Полный текст (1 788 стр.). Показаны 156–195 · переход к 161.
стр. 156
ويحتمل أن يكون كتاب «سير الأوزاعي»، حيث رد فيه على أبي يوسف رده على الأوزاعي.
ومن أماليه على محمد بن الحسن: «الإملاء على محمد بن الحسن»، ويحتمل أن يكون كتاب «اختلاف أبي حنيفة وأهل المدينة»، وهو بعينه «كتاب الرد على محمد بن الحسن».
ومن أماليه على مالك: «الإملاء على كتاب مالك»، و «الإملاء على موطأ مالك»، و «الإملاء على مسائل مالك المجموعة»، وقد يحذف كلمة: «المجموعة».
ومن أماليه على ابن القاسم: «الإملاء على كتاب ابن القاسم»، وقد يقال: «الإملاء على مسائل ابن القاسم»، وهو غير «الإملاء على مسائل مالك»، حيث ذكرا في بعض المواضع من «المختصَر» (ك ٤٣) مقترنين.
ومن أماليه على أشهب: «الإملاء على كتاب أشهب»، وقد يقال: «الإملاء على مسائل أشهب»، وهو أيضًا غير «الإملاء على مسائل مالك»، حيث ذُكرا في بعض المواضع من «المختصَر» (ك ٥٩) مقترنين.
القسم الثالث تعليقات الأصحاب عن الشافعي
وهي قسمان:
الصنف الأول - التعاليق، وهي نصوص الشافعي التي كتبها أصحابه عنه.
فمنها للمُزَني: «باب ما جمعت له من كتاب الصيام والسنن والآثار» و «مسائل في الاعتكاف»، ذكرهما المُزَني في «باب الاعتكاف وليلة القدر» (ف: ٨٠٣).
стр. 157
ومنها لحَرْمَلة: قال البَيْهَقي: «وفيما حكى أبو الحسن العاصمي بإسناده عن حرملة أنه قال: عندي قِمَطْرٌ من مسائل الشافعي مَنْثورَة» (١).
قال البَيْهَقي: «ولأبي ثور: إبراهيم بن خالد الكلبي أيضًا روايات، وفيها زيادات، ولأبي عبدالله: أحمد بن حنبل الإمام أيضًا روايات في المسائل المَنثُورَة، ثم في أنساب قريش، وغيرها، مما أخذه عن الشافعي، سوى ما روى عنه من الأخبار المسندة»، قال: «ثم لسائر أصحابه: كعبدالله بن الزبير الحُمَيْدِي، ويونس بن عبدالأعلى ومحمد بن عبدالله بن عبدالحكم، وعبد العزيز بن عِمْرَان بن مِقْلَاص، والربيع بن سليمان الجِيزِي - وهو غير المرادي - والحارث بن سُرَيج النَّقَّال، والحسين القَلَّاس، وبحر بن نصر الخولاني؛ وغيرهم .. روايات في مسائل معدودة، ينفرد كل واحد منهم بما لا يشاركه فيه غيره»، قال البَيْهَقي: «وذلك يدل على كتب أملاها أو قرأها عليهم غير ما سمينا» (٢).
الصنف الثاني - المختصَرات، وتتضمَّن زيادات من تعاليق أصحابها وسماعاتهم.
فمنها: مختصَرات المُزَني، قال البَيْهَقي: «لأبي إبراهيم المُزَني ﵀ رواية بزيادات أورد بعضها في (المختصَر الكبير)، ثم في (المختصَر الصغير)، ثم في (المنثورات)» (٣).
ومنها: «مختصَر البُوَيْطي والربيع»، قال البَيْهَقي: «ولأبي يعقوب: يوسف بن يحيى البُوَيْطي، والربيع بن سليمان المرادي، عن الشافعي
_________
(١) انظر «مناقب الشافعي» للبَيْهَقي (١/ ٢٥٥).
(٢) انظر «مناقب الشافعي» للبَيْهَقي (١/ ٢٥٦ - ٢٥٧).
(٣) انظر «مناقب الشافعي» للبَيْهَقي (١/ ٢٥٦).
стр. 158
مختصَرات تشتمل على هذه الكتب [يقصد: كتبه في الفروع]، وفيها زيادات كثيرة» (١).
ومنها: «مختصَر ابن أبي الجارود»، قال البَيْهَقي: «ولأبي الوليد: موسى بن أبي الجَارُود مختصَر كمختصَر البُوَيْطي، يرويه عن الشافعي، وفي روايته زيادات» (٢).
القسم الرابع الكتب الجامعة
وأعني بها: كتب جمع فيها أصحاب الشافعي متفرق نصوصه وكتبه.
فمن أشهرها لكتبه الجديدة: «كتاب الأم» برواية الربيع بن سليمان المرادي، ويظهر أنه هو الناظم له، فقد صرح المُزَني في موضع من مختصَره (ف: ٢١٧٨) بالنقل عن «كتاب الأم»، ويدل ذلك على أنه كان معروفًا في عصره، لكن يبقى أمر الكتب المضمنة في الأم وبيان طبيعتها، ولم أجد لها ضابطًا محددًا، إلا ما ذكره البَيْهَقي في ثبته أن «الأم» تعرف به كتبه المصنَّفة في الفروع، وينبغي أن يكون العمل على هذا، ولا يصح إدراج كتب مستقلة الأسماء والبناء ضمن «الأم»، اللهم إلا إذا تعاملنا مع هذه الكلمة باعتبارها وصفًا لكتب الشافعي أنها أصل المذهب.
ومن أجمعها لكتبه القديمة: «كتاب الحجة» الذي يرويه الزعفراني عن الشافعي، و «كتاب القديم» الذي يرويه الحسين الكرابيسي عن الشافعي، قال الإسنوي: «وهو مجلد ضخم، ظفرت بنسخة عتيقة منه، وعليها خط ابن الصلاح بغرابته والثناء عليه» (٣).
ومن أجمعها للقديم والجديد: «كتاب المبسوط» للبَيْهَقي.
_________
(١) انظر «مناقب الشافعي» للبَيْهَقي (١/ ٢٥٥).
(٢) انظر «مناقب الشافعي» للبَيْهَقي (١/ ٢٥٧).
(٣) انظر مقدمة «المهمات» للإسنوي (١/ ١١٤).
стр. 159
المقدمة الرابعة في
وجوه اختلاف القولين والوجهين والطريقين
стр. 160
ذكرنا عناية المُزَني بجمع مختلف أقوال الشافعي والترجيح بينها، وكذلك عنايته بتخريج قوله في المسكوت عنه قياسًا على منصوصه، وكل ذلك مثار اجتهاد واختلاف الأصحاب الشافعية، فرأيت تخصيص هذا القسم من الدراسات لبيان أصول القول في اختلاف القولين للشافعي، والوجهين لتخريجات الأصحاب، والطريقين في حكاية المذهب، ليكون دارس الكتاب على بينة عن الموقف الجملي في تلك المسائل ويمتلك البنية والقاعدة التي يبني عليها اجتهاده الخاص به.
وجماع القول في هذا القسم في أبواب ثلاثة وخاتمة: باب اختلاف القولين، وباب التخريج واختلاف الوجهين، وباب حكاية المذهب واختلاف الطريقين، والخاتمة في مصطلحات المعتمد من القولين والوجهين والطرق.
стр. 161
باب اختلاف القولين
وفيه: ذكر التشنيع على الشافعي باختلاف أقواله، والدفاع عن الشافعي في اختلاف أقواله، ووجوه اختلاف أقوال الشافعي.
ذكر التشنيع على الشافعي باختلاف أقواله
اختلاف أقوال الشافعي في المسألة الواحدة من الأمور التي شنع بها بعض الحنفية على الشافعي، قالوا: إن ترديد الأقوال في المسألة توقف، وذلك يدل على ضعف الرأي وقلة الفقه (١).
بل إن أبا عبدالله الحسين بن علي بن طاهر البصري المعروف بـ «جُعَل» (ت ٣٦٩ هـ) منهم ألف في رد القولين على الشافعي كتابًا مفردًا مستقلًّا أهداه للصاحب إسماعيل بن عباد (ت ٣٨٥ هـ) (٢)، ونقل أبو العباس ابن القاص عن الكوفيين تعييرهم وثلبهم أصحابه الشافعية وزعمهم «أن كثرة الأقوال على تباينها لا يكون إلا من مبتغي التلبيس»، قال ابن القاص: «وهكذا من قلَّ علمه ضاق بكثرة الأقاويل ذرعه، إلا من تبحَّر في العلوم فلاحت له حكمة تغاير الوجوه» (٣).
وذكر إمام الحرمين من تشنيعهم أنهم قالوا: «إذا جمع الجامع بين قولين: أحدهما التحليل، والآخر التحريم، وذكرهما جميعًا، ولم يرجح
_________
(١) انظر «مناقب الشافعي» للفخر الرازي (ص: ١٨٦).
(٢) انظر «التلخيص» لإمام الحرمين (٣/ ٤١٢)، و «القواطع» للسمعاني (٥/ ٦٤)، وأبو عبدالله البصري معتزلي داعية في الأصول، وفقيه حنفي في الفروع، أخذ عن أبي الحسن عبيدالله الكرخي عن البردعي عن نصير بن يحيى عن محمد، انظر ترجمته في «سير أعلام النبلاء» للذهبي، و «الطبقات السنية في تراجم الحنفية» للغزي، و «الفوائد البهية في تراجم الحنفية» للكنوي.
(٣) انظر «نصرة القولين» لابن القاص (ص: ٥٤).
