Полный текст (1 788 стр.). Показаны 191–230 · переход к 196.
стр. 191
الحرمين: «تفريع القديم على الجديد لا يحسن في نظم المذهب» (١)، والسبب في استنكار هذا العمل أنه يقتضي القول بأن القديم مذهب للشافعي، وقد قدمنا أن الصحيح خلافه، لكن يمكن أن يوجه صنيع ابن سريج بأنه اجتهاد خاص له، أو أنه تصرف منه بغرض التدريب على طرق الاجتهاد الذي هو غاية كل متفقِّه، ويؤيد ذلك ما سبق أن ذكرناه من أن الأصحاب نظروا إلى هذه الأقوال من زاوية الاجتهاد الحر دون تقيُّد بنسبتها إلى الشافعي ﵁.
السؤال الثالث: ما وجه ترجيح الأقوال القديمة والعمل بها وهي مرجوع عنها وما ماهية هذا الترجيح؟
ذكرنا أن كل مسألة اختلف فيها قوله في القديم والجديد فالمذهب الجديد، والقديم مرجوع عنه، غير أن إمام الحرمين قال: «قال الأئمة: كل قولين أحدهما جديد، فهو أصحُّ من القديم، إلا في ثلاث مسائل» (٢)، فذكر منها: مسألة التثويب في أذان الصبح، ومسألة التباعد عن النجاسة في الماء الكثير، قال ابن الصلاح: «ولم ينصَّ على الثالثة، غير أنه لما ذكر القول بعدم استحباب قراءة السورة بعد الركعتين الأوليين - وهو القول القديم - ذكر أن عليه العمل، وفي هذا إشعار بأن عليه الفتوى»، كذا قال في «أدب المفتي والمستفتي» (ص: ٩٠)، وقال في «الفتاوى» (١/ ٢٢٥): «كنا نظن أن هذه هي الثالثة، حتى وجدته قد قال في (المختصَر المنتخَب من النهاية) أن الثالثة تأتي في كتاب زكاة التجارة»، ثم إن ابن الصلاح حكى عن بعض المتأخِّرين أنه بلغ بها أربع عشرة مسألة، وزاد عليه من عنده أربعة مسائل
_________
(١) انظر «النهاية» (٨/ ٤١٨)، وانظر «فرائد الفوائد» للمناوي (ص: ٥٨).
(٢) انظر «النهاية» (٢/ ٥٩)، وانظر نحوه (١/ ٢٥٨).
стр. 192
أخرى لتصير ثماني عشرة مسألة كما عدَّها ابن الصلاح في «الفتاوى» وقد سئل عن كميتها، ونقلها عنه النووي في «المجموع» (١/ ١٠٨) وزاد عليه مسألة أخرى، وزاد عليه آخرون مسائل ظهر لهم فيها الفتوى بالقديم، وليس عدها أو شرحها من مقاصدنا هنا، ذلك أن شيئًا منها كما قال ابن الصلاح ليس متفقًا عليه، لا من حيث إنها ذلك العدد ليس غير، ولا من حيث إن الخلاف فيها من قبيل الخلاف بين القديم والجديد، ولا من حيث إن الأصحَّ فيها القديم، فإن منها - كما قال - ما ذهب فيه بعض الأئمة إلى أن الصحيح هو الجديد لا القديم، ومنها ما قطع فيه بعض الأئمة بالقول الواحد ولم يجعل خلافًا بين الجديد والقديم، ومنها ما يجعله بعض الأئمة مسألة وجهين لا مسألة قولين، فلا داعي للإطالة بذكر تفاصيل تلك المسائل وشرحها (١).
وإنما الذي يَعنينا هنا هو بيان وجه التصحيح والفتوى بالقديم عند من يُفتي به، فليس ذلك من بابة واحدة كما قد يتوهَّم من أول النظر، والذي ظهر لي منها باعتبار عمل المُزَني في «مختصَره» وعمل الأئمة من بعده وجوه أربعة:
الوجه الأول: تخريج القديم مذهبًا واختيارًا للمرجح، وعليه فالمراد بالأصحِّ الأصحُّ اختيارًا ودليلًا، لا الأصحُّ مذهبًا ونقلًا، وقد أشار إلى هذا ابن الصلاح فقال بأن اختيارهم القديم مع أنه لم يبق قولًا للشافعي لرجوعه عنه من قبيل اختيار أحدهم مذهب غير الشافعي إذا أداه اجتهاده إليه، قال:
_________
(١) انظر في شرح المسائل التسعة عشر التي عدها النووي كتاب «فرائد الفوائد» للمناوي (ص: ٥٩ - ٦٨)، وانظر كتاب «المعتمد» (ص: ١٣٧ - ١٤٧) للباحث محمد بن عمر بن أحمد الكاف منشور على الشبكة، فقد ذكر ما بلغه علمه من عَدِّ مسائل القديم التي يفتى بها.
стр. 193
«وبل أولى؛ لكون القديم قد كان قولًا له منصوصًا» (١)، فجعله من باب اجتهاد الأصحاب واختياراتهم، وهم أهله «وإن كان اجتهادهم مقيَّدًا مشوبًا بتقليد نقل ذلك الشوب من التقليد عن ذلك الإمام إلى غيره، ولا يلزم من ذلك نسبته إلى الشافعي، ولم يقل أحد من المتقدمين في هذه المسائل أنها مذهب الشافعي أو أنه استثناها»، قاله النووي، وقال: «وإذا أفتى بين ذلك في فتواه، فيقول: مذهب الشافعي كذا، ولكني أقول بمذهب أبي حنيفة وهو كذا» (٢).
قال ابن الصلاح: «ثم حكم من لم يكن أهلًا للترجيح من المتبعين لمذهب الشافعي ﵁ ألا يتبعوا شيئًا من اختياراتهم هذه المذكورة؛ لأنهم مقلدون للشافعي دون من خالفه، والله أعلم» (٣).
قال النووي: «فالحاصل أن من ليس أهلًا للتخريج يتعيَّن عليه العمل والإفتاء بالجديد من غير استثناء، ومن هو أهل للتخريج والاجتهاد في المذهب يلزمه اتباع ما اقتضاه الدليل في العمل والفتيا مبينًا في فتواه أن هذا رأيه، وأن مذهب الشافعي كذا، وهو ما نصَّ عليه في الجديد» (٤).
وهذا الوجه هو المشهور ذكره المعروف خبره في التوجيه، غير أنه ليس كافيًا ولا حاصرًا لما عليه حال هذه الترجيحات، بل إن من ضمن هذه الترجيحات ما يُنسب إلى المذهب قطعًا، ومنها ما نسبه أصحابها وإن لم يوافقوا عليه، فأقول:
_________
(١) انظر «أدب المفتي والمستفتي» (ص: ٩٠).
(٢) انظر «المجموع» (١/ ١١٠).
(٣) انظر «أدب المفتي والمستفتي» (ص: ٩٠).
(٤) انظر «المجموع» (١/ ١١٠).
стр. 194
الوجه الثاني: تخريج القديم قولًا للشافعي جديدًا منصوصًا في بعض كتبه وأماليه، فهو قديم باعتبار الكتاب الذي نقل منه، وجديد باعتبار إقرار الشافعي له في كتبه الجديدة، فقد يرجحه بعض الأصحاب باعتبار النصِّ الجديد، ويخفى على آخرين نصُّه الجديد فيرجحه لدليله معتقدًا أنه من باب ترجيح القديم وليس به، وهذا معنى ما سبق أن نقلناه عن ابن الصلاح من عدم اتفاقهم على أن الخلاف في تلك المسائل من قبيل الخلاف بين القديم والجديد.
الوجه الثالث: ترجيح القديم باعتبار قياس قول للشافعي في الجديد في نظائر المسألة وأشباهها، وقد أكثر من هذا المُزَني في «المختصَر»، وهذا بمثابة معارضة المنصوص بالقول المخرج، بل هذا أولى بالجواز منه؛ لأن نصَّ الشافعي عليه ولو في القديم دليل على وجاهته عنده وإن كان رجوعه عنه يوهم ضعفه أيضًا، وعلى كل فليس هذا الوجه أيضًا مما يمكن أن يتمحَّض فيه القول بأنه من باب ترجيح القديم على الجديد.
الوجه الرابع: ترجيح القديم بناءً على أصول الشريعة التي هي عمدة الشافعي في فقهه واستنباطه، وقد قال إمام الحرمين: «ومما يجب أن يعتقده من ينتحل مذهب الإمام المطلبي أنه يبني فرعه على أصول الشريعة، وقد صحَّ في منصوصاته أنه قال: (إذا بلغكم عني مذهب، وصحَّ عندكم خبر على مخالفته .. فاعلموا أن مذهبي موجَبُ الخبر)، والظن به أنه لو زَلَّ قلم ناسخ عنه عن أصلِ أنَّ مذهبه موجَبُ الأصل، وما نُقل محمول على تحريف أو غفلة» (١)، قال عبدالله: هذا في نصٍّ منقول عن الشافعي لا معارض له، والمذهب القديم إذا كان مقتضى أصوله أن يكون مذهبه أولى.
_________
(١) انظر «النهاية» (١٩/ ٣٨٩).
стр. 195
إلا أن عندي وقفة مِنْ أخذ هذا الوجه على عمومه، فإن أصول الشريعة معنى عام لا اختصاص للشافعي بها، وفتح باب تصحيح المذهب بناءً على تلك الأصول العامة لا يمكن أن يكون صحيحًا ولا مقصودًا لإمام الحرمين أو غيره، وإنما يكون ذلك حيث يغلب على الظن بأن الشافعي عدل عن قوله القديم لضعف دليل بعينه ثم يبيِّن قوته على وَفْق أصوله المعروفة، وأخصّ ذلك أن يعدل عن القديم لعدم ثبوت حديث يؤيده عنده، ثم يثبت الحديث من غير إسناده، وقد نصَّ النووي في «المجموع» (١/ ١١٠) على هذه الصورة فقال: «القديم الذي عضده نصّ حديث صحيح لا معارض له مذهب الشافعي ﵀، ومنسوب إليه، إذا وجد الشرط الذي قدمناه فيما إذا صحَّ الحديث على خلاف نصه، والله أعلم».
