِعْلٍ ظاهِرٍ، أو اعْتِزالِ بلادِهِم، أو يُرْسِلُون إلى الإمامِ أنّهم على صُلْحِهم .. فللإمامِ غَزْوُهُم، وقَتْلُ مُقاتِلَتِهم، وسَبْيُ ذَرارِيِّهم، وغَنِيمَةُ أمْوالِهِم، وهكذا فَعَلَ رسولُ الله ﷺ بسَبْيِ قُرَيْظَةَ، عَقَدَ عليهم صاحِبُهُم فنَقَضَ ولم يُفارِقُوه، ولَيْسَ كُلُّهُم أشْرَكَ في المعُونَةِ على النبيِّ ﷺ وأصْحابِه، ولكنَّ كُلَّهُم لَزِمَ حِصْنَه فلم يُفارِق النّاقِضَ إلّا نَفَرٌ منهم، وأعان على خُزاعَةَ وهم في عَقْدِ النَّبِيِّ ﷺ ثلاثةُ نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ فشَهِدُوا قِتالَهُم، فغَزا النبيُّ ﷺ قُرَيْشًا عامَ الفَتْحِ بغَدْرِ ثلاثةِ نَفَرٍ وتَرْكِهِم مَعُونَةَ خُزاعَةَ وإيوائِهم مَنْ قاتَلَها.
(٣٤١٧) قال: ومتى ظَهَرَ مِنْ مُهادِنِين ما يَدُلُّ على خِيانَتِهم .. نبَذَ إليهم عَهْدَهم، وأبْلَغَهُم مأمَنَهم، ثُمّ هُمْ حَرْبٌ، قال الله : ﴿وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء﴾ [الأنفال: ٥٨] (١).
стр. 1619
(٣٥٤)
باب الحكم بين المهادنين والمعاهدين
وما أُتْلِفَ من خمرهم وخنازيرهم وما عُفِيَ عنه وما يُرَدُّ (١)(٣٤١٨) قال الشافعي: لم أعْلَمْ مُخالِفًا مِنْ أهْلِ العِلْمِ بالسِّيَرِ أنّ رسولَ الله ﷺ لمّا نَزَلَ المدينةَ وادَعَ يَهُودًا كافَّةً على غَيْرِ جِزْيَةٍ (٢)، وأنّ قول الله : ﴿فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم﴾ [المائدة: ٤٢] إنّما نَزَلَتْ فيهم، ولم يُقَرُّوا أن يَجْرِيَ عليهم الحكْمُ، وقال بعضهم: نَزَلَتْ في اليَهُودِيَّيْنِ اللَّذَيْن زَنَيَا، وهذا أشْبَه؛ لقول الله تبارك اسمه: ﴿وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك﴾ [المائدة: ٤٣]، قال الشافعي: ولَيْسَ للإمامِ الخِيارُ في أحَدٍ مِنْ المعاهِدِين الذين يَجْرِي عليهم الحكْمُ إذا جاؤوه في حَدٍّ لله ، وعليه أن يُقِيمَه؛ لِما وَصَفْتُ مِنْ قَوْلِ الله : ﴿وهم صاغرون﴾ [التوبة: ٢٩].
стр. 1620
قال المزني: هذا أشْبَهُ مِنْ قَوْلِه في «كتاب الحدود»: «لا يُحَدُّون، وأرْفَعُهم إلى أهْلِ دِينِهم» (١).
(٣٤١٩) قال الشافعي: فما كانوا يَدِينُون به فلا يَجُوزُ حُكْمُنا عليهم بإبْطالِه، وما أحْدَثُوا ممّا ليْسَ بجائِزٍ في دِينِهم وله حُكْمٌ عندنا، أُمْضِيَ عليهم.
(٣٤٢٠) قال: ولا يَكْشِفُوا (٢) عن شَيْءٍ ممّا اسْتَحَلُّوه، ما لم يَكُنْ ضَرَرًا على مُسْلِمٍ أو مُعاهِدٍ أو مُسْتَأمِنٍ غَيْرِهم.
(٣٤٢١) وإنْ جاءَت امْرَأةُ رَجُلٍ منهم تَسْتَعْدِي بأنّه طَلَّقَها أو آلى منها .. حَكَمْتُ عليه حُكْمِي على المسْلِمِين، وأمَرْتُه في الظِّهارِ أن لا يَقْرَبَها حتّى يُكَفِّرَ رَقَبَةً مُؤمِنَةً؛ كما يُؤَدِّي الواجِبَ مِنْ حَدٍّ وجُرْحٍ وأرْشٍ، وإن لم يُكَفِّرْ عنه، وأنَفِّذُ عِتْقَه، قال: ولا أفْسَخُ نِكاحَه؛ لأنّ النبيَّ ﷺ عَفا عن عَقْدِ ما يَجُوزُ أن يُسْتأنَفَ، ورَدَّ ما جاوَزَ العَدَدَ، إلّا أن يَتَحاكَمُوا وهي في عِدَّةٍ فنَفْسَخَه، وكذا كُلُّ ما قَبَضَ مِنْ رِبًا أو ثَمَنِ خَمْرٍ أو خِنْزِيرٍ ثُمّ أسْلَما أو أحَدُهما، عُفِيَ عنه.
(٣٤٢٢) ومَن أراق لهم خَمْرًا، أو قَتَلَ لهم خِنْزِيرًا .. لم يَضْمَنْ؛ لأنّ ذلك حَرامٌ، ولا ثَمَنَ لمحَرَّمٍ، فإن قيل: فأنْتَ تُقِرُّهم على ذلك .. قيل: نعم، وعلى الشِّرْكِ بالله ، وقد أخْبَرَنا اللهُ ﵎ أنّهم لا يُحَرِّمُون ما حَرَّم اللهُ ورسولُه، فهذا حَرامٌ لا ثَمَنَ له وإن اسْتَحَلُّوه.
стр. 1621
(٣٤٢٣) قال: وإذا كُسِرَ لهم صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ لم يَكُنْ فيه غُرْمٌ، وإن كان مِنْ عُودٍ فكان إذا فُرِّقَ صَلَحَ لغَيْرِ الصَّلِيبِ .. فما نَقَصَ الكَسْرُ العُودَ (١)، وكذلك الطُّنْبُورُ والمزْمارُ.
(٣٤٢٤) ويَجُوزُ للنَّصْرانيِّ أن يُقارِضَ المسْلِمَ، وأكْرَهُ للمُسْلِمِ أن يُقارِضَ النَّصْرانيَّ أو يُشارِكَه، وأكْرَه أن يَكْرِيَ نَفْسَه مِنْ نَصْرانِيٍّ ولا أفْسَخُه.
(٣٤٢٥) وإذا اشْتَرَى النَّصْرانِيُّ مُصْحَفًا أو دَفْتَرًا فيه أحادِيثُ رسولِ الله ﷺ .. فَسَخْتُه.
(٣٤٢٦) ولو أوْصَى ببِناءِ كَنِيسَةٍ لصَلاةِ النَّصارَى .. فمَفْسُوخٌ، ولو قال: يَنْزِلُها المارَّةُ .. أجَزْتُه، وليْسَ في بِنائِها مَعْصِيَةٌ إلّا بأنْ تُبْنَى لصَلاةِ النَّصارَى.
(٣٤٢٧) ولو قال: اكْتُبُوا بثُلُثِي التَّوْراةَ والإنْجِيلَ .. فَسَخْتُه؛ لتَبْدِيلِهم، قال الله : ﴿فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله﴾ الآية [البقرة: ٧٩].
стр. 1622
[٥٩]
كتاب الصيد والذبائح
إملاء على مسائل مالك وأشهب واختلاف أبي حنيفة وأهل المدينة (١)
стр. 1623
(٣٥٥)
باب صفة الصائد من كلب وغيره، وما يحل من الصيد وما يحرم
(٣٤٢٨) قال الشافعي: كُلُّ مُعَلَّمٍ مِنْ كَلْبٍ وفَهْدٍ ونَمِرٍ وغَيْرِها مِنْ الوَحْشِ (١)، فكانَ إذا أُشْلِيَ اسْتَشْلَى (٢)، وإذا أخَذَ حَبَسَ ولم يَأكُلْ، فأيُّها فَعَلَ هذا مَرَّةً بعد مَرَّةٍ .. فهو مُعَلَّمٌ، وإن قَتَلَ فكُلْ ما لم يَأكُلْ، فإنْ أكَلَ فلا تَأكُلْ، فإنّما أمْسَكَ على نَفْسِه، وذَكَرَ الشَّعْبِيُّ عن عَدِيّ بنِ حاتِمٍ أنّه سَمِعَ النبيَّ ﷺ يَقُولُ: «فإنْ أكَلَ فلا تأكُلْ» (٣).