стр. 162
أحدهما على الثاني، وأضافهما إلى نفسه في مثل الصيغة التي يضيف بها جملة المذهب إلى نفسه .. فلا يخلو حاله في ذلك إما أن يريد تصحيح القولين جميعًا في حق المجتهد الواحد، فيكون ذلك تناقضًا وتنافيًا ومباهتة للضروريات والبدائة، وإن كان لا يعتقد ذلك .. فإطلاقه الكلام على وجه يُنبئ عما قلناه يزريه؛ إذ ليس لأحد العلماء أن يطلق من القول ما ظاهره الغلط، وهو يريد به خلاف ظاهره» (١).
هذا وما شابه ذلك في كتب الأصول والفروع كان السبب الأول في مباحث ومؤلفات عظيمة النفع للأصحاب حول قضية اختلاف القولين للمجتهد الواحد.
الدفاع عن الشافعي في اختلاف أقواله
ومن الجواب الجملي في ذلك أن الشافعي أراد بفقهه ضبط أصول الاستنباط وقواعد الاجتهاد، ولم يكن من مقاصده حجر أحكام الفروع بما ترجح لديه هو وإن كان يرى الحق في رأيه، بل إنه نهى عن التقليد له أو لغيره، ودعا إلى الدوران مع السنة والدليل، فكان من منهجه في بعض المسائل ترديد الأقوال وعدم البت فيها، إما لعدم قطعه بحكمه، أو لكي يعلم الاجتهاد، ولهذا نجد المُزَني وهو ناصر مذهبه على ذات الطريقة متشوِّفًا إلى ترديد الأقوال، قال إمام الحرمين في «النهاية» (١٥/ ٧٤): «المُزَني يتشوَّف إلى تخريج القولين مهما اشتمل الكلام على نوع من التردد»، قال: «وهذه عادته»، ولا أُراهُ - والله أعلم - يفعل ذلك من جهة نسبة القولين إلى الشافعي كما قد يتوهَّم، وإنما فعل ذلك لتوسيع مجال
_________
(١) انظر «التلخيص» لإمام الحرمين (٣/ ٤١٢).
стр. 163
النظر والاجتهاد؛ لأن غرضه ليس تخريج قول واحد يقلد فيه، كيف وأول حكم في «مختصَره» النهي عن التقليد، وإنما المقصود النظر في محتملات النصوص، ثم التوصل إلى ما يهدي إليه الدليل.
وهذه نكتة أطبق على الإذعان بها عامة من تكلم في اختلاف أقوال الشافعي ﵁، ثم سلكوا في تقسيم وجوهه مسالك مختلفة أورد هنا مختصَرها (١)، حتى أنتقل إلى ما هداني النظر والاستقراء في كتاب المُزَني.
أبو العباس ابن القاص (ت ٣٣٥ هـ):
فكان من أوائل من كتب دفاعًا عن الشافعي من أصحابه أبو العباس ابن القاص، ألف في ذلك كتابه الماتع «نصرة القولين للإمام الشافعي» (٢)، بدأه ببيان متشابه القرآن والسنة الذي يوهم ظاهره التعارض، ممهدًا بذلك لما ذهب إليه أن ما رمي به الشافعي من اختلاف القولين ليس به في حقيقة الأمر، ثم ختمه ببيان اختلاف أقوال أبي حنيفة وأصحابه، مستدلًّا بذلك على أنه ليس الوحيد الذي اختلفت أقواله، وفيما بين البدء والختام جعل معاني القولين ووجوههما على عشرة أقسام:
_________
(١) يلاحظ أن الشيخ أبا زهرة نعى على الشافعية محاولتهم تخريج اختلاف أقوال الشافعي على الأوجه المعروفة عندهم، قال: «يظنون أن كثرة الآراء للشافعي لا تليق به، فيدفعونها عنها»، والظاهر أن الشيخ غلبت عليه ثقافة عصره حيث اعتبر سعة الخلاف بمثابة كثرة الحلول واتساع الخناق، لكن الشافعية إذ يوجهون هذا الاختلاف لا ينطلقون على أساس الرياضة النفسية والاحتمالات العقلية، وإنما هي صور من ترديد الأقوال توجد في واقع نصوص الشافعي، فلا وجه لكلام الشيخ أبي زهرة، وإن كنت معه في قوله: «إن كثرة آراء الشافعي أمر مُتَّفِقٌ مع منهجه في الاجتهاد ومُتَّفِقٌ مع حياته الفكرية». انظر كتاب «الشافعي .. حياته وعصره .. آراؤه وفقهه» (ط: دار الفكر العربي، ص: ١٨٢ - ١٨٤).
(٢) الكتاب طبع في دار البيروتي بتحقيق مازن سعد الزبيبي، وله طبعة أخرى في مشروع (أسفار) مع «حقيقة القولين» للغزالي لم أتمكن من مراجعتها.
стр. 164
أحدها: ما قاله محاجَّة ليتبين به فساد الباطل وتحقيق القول الآخر.
القسم الثاني: ما قاله على طريق الحكاية واختلاف الماضين قبله.
القسم الثالث: ما قال فيه من القولين المتفاوتين ليمتحن المتعلمين باستخراجهما ثم ينص على يفتي به.
القسم الرابع: أن يكون أحد القولين من طريق خبر سبق والقول الآخر من طريق القياس.
القسم الخامس: ما قال فيه القولين والمرء فيهما مخيَّر.
القسم السادس: ما قاله على الترتيب (١).
القسم السابع: قال فيه القولين ولم يبح بأحجِّهما نصًّا على جوابه من فساد الناس، ولكن بيَّن الأحج منهما بالحجج.
القسم الثامن: ما قال فيه القولين فيكون أحدهما على الإيجاب والآخر على الاحتياط.
القسم التاسع: ما كان على طريق المبهم والمفسر (٢).
القسم العاشر: ما قاله ليقرب المطلب على المتعلمين دون النصوص تورعًا عن التقليد، وكلفهم التخليص ليتبيَّن به فضل المجتهد على البليد.
ويلاحظ على هذا التقسيم أن القسمين الثاني والعاشر لا قول للشافعي فيهما على حسبه، ويكون الشافعي تركهما لاجتهاد الأصحاب، كما يلاحظ عليه غياب ذكر الجديد والقديم، وكأنه لم يعتبر ذلك من اختلاف القولين.
_________
(١) يريد حمل القولين على اختلاف الحالين.
(٢) يريد أن أحد قوليه تفسير للآخر.
стр. 165
أبو الحسن الماوردي (ت ٤٥٠ هـ):
وممن كتب في ذلك الماوردي، فذكر في «الحاوي» (١٦/ ١٦٨ - ١٧١) عشرة أقسام من اختلاف أقوال الشافعي، ثم وقع في كلامه إشارات إلى أقسام أخرى جمعها عنه السمعاني في «القواطع» (٥/ ٦٤ - ٨٥) فأوردها أربعة عشر قسمًا (١):
أحدها: أن يقيد جوابه في موضع ويطلق في موضع آخر.
القسم الثاني: ما اختلف فيه ألفاظه مع اتفاق معانيها من وجه واختلاف معانيها من وجه، فغلب بعض أصحابنا حكمها في الاختلاف، ولم يغلب حكمها في الاتفاق، فخرج حكم المسألة على قولين.
القسم الثالث: ما اختلف قوله فيه لاختلاف حاله، فينزل به بعض أصحابه عن اختلاف الحالين إلى اختلاف القولين.
القسم الرابع: ما اختلف قوله فيه لاختلاف القراءة أو لاختلاف الرواية.
القسم الخامس: ما اختلف قوله فيه لأنه عمل على أحد القولين بظاهر من كتاب الله تعالى ثم بلغته سنة ثابتة نقلته عن الظاهر إلى قول آخر.
القسم السادس: ما اختلف فيه قوله لأنه عمل بالقياس ثم بلغته سنة لم تثبت عنده تخالف موجب القياس فجعل مذهبه من بعد ذكر السنة موقوفًا على ثبوتها.
القسم السابع: أن يذكر القولين لإبطال ما عداهما من أقاويل كثيرة قد ذهب إليها المجتهدون، ويكون مذهبه موقوفًا على ما يؤدِّي إليه اجتهاده من صحة أحدهما، وإن لم يكن قائلًا بهما في الحال.
_________
(١) وقد ذكرها نحو ذكر السمعاني المناوي في «فرائد الفوائد» (ص: ١٩ - ٣٥).
стр. 166
القسم الثامن: أن يقصد بالقولين إبطال ما توسَّط منهما، ويكون مذهبه منهما ما حكم به وفرع عليه.
القسم التاسع: أن يذكر قولين مختلفين في مسألتين متفقتين، فيذكر أحد القولين في إحدى المسألتين، ويذكر القول الآخر في المسألة الثانية، فيخرجها أصحابه على قوله.
القسم العاشر: ما اختلف قوله فيه لأنه أداه اجتهاده إلى أحدهما فقال به، ثم أداه اجتهاده إلى القول الآخر فعدل إليه.
القسم الحادي عشر: أن يكون قال في المسألة بقول في موضع، وقال فيها بقول آخر في موضع آخر، فيخرجها أصحابه على قولين، ثم جعل هذا القسم على ضربين: أحدهما - أن يتقدم أحدهما على الآخر، فيكون كأنه قال بأحدهما ثم رجع عنه إلى الآخر، والثاني - أن يشكل المتقدم منهما من المتأخر.
القسم الثاني عشر: أن يذكر القولين حكاية عن مذهب غيره، ولا يوجب حكايته لهما أن يكون قولين.
القسم الثالث عشر: أن يذكر القولين معتقدًا لأحدهما وزاجرًا بالآخر.
القسم الرابع عشر: أن يقول في المسألة الواحدة في الحالة الواحدة بقولين مختلفين يجمع فيهما بين قولين متضادين، فيحكم بحلية الشيء في أحدهما وتحريمه في الآخر، ويوجب الشيء في أحدهما ويسقطه في الآخر، وهذا على ضربين: أحدهما - أن يميز أحد القولين بما ينبه على اختياره، والثاني - أن يطلق ولا يميز.