اصطلاح آخر في القديم والجديد
ليس القول الأول والثاني للشافعي مقتصرًا على أقواله في مصر وقبله، بل قد يوجد للشافعي في الجديد قولان أول قديم، وثانٍ جديد (١)، ويكون ذلك لأجل دليل ناقل اطلع عليه لم يعلمه أولًا.
ومن أمثلته أن المُزَني (ف: ٧٨٥) نقل عنه في صوم المتمتع الذي لا يجد الهدي في أيام التشريق أنه لا يجزئه عند الشافعي، ثم قال المُزَني: «قد كان قال: يُجْزِئه، ثُمَّ رَجَعَ عنه»، وحمل القولان في كتب الأصحاب على القديم والجديد، بل إن النووي قال في زوائد «الروضة» (٢/ ٣٦٦): «هذا القديم هو الراجح دليلًا، وإن كان مرجوحًا عند الأصحاب».
_________
(١) انظر القسم الخامس في «القواطع» للسمعاني (٥/ ٦٩).
стр. 196
ويلاحظ أن المُزَني على غير عادته لم ينسب القول الأول إلى القديم كما فعل الأصحاب، ذلك أن مصدره عنده هو حكاية الشافعي له في الجديد، كما ذكر ذلك بعدُ (ف: ٨٣١) على لسان الشافعي قال: «قدْ كُنْتُ أراهُ، وقد يَكُون مَنْ قال: «يَصُومُ أيَّامَ مِنًى» ذَهَبَ عنه نَهْيُ رسولِ الله ﷺ عنها»، وهذا نصٌّ محتمل لا يلزم أنه كان يراه قبل مصر أو بعده، وربما كان ذلك قبل القديم والجديد معًا، والشاهد توسع الأصحاب في إطلاق القديم على القول الأول دون تقيُّد بالكتاب القديم.
ومن أمثلته كذلك نقل النووي في أصل «الروضة» (١/ ٢٩) قولًا عن القديم بأن الأرض النجسة تطهر بالشمس، فتعقَّبه الإسنوي وقال في «المهمات» (٢/ ٨٢): «رأيت في (التقريب) للإمام القاسم ابن القفال الكبير الشاشي أن الشافعي نصَّ في (الإملاء) على أن الأرض تطهر بالشمس»، قال: «وحينئذ فيكون التطهير بها قولًا واحدًا جديدًا، لا قديمًا؛ لأن (الإملاء) من الكتب الجديدة كما قاله الرافعي في مواضع كثيرة، وأن الجديد إذا أطلقوه في مقابلته أرادوا به (الأم)».
قلت: لا وجه لهذا الإطلاق والتخصيص إلا اعتبار الأولية، والله أعلم.
стр. 197
الفصل الرابع: الترديد بين الأقوال في موضع واحد
هذا الفصل من أكثر ما استشكل على الشافعي وشنع به عليه، والنكتة فيه أن القولين أو الأقوال صدرت في آن واحد وليس ذلك بشأن الفقيه، ولا شناعة إذا عرف وجه الحقيقة ومقاصد الإمام بذلك؛ ذلك أن الإمام لم يكن من مقاصده ضبط القول في الفروع الفقهية حتى يتخذ قوله من بعده قانونًا متبعًا يقلد فيه كما يتوهم الواهمون وكما حصل أخيرًا على أيدي المقلدين الحاجرين المتحجِّرين، وإنما أراد ضبط طرق الاستدلال والنظر التي هي قطعية ويجب أن تكون محل إجماع، ومن هنا كثر في كلامه الترديد بين الآراء المحتملة القابلة للنقاش والجدل والمناظرة، ليس ذلك لأنه لا رأي له، وإنما لأنه يريد أن يصل كل إلى الرأي المختار عنده بطريق الاستدلال الصحيح.
وفي هذا الفصل نحاول أن نضبط صور ترديد الشافعي الأقوال في المسألة بحصر موارده، ومن ثَمَّ نبيِّن حكمه وحكمته، والذي ظهر لي منها صور سبعة:
стр. 198
الصورة الأولى: الترديد بين القولين أو الأقوال مع بيان المختار عنده (١).
فيكون مذهبه هو القول الذي رجَّحه؛ لأن قول المجتهد ليس غير ما يترجَّح عنده، وفائدة ذكر المرجوح معه بيان مرجوحيته لئلَّا يتوهَّم رجحانه (٢)، ثم النظر في أمرين:
أحدهما: في نسبة الأقوال المرجوحة إلى الشافعي، فظاهر كلام الأصوليين عدم نسبتها إليه والجزم بما رجَّحه، والمشهور في كتب الفقه النسبة، وقد يجزم بعضهم، ويمكن الجمع بين المذهبين بأن الأول باعتبار الحقيقة والثاني على التوسع والمجاز، فلا شك أن مذهب الإمام وقد صرح باختياره هو المختار عنده، لكن ترديده القول وعدم جزمه بالحكم يدل على أن للأقوال المذكورة أيضًا وجهًا من الفقه والنظر، وأنها محلُّ اجتهاد المتفقِّه المجتهد ومباحثته، وبهذا الاعتبار جاز النسبة.
ثانيهما: موافقة الإمام في ترجيحه ومخالفته، ولا يخفى أن من يقلد الشافعي لا يصحُّ له إلا موافقته في ترجيحه، لكن الأصحاب وهم أهل اجتهاد قد يخالفونه في الترجيح، إما على أساس التخريج وقياس المذهب، أو على أساس الدليل واختيار القول الخارج من أصول المذهب، ولا يستنكر هذا منهم، فهم قد يستخرجون القول على قياس المذهب فيعارضون به النصَّ الجازم، وقد يخالفون المذهب ويقولون بحسب ما أدَّاهم إلاه الاجتهاد المطلق، فبالأولى أن يصحَّ مخالفتهم للشافعي في
_________
(١) انظر الضرب الأول من القسم الرابع عشر في «القواطع» للسمعاني (٥/ ٧٩).
(٢) انظر «تشنيف المسامع» للزركشي (٣/ ٦٦٧)، و «الغيث الهامع» للعراقي (٣/ ٨٣).
стр. 199
الترجيح بين أقوال ردد القول فيها وإن كان صرح بترجيحه، وقد أكثر من ذلك المُزَني في «مختصَره» (١).
ثم إن للشافعي في الترجيح بين القولين أو الأقوال في حال الترديد أنحاءً وأوجهًا:
الوجه الأول (٢): أن يذكر القولين أو الأقوال ثم يصرح بما يختاره، وله في ذلك عبارات وأساليب، فقد يقول: «وبه أقول»، أو يقول: «وهذا أصحُّ»، وقد يجمع بينهما فيقول: «وهو أصحُّ وبه أقول»، أو: «وهو أصحُّ القولين وبه أقول»، أو يقول: «هو أشبه»، قال المُزَني (ف: ٢٨٦٨): «الأشبه أولى به»، أو يقول: «أحسن عنده»، وقد قال المُزَني (ف: ٢٢١٣): «الأحْسَنُ أوْلَى به مِنْ الذي لَيْسَ بأحْسَنَ»، وأمثلة ذلك كثيرة لا داعي للإطالة بذكرها.
الوجه الثاني (٣): أن يكون له قول معروف هو مذهبه، ثم يردّد القولين بقصد المحاجَّة وإظهار بطلان ما خالف قوله الذي هو مذهبه، فلا حكم لهذا الترديد ولا ينبغي أن ينسب إلى الشافعي، وقد قال إبراهيم ﵇ أقوال عَبَدة النجوم والكواكب، لا لتخالج ريب استبطنه، بل حجة على كفار قومه ليتبيَّنوا بطلان ما يعبدونه.
وقد يكون المقصود بالإبطال أحد القولين اللذَيْن ردد بينهما، مثل مسألة من جامع امرأته في شهر رمضان فكفر عن جماعه هل يجب عليه قضاء اليوم الذي أفطره أم لا؟ خرجه على قولين، لا لاحتمالهما في الفتيا
_________
(١) انظر على سبيل المثال (الفقرتين: ١٣٣٧، و ١٣٣٨).
(٢) انظر «القواطع» للسمعاني (٥/ ٨٠).
(٣) وهو القسم الأول في «نصرة القولين» لابن القاص (ص: ١٠٧).
стр. 200
عنده، وإنما لاحتمالهما في التفسير واختلاف الناس فيهما، وليتبيَّن فساد قول من أسقط القضاء فيزداد به السامع يقينًا في تحقيق قول من أوجبه، وهو قوله (١).
وقد يقصد بالترديد بين القولين إبطال ما توسَّطهما (٢)، مثل قوله في وضع الجوائح وقد قدرها مالك بوضع الثلث: «ليس إلا واحد من قولين: إما أن توضع جميعها، أو لا يوضع شيء منها»، ومثل قوله في الجارية الموصَى بها إذا ولدت أو وهب لها بعد موت الموصي وقبل قبول الموصى له لما جعل أهل العراق بعض ولدها وبعض ما وهب لها لورثة الموصي وبعضه للموصى له: «ليس إلا واحد من قولين: إمَّا أن يملكها الموصى له بالموت، فيكون كل ذلك له بحدوثه على ملكه، وإما أن يملكها بالقبول، فكل ذلك للورثة»، وليس لتبعيضه وجه، وهذا تحقيق يبطل به ما خالف القولين (٣).
قال السمعاني: «وليس فيه تعيين لأحد القولين وإن كان الحق لا يخرج عن أحدهما، فإن اقترن ما يدل على اختياره، مثل أن يفرع على أحدهما ويحكم به .. كان هو المذهب المضاف إليه دون الآخر، وإن تجرَّد عن قرينة لم يضف إليه واحد من القولين، وإن علم أن الحق لا يخرج منها؛ لعدم ما عداهما» (٤).
_________
(١) انظر «نصرة القولين» لابن القاص (١٠٧).
(٢) انظر القسم الثامن في «القواطع» (٥/ ٧٢).