стр. 1624
(٣٤٢٩) قال: وإذا جَمَعَ (١) البازِيُّ أو الصَّقْرُ أو العُقابُ أو غَيْرُها ممّا يَصِيدُ أن يُدْعَى فيُجِيبَ، ويُشْلَى فيَطِيرَ، ويَأخُذَ فيَحْبِسَ، مَرَّةً بعد مَرَّةٍ .. فهو مُعَلَّمٌ، فإن قَتَلَ فكُلْ، وإنْ أكَلَ ففي القِياسِ أنّه كالكَلْبِ.
قال المزني: ليْسَ البازِيُّ كالكَلْبِ؛ لأنّ البازِيَّ وصِنْفَه إنّما يُعَلَّمُ بالطُّعْمِ، وبه يَأخُذُ الصَّيْدَ، والكَلْبُ يُؤَدَّبُ على تَرْكِ الطُّعْمِ، والكَلْبُ يُضْرَبُ أدَبًا، ولا يُمْكِنُ ذلك في الطَّيْرِ، فهما مُخْتَلِفان، فيُؤكَلُ ما قَتَلَ البازِيُّ وإن أكَلَ، ولا يُؤكَلُ ما قَتَلَ الكَلْبُ إذا أكَلَ؛ لنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عن ذلك (٢).
(٣٤٣٠) قال الشافعي: وإذا أرْسَلَ أحْبَبْتُ أن يُسَمِّيَ، فإن نَسِيَ فلا بَأسَ؛ لأنّ المسْلِمَ يَذْبَحُ على اسْمِ الله.
(٣٤٣١) ولو أرْسَلَ مُسْلِمٌ ومَجُوسِيٌّ كَلْبَيْن مُتَفَرِّقَيْن، أو طائِرَيْن، أو سَهْمَيْن، فقَتَلَا .. فلا يُؤكَلُ.
(٣٤٣٢) وإذا رَمَى أو أرْسَلَ كَلْبَه على الصَّيْدِ، فوَجَدَه قَتِيلًا .. فالخَبَرُ عن ابنِ عبّاسٍ والقِياسُ أن لا يَأكُلَه؛ لأنّه يُمْكِنُ أن يَكُونَ قَتَلَه غَيْرُه، وقال ابنُ عباسٍ: «كُلْ ما أصْمَيْت، ودَعْ ما أنْمَيْت»، و «ما أصْمَيْتَ»: ما قَتَلْتَه وأنْتَ تَراه، و «ما أنْمَيْتَ»: ما غاب عنك مَقْتَلُه (٣)، إلّا أن يَبْلُغَ منه مَبْلَغَ
стр. 1625
الذَّبْحِ، فلا يَضُرُّه ما حَدَثَ بعده (١).
(٣٤٣٣) وإذا أدْرَكَ الصَّيْدَ ولم يَبْلُغْ سِلاحُه أو مُعَلَّمُه ما يَبْلُغُ الذَّبْحُ، فأمْكَنَه أن يَذْبَحَه، فلم يَفْعَلْ .. فلا يَأكُلُ، كان معه ما يَذْبَحُ به أو لم يَكُنْ، فإن لم يُمْكِنْك أن تَذْبَحَه ومَعَك ما تُذَكِّيه به ولم تُفَرِّطْ حتّى مات .. فكُلْ.
(٣٤٣٤) ولو أرْسَلَ كَلْبَه أو سَهْمَه وسَمَّى اللهَ وهو يَرَى صَيْدًا، فأصابَ غَيْرَه .. فلا بأسَ بأكْلِه (٢) مِنْ قِبَلِ أنّه قد رَأى صَيْدًا ونَواهُ وإن أصابَ غَيْرَه، وإنْ أرْسَلَهُما ولا يَرَى صَيْدًا ونَوَى .. فلا يَأكُلُ، ولا تَعْمَلُ النِّيَّةُ إلّا مع عَيْنٍ تَرَى (٣)، ولو كان لا يَجُوزُ إلّا ما نَواه بعَيْنِه، لكان العِلْمُ يُحِيطُ أن لو أرْسَلَ سَهْمًا على مِائةِ ظَبْيٍ، أو كَلْبًا فأصابَ واحِدًا، فالواحِدُ المصابُ غَيْرُ مَنْوِيٍّ بعَيْنِه.
(٣٤٣٥) ولو خَرَجَ الكَلْبُ إلى الصَّيْدِ مِنْ غَيْرِ إرْسالِ صاحِبِه، فزَجَرَه فانْزَجَرَ، واسْتَشْلاه فأخَذَ وقَتَلَ (٤) .. أكَلَ، وإن لم يُحْدِثْ غَيْرَ الأمْرِ الأوَّلِ
стр. 1626
فلا يَأكُلُ، وسَواءٌ اسْتَشْلاه صاحِبُه أو غَيْرُه ممّن تَجُوزُ ذَكاتُه.
(٣٤٣٦) وإذا ضَرَبَ الصَّيْدَ فقَطَعَه قِطْعَتَيْن .. أكَلَ، وإن كانَتْ إحْدَى القِطْعَتَيْن أقَلَّ مِنْ الأخْرَى، ولو قَطَعَ منه يَدًا أو رِجْلًا (١) أو أذُنًا أو شَيْئًا يُمْكِنُ لو لم يَزِدْ على ذلك أن يَعِيشَ بعده ساعَةً أو مُدَّةً أكْثَرَ منها، ثُمّ قَتَلَه بَعْدُ برَمْيَتِه .. أكَلَ كُلَّ ما كان ثابِتًا فيه مِنْ أعْضائِه، ولم يَأكُل العُضْوَ الذي بانَ وفيه الحياةُ؛ لأنّه عُضْوٌ مَقْطُوعٌ مِنْ حَيٍّ وحَيِيَ بعد قَطْعِه، ولو مات مِنْ قَطْعِ الأوَّلِ أكَلَهُما مَعًا؛ لأنّ ذَكاةَ بَعْضِه ذَكاةٌ لكُلِّه.
(٣٤٣٧) ولا بأسَ أن يَصِيدَ المسْلِمُ بكَلْبِ المجُوسِيِّ، ولا يَجُوزُ أكْلُ ما أصابَ (٢) المجوسِيُّ بكَلْبِ المسْلِمِ؛ لأنّ الحكْمَ حُكْمُ المرْسِلِ، وإنّما الكَلْبُ أداةٌ.
(٣٤٣٨) وأيُّ أبَوَيْه كان مجُوسِيًّا فلا تُؤكَلُ ذَبِيحَتُه، وقال في «كتاب النكاح»: «ولا يَنْكِحُ إنْ كانَتْ جارِيَةً، ولَيْسَتْ كالصَّغِيرَةِ يُسْلِمُ أحَدُ أبَوَيْها؛ لأنّ الإسْلامَ لا يَشْرَكُه الشِّرْكُ، والشِّرْكُ يَشْرَكُه الشِّرْكُ» (٣).
(٣٤٣٩) ولا يُؤكَلُ ما قَتَلَتْه الأُحْبُولَةُ، كان فيها سِلاحٌ أو لم يَكُنْ؛ لأنّها ذَكاةٌ بغَيْرِ فِعْلِ أحَدٍ.
(٣٤٤٠) والذَّكاةُ وَجْهان: أحَدُهما ما كان مَقْدُورًا عليه مِنْ إنْسِيٍّ أو وَحْشِيٍّ، لم يَحِلَّ إلّا بأن يُذَكَّى، وما كان مُمْتَنِعًا مِنْ إنْسِيٍّ أو وَحْشِيٍّ، فما قَدَرْتَ به عليه مِنْ الرَّمْيِ أو السِّلاحِ فهو به ذَكِيٌّ.
(٣٤٤١) وقال رسولُ الله ﷺ : «ما أنْهَرَ الدَّمَ وذُكِرَ اسْمُ الله عليه
стр. 1627
فكُلُوه، إلّا ما كان مِنْ سِنٍّ أو ظُفُرٍ؛ لأنّ السِّنَّ عَظْمٌ مِنْ الإنسانِ، والظُّفُرَ مُدَى الحَبَشِ» (١)، وثَبَتَ عن رسولِ الله ﷺ أنّه جَعَلَ ذَكاةَ الإنْسِيِّ كذَكاةِ الوَحْشِيِّ إذا امْتَنَعَ، قال: ولمّا كان الوَحْشِيُّ يَحِلُّ بالعَقْرِ ما كان مُمْتَنِعًا، فإذا قُدِرَ عليه لم يَحِلَّ إلّا بما يَحِلُّ به الإنْسِيُّ .. كان كذلك الإنْسِيُّ إذا صار كالوَحْشِيِّ مُمْتَنِعًا حَلَّ بما يَحِلُّ به الوَحْشِيُّ.