وهذا التقسيم سلك مسلك الاستقراء لواقع كتب الشافعي، وجعله الأصل لاستخراج وجوه اختلاف الشافعي في الجملة، لكن يلاحظ عليه
стр. 167
بعض الثغرات من جهة اختلاط أوجه أخرى للتقسيم، فمنها: التقسيم بناءً على تفسيرات الأصحاب لكلام الشافعي، فالأقسام الأول والثاني والثالث تشترك في أنها جميعًا أوجه من اختلاف العبارات تحتمل أن تحمل على الاتفاق والاختلاف، والأصحاب يختلفون في وجوه تفسيرها ما بين جامع يحمل على الاتفاق وتارك للجمع حامل على القولين، ومنها: أنه في القسم الرابع انطلق من سبب الاختلاف، وهذا خلاف الأصل الذي بَنَى عليه التقسيم من اعتبار واقع الاختلاف.
أبو حامد الغزالي (ت ٥٠٥ هـ):
وألف الغزالي كتابه في «حقيقة القولين» (١)، ولخص فيه حالات اختلاف أقوال الشافعي في خمسة أقسام:
القسم الأول: أن يكون القولان أحدهما قديم والآخر جديد.
القسم الثاني: أن تكون المسألة على اختلاف حالين، ويروى فيها أن للشافعي قولين وليس كما روي.
القسم الثالث: أن يقول الشافعي: «في المسألة قولان» ويعني به قولين للعلماء، لا قولين له.
القسم الرابع: أن يقول الشافعي القولين على سبيل التردد، ثم قد يذكر الترجيح وقد لا يذكر.
القسم الخامس: أن يقول الشافعي القولين على سبيل التخيير، على سبيل البدل، لا على سبيل الجمع.
_________
(١) الكتاب طبع بأكثر من طبعة، رجعت منها إلى طبعة مجلة الجمعية الفقهية السعودية (العدد الثالث/ ص: ٢١١ - ٣٧٤).
стр. 168
وهذا التقسيم لا يخفى أنه على أساس استقراء واقع كتب الشافعي لا يخرج عنه، لكنه تقسيم جملي لم يشر إلى تفصيلات ما تحت التقسيمات التي ذكرها؛ لأن ذلك لم يكن هم الغزالي في هذا الكتاب، وإنما أراد بيان أن ذلك لم يكن من الشافعي تعارضًا مع نفسه أو ضعفًا في فقهه.
فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ):
وممن تكلَّم على قضية اختلاف أقوال الشافعي بكلام مفيد فخر الدين الرازي في كتابيه «المحصول» (٥/ ٣٩٢ - ٣٩٦) و «مناقب الشافعي» (ص: ١٨٦ - ١٨٨) فجعل الأقوال المختلفة عن الشافعي على وجوه: أحدها - أن يكون قد ذكر في كتبه القديمة شيئًا وفي كتبه الجديدة شيئًا آخر، وثانيها - أن يكون قد ذكر القولين في موضع واحد ونصّ على الترجيح، وثالثها - أن يقول في هذه المسألة قولان ولا ينبه على الترجيح ألبتة، ورابعها في «المناقب» - المسائل التي يذكرون فيها قولين بالنقل والتخريج، وهذا القسم الأخير أغفله جميع من سبق على أهميته وكثرة فروعه.
أبو المحاسن الروياني (ت ٤٠٢ هـ):
وذكر في كتب الطبقات والتراجم أن لأبي المحاسن عبدالواحد بن أحمد الروياني صاحب «بحر المذهب» كتاب «حقيقة القولين» (١)، ويشبه أن يكون ذلك في ذكر أقسام اختلاف الأقوال وبيان أمثلتها، والروياني في غالب كتابه «البحر» متابِع للماوردي وناقل عنه، لكنه ترك كلامه في أقسام اختلاف أقوال الشافعي، فيشبه - والله أعلم - أنه أفرد هذا التقسيم بكتاب مستقل.
_________
(١) انظر «الطبقات» لابن السُّبْكي (٧/ ١٩٥).
стр. 169
فذلكة أقسام اختلاف أقوال الشافعي كما يظهر من تتبع المختصَر
ونظرًا لأهمية هذا البحث وعظم قدره عنيت بتتبُّع ما ورد من مسائل القولين في «المختصَر» وتعامل الأصحاب الشافعية معها، وبناءً عليه أقول: ما قد ينسب إلى الشافعي من اختلاف قوله إما أن يكون على التخيير بينهما، أو لاختلاف الأصحاب في تفسير نصِّه، فهذان فصلان:
الفصل الأول: اختلاف قوله على التخيير.
الفصل الثاني: اختلاف قول الشافعي بسبب اختلاف الأصحاب في قراءة نصه وتفسيره.
وكلاهما ليس من باب اختلاف قول الشافعي حقيقة، والاختلاف الحقيقي إما أن يكون قولًا قاله في وقت ثم رجع عنه، معلوم القديم منهما من الجديد، وإمَّا أن يكون ترديدًا للقول في وقت واحد، وإما أن يختلف قوله في أزمان مختلفة دون أن يعلم الأول من الآخر من أقواله، ويكون ذلك لاختلاف قوله باختلاف مواضع التقرير، أو اختلاف الرواة عنه، أو اختلاف قوله في المسائل المتشابهة، وهذه بقية الفصول:
الفصل الثالث: القديم والجديد.
الفصل الرابع: الترديد بين الأقوال في موضع واحد.
الفصل الخامس: اختلاف قوله باختلاف مواضع التقرير.
الفصل السادس: اختلاف قوله باختلاف الرواة عنه.
الفصل السابع: اختلاف قوله في النظائر.
فهذه سبعة فصول:
стр. 170
الفصل الأول: اختلاف قوله على التخيير (١)
هذه الصورة في حقيقتها ليست من باب اختلاف القولين؛ لأن قوله واحد بجواز الوجهين، وإنما الخلاف في هذه الصورة إن وجد في الأولى من القولين أو الأحوط، وأصل التخيير بين حكمين في كتاب الله في كفارة الأيمان في قوله تعالى: ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة﴾ [المائدة: ٨٩].
ومن أمثلته قول الشافعي (ف: ٤٢٠): «ويُكَبِّرُ خلف الفرائضِ والنوافل»، وعنه: يكبِّر خلف الفرائض، لم يذكر النوافل، فحمله المُزَني على تعارض القولين وقال: «لا يُكَبِّر إلَّا خلف الفرائض أولى به عندي»، وليس ذلك عند الأصحاب بتعارض، وإنما هو على التخيير، والتكبير خلف الفرائض والنوافل زيادة خير.
_________
(١) وهو القسم الخامس والثامن في «نصرة القولين» لابن القاص (ص: ١١٥، و ١٢٣).
стр. 171
الفصل الثاني:
اختلاف قول الشافعي بسبب اختلاف الأصحاب في قراءة نصه وتفسيره
فهو في حقيقته من اختلاف الأصحاب لا الإمام.
ومن أمثلته: اختلافهم في قراءة عبارتي: «أحببت، كرهت» في كلام الشافعي، وذلك كثير، منها قول الشافعي (ف: ٣٣٩) في اشتراط العدد في الجمعة: «إنْ خَطَب بهم وهم أربعون، ثم انْفَضُّوا عنْه، ثم رَجَعُوا مكانَهُم .. صَلَّوا الجمعةَ، وإن لم يَعُودوا حتَّى يتباعد .. أحْبَبْتُ أن يبْتَدِئ خُطْبَتَه»، فقوله: «أحببتُ» أثار خلافًا بين الأصحاب، فقال ابن سريج: يجب عليه الإعادة، وهذا هو الأصح واختيار القفال والأكثرين، قالوا: ولفظ الشافعي ﵁: أوجبت، وأما «أحببت» فهو تصحيف من الناقل أو وهم، قالوا: وربما حملوا «أحببت» على «أوجبت»، فكل واجب محبوب كما أن كل محرم مكروه، ولذلك يُطلق لفظ الكراهة ويراد به التحريم (١)، ومن
_________
(١) انظر «العزيز» (٣/ ٢٧١).
стр. 172
أمثلته قوله (ف: ١٠): «ولا أكره من الآنية إلا الذهب والفضة»، قال إمام الحرمين في «النهاية» (١/ ٣٨): «ذكر الشافعي الكراهية وأراد به التحريم، وهو يعتاد ذلك كثيرًا».
ومن أمثلته كذلك: أن يقيد الشافعي جوابه في موضع ويطلق في موضع آخر (١)، مثل قوله (ف: ٢٦١٧): «وأقَلُّ ما عَلِمْناه مِنْ الحيْضِ: يَوْمٌ»، وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ: «يومٌ وليلةٌ»، فحمله بعض الأصحاب على اختلاف القولين، والمذهب حمل المطلق على المبين والقطع بأنه يوم وليلة، قال المُزَني: «يَحْتَمِلُ قَوْلُه يَوْمًا بلَيْلَتِه، فيكُونُ المفَسَّرُ مِنْ قَوْلِه يَقْضِي على المجْمَلِ، وهكذا أصْلُه في العِلْم».
ومن أمثلته كذلك: أن تختلف ألفاظه في حكم مع اتفاق معانيها من وجه واختلاف معانيها من وجه (٢)، مثل قوله في المظاهر (ف: ٢٤٦٣): «فإذا مُنِعَ الجماعَ أحْبَبْتُ أن يُمْنَعَ القُبَلَ والتَّلَذُّذَ احْتِياطًا حتَّى يُكَفِّرَ»، وقال في رواية الزعفراني: «رأيت أن يُمنع القبلةَ والتلذذَ»، وهى لفظة محتملة، فيحتمل أن تُحمل على الاستحباب والإيجاب، فغلب بعض أصحابنا حكمها في الاختلاف ولم يغلب حكمها في الاتفاق فخرج حكم المسألة على قولين، وحَمْلها على ما صرح به من الاستحباب أولى من حَمْلها على ما يجوز أن يحتمله من الإيجاب.
