← Фикх шафии

Фикх шафии · id 914

مختصر المزني - ت الداغستاني

المزني

Полный текст (1 788 стр.). Показаны 1648–1687 · переход к 1653.

стр. 1648

فَرَسًا كَفِيًّا للفَرَسَيْن، لا يَأمَنان أن يَسْبِقَهما، ويُخْرِجُ كُلُّ واحِدٍ منهما ما تَراضَيا عليه، يَتَواضَعانه على يَدَيْ رَجُلٍ يَثِقان به أو يَضْمَنانِه، ويَجْرِي بينهما المحَلِّلُ، فإنْ سَبَقَهما كان السَّبَقَان له، وإن سَبَقَ أحَدُهما المحَلِّلَ أحْرَزَ مالَه وأخَذَ سَبَقَ صاحِبِه، وإنْ أتَيا مُسْتَوِيَيْن لم يَسْبِقْ أحَدُهما صاحِبَه (١)، وأقَلُّ السَّبْقِ أن يَسْبِقَ بالهادِي أو بَعْضِه، أو الكَتِدِ أو بَعْضِه، وسَواءٌ لو كانُوا مائَةً وأدْخَلُوا بينهم مُحَلِّلًا فكذلك. والثالث: أن يَسْبِقَ أحَدُهما صاحِبَه، فإنْ سَبَقَه صاحِبُه أخَذَ السَّبَقَ، وإنْ سَبَقَ صاحِبَه أحْرَزَ سَبَقَه. (٣٥١٢) ولا يَجُوزُ السَّبْقُ إلّا أن تكُونَ الغايَةُ التي يَجْرِيان منها ويَنْتَهِيَان إليها واحِدَةً. (٣٥١٣) والنِّضالُ فيما بَيْنَ الرُّماة كذلك في السَّبَقِ والعِلَلِ، يَجُوزُ في كُلِّ واحِدٍ منهما ما يَجُوزُ في الآخَرِ، ثُمّ يَتَفَرَّعان، فإذا اخْتَلَفَتْ عِلَلُهما اخْتَلَفا (٢). (٣٥١٤) فإذا سَبَّقَ أحَدُهما قَرَعًا مَعْلُومًا .. فجائزٌ أن يَشْتَرِطا مُحَاطَّةً أو مُبَادَرَةً (٣).

стр. 1649

(٣٥١٥) فإن اشْتَرَطا مُحَاطَّةً .. فكُلَّما أصابَ أحَدُهما وأصابَ الآخَرُ بمِثْلِه أسْقَطَا العَدَدَيْن، ولا شَيْءَ لواحِدٍ منهما، ويَسْتَأنِفان، وإنْ أصَابَ أقَلَّ مِنْ صاحِبِه حُطَّ مِثْلُه، حتّى يَخْلُصَ له فَضْلُ العَدَدِ الذي شُرِطَ، فيَنْضُلَه به، ويَسْتَحِقَّ سَبَقَه، يَكُونُ مِلْكًا له، يُقْضَى به عليه كالدَّيْن يَلْزَمُه، إنْ شاء أطْعَمَه أصْحابَه (١)، وإنْ شاء تَمَوَّلَه، وإنْ أخَذَ به رَهْنًا أو ضَمِينًا فجائزٌ. (٣٥١٦) ولا يَجُوزُ السَّبَقُ إلّا مَعْلُومًا كما يَجُوزُ في البُيُوعِ. (٣٥١٧) ولو اشْتَرَطَ أن يُطْعِمَ أصْحابَه كان فاسِدًا. (٣٥١٨) وقد رَأيْتُ مِنْ الرُّماةِ مَنْ يَقُولُ: صاحِبُ السَّبَقِ أوْلَى أن يَبْدَأ، والمسَبِّقُ لهما يُبْدِئ أيَّهما شاءَ، قال الشافعي: ولا يَجُوزُ في القِياسِ عندي إلّا أن يَتَشارَطا. (٣٥١٩) وأيُّهما بَدَأ مِنْ وَجْهٍ بَدَأ صاحِبُه مِنْ الآخَرِ. (٣٥٢٠) ويَرْمِي البادِئ بسَهْمٍ ثُمّ الآخَرُ بسَهْمٍ حتّى يُنْفِدا نَبْلَهما. (٣٥٢١) وإذا أغْرَقَ أحَدُهما وخَرَجَ السَّهْمُ مِنْ يَدِه فلم يَبْلُغ الغَرَضَ (٢) .. كان له أن يَعُودَ به مِنْ قِبَلِ العارِضِ، وكذلك لو انْقَطَعَ وَتَرُه، أو انْكَسَرَتْ قَوْسُه فلم يَبْلُغ الغَرَضَ، أو عَرَضَ دونه دابَّةٌ أو إنْسانٌ فأصَابَه، أو عَرَضَ له

стр. 1650

في يَدِهِ ما لا يَمُرُّ السَّهْمُ معه .. كان له أن يَعُودَ به، فأمّا إنْ جاز السَّهْمُ وأجاز مِنْ وَراءِ النّاسِ فهذا سُوءُ رَمْيٍ، ليس بعارِضٍ غَلَبَ عليه، فلا يُرَدُّ إليه. (٣٥٢٢) وإذا كان رَمْيُهما مُبادَرَةً، فبَلَغَ تِسْعَةَ عَشَرَ مِنْ عِشْرِين .. رَمَى صاحِبُه بالسَّهْمِ الذي يُراسِلُه، ثُمّ رَمَى البادِئ، فإنْ أصابَ بسَهْمِه ذلك فَلَجَ عليه، وإن لم يَرْمِ الآخَرُ بالسَّهْمِ؛ لأنِ المبادَرَةَ أن يَفُوتَ أحَدُهما الآخَرَ، وليْسَ كالمحاطَّةِ. قال المزني: هذا عندي غَلَطٌ، لا يَنْضُلُه حتّى يَرْمِيَ صاحِبُه بمِثْلِه (١). (٣٥٢٣) قال الشافعي: وإذا تَشارَطا الخَواسِقَ لم يُحْسَبْ خاسِقًا حتّى يَخْزِقَ الجِلْدَ فيَتَعَلَّقَ بنَصْلِه، ولو تَشارَطا المصِيبَ، فمَن أصاب الشَّنَّ ولم يَخْرِقْه حُسِبَ له؛ لأنّه مُصِيبٌ (٢).

стр. 1651

(٣٥٢٤) وإذا اشْتَرَطا الخَواسِقَ والشَّنُّ مُلْصَقٌ بالهدَفِ، فأصاب ثُمّ رَجَعَ، فزَعَمَ الرّامِي أنّه خَسَقَ ثُمّ رَجَعَ لِغِلَظٍ لَقِيَه مِنْ حَصاةٍ أو غَيْرِها، وزَعَمَ المصابُ عليه أنّه لم يَخْسِقْ، وأنّه إنّما قَرَعَ ثُمّ رَجَعَ .. فالقَوْلُ قَوْلُه مع يَمِينِه، إلّا أن تَقُومَ بَيِّنَةٌ، فيُؤخَذُ بها. (٣٥٢٥) وإنْ كان الشَّنُّ بالِيًا، فأصابَ مَوْضِعَ الخَرْقِ، فغابَ في الهدَفِ .. فهو مُصِيبٌ. (٣٥٢٦) وإنْ أصابَ طَرَفَ الشَّنِّ فخَرَقَه .. ففيها قولان: أحَدُهما - أنّه لا يُحْسَبُ له خاسِقًا، إلّا أن يَكُونَ بَقِيَ عليه مِنْ الشَّنِّ طُفْيَةٌ أو خَيْطٌ أو جِلْدٌ أو شَيْءٌ مِنْ الشَّنِّ يُحِيطُ بالسَّهْمِ (١)، فيُسَمَّى بذلك: خاسِقًا، وقَلِيلُ ثُبُوتِه وكَثِيرُه سَواءٌ، ولا يَعْرِفُ النّاسُ إذا وَجَّهُوا بأن يُقالَ: «خاسِقٌ» إلّا ما أحاطَ به المخْسُوقُ فيه، ويقالُ للآخَرِ: «خارِمٌ»، لا «خاسِقٌ»، والقَوْلُ الآخَرُ - أن يَكُونَ الخاسِقُ قد يَقَعُ بالاسْمِ على ما أوْهَى الصَّحِيحَ فخَزَقَه،

стр. 1652

فإذا خَزَقَ منه شَيْئًا قَلَّ أو كَثُرَ ببَعْضِ السَّهْمِ سُمِّيَ: خاسِقًا؛ لأنّ الخَسْقَ الثَّقْبُ، وهذا قد ثَقَبَ وإنْ خَرَمَ (١). (٣٥٢٧) وإذا وَقَعَ في خَرْقٍ وثَبَتَ في الهدَفِ كان خاسِقًا، والشَّنُّ أضْعَفُ مِنْ الهدَفِ. (٣٥٢٨) ولو كان الشَّنُّ مَنْصُوبًا، فمَرَقَ منه .. كان عندي خاسِقًا، ومِن الرُّماةِ مَنْ لا يَحْسِبُه إذا لم يَثْبُتْ فيه (٢). (٣٥٢٩) وإنْ أصابَ بالقِدْحِ .. لم يُحْسَبْ إلّا ما أصابَ بالنَّصْلِ. (٣٥٣٠) ولو أرْسَلَه مُفارِقًا للشَّنِّ فهَبَّتْ رِيحٌ فصَرَفَتْه، أو مُقَصِّرًا فأسْرَعَتْ به، فأصابَ .. حُسِبَ مُصِيبًا، ولا حُكْمَ للرِّيحِ. (٣٥٣١) ولو كان دُونَ الشَّنِّ شَيْءٌ فهَتَكَه السَّهْمُ ثُمّ مَرَّ بحَمْوَتِه حتّى يُصِيبَ .. كان مُصِيبًا. (٣٥٣٢) ولو أصابَ الشَّنَّ ثُمّ سَقَطَ بعد ثُبُوتِه .. حُسِبَ، وهذا كنَزْعِ إنْسانٍ إيّاه. (٣٥٣٣) قال: ولا بَأسَ أن يُناضِلَ أهْلُ النُّشَّابِ أهْلَ العَرَبِيَّةِ وأهْلَ الحُسْبانِ؛ لأنّ كُلَّها نَصْلٌ، وكذلك القِسِيُّ الدُّودَانِيَّةُ (٣) والهنْدِيَّةُ، وكُلُّ

