(٣٦٤٣) قال: ولو حَلَفَ ليَقْضِيَنَّه حَقَّه غَدًا، فقَضَاه اليَوْمَ .. حَنِثَ؛ لأنّ قَضاءَه غَدًا غَيْرُ قَضائِه اليَوْمَ، وإن كانَتْ نِيَّتُه أن لا يَخْرُجَ غَدٌ (١) حتّى أقْضِيَكَ حَقَّك .. فقد بَرَّ، وهكذا لو وَهَبَه له رَبُّ الحقِّ .. حَنِثَ، إلّا أن يَكُونَ نَوَى أن لا يَبْقَى عليّ غَدًا مِنْ حَقِّكَ شَيْءٌ .. فيَبَرُّ.
стр. 1684
(٣٧٢)
باب من حلف على امرأته لا تخرج إلا بإذنه
(٣٦٤٤) قال الشافعي: مَنْ قال لامْرأتِه: «أنْتِ طالِقٌ إنْ خَرَجْتِ إلّا بإذْنِي»، أو: «حتّى آذَنَ لكِ» .. فهذا على مَرَّةٍ واحِدَةٍ، فإذا خَرَجَتْ بإذْنِه فقد بَرَّ، ولا يَحْنَثُ ثانِيَةً إلّا أن يَقُولَ: «كُلَّما خَرَجْتِ إلّا بإذْنِي»، فهذا على كُلِّ مَرَّةٍ.
(٣٦٤٥) ولو أذِنَ لها وأشْهَدَ على ذلك، فخَرَجَتْ .. لم يَحْنَثْ - لأنّه قد أذِنَ لها - وإن لم تَعْلَمْ؛ كما لو كان عليه حَقٌّ لرَجُلٍ فغابَ أو ماتَ فجَعَلَه صاحِبُ الحَقِّ في حِلٍّ، بَرِئَ، غَيْرَ أنّي أحِبُّ له في الوَرَعِ لو أحْنَثَ نَفْسَه؛ لأنّها خَرَجَتْ عاصِيَةً له عند نَفْسِها، وإنْ كان قد أذِنَ لها.
стр. 1685
(٣٧٣)
باب من يعتق من مماليكه إذا حنث
أو حلف بعتق عبد فباعه ثم اشتراه، وغير ذلك
(٣٦٤٦) قال الشافعي: مَنْ حَلَفَ بعِتْقِ ما يَمْلِكُ، وله أمّهاتُ أوْلادٍ ومُدَبَّرُون وأشْقاصٌ مِنْ عَبِيدٍ .. عَتَقُوا عليه، إلّا المكاتَبَ، إلّا أن يَنْوِيَه؛ لأنّ الظّاهِرَ أنّ المكاتَبَ خارِجٌ مِنْ مِلْكِه بمَعْنًى، داخِلٌ فيه بمَعْنًى، وهو مَحُولٌ بَيْنَه وبَيْنِ أخْذِ مالِه واسْتِخْدامِه (١)، وأرْشُ الجِنايَةِ عليه، ولا زَكاةَ عليه في مالِه، ولا زَكاةَ الفِطْرَةِ في رَقَبَتِه، وليْسَ كذا أمُّ وَلَدِه ولا مُدَبَّرُه.
(٣٦٤٧) ولو حَلَفَ بعِتْقِ عَبْدِه ليَضْرِبَنَّه غَدًا، فباعَه اليَوْمَ، فلمّا مَضَى غَدٌ اشْتَراه .. فلا يَحْنَثُ؛ لأنّ الحِنْثَ إذا وَقَعَ مَرَّةً لم يَحْنَثْ ثانِيَةً.