ومن أمثلته كذلك: أن يختلف منطوقه ومفهومه، مثل قول الشافعي (ف: ٢٧٥١): «يَحْتَمِلُ أن يَكُونَ على الرَّجُلِ لخادِمِ امْرأتِه نَفَقَةٌ إذا كانَتْ
_________
(١) انظر القسم التاسع في «نصرة القولين» لابن القاص (ص: ١٢٤)، والقسم الأول في «القواطع» للسمعاني (٥/ ٦٤).
(٢) انظر القسم الثاني في «القواطع» للسمعاني (٥/ ٦٥).
стр. 173
ممَّن لا تَخْدُمُ نَفْسَها»، وقال: «إذا لم يَكُنْ لها خادِمٌ فلا يَبِينُ أن يُعْطِيَها خادِمًا»، فتوهم المُزَني هذا قولين للشافعي في وجوب نفقة الخادمة، وذلك أنه قيَّد إيجاب الخدمة بالحال التي لا تقدر على ما لا صلاح لبدنها من زمانة ومرض، فأوهم عدم الوجوب في غير هذه الحالة، كما أنه ذكر لفظ «الاحتمال» موهمًا التردد، والمذهب الذي عليه الجمهور القطع بالوجوب، قال الروياني: «وكثيرًا ما ينصّ الشافعي على أظهر الصورتين ولا يقصد الفرق بين الصورتين»، وقال: «وقد ذكر الشافعي لفظ الاحتمال في مواضع ولم يقصد تعليق القول، وكذلك قال في مسائل كثيرة: (ولا يبين لي كذا وكذا) ولم يقصد به القولين في المسألة» (١).
_________
(١) انظر «البحر» (١١/ ٤٤٤)، وانظر مثالًا آخر نحوه في الفقرة: (٧٠٨) من «المختصَر».
стр. 174
الفصل الثالث:
القديم والجديد (١)
ونتكلَّم فيه حول تحديد المقصود بالقديم والجديد وتعريفه أولًا، ونبين قصة ظهورهما ثانيًا، ونشرح موقف الأصحاب الشافعية من القديم ثالثًا، ونعرِّج أخيرًا على اصطلاح آخر في القديم والجديد.
تحديد المقصود بالقديم والجديد
اختلف أصحابنا الشافعية في تحديد المقصود بالقديم والجديد على قولين مشهورين عند الأئمة المتأخِّرين من أصحابنا من شُرَّاح «المنهاج» للنووي ومحشي شروحه: القول الأول - «القديمُ: ما قاله الشافعي ببغدادَ تصنيفًا أو إفتاءً، والجديدُ: ما قالَه بمصرَ تصنيفًا أو إفتاءً»، هذا هو المشهور، غير أن بعض المتأخِّرين توهَّم أن هذا القول مرتبط بالمكان، وأنه يردُّ عليه ما قاله الشافعي بعد خروجه من العراق وقبل دخوله إلى مصر هل هو من القديم أو الجديد، ومن هنا كان القول الثاني: «القديمُ: ما قاله
_________
(١) انظر القسم العاشر في «القواطع» للسمعاني (٥/ ٧٥) والقسم الأول في «حقيقة القولين» للغزالي (ص: ٢٧٩)، والقسم الثاني في «مناقب الشافعي» للفخر الرازي (ص: ١٨٧).
стр. 175
الشافعي قبل دخوله مصر، والجديدُ: ما قالَه الشافعي بعد دخوله مصر إحداثًا أو استقرارًا» (١).
وهذا كله محاولة للضبط والتسوير على نظام الحدود، والأولى بنا أن نشرح قصة ظهور القديم والجديد تمهيدًا لفهم حقيقتهما، ثم إذا فهمنا القصة والواقع لا يهمنا كثيرًا الاختلافات البسيطة بين الحدود التي يركز عليها المتأخِّرون، فأقول:
قصة ظهور القديم والجديد
أول ظهور شخصية الشافعي الاجتهادية كان عقب أَسْره من قبل والي العباسيين على اليمن وإرساله مقيَّدًا إلى العراق بتهمة الانحياز للدعوة العلوية، ففي هذه الفترة تعرَّف على محمد بن الحسن الشيباني وفقه أهل الرأي في العراق بصفة مباشرة، وحدث بينهما مناظرات انتصر فيها الشافعي بالحجة البالغة، فكان ذلك سببًا في ظهور ذكره وانتشار أخبار عبقريته، ومن ثم رجاه أهل الحديث أن يؤلِّف في الردِّ على أهل الرأي، فاستكتب كتب الشيباني ليأخذها معه إلى الحجاز ومن ثم يتفرَّغ للردِّ عليها، وهذا ما كان، فألَّف في مكة بعد عودته من العراق رسالته القديمة التي انتقد فيها أصول أهل الرأي في الاجتهاد والمناظرة، وألف كتاب «الحجة»، والذي هو عبارة عن الردِّ على محمد بن الحسن الشيباني على طريقة المحدثين، أو كما قال الشافعي: «وضع تحت كل مسألة حديثًا»، يعني: يردُّ عليه.
وبعد أن تمَّ للشافعي ما أراده واستوى من فقهه بنيانه قصد العراق لينشر ما وصل إليه من نظره في فقه العراقيين، وعقد مجلسه الذي كان محلَّ
_________
(١) انظر «تحفة المحتاج» لابن حجر الهيتمي مع حواشيه (١/ ٥٣)، وغيره من شروح «المنهاج» للنووي.
стр. 176
إعجاب أهل الحديث والرأي معًا، فكان من أصحابه من المحدِّثين: الإمام أحمد بن حنبل والزعفراني، ومن أهل الرأي: أبو ثور والحسين الكرابيسي، فعرض عليهم كتابه «الحجة» بقراءة الزعفراني عليه، وهكذا نشأ ما عرف بعد بالمذهب القديم وهكذا تحدَّدت مصادره.
لا شكَّ أن المذهب في أول أمره لم يكن قديمًا، ولكن جرت حوادث وصراعات سياسية وعقدية في العراق ربما كانت هي السبب في اختيار الإمام السفر والابتعاد عن بغداد، إلى أن استقرَّ به المقام في مصر، حيث عقد في مسجد عمرو بن العاص حلقته، واجتمع فيها على الأخذ عنه ثلة من أصحابه المصريين: البُوَيْطي والمُزَني والربيع المرادي وحرملة والربيع الجيزي وغيرهم، فكتب العديد من الكتب الجديدة التي لا تعرف له من قبل، وأعاد قراءة أغلب كتبه القديمة بزيادة بحث وتمحيص، وتخلَّل ذلك الاطلاع على مدارك كانت خفيت عليه من ذي قبل، وكذا زيادة قوة في الشخصية الاجتهادية، وتغيّر رأي في بعض القضايا الأصولية، وكل ذلك حمله إلى تغيير الكثير من آرائه السابقة في الحجاز والعراق، وعرف عنه رأي جديد هو الناسخ الذي لا يصح أن يُنسَب إليه غيره مما رجع عنه، ولذلك حظر لأصحابه العراقيين أن يرووا عنه الكتاب القديم لكثرة ما رجع عنه فيه من المسائل، قال الآبري (١) في: «قرأت على أبي إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي قال: سمعت البُوَيْطي يقول: سمعت الشافعي يقول: لا أجعل في حِلٍّ مَنْ روى عني الكتاب البغدادي» (٢).
_________
(١) انظر «مناقب الشافعي» للآبري (رقم: ٥٠).
(٢) ونقله الفخر الرازي في «مناقب الشافعي» (ص: ١٨٧) من طريق البَيْهَقي عن زكريا الساجي في كتابه عن البُوَيْطي.
стр. 177
هذه خلاصة قصة ظهور القديم والجديد، فنجد أنفسنا أمام عدة تساؤلات نذكرها ونحاول أن نُجيب عنها بما قدَّر الله لنا.
السؤال الأول: ما هي الأسباب التي حملت الشافعي على تغيير رأيه في المذهب الجديد؟
هذا السؤال حاول الإجابة عنه بعض من عُنِي بالكتابة في ما بات يُسمى بـ «تاريخ التشريع الإسلامي»، وهي في غالبها إجابات استرواحية لا تحظى بالمصداقية من جهة الدليل واستقراء مسائل القديم والجديد في كتب الإمام، ومن أهم تلك الفرضيات ما انتشر على ألسنة الناس من أن اختلاف البيئة بين مصر والعراق هي التي حملت الإمام على تغيير الكثير من آرائه السابقة، وذلك لما فيه من دعم بعض الأفكار الهدامة التي يُعنى بها الحداثيون أو من يمهِّدون لهم دون علم من توصلهم به إلى تطوير الشريعة الإسلامية بما يناسب في ظنهم احتياجات العصر، ولك أن تسأل نفسك: أيّ أثر للبيئة في امتداد وقت المغرب من غروب الشمس إلى غروب الشفق كما قال في القديم وأنه ليس له إلا وقت واحد بعد الغروب كما قال في الجديد؟ وإن عَنَّ لبعضهم الهرطقة بما ليس من فنه فأعود لأسأله عن أثر البيئة في استحباب السورة من القرآن بعد الفاتحة في الركعتين الأخيرتين من الصلاة الرباعية.