стр. 1653

قَوْسٍ يُرْمَى عنها بسَهْمٍ ذِي نَصْلٍ. (٣٥٣٤) ولا يَجُوزُ أن يَنْتَضِلَ رجلان وفي يَدِ أحَدِهما مِنْ النَّبْلِ أكْثَرُ ممّا في يَدَي الآخَرِ، ولا على أن يُحْسَبَ خاسِقُه خاسِقَيْن والآخَرُ خاسِقٌ، ولا على أنّ لأحَدِهما خاسِقًا راتِبًا لم يَرْمِ به يُحْسَبُ مع خَواسِقِه، ولا على أن يَطْرَحَ مِنْ خَواسِقِه خاسِقًا، ولا على أنّ خاسِقَ أحَدِهما خاسِقان، ولا أنّ أحَدَهما يَرْمِي مِنْ غَرَضٍ، والآخَرَ مِنْ أقْرَبَ منه، إلّا في غَرَضٍ واحِدٍ وعَدَدٍ واحِدٍ، ولا على أن يَرْمِيَ بقَوْسٍ أو نَبْلٍ بأعْيانِها إنْ تَغَيَّرَتْ لم يُبَدِّلْها. (٣٥٣٥) ومِن الرُّماةِ مَنْ زَعَمَ أنّهما إذا سَمَّيَا قَرَعًا يَسْتَبِقان إليه، فصارا على السَّواءِ أو بينهما زِيادَةُ سَهْمٍ، كان للمُسَبِّق أن يَزِيدَ في عَدَدِ القَرَعِ ما شاء، ومِنهم مَنْ زَعَمَ أنّه ليْسَ له أن يَزِيدَ في عَدَدِ القَرَعِ ما لم يَكُونا سَواءً، ومنهم مَنْ زَعَمَ أنّه ليْسَ له أن يَزِيدَ بغَيْرِ رِضا المسَبَّقِ (١). قال المزني: هذا أشْبَه بقَوْلِه؛ كما لم يَكُنْ سِباقُهما في الخَيْلِ ولا في الرَّمْيِ في الابتداءِ إلّا باجْتِماعِهما على غايَةٍ واحِدَةٍ، فكذلك في القِياسِ لا يَجُوزُ لأحَدِهما أن يَزِيدَ إلّا باجْتِماعِهما على زِيادَةٍ واحِدَةٍ، وبالله التوفيق (٢).

стр. 1654

(٣٥٣٦) قال الشافعي: ولا يَجُوزُ أن يَقُولَ أحَدُهما لصاحِبِه: إنْ أصَبْتُ بهذا السَّهْمِ فقد نَضَلْتُكَ، إلّا أن يَجْعَلَ رَجُلٌ له سَبَقًا إنْ أصاب به. (٣٥٣٧) ولو قال: ارْمِ عَشرَةَ أرْشاقٍ، فإن كان صَوابُك أكْثَرَ فلَكَ كذا .. لم يَجُزْ أن يُناضِلَ نَفْسَه (١). (٣٥٣٨) وإذا رَمَى بسَهْمٍ فانْكَسَرَ .. فإنْ أصابَ بالنَّصْلِ كان له خاسِقًا، وإنْ أصابَ بالقِدْحِ لم يَكُنْ خاسِقًا، ولو انْقَطَعَ باثْنَيْن فأصابَ بهما جميعًا حُسِبَ الذي فيه النَّصْلُ. (٣٥٣٩) وإن كان في الشَّنِّ نَبْلٌ، فأصابَ سَهْمٌ (٢) فَوْقَ سَهْمٍ في الشَّنِّ .. لم يُحْسَبْ، ورُدَّ عليه فرَمَى به؛ لأنّه عارِضٌ دُونَ الشَّنِّ. (٣٥٤٠) وإذا أرادَ المسَبِّقُ أن يَجْلِسَ فلا يَرْمِيَ، وللمُسَبِّقِ فَضْلٌ،

стр. 1655

أو لا فَضْلَ له .. فسَواءٌ، قد يَكُونُ له الفَضْلُ ويُنْضَلُ، ويَكُونُ عليه الفَضْلُ ويَنْضُلُ، والرُّماةُ يَخْتَلِفُون في ذلك، فمنهم مَنْ يَجْعَلُ له أن يَجْلِسَ ما لم يُنْضَلْ، ومنهم مَنْ يَقُولُ: ليس له أن يَجْلِسَ إلّا مِنْ عُذْرٍ، وأحْسِبُه إن مَرِضَ مَرَضًا يَضُرُّ بالرَّمْيِ أو يُصِيبُ إحْدَى يَدَيْه عِلَّةٌ تَمْنَعُه مِنْ ذلك كان له أن يَجْلِسَ، ويَلْزَمُهُم أن يَقُولُوا: «إذا بَرأ بَنَى على أصْلِ الرَّمْيِ الأوَّلِ» (١). (٣٥٤١) قال: ولا يَجُوزُ أن يُسَبِّقَه على أن يُعِيدَ عليه. (٣٥٤٢) وإن سَبَّقَه على أن يَرْمِيَ بالعَرَبِيَّةِ، لم يَكُنْ له أن يَرْمِيَ بالفارِسِيَّةِ؛ لأنّ مَعْرُوفًا أنّ الصَّوابَ عن الفارِسِيَّةِ أكْثَرُ مِنْ العَرَبِيَّةِ. (٣٥٤٣) قال: وإن سَبَّقَه ولم يُسَمِّ الغَرَضَ كَرِهْتُه، فإنْ سَمَّياه كَرِهْتُ أن يَرْفَعَه أو يَخْفِضَه. (٣٥٤٤) قال: وقد أجازَ الرُّماةُ للمُسَبِّقِ أن يُرامِيَه رِشْقًا وأكْثَرَ في المائتين (٢)، ومَن أجاز هذا أجازَه في الرُّقْعَةِ وفي أكْثَرَ مِنْ ثلثمائةٍ (٣).

стр. 1656

(٣٥٤٥) ولا بَأسَ أن يَشْتَرِطَا أن يَرْمِيَا أرْشاقًا مَعْلُومَةً كُلَّ يَوْمٍ مِنْ أوَّلِه أو آخِرِه، فلا يَفْتَرِقا حتّى يَفْرُغا منها، إلّا مِنْ عُذْرِ مَرَضٍ، أو عاصِفٍ مِنْ الرِّيحِ. (٣٥٤٦) ومَن اعْتَلَّتْ أداتُه أبْدَلَ مَكانَ قَوْسِه ونَبْلِه ووَتَرِه (١). (٣٥٤٧) وإنْ طَوَّلَ أحَدُهما بالإرْسالِ الْتِماسَ أنْ تَبْرُدَ يَدُ الرّامِي أو يَنْسَى حُسْنَ صَنِيعِه في السَّهْمِ الذي رَمَى به فأصابَ أو أخْطَأ، فيُسْتَعْتَبُ مِنْ طَريقِ الخَطَأ، فقال: لم أنْوِ هذا .. لم يَكُنْ ذلك له، وقيلَ له: ارْمِ كما يَرْمِي النّاسُ، لا مُعَجَّلًا عن التَّثَبُّتِ في مَقامِك ونَزْعِكَ وإرْسالِكَ، ولا مُبْطِئًا لإدْخالِ الحَبْسِ على صاحِبِك. (٣٥٤٨) قال: ولو كان الْمُرْمِي (٢) يُطِيلُ الكَلامَ والحَبْسَ .. قيل له: لا تُطِلْ ولا تُعَجِّلْ عمّا نَفْهَمُ. (٣٥٤٩) وللمُبْدِئ (٣) أن يَقِفَ في أيّ مَقامٍ شاءَ، ثُمّ للآخَرِ مِنْ الغَرَضِ الآخَرِ أيّ مَقامٍ شاءَ. (٣٥٥٠) وإذا اقْتَسَمُوا ثلاثةً وثلاثةً فلا يَجُوزُ أن يَقْتَرِعُوا، وليَقْتَسِمُوا قَسْمًا مَعْرُوفًا. (٣٥٥١) قال: ولا يَجُوزُ أن يَقُولَ أحَدُ الرَّجُلَيْن: أخْتارُ على أنْ