(٣٦٤٨) ولو قال لعَبْدِه: أنْتَ حُرٌّ إنْ بِعْتُك، فباعَه بَيْعًا ليْسَ بَيْعَ خِيارٍ (٢) .. فهو حُرٌّ حِينَ عَقَدَ البَيْعَ، وإنّما زَعَمْتُه مِنْ قِبَلِ أنّ النبيّ ﷺ جَعَلَ المتَبايِعَيْن بالخِيارِ ما لم يَتَفَرَّقا، قال: وتَفَرُّقُهما بالأبْدانِ، فكان لو أعْتَقَه عَتَقَ، فعَتَقَ بالحِنْثِ.
(٣٦٤٩) ولو قال: إن زَوَّجْتُكَ أو بِعْتُكَ فأنْتَ حُرٌّ، فزَوَّجَه أو باعَه بَيْعًا فاسِدًا .. لم يَحْنَثْ.
стр. 1686
(٣٧٤)
باب جامع الأيمان الثاني
(٣٦٥٠) قال الشافعي: وإذا حَلَفَ لا يَأكُلُ الرُّؤوسَ، فأكَلَ رُؤوسَ الحِيتانِ، أو رُؤوسَ الطَّيْرِ، أو رُؤوسَ شَيْءٍ يُخالِفُ رُؤوسَ الغَنَمِ والبَقَرِ والإبِلِ .. لم يَحْنَثْ؛ مِنْ قِبَلِ أنّ الذِي يَعْرِفُ النّاسُ إذا خُوطِبُوا بأكْلِ الرُّؤوسِ إنّما هي ما وَصَفْنا، إلّا أنْ تكُونَ بِلادٌ لها صَيْدٌ يَكْثُرُ كما يَكْثُرُ لَحْمُ الأنْعامِ في السُّوقِ وتُمَيَّزُ رُؤوسُها، فيَحْنَثُ في رُؤوسِها، وكذلك البَيْضُ هو بَيْضُ الدَّجاجِ والإوَزِّ والنَّعامِ الذي يُزايِلُ بائِضَه حَيًّا، فأمّا بَيْضُ الحِيتانِ فلا يَكُونُ كذا.
(٣٦٥١) ولو حَلَفَ لا يَأكُلُ لحْمًا .. حَنِثَ بلَحْمِ الإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ والوَحْشِ والطَّيْرِ؛ لأنّه كُلَّه لَحْمٌ، ولا يَحْنَثُ في لحْمِ الحِيتانِ؛ لأنّه ليْسَ بالأغْلَبِ.
(٣٦٥٢) ولو حَلَفَ لا يَشْرَبُ سَوِيقًا فأكَلَه، أو لا يَأكُلُ خُبْزًا فماثَه فشَرِبَه (١)، أو لا يَشْرَبُ شَيْئًا فذاقَه ودَخَلَ بَطْنَه .. لم يَحْنَثْ.
(٣٦٥٣) ولو حَلَفَ لا يَأكُلُ سَمْنًا، فأكَلَه بالخُبْزِ أو بالعَصِيدَةِ أو بالسَّوِيقِ .. حَنِثَ؛ لأنّ السَّمْنَ لا يَكُونُ مأكُولًا إلّا بغَيْرِه، إلّا أن يَكُونَ جامِدًا فيَقْدِرُ على أن يَأكُلَه جامِدًا مُنْفَرِدًا.
(٣٦٥٤) وإذا حَلَفَ لا يَأكُلُ هذِه التَّمْرَةَ، فوَقَعَتْ في تَمْرٍ .. فإنْ أكَلَه إلّا تَمْرَةً أو هَلَكَتْ منه تَمْرَةٌ .. لم يَحْنَثْ حتّى يَسْتَيْقِنَ أنّه أكَلَها، والوَرَعُ أن يُحَنِّثَ نَفْسَه.
стр. 1687
(٣٦٥٥) فإذا حَلَفَ لا يَأكُلُ هذه الحِنْطَةَ، فطَحَنَها، أو غَيَّرَها، أو قَلاها فجَعَلَها سَوِيقًا .. لم يَحْنَثْ؛ لأنّه لم يَأكُلْ ما وَقَعَ (١) عليه اسْمُ قَمْحٍ.