(٣٤٤٢) قال: ولو وَقَعَ بَعِيرٌ في بِئرٍ، فطُعِنَ .. فهو كالصَّيْدِ.
(٣٤٤٣) ولو رَمَى صَيْدًا فكَسَرَه أو قَطَعَ جَناحَه، ورَماه آخَرُ فقَتَلَه .. كان حَرامًا، وكان على الرّامِي الآخَرِ قِيمَتُه بالحالِ التِي رَماه بها مَكْسُورًا أو مَقْطُوعًا.
قال المزني: مَعْنَى قَوْلِ الشّافِعِيِّ في ذلك عِنْدِي إنّما يَغْرَمُ قِيمَتَه مَقْطُوعًا؛ لأنّه رَماهُ فَقَطَع رَأسَه، أو بَلَغَ مِنْ مَقاتِلِه ما يَعْلَمُ (٢) أنّه قَتَلَه دُونَ جُرْحِ الجناحِ، ولو كان جُرْحًا كالجُرْحِ الأوَّلِ، ثُمّ أخَذَه رَبُّه فماتَ في يَدَيْه، فقد مات مِنْ جُرْحَيْن، فعلى الثّاني قِيمَةُ جُرْحِه مَقْطُوعَ الجناحِ الأوَّلِ، ونِصْفُ قِيمَتِه مَجْرُوحًا جُرْحَيْن؛ لأنّ قَتْلَه مَقْطُوعَ الجناحَيْن مِنْ فِعْلِه وفِعْلِ مالِكِه.
(٣٤٤٤) قال الشافعي: ولو كان مُمْتَنِعًا بعدَ رَمْيَةِ الأوَّلِ (٣)، يَطِيرُ إن كان طائرًا، أو يَعْدُو إن كان دابَّةً، ثُمّ رَماهُ الثّاني فأثْبَتَه .. كان للثّاني، ولو رَماهُ الأوَّلُ بهذه الحالِ فقَتَلَه .. ضَمِنَ قِيمَتَه للثّاني؛ لأنّه صار له دُونَه.
стр. 1628
قال المزني: يَنْبَغِي أن يَكُونَ قِيمَتُه مَجْرُوحًا الجرْحَيْن الأوَّلَيْن في قِياسِ قَوْلِه.
(٣٤٤٥) قال الشافعي: ولو رَمَياه مَعًا فقَتَلاه .. كان بَيْنَهما نِصْفَيْن.
(٣٤٤٦) ولو رَماه الأوَّلُ ورَماه الثّاني، ولم نَدْرِ أبَلَغَ به الأوَّلُ أن يَكُونَ مُمْتَنِعًا أو غَيْرَ مُمْتَنِعٍ .. جَعَلْناه بَيْنَهما نِصْفَيْن.
(٣٤٤٧) ولو رَمَى طائرًا فجَرَحَه، ثُمّ سَقَطَ إلى الأرْضِ، فأصَبْناه مَيِّتًا لم نَدْرِ أماتَ في الهواءِ أو بَعْدَما صار إلى الأرْضِ .. أُكِلَ؛ لأنّه لا يُوصَلُ إلى أن يَكُونَ مأخُوذًا إلّا بالوُقُوعِ، ولو حَرُمَ هذا حَرُمَ كُلُّ طائرٍ رُمِيَ فوَقَعَ وماتَ، ولكنَّه لو وَقَعَ على جَبَلٍ فتَرَدَّى عنه كان مُتَرَدِّيًا لا يُؤكَلُ (١)، إلّا أن تكُونَ الرَّمْيَةُ قد قَطَعَتْ رَأسَه أو ذَبَحَتْه أو قَطَعَتْه باثْنَيْن (٢)، فيُعْلَمُ أنّه لم يَتَرَدَّ إلّا ذَكِيًّا.
(٣٤٤٨) ولا يُؤكَلُ ما قَتَلَه الرَّمْيُ إلّا ما خَرَقَ برِقَّتِه، أو قَطَعَ بحَدِّه، فأمّا ما جَرَحَ بثِقَلِه .. فهو به وَقِيذٌ (٣).
(٣٤٤٩) وما نالَتْه الجوارِحُ فقَتَلَتْه ولم تُدْمِه .. احْتَمَلَ مَعْنَيَيْن: أحدهما - لا يُؤكَلُ (٤) حتّى يُجْرَحَ، قال الله : ﴿من الجوارح﴾ [المائدة: ٤]، والآخَرُ - أنّه حِلٌّ.
стр. 1629
قال المزني: الأوَّلُ أوْلاهما به، قِياسًا على رامِي الصَّيْدِ أو ضارِبِه أنّه لا يُؤكَلُ إلّا أن يَجْرَحَه (١).
(٣٤٥٠) قال الشافعي: ولو رَمَى شَخْصًا يَحْسِبُه حَجَرًا فأصاب صَيْدًا .. فلو أكَلَه ما رَأيْتُه مُحَرَّمًا؛ كما لو أخْطَأ شاةً (٢) فذَبَحَها لا يُرِيدُها، وكما لو ذَبَحَها وهو يَراها خَشَبَةً لَيِّنَةً.
(٣٤٥١) ومَن أحْرَزَ صَيْدًا فأفْلَتَ منه فصادَه غَيْرُه .. فهو للأوَّلِ.
(٣٤٥٢) وكُلُّ ما صادَه حَلالٌ في غَيْرِ حَرَمٍ ممّا يَكُونُ بمَكَّةَ مِنْ حَمامِها وغَيْرِه .. فلا بَأسَ، إنّما يُمْنَعُ بحُرْمَةٍ في غَيْرِه، مِنْ حَرَمٍ أو إحْرامٍ.
(٣٤٥٣) ولو تَحَوَّلَ مِنْ بُرْجٍ إلى بُرْجٍ فأخَذَه .. كان عليه رَدُّه، ولو صادَ ظَبْيًا مُقَرَّطًا (٣) .. فهو لغَيْرِه.
(٣٤٥٤) قال الشافعي: ولو شَقَّ السَّبُعُ بَطْنَ شاةٍ فوَصَلَ إلى مِعاها يَسْتَيْقِنُ أنّها إن لم تُذَكَّ ماتَتْ، فذُكِّيَتْ .. فلا بَأسَ بأكْلِها؛ لقَوْلِ الله: ﴿والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم﴾ [المائدة: ٣] (٤)، فالذَّكاةُ جائِزَةٌ بالقرآنِ.
стр. 1630
قال المزني: وأعْرِفُ له (١) أنّها لا تُؤكَلُ إذا بَلَغَ ما لا بَقاءَ لحياتِه إلّا حَياةَ المذَكّاةِ، وهو قَوْلُ المدَنِيِّ.
قال المزني: وهو عندي أقْيَسُ؛ لأنّي وَجَدْتُ الشّاةَ تَمُوتُ عن ذَكاةٍ فتَحِلُّ، وعن عَقْرٍ فتَحْرُمُ، فلمّا وَجَدْتُ التي أوْجَبَ الذَّبْحُ مَوْتَها وتَحْلِيلَها لا يُبَدِّلُها [أكْلُ السَّبُعِ لها ولا يُرْدِيها .. كان ذلك في القِياسِ إذا أوْجَبَ أكْلُ السَّبُعِ مَوْتَها وتَحْرِيمَها لم يُبَدِّلْها (٢) الذَّبْحُ لها، ولا أعْلَمُ خِلافًا أنّ سَبُعًا لو قَطَعَ ما يَقْطَعُ المذَكِّي مِنْ أسْفَلِ حَلْقِها أو أعْلاه، ثُمّ ذُبِحَتْ مِنْ حَيْثُ لم يَقْطَع السَّبُعُ مِنْ حَلْقِها، أنّها مَيْتَةٌ، فلو سَبَقَ (٣) الذَّبْحُ، ثُمّ قَطَعَ السَّبُعُ حيث لم يَقْطَع الذّابِحُ مِنْ حَلْقِها، أنّها ذَكِيَّةٌ، وفي هذا على ما قُلْتُ دَليلٌ، وقد قال الشافعي [ف: ٣٤٣٣]: «وإذا أدْرَكَ الصَّيْدَ، ولم يَبْلُغْ سِلاحُه أو مُعَلَّمُه ما يَبْلُغُ الذَّبْحُ، فأمْكَنَه أن يَذْبَحَه فلم يَفْعَلْ .. فلا يَأكُلُ»، قال المزني: وفي هذا دَليلٌ أنّه لو بَلَغَ ما بَلَغَ الذَّبْحُ أكَلَ، قال المزني: ودليلٌ آخَرُ مِنْ قَوْلِه، قال في «كتاب الديات (٤)» [ف: ٢٨٤٣]: «لو قَطَعَ حُلْقُومَ رَجُلٍ أو مَرِيَّه (٥)، أو قَطَعَ حُِشْوَتَه فأبانَها مِنْ جَوْفِه، أو صَيَّرَه في حالِ المذْبُوحِ ثُمّ ضَرَبَ آخَرُ عُنُقَه .. فالأوَّلُ قاتِلٌ دُون الآخِرِ»، قال المزني: قلت (٦): فهذه أدِلَّةٌ على ما وَصَفْتُ مِنْ قَوْلِه [الذي هو أصَحُّ في القِياسِ مِنْ
стр. 1631
قَوْلِه (١) الآخَرِ، وبالله التوفيق (٢).