стр. 1657

أَسبِقَ، ولا على أن أُسْبَقَ، ولا على أن يَقْتَرِعا فأيُّهما خَرَجَتْ قُرْعَتُه سَبَقَه صاحِبُه؛ لأنّ هذا مُخاطَرَةٌ. (٣٥٥٢) وإذا حَضَرَ الغَريبُ أهْلَ الغَرَضِ فقَسَمُوه، فقال مَنْ معه: كُنّا نُراه رامِيًا، أو مَنْ يَرْمِي عليه: كُنّا نُراه غَيْرَ رامٍ وهو مِنْ الرُّماةِ .. فحُكْمُه حُكْمُ مَنْ عَرَفُوه. (٣٥٥٣) وإذا قال لصاحِبِه: اطْرَحْ فَضْلَكَ على أن أعْطِيَك به شَيْئًا .. لم يَجُزْ، إلّا بأن يَتَفاسَخا ثُمّ يَسْتَأنِفا سَبْقًا جَديدًا. (٣٥٥٤) قال: ولو شَرَطُوا أن يَكُونَ فلانٌ مُقَدَّمًا، وفلانٌ معه، وفلانٌ ثانِيًا .. كان السَّبْقُ مَفْسُوخًا، ولكُلِّ حِزْبٍ أن يُقَدِّمُوا مَنْ شاؤوا، ويُقَدِّمَ الآخَرُون كذلك. (٣٥٥٥) وإذا كان البَدْءُ لأحَدِ المتَناضِلَيْن فبَدَأ المُبَدَّأ عليه فأصابَ أو أخْطَأ، رُدَّ ذلك السَّهْمُ عليه. (٣٥٥٦) والصَّلاةُ جائزةٌ في المضْرَبَةِ والأصابعِ (١) إذا كان جِلْدُهُما ذَكِيًّا ممّا يُؤكَلُ لَحْمُه، أو مَدْبُوغًا مِنْ جِلْدِ ما لا يُؤكَلُ لَحْمُه، ما عَدا كَلْبًا أو خِنْزِيرًا، فإنّ ذلك لا يَطْهُرُ بدِباغٍ، غَيْرَ أنّي أكْرَهُه لمعْنًى واحدٍ، أنّي آمُرُه أن يُفْضِيَ ببُطونِ كَفَّيْه إلى الأرْضِ. (٣٥٥٧) ولا بَأسَ أن يُصَلِّيَ مُتَنَكِّبًا القَوْسَ والقَرَنَ (٢)، إلّا أن يَتَحَرَّكا عليه حَرَكَةً تَشْغَلُه، فأكْرَهُه، وتُجْزِئه.

стр. 1658

[٦٣] كتاب النذور والأيمان (١) مختصر من الجامع من كتاب الأيمان والنذور (٢)، وما دخل فيهما من كتاب الصيام (٣)، ومن إملاء، ومسائل شتى سمعتها لفظًا (٤)

стр. 1659

(٣٥٥٨) قال الشافعي: مَنْ حَلَفَ بالله جل ذكره، أو باسْمٍ مِنْ أسْماءِ الله، فحَنِثَ .. فعليه الكفّارَةُ (١). (٣٥٥٩) ومَن حَلَفَ بغَيْرِ اللهِ .. فهي يَمِينٌ مَكْرُوهَةٌ، وأخْشَى أن تكُونَ مَعْصِيَةً (٢)؛ لأنّ النبيّ ﷺ سَمِعَ عُمَرَ يَحْلِفُ بأبيه، فقال: «ألا إنّ اللهَ يَنْهاكُمْ أن تَحْلِفُوا بآبائكُم»، فقال عُمَرُ: «واللهِ ما حَلَفْتُ بها بَعْدُ ذاكِرًا ولا آثِرًا» (٣). (٣٥٦٠) قال الشافعي: وأكْرَهُ الأيْمانَ على كُلِّ حالٍ (٤)، إلّا فيما كان لله طاعةً (٥).

стр. 1660

(٣٥٦١) ومَن حَلَفَ بيَمِينٍ فرَأى خَيْرًا منها (١) .. فالاخْتِيارُ أن يَأتِيَ الذِي هو خَيْرٌ ويُكَفِّرَ؛ لأمْرِ رسولِ الله ﷺ بذلك، ومَن قال: «والله لقد كان كذا»، ولم يَكُنْ .. أثِمَ وكَفَّرَ، واحْتَجَّ بقول الله : ﴿ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى﴾ [النور: ٢٢]، نَزَلَتْ في رَجُلٍ حَلَفَ لا يَنْفَعُ رَجُلًا، فأمَرَه اللهُ أن يَنْفَعَه، وبقَوْلِ الله جل ثناؤه في الظِّهارِ: ﴿وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا﴾ [المجادلة: ٢] وجَعَلَ فيه الكفّارَةَ (٢)، وبقَوْلِ رسولِ الله ﷺ : «فليَأتِ الذي هو خَيْرٌ، وليُكَفِّرْ عن يَمِينِه»، فقد أمَرَه بالحِنْثِ عامِدًا وبالتَّكْفِيرِ، ودَلَّ إجماعُهُم أنّ مَنْ حَلَقَ في الإحرامِ عَمْدًا أو خَطَأً، أو قَتَلَ صَيْدًا عَمْدًا أو خَطَأً في الكفّارَةِ سَواءٌ .. على أنّ الحالِفَ باللهِ وقاتِلَ المؤمِنِ عَمْدًا أو خَطَأً في الكفّارَةِ سَوَاءٌ. (٣٥٦٢) وإن قال: «أقْسَمْتُ بالله» .. فإنْ كان يَعْنِي: حَلَفْتُ قَدِيمًا فليْسَتْ بيَمِينٍ حادِثَةٍ، وإنْ أرادَ بها يَمِينًا فهي يَمِينٌ. (٣٥٦٣) وإن قال: «أقْسِمُ» .. فليْسَ بيَمِينٍ، وإن قال: «أقْسِمُ بالله» .. فإنْ أرادَ بها يَمِينًا فهي يَمِينٌ، وإنْ أرادَ بها مَوْعِدًا فليْسَتْ بيَمِينٍ؛ كقَوْلِه: سأحْلِفُ. قال المزني: وقال في كتاب الإيلاء: «هي يَمِينٌ» (٣).

стр. 1661

(٣٥٦٤) قال الشافعي: وإن قال: «لعَمْرُ الله» (١) .. فإن لم يُرِدْ بها يَمِينًا فليْسَتْ بيَمِينٍ. (٣٥٦٥) ولو قال: «وحَقِّ الله»، أو: «وعَظَمَةِ الله»، أو: «وجَلالِ الله»، أو: «وقُدْرَةِ الله» .. فذلك كُلُّه يَمِينٌ، نَوَى بها يَمِينًا أو لا نِيَّةَ له، وإن لم يُرِدْ بها يَمِينًا فليْسَتْ بيَمِينٍ؛ لأنّه يَحْتَمِلُ أن يَقُولَ: «وحَقُّ الله واجِبٌ، وقُدْرَةُ الله ماضِيَةٌ»، لا أنّه يَمِينٌ. (٣٥٦٦) ولو قال: «بالله»، أو: «تالله» .. فهي يَمِينٌ، نَوَى بها أو لم يَنْوِ. وقال في الإيلاء: «(تالله) يَمِينٌ»، وقال في القسامة: «ليْسَتْ بيَمِينٍ»، قال المزني: وقد حَكَى اللهُ يَمِينَ إبراهيمَ: ﴿وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين﴾ [الأنبياء: ٥٧] (٢). (٣٥٦٧) قال الشافعي: فإن قال: «أللهِ لأفْعَلَنَّ كذا» .. فهذا ابْتِداءُ كَلامٍ، لا يَمِينٌ، إلّا أن يَنْوِيَها. (٣٥٦٨) فإن قال: «أشْهَدُ بالله» .. فإن نَوَى اليَمِينَ فهي يَمِينٌ، وإن لم يَنْوِ يَمِينًا فليْسَتْ بيَمِينٍ؛ لأنّها تَحْتَمِلُ: أشْهَدُ بأمْرِ الله، ولو قال: «أشْهَدُ» يَنْوِي يَمِينًا .. لم يَكُنْ يَمِينًا.

стр. 1662

(٣٥٦٩) ولو قال: «أعْزِمُ بالله» ولا نِيَّةَ له .. لم يَكُنْ يَمِينًا؛ لأنّ مَعْناها: أعْزِمُ بقُدْرَةِ الله - أو: بعَوْنِ الله - على كذا، وإنْ أرادَ يَمِينًا فهي يَمِينٌ. (٣٥٧٠) ولو قال: «أسْألُك باللهِ - أو: أقْسِمُ عليك بالله - لتَفْعَلَنَّ» .. فإنْ أرادَ المسْتَحْلِفُ بهذا يَمِينًا فهو يَمِينٌ (١)، وإن لم يُرِدْ بها يَمِينًا فليْسَتْ بيَمِينٍ. (٣٥٧١) ولو قال: «عليَّ عَهْدُ الله ومِيثاقُه» .. فليْسَتْ بيَمِينٍ، إلّا أن يَنْوِيَ يَمِينًا؛ لأنّ لله عليه عَهْدًا أن يُؤَدِّيَ فَرائِضَه، وكذلك ميثاقُ اللهِ وأمانَتُه (٢).