فالدعوى فوق كونها مجرد فرضية خالية عن أيّ دليل مثبت، وأريد أن أطرح عدة أسباب أراها حقيقية في تحول الإمام الشافعي وتغيُّر رأيه في الجديد، وهي أسباب ثلاثة:
السبب الأول: تكامل شخصية الإمام الشافعي الاجتهادية، فقد ذكرنا أن الذي حدا بالإمام إلى تأليف الكتاب القديم هو الردّ على محمد بن
стр. 178
الحسن الشيباني نزولًا عند رغبة أصحاب الحديث، فكان في هذا الكتاب في موقف الذابِّ عن فقه أصحاب الحديث عامة وأهل الحجاز خاصة، وكان كذلك في موقف الرادِّ على محمد بن الحسن الشيباني رده على أهل المدينة.
ولا ينكر أن الشافعي في هذه الفترة كان له شخصيته المستقلة في الاجتهاد أصولًا وفروعًا، ومما يؤكِّد ذلك كتاب الرسالة القديمة التي هي أصل علم الأصول، وكذلك ما عُرف عن الشافعي من عدم إقراره بعمل أهل المدينة الذي تميَّز به الفقه المالكي، ومخالفته مالكًا في بعض الفروع الفقهية في الديات وغيرها، ولكن هذه الاستقلالية لم تكتمل عند الشافعي قبل سفره إلى مصر واحتكاكه بأصحاب مالك على نحو ما حدث قبل مع أصحاب أبي حنيفة.
ففي مصر ألَّف كتابه في اختلافه وشيخه مالك، وأملى الكثير على كتب مالك وابن القاسم وأشهب يردُّ عليهم بعض آرائهم، وفي مصر تعرَّف على فقه الليث بن سعد وخلافه مع مالك، فكان كل هذا له أثر نفسي كبير على استقلال شخصية الإمام الاجتهادية، ومن ثم زيادة تجرُّده في الاجتهاد والنظر في المسائل، ومما يؤكِّد هذه الفكرة اتفاق الكثير من آراء الشافعي القديمة مع مذهب مالك ومخالفته في الجديد، بل إن قضية الردِّ على مالك لا يكاد يظهر في المذهب القديم إلا عرضًا خلال مناقشة محمد بن الحسن.
السبب الثاني: سبب منهجي في الاستنباط، وهو أن الشافعي في القديم كان يقدم آثار الصحابة على القياس الجليّ، ورأيه الجديد تقديم القياس على أقوال الصحابة ما لم تكن إجماعًا، وهذا معنى منهجي أصولي يرجع إليه فروع كثيرة من مسائل القديم والجديد، قال إمام الحرمين في
стр. 179
«النهاية» (١٥/ ٢٨٣): «معظم أقوال [الشافعي] القديمة تخالف الأقيسةَ الجلية وتستند إلى أقضيةٍ وآثارٍ من أصحاب رسول الله ﷺ ، وتُمسك بطرفٍ من المعنى الكلي»، وقال (١٥/ ٢٨٨): «إن [الشافعي] بنى أقواله القديمة على اتباع الأثر وتَرْكِ القياس الجليّ، وتحقق عنده في الجديد أن ذلك باطل».
السبب الثالث: زيادة تمحيص الاجتهاد الجزئي في المسائل، سواء كان ذلك بسبب اطلاع على دليل جزئي جديد غير اجتهاده، أو تنبه إلى نكتة استنباطية خفيت عليه في القديم، وهذا نتيجة طبيعية في مراجعة العلماء لجهودهم السابقة، وليس للشافعي خصوصية في ذلك، فقد أبى الله الكمال إلا لنفسه، وكل العلماء عُرف عنهم القول ثم إعادة النظر فيه والرجوع عن بعضه.
هذه هي جملة الأسباب التي ظهرت لي، والله أعلم بحقيقة الحال.
السؤال الثاني: ما هي طبيعة رجوع الشافعي عن القديم؛ هل هو رجوع كلي أو جزئي؟
سبق أن ذكرنا قول الشافعي: «لا أجعل في حِلٍّ مَنْ رَوَى عني الكتاب البغدادي»، وظاهره أن كل القديم ليس مذهبًا للشافعي، لكن ذلك غير مراد للشافعي بالمرة، ويُكذِّبه حقيقة ما عليه كتب المذهب، ومن أبرز الأمثلة «المختصَر» للمُزَني فهو كما اعتمد في اختصاره علم الشافعي على كتبه الجديدة اعتمد كذلك على الكتب القديمة، ولو كانت مردودة عند الشافعي مطلقًا لما صحَّ له ذلك، ومن هنا ينبغي ألا يقطع القول في المذهب القديم جملة، وإنما يفصل فيه على حسب المسائل وموقف الأصحاب منها، فأقول:
стр. 180
الشافعي لما نشر في العراق ما بات يعرف بكتاب «الحجة» أو «القديم» ثم سافر إلى مصر أعاد قراءة هذه الكتب بعينها مع تغيير ما تغيَّر رأيه فيه من مسائلها، ومن هنا صار مضمون هذه الكتب القديمة على أنواع:
النوع الأول: مسائل نصّ عليها في القديم وأقرّ بها في الجديد، فهذا مقبول اتفاقًا، بل إنه من الجديد إقرارًا كما أشير إليه في تعريف الجديد الذي ذكرناه أولًا، وليس هذا محلّ نظر أو بحث.
النوع الثاني: مسائل من القديم لم يتعرَّض لها الشافعي في الجديد إقرارًا أو إنكارًا، وهذا له صورتان:
أولاهما: كتب قديمة في بعض أبواب الفقه لم يتسنَّ للشافعي إعادة تحريرها في مصر، وقد ذكر البَيْهَقي منها: كتاب الصيام، وكتاب الصداق، وكتاب الحدود، وكتاب الرهن الصغير، وكتاب الإجارة، وكتاب الجنائز، قال البَيْهَقي: «فكان يأمر بقراءة هذه الكتب عليه في الجديد، ثم يأمر بتخريق ما تغيَّر اجتهاده فيه، وربما يدعه اكتفاءً بما ذكر في موضع آخر» (١)، كذا قال البَيْهَقي وهو أعرف الناس بكتب الشافعي، ويشكل عليه قول الماوردي: «الشافعي غير جميع كتبه القديمة في الجديد وصنفها ثانية، إلا الصداق، فإنه لم يغيِّره في الجديد ولا أعاد تصنيفه، وإنما ضرب على مواضع منه وزاد في مواضع» (٢).
الصورة الثانية: مسائل نصّ على حكمها في كتبه القديمة ولم يتعرَّض لها في الجديد، مثل مسألة استحباب الغسل للحجامة وللخروج من الحمام، فنسبة هذا إلى القديم لا يصحّ إلا باعتبار الكتاب الذي نقل منه، وإلا فهو
_________
(١) انظر «مناقب الشافعي» للبَيْهَقي (١/ ٢٥٥).
(٢) انظر «الحاوي» (٩/ ٤٥٢).
стр. 181
مذهب الشافعي قديمًا وحديثًا باتفاق الأصحاب، يدل عليه اعتماد المُزَني ذلك، واعتماده ثم اعتماد الأصحاب عليه دليل قاطع على أن هذا من المذهب، وليس مرجوعًا عنه لا يجوز حكايته عن الإمام.
ومن الطريف أن المُزَني (ف: ٢٠٩٨) حكى عن الشافعي في مسألة إسلام الزوج وله زوجات حرة وإماء، فإن أسلم معه الإماء وتخلفت الحرة وُقِفَ نكاح الإماءِ، قال: «فإنْ أسْلَمَت الحُرَّةُ انْفَسَخَ نِكاحُ الإماءِ، ولو اخْتارَ مِنْهُنَّ واحِدَةً ولم تُسْلِم الحُرَّةُ ثَبَتَتْ»، كذا قال المُزَني ومقتضاه: ألا يكون له خيار جديد، والمذهب: يجب اختيار جديد، ولا يصح ذلك الاختيار، واختلف أصحابنا في تخريج نقل المُزَني، ومنهم من حَمَله على المذهب القديم، وهذا وارد جدًّا، فقول الشافعي في القديم متردِّد في وقف العقود، فقد يكون المُزَني نقله من الكتاب القديم وغاب عنه رجوع الشافعي عنه في الجديد، قال إمام الحرمين: «وما ينقله المُزَني - إذا أطلقه - محمول على النصوص الجديدة، فإن أراد نقل شيء عن القديم صرَّح به، ولا ينبغي أن يُغلَّط بتركه نسبةَ قول إلى القديم، فقد اتفق له مثل ذلك كثيرًا في السواد، من غير تعرُّض لذكر القديم» (١).
النوع الثالث: مسائل تعرض لها في القديم والجديد، وهذا له صور مختلفة:
فمن أبينها: أن ينصّ في الجديد على رجوعه عن قوله القديم وتغيّر اجتهاده، وهذا لا يختلف فيه اثنان من أصحاب الشافعي على أن مذهبه فيه قوله الجديد، وأن القديم إن ذكر فإنما يذكر لبيان ما كان عليه الإمام، لا باعتبار أنه قول آخر له، وليس هذا محلّ بحث أو نظر.
_________
(١) انظر «النهاية» (١٢/ ٣٢٤).
стр. 182
الصورة الثانية: أن يجزم في الجديد بقول جزم في القديم بخلافه، لكن دون أن ينصّ على رجوعه عن القول القديم، فهل قوله الجديد رجوع عن القديم أو قول آخر له يبتغى الترجيح بينهما كما يبتغى بين القولين الجديدين؟ مذهبان للأصحاب حكاهما الشيخ أبو إسحاق الشيرازي والقاضي الحسين (١).
فقال بعض أصحابنا: إذا نصّ المجتهد على خلاف قوله لا يكون رجوعًا عن الأول، بل يكون له قولان.