(٣٤٥٥) قال الشافعي: وكُلُّ ما كان يَعِيشُ في الماءِ مِنْ حُوتٍ أو غَيْرِه .. فأخْذُه ذَكاتُه.
(٣٤٥٦) ولو كان شَيْءٌ تَطُولُ حَياتُه، فذَبَحَه لاسْتِعْجالِ مَوْتِه .. ما كَرِهْتُه.
(٣٤٥٧) وسَواءٌ مَنْ أخَذَه مِنْ مجُوسِيٍّ أو وَثَنِيٍّ، لا ذَكاةَ له.
(٣٤٥٨) وسَواءٌ ما لَفَظَه البَحْرُ وطَفا مِنْ مَيْتِه أو أُخِذَ حَيًّا، أكَلَ أبو أيُّوبَ سَمَكًا طافِيًا، وقال رسول الله ﷺ : «أُحِلَّتْ لنا مَيْتَتان ودَمان، الميْتَتانِ: الحُوتُ والجَرادُ، والدَّمانِ - أحْسِبُه قال: - الكَبِدُ والطِّحالُ»، وقال ﵇: «هو الطَّهُورُ ماؤُه، الحِلُّ مَيْتَتُه»، وقال اللهُ : ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة﴾ [المائدة: ٩٦]، وهذا عُمُومٌ، فمَن خَصَّ منه شَيْئًا فالمخْصُوصُ لا يَجُوزُ عند أهْلِ العِلْمِ إلّا بسُنَّةٍ أو إجْماعِ الذين لا يَجْهَلُون ما أراد اللهُ ﵎.
قال المزني: ولو جاز أن يَحْرُمَ الحُوتُ وهو ذَكِيٌّ لأنّه طَفا .. جاز أن يَحْرُمَ المذَكَّى مِنْ الغَنَمِ إذا طَفا، وفي ذلك دليلٌ، وبالله التوفيق.
стр. 1632
[٦٠]
كتاب الضحايا
من كتاب «اختلاف الحديث»، ومن «إملاء على كتاب أشهب»،
ومن «كتاب اختلاف أهل المدينة وأبي حنيفة» (١)
стр. 1633
(٣٤٥٩) قال الشافعي: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم، عن عبدالعزيز بن صُهَيْب، عن أنس بن مالك، أنّ النبيَّ ﷺ كان يُضَحِّي بكَبْشَيْنِ، قال أنسٌ: «وأنا أضَحِّي بكَبْشَيْن»، قال: وقال أنسٌ في غير هذا الحديث: «ضَحَّى النبيُّ ﷺ بكَبْشَيْن أمْلَحَيْن» (١).
(٣٤٦٠) قال: وذَبَحَ أبو بُرْدَةَ بنُ نِيارٍ قَبْل أن يَذْبَحَ النبيُّ ﷺ يَوْمَ الأضْحَى، فزَعَمَ أنّ النبيَّ ﷺ أمَرَه أن يَعُودَ لضَحِيَّةٍ أخْرَى، قال أبو بردة: لا أجِدُ إلّا جَذَعًا، فقال النبيُّ ﷺ : «وإن لم تَجِدْ إلّا جَذَعًا فاذْبَحْه»، قال الشافعي: فاحْتَمَلَ أمْرُه بالإعادَةِ أنّها واجِبَةٌ، واحْتَمَل على معنى أنّه إنْ أرادَ أن يُضَحِّيَ، فلمّا قال النبيُّ ﷺ : «إذا دَخَلَت العَشْرُ، فأرادَ (٢) أحَدُكُم أن يُضَحِّيَ، فلا يَمَسَّ مِنْ شَعْرِه وبَشَرِه شَيْئًا» .. دَلَّ أنّها غَيْرُ واجِبَةٍ، وبَلَغَنا أنّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ كانا لا يُضَحِّيان كَراهِيَةَ أن يُرَى أنّها واجِبَةٌ، وعن ابنِ عباس اشْتُرِي له بدرهمين لحمٌ، وقال: «هذه أضْحِيَّةُ ابنِ عبّاس».
(٣٤٦١) قال الشافعي: وآمُرُ مَنْ أراد أن يُضَحِّي أن لا يَمَسَّ (٣) مِنْ شَعْرِه شَيْئًا؛ اتِّباعًا واخْتِيارًا بدَلالةِ السُّنَّةِ، رَوَتْ عائشةُ أنّها كانَتْ تَفْتِلُ قَلائدَ هَدْيِ رسولِ الله ﷺ ، ثُمّ يُقَلِّدُها هو بيَدِه، ثُمّ يَبْعَثُ بها، فلم يُحَرِّمْ (٤) عليه شَيْئًا أحَلَّه الله له حتّى نَحَرَ الهدْيَ.
стр. 1634
(٣٤٦٢) قال الشافعي: والأضْحِيَّةُ سُنَّةُ تَطَوُّعٍ، لا نُحِبُّ تَرْكَها وإنْ كانَتْ غَيْرَ فَرْضٍ (١).
(٣٤٦٣) فإذا ضَحَّى الرَّجُلُ في بَيْتِه، فقد وَقَعَ ثَمَّ اسْمُ ضَحِيَّةٍ.
(٣٤٦٤) ويَجُوزُ في الضَّحايا الجَذَعُ مِنْ الضَّأنِ، والثَّنِيُّ مِنْ الإبِلِ والبَقَرِ والمعْزِ، ولا يَجُوزُ دُون هذا مِنْ السِّنِّ.
(٣٤٦٥) والإبلُ أحَبُّ إليَّ أن يُضَحِّيَ بها مِنْ البَقَرِ، والبَقَرُ مِنْ الغَنَمِ، والضَّأنُ أحَبُّ إليَّ مِنْ المعْزِ، والعَفْراءُ أحَبُّ إليَّ مِنْ السَّوْداءِ (٢)، وزَعَمَ بعضُ المفَسِّرِين أنّ قول الله ﵎: ﴿ذلك ومن يعظم شعائر الله﴾ [الحج: ٣٢] اسْتِسْمانُ الهدْيِ واسْتِحْسانُه.
(٣٤٦٦) قال الشافعي: ولا يَجُوزُ في الضَّحايا العَوْراءُ البَيِّنُ عَوَرُها، ولا العَرْجاءُ البَيِّنُ عَرَجُها، ولا المريضَةُ البَيِّنُ مَرَضُها، ولا العَجْفاءُ التي لا تُنْقِي.
(٣٤٦٧) وليس في القَرْنِ نَقْصٌ، فيُضَحَّى بالجَلْحاءِ، والمكْسُورَةُ القَرْنِ أكْبَرُ منها، دَمِيَ قَرْنُها أو لم يَدْمَ.
(٣٤٦٨) قال: ولا تُجْزِئ الجرْباءُ؛ لأنّه مَرَضٌ يُفْسِدُ لحْمَها.
(٣٤٦٩) ولا وَقْتَ للذَّبْحِ يَوْمَ الأضْحَى إلّا في قَدْرِ صَلاةِ النَّبِيّ ﷺ ، وذلك حين حَلَّت الصلاةُ، وقَدْرِ خُطْبَتَيْن خَفِيفَتَيْن، فإذا كان هذا القَدْرُ فقد حَلَّ الذَّبْحُ لكُلِّ أحَدٍ حيثُ كان، فأمّا صَلاةُ مَنْ بعده فليس فيها وَقْتٌ.
(٣٤٧٠) قال: والذَّكاةُ في الحَلْقِ واللَّبَّةِ، وهي ما لا حَياةَ بعده إذا قُطِعَ، وكَمالُها بأرْبَعٍ: الحُلْقُومِ، والْمَرِيءِ، والوَدَجَيْن، وأقَلُّ ما يُجْزِئ مِنْ
стр. 1635
الذَّكاةِ أن يُبِينَ الحُلْقُومَ والمرِيءَ، وإنّما أرِيدَ بفَرْيِ الأوْداجِ أنّها لا تُفْرَى إلّا بعد قَطْعِ الحُلْقُومِ والمرِيءِ (١)، والوَدَجانِ عِرْقانِ قد يُسَلّان مِنْ الإنسانِ والبَهِيمةِ ثُمّ يَحْيَيان.