стр. 1663

(٣٦٠) باب الاستثناء في الأيمان (١) (٣٥٧٢) قال الشافعي: ومَن حَلَفَ بأيِّ يَمِينٍ كانَتْ، ثُمّ قال: «إن شاء الله» مَوْصُولَةً بكَلامِه .. فقد اسْتَثْنَى. (٣٥٧٣) والوَصْلُ أن يَكُونَ كَلامُه نَسَقًا، وإنْ كانَتْ بَيْنَه سَكْتَةٌ كسَكْتَةِ الرَّجُلِ للتَّذَكُّرِ، أو العِيِّ، أو التَّنَفُّسِ (٢)، أو انْقِطاعِ الصَّوْتِ .. فهو اسْتِثْناءٌ، والقَطْعُ أن يَأخُذَ في كَلامٍ ليْسَ مِنْ اليَمِينِ مِنْ أمْرٍ أو نَهْيٍ أو غَيْرِه، أو يَسْكُتَ السُّكُوتَ الذي يَبِينُ أنّه قَطَعَ. (٣٥٧٤) ولو قال في يَمِينِه: «لأفْعَلَنَّ كذا لوَقْتٍ إلّا أن يَشاءَ فلانٌ» .. فإن شاءَ فُلانٌ لم يَحْنَثْ، وإن ماتَ أو غَبِيَ عَنّا (٣) حتّى مَضَى الوَقْتُ حَنِثَ. قال المزني: وقال خِلافَه في باب جامعِ الأيمان (٤). (٣٥٧٥) قال الشافعي: ولو قال في يَمِينِه: «لا أفْعَلُ كذا إن شاء فلانٌ (٥)»، ففَعَلَ ولم يُعْرَفْ شاءَ أو لم يَشَأ .. لم يَحْنَثْ.

стр. 1664

(٣٦١) باب لغو اليمين من هذا ومن اختلاف مالك والشافعي (٣٥٧٦) قال الشافعي: أخبرنا مالك بن أنس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنّها قالَتْ: «لَغْوُ اليَمِينِ قَوْلُ الإنسانِ: لا والله، وبلى والله». (٣٥٧٧) قال الشافعي: و «اللَّغْوُ» في لِسانِ العَرَبِ: الكلامُ غَيْرُ المعْقُودِ عليه، وجِماعُ اللَّغْوِ: هو الخَطَأ واللَّغْوُ كما قالَتْ عائشةُ والله أعلم، وذلك إذا كان اللَّجاجُ والغَضَبُ والعَجَلَةُ (١)، و «عَقْدُ اليَمِينِ»: أن يُثْبِتَها على الشَّيْءِ بعَيْنِه.

стр. 1665

(٣٦٢) باب الكفارة قبل الحنث وبعده (٣٥٧٨) قال الشافعي: مَنْ حَلَفَ على شَيْءٍ فأرادَ أن يَحْنَثَ .. فأحَبُّ إليَّ لو لم يُكَفِّرْ حتّى يَحْنَثَ، فإنْ كَفَّرَ قبل الحِنْثِ بغَيْرِ الصِّيامِ أجْزَأ، وإن صامَ لم يُجْزِه؛ لأنّا نَزْعُمُ أنّ لله على العِبادِ حَقًّا في أمْوالِهِم، وتَسَلَّفَ النبيُّ ﷺ مِنْ العبّاسِ صَدَقَةَ عامٍ قَبْلَ أن يَدْخُلَ، وأنّ المسْلِمِين قَدَّمُوا صَدَقَةَ الفِطْرِ قبل أن يَكُونَ الفِطْرُ، فجَعَلْنا الحُقُوقَ في الأمْوالِ قِياسًا على هذا، فأمّا الأعْمالُ على الأبْدانِ فلا تُجْزِئ إلّا بَعْدَ مَواقِيتِها كالصَّلاةِ والصَّوْمِ.

стр. 1666

(٣٦٣) باب من حلف بطلاق امرأته إن تزوج عليها (١) (٣٥٧٩) قال الشافعي: ومَن قال لامرأتِه: «أنْتِ طالقٌ إن تَزَوَّجْتُ عليكِ»، فطَلَّقَها واحِدَةً يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ، ثُمّ تَزَوَّجَ عليها في العِدَّةِ .. طَلَقَتْ بالحِنْثِ، وإن كانَتْ بائنًا لم يَحْنَثْ. (٣٥٨٠) وإن قال: «أنْتِ طالقٌ ثَلاثًا إن لم أتَزَوَّجْ عليكِ»، ولم يُوَقِّتْ .. فهو على الأبَدِ، لا يَحْنَثُ حتّى يَمُوتَ أو تَمُوتَ قبل أن يَتَزَوَّجَ، ولو تَزَوَّجَ عليها مَنْ يُشْبِهُها أو لا يُشْبِهُها خَرَجَ مِنْ الحِنْثِ، دَخَلَ بها أو لم يَدْخُلْ، وإن ماتَتْ لم يَرِثْها، وإن ماتَ وَرِثَتْه في قَوْلِ مَنْ يُوَرِّثُ المبْتُوتَةَ إذا وَقَعَ الطّلاقُ في المرَضِ. قال المزني: قد قَطَعَ في غير هذا الكتابِ أنّها لا تَرِثُ (٢)، وهو بالحقِّ أوْلى (٣)؛ لأنّ اللهَ جل ثناؤه وَرَّثَها منه بالمعْنَى الذي وَرَّثَه به منها، فلمّا ارْتَفَعَ ذلك المعْنَى فلم يَرِثْها لم يَجُزْ أن تَرِثَه (٤).

стр. 1667

(٣٦٤) باب الإطعام في الكفارة في البلدان كلها، ومن له أن يُطعِمَ، وغيره (٣٥٨١) قال الشافعي: ويُجْزِئ في كفّارَةِ اليَمِينِ مُدٌّ بمُدِّ النبيِّ ﷺ ، وإنّما قُلْناه لأنّ رسولَ الله ﷺ أُتِيَ بعَرَقٍ فيه تَمْرٌ، فدَفَعَه إلى رجلٍ فأمَرَه أن يُطْعِمَه ستِّينَ مِسْكِينًا، والعَرَقُ فيما يُقَدَّرُ خَمْسَةَ عَشَرَ صاعًا، وذلك سِتُّون مُدًّا، لكُلِّ مسكينٍ مُدٌّ، في كُلِّ بِلادٍ سَواءٌ. (٣٥٨٢) ولا أرَى أن يُجْزِئَ طعامٌ ولا دَراهِمُ وإن كانَتْ أكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الأمْدادِ. (٣٥٨٣) وما اقْتاتَ أهْلُ البَلَدِ مِنْ شَيْءٍ أجْزأهُم منه مُدٌّ. (٣٥٨٤) ويُجْزِئ أهْلَ البادِيَةِ مُدُّ أقِطٍ. قال المزني: أجاز الأقِطَ ههنا، ولم يُجِزْه في الفِطْرَة، قال المزني: فأرْجُو أن لا يَكُونَ به في الموْضِعَيْن بأسٌ (١). (٣٥٨٥) قال الشافعي: وإذا لم يَكُنْ لأهْلِ بَلَدٍ قُوتٌ مِنْ طَعامٍ سِوَى اللَّحْمِ، أدَّوْا مُدًّا ممّا يَقْتَاتُ أقْرَبُ البُلْدان إليهم. (٣٥٨٦) ويُعْطِي الرَّجُلُ الكفّارَةَ والزَّكاةَ مَنْ لا تَلْزَمُه النَّفَقَةُ عليه مِنْ قَرابَتِه - وهم: مَنْ عَدا الوَلَدَ والوالِدَ والزَّوْجَةَ - إذا كانُوا أهْلَ حاجَةٍ، فهُمْ أحَقُّ بها مِنْ غَيْرِهم، وإنْ كان يُنْفِقُ عليهم تَطَوُّعًا.

стр. 1668

(٣٥٨٧) ولا يُجْزِئه أن يُعْطِيَ إلّا حُرًّا، مُسْلِمًا، مُحْتاجًا، ولو عَلِمَ أنّه أعْطَى غَيْرَهم فعليه عندي أن يُعِيدَ. (٣٥٨٨) ولا يُطْعِمُ أقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ مساكِينَ، واحْتَجَّ على مَنْ قال: «إنْ أطْعَمَ مِسْكينًا واحِدًا مائةً وعشرين مُدًّا في سِتِّين يَوْمًا أجْزأه، وإنْ كان في أقَلَّ مِنْ سِتِّين لم يُجْزِه»، فقال: أراكَ جَعَلْتَ واحِدًا سِتِّين مِسْكِينًا، فقد قال الله : ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢]، فإنْ شَهِدَ اليَوْمَ شاهِدٌ بحَقٍّ، ثُمّ عاد مِنْ الغَدِ فشَهِدَ به، فقد شَهِدَ بها مَرَّتَيْن فهو كشاهِدَيْن، قال: لا يَجُوزُ؛ لأنّ الله ذَكَرَ العَدَدَ .. قيل: وكذلك ذَكَرَ اللهُ جل ذكره في المساكينِ العَدَدَ. (٣٥٨٩) قال الشافعي: ولو أطْعَمَ تِسْعَةً وكَسا واحِدًا .. لم يُجْزِه حتّى يُطْعِمَ عَشَرَةً؛ كما قال الله جل ذكره: ﴿أو كسوتهم﴾ [المائدة: ٨٩]. (٣٥٩٠) قال: ولو كانَتْ عليه كفّارَةُ ثَلاثَةِ أيْمانٍ مُخْتَلِفَةٍ، فأعْتَقَ وأطْعَمَ وكَسا يَنْوِي الكفّارَةَ، ولا يَنْوِي عن أيِّها: العِتْقِ ولا الطَّعامِ ولا الكِسْوَةِ .. أجْزَأتْه، وأيَّها شاءَ أن يَكُونَ عِتْقًا أو طَعامًا أو كِسْوَةً كانَ، وإن لم يَشَأ فالنِّيَّةُ الأُولى تُجْزِئة. (٣٥٩١) قال: ولا تُجْزِئه كفّارَةٌ حتّى يُقَدِّمَ قَبْلَها النِّيَّةَ أو مَعَها. (٣٥٩٢) ولو كَفَّرَ عنه رَجُلٌ بأمْرِه أجْزأه، وهذه كهِبَتِه إيّاها مِنْ مالِه، ودَفْعِه إيّاها بأمْرِه كقَبْضِ وَكِيلِه لهِبَتِه لو وَهَبَها له، وكذلك إنْ قال: «أعْتِقْ عنِّي» فوَلاؤُه للمُعْتَقِ عنه؛ لأنّه قد مَلَكَه قبل العِتْقِ، وكان عِتْقُه مِثْلَ القَبْضِ؛ كما لو اشْتَراه فلم يَقْبِضْه حتّى أعْتَقَه، كان العِتْقُ كالقَبْضِ. (٣٥٩٣) ولو أنّ رَجُلًا كَفَّر عن رَجُلٍ بغَيْرِ أمْرِه، فأطْعَمَ أو أعْتَقَ لم يُجْزِه، وكان هو المعْتِقَ لعَبْدِه، فوَلاؤُه له، وكذلك لو أعْتَقَ عن أبَوَيْه بعد الموْتِ إذا لم يَكُنْ ذلك بوَصِيَّةٍ منهما.