والصحيح الذي عليه العمل أن الجديد في هذه الصورة رجوع عن القديم، وأشار إليه المُزَني (ف: ٣٠١٩) فقال: «رُجُوعُه عن القديمِ رَغْبَةٌ عنه إلى الجديدِ»، وهو مثل ما لو وجد من صاحب الشرع قولان مختلفان في وقتين مختلفين في حادثة واحدة، فإنه يكون الثاني نسخًا للأول، كذلك هاهنا يكون القول الثاني رجوعًا عن الأول، قاله الشيخ أبو إسحاق الشيرازي والسمعاني فيما حكاه عن الماوردي مقرًّا له، وقال النووي: «هذا هو الصواب الذي قاله المحققون وجزم به المتقِنون من أصحابنا وغيرهم» (٢).
وقد أكثر إمام الحرمين في «النهاية» من تأييد هذا المذهب والقطع به فقال: «معتقَدي أن الأقوال القديمة ليست من مذهب الشافعي حيث كانت؛ لأنه جزم القول على مخالفتها في الجديد، والمرجوع عنه لا يكون مذهبًا للراجع» (٣)، وقال: «كل قول قديم عندي مرجوعٌ عنه غيرُ معدود من
_________
(١) انظر «شرح اللمع» (٢/ ١٠٨٠)، و «التعليقة» (٢/ ١٠٣٣).
(٢) انظر «التبصرة» (ص: ٥١٢، و ٥١٤)، و «شرح اللمع» (٢/ ١٠٨٠) للشيخ أبي إسحاق، و «القواطع» للسمعاني (٥/ ٧٥)، و «المجموع» للنووي (١/ ١٠٩).
(٣) انظر «النهاية» (١/ ٢٩).
стр. 183
المذهب» (١)، وقال: «إن القول القديم لا يحل عَدُّه من مذهب الشافعي مع رجوعه عنه» (٢).
ووراء هاتين الصورتين صورتان أخريان هما: أن يردد قوله في القديم ويجزم في الجديد، وعكسه، وسأتكلَّم عليهما بعد إن شاء الله.
وأخيرًا هذا التفصيل الذي سلكته في بيان موقف الأصحاب من القديم هو الصواب من حكاية أقوال مطلقة متضاربة عن الأئمة ومحاولة حملها على مذاهب مختلفة كما هو المشهور المتعارف عليه، ويؤيِّده قول الإمام النووي: «اعلم أن قولهم: (القديم ليس مذهبًا للشافعي، أو مرجوع عنه، أو لا فتوى عليه) .. المراد به قديم نصّ في الجديد على خلافه، أمَّا قديم لم يخالفه في الجديد، أو لم يتعرض لتلك المسألة في الجديد .. فهو مذهب الشافعي واعتقاده، ويعمل به ويُفتى عليه، فإنه قاله ولم يرجع عنه، وهذا النوع وقع منه مسائل كثيرة، وإنما أطلقوا أن القديم مرجوع عنه ولا عمل عليه لكون غالبه كذلك» (٣).
السؤال الثالث: ما هي مصادر ما يُذكر في كتب المذهب من الأقوال القديمة وأصولها؟
الذي يظهر لي من تأمُّل ما عليه كتب المذهب أن مرجع الأقوال القديمة التي نجدها في كتب المذهب أصول ثلاثة حاصرة:
الأصل الأول: كتب الشافعي القديمة، وهي كتب ألَّفها الشافعي في مكة وعرضها في العراق بقراءة الزعفراني عليه، لا جرم قال الماوردي بأنه
_________
(١) انظر «النهاية» (٣/ ٢٥٩) ونحوه في (١/ ١٢٤).
(٢) انظر «النهاية» (١٦/ ٥٣٥).
(٣) انظر «المجموع» (١/ ١١٠).
стр. 184
أثبت أصحاب القديم (١)، وهذه الكتب هي أوثق مصادر المذهب القديم وأعمُّها، وهي عمدة المُزَني فيما نقله من القديم، وإليها يشيرون بعبارتهم المشهورة: «وقال في القديم، وفي القديم»، يريدون: الكتاب القديم أو الكتب، والمشهور منها: كتاب «الحجة» الذي يرويه الزعفراني عن الشافعي، وقد ذكرت أن الزعفراني هو الذي كان يقرأ على الشافعي في العراق، وكتاب «القديم» الذي يرويه الحسين الكرابيسي عن الشافعي، قال الإسنوي في مقدمة «المهمات» (١/ ١١٤): «وهو مجلد ضخم، ظفرت بنسخة عتيقة منه، وعليها خط ابن الصلاح بغرابته والثناء عليه».
الأصل الثاني: روايات تلاميذ الشافعي العراقيين عنه، وأهمهم: الإمام المحدث أحمد بن حنبل، والفقيه أبو ثور، والمتكلم الحسين الكرابيسي، والحارث بن سريج النقال، ونسيب الإمام أبو عبدالرحمن الشافعي، والزعفراني (٢).
فأما الإمام أحمد .. فهو على جلالته في نفسه من المقلِّين عن الشافعي، وهو مع ذلك ينقل آراء الشافعي دون نصوصه، ومن هنا - والله أعلم - لا يظهر لروايته كبير أثر في الفقه الشافعي، ومن أمثلتها ما روي عنه أنه قال: «ألا تعجبون من أبي عبدالله يقول: يلاعن الرجلُ عن أم ولده» (٣).
وأما أبو ثور الفقيه .. فجُلُّ ما ينقل عنه روايته عن الشافعي أو أبي عبدالله رأيه أو قوله الجملي، وقد يختلفون في تحديد مقصوده بأبي
_________
(١) انظر «الحاوي» (٢/ ٢٠).
(٢) انظر «الحاوي» (١٠/ ٤١٩).
(٣) انظر «المختصَر» (الفقرة: ٢٦١٢).
стр. 185
عبدالله هل هو مالك أو الشافعي؟ ومن ثم قد يتركون روايته ولا يعزونه إلى الشافعي، ومن أمثلته ما روي عن الشافعي أن وقت المغرب يدوم إلى غيبوبة الشفق، فمن أصحابنا من حكاه قولًا قديمًا، وعليه مشى الشيخان تبعًا لإمام الحرمين، وأنكره جمهور الشافعية (١).
وأما الحارث بن سريج النقال .. فهو الذي حمل رسالة الشافعي إلى ابن مهدي، وبسببه سُمِّي «النقال»، ومن غرائب روايته التي خالف بها رواية المُزَني والربيع في مسألة السارق اللطيف أنه يجب القطع على السارقين المتعاونين معًا (٢).
وأما أبو عبدالرحمن الشافعي .. فكان من كبار أصحاب الشافعي الملازمين له ببغداد، ثم صار من أصحاب ابن أبي دؤاد واتبعه على رأيه وقال بمنكرات من المسائل (٣).
وقد سبق ذكر كل من الحسين الكرابيسي والزعفراني فلا نعيدهما.
الأصل الثالث: نقل بعض رواة الجديد، ومن أمثلتهم المُزَني، فقد اهتمَّ بنقل أقوال الشافعي القديمة، وبعض هذه الأقوال لا تعرف إلا من طريقه، ومن أمثلته قال (ف: ٢٤٤٤): «ولا يَلْزَمُ المغْلُوبُ على عَقْلِه، إلَّا مَنْ سَكِرَ، وقال في القديم: في ظِهارِ السَّكْرانِ قَوْلان: أحَدُهما - يَلْزَمُه، والآخَرُ - لا يَلْزَمُه»، فذكر قولين عن القديم، قال الماوردي: «مذهب الشافعي في الجديد والقديم وما ظهر في جميع كتبه ونقله عنه سائر أصحابه
_________
(١) انظر «المختصَر» (الفقرة: ١٤٢).
(٢) انظر «المختصَر» (الفقرة: ٣٢٥١).
(٣) انظر «الطبقات» لابن السُّبْكي (٢/ ٦٥).
стр. 186
غير المُزَني أن طلاق [السكران المتعدي بسكره] وظهاره واقع كالصاحي، ونقل المُزَني عنه قولًا ثانيًا في القديم أن طلاقه وظهاره لا يقع، فاختلف أصحابنا فيما نقله عنه، فأثبته بعضهم قولًا ثانيًا؛ لثقة المُزَني في روايته وضبطه لنقله، ونفاه الأكثرون وامتنعوا من تخريجه قولًا ثانيًا؛ لأن المُزَني وإن كان ثقة ضابطًا فليس من أصحابه في القديم، ومذهبه في القديم إمَّا أن يكون مأخوذًا من كتبه القديمة، وليس فيها هذا القول، وإمَّا أن يكون منقولًا من أصحاب القديم، وهم: الزعفراني، والكرابيسي، وأبو ثور، وأحمد بن حنبل، والحارث بن سريج النقال، وأبو عبد الرحمن الشافعي، ولم ينقل عن واحد منهم هذا القول، فلا يجوز أن يضاف إليه، ويجوز أن يكون سمعه من بعض أصحاب القديم مذهبًا له فوهم ونسبه إلى الشافعي؛ لأن أبا ثور يرى ذلك مذهبًا لنفسه، فصار مذهبه قولًا واحدًا في الجديد والقديم أن طلاق السكران وظهاره واقع» (١).
قلت: ويجوز أن يكون وجده فيما عنده من الكتب القديمة، أو يكون خرجه على أصل للشافعي في القديم، فالشافعية كما يستخرجون قول الشافعي في المسكوت عنه من قوله في أصله أو شبيهه فكذلك يفعلون في القديم، ولا يخفى أن مرجع هذا إلى الأصلين قبله، وسنتكلم عنه بشيء من التفصيل إن شاء الله.
فهذه الأصول الثلاثة التي إليها يرجع ما قد توجد في كتب المذهب من الأقوال القديمة.
_________
(١) انظر «الحاوي» (١٠/ ٤١٩).