(٣٤٧١) ومَوْضِعُ النَّحْرِ في الاخْتِيارِ في السُّنَّةِ في اللَّبَّةِ، ومَوْضِعُ الذَّبْحِ في الاختيارِ في السُّنَّةِ أسْفَلُ مَجامِعِ اللَّحْيَيْن، فإن نُحِرَتْ بَقَرَةٌ أو ذُبِحَ بَعِيرٌ .. فجائزٌ، قال عمر وابن عباس: «إنّما (٢) الذَّكاةُ في الحَلْقِ واللَّبَّةِ»، وزاد عُمَرُ: «ولا تُعْجِلُوا الأنْفُسَ أن تُزْهَقَ»، ونَهَى عن النَّخْعِ (٣).
(٣٤٧٢) قال الشافعي: وأحِبُّ أن لا يَذْبَحَ المناسِكَ التي يُتَقَرَّبُ بها إلى الله إلّا مُسْلِمٌ، فإن ذَبَحَ مُشْرِكٌ تَحِلُّ ذَبِيحَتُه، أجْزَأ على كَراهِيَتِي لِما وَصَفْتُ، وذَبْحُ مَنْ أطاق الذَّبْحَ مِنْ امْرَأةٍ حائِضٍ وصَبِيٍّ مِنْ المسْلِمِين، أحَبُّ إليّ مِنْ ذَبْحِ النَّصْرانيِّ واليَهُودِيِّ.
(٣٤٧٣) ولا بَأسَ بذَبِيحَةِ الأخْرَسِ (٤).
(٣٤٧٤) وأكْرَهُ ذَبِيحَةَ السَّكْرانِ والمجْنُونِ في حالِ جُنُونِه، ولا يَبِينُ أنّها حَرامٌ (٥).
стр. 1636
(٣٤٧٥) ولا تَحِلُّ ذَبِيحَةُ نَصارَى العَرَبِ، وهو قَوْلُ عُمَرَ.
(٣٤٧٦) وأحِبُّ أن يُوَجِّهَ الذَّبِيحَةَ إلى القِبْلَةِ، ويَقُولَ الرَّجُلُ على ذَبِيحَتِه: «باسم الله».
(٣٤٧٧) ولا أكْرَهُ الصَّلاةَ على رسولِ الله ﷺ ؛ لأنّها إيمانٌ بالله، قال ﷺ : «أخْبَرَنِي جبريلُ عن اللهِ أنّه قال ﵎: مَنْ صَلَّى عليك صَلَّيْتُ عليه».
(٣٤٧٨) قال: فإن قال: «اللَّهُمّ مِنك وإليك، فتَقَبَّلْ مِنّي» .. فلا بَأسَ، هذا دعاءٌ، فلا أكْرَهُه.
(٣٤٧٩) قال: وقد رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ مِنْ وَجْهٍ لا يَثْبُتُ أنّه ضَحَّى بكَبْشَيْن، فقال في أحَدِهما بعد ذِكْرِ الله: «اللَّهُمّ عن محمَّدٍ وآلِ محمَّدٍ»، وفي الآخَرِ: «اللَّهُمّ عن محمَّدٍ وأُمَّةِ محمَّدٍ».
(٣٤٨٠) قال الشافعي: وإذا ذَبَحَها فقَطَعَ رَأسَها .. فهي ذَكِيَّةٌ.
(٣٤٨١) ولو ذَبَحَها مِنْ قَفاها .. فإنْ تَحَرَّكَتْ بعد قَطْعِ رَأسِها أكِلَتْ، وإلّا لم تُؤكَلْ.
(٣٤٨٢) وإذا أوْجَبَها أُضْحِيَّةً، وهو أن يَقُولَ: هذه أضْحِيَّةٌ، وليس شِراؤُها والنِّيَّةُ أن يُضَحِّيَ بها إيجابًا لها.
(٣٤٨٣) فإذا أوْجَبَها .. لم يَكُنْ له أن يُبْدِلَها بحالٍ، وإن باعَها فالبَيْعُ مَفْسُوخٌ.
стр. 1637
(٣٤٨٤) فإن فاتَتْ بالبَيْعِ فعليه أن يَشْتَرِي بجَمِيعِ قِيمَتِها مَكانَها، فإن بَلَغَ أضْحِيَّتَيْن اشْتَراهُما؛ لأنّ ثَمَنَها بَدَلٌ منها، وإن بَلَغَ أضْحِيَّةً وزادَ شَيْئًا لا يَبْلُغُ أخْرَى .. ضَحَّى بالضَّحِيَّةِ، وأسْلَكَ الفَضْلَ مَسْلَكَ الضَّحِيَّةِ، وأحَبُّ إليَّ لو تَصَدَّقَ به، وإن نَقَصَ مِنْ الأُضْحِيَّةِ فعليه أن يَزِيدَ حتّى يُوَفِّيَه ضَحِيَّةً؛ لأنّه مُسْتَهْلِكٌ للضَّحِيَّةِ، فأقَلُّ ما يَلْزَمُه ضَحِيَّةٌ مِثْلُها.
(٣٤٨٥) وإن وَلَدَت الأضْحِيَّةُ .. ذُبِحَ معها.
(٣٤٨٦) ولا يَشْرَبُ مِنْ لَبَنِها إلّا الفَضْلَ عن وَلَدِها وما لا يَنْهَكُ لَحْمَها (١)، ولو تَصَدَّقَ به كان أحَبَّ إليَّ.
(٣٤٨٧) ولا يَجُزُّ صُوفَهَا.
(٣٤٨٨) ولو أوْجَبَها هَدْيًا وهو تامٌّ، ثُمّ عَرَضَ به نَقْصٌ وبَلَغَ المنْسَكَ .. أجْزَأ، إنّما أنْظُرُ في هذا كُلِّه إلى يَوْمِ يُوجِبُه ويَخْرُجُ مِنْ مالِه إلى ما جَعَلَه له، فإنْ أوْجَبَه ناقِصًا .. ذَبَحَه ولم يُجْزِه.
(٣٤٨٩) ولو ضَلَّتْ بعدما أوْجَبَها .. فلا بَدَلَ، وليْسَتْ بأكْثَرَ مِنْ هَدْيِ التَّطَوُّعِ يُوجِبُه صاحِبُه فيَمُوتُ فلا يَكُونُ عليه بَدَلٌ.
(٣٤٩٠) ولو وَجَدَها وقد مَضَتْ أيّامُ النَّحْرِ كُلُّها .. صَنَعَ بها كما يَصْنَعُ في النَّحْرِ؛ كما لو أوْجَبَ أن يُهْدِيَها العامَ فأخَّرَها إلى قابِلٍ، وما أوْجَبَه على نَفْسِه لوَقْتٍ ففاتَ الوَقْتُ .. لم يَبْطُل الإيجابُ.
(٣٤٩١) ولو أنّ مُضَحِّيَيْن ذَبَحَ كُلُّ واحِدٍ منهما أُضْحِيَّةَ صاحِبِه .. ضَمِنَ كُلُّ واحِدٍ منهما ما بَيْنَ قِيمَةِ ما ذَبَحَ حَيًّا ومَذْبُوحًا، وأجْزَأ عن كُلٍّ منهما أضْحِيَّتُه وهَدْيُه.
стр. 1638
(٣٤٩٢) وإذا ذَبَحَ لَيْلًا .. أجْزَأ.
(٣٤٩٣) والضَّحِيَّةُ نُسُكٌ مأذُونٌ في أكْلِه وإطْعامِه وادِّخارِه، وأكْرَهُ بَيْعَ شَيْءٍ منه والمبادَلَةَ به، ومَعْقُولُ ما أُخْرِجَ لله أن لا يَعُودَ إلى مالِكِه، إلّا ما أذِنَ اللهُ فيه أو رَسُولُه، فاقْتَصَرْنا على ما أذِنَ اللهُ فيه ﵎ ثُمّ رَسُولُه، ومَنَعْنا البَيْعَ على أصْلِ نُسُكٍ (١) أنَّه لله .
(٣٤٩٤) ولا تَجُوزُ الضَّحِيَّةُ لعَبْدٍ ولا مُدَبَّرٍ ولا أمِّ وَلَدٍ؛ لأنّهم لا يَمْلِكُون.