(٣) انظر «المختصر» للمُزَني مسألة وضع الجوائح برقم: (١٠٦٧)، ومسألة الجارية برقم: (١٨٤٦).
(٤) انظر «القواطع» للسمعاني (٥/ ٧٣).
стр. 201
الوجه الثالث: أن يردد بين قولين ثم يبطل أحدهما، فيقول: «وهذا قول ينكسر ولا أقول به»، فالمذهب القول الآخر (١).
الوجه الرابع: أن يردد بين القولين أو الأقوال ويشير إلى قول منها بما يظهر ميله إليه، وهذا مجال اختلاف ونظر في مراد الشافعي.
فمن أمثلة ذلك: أن يقول: «وهذا مما أستخير الله تعالى فيه»، عدَّه السمعاني من علامات الترجيح (٢)، واعتبره المُزَني من الشك (٣)، فمن مسائله طلاق المريض هل يقطع الإرث أو لا يقطع؟ قال الشافعي في القديم: لا يقطع، واختلفت عبارته في الجديد، فجزم مرة بأنه يقطع، وقال في موضع آخر أنه يستخير الله فيه، فحمله المُزَني على اختلاف قوله فيه في الجديد، والأصح أن يحمل ذلك على الاتفاق (٤)، ومن مسائله كذلك: الكسير إذا صلى بالمسح على الجبيرة هل يعيد أو لا يعيد؟ قولان، واستخار الله في أنه لا يعيد (٥).
ومن أمثلته: أن يقول: «أشبهها في القياس»، وهذا يقرب من مرتبة التصريح بالترجيح؛ لأن «القياس عنده حق» كما قال المُزَني (ف: ٩٨٣)، لكني جعلته في مرتبة أدون من التصريح لأنه يمكن أن يكون القول أشبه في القياس ويكون مرجوحًا لأسباب أخرى.
_________
(١) انظر «شرح اللمع» للشيرازي (٢/ ١٠٧٧) وانظر «المختصر» (الفقرة: ١٨٤٣).
(٢) انظر «القواطع» للسمعاني (٥/ ٨٠).
(٣) انظر «المختصر» (الفقرة: ٢٦٥٢).
(٤) انظر «المختصر» (الفقرتين: ٢٣٥٨).
(٥) انظر «المختصر» (الفقرة: ٨١)، وهذه أرقام جميع مسائل الاستخارة في «المختصر»: (٨١، و ٦٣٩، و ٢٦٥٢، و ٣٢٢٧).
стр. 202
ومن أمثلته: أن يقول: «وهذا ظاهر الخبر»، فذكر الشافعي (ف: ٣٢٠٢) قولين في التأني باستتابة المرتد ثلاثًا، أحدهما لا يتأنى به، قال الشافعي: «وهذا ظاهرُ الخَبَرِ»، قال المُزَني: «وأصْلُه الظَّاهِرُ، وهو أقْيَسُ على أصْلِه».
ومن أمثلته: أن يقول عن أحد القولين: «هذا حكم الله»، فاختلف قول الشافعي في نفقة الأمة الحامل في العدة، فقال في موضع: النفقة على الزوج وأن ذلك حكم الله جل ثناؤه، وقال في موضع آخر: النفقة على السيد، قال المُزَني (ف: ٢٧٩٢): «الأوَّلُ أحَقُّ به؛ لأنَّه شَهِدَ أنَّه حُكْمُ اللهِ تبارك اسمه، وحُكْمُ اللهِ أوْلَى ممَّا خالَفَه».
الصورة الثانية: الترديد بين قول على الجزم وقول معلق بصحة دليل.
وذلك بأن يطلق قولًا على مقتضى دليل ويعلق آخر على ثبوت دليل آخر أرجح منه أو سقوطه.
فمن الأول (١): تعليق القول على صحة الخبر، وهذا كثير، فقد تبلغه سنة لم تثبت عنده، فيعمل بظاهر القرآن أو مقتضى القياس، ويجعل قوله من بعد موقوفًا على ثبوت السنة، ومن طرائف أمثلته: قال في القديم باستحباب التثويب في أذان الصبح، ثم رجع عنه في الجديد لأن أبا محذورة لم يَحكِه عن النبي ﷺ ، فمن أصحابنا من حكى القولين وأفتى بالقديم نظرًا لثبوت الخبر بالتثويب، وهذه طريقة المُزَني في «المختصَر» (ف: ١٥٩)، والمذهب الذي قطع به الأكثرون - استحبابه قولًا واحدًا، ووجهه: ثبوت التثويب من حديث أبي محذورة أيضًا، وقد اعتمد حديثه في الجديد، قال إمام
_________
(١) انظر القسم السادس في «القواطع» للسمعاني (٥/ ٦٩).
стр. 203
الحرمين: «كل حكم اعتمد الشافعي فيه الخبر وقد بلغه الحديث لا على وجهه أو لم يبلغه التمام .. فنحن نعلم قطعًا أنه لو بلغه الحديث على خلاف ما اعتقده وصحّ على شرطه لكان يرجع إلى موافقة الحديث، فكأنه في الجديد قال: مذهبي في التثويب ما صحَّ من قصَّة أبي محذورة» (١).
ومن الثاني (٢): أن يثبت عنده الخبر على خلاف القياس، فيقضي بالخبر ويعلق القول بمقتضى القياس ويقول: «لولا الخبر كان القياس … » (٣)، وقال الشافعي: «وأحِبُّ للنائم قاعدًا أن يَتوضَّأ، ولا يَبِينُ لي أنْ أوجِبَهُ عليه؛ لما رَوَى أنس بن مالك أنَّ أصحاب رسول الله ﷺ كانوا ينتظرون العِشاء فينامون - أحسبه قال: قُعودًا -»، قال المُزَني (ف: ٤٣): «وقد قال الشافعي: لو صِرْنا إلى النَّظر .. كان إذا غَلَبَ عليه النومُ تَوضَّأ بأيِّ حالاته كان. وعن ابن عمر: كان يَنام قاعدًا ويُصَلِّي ولا يَتَوَضَّأ».
وهذا في الحقيقة ليس من باب الترديد؛ لأن قول الشافعي في تعارض الخبر والقياس واحد، وهو القول بالخبر وترك القياس.
وهناك وجه ثالث من التعليق: وهو التعليق العام، وذلك أن الشافعي أصَّل أصول فقهه وقواعده، ورتَّب أدلة مذهبه ودلالاتها، فحيث خالفها في فرع من الفروع ولم يطلع على سبب موجب للمخالفة حسب أصوله .. كان اعتبار الأصل أولى من مراعاة الفرع الواحد المخالف له، ومن ذلك: أن الشافعي قال: «كل قول قلته فثبت عن النبي ﷺ خلافه فأنا أول راجع عما قلته، وقائل بموجب الحديث»، فبلوغ السنة لنا بعده كبلوغها له، وقد نُقل
_________
(١) انظر «النهاية» (٢/ ٥٩).
(٢) وهو القسم الرابع في «نصرة القولين» لابن القاص (ص: ١١٤).
(٣) انظر «المختصَر» (الفقرات: ١٠٠٩، و ١٦٢٦، و ١٨٢٢).
стр. 204
عن كثير من الأصحاب قولهم بالسنة الصحيحة المخالفة لقول الشافعي ثم نسبة ذلك القول له بناءً على هذا التعليق، وفعل الماوردي ذلك في الصلاة الوسطى، فإن الشافعي نصَّ على أنها الصبح عملًا بظاهر قوله تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين﴾ [البقرة: ٢٣٨]، ولا قنوت إلا في الصبح على تفسير القنوت بالدعاء، فلما بلغنا أن ابن مسعود ﵁ روى قوله ﷺ : «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر» .. انتقلنا عما قاله الشافعي من العمل بظاهر الكتاب إلى هذه السنة، إلا أن الأصحاب لا يكادون يتفقون على نسبة مثل هذا إلى الإمام، وذلك لما للنظر في الأحاديث من سعة أبواب الاجتهاد.
الصورة الثالثة: أن يذكر القولين، معتقدًا لأحدهما، وزاجرًا بالآخر (١).
فعل ذلك في قضاء القاضي بعلمه، وفي تضمين الأجير المشترك، فإن مذهبه أن للقاضي أن يحكم بعلمه وأن لا ضمان على الأجير، لكن ذكر الآخر زاجرًا ومرهبًا، وقد قال الشافعي رحمة الله عليه بعد ذكر القولين فيهما: «ولولا خوفي ميل القضاة وخيانة الأجراء لجعلت .. للقاضي أن يحكم بعلمه، ولأسقطت الضمان عن الأجير»، فعلل منع القاضي بميله، وضمان الأجير بخيانته، فدلَّ أن مذهبه فيمن لم يمل من القضاة جواز حكمه بعلمه، وفيمن لم يخن من الأجراء سقوط الضمان عنه، وإذا صحَّ هذا فيمن أمن ميله وخيانته ثبت حكمه فيمن خيف ميله وخيانته لعموم الحكم في الجميع، و «من كان زعيمًا في الدين فحقيق أن يكون زاجرًا ومحذِّرًا» (٢).
_________
(١) انظر القسم السابع في «نصرة القولين» لابن القاص (ص: ١٢٠)، والقسم الثالث عشر في «القواطع» للسمعاني (٥/ ٧٨).
(٢) و «القواطع» للسمعاني (٥/ ٧٨)، و «فرائد الفوائد» للمناوي (ص: ٣٢).
стр. 205
الصورة الرابعة: الجزم بقول ثم تعقيبه باحتمال قول آخر.
فيذكر الشافعي في موضع قولًا ثم يقول: «ولو قال قائل كذا كان مذهبًا» (١)، فالقول الذي هو مذهبه ما جزم به، وما ذكر من الاحتمال إخبار عن احتمال المسألة وجهًا من وجوه الاجتهاد، ولا يجوز أن ينسب إليه قولًا له على الصحيح، وقال بعض أصحابنا: يجعل ذلك قولًا له (٢).
الصورة الخامسة: الجزم بقول ورواية قول آخر.