стр. 187
السؤال الرابع والأخير: ما هو التعريف الصحيح للجديد والقديم على ضوء ما سبق ذكره؟
فأقول: الذي يظهر من استعمال المُزَني لعبارة الجديد والقديم أو الحديث والقديم أنهما وصفان لكتب الشافعي، فالقديم: ما كتبه الشافعي قبل سفره إلى مصر، سواء رجع عنه في مصر أو سكت عنه، والجديد: ما كتبه في مصر، سواء كان كتابًا جديدًا مستقلًّا بذاته، أو إعادة تحرير وإملاء لما سبق تأليفه له في الحجاز والعراق يقرّ بعضه ويغيّر بعضًا، كما حصل ذلك في الرسالة القديمة والجديدة، ولا أرى وراء هذا حاجة إلى التنطع في تشقيق عبارات واستدراك صور افتراضية لا حقيقة لها في واقع فقه الشافعي، والله أعلم.
موقف الأصحاب الشافعية من القديم
سبق أن ذكرنا عن الشافعي بالإسناد الصحيح أنه قال: «لا أجعل في حِلٍّ مَنْ رَوَى عني الكتاب البغدادي»، وذكرنا تخصيصه بالقديم الذي رجع عنه في الجديد، بل إن إمام الحرمين زاد على ذلك وقال بأن الغالب على الأقوال القديمة أنها خارج محلّ الاجتهاد، وأن قضاء القاضي بها يجب أن ينقض، ومن أمثلته مسألة عدة زوجة المفقود، قال في القديم: تتربص بعد انقطاع الأخبار أربعَ سنين، ثم تعتد بعدها عدة الوفاة أربعةَ أشهر وعشرًا، ثم تنكِح إن شاءت، قال الشافعي: «قلدت فيه عمرَ بنَ الخطاب»، ثم إن الشافعي رجع عن هذا القول وقال في الجديد: تصبر حتى يأتيَها يقينُ طلاقه أو وفاتِه، وعَنَى باليقين أن يثبت سبب الفراق بطريق من الطرق الشرعية وبيِّنةٍ من البينات، ثم تتوقف إن استبهم الأمر ما عُمِّرت وبقيت، وغلَّط الشافعي مَنْ يعتقد بالقول القديم وصار إلى أنه لو قضى به قاضٍ نقضت
стр. 188
قضاءه، قال إمام الحرمين في: «وهذا المسلك يجري في معظم الأقوال الجديدة بالإضافة إلى القديمة؛ من قِبل أن التعويل في نقض القضاء على مصادفة قضاء القاضي سببًا معلوم بطلانه، وكذلك يجري الجديد مع القديم، فإنه بَنَى أقواله القديمة على اتباع الأثر وتَرْكِ القياس الجليّ، وتحقَّق عنده في الجديد أن ذلك باطل، فبنى نقضَ القضاء على معتقد إصرارٍ مقطوع به» (١).
ونحن لسنا مع إمام الحرمين في دعواه نقض قضاء القاضي بالقديم، ودعواه بأن ذلك مقتضى المذهب إذا خالف الرأي القياس الجليّ غير وارد مطلقًا؛ لأن هذا ليس من باب مخالفة القياس الجليّ ذهابًا إلى عدم الاحتجاج به، وإنما لما عارضه من أقوال الصحابة، وقضاء عمر خاصة في المسألة التي تكلم فيها إمام الحرمين خاصة، والاختلاف في تقديم القياس على قول الصحابي أو العكس ليس في شيء من مخالفة البينات التي ينقض بسببه قضاء القاضي، وإنما أوردت عبارته هذه للتنبيه إليه أولًا، ثم الإشارة إلى أن مقتضى دراسة المذهب الشافعي عدم الاشتغال بالأقوال القديمة التي رجع عنها الإمام، وهذا لا ينبغي الاختلاف فيه.
إلا أنه يشكل عليه أننا نجد الأصحاب يحكون عن الشافعي أقواله القديمة التي رجع عنها، بل ويوجِّهونها ويفرعون عليها، بل إنهم أحيانًا يرجحون القديم على الجديد، فكان لا بد من شرح ذلك وتفصيل القول فيه في ترتيب أسئلة ثلاثة والجواب عنها.
_________
(١) انظر «النهاية» (١٥/ ٢٨٧)، وانظر «المختصَر» (الفقرة: ٢٦٨٦).
стр. 189
السؤال الأول: لماذا عُنِي الشافعية بذكر الأقوال القديمة مع رجوع الشافعي عنها؟
الذي يظهر لي أن العناية بالأقوال القديمة سرى إلى الشافعية من خلال عنايتهم بمختصَر المُزَني، فالمُزَني عُنِي في الكتاب بذكر تلك الأقوال، وعلى بنائه بنى الشافعية من بعده، فكلهم شرَّاح لكتابه إما الشرح المباشر أو بالواسطة، وقد قال إمام الحرمين: «لا أصل للقول القديم، وهو مرجوع عنه، ولولا إقامة الرسم ومحاولة نقل ما بلغني لما كنت أعدُّ الأقوال القديمة مذهبًا للشافعي» (١).
ويعتذر عن ذلك بأمرين اثنين:
أحدهما: أن ذكر المُزَني والأصحاب لها إنما كان من فهم غرض الشافعي بتأليفه، فالشافعي نهى أصحابه عن تقليده سواء في ذلك القديم والجديد، وإنما المتبع الدليل، والقديم والجديد باعتبار الدليل على مرتبة واحدة في الفقه الإسلامي، ويؤيِّد هذه النظرة عدم تحرج الأصحاب من ترجيح القديم والعمل به حيث أيَّده الدليل في نظرهم واجتهادهم الخاص، فهم اتبعوا الشافعي في أمره بالاجتهاد، وذكروا القديم كوجه من وجوهه.
ثانيهما: أنهم إذ يحكون القديم عن الشافعي لا يحكونه مطلقًا، وإنما مقيدًا بكونه القديم، والجديد هو المذهب دون القديم كما قال السمعاني (٢)، أو كما قال الغزالي: «له قولان بالإضافة إلى عمره، لا بالإضافة إلى وقت واحد» (٣)، فلا إشكال في حكايته على هذا الوجه،
_________
(١) انظر «النهاية» (١٥/ ٢٨٤).
(٢) انظر «القواطع» (٥/ ٧٦).
(٣) انظر «حقيقة القولين» (ص: ٢٨٠).
стр. 190
ويفيد القارئ تقرير قيمة الرجوع إلى الحق إذا اتضح للعالم والمتفقِّه.
السؤال الثاني: لماذا عُنِي الشافعية بتوجيه الأقوال القديمة والتفريع عليها عنايتهم بأقواله الجديدة؟
لقد ذكرنا مرارًا أن القديم في حكم المرجوع عنه، فهو في ذاته قول ضعيف، فالظاهر عدم الاشتغال بتوجيهه والتفريع عليه، وقد أشار إلى هذا المعنى إمام الحرمين فقال: «إن القولَ القديم ليس معدودًا من المذهب؛ فإن الشافعي ﵀ لما نصَّ عليه في الجديد على جزم رجع عمَّا صار إليه في القديم، ولكن أئمة المذهب يعتادون توجيه الأقوال القديمة على أقصى الإمكان، ثم يفرعون عليه» (١).
ولمَّا ذكر الغزالي في «الوجيز» مسألة طلاق المريض اكتفى بذكر القول الجديد الصحيح أنه يقطع الميراث كطلاق الصحيح، وقال: «فلا معنى لتطويل التفريع على القول الضعيف»، لكن الرافعي في «شرحه» (١٤/ ٦٨٣) تعقَّبه وقال: «أعرض عن التفريع على القديم وقال: (لا معنى لتطويل التفريع على القول الضعيف)، ولو سلكنا هذا المسلك في مسائل القولين والوجهين لانحطت عنَّا مُؤَن كبيرة وفاتنا لطائف كثيرة، فنفرع على القديم كما هو دأب الفقيه ونقول: … ».
فأشار إلى أن هذا دأب الفقهاء توجيه القديم والتفريع عليه، بل تطويل التفريع، بل أحيانًا يفرعون القديم على الجديد كما نقل ذلك عن ابن سريج في مسألة اقتداء القارئ بالأمي أنه صحيح سواء كانت الصلاة جهرية أو سرية، إلا أن ذلك أنكر عليه وعدوه غير مستحسن في الفقه، قال إمام
_________
(١) انظر «النهاية» (٢/ ١٩٦).
стр. 191
الحرمين: «تفريع القديم على الجديد لا يحسن في نظم المذهب» (١)، والسبب في استنكار هذا العمل أنه يقتضي القول بأن القديم مذهب للشافعي، وقد قدمنا أن الصحيح خلافه، لكن يمكن أن يوجه صنيع ابن سريج بأنه اجتهاد خاص له، أو أنه تصرف منه بغرض التدريب على طرق الاجتهاد الذي هو غاية كل متفقِّه، ويؤيد ذلك ما سبق أن ذكرناه من أن الأصحاب نظروا إلى هذه الأقوال من زاوية الاجتهاد الحر دون تقيُّد بنسبتها إلى الشافعي ﵁.