(٣٦٥٦) ولو حَلَفَ أن لا يَأكُلَ لَحْمًا فأكَلَ شَحْمًا، أو شَحْمًا فأكَلَ لحْمًا، أو رُطَبًا فأكَلَ تَمْرًا، أو تَمْرًا فأكَلَ رُطَبًا، أو زُبْدًا فأكَلَ لَبَنًا .. لم يَحْنَثْ؛ لأنّ كُلَّ واحِدٍ منها غَيْرُ صاحِبِه.
(٣٦٥٧) ولو حَلَفَ لا يُكَلِّمُ رَجُلًا (٢)، فسَلَّمَ على قَوْمٍ والمحْلُوفُ عليه فيهم .. لم يَحْنَثْ، إلّا أن يَنْوِيَه (٣)، ولو كَتَبَ إليه كِتابًا أو أرْسَلَ إليه رَسُولًا .. فالوَرَعُ أن يَحنَثَ، ولا يَبِينُ ذلك؛ لأنّ الرّسُولَ والكِتابَ غَيْرُ الكَلامِ.
قال المزني: هذا عندي (٤) به وبالحقِّ أوْلى، قال الله : ﴿آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا * فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيًّا﴾ [مريم: ١٠ - ١١]، فأفْهَمَهُم ما يَقُومُ في الفَهْمِ مَقامَ الكَلامِ ولم يَتَكَلَّمْ، وقد احْتَجَّ الشافعيُّ بأنّ الهجْرَةَ مُحَرَّمَةٌ فَوْقَ ثَلاثٍ، فلو كَتَبَ أو أرْسَلَ إليه وهو يَقْدِرُ على كَلامِه، لم يُخْرِجْه هذا مِنْ الهِجْرَةِ التي يَأثَمُ بها، قال المزني: فلو كان الكِتابُ كَلامًا لخَرَجَ به مِنْ الهِجْرَةِ، فتَفَهَّمْ (٥).
стр. 1688
(٣٦٥٨) قال الشافعي: ولو حَلَفَ لا يَرَى كذا إلّا رَفَعَه إلى قاضٍ، فرَآه، فلم يُمْكِنْه رَفْعُه إليه حتّى ماتَ ذلك القاضِي .. لم يَحْنَثْ حتّى يُمْكِنَه فيُفَرِّطَ، ولو عُزِلَ .. فإن كانَتْ نِيَّتُه أن يَرْفَعَه إليه إن كان قاضِيًا فلا يَجِبُ رَفْعُه إليه، وإن لم تَكُنْ له نِيَّةٌ خَشِيتُ أن يَحْنَثَ إن لم يَرْفَعْه إليه.
(٣٦٥٩) ولو حَلَفَ مالَه مالٌ، وله عَرَضٌ أو دَيْنُ .. حَنِثَ، إلّا أن يَكُونَ نَوَى غَيْرَ ذلك، فلا يَحْنَثُ.
(٣٦٦٠) ولو حَلَفَ ليَضْرِبَنَّ عَبْدَه مائَةَ سَوْطٍ، فجَمَعَها فضَرَبَه بها .. فإن كان يُحِيطُ العِلْمُ أنّها ماسَّتْه كُلُّها بَرَّ، وإنْ أحاطَ أنّها لم تُماسَّه كُلُّها لم يَبَرَّ، وإنْ شَكّ لم يَحْنَثْ في الحكْمِ، وحَنِثَ في الوَرَعِ، واحْتَجَّ الشافعيُّ بقَوْلِ الله ﵎: ﴿وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث﴾ [ص: ٤٤] (١)، وضَرَبَ رسولُ الله ﷺ بأثْكَالِ النَّخْلِ في الزِّنا، وهذا شَيْءٌ مجْمُوعٌ، غَيْرَ أنّه إذا ضَرَبَه بها ماسَّتْه.