كما فعل في مسألة وجوب الفدية إن وضع المحرم على رأسه حِملًا أو زَبيلًا، قال بعدم الوجوب، وروى عن عطاء الوجوب ولم يرد عليه، فحمله بعض الأصحاب على التردد؛ لأن دأب الشافعي أن يردَّ على كل مذهب لا يرتضيه، والمذهب الجزم أن لا فدية (٣).
الصورة السادسة: ترديد القول بين الحجة والاحتياط
فيكون المذهب ما يقتضيه الحجة، كما فعل في صيد المحرم فقال (ف: ٩٧٧) «إنْ نَتَفَ طَيْرًا .. فعليه بقَدْرِ ما نَقَصَ النَّتْفُ، فإن تَلِفَ بعدُ .. فالاحتياطُ أن يَفْدِيَه، والقياسُ أن لا شيءَ عليه إذا كان ممْتَنِعًا حتى يَعْلم أنه مات مِنْ نَتْفِه»، والقياس حجة، وهو الأظهر من القولين.
الصورة السابعة: ترديد القول من غير ترجيح أو إشارة إلى اختيار (٤).
_________
(١) انظر «المختصَر» (الفقرات: ٣١٩، و ١٩٦٥، و ٢٢٥٩، و ٢٤٢٠، و ٢٦٠٥، و ٢٧٦٩).
(٢) انظر «شرح اللمع» للشيرازي (٢/ ١٠٨٥)، و «القواطع» للسمعاني (٥/ ٨٨).
(٣) انظر «النهاية» لإمام الحرمين (٤/ ٢٤٢)، و «العزيز» للرافعي (٥/ ١٥٥)، وانظر «المختصَر» (الفقرة: ٨٧٦).
(٤) انظر الضرب الثاني من القسم الرابع عشر في «القواطع» للسمعاني (٥/ ٨١)، والقسم الرابع والخامس في «حقيقة القولين» للغزالي (ص: ٢٨٦).
стр. 206
وهنا يتسع باب البحث والنظر، وأحاول أن أرتِّب دلالاتها حسب ترتيب النظر فيها.
فأول ذلك: أن ذكر القولين واقتصاره عليهما إبطال لما عداهما، ذكره أبو إسحاق المروزي وغيره (١)، وهذا غرض فقهي صحيح جاء بنحوه الشرع والعمل المأثور، أمَّا الشرع .. فما قاله النبي ﷺ في ليلة القدر: «التمسوها في العشر الأواخر من رمضان»، فنفى أن تكون في غير شهر رمضان، وفي غير العشر الأواخر منه، وجعلها موقوفة على الاجتهاد في العشر الأواخر، وأما العمل المأثور .. فما فعله عمر في أهل الشورى، جعلها في ستة نفى بهم طلب الإمام في غيرهم ووقف الإمامة فيهم على من يؤدي الاجتهاد إليه منهم، وهذا عمل انعقد به إجماعهم، والشافعي ﵀ في هذا العمل مقتدٍ بالشرع من الرسول ﷺ والعمل من الصحابة ﵃، ولا يمتنع أن يبطل بالقولين ما عداهما ليكون الاجتهاد مقصورًا عليهما ولا يعدوهما.
الدلالة الثانية: أن ذكره القولين يدل على أن لكل واحد منهما في الاجتهاد وجهًا ودليلًا، وقد يكون ذلك لاختلاف القراءة في آية قرآنية لم يترجَّح عنده أحد وجوهها، مثل قوله تعالى: ﴿أو لامستم النساء﴾ [النساء: ٤٣]، فقراءة «لامستم» يوجب الوضوء على اللامس والملموس، و «لمستم» يوجبه على اللامس دون الملموس، وقد يكون ذلك لاختلاف الرواية عن النبي ﷺ ، كالمروي عنه ﷺ في بيان المواقيت أنه صلى عشاء الآخرة في الوقت الثاني حين ذهب من الليل نصفه، وفي خبر آخر: حين ذهب من الليل ثلثه، ولأجل اختلاف القراءة والرواية اختلف قوله، ولا يتوجه عليه في مثل هذا إنكار؛ لأن اختلاف الدليل يوجب اختلاف المدلول، وترجيح
_________
(١) وهو القسم السابع في «القواطع» للسمعاني (٥/ ٧١)، وانظر «التلخيص» لإمام الحرمين (٣/ ٤١٦).
стр. 207
أحدهما بدون مرجح تحكُّم لا يجوز في الفقه والاجتهاد (١).
الدلالة الثالثة: قد يردد الشافعي بين القولين أو الأقوال ليمتحن المتعلمين باستخراجهما ويتبيَّن فضل المجتهد على البليد (٢)، والواجب في مثله التعرف على المذهب بواسطة دليل خارجي من نصوص الإمام وتصرفاته، وغالب هذه المواطن وَفْق الأصحاب أن يتعرفوا على اختيار الشافعي فيها من خلال النظر في مجموع نصوصه، وخفي عليهم بعض ذلك، ومن هنا وجب بيان وسائلهم في معرفة الراجح، وبيان حكم القولين إذا لم يعرف من كلام الإمام المختار عنده.
وسائل معرفة اختيار الإمام من أقوال الترديد:
الوسيلة الأولى: أن يعيد الشافعي ﵀ ذكر المسألة في موضع آخر ويقطع بأحد القولين، فهل يكون ذلك من الشافعي تركًا للتردد؟ ذكر الماوردي فيه ثلاثة مذاهب عن أصحابنا (٣):
فقال بعضهم: لا يكون ذلك تركًا للتردد ولا قطعًا بالقول المعاد، ولا تأثير لإعادة ذكره أحد القولين كما لا تأثير لزيادة الشهود في تعارض البينتين، وإنما الذي يقتضي تحقيق مذهب الشافعي في أحد القولين أن يقول: «وبهذا أقول»، «وهو أولى أن يحتج له».
وقال آخرون: لها تأثير في ألا يترجح عليه القول المتروك على المعاد، لكن لا يصير المعاد بها أرجح من غيره.
_________
(١) انظر القسم الرابع في «القواطع» للسمعاني (٥/ ٦٨).
(٢) انظر القسم الثالث والعاشر في «نصرة القولين» لابن القاص (ص: ١١٠).
(٣) انظر «الحاوي» للماوردي (١٨/ ١٠).
стр. 208
والمذهب الثالث: قال المُزَني (ف: ٣٨١٦): «من قطع بشيء كان أولى به من حكايته له»، وأكثر منه في مختصَره، واختلف في حكايته عنه، فظاهر حكاية الشيخ أبي إسحاق الشيرازي أن ذلك اختيار للقول المعاد (١)، وحكاية الماوردي وإمام الحرمين أن ذلك رجوع عن التردُّد وإبطال للقول المتروك.
قال الماوردي: «إن المُزَني يبني على أصل لم يخالف فيه، وهو أن الشافعي إذا نصَّ على قولين ثم عمل بأحدهما أنه يكون إبطالًا للقول الآخر، وعند غيره من أصحابنا أنه لا يكون استعماله إبطالًا للآخر، وإنما يكون ترجيحًا له على الآخر» (٢).
وقال: «وليس الأمر على ما توهم [المُزَني]؛ لأن أقاويله إذا فرقت لم يحتج إلى تكرارها في كل موضع، ولو كان ما توهّم صحيحًا لاقتضى إذا كرر أحدهما في مواضع وكرر الأخرى في مواضع أن يكون نافيًا لهما» (٣).
وقال إمام الحرمين: «مذهب المُزَني في أن الشافعي إذا قطع قولًا في موضع كان ذلك تركًا منه للقولين» (٤)، قال: «وفي هذا دقيقة لا بد من التنبُّه لها، وهي أن الشافعي إذا نصَّ على قولين فكأنه لم يذكر لنفسه مذهبًا، وإنما ردَّدَ، ولو انتهى نظره نهايته لجزم القولَ، ولا مذهب لمتردِّد، نعم إن كان ينقدح مذهب ثالث فإعراضه عنه مذهب، ثم إن قطع قوله بعد القولين فيجب القطع بأن مذهبه ما قطع به، وما كان يتردد فيه ينتهى إليه ويقف،
_________
(١) انظر «شرح اللمع» للشيرازي (٢/ ١٠٨١).
(٢) انظر «الحاوي» للماوردي (١٧/ ٣٣٦).
(٣) انظر «الحاوي» للماوردي (١٨/ ٩ ونحوه: ٥/ ٢٠٥).
(٤) انظر «النهاية» لإمام الحرمين (١٩/ ٢١٠).
стр. 209
وإن تقدم قطعُه ثم قطع بعده بخلافه فهو رجوع واستحداث مذهب، وإن قطع بمذهب ثم ذكر بعده قولين فقد ترك المذهب وعاد إلى التردد، وإن نُقلت عنه نصوص مختلفة من غير تأريخ فلا وجه للاستشهاد بالبعض منها، غير أن المُزَني يستشهد بكثرة النصوص، وهذا لا متعلق فيه» (١).
وقال: «ولما قاله المُزَني وجه، وإن أنكره معظم الأصحاب» (٢).
قلت: كلام إمام الحرمين بالتفصيل أدقُّ من إطلاق الماوردي، وعليه فلنا ثلاثة أحوال:
الأولى - أن يردِّد الشافعي القول أولًا ثم يقطع آخِرًا، فالمذهب ما قطع به جزمًا، ومن أمثلته: أن يردد القول في القديم ويجزم بأحدهما في الجديد.
الثانية - أن يجزم الشافعي القول أولًا ثم يردد آخِرًا، مثل أن يجزم في القديم بقول ويردد في الجديد، فيجب النظر في الأظهر من القولين، ولا يكون جزمه القديم دليلًا على الاختيار قطعًا.
الثالثة - أن يجهل الأول والآخر من الترديد والجزم، وهذا محل اختلاف الأصحاب، ومذهب المُزَني النظر إلى كثرة النصوص، ثم إن الشيخ أبا إسحاق الشِّيرازي صحَّح مذهب المُزَني بالصفة التي حكاه من أن إعادة أحد القولين جازمًا به ترجيح له، ويستنبط من كلام الماوردي عَزْوه إلى مذهب جمهور الأصحاب، فيكون الصحيح إن شاء الله أن القول المعاد هو الراجح عند الشافعي؛ لأنه لما أعاد أحد القولين فالظاهر أن مذهبه هو
_________
(١) انظر «النهاية» لإمام الحرمين (١٩/ ٢١٠).