السؤال الثالث: ما وجه ترجيح الأقوال القديمة والعمل بها وهي مرجوع عنها وما ماهية هذا الترجيح؟
ذكرنا أن كل مسألة اختلف فيها قوله في القديم والجديد فالمذهب الجديد، والقديم مرجوع عنه، غير أن إمام الحرمين قال: «قال الأئمة: كل قولين أحدهما جديد، فهو أصحُّ من القديم، إلا في ثلاث مسائل» (٢)، فذكر منها: مسألة التثويب في أذان الصبح، ومسألة التباعد عن النجاسة في الماء الكثير، قال ابن الصلاح: «ولم ينصَّ على الثالثة، غير أنه لما ذكر القول بعدم استحباب قراءة السورة بعد الركعتين الأوليين - وهو القول القديم - ذكر أن عليه العمل، وفي هذا إشعار بأن عليه الفتوى»، كذا قال في «أدب المفتي والمستفتي» (ص: ٩٠)، وقال في «الفتاوى» (١/ ٢٢٥): «كنا نظن أن هذه هي الثالثة، حتى وجدته قد قال في (المختصَر المنتخَب من النهاية) أن الثالثة تأتي في كتاب زكاة التجارة»، ثم إن ابن الصلاح حكى عن بعض المتأخِّرين أنه بلغ بها أربع عشرة مسألة، وزاد عليه من عنده أربعة مسائل
_________
(١) انظر «النهاية» (٨/ ٤١٨)، وانظر «فرائد الفوائد» للمناوي (ص: ٥٨).
(٢) انظر «النهاية» (٢/ ٥٩)، وانظر نحوه (١/ ٢٥٨).
стр. 192
أخرى لتصير ثماني عشرة مسألة كما عدَّها ابن الصلاح في «الفتاوى» وقد سئل عن كميتها، ونقلها عنه النووي في «المجموع» (١/ ١٠٨) وزاد عليه مسألة أخرى، وزاد عليه آخرون مسائل ظهر لهم فيها الفتوى بالقديم، وليس عدها أو شرحها من مقاصدنا هنا، ذلك أن شيئًا منها كما قال ابن الصلاح ليس متفقًا عليه، لا من حيث إنها ذلك العدد ليس غير، ولا من حيث إن الخلاف فيها من قبيل الخلاف بين القديم والجديد، ولا من حيث إن الأصحَّ فيها القديم، فإن منها - كما قال - ما ذهب فيه بعض الأئمة إلى أن الصحيح هو الجديد لا القديم، ومنها ما قطع فيه بعض الأئمة بالقول الواحد ولم يجعل خلافًا بين الجديد والقديم، ومنها ما يجعله بعض الأئمة مسألة وجهين لا مسألة قولين، فلا داعي للإطالة بذكر تفاصيل تلك المسائل وشرحها (١).
وإنما الذي يَعنينا هنا هو بيان وجه التصحيح والفتوى بالقديم عند من يُفتي به، فليس ذلك من بابة واحدة كما قد يتوهَّم من أول النظر، والذي ظهر لي منها باعتبار عمل المُزَني في «مختصَره» وعمل الأئمة من بعده وجوه أربعة:
الوجه الأول: تخريج القديم مذهبًا واختيارًا للمرجح، وعليه فالمراد بالأصحِّ الأصحُّ اختيارًا ودليلًا، لا الأصحُّ مذهبًا ونقلًا، وقد أشار إلى هذا ابن الصلاح فقال بأن اختيارهم القديم مع أنه لم يبق قولًا للشافعي لرجوعه عنه من قبيل اختيار أحدهم مذهب غير الشافعي إذا أداه اجتهاده إليه، قال:
_________
(١) انظر في شرح المسائل التسعة عشر التي عدها النووي كتاب «فرائد الفوائد» للمناوي (ص: ٥٩ - ٦٨)، وانظر كتاب «المعتمد» (ص: ١٣٧ - ١٤٧) للباحث محمد بن عمر بن أحمد الكاف منشور على الشبكة، فقد ذكر ما بلغه علمه من عَدِّ مسائل القديم التي يفتى بها.
стр. 193
«وبل أولى؛ لكون القديم قد كان قولًا له منصوصًا» (١)، فجعله من باب اجتهاد الأصحاب واختياراتهم، وهم أهله «وإن كان اجتهادهم مقيَّدًا مشوبًا بتقليد نقل ذلك الشوب من التقليد عن ذلك الإمام إلى غيره، ولا يلزم من ذلك نسبته إلى الشافعي، ولم يقل أحد من المتقدمين في هذه المسائل أنها مذهب الشافعي أو أنه استثناها»، قاله النووي، وقال: «وإذا أفتى بين ذلك في فتواه، فيقول: مذهب الشافعي كذا، ولكني أقول بمذهب أبي حنيفة وهو كذا» (٢).
قال ابن الصلاح: «ثم حكم من لم يكن أهلًا للترجيح من المتبعين لمذهب الشافعي ﵁ ألا يتبعوا شيئًا من اختياراتهم هذه المذكورة؛ لأنهم مقلدون للشافعي دون من خالفه، والله أعلم» (٣).
قال النووي: «فالحاصل أن من ليس أهلًا للتخريج يتعيَّن عليه العمل والإفتاء بالجديد من غير استثناء، ومن هو أهل للتخريج والاجتهاد في المذهب يلزمه اتباع ما اقتضاه الدليل في العمل والفتيا مبينًا في فتواه أن هذا رأيه، وأن مذهب الشافعي كذا، وهو ما نصَّ عليه في الجديد» (٤).
وهذا الوجه هو المشهور ذكره المعروف خبره في التوجيه، غير أنه ليس كافيًا ولا حاصرًا لما عليه حال هذه الترجيحات، بل إن من ضمن هذه الترجيحات ما يُنسب إلى المذهب قطعًا، ومنها ما نسبه أصحابها وإن لم يوافقوا عليه، فأقول:
_________
(١) انظر «أدب المفتي والمستفتي» (ص: ٩٠).
(٢) انظر «المجموع» (١/ ١١٠).
(٣) انظر «أدب المفتي والمستفتي» (ص: ٩٠).
(٤) انظر «المجموع» (١/ ١١٠).
стр. 194
الوجه الثاني: تخريج القديم قولًا للشافعي جديدًا منصوصًا في بعض كتبه وأماليه، فهو قديم باعتبار الكتاب الذي نقل منه، وجديد باعتبار إقرار الشافعي له في كتبه الجديدة، فقد يرجحه بعض الأصحاب باعتبار النصِّ الجديد، ويخفى على آخرين نصُّه الجديد فيرجحه لدليله معتقدًا أنه من باب ترجيح القديم وليس به، وهذا معنى ما سبق أن نقلناه عن ابن الصلاح من عدم اتفاقهم على أن الخلاف في تلك المسائل من قبيل الخلاف بين القديم والجديد.
الوجه الثالث: ترجيح القديم باعتبار قياس قول للشافعي في الجديد في نظائر المسألة وأشباهها، وقد أكثر من هذا المُزَني في «المختصَر»، وهذا بمثابة معارضة المنصوص بالقول المخرج، بل هذا أولى بالجواز منه؛ لأن نصَّ الشافعي عليه ولو في القديم دليل على وجاهته عنده وإن كان رجوعه عنه يوهم ضعفه أيضًا، وعلى كل فليس هذا الوجه أيضًا مما يمكن أن يتمحَّض فيه القول بأنه من باب ترجيح القديم على الجديد.
الوجه الرابع: ترجيح القديم بناءً على أصول الشريعة التي هي عمدة الشافعي في فقهه واستنباطه، وقد قال إمام الحرمين: «ومما يجب أن يعتقده من ينتحل مذهب الإمام المطلبي أنه يبني فرعه على أصول الشريعة، وقد صحَّ في منصوصاته أنه قال: (إذا بلغكم عني مذهب، وصحَّ عندكم خبر على مخالفته .. فاعلموا أن مذهبي موجَبُ الخبر)، والظن به أنه لو زَلَّ قلم ناسخ عنه عن أصلِ أنَّ مذهبه موجَبُ الأصل، وما نُقل محمول على تحريف أو غفلة» (١)، قال عبدالله: هذا في نصٍّ منقول عن الشافعي لا معارض له، والمذهب القديم إذا كان مقتضى أصوله أن يكون مذهبه أولى.
_________
(١) انظر «النهاية» (١٩/ ٣٨٩).
стр. 195
إلا أن عندي وقفة مِنْ أخذ هذا الوجه على عمومه، فإن أصول الشريعة معنى عام لا اختصاص للشافعي بها، وفتح باب تصحيح المذهب بناءً على تلك الأصول العامة لا يمكن أن يكون صحيحًا ولا مقصودًا لإمام الحرمين أو غيره، وإنما يكون ذلك حيث يغلب على الظن بأن الشافعي عدل عن قوله القديم لضعف دليل بعينه ثم يبيِّن قوته على وَفْق أصوله المعروفة، وأخصّ ذلك أن يعدل عن القديم لعدم ثبوت حديث يؤيده عنده، ثم يثبت الحديث من غير إسناده، وقد نصَّ النووي في «المجموع» (١/ ١١٠) على هذه الصورة فقال: «القديم الذي عضده نصّ حديث صحيح لا معارض له مذهب الشافعي ﵀، ومنسوب إليه، إذا وجد الشرط الذي قدمناه فيما إذا صحَّ الحديث على خلاف نصه، والله أعلم».
اصطلاح آخر في القديم والجديد
ليس القول الأول والثاني للشافعي مقتصرًا على أقواله في مصر وقبله، بل قد يوجد للشافعي في الجديد قولان أول قديم، وثانٍ جديد (١)، ويكون ذلك لأجل دليل ناقل اطلع عليه لم يعلمه أولًا.
ومن أمثلته أن المُزَني (ف: ٧٨٥) نقل عنه في صوم المتمتع الذي لا يجد الهدي في أيام التشريق أنه لا يجزئه عند الشافعي، ثم قال المُزَني: «قد كان قال: يُجْزِئه، ثُمَّ رَجَعَ عنه»، وحمل القولان في كتب الأصحاب على القديم والجديد، بل إن النووي قال في زوائد «الروضة» (٢/ ٣٦٦): «هذا القديم هو الراجح دليلًا، وإن كان مرجوحًا عند الأصحاب».
_________
(١) انظر القسم الخامس في «القواطع» للسمعاني (٥/ ٦٩).
следующие страницы →