قال المزني: هذا عندي (٢) خِلافُ قَوْلِه: «لو حَلَفَ ليَفْعَلَنَّ كذا لوَقْتٍ إلّا أن يَشاءَ فُلانٌ، فإن ماتَ أو غَبِيَ عنّا (٣) حتّى مَضَى الوَقْتُ حَنِثَ» (٤)، قال المزني: وكِلا ما يَبَرُّ به شَكٌّ، فكيف لا يَحْنَثُ في أحَدِهما ويَحْنَثُ في الآخَرِ؟ فقِياسُ قَوْلِه عندي (٥) أن لا يَحْنَثَ بالشَّكِّ (٦).
стр. 1689
(٣٦٦١) قال الشافعي: وإن لم يَقُلْ: ضَرْبًا شَدِيدًا .. فأيَّ ضَرْبٍ ضَرَبَه إيّاه لم يَحْنَثْ؛ لأنّه ضارِبُه (١).
(٣٦٦٢) ولو حَلَفَ لا يَهَبُ له هِبَةً، فتَصَدَّقَ عليه، أو نَحَلَه، أو أعْمَرَه .. فهو هِبَةٌ، وإنْ أسْكَنَه فإنّما هي عارِيَّةُ، لم يُمَلِّكْه إيّاها، متى شاء رَجَعَ فيها، وكذلك إنْ حَبَّسَ عليه.
(٣٦٦٣) ولو حَلَفَ لا يَرْكَبُ دابَّةَ العَبْدِ، فرَكِبَ دابَّةَ العَبْدِ .. لم يَحْنَثْ؛ لأنّها ليْسَتْ له، إنّما اسْمُها مُضافٌ إليه.
(٣٦٦٤) ولو قال: مالي في سَبِيلِ اللهِ، أو صَدَقَةٌ، على مَعاني الأيْمانِ .. فمَذْهَبُ عائِشَةَ وعَدَدٍ مِنْ أصْحابِ النّبيِّ ﷺ وعَطاءٍ والقياسُ (٢) أنّ عليه كفّارَةَ يَمِينٍ.
(٣٦٦٥) قال: ومَن حَنِثَ في المشْيِ إلى بَيْتِ اللهِ .. ففيه قولان: أحَدُهما وهو قَوْلُ عَطاءٍ: كفّارَةُ يَمِينٍ، ومَذْهَبُه أنّ أعْمالَ البِرِّ لا تكُونُ إلّا ما فَرَضَ اللهُ أو تَبَرُّرًا يُرادُ به الله، قال الشافعي: والتَّبَرُّرُ أن يَقُولَ: لله عليّ إنْ شَفاني أنْ أحُجَّ له نَذْرًا، فأمّا إن لم أقْضِكَ حَقَّكَ فعليَّ المشْيُ إلى بَيْتِ الله، فهذا مِنْ مَعاني الأيْمانِ، لا مَعانِي النُّذُورِ.
стр. 1690
قال المزني: قد قَطَعَ بأنّه قَوْلُ عَدَدٍ مِنْ أصْحابِ النبيِّ ﷺ والقياسُ، وقد قال في غَيْرِ هذا الموْضِعِ: لو قال: لله عليَّ نَذْرُ حَجٍّ إن شاء فلانٌ، فشاءَ .. لم يَكُنْ عليه نَذْرٌ (١)، إنّما النَّذْرُ ما أرِيدَ به اللهُ ، ليس على مَعاني الغَلَقِ، والشَّائِي غَيْرُ النّاذِرِ (٢).
стр. 1691
(٣٧٥)
باب النذور
(٣٦٦٦) قال الشافعي: مَنْ نَذَرَ أن يَمْشِيَ إلى بَيْتِ اللهِ .. لَزِمَه إن قَدَرَ على المشْيِ، وإن لم يَقْدِر رَكِبَ وأهْراقَ دَمًا احْتِياطًا؛ مِنْ قِبَلِ أنّه إذا لم يُطِقْ شَيْئًا سَقَطَ عنه (١).