(٢) انظر «التلخيص» لإمام الحرمين (٣/ ٤١٨).
стр. 210
ذلك؛ لأنه لو كان مقيمًا على القولين لأعادهما، فلما أفرد أحدهما بالإعادة دَلَّ أنه هو الذي يذهب إليه ويختاره.
وحينئذ لا يخفى دقة المُزَني وقوة حجته في الترجيح، ولا يبعد أن يكون الصواب معه، والله أعلم.
الوسيلة الثانية لمعرفة الراجح من القولين عند الشافعي: تفريعه على أحد القولين دون الآخر هل يدل على أنه المختار عنده؟ جعله الماوردي والشيرازي والسمعاني مثل ترديده بين القولين في موضع وقطعه بأحدهما في آخر (١)، وقد يقال بأن التفريع أضعف دلالة على الترجيح من الجزم بأحد القولين؛ لأنه يرد فيه التنزل والتسليم.
ومن أمثلته الطريفة: مسألة ضمان الأجراء، ذكر الشافعي فيه قولين ولم يرجح بينهما، لكنه أورد عقبها مسائل جزئية فرعها على القول بالضمان، فاستنبط المُزَني منه أن الضمان هو مذهبه الذي يقول به، فتعقبه الماوردي وقال: «ليس تفريع الشافعي على أحد القولين إبطالًا للقول الآخر فيصح احتجاج المُزَني، وإنما يدل على أنه أرجح القولين في نفسه، وهذا صحيح من مذهبه، بل قد قال الشافعي: لولا خوفي من خيانة الأجراء لقطعت القول بسقوط الضمان عنهم» (٢)، وهذا النصُّ من الماوردي إقرار منه بتسليم دلالة التفريع على الترجيح، وإنما أنكر على المُزَني إبطاله القول الآخر لا ترجيحه، ويشكل على الماوردي إنكاره مع هذا على المُزَني استدلاله بموضع الجزم على موضع الترديد في وسيلة الترجيح السابقة.
_________
(١) انظر «الحاوي» (١٨/ ٢١٠)، و «شرح اللمع» (٢/ ١٠٨٢)، و «القواطع» (٥/ ٨٠).
(٢) انظر «الحاوي» للماوردي (٧/ ٤٢٩)، وانظر «المختصر» (الفقرات: ١٦٧٣ - ١٦٧٦).
стр. 211
الوسيلة الثالثة: النظر في قياس قول الشافعي فما وافقه من القولين يكون مذهبه، وذلك بناء على قواعد مذهبه ومآخذه (١)، وقد أكثر منه المُزَني أيَّما إكثار، ويعبر عنه بقوله: «قياس قوله»، أو: «أصله»، أو: «أولى به»، أو ما شابه ذلك.
الوسيلة الرابعة: اعتبار موافقة جماعة العلماء، وقد عمل بها المُزَني في مواطن، ومن قوله في ذلك: «قَوْلُه في جماعةِ العُلماءِ أوْلَى به مِنْ انْفِرادِه عنها» (٢)، وقد أقر هذا الوجه للترجيح كل من ابن الصلاح والنووي (٣)، ويدخل تحت هذا الأصل كذلك:
اعتبار موافقة أبي حنيفة ومخالفته، وهو الوسيلة الخامسة، وذكرها الفقهاء الأصوليون ونقلوا عن القفال أن الموافق أولى، وعن الشيخ أبي حامد أن المخالف أولى (٤)، ولا فقه في ذلك يعتد به.
حكم أقوال الترديد إذا لم نتمكَّن من معرفة اختيار الشافعي فيها:
فإذا لم يمكن معرفة اختيار الإمام بأحد الوسائل المقبولة التي أشرنا إليها - وقلما يحصل ذلك - اختلف الأصحاب في معنى الترديد على مذاهب:
فذهب بعضهم إلى أنه قصد بذكر القولين حكاية مذهبين من مذاهب العلماء.
_________
(١) انظر «أدب المفتي والمستفتي» لابن الصلاح (ص: ٨٦)، و «الروضة» للنووي (٨/ ٩٧).
(٢) انظر «المختصَر» (الفقرات: ٩٧، و ١١٩، و ٢٣٨٧، و ٣١٥٢، و ٣٥٩٧).
(٣) انظر «أدب المفتي والمستفتي» لابن الصلاح (ص: ٨٩)، و «المجموع» (١/ ١١١).
(٤) انظر «أدب المفتي والمستفتي» لابن الصلاح (ص: ٨٩)، و «المجموع» (١/ ١١١)، وانظر «تشنيف المسامع» للزركشي (٣/ ٦٧٠).
стр. 212
قال إمام الحرمين: «وهذا غير سديد من وجهين: أحدهما - أنه قد يجعل المسألة على قولين في صورة لا يؤثر فيها عن العلماء قول على التنصيص، والآخر - أنه يضيف القولين إلى اجتهاده، ولا يجري في ذلك مجرى حكاية المذاهب، فإنه إذا حكى المذهب فصيغة كلامه في الحكاية تتميَّز عند كل مصنف عن صيغة ذكره القولين» (١).
وذهب آخرون إلى أنه قال ذلك على التخيير، بناءً على القول بتصويب المجتهدين، وهذا مذهب القاضي الباقلَّاني (٢).
وقد ردَّ عليه إمام الحرمين هذا المذهب بأمرين (٣): أحدهما - أن الصحيح من مذهب الشافعي أن المصيب واحد، وثانيهما - القول بالتخيير إنما يمكن في تقدير واجبين، مثل أن يؤدي أحد الاجتهادين إلى إيجاب شيء والثاني إلى إيجاب غيره، ولا يؤدي تقدير جمعهما على سبيل التخيير إلى تناقض، أما إذا كان أحد الاجتهادين يؤدي إلى التحليل ويؤدي الثاني إلى التحريم فلا يتصور التخيير في القولين، إذ من المستحيل التخيير بين الحظر والتحليل، وكذلك لا يتحقَّق التخيير بين محرمين. وهذا الثاني في الأصل من اعتراض الحنفية على الشافعي، وقد رد عليهم ذلك السمعاني فقال: «إنما جاز التخيير بينهما على وجه البدل دون الجمع لأمرين: أحدهما - أنه لا يمتنع اعتدال الفرع في الشبه بين أصلين متجاذبين لوجود ذلك عيانًا، كما لا يمتنع اعتدال جهتين مختلفتين في القبلة، ثم كان لا يمنع اعتدال جهتين مختلفتين في القبلة من التخيير في الصلاة إلى أيهما شاء
_________
(١) انظر «التلخيص» لإمام الحرمين (٣/ ٤١٦).
(٢) انظر القسم الخامس في «حقيقة القولين» (ص: ٢٩٧)، وانظر «القواطع» للسمعاني (٥/ ٨٢).
(٣) انظر «التلخيص» (٣/ ٤١٩).
стр. 213
إجماعًا، وكذلك جاز مثل هذا اعتدال فروع بين أصلين في تخيير ردِّه إلى أيهما شاء، والثاني - أن القياس طريق إلى الأحكام كالنصوص، فلما جاز ورود النصِّ بالتخيير في الكفارة جاز أيضًا أن يكون القياس موجبًا للتخيير كالنصِّ، وليس بمستحيل في الشرع ورود النصِّ بالتخيير بين حكمين متنافيين، كما يُخيَّر المسافر بين الصوم والفطر وبين الإتمام والقصر، ويُخيَّر العبد بين الجمعة والظهر» (١).
هكذا أجاب السمعاني تنزلًا على قول تكافؤ الأدلة وإصابة المجتهدين، وليس ذلك مذهب المحقِّقين من أصحاب الشافعي، وليس أبدًا بالذي سار عليه الأصحاب وعملوا، بل إن الشيخ أبا إسحاق قال: «لا يقول به أحد»، لكن الغزالي ذهب إليه واستحسنه (٢).
والمذهب السديد: إنه ليس له في المسألة قول ولا مذهب، وإنما ذكر القولين ليتردَّد فيهما، وهو القول الثالث.
قال السمعاني: «إن الشافعي لم يذكر القولين في هذا المعنى على معنى أنه معتقد لهما أو مخيّر، وإنما ذكرهما لأن الحادثة تحتمل كلا القولين ولم يترجَّح عنده بعد أحدهما، فذكرهما لينظر فيهما ويختار منهما الصواب، فأدركه الموت قبل البيان، وليس في هذا عيب على المجتهد، بل هو دليل على غزارة علم المجتهد وكمال فضله وشدة تَوَقِّيه» (٣).
فإن قال قائل: فلا معنى لقولكم: «للشافعي قولان»؛ إذ ليس له على ما زعمتم في مثل هذه المسائل قول واحد ولا قولان .. أجاب إمام
_________
(١) انظر «القواطع» للسمعاني (٥/ ٨٣).
(٢) انظر «شرح اللمع» للشِّيرازي (٢/ ١٠٧٦)، و «حقيقة القولين» للغزالي (ص: ٢٩٨).
(٣) انظر «القواطع» للسمعاني (٥/ ٨٤)، ونحوه لإمام الحرمين في «التلخيص» (٣/ ٤٢٠).
стр. 214
الحرمين فقال: «هكذا نقول ولا نتحاشى منه، وإنما وجه الإضافة إلى الشافعي ذكره لهما واستقصاؤه وجوه الأشباه فيهما» (١).
قلت: وبعد ذلك يبقى البحث عن الأظهر منهما، فإن ترجَّح شيء من ذلك كان الترجيح مذهبًا لمن ترجَّح عنده، ولم يكن مذهبًا للإمام الشافعي؛ لأنه لم يترجَّح عنده (٢).
الصورة الثامنة: أن يذكر القولين حكاية عن مذهب غيره (٣).