стр. 1669

(٣٥٩٤) ولو صام عن رَجُلٍ بأمْرِه لم يُجْزِه؛ لأنّ الأبْدانَ تُعُبِّدَتْ بعَمَلٍ، فلا يُجْزِئ أن يَعْمَلَها غَيْرُها، إلّا الحَجَّ والعُمْرَةَ؛ للخَبَرِ الذي جاء عن النبيِّ ﷺ ، وبأنَّ فيهما نَفَقَةً، ولأنّ اللهَ جل ثناؤه إنّما فَرَضَهما على مَنْ وَجَدَ السَّبِيلَ إليهما، والسَّبِيلُ بالمالِ. (٣٥٩٥) ومَن اشْتَرَى ممّا أطْعَمَ أو كَسا أجَزْتُه، ولو تَنَزَّه عن ذلك كان أحَبَّ إليَّ. (٣٥٩٦) ومَن كان له مَسْكَنٌ لا يَسْتَغْنِي عنه هو وأهْلُه، وخادِمٌ .. أعْطِيَ مِنْ الكفّارَةِ والزَّكاةِ، وإنْ كان في مَسْكَنِه فَضْلٌ عن حاجَتِه وأهْلِه، الفَضْلُ الذي يَكُونُ به غَنِيًّا .. لم يُعْطَ. (٣٥٩٧) وإذا حَنِثَ مُوسِرًا ثُمّ أعْسَرَ .. لم أرَ الصَّوْمَ يُجْزِئ عنه، وآمُرُه احْتِياطًا أن يَصُومَ، فإذا أيْسَرَ كَفَّرَ، وإنّما أنْظُرُ في هذا إلى الوَقْتِ الذي يَحْنَثُ فيه، ولو حَنِثَ مُعْسِرًا فأيْسَرَ .. أحْبَبْتُ له أن يُكَفِّرَ ولا يَصُومَ، وإن صامَ أجْزَأ عنه؛ لأنّ حُكْمَه حين حَنِثَ حُكْمُ الصِّيامِ. قال المزني: وقد قال في الظِّهارِ: «إنّ حُكْمَه حين يُكَفِّرُ»، وقال في جماعة العلماء: «إنْ تَظاهَرَ فلم يَجِدْ رَقَبَةً، أو أحْدَثَ فلم يَجِدْ ماءً، فلم يَصُمْ ولم يَدْخُلْ في الصّلاةِ بالتَّيَمُّمِ حتّى وَجَدَ الرَّقَبَةَ والماءَ .. أنّ فَرْضَه العِتْقُ والوُضُوءُ»، وقَوْلُه في جماعةِ العُلماءِ أوْلَى به مِنْ انْفِرادِه عنها (١). (٣٥٩٨) قال الشافعي: ومَن له أن يَأخُذَ مِنْ الكفّارَةِ أو الزَّكاةِ فله أن يَصُومَ، وليْسَ عليه أن يَتَصَدَّقَ ولا يُعْتِقَ، فإنْ فَعَلَ أجْزَأه (٢).

стр. 1670

(٣٥٩٩) وإنْ كان غَنِيًّا ومالُه غائِبٌ عنه .. لم يَكُنْ له أن يُكَفِّرَ حتّى يَحْضُرَ مالُه إلّا بالإطْعامِ أو الكِسْوَةِ أو العِتْقِ. قال المزني: جَعَلَ حُكْمَه حُكْمَ الموسِرِ (١).

стр. 1671

(٣٦٥) باب ما يجزي من الكسوة في الكفارة (٣٦٠٠) قال الشافعي: وأقَلُّ ما يُجْزِئ مِنْ الكِسْوَةِ: كُلُّ ما وَقَعَ عليه اسْمُ كِسْوَةٍ، مِنْ عِمامَةٍ أو سَراوِيلَ أو إزارٍ أو مِقْنَعَةٍ وغَيْرِ ذلك، لرَجُلٍ أو امْرَأةٍ أو صَبِيٍّ، ولو اسْتُدِلَّ بما يَجُوزُ (١) فيه الصَّلاةُ مِنْ الكِسْوَةِ على كِسْوَةِ المسْكِينِ .. لجازَ أن يُسْتَدَلَّ بما يَكْفِيه في الشِّتاءِ أو في الصَّيْفِ أو في السَّفَرِ مِنْ الكِسْوَةِ، وقد أطْلَقَه اللهُ، فهو مُطْلَقٌ (٢).

стр. 1672

(٣٦٦) باب ما يجوز في عتق الكفارات وما لا يجوز (١) (٣٦٠١) قال الشافعي: ولا يُجْزِئ رَقَبَةٌ مِنْ كفّارَةٍ ولا واجِبَةٍ إلّا مُؤمِنَةٌ. (٣٦٠٢) وأقَلُّ ما يَقَعُ اسْمُ الإيمانِ على الأعْجَمِيّ أن يَصِفَ الإيمانَ إذا أمِرَ بصِفَتِه، ثُمّ يَكُونَ مُؤمِنًا. (٣٦٠٣) ويُجْزِئ فيه الصّغِيرُ إذا كان أبَواهُ مُؤمِنَيْنِ أو أحَدُهما، ووَلَدُ الزِّنا، وكُلُّ ذِي نَقْصٍ بعَيْبٍ لا يَضُرُّ بالعَمَلِ ضِرارًا بَيِّنًا (٢)، مِثْلُ: العَرَجِ الخفِيفِ والعَوَرِ وشَلَلِ الخِنْصِرِ ونَحْوِ ذلك. (٣٦٠٤) ولا يُجْزِئ المقْعَدُ، ولا الأعْمَى، ولا الأشَلُّ الرِّجْلِ، ويُجْزِئ الأصَمُّ والخَصِيُّ والمرِيضُ الذي ليْسَ به مَرَضُ زَمانَةٍ، مِثْلُ: الفالِجِ والسُّلِّ. (٣٦٠٥) ولو اشْتَرَى مَنْ يَعْتِقُ عليه لم يُجْزِه، ولا يَعْتِقُ عليه إلّا الوالِدُون والموْلُودُون. (٣٦٠٦) ولو اشْتَرَى رَقَبَةً بشَرْطِ أن يُعْتِقَها لم تُجْزِ عنه. (٣٦٠٧) ويُجْزِئ المدَبَّرُ، ولا يُجْزِئ المكاتَبُ حتّى يَعْجِزَ فيُعْتَقَ بعد العَجْزِ، ويُجْزِئ المعْتَقُ إلى سِنِينَ. (٣٦٠٨) واحْتَجّ في كتابِ اليَمِينِ مع الشّاهِدِ على مَنْ أجازَ عِتْقَ الذِّمِّيِّ في الكفّارَةِ، بأنّ الله لمّا ذَكَرَ رَقَبَةً في كفّارةٍ، فقال: ﴿مؤمنة﴾ [النساء: ٩٢]،

стр. 1673

ثُمّ ذَكَرَ رَقَبَةً أخْرَى في كفّارَةٍ .. كانَتْ مُؤمِنَةً؛ لأنّهما يَجْتَمِعان في أنّهما كفّارَتان، ولمّا رَأيْنا ما فَرَضَ اللهُ جل ذكره على المسْلِمِين في أمْوالِهِم مَنْقُولًا إلى المسْلِمِين .. لم يَجُزْ أن يُخْرِجَ مِنْ مالِه فَرْضًا عليه فيُعْتِقَ به ذِمِّيًّا ويَدَعَ مُؤمِنًا.