(٣٤٩٥) وإذا نَحَرَ سَبْعَةٌ بَدَنَةً أو بَقَرَةً، في الضَّحايا أو الهدْيِ، كانُوا مِنْ أهْلِ بَيْتٍ واحدٍ أو شَتّى .. فسَواءٌ، وذلك يُجْزِئ، وإن كان بَعْضُهم مُضَحِّيًا وبَعْضُهم مُهْدِيًا أو مُفْتَدِيًا .. أجْزَأ؛ لأنّ سُبُعَ كُلِّ واحدٍ منهم يَقُومُ مَقامَ شاةٍ مُنْفَرِدَةٍ، وكذلك لو كان بَعْضُهم يُرِيدُ نَصِيبَه لَحْمًا لا أضْحِيَّةً ولا هَدْيًا، وقال جابر بن عبدالله: «نَحَرْنا مع رسولِ الله ﷺ يَوْمَ الحدَيْبِيَةِ البَدَنَةَ عن سَبْعَةٍ، والبَقَرَةَ عن سَبْعَةٍ»، قال الشافعي: وهُمْ شَتّى.
(٣٤٩٦) والأضْحَى جائزٌ يَوْمَ النَّحْرِ وأيّامَ مِنًى كُلَّها إلى المغِيبِ؛ لأنّها أيّامُ نُسُكٍ.
قال المزني: وهذا قَوْلُ عَطاءٍ والحسَنِ، [قال المزني: أخبرناه عليُّ بن مَعْبَدٍ، عن هُشَيْم، عن يونسَ، عن الحسن أنّه قال: «يُضَحَّى أيّامَ التَّشْرِيقِ كُلَّها»، قال: وحدثنا علي بن مَعْبَدٍ، عن هشيم، عن الحجاج، عن عطاء؛ أنّه كان يَقُولُ: «يُضَحَّى في أيّامِ التَّشْرِيقِ كلِّها» (٢).
стр. 1639
(٣٥٦)
باب العقيقة
(٣٤٩٧) قال الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عبيدالله بن أبي يزيد، عن سِبَاع بن وهب، عن أمّ كُرْزٍ، قالت (١): «أتَيْتُ النبيَّ ﷺ أسْألُه عن (٢) لحُومِ الهَدْيِ، فسَمِعْتُه يقول: عن الغُلامِ شاتان، وعن الجارية شاةٌ، لا يَضُرُّكُمْ ذُكْرانًا كُنّ أو إناثًا، وسَمِعْتُه يَقُولُ: أقِرُّوا الطَّيْرَ في مَكِناتِها» (٣)، قال الشافعي: فيَعُقُّ عن الغُلامِ وعن الجاريةِ كما قال رسول الله ﷺ (٤).
(٣٥٧)
باب ما يحرم من جهة ما لا تأكل العرب
من معاني الرسالة ومعاني ما أعرف له وغير ذلك (١)(٣٤٩٨) قال الشافعي: قال الله ﵎: ﴿يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات﴾ [المائدة: ٤]، وقال في النبي ﷺ : ﴿ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وإنّما خُوطِبَ بذلك العَرَبُ الذين يَسألُون عن هذا ونَزَلَتْ فيهم الأحْكامُ، وكانُوا يَتْرُكون مِنْ خَبِيثِ المآكِلِ ما لا يَتْرُكُ غَيْرُهم.
(٣٤٩٩) قال الشافعي: وسَمِعْتُ أهْلَ العِلْمِ يَقُولُون في قول الله: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما﴾ الآية [الأنعام: ١٤٥]؛ يعني: ممّا كُنْتُم تأكُلُون، ولم يَكُنْ اللهُ جل ثناؤه ليُحَرِّمَ عليهم مِنْ صَيْدِ البَرِّ في الإحرامِ إلّا ما كان حَلالًا لهم في الإحْلالِ والله أعلم، فلمّا أمَرَ رسولُ الله ﷺ بقَتْلِ الغُرابِ والحِدْأةِ والفَأرَةِ والحيَّةِ والعَقْرَبِ والكَلْبِ العَقُورِ، دَلّ ذلك على أنّ هذا مَخْرَجُه، ودَلّ على مَعْنًى آخَرَ أنّ العَرَبَ كانَتْ لا تَأكُلُ ممّا أباحَ رَسُولُ الله ﷺ قَتْلَه في الإحْرامِ شَيْئًا.
(٣٥٠٠) ونَهَى النبيُّ ﷺ عن أكْلِ كُلِّ ذِي نابٍ مِنْ السِّباعِ، وأحَلَّ الضَّبُعَ ولها نابٌ، وكانَت العَرَبُ تَأكُلُها وتَدَعُ الأسَدَ والنَّمِرَ والذِّئبَ تَحْرِيمًا له بالتَّقَذُّرِ، وكان الفَرْقُ بين ذَواتِ الأنْيابِ أنّ ما عَدَا منها على الناس لقُوَّتِه
стр. 1642
بنابِه حَرامٌ، وما لم يَعْدُ عليهم بنابِه الضَّبُعُ والثَّعْلَبُ وما أشْبَههما حَلالٌ، وكذلك تَتْرُكُ أكْلَ النَّسْرِ والبازِيِّ والصَّقْرِ والشّاهِينِ وهي ممّا تَعْدُوا على حَمامِ النّاسِ وطائِرِهم، وكانَتْ تَتْرُكُ ما لا يَعْدُو مِنْ الطّائِرِ، الغُرابَ والحِدْأةَ والرَّخَمَةَ والبُغاثَةَ، وكذلك تَتْرُكُ اللُّحَكَاءَ والعَظاءَ والخَنافِسَ (١)، فكانَتْ داخِلَةً في مَعْنَى الخبائِثِ، وخارِجَةً مِنْ مَعْنَى الطَّيِّباتِ، فوافَقَت السُّنَّةَ فيما أحَلُّوا وحَرَّمُوا مع الكِتابِ ما وَصَفْتُ، فانْظُرْ ما لَيْسَ فيه نَصُّ تَحْرِيمٍ ولا إحْلالٍ (٢)، فإنْ كانَت العَرَبُ تَأكُلُه فهو داخِلٌ في جملةِ الحلالِ والطَّيِّباتِ عندهم؛ لأنّهم كانُوا يُحَلِّلُون ما يَسْتَطِيبُون، وما لم يَكُونُوا يَأكُلُونه تَحْرِيمًا باسْتِقْذارِه فهو داخِلٌ في مَعْنَى الخبائِثِ.
(٣٥٠١) ولا بَأسَ بأكْلِ الضَّبِّ، وُضِعَ بين يَدَيْ رسولِ الله ﷺ فعافَه (٣)، فقيل: أحَرامٌ (٤) يا رسولَ الله؟ قال: «لا، ولكِنْ لم يَكُنْ بأرْضِ قَوْمِي»، فأُكِلَ منه بين يَدَيْه وهو يَنْظُرُ (٥)، ولو كان حَرامًا ما تَرَكَه وأكْلَه.
стр. 1643
(٣٥٨)
باب كسب الحَجّام (١)(٣٥٠٢) قال الشافعي: ولا بَأسَ بكَسْبِ الحَجّامِ، فإن قيل: فما مَعْنَى نَهْيِ النبيِّ ﷺ السّائلَ عن كَسْبِه، وإرْخاصِه في أن يُطْعِمَه رَقِيقَه وناضِحَه؟ .. قيل: لا مَعْنَى له إلّا واحِدٌ، وهو أنّ مِنْ المكاسِبِ دَنِيًّا وحَسَنًا، فكان كَسْبُ الحَجّامِ دَنِيًّا، فأحَبَّ له تَنْزِيهَ نَفْسِه عن الدَّناءَةِ لكَثْرَةِ المكاسِبِ التي هي أجْمَلُ منه، فلمّا رادَّه فيه أمَرَه أن يَعْلِفَه ناضِحَه ويُطْعِمَه رَقِيقَه، تَنْزِيهًا له، لا تَحْرِيمًا عليه، وقد حَجَمَ أبو طَيْبَةَ رسولَ الله ﷺ فأمَر له بصاعٍ مِنْ تَمْرٍ، وأمَرَ أهْلَه أن يُخَفِّفُوا عنه مِنْ خَراجِه، ولو كان حَرامًا لم يُعْطِه رسولُ الله ﷺ ؛ لأنّه لا يُعْطِي إلّا ما يَحِلُّ إعْطاؤُه ولآخِذِه مِلْكُه، وقد رُوِيَ أنّ رَجُلًا ذا قَرابَةٍ لعُثْمانَ قَدِمَ عليه، فسَألَه عن مَعاشِه، فذَكَرَ غَلَّةَ حَجّامٍ أو حَجّامَيْن، فقال: إنّ كَسْبَكُم لوَسِخٌ، أو قال: لدَنِسٌ، أو: لرَدِيءٌ، أو كَلِمَةً تُشْبِهُها.