كما يفعل في «كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى» ينقل عن هذا قولًا وعن هذا قولًا آخر، ومنه كذلك قوله: «فمن أصحابنا من رأى حلق الشعر وتقليم الأظفار ومنهم من لم يره» (٤).
وهذه الصورة مثل سابقتها في أنه توقف وليس قولًا للشافعي ولا مذهبًا له، ويزيد عليه بأنه لا دلالة له في حصر الحق في المذهبين المحكيين، إلا أن يعرف ذلك من خارج، قال السمعاني: «فإن أشار إليهما بالإنكار .. كان الحق عنده في غيرهما، وإن أشار إليهما بالجواز .. جاز أن يكون الحق عنده فيهما وفي غيرهما، وإن أشار إليهما بالاختيار .. كان الحق عنده فيهما» (٥).
وهذا لأن مجرد الحكاية لا توجب أن يكون المروي قولًا للراوي؛ لأن الحاكي يخبر عن معتقد غيره، فلم يجز أن يضاف حكايته إليه أنه يعتقده، وهذا كمن حكى الكفر لا يصير كافرًا، ومن نقل الخلاف لا يكون
_________
(١) انظر «التلخيص» لإمام الحرمين (٣/ ٤٢١).
(٢) انظر «القواطع» للسمعاني (٥/ ٦٨).
(٣) وهو القسم الثاني في «نصرة القولين» لابن القاص (ص: ١٠٩)، والقسم الثاني عشر في «القواطع» للسمعاني (٥/ ٧٧)، والقسم الثالث في «حقيقة القولين» للغزالي (ص: ٢٨٢).
(٤) انظر «المختصَر» (الفقرة: ٤٧٠).
(٥) انظر «القواطع» للسمعاني (٥/ ٧٧).
стр. 215
مخالفًا، وقد حكى الله تعالى عن أهل الكتاب أقوالهم في عدد أصحاب الكهف فقال: ﴿سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم﴾ [الكهف: ٢٢].
ومن أمثلة هذه الصورة مسألة الثوب إذا دفعه إلى الخياط فقطعه فاختلفا في ذلك، فقال الخياط: أمرني أن أقطعه قباء، وقال رب الثوب: أمرتك أن تقطعه قميصًا، فذكر الشافعي في المسألة قول ابن أبي ليلى: إن القول قول الخياط، وقول أبي حنيفة: إن القول قول رب الثوب، ثم قال الشافعي: «وهذا أشبه القولين، وكلاهما مدخول» (١)، فأشار بقوله: «وهذا أشبه القولين» إلى ترجيح مذهب أبي حنيفة، وبقوله: «وكلاهما مدخول» إلى قولٍ ثالثٍ في المسألة، وهو ما نصَّ عليه في «الأمالي» أنهما يتحالفان، وحكاه عنه المُزَني في «الجامع الكبير»، واختلف أصحابنا: فمنهم من قال: مذهب الشافعي التحالف، وما سواه حكاه مذهبًا لغيره، وقد دفعه بقوله: «وكلاهما مدخول»، وبهذا قال أبو علي الطبري وصاحب «التقريب» والشيخ أبو حامد، ومنهم من قال: ليس في المسألة إلا قولان، واختلفوا في عينهما، فعن ابن سريج، وأبي إسحاق، وابن أبي هريرة، والقاضي أبي حامد وغيرهم؛ أنهما مذهب أبي حنيفة وابن أبي ليلى، ومنهم من قال: هما تصديق المالك والتحالف، وأما تصديق الخياط فإن الشافعي أعرض عنه، حيث رجح القول الآخر، ومنهم من أثبت الأقوال الثلاثة، وأخذ ذلك من ترجيحه مذهبَ أبي حنيفة على مذهب ابن أبي ليلى، وهذا يُشعر بتردُّده في القولين؛ فإن من يُفسد القولين لا يرجّحِ أحدهما على الثاني، وينقل هذا عن القفَّال.
_________
(١) انظر «المختصَر» للمُزَني (الفقرة: ١٦٨١).
стр. 216
الفصل الخامس: اختلاف قوله باختلاف مواضع التقرير (١)
وذلك بأن يقول في موضع بقول وفي آخر بغيره، والنكتة في هذه الصورة أمور ثلاثة هي التي تحدِّد حكمها:
الأمر الأول: عدم ذكر القولين المختلفين في آن واحد يدل على اختلاف زمنهما، وذلك يعطي هذه الصورة شبهًا من القديم والجديد، ومن ثم ليست هذه الصورة من قبيل الترديد.
الأمر الثاني: عدم معرفة تاريخ القولين لا يمكننا أن نحكم على أحدهما بالقديم والآخر بالجديد، وإنما يتعرف قول الإمام الذي هو مذهبه بالترجيح بأدلته السابقة ذكرها في مسائل الترديد.
الأمر الثالث: عدم ورود القولين في سياق واحد يزيد هذه الصورة على صورة القديم والجديد وصورة الترديد باحتمال الجمع بين القولين وحملهما على اختلاف الحالين، ويؤيِّده أن الأصل عدم اختلاف قول
_________
(١) انظر القسم الحادي عشر في «القواطع» للسمعاني (٥/ ٧٦).
стр. 217
المجتهد الواحد (١)، ومن أمثلته مسألة اتفاق الزوج مع الولي والمرأة على أن المهر كذا، ثم يعلن بأكثر منه، قال في موضع أن المهر السرّ، وفي موضع آخر أنه العلانية، قال المُزَني: «وهذا أوْلَى عندي؛ لأنَّه إنَّما يَنْظُرُ إلى العُقُودِ، وما قَبْلَها وَعْدٌ» (٢)، حمله على اختلاف القولين، والمذهب تنزيل النصين على حالين، فحيث قال: المهر مهر السرّ .. أراد إذا عقد في السرّ بألف، ثم أتوا بلفظ العقد في العلانية بألفين تجملًا، وهم متفقون على بقاء العقد الأول، وحيث قال: المهر مهر العلانية .. أراد إذا تواعدوا أن يكون المهر ألفًا ولم يعقد في السرّ ثم عقدوا في العلانية، فالمهر مهر العلانية؛ لأنه العقد.
وقد نطق على هذا المعنى كتاب الله تعالى فقال: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض﴾ [المائدة: ٣٣]، قال ابن عباس: «إن قَتَل قُتِل، وإن أخذ المال قُطِع، وإن جمع الأمرين قُتِل وصُلِب، وإن كَثَّر وسَوَّر نُفِيَ من الأرض بالطلب، فإن قُدِر عليه حبس»، وكذا السنة، قال النبي ﷺ لأم عطية في غسل ابنته: «اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا إن رأيتن ذلك».
فإن قيل: فيستعمل هذا في كل ما يمكن من اختلاف القولين أو لا؟ .. قلنا: يعتبر ذلك في أصول مذهبه، ويوجد ذلك على ثلاثة أضرب:
أحدها: أن يقتضي أصول مذهبه حكمها على اختلاف حالين، فيحمل على اختلاف حالين، ولا يحمل على اختلاف قولين.
_________
(١) انظر القسم السادس في «نصرة القولين» لابن القاص (ص: ١١٧)، والقسم الثالث في «القواطع» للسمعاني (٥/ ٦٦)، والقسم الثاني في «نصرة القولين» للغزالي (ص: ٢٨١).
(٢) انظر «المختصر» للمُزَني (الفقرة: ٢١٨٨).
стр. 218
والضرب الثاني: أن يمنع أصول مذهبه من حملها على اختلاف حالين، فيحمل على اختلاف قولين، ولا يحمل على اختلاف حالين، وهنا ينظر في وسائل الترجيح التي ذكرناها، ويزيد هذا الفصل عليها بالترجيح باعتبار موضع التقرير، قال النووي: «ومما ينبغي أن يرجح به أحد القولين، وقد أشار الأصحاب إلى الترجيح به، أن يكون الشافعي ذكره في بابه ومظنته، وذكر الآخر في غير بابه، بأن جرى بحث وكلام جرّ إلى ذكره، فالذي ذكره في بابه أقوى؛ لأنه أتى به مقصودًا، وقرَّره في موضعه بعد فكر طويل، بخلاف ما ذكره في غير بابه استطرادًا، فلا يعتني به اعتناءه بالأول، وقد صرَّح أصحابنا بمثل هذا الترجيح في مواضع لا تنحصر» (١).
والضرب الثالث: أن تتقابل أصول مذهبه في أمرين، فمن أصحابه من غلب حمله على اختلاف حالين، ومن أصحابه من غلب حكمه على اختلاف قولين، والأول أولى؛ لأن ما أمكن حمله على الوفاق كان أولى من حمله على الخلاف (٢).
_________
(١) انظر «المجموع» للنووي (١/ ١١٢).
(٢) انظر «القواطع» للسمعاني (٥/ ٦٧).
стр. 219
الفصل السادس: اختلاف قوله باختلاف الرواة عنه
فيروي المُزَني غير ما يرويه الربيع والبُوَيْطي وحَرْمَلَة من رواة الجديد، أو يروي الزعفراني غير ما يرويه أبو ثور من رواة القديم، والأصل في الرواة الثقة والقبول في النقل عن الشافعي، ومقتضاه أن يقبل الرواية عن الشافعي مطلقًا وحمله على اختلاف قوله، لكن ذلك ليس على إطلاقه؛ لأنه يعارضه أصل اتحاد قول المجتهد الواحد، وإمكان وَهْم الراوي الثقة في بعض مَرْوِيِّه، ومن هنا ذهب الأصحاب مذهبين في التعامل مع اختلاف الرواة:
المذهب الأول وهو الغالب: قبول الرواية وتخريج المسألة على القولين أو الأقوال، ثم يذهب بها مذهب اختلاف قول الشافعي باختلاف الكتب، فقد يرجحون وقد يجمعون بالتأويل والحمل على اختلاف الحالين.
المذهب الثاني: قبول الأصحِّ الأضبط من الرواة وتوهيم من خالفه، ومن ثم تخريج المسألة على قول واحد، وهذا على وَفْق منهج المحدثين في اختلاف رواة الأحاديث.