стр. 1674

(٣٦٧) باب الصيامِ في كَفّارة الأيمان المتتابِعِ وغيرِه (٣٦٠٩) قال الشافعي: كُلُّ مَنْ وَجَبَ عليه صَوْمٌ ليس بمَشْرُوطٍ في كتابِ الله جل ذكره أن يَكُونَ مُتَتابِعًا أجْزأه مُتَفَرِّقًا، قِياسًا على قول الله : ﴿فعدة من أيام أخر﴾ [البقرة: ١٨٤]، و «العِدَّةُ»: أن يَأتِيَ بعَدَدِ صَوْمٍ، لا وَلاءٍ. وقال في كتاب الصيام: «إنّ صِيامَ كفّارَةِ اليَمِينِ مُتَتابعٌ، والله أعلم»، قال المزني: هذا ألْزَمُ له؛ لأنّ اللهَ شَرَطَ صَوْمَ كفّارَةِ المتَظاهِرِ مُتَتابِعًا، وهذا صَوْمُ كفّارَةٍ مِثْلُه؛ كما احْتَجّ الشّافعيُّ بشَرْطِ الله رَقَبَةَ القَتْلِ مُؤمِنَةً، فجَعَلَ الشّافعيُّ رَقَبَةَ الظِّهارِ مِثْلَهَا مُؤمِنَةً؛ لأنّها كفّارَةٌ شَبِيهَةٌ بكفّارَةٍ، فكذلك الكفّارَةُ عن ذَنْبٍ بالكفّارَةِ عن ذَنْبٍ أشْبَهُ منها بقَضاءِ رمضانَ الذي ليْسَ بكفّارَةٍ عن ذَنْبٍ، فتَفَهَّمْ (١). (٣٦١٠) قال الشافعي: وإذا كان الصَّوْمُ مُتَتابِعًا فأفْطَرَ فيه الصّائِمُ أو الصّائمَةُ مِنْ عُذْرٍ وغَيْرِ عُذْرٍ .. اسْتَأنَفا الصِّيامَ، إلّا الحائضَ، فإنّها لا تَسْتأنِفُ. وقال في القديم: المرَضُ كالحَيْضِ، وقد يَرْتَفِعُ الحَيْضُ بالحمْلِ وغَيْرِه كما يَرْتَفِعُ المرَضُ (٢). (٣٦١١) قال: ولا صَوْمَ فيما لا يَجُوزُ صَوْمُه تَطَوُّعًا، مِثْلُ: يَوْمِ الفِطْرِ والأضْحَى، وأيّامِ التَّشْرِيقِ.

стр. 1675

(٣٦٨) باب الوصية بكفارة الأيمان وبالزكاة (٣٦١٢) قال الشافعي: مَنْ لَزِمَه حَقٌّ للمَساكِينِ في زَكاةٍ أو كفّارَةِ يَمِينٍ أو حَجٍّ .. فذلك كُلُّه مِنْ رَأسِ مالِه، يُحاصُّ به الغُرَماءُ. (٣٦١٣) فإنْ أوْصَى أن يُعْتَقَ عنه في كفّارَةٍ .. فإنْ حَمَلَ ثُلُثُه العِتْقَ أعْتِقَ عنه، وإن لم يَحْمِلْه الثُّلُثُ أطْعِمَ عنه مِنْ رَأسِ مالِه.

стр. 1676

(٣٦٩) باب كفارة يمين العبد بعد العتق (١) (٣٦١٤) قال الشافعي: ولا يُجْزِئ العَبْدَ في الكفّارَةِ إلّا الصَّوْمُ؛ لأنّه لا يَمْلِكُ مالًا. (٣٦١٥) وليْسَ له أن يَصُومَ إلّا بإذْنِ مَوْلاه، إلّا أن يَكُونَ ما لَزِمَه بإذْنِه، ولو صام بأيّ حالٍ أجْزَأه. (٣٦١٦) [ولو حَنِثَ ثُمّ أعْتِقَ وكَفَّرَ كفّارَةَ حُرٍّ .. أجْزَأه؛ لأنّه حينئذٍ مالِكٌ، ولو صام .. أجْزَأه (٢)؛ لأنّ حُكْمَه يَوْمَ حَنِثَ حُكْمُ الصِّيامِ. قال المزني: قد مَضَت الحُجَّةُ أنّ الحُكْمَ يَوْمَ يُكَفِّرُ لا يَوْمَ يَحْنَثُ؛ كما قال: «إنّ حُكْمَه في الصّلاةِ حين يُصَلِّي كما يُمْكِنُه لا حين وَجَبَتْ عليه» (٣). (٣٦١٧) قال الشافعي: ولو حَنِثَ ونِصْفُه عَبْدٌ ونِصْفُه حُرٌّ، وكان في يَدِه مالٌ لنَفْسِه .. لم يُجْزِئه الصَّوْمُ، وكان عليه أن يُكَفِّرَ ممّا في يَدَيْه لنَفْسِه. قال المزني: إنّما المالُ لنِصْفِه الحُرِّ، لا يَمْلِكُ منه النِّصْفُ الممْلُوكُ شَيْئًا (٤)، فكيف يُكَفِّرُ بالمالِ نِصْفُ عَبْدٍ لا يَمْلِكُ منه شَيْئًا، وأحَقُّ بقَوْلِه أنّه كرَجُلٍ مُوسِرٍ بنِصْفِ الكفّارَةِ فليْسَ عليه إلّا الصَّوْمُ، وبالله التوفيق (٥).

стр. 1677

(٣٧٠) باب جامع الأيمان (٣٦١٨) قال الشافعي: وإذا كانَ في دارٍ فحَلَفَ أن لا يَسْكُنَها .. أخَذَ في الخرُوجِ مَكانَه، وإنْ تَخَلَّفَ ساعَةً يُمْكِنُه الخرُوجُ منها حَنِثَ، فيَخْرُجُ ببَدَنِه مُتَحَوِّلًا، ولا يَضُرُّه أن يَتَرَدَّدَ على حَمْلِ مَتاعِه وإخْراجِ أهْلِه؛ لأنّ ذلك ليْسَ بسُكْنَى (١). (٣٦١٩) ولو حَلَفَ أن لا يُساكِنَه وهو ساكِنٌ .. فإنْ أقاما جميعًا ساعَةً يُمْكِنُه التَّحَوُّلُ عنه حَنِثَ، ولو كانا في بَيْتَيْن، فجَعَلَ بينهما جِدارًا ولِكُلِّ واحِدٍ مِنْ الحُجْرَتَيْن بابٌ، فلَيْسَتْ هذه بمُساكَنَةٍ وإنْ كانا في دارٍ واحِدَةٍ، والمساكَنَةُ أن يَكُونا في بَيْتٍ واحِدٍ أو بَيْتَيْن حُجْرَتُهما واحِدَةٌ ومَدْخَلُهما واحِدٌ، وإذا افْتَرَقَ البَيْتان والحُجْرَتان فلَيْسَتْ بمُساكَنَةٍ، إلّا أن يَكُونَ له نِيَّةٌ، فهو على ما نَوَى. (٣٦٢٠) فإن قيل: ما الحُجَّةُ في أنّ النُّقْلَةَ ببَدَنِه دُونَ مَتاعِه وأهْلِه؟ .. قيل: أرَأيْتَ إذا سافَرَ، أيَكُونُ مِنْ أهْلِ السَّفَرِ ويَقْصُرُ؟ أرَأيْتَ لو انْقَطَعَ إلى مَكَّةَ ببَدَنِه، أيَكُونُ مِنْ حاضِرِي المسْجِدِ الحرامِ الذين إن تَمتَّعُوا لم يَكُنْ عليهم دَمٌ؟ فإذا قال: نَعَمْ .. فإنّما النُّقْلَةُ والحُكْمُ على البَدَنِ، لا على مالٍ وأهْلٍ وعِيالٍ. (٣٦٢١) ولو حَلَفَ لا يَدْخُلُها (٢)، فرَقَى فَوْقَها .. لم يَحْنَثْ حتّى يَدْخُلَ بَيْتًا منها أو عَرْصَتَها.

стр. 1678

(٣٦٢٢) وإنْ حَلَفَ لا يَلْبَسُ ثَوْبًا وهو لابِسُه، أو لا يَرْكَبُ دابَّةً وهو راكِبُها .. فإن نَزَعَ أو نَزَلَ مَكانَه، وإلّا حَنِثَ، وكذلك ما أشْبَهَه. (٣٦٢٣) ولو حَلَفَ لا يَسْكُنُ بَيْتًا، وهو بَدَوِيٌّ أو قَرَوِيٌّ، ولا نِيَّةَ له .. فأيَّ بَيْتٍ مِنْ أدَمٍ أو شَعْرٍ أو خَيْمَةٍ أو بَيْتِ حِجارةٍ أو مَدَرٍ أو ما وَقَعَ عليه اسْمُ بَيْتٍ سَكَنَه حَنِثَ (١). (٣٦٢٤) ولو حَلَفَ لا يَأكُلُ طعامًا اشْتَراه فُلانٌ، فاشْتَرَى فُلانٌ وآخَرُ معه طَعامًا، ولا نِيَّةَ له، فأكَلَ منه .. لم يَحْنَثْ. (٣٦٢٥) ولو حَلَفَ لا يَسْكُنُ دارَ فلانٍ هذِه بعَيْنِها، فباعَها فلانٌ .. حَنِثَ بأيِّ وَجْهٍ سَكَنَها إن لم تكُنْ له نِيَّةٌ، وإن كانَتْ نِيَّتُه ما كانَتْ لفُلانٍ لم يَحْنَثْ إذا خَرَجَتْ مِنْ مِلْكِه. (٣٦٢٦) ولو حَلَفَ لا يَدْخُلُها، فانْهَدَمَتْ حتّى صارَتْ طريقًا .. لم يَحْنَثْ؛ لأنّها ليْسَتْ بدارٍ. (٣٦٢٧) ولو حَلَفَ لا يَدْخُلُ مِنْ بابِ هذِه الدّارِ في مَوْضِعٍ، فحَوَّلَ .. لم يَحْنَثْ، إلّا أن يَنْوِيَ أن لا يَدْخُلَها، فيَحْنَثُ. (٣٦٢٨) ولو حَلَفَ لا يَلْبَسُ ثَوْبًا وهو رِداءٌ، فقَطَعَه قَمِيصًا أو اتَّزَرَ به، أو حَلَفَ لا يَلْبَسُ سَراوِيلَ فائْتَزَرَ به، أو قَمِيصًا فارْتَدَى به .. فهذا كُلُّه لُبْسٌ يَحْنَثُ به، إلّا أن يَكُونَ له نِيَّةٌ، فلا يَحْنَثُ إلّا على نِيَّتِه.