стр. 1644
(٣٥٩)
باب ما لا يحل أكله وما يجوز للمضطر من الميتة
من غير كتاب
(٣٥٠٣) قال الشافعي: ولا يَجُوزُ أكْلُ زَيْتٍ ماتَتْ فيه فأرَةٌ ولا بَيْعُه، ويَسْتَصْبِحُ به، فإن قيل: كيف يَنْتَفِعُ به ولا يَبِيعُه؟ .. قيل: قد يَنْتَفِعُ المضْطَرُّ بالميْتَةِ ولا يَبِيعُها، ويَنْتَفِعُ بالطَّعامِ في دارِ الحَرْبِ ولا يَبِيعُه في تلك الحالِ، وقد نَهَى رسولُ الله ﷺ عن ثَمَنِ الكَلْبِ، وأباحَ الانْتِفاعَ به في بَعْضِ الأحْوالِ، فغَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ أن يَنْتَفِعَ الرَّجُلُ بالزَّيْتِ ولا يَبِيعَه في هذه الحالِ.
(٣٥٠٤) قال: ولا يَحِلُّ مِنْ الميْتَةِ إلّا إهابُها بالدِّباغِ، ويُباعُ.
(٣٥٠٥) ولا يَأكُلُ المضْطَرُّ مِنْ الميْتَةِ إلّا ما يَرُدُّ نَفَسَه فيَخْرُجُ به مِنْ الاضْطِرارِ.
وقال في «كتاب اختلاف أهل المدينة وأبي حنيفة» هذا القَوْلَ، وقال فيه: «وما هو بالبَيِّنِ؛ مِنْ قِبَلِ أنّ الشَّيْءَ حَلالٌ أو حَرامٌ، فإذا كان حَرامًا لم يَحِلَّ منه شَيْءٌ، وإذا كان حَلالًا فقد يَحْتَمِلُ أن لا يَحْرُمَ منه شِبَعٌ ولا غَيْرُه؛ لأنّه مَأذُونٌ فيه».
قال المزني: قَوْلُه الأوَّلُ أشْبَهُ بأصْلِه؛ لأنّه يَقُولُ: «إذا حَرَّمَ اللهُ شَيْئًا فهو مُحَرَّمٌ، إلّا ما أباحَ منه بصِفَةٍ، فإذا زالَت الصِّفَةُ زالَت الإباحَةُ»، قال المزني: ولا خِلافَ أعْلَمُه أن ليس له أن يَأكُلَ مِنْ الميْتَةِ وهو بادِي الشِّبَعِ؛ لأنّه ليْسَ بمُضْطَرٍّ، فإذا كان خائفًا على نَفْسِه فمُضْطَرٌّ، فإذا أكَلَ منها ما يُذْهِبُ الخَوْفَ فقد أمِنَ وارْتَفَعَ الاضْطِرارُ الذي هو عِلَّةُ الإباحَةِ، قال
стр. 1645
المزني: وإذا ارْتَفَعَت العِلَّةُ ارْتَفَعَ حُكْمُها، ورَجَعَ الحُكْمُ كما كان قَبْلَ الاضْطِرارِ، وهو تَحْرِيمُ اللهِ الميْتَةَ على مَنْ ليْسَ بمُضْطَرٍّ، ولو جاز أن يَرْتَفِعَ الاضْطِرارُ ولا يَرْتَفِعَ حُكْمُه، جاز أن يَحْدُثَ الاضْطِرارُ ولا يَحْدُثَ حُكْمُه، وهذا خِلافُ القُرآنِ (١).
(٣٥٠٦) وقال فيما وَضَعَ بخَطِّه لا أعْلَمُه سُمِعَ منه: إن مَرَّ المضْطَرُّ بتَمْرٍ أو زَرْعٍ .. لم أرَ بَأسًا أن يَأكُلَ ما يَرُدُّ جُوعَه ويَرُدَّ قِيمَتَه، ولا أرَى لصاحِبِه مَنْعَه فَضْلًا عنه، وخِفْتُ أن يَكُونَ أعانَ على قَتْلِه إذا خاف عليه بالمنْعِ الموْتَ.
(٣٥٠٧) قال الشافعي: ولو وَجَدَ المضْطَرُّ مَيْتَةً وصَيْدًا، وهو مُحْرِمٌ .. أكَلَ الميْتَةَ، ولو قيل: يَأكُلُ الصَّيْدَ ويَفْتَدِي كان مَذْهَبًا.
قال المزني: الصَّيْدُ مُحَرَّمٌ بغَيْرِه، وهو الإحْرامُ، ومُباحٌ لغَيْرِ مُحْرِمٍ، والميْتَةُ مُحَرَّمَةٌ بعَيْنِها لا بغَيْرِها على كُلِّ حَلالٍ وحَرامٍ، فهي أغْلَظُ تَحْرِيمًا، فإحْياءُ نَفْسِه بتَرْكِ الأغْلَظِ وتَناوُلِ الأيْسَرِ أوْلى به مِنْ رُكُوبِ الأغْلَظِ، وبالله التوفيق (٢).
(٣٥٠٨) وخالَفَ الشّافعيُّ المدَنِيَّ والكُوفِيَّ في الانْتِفاعِ بشَعْرِ الخِنْزِيرِ وفي صُوفِ الميْتَةِ وشَعْرِها، فقال: «لا يُنْتَفَعُ بشَيْءٍ مِنْ ذلك».
(٣٥٠٩) قال المزني: أملى علينا الشافعي، قال (١): أخبرنا ابن أبي فُدَيْك، عن ابن أبي ذئب، عن نافع بن أبي نافع (٢)، عن أبي هريرة، أنّ النبيّ ﷺ قال: «لا سَبْقَ إلّا في نَصْلٍ، أو خُفٍّ، أو حافِرٍ».
(٣٥١٠) قال الشافعي: «الخفُّ»: الإبِلُ، و «الحافِرُ»: الخيْلُ، و «النَّصْلُ»: كُلُّ نَصْلٍ مِنْ سَهْمٍ أو نُشَّابَةٍ.
(٣٥١١) والأسْباقُ ثَلاثةٌ (٣):
سَبَقٌ يُعْطِيه الوالي أو غَيْرُ الوالي مِنْ مالِه، وذلك أن يُسَبِّقَ بين الخَيْلِ إلى غايَةٍ، فيَجْعَلَ للسَّابِقِ شَيْئًا مَعْلومًا، وإنْ شاء جَعَلَ للمُصَلِّي والثّالثِ والرّابعِ (٤)، فهذا حَلالٌ لمن جُعِلَ له، ليْسَتْ فيه عِلَّةٌ.
والثاني: يَجْمَعُ وَجْهَيْن، وذلك مِثْلُ الرّجُلَيْن يُرِيدان أن يَسْتَبِقا بفَرَسَيْهما، ولا يُريدُ كُلُّ واحِدٍ منهما أن يَسْبِقَ صاحِبُه، ويُخْرِجان سَبَقَيْن، فلا يَجُوزُ إلّا بمُحَلِّلٍ، وهو أن يَجْعَلَا بينهما فَرَسًا، ولا يَجُوزُ حتّى يَكُونَ
стр. 1648
فَرَسًا كَفِيًّا للفَرَسَيْن، لا يَأمَنان أن يَسْبِقَهما، ويُخْرِجُ كُلُّ واحِدٍ منهما ما تَراضَيا عليه، يَتَواضَعانه على يَدَيْ رَجُلٍ يَثِقان به أو يَضْمَنانِه، ويَجْرِي بينهما المحَلِّلُ، فإنْ سَبَقَهما كان السَّبَقَان له، وإن سَبَقَ أحَدُهما المحَلِّلَ أحْرَزَ مالَه وأخَذَ سَبَقَ صاحِبِه، وإنْ أتَيا مُسْتَوِيَيْن لم يَسْبِقْ أحَدُهما صاحِبَه (١)، وأقَلُّ السَّبْقِ أن يَسْبِقَ بالهادِي أو بَعْضِه، أو الكَتِدِ أو بَعْضِه، وسَواءٌ لو كانُوا مائَةً وأدْخَلُوا بينهم مُحَلِّلًا فكذلك.
والثالث: أن يَسْبِقَ أحَدُهما صاحِبَه، فإنْ سَبَقَه صاحِبُه أخَذَ السَّبَقَ، وإنْ سَبَقَ صاحِبَه أحْرَزَ سَبَقَه.
(٣٥١٢) ولا يَجُوزُ السَّبْقُ إلّا أن تكُونَ الغايَةُ التي يَجْرِيان منها ويَنْتَهِيَان إليها واحِدَةً.