стр. 220
والحاكم على أيِّ الناقلين أولى بالحق في المسألة المعيَّنة ثلاثة أمور حسبما ظهر لي من تصرُّف الأصحاب:
أولها - طبقة الراوي في معرفة فقه الإمام وضبطه، فقد ذكرنا أن الزعفراني أثبت رواة القديم، وذكر ابن الصلاح نقلًا عن الخطابي أن ما رواه المُزَني والربيع المرادي مقدم عند أصحابنا على ما رواه حرملة والربيع الجيزي وأشباههما ممن لم يكن قوي الأخذ عن الشافعي (١)، وزاد النووي مع المُزَني والربيع ذكر البُوَيْطي، قال: «ألحقته أنا لكونه أجل من الربيع المرادي والمُزَني، وكتابه مشهور، فيحتاج إلى ذكره» (٢).
وثانيها - الغرابة والتفرُّد بالنقل، وذلك بألا يوجد الرأي المنقول إلا عند الراوي المعين.
وثالثها - مخالفة قياس المذهب وأصوله، بحيث يغلب على الظن احتمال خطأ الناقل، ومع ذلك قلما يتفقون عليه.
ومن أمثلته: نقل المُزَني عن الشافعي أن المولى إذا حُبس لم تحسب عليه المدة زمانَ حبسه وإن مرض حسب عليه زمان مرضه (٣)، ونصّ الشافعي في كتبه جازم بأن مدة حبس الزوج محسوبةٌ مثل زمان المرض، وإنما ذكر منع الاحتساب فيما إذا حبست هي، لا في حبسه، فسقط التاء عن الناقل ومنه سرى الوهم، قال إمام الحرمين: «ولم يصر أحدٌ من الأصحاب إلى تصديق المُزَني في نقل نصِّ الحبس ونصِّ المرض على مناقضته والمصيرِ إلى إجراء القولين بالنقل والتخريج، ولو قال قائل بذلك
_________
(١) انظر «أدب المفتي والمستفتي» لابن الصلاح (ص: ٨٩)، و «معالم السنن» للخطَّابي (١/ ٤).
(٢) انظر «المجموع» للنووي (١/ ١١١).
(٣) انظر «المختصَر» للمُزَني (الفقرة: ٢٤٢٥).
стр. 221
لكان قريبًا، ولكن التعويل على النقل» (١)، كذا قال، وقد ذكر الرافعي بعض من ذهب إلى تصديق المُزَني (٢).
_________
(١) انظر «النهاية» لإمام الحرمين (١٤/ ٤٤٩).
(٢) انظر «العزيز» للرافعي (١٥/ ٤٠٠).
стр. 222
الفصل السابع: اختلاف قوله في النظائر (١)
فيذكر قولين مختلفين في مسألتين متشابهتين، فيذكر أحد القولين في إحدى المسألتين، ويذكر القول الآخر في المسألة الثانية، فيجب النظر في الفرق بين المسألتين، والأصحاب يختلفون في مثل هذا على ثلاث طرق:
أولها وأولاها: تقرير النَّصَّين في موضعهما وإيجاد فرق بين المسألتين.
وهذا أصحُّ الطرق إن وجد ما يصلح فارقًا بلا تكلف، وهو ظاهر صنيع الشافعي؛ فإن اختلاف قوله في المسألتين دليل على افتراق ما بينهما، وعلى هذا يمتنع أن يكون قوله في واحدة من المسألتين إلا ما نصّ عليه فيها، سواء ذكر الفرق أو لم يذكر، وتخريجها على قولين خطأ.
المذهب الثاني: الاستشهاد بنصّ على نصّ وطرد القولين وجعلهما بمثابة اختلاف قوله باختلاف الكتب.
_________
(١) انظر القسم التاسع في «القواطع» (٥/ ٧٤)، والقسم الأول في «مناقب الشافعي» للفخر الرازي (ص: ١٨٦).
стр. 223
وهذه طريقة المُزَني، ومن أمثلته: نصّ الشافعي على أنه إذا وقع في المغنم من يَعْتِق على بعض الغانمين إذا ملكه بحكم القرابة فلا نحكم بعتقه عليه قبل القسمة، ونصّ على أن الغانم إذا وطئ جارية المغنم ثبت الاستيلاد، فمن أصحابنا من نقل جواب مسألة العتق إلى الاستيلاد ومسألة الاستيلاد إلى العتق وخرَّجهما على قولين، ومن أصحابنا من أقرَّ النصَّين وفرَّق بين الاستيلاد ونفوذ العتق بحكم القرابة، فقال: الاستيلاد أقوى، ولذلك ينفذ في محل امتناع العتق؛ فإن الأب إذا استولد جارية الابن ثبت الاستيلاد، ولو ملك الابن من يعتق على الأب لم يَعتِق على الابن، وهذا المذهب، قال إمام الحرمين: «واختيار المُزَني أن الجارية لا تصير أم ولد، واحتج بعدم عتق القريب أخذًا من النصّ، وهو لا يرى النقلَ والتخريجَ، ويستشهد بالنصِّ على النصِّ» (١).
ومن أمثلته: نصّ الشافعي في الرجل يقول لابنه: «لست بابني» أنه ليس بقاذف لأمه حتى يسأل، ونصّ في الرجل يقول لابن ملاعنة: «لست بابن فلان» أنه قاذف، واختلف أصحابنا في قول الزوج وقول الأجنبي على طريقين: فمنهم من قال: فيهما قولان نقلًا وتخريجًا: أحدهما - أن اللفظ صريح في القذف، ووجهه جريانُ العرف على الاطِّراد بإرادة القذف بهذا اللفظ، والقول الثاني - أن هذا اللفظ ليس بصريح؛ فإنه ليس فيه تعرُّض للزنا ولا لغيره، وهذا هو الأقيس، ومن أصحابنا من أقرَّ النصين قرارَهما وقال: إن كان القائل أبًا فهذا محتمل منه بتأويل تأديب الابن والتنديد عليه، وإن كان القائل أجنبيًّا ولم يكن أبًا فالمحمل الأظهر - وليس الأجنبي في محل التأديب - القذفُ الصريح، وهذا الطريق هو المذهب، قال إمام
_________
(١) انظر «النهاية» لإمام الحرمين (١٧/ ٥٢٢)، وانظر «المختصَر» للمُزَني (الفقرة: ٣٣٦٣).
стр. 224
الحرمين: «واختيار المُزَني طرد القولين، وهذه عادته؛ فإنه يتشوف إلى تخريج القولين مهما اشتمل الكلام على نوعٍ من التردُّد» (١).
المذهب الثالث: النقل والتخريج.
قال الرافعي: «إذا ورد نصَّان عن صاحب المذهب مختلفان، في صورتين متشابهتين، ولم يظهر بينهما ما يصلح فارقًا .. فالأصحاب يخرجون نصّه في كل واحدة من الصورتين في الصورة الأخرى؛ لاشتراكهما في المعنى، فيحصل في كل واحدة من الصورتين قولان، منصوص ومخرج، المنصوص في هذه هو المخرج في تلك، والمنصوص في تلك هو المخرج في هذه»، فيقولون: «فيهما قولان بالنقل والتخريج»، أي: «نُقِلَ المنصوصُ في هذه الصورة إلى تلك وخُرِّجَ فيها، وكذلك بالعكس»، قال: «ويجوز أن يراد بـ (النقل): الرواية، ويكون المعنى: في كل واحدة من الصورتين قول منقول، أي: مروي عنه، وآخر مخرج» (٢).
ثم الكلام في النقل والتخريج حول أمور ثلاثة: بيان شرطه، وبيان نسبته، والترجيح بينه وبين القول المنصوص.
فأما بيان شرطه .. فقال ابن الصلاح: «وشرط التخريج المذكور عند اختلاف النصين ألا يجد بين المسألتين فارقًا، ولا حاجة في مثل ذلك إلى علة جامعة، وهو من قبيل إلحاق الأَمَة بالعبد في قوله ﷺ : (من أعتق شركًا له في عبد قوم عليه)، ومهما أمكنه الفرق بين المسألتين لم يَجُز له على الأصح التخريج، ولزمه تقرير النصين على ظاهرهما معتمدًا على الفارق،
_________
(١) انظر «النهاية» (١٥/ ٧٣)، وانظر «المختصَر» للمُزَني (الفقرة: ٢٥٦٩).
(٢) انظر «العزيز» (١/ ٥٩٨).
стр. 225
وكثيرًا ما يختلفون في القول بالتخريج في مثل ذلك لاختلافهم في إمكان الفرق» (١).
قال الرافعي: «ثم الغالب في مثل ذلك عدم إطباق الأصحاب على هذا التصرف، بل ينقسمون إلى فريقين: منهم من يقول به، ومنهم من يأبى ويستخرج فارقًا بين الصورتين يستند إليه افتراق النصَّين» (٢).
وأما بيان نسبته .. فذكر الشيخ أبو إسحاق أنه إذا نصَّ الإمام في واقعة على حكم، وفي أخرى شبهها على خلافه لا يجوز نقل قوله من إحداهما إلى الأخرى وتخريجهما على قولين، وأن ما يقتضيه قوله لا يجعل قولًا له، إلا إذا لم يحتمل كقوله: «ثبتت الشفعة في الشقص من الدار»، فيقال: قوله في الحانوت كذلك، ومقتضى ذلك أن القول المخرج لا ينسب إلى الشافعي إلا إذا كان من باب نفي الفارق (٣)، قال الرافعي: «والمعروف في المذهب خلاف ما قاله، لكن الأولى أن يقال: (إنه قياس أصله)، أو: (قياس قوله)، ولا يقال: (هو قوله)» (٤).
قلت: كأن الرافعي فهم من كلام الشيرازي منع التخريج مطلقًا، وليس ذلك بمراده، وإنما أراد إنكار إطلاق النسبة إلى الشافعي كما أشار إليه ابن الصلاح (٥)، وليس المعروف في المذهب خلاف ذلك كما قال الرافعي، بل إن ما قاله الشيرازي هو الأصحُّ كما نصَّ عليه النووي والسُّبْكي (٦)، وهو
_________
(١) انظر «أدب المفتي والمستفتي» (ص: ٤٥)، ونحوه في «المجموع» للنووي (١/ ٧٧).