стр. 1679

(٣٦٢٩) ولو حَلَفَ لا يَلْبَسُ ثَوْبَ رَجُلٍ مَنَّ عليه (١)، فوَهَبَه له، فباعَه واشْتَرَى بثَمَنِه ثَوْبًا لَبِسَه .. لم يَحْنَثْ إلّا أن يَلْبَسَ الذي حَلَفَ عليه بعَيْنِه، وإنّما أنْظُرُ إلى مَخْرَجِ اليَمِينِ، ثُمّ أحَنِّثُ صاحِبَها أو أبِرُّه، وذلك أنّ الأسْبابَ مُتَقَدِّمَةٌ، والأيْمانَ بعدها مُحْدَثَةٌ، قد تَخْرُجُ على مِثالِها وعلى خِلافِها، فأحَنِّثُه على مَخْرَجِ يَمِينِه، أرَأيْتَ رَجُلًا قال (٢): قد وَهَبْتُ لك مالي، فحَلَفَ ليَضْرِبَنَّه، أما يَحْنَثُ إن لم يَضْرِبْه؟ وليْسَ يُشْبِهُ سَبَبَ ما قالَ. (٣٦٣٠) ولو حَلَفَ لا يَدْخُلُ بَيْتَ فُلانٍ، فدَخَلَ بَيْتًا يَسْكُنُه فلانٌ بكِراءٍ .. لم يَحْنَثْ، إلّا أن يَكُونَ نَوَى مَسْكَنَ فُلانٍ، فيَحْنَثُ، ولو حُمِلَ فأدْخِلَ فيه .. لم يَحْنَثْ، إلّا أن يَكُونَ هو أمَرَهُم بذلك، تَراخَى أو لم يَتَراخَ، ولو قال: نَوَيْتُ شَهْرًا .. لم يُقْبَلْ منه في الحكْمِ إن حَلَفَ بالطّلاقِ، ودِينَ فيما بَيْنَه وبَيْنَ اللهِ جل ذكره. (٣٦٣١) ولو حَلَفَ لا يَدْخُلُ على فُلانٍ بَيْتًا، فدَخَلَ على رَجُلٍ غَيْرِه بَيْتًا، فوَجَدَ المحْلُوفَ عليه فيه .. لم يَحْنَثْ؛ لأنّه لم يَدْخُلْ على ذلك، وإنْ عَلِمَ أنّه في البَيْتِ فدَخَلَ عليه .. حَنِثَ في قَوْلِ مَنْ قال: يَحْنَثُ على غَيْرِ النِّيَّةِ ولا يَرْفَعُ الخَطَأَ. قال المزني: قد سَوَّى الشّافِعِيُّ في الحِنْثِ بين مَنْ حَلَفَ ففَعَلَ عَمْدًا أو خَطَأً. (٣٦٣٢) قال الشافعي: ولو حَلَفَ ليَأكُلَنَّ هذا الطّعامَ غَدًا، فهَلَكَ قبل

стр. 1680

الغَدِ .. لم يَحْنَثْ؛ للإكْرَاهِ، قال الله جل ذكره: ﴿من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ [النحل: ١٠٦]، فعَقَلْنا أنّ قَوْلَ المكْرَهَ (١) كما لم يَكُنْ في الحكْمِ، وعَقَلْنا أنّ الإكْراهَ هو أن يُغْلَبَ بغير فِعْلٍ منه، فإذا تَلِفَ ما حَلَفَ ليَفْعَلَنَّ فيه شَيْئًا بغَيْرِ فِعْلٍ منه فهو في أكْثَرَ مِنْ الإكْراهِ. (٣٦٣٣) ولو حَلَفَ ليَقْضِيَنَّه حَقَّه لوَقْتٍ إلّا أن يَشاءَ أن يُؤَخِّرَه، فماتَ قبل أن يَشَاءَ أن يُؤَخِّرَه .. أنّه لا حِنْثَ عليه، وكذلك لو قال: إلّا أن يَشاءَ فلانٌ، فماتَ فلانٌ الذي جَعَلَ المشِيئَةَ إليه. قال المزني: هذا غَلَطٌ، ليْسَ في مَوْتِه ما يَمْنَعُ إمْكانَ بِرِّه، وأصْلُ قَوْلِه: إنْ أمْكَنَه، فلم يَفْعَلْ حتّى فاتَه الإمْكانُ أنّه يَحْنَثُ، وقد قال: «لو حَلَفَ لا يَدْخُلُ الدّارَ إلّا بإذْنِ فلانٍ، فماتَ الذي جَعَلَ الإذْنَ إليه إنْ دَخَلَها .. حَنِثَ»، وهذا وذاك عندي سَواءٌ (٢). (٣٦٣٤) قال الشافعي: ولو حَلَفَ ليَقْضِيَنَّه عند رَأسِ الهلالِ أو إلى رَأسِ الهِلالِ، فرُئي في اللَّيْلَةِ التي يُهِلُّ فيها الهلالُ .. حَنِثَ. قال المزني: وقد قال فيمَن حَلَفَ ليَقْضِيَنَّه إلى رَمضانَ، فهَلَّ: إنّه حانِثٌ؛ لأنّه حَدٌّ، قال المزني: هذا أصَحُّ؛ كقَوْلِه: «إلى الليل»، فإذا جاء الليلُ حَنِثَ (٣).

стр. 1681

(٣٦٣٥) قال الشافعي: ولو قال: إلى حينٍ .. فليْسَ بمَعْلُومٍ؛ لأنّه يَقَعُ على مُدَّةِ الدُّنْيا ويومٍ (١)، والفُتْيا أن يُقالَ له: الوَرَعُ لك أن تَقْضِيَه قبلَ انْقِضاءِ يَوْمٍ؛ لأنّ الحِينَ يَقَعُ عليه مِنْ حينِ حَلَفْتَ، ولا نُحَنِّثُكَ أبَدًا؛ لأنّا لا نَعْلَمُ للحِينِ غايَةً، وكذلك زَمانٌ، ودَهْرٌ، وأحْقابٌ، وكُلُّ كَلِمَةٍ مُفْرَدَةٍ ليس لها ظاهِرٌ يَدُلُّ عليها. (٣٦٣٦) ولو حَلَفَ لا يَشْتَرِي، فأمَرَ غَيْرَه فاشْتَرَى، أو لا يُطَلِّقُ، فجَعَلَ طَلاقَها إليها فطَلَّقَتْ، أو لا يَضْرِبُ عَبْدَه، فأمَرَ غَيْرَه فضَرَبَه .. أنّه لا يَحْنَثُ، إلّا أن يَكُونَ نَوَى ذلك. (٣٦٣٧) ومَن حَلَفَ لا يَفْعَلُ فِعْلَيْن، أو لا يَكُونُ أمْران .. لم يَحْنَثْ حتّى يَكُونا جميعًا، وحتّى يَأكُلَ كُلَّ (٢) الذي حَلَفَ عليه أن لا يَأكُلَه. (٣٦٣٨) ولو قال: والله لا أشْرَبُ ماءَ هذه الإداوَةِ، أو ماءَ هذا النَّهْرِ .. لم يَحْنَثْ حتّى يَشْرَبَ ماءَ الإداوَةِ كُلَّه، ولا سَبِيلَ له إلى شُرْبِ ماءِ النَّهْرِ كُلِّه، ولو قال: مِنْ ماءِ هذِه الإداوَةِ، أو: مِنْ ماءِ هذا النَّهْرِ .. حَنِثَ إنْ شَرِبَ شَيْئًا مِنْ ذلك.

стр. 1682

(٣٧١) باب من حلف على غريمه أن لا يفارقه حتى يستوفي حقه (٣٦٣٩) قال الشافعي: مَنْ حَلَفَ على غَرِيمِه لا يُفارِقُه حتّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّه، ففَرَّ منه .. لم يَحْنَثْ؛ لأنّه لم يُفارِقْه، ولو كان قال: لا أفْتَرِقُ أنا وأنْتَ .. حَنِثَ. (٣٦٤٠) ولو أفْلَسَ قبل يُفارِقُه، أو اسْتَوْفَى حَقَّه فيما يَرَى فوَجَدَ في دنانِيرِه زُجاجًا أو نُحاسًا .. حَنِثَ في قَوْلِ مَنْ لا يَطْرَحُ الغَلَبَةَ والخَطَأَ عن النّاسِي (١)؛ لأنّ هذا لم يَعْمَدْ. (٣٦٤١) ولو أخَذَ بحَقِّه عَرَضًا .. فإن كان قِيمَةَ حَقِّه لم يَحْنَثْ، وإن كان أقَلَّ حَنِثَ، إلّا أن يَنْوِيَ حتّى لا يَبْقَى عليك مِنْ حَقِّي شَيْءٌ، فلا يَحْنَثُ. قال المزني: ليس للقِيمَةِ مَعْنَى؛ لأنّ يَمِينَه إن كانَتْ على عَيْنِ الحقِّ لم يَبَرَّ إلّا بعَيْنِه، وإن كانَتْ على البَراءَةِ فقد بَرِئَ، والعَرَضُ غَيْرُ الحَقِّ، سَوَى أو لم يَسْوَ (٢). (٣٦٤٢) قال الشافعي: وحَدُّ الفِراقِ أن يَتَفَرَّقا عن مَقامِهِما الذي كانا فيه أو مَجْلِسِهِما.