(٣٥١٣) والنِّضالُ فيما بَيْنَ الرُّماة كذلك في السَّبَقِ والعِلَلِ، يَجُوزُ في كُلِّ واحِدٍ منهما ما يَجُوزُ في الآخَرِ، ثُمّ يَتَفَرَّعان، فإذا اخْتَلَفَتْ عِلَلُهما اخْتَلَفا (٢).
(٣٥١٤) فإذا سَبَّقَ أحَدُهما قَرَعًا مَعْلُومًا .. فجائزٌ أن يَشْتَرِطا مُحَاطَّةً أو مُبَادَرَةً (٣).
стр. 1649
(٣٥١٥) فإن اشْتَرَطا مُحَاطَّةً .. فكُلَّما أصابَ أحَدُهما وأصابَ الآخَرُ بمِثْلِه أسْقَطَا العَدَدَيْن، ولا شَيْءَ لواحِدٍ منهما، ويَسْتَأنِفان، وإنْ أصَابَ أقَلَّ مِنْ صاحِبِه حُطَّ مِثْلُه، حتّى يَخْلُصَ له فَضْلُ العَدَدِ الذي شُرِطَ، فيَنْضُلَه به، ويَسْتَحِقَّ سَبَقَه، يَكُونُ مِلْكًا له، يُقْضَى به عليه كالدَّيْن يَلْزَمُه، إنْ شاء أطْعَمَه أصْحابَه (١)، وإنْ شاء تَمَوَّلَه، وإنْ أخَذَ به رَهْنًا أو ضَمِينًا فجائزٌ.
(٣٥١٦) ولا يَجُوزُ السَّبَقُ إلّا مَعْلُومًا كما يَجُوزُ في البُيُوعِ.
(٣٥١٧) ولو اشْتَرَطَ أن يُطْعِمَ أصْحابَه كان فاسِدًا.
(٣٥١٨) وقد رَأيْتُ مِنْ الرُّماةِ مَنْ يَقُولُ: صاحِبُ السَّبَقِ أوْلَى أن يَبْدَأ، والمسَبِّقُ لهما يُبْدِئ أيَّهما شاءَ، قال الشافعي: ولا يَجُوزُ في القِياسِ عندي إلّا أن يَتَشارَطا.
(٣٥١٩) وأيُّهما بَدَأ مِنْ وَجْهٍ بَدَأ صاحِبُه مِنْ الآخَرِ.
(٣٥٢٠) ويَرْمِي البادِئ بسَهْمٍ ثُمّ الآخَرُ بسَهْمٍ حتّى يُنْفِدا نَبْلَهما.
(٣٥٢١) وإذا أغْرَقَ أحَدُهما وخَرَجَ السَّهْمُ مِنْ يَدِه فلم يَبْلُغ الغَرَضَ (٢) .. كان له أن يَعُودَ به مِنْ قِبَلِ العارِضِ، وكذلك لو انْقَطَعَ وَتَرُه، أو انْكَسَرَتْ قَوْسُه فلم يَبْلُغ الغَرَضَ، أو عَرَضَ دونه دابَّةٌ أو إنْسانٌ فأصَابَه، أو عَرَضَ له
стр. 1650
في يَدِهِ ما لا يَمُرُّ السَّهْمُ معه .. كان له أن يَعُودَ به، فأمّا إنْ جاز السَّهْمُ وأجاز مِنْ وَراءِ النّاسِ فهذا سُوءُ رَمْيٍ، ليس بعارِضٍ غَلَبَ عليه، فلا يُرَدُّ إليه.
(٣٥٢٢) وإذا كان رَمْيُهما مُبادَرَةً، فبَلَغَ تِسْعَةَ عَشَرَ مِنْ عِشْرِين .. رَمَى صاحِبُه بالسَّهْمِ الذي يُراسِلُه، ثُمّ رَمَى البادِئ، فإنْ أصابَ بسَهْمِه ذلك فَلَجَ عليه، وإن لم يَرْمِ الآخَرُ بالسَّهْمِ؛ لأنِ المبادَرَةَ أن يَفُوتَ أحَدُهما الآخَرَ، وليْسَ كالمحاطَّةِ.
قال المزني: هذا عندي غَلَطٌ، لا يَنْضُلُه حتّى يَرْمِيَ صاحِبُه بمِثْلِه (١).
(٣٥٢٣) قال الشافعي: وإذا تَشارَطا الخَواسِقَ لم يُحْسَبْ خاسِقًا حتّى يَخْزِقَ الجِلْدَ فيَتَعَلَّقَ بنَصْلِه، ولو تَشارَطا المصِيبَ، فمَن أصاب الشَّنَّ ولم يَخْرِقْه حُسِبَ له؛ لأنّه مُصِيبٌ (٢).
стр. 1651
(٣٥٢٤) وإذا اشْتَرَطا الخَواسِقَ والشَّنُّ مُلْصَقٌ بالهدَفِ، فأصاب ثُمّ رَجَعَ، فزَعَمَ الرّامِي أنّه خَسَقَ ثُمّ رَجَعَ لِغِلَظٍ لَقِيَه مِنْ حَصاةٍ أو غَيْرِها، وزَعَمَ المصابُ عليه أنّه لم يَخْسِقْ، وأنّه إنّما قَرَعَ ثُمّ رَجَعَ .. فالقَوْلُ قَوْلُه مع يَمِينِه، إلّا أن تَقُومَ بَيِّنَةٌ، فيُؤخَذُ بها.
(٣٥٢٥) وإنْ كان الشَّنُّ بالِيًا، فأصابَ مَوْضِعَ الخَرْقِ، فغابَ في الهدَفِ .. فهو مُصِيبٌ.
(٣٥٢٦) وإنْ أصابَ طَرَفَ الشَّنِّ فخَرَقَه .. ففيها قولان: أحَدُهما - أنّه لا يُحْسَبُ له خاسِقًا، إلّا أن يَكُونَ بَقِيَ عليه مِنْ الشَّنِّ طُفْيَةٌ أو خَيْطٌ أو جِلْدٌ أو شَيْءٌ مِنْ الشَّنِّ يُحِيطُ بالسَّهْمِ (١)، فيُسَمَّى بذلك: خاسِقًا، وقَلِيلُ ثُبُوتِه وكَثِيرُه سَواءٌ، ولا يَعْرِفُ النّاسُ إذا وَجَّهُوا بأن يُقالَ: «خاسِقٌ» إلّا ما أحاطَ به المخْسُوقُ فيه، ويقالُ للآخَرِ: «خارِمٌ»، لا «خاسِقٌ»، والقَوْلُ الآخَرُ - أن يَكُونَ الخاسِقُ قد يَقَعُ بالاسْمِ على ما أوْهَى الصَّحِيحَ فخَزَقَه،
стр. 1652
فإذا خَزَقَ منه شَيْئًا قَلَّ أو كَثُرَ ببَعْضِ السَّهْمِ سُمِّيَ: خاسِقًا؛ لأنّ الخَسْقَ الثَّقْبُ، وهذا قد ثَقَبَ وإنْ خَرَمَ (١).
(٣٥٢٧) وإذا وَقَعَ في خَرْقٍ وثَبَتَ في الهدَفِ كان خاسِقًا، والشَّنُّ أضْعَفُ مِنْ الهدَفِ.
(٣٥٢٨) ولو كان الشَّنُّ مَنْصُوبًا، فمَرَقَ منه .. كان عندي خاسِقًا، ومِن الرُّماةِ مَنْ لا يَحْسِبُه إذا لم يَثْبُتْ فيه (٢).
(٣٥٢٩) وإنْ أصابَ بالقِدْحِ .. لم يُحْسَبْ إلّا ما أصابَ بالنَّصْلِ.
(٣٥٣٠) ولو أرْسَلَه مُفارِقًا للشَّنِّ فهَبَّتْ رِيحٌ فصَرَفَتْه، أو مُقَصِّرًا فأسْرَعَتْ به، فأصابَ .. حُسِبَ مُصِيبًا، ولا حُكْمَ للرِّيحِ.
(٣٥٣١) ولو كان دُونَ الشَّنِّ شَيْءٌ فهَتَكَه السَّهْمُ ثُمّ مَرَّ بحَمْوَتِه حتّى يُصِيبَ .. كان مُصِيبًا.
(٣٥٣٢) ولو أصابَ الشَّنَّ ثُمّ سَقَطَ بعد ثُبُوتِه .. حُسِبَ، وهذا كنَزْعِ إنْسانٍ إيّاه.
(٣٥٣٣) قال: ولا بَأسَ أن يُناضِلَ أهْلُ النُّشَّابِ أهْلَ العَرَبِيَّةِ وأهْلَ الحُسْبانِ؛ لأنّ كُلَّها نَصْلٌ، وكذلك القِسِيُّ الدُّودَانِيَّةُ (٣) والهنْدِيَّةُ، وكُلُّ