(٢) انظر «العزيز» (١/ ٥٩٨).
(٣) انظر «شرح اللمع» (٢/ ١٠٨٢).
(٤) انظر «الروضة» للنووي (١١/ ١٠٢).
(٥) انظر «أدب المفتي والمستفتي» لابن الصلاح (ص: ٤٤).
(٦) انظر «المجموع» للنووي (١/ ١٠٧)، و «تشنيف المسامع» للزركشي (٣/ ٦٧٢).
стр. 226
طريقة المُزَني في «المختصَر» إذا خرج على أصل الشافعي، والله أعلم.
وأما الترجيح بين القول المنصوص والمخرج .. فقال ابن الصلاح: «الظاهر أن الذي نصّ عليه منهما يقدم، كما يقدم ما رجّحه من القولين المنصوصين على الآخر؛ لأنه أقوى نسبة إليه منه، إلا إذا كان القول المخرج مخرجًا من نصّ آخر لتعذّر الفارق» (١)، وقال: «وإذا اختار أحدهم القول المخرج على القول المنصوص، أو اختار من القولين اللَّذَيْن رجح الشافعي أحدهما غير ما رجحه .. فهو من قبيل اختيار أحدهم مذهب غير الشافعي إذا أدَّاه اجتهاده إليه» (٢).
وسأتكلم عن التخريج ووجوهه في باب خاص به.
_________
(١) انظر «أدب المفتي والمستفتي» لابن الصلاح (ص: ٨٧) ونحوه في «المجموع» للنووي (١/ ١١١).
(٢) انظر «أدب المفتي والمستفتي» لابن الصلاح (ص: ٩٠)، ونحوه في «المجموع» للنووي (١/ ١١٠).
стр. 227
باب التخريج واختلاف الوجهين
ونذكر فيه: تعريف التخريج ووجوهه، ونسبة تخريجات الأصحاب إلى الإمام الشافعي أو إلى المذهب، ووجوه اختلاف الأصحاب في التخريج، وذكر اجتهادات الأصحاب المفردة.
تعريف التخريج ووجوهه
التخريج: استنباط حكم ما لا نصَّ للإمام فيه بإلحاقه بمنصوصه أو قواعده أو أصوله (١).
فتبيَّن أن التخريج باعتبار أصله ثلاثة أوجه جامعة تتفرَّع إلى خمس مراتب (٢):
الوجه الأول: التخريج على نصوص الإمام في المسائل المعيَّنة، وهو على مرتبين:
أولهما: أن يخرج من نصّ معيَّن في مسألة معيَّنة إلى مثلها المساوية لها، من غير فرق ولا نصّ يعارضه، قال الشيخ تقي الدين السُّبْكي: «وهذا أقوى ما يكون من التخريج» (٣).
وثانيهما: أن يخرج من نصّ معيَّن في مسألة معيَّنة وله في نظيرها نصّ يخالفه، فيكون ما نصَّ عليه قولًا منصوصًا، وما استخرجه قولًا مخرجًا، ويقول: «قولان بالنقل والتخريج»، وشرطه ألا يجد بين المسألتين فارقًا، ومهما أمكنه الفرق بين المسألتين لم يجز له التخريج، ومن الأصحاب من
_________
(١) هذا التعريف استنبطته من كلام كل من ابن الصلاح في «أدب المفتي والمستفتي» (ص: ٤٢)، والنووي في مقدمة «المجموع» (١/ ١٠٧).
(٢) أخذت هذه التفريعات من كلام الشيخ تقي الدين السُّبْكي في «قضاء الأرب» (ص: ٤١٠ - ٤١٤).
(٣) انظر «قضاء الأرب» للشيخ تقي الدين السُّبْكي (ص: ٤١١).
стр. 228
يتكلف فرقًا في جميع الأحوال، قال الشيخ السُّبْكي: «وهذه رتبة ثانية في التخريج» (١)، قلت: تكلمنا عليها في أواخر الباب الأول.
الوجه الثاني من وجوه التخريج: التخريج من قواعد الإمام الفقهية، بألا يكون للإمام نصّ معيَّن في مسألة معيَّنة، ولكن تكون له قواعد مذهبية ونصوص مختلفة في مسائل يؤخذ منها قاعدة كلية تدل على حكم في مسألة لم يوجد فيها له نصّ، قال الشيخ السُّبْكي: «وهذه رتبة ثالثة، وقد تكون أقوى من الثانية إذا ظهر الفرق في الثانية ولم يظهر في هذه، وهو يزاحم الأولى، وقد يربو عليها؛ لأن الأولى من مسألة واحدة، وهذه من مسائل شتَّى، فقد يكون باجتماعها يقوى على ما يؤخذ من تلك الواحدة» (٢).
ومن أمثلة القواعد التي لها أثر بارز في الأبواب الفقهية: اليقين لا يزول إلا باليقين (ف: ٢٣٥٩، و ١٠٧٦)، الرخصة لا تكون لعاصٍ (ف: ٣٨٨)، التأقيت لا يدرك إلى بخبر (ف: ٣٠٣، و ٢٤٢٠)، كل من أفسد شيئًا ضمن قيمة ما أفسد خطأً أو عمدًا (ف: ٢٧٢٣)، وقاعدة تفريق الصفقة (ب ١٣٢)، وقاعدة عود الحنث (ف: ٢٧٦٩)، وهناك كتب مؤلفة في شرح القواعد الفقهية عند الشافعي يسهل مراجعتها.
الوجه الثالث: التخريج على قاعدة الإمام في أصول الفقه، إذا لم يجد المخرج شيئًا من نصوص الإمام وقواعده الفقهية، ثم هو باعتبار أصوله على مرتبتين:
أولهما: أن يجد دليلًا شرعيًّا جاريًا على أصل من أصول الشافعي الذي قرَّره في أصول الفقه نصًّا، فيخرج الفرع على أصل منصوص
_________
(١) انظر «قضاء الأرب» للشيخ تقي الدين السُّبْكي (ص: ٤١١).
(٢) انظر «قضاء الأرب» للشيخ تقي الدين السُّبْكي (ص: ٤١٢).
стр. 229
للإمام، قال الشيخ السُّبْكي: «وهذه رتبة رابعة» (١).
وثانيهما: أن يجد دليلًا شرعيًّا جاريًا على أصل من جنس ما يقول به الشافعي، وإن لم يكن له نصّ في ذلك الأصل، فيخرج الفرع على أصل مخرج من نصوص الشافعي في الفروع المختلفة، قال الشيخ السُّبْكي: «وهذه رتبة خامسة» (٢).
وإطلاق القول بالتخريج على أصول الشافعي بعيد عن حقيقة التخريج، لأن أغلب أصول الفقه قطعية وعامة بين المذاهب الفقهية لا خصوصية للشافعي بها، والذي يظهر لي - والله أعلم - أن المقصود بأصول الشافعي بعض الجزئيات الأصولية التي تدخل تحت الكليات القطعية، وعلى سبيل المثال:
من الأصول القطعية في الأصول حجية العموم، وأن الخاص مقدم عليه في حال التعارض، ولكن اختلفوا في تقديم القياس على الخاص على العموم، والشافعي يرى تقديم العموم على القياس على الخاص، فهذا من أصوله (ف: ١٠٠٩).
ومن الأصول القطعية الاحتجاج بكل من المطلق والمقيَّد، وأن المقيَّد مقدَّم على المطلق في حال اتحاد الحكم والسبب، لكن اختلفوا في حال اختلاف السبب، وأصل الشافعي الحمل (ف: ٢٤٧١).
ومن الأصول القطعية قبول خبر الواحد الثقة، واختلفوا في قبول زيادته التي تفرَّد بها عمَّن شاركه في أصل الحديث، وذهب المُزَني إلى أن أصل الشافعي القبول (ف: ١٥٩).
_________
(١) انظر «قضاء الأرب» للشيخ تقي الدين السُّبْكي (ص: ٤١٢).
(٢) انظر «قضاء الأرب» للشيخ تقي الدين السُّبْكي (ص: ٤١٢).
стр. 230
هذه أمثلة الأصول التي تعتمد في التخريج كما ظهر لي، وهذه جملة وجوه التخريج، وقد جمعت أصولها في التعريف، وإذ فهمنا حقيقة التخريج ووجوهه فلا يخفى سعة أسباب اختلاف الأصحاب فيه، فما هي نسبة هذه التخريجات إلى الإمام الشافعي أو مذهبه؟ وما وجوه الاختلاف فيها؟ أقول:
نسبة تخريجات الأصحاب إلى الإمام الشافعي
أمَّا نسبة تخريجات الأصحاب إلى الإمام الشافعي .. فالمرجع فيه إلى النظر في قرب التخريج من نصّ الإمام وبعده، واصطلحوا في بيانه على التفريق بين قسمين منها:
القسم الأول: الأقوال المخرجة، وهي تخريجات الأصحاب على نصوص الإمام في المسائل الجزئية، فيخرجون في المسألة قولًا مخرجًا، أو قولين مخرجين، وقد يكون للإمام في المسألة قول منصوص فيخرجون له آخر مخرجًا، ولا يصح ما قد يُفهم من كلام ابن الصلاح من تخصيص مصطلح «القول المخرج» بصورة النقل والتخريج فقط (١)، فذكر القولين كلاهما مخرج منتشر في كتب الفقه لا مجال لإنكاره.
ثم في نسبة هذا إلى الإمام الخلاف السابق في مسألة النقل والتخريج، وقد بيَّنَّا أن الأصحَّ قول الشيخ أبي إسحاق الشِّيرازي بعدم نسبته إلا مقيدًا، وقال الشيخ السُّبْكي: «لا ينبغي أن يقال: (قال الشافعي) إلا لما وجد منصوصًا له» (٢).
_________
(١) انظر كلام ابن الصلاح في «أدب المفتي والمستفتي» (ص: ٤٥) حيث شرط لإطلاق القول المخرج وجود نصّ بخلافه.
(٢) انظر «قضاء الأرب» للتقي السُّبْكي (ص: ٤١٤).
следующие страницы →