(٣٦٦٧) ولا يَمْشِي أحَدٌ إلى بَيْت الله إلّا حاجًّا أو مُعْتَمِرًا (٢).
(٣٦٦٨) وإذا نَذَرَ الحجَّ ماشِيًا .. مَشَى حتّى تَحِلَّ له النِّساءُ ثُمّ يَرْكَبُ، وإذا نَذَرَ أن يَعْتَمِرَ ماشِيًا .. مَشَى حتّى يَطُوفَ بالبَيْتِ ويَسْعَى بيْنَ الصَّفا والمرْوَةِ ويَحْلِقَ أو يُقَصِّرَ.
(٣٦٦٩) ولو فاتَه الحَجُّ حَلَّ ماشِيًا، وعليه حَجُّ قابِلٍ ماشِيًا.
(٣٦٧٠) ولو قال: عليَّ أنْ أمْشِي .. لم يَكُنْ عليه مَشْيٌ حتّى يَكُونَ نَوَى (٣)، فإن لم يَنْوِ شَيْئًا فلا شَيْءَ عليه؛ لأنّه ليْسَ في المشْيِ إلى غَيْرِ مَواضِعِ التَّبَرُّرِ بِرٌّ، وذلك مِثْلُ المسْجِدِ الحَرامِ، وأحِبُّ لو نَذَرَ إلى مَسْجِدِ المدِينَةِ أو إلى بَيْتِ المقْدِسِ أن يَمْشِي، واحْتَجّ بقَوْلِ رسولِ الله ﷺ : «لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلّا إلى ثَلاثَةِ مَساجِدَ: المسْجِدِ الحَرامُ، ومَسْجِدِي هذا، والمسْجِدِ الأقْصَى»، ولا يَبِينُ لي أن يَجِبا كما يَبِينُ لي أنّ واجِبًا المشْيُ إلى
стр. 1692
بَيْتِ اللهِ ، وذلك أنّ البِرَّ بالإتْيانِ إلى بَيْتِ اللهِ فَرْضٌ (١)، والبِرَّ بإتْيانِ هَذَيْن نافِلَةٌ، ولو نَذَرَ أن يَمْشِيَ إلى مَسْجِدِ مِصْرَ .. لم يَجِبْ عليه.
(٣٦٧١) ولو نَذَرَ أن يَنْحَرَ بمَكَّةَ .. لم يُجْزِئه غَيْرُها، ولو نَذَرَ أن يَنْحَرَ بغَيْرِها .. لم يَنْحَرْ (٢) إلّا حَيْثُ نَذَرَ؛ لأنّه وَجَبَ لمساكِينِ ذلك البَلَدِ.
(٣٦٧٢) وإذا نَذَرَ أن يَأتِيَ أيّ مَوْضِعٍ مِنْ الحَرَمِ ماشِيًا أو راكِبًا .. فعَلَيْه أن يَأتِيَ الحَرَمَ حاجًّا أو مُعْتَمِرًا.
(٣٦٧٣) ولو نَذَرَ أن يَأتِيَ عَرَفَةَ أو مَرًّا أو قَرِيبًا مِنْ الحرَمِ .. لم يَلْزَمْه.
(٣٦٧٤) ولو نَذَرَ أن يُهْدِيَ مَتاعًا .. لم يُجْزِه إلّا أن يَتَصَدَّقَ به على مَساكِينِ الحرَمِ، فإنْ كانَتْ نِيَّتُه أن يُعَلِّقَه سِتْرًا على البَيْتِ أو يَجْعَلَه في طِيبِ البَيْتِ .. جَعَلَه حَيْثُ نَوَى.
(٣٦٧٥) وإذا نَذَرَ أن يُهْدِيَ ما لا يُحْمَلُ مِنْ الأرَضِينِ والدُّورِ .