стр. 1683

(٣٦٤٣) قال: ولو حَلَفَ ليَقْضِيَنَّه حَقَّه غَدًا، فقَضَاه اليَوْمَ .. حَنِثَ؛ لأنّ قَضاءَه غَدًا غَيْرُ قَضائِه اليَوْمَ، وإن كانَتْ نِيَّتُه أن لا يَخْرُجَ غَدٌ (١) حتّى أقْضِيَكَ حَقَّك .. فقد بَرَّ، وهكذا لو وَهَبَه له رَبُّ الحقِّ .. حَنِثَ، إلّا أن يَكُونَ نَوَى أن لا يَبْقَى عليّ غَدًا مِنْ حَقِّكَ شَيْءٌ .. فيَبَرُّ.

стр. 1684

(٣٧٢) باب من حلف على امرأته لا تخرج إلا بإذنه (٣٦٤٤) قال الشافعي: مَنْ قال لامْرأتِه: «أنْتِ طالِقٌ إنْ خَرَجْتِ إلّا بإذْنِي»، أو: «حتّى آذَنَ لكِ» .. فهذا على مَرَّةٍ واحِدَةٍ، فإذا خَرَجَتْ بإذْنِه فقد بَرَّ، ولا يَحْنَثُ ثانِيَةً إلّا أن يَقُولَ: «كُلَّما خَرَجْتِ إلّا بإذْنِي»، فهذا على كُلِّ مَرَّةٍ. (٣٦٤٥) ولو أذِنَ لها وأشْهَدَ على ذلك، فخَرَجَتْ .. لم يَحْنَثْ - لأنّه قد أذِنَ لها - وإن لم تَعْلَمْ؛ كما لو كان عليه حَقٌّ لرَجُلٍ فغابَ أو ماتَ فجَعَلَه صاحِبُ الحَقِّ في حِلٍّ، بَرِئَ، غَيْرَ أنّي أحِبُّ له في الوَرَعِ لو أحْنَثَ نَفْسَه؛ لأنّها خَرَجَتْ عاصِيَةً له عند نَفْسِها، وإنْ كان قد أذِنَ لها.

стр. 1685

(٣٧٣) باب من يعتق من مماليكه إذا حنث أو حلف بعتق عبد فباعه ثم اشتراه، وغير ذلك (٣٦٤٦) قال الشافعي: مَنْ حَلَفَ بعِتْقِ ما يَمْلِكُ، وله أمّهاتُ أوْلادٍ ومُدَبَّرُون وأشْقاصٌ مِنْ عَبِيدٍ .. عَتَقُوا عليه، إلّا المكاتَبَ، إلّا أن يَنْوِيَه؛ لأنّ الظّاهِرَ أنّ المكاتَبَ خارِجٌ مِنْ مِلْكِه بمَعْنًى، داخِلٌ فيه بمَعْنًى، وهو مَحُولٌ بَيْنَه وبَيْنِ أخْذِ مالِه واسْتِخْدامِه (١)، وأرْشُ الجِنايَةِ عليه، ولا زَكاةَ عليه في مالِه، ولا زَكاةَ الفِطْرَةِ في رَقَبَتِه، وليْسَ كذا أمُّ وَلَدِه ولا مُدَبَّرُه. (٣٦٤٧) ولو حَلَفَ بعِتْقِ عَبْدِه ليَضْرِبَنَّه غَدًا، فباعَه اليَوْمَ، فلمّا مَضَى غَدٌ اشْتَراه .. فلا يَحْنَثُ؛ لأنّ الحِنْثَ إذا وَقَعَ مَرَّةً لم يَحْنَثْ ثانِيَةً. (٣٦٤٨) ولو قال لعَبْدِه: أنْتَ حُرٌّ إنْ بِعْتُك، فباعَه بَيْعًا ليْسَ بَيْعَ خِيارٍ (٢) .. فهو حُرٌّ حِينَ عَقَدَ البَيْعَ، وإنّما زَعَمْتُه مِنْ قِبَلِ أنّ النبيّ ﷺ جَعَلَ المتَبايِعَيْن بالخِيارِ ما لم يَتَفَرَّقا، قال: وتَفَرُّقُهما بالأبْدانِ، فكان لو أعْتَقَه عَتَقَ، فعَتَقَ بالحِنْثِ. (٣٦٤٩) ولو قال: إن زَوَّجْتُكَ أو بِعْتُكَ فأنْتَ حُرٌّ، فزَوَّجَه أو باعَه بَيْعًا فاسِدًا .. لم يَحْنَثْ.

стр. 1686

(٣٧٤) باب جامع الأيمان الثاني (٣٦٥٠) قال الشافعي: وإذا حَلَفَ لا يَأكُلُ الرُّؤوسَ، فأكَلَ رُؤوسَ الحِيتانِ، أو رُؤوسَ الطَّيْرِ، أو رُؤوسَ شَيْءٍ يُخالِفُ رُؤوسَ الغَنَمِ والبَقَرِ والإبِلِ .. لم يَحْنَثْ؛ مِنْ قِبَلِ أنّ الذِي يَعْرِفُ النّاسُ إذا خُوطِبُوا بأكْلِ الرُّؤوسِ إنّما هي ما وَصَفْنا، إلّا أنْ تكُونَ بِلادٌ لها صَيْدٌ يَكْثُرُ كما يَكْثُرُ لَحْمُ الأنْعامِ في السُّوقِ وتُمَيَّزُ رُؤوسُها، فيَحْنَثُ في رُؤوسِها، وكذلك البَيْضُ هو بَيْضُ الدَّجاجِ والإوَزِّ والنَّعامِ الذي يُزايِلُ بائِضَه حَيًّا، فأمّا بَيْضُ الحِيتانِ فلا يَكُونُ كذا. (٣٦٥١) ولو حَلَفَ لا يَأكُلُ لحْمًا .. حَنِثَ بلَحْمِ الإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ والوَحْشِ والطَّيْرِ؛ لأنّه كُلَّه لَحْمٌ، ولا يَحْنَثُ في لحْمِ الحِيتانِ؛ لأنّه ليْسَ بالأغْلَبِ. (٣٦٥٢) ولو حَلَفَ لا يَشْرَبُ سَوِيقًا فأكَلَه، أو لا يَأكُلُ خُبْزًا فماثَه فشَرِبَه (١)، أو لا يَشْرَبُ شَيْئًا فذاقَه ودَخَلَ بَطْنَه .. لم يَحْنَثْ. (٣٦٥٣) ولو حَلَفَ لا يَأكُلُ سَمْنًا، فأكَلَه بالخُبْزِ أو بالعَصِيدَةِ أو بالسَّوِيقِ .. حَنِثَ؛ لأنّ السَّمْنَ لا يَكُونُ مأكُولًا إلّا بغَيْرِه، إلّا أن يَكُونَ جامِدًا فيَقْدِرُ على أن يَأكُلَه جامِدًا مُنْفَرِدًا. (٣٦٥٤) وإذا حَلَفَ لا يَأكُلُ هذِه التَّمْرَةَ، فوَقَعَتْ في تَمْرٍ .. فإنْ أكَلَه إلّا تَمْرَةً أو هَلَكَتْ منه تَمْرَةٌ .. لم يَحْنَثْ حتّى يَسْتَيْقِنَ أنّه أكَلَها، والوَرَعُ أن يُحَنِّثَ نَفْسَه.

стр. 1687

(٣٦٥٥) فإذا حَلَفَ لا يَأكُلُ هذه الحِنْطَةَ، فطَحَنَها، أو غَيَّرَها، أو قَلاها فجَعَلَها سَوِيقًا .. لم يَحْنَثْ؛ لأنّه لم يَأكُلْ ما وَقَعَ (١) عليه اسْمُ قَمْحٍ. (٣٦٥٦) ولو حَلَفَ أن لا يَأكُلَ لَحْمًا فأكَلَ شَحْمًا، أو شَحْمًا فأكَلَ لحْمًا، أو رُطَبًا فأكَلَ تَمْرًا، أو تَمْرًا فأكَلَ رُطَبًا، أو زُبْدًا فأكَلَ لَبَنًا .. لم يَحْنَثْ؛ لأنّ كُلَّ واحِدٍ منها غَيْرُ صاحِبِه. (٣٦٥٧) ولو حَلَفَ لا يُكَلِّمُ رَجُلًا (٢)، فسَلَّمَ على قَوْمٍ والمحْلُوفُ عليه فيهم .. لم يَحْنَثْ، إلّا أن يَنْوِيَه (٣)، ولو كَتَبَ إليه كِتابًا أو أرْسَلَ إليه رَسُولًا .. فالوَرَعُ أن يَحنَثَ، ولا يَبِينُ ذلك؛ لأنّ الرّسُولَ والكِتابَ غَيْرُ الكَلامِ. قال المزني: هذا عندي (٤) به وبالحقِّ أوْلى، قال الله : ﴿آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا * فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيًّا﴾ [مريم: ١٠ - ١١]، فأفْهَمَهُم ما يَقُومُ في الفَهْمِ مَقامَ الكَلامِ ولم يَتَكَلَّمْ، وقد احْتَجَّ الشافعيُّ بأنّ الهجْرَةَ مُحَرَّمَةٌ فَوْقَ ثَلاثٍ، فلو كَتَبَ أو أرْسَلَ إليه وهو يَقْدِرُ على كَلامِه، لم يُخْرِجْه هذا مِنْ الهِجْرَةِ التي يَأثَمُ بها، قال المزني: فلو كان الكِتابُ كَلامًا لخَرَجَ به مِنْ الهِجْرَةِ، فتَفَهَّمْ (٥).
следующие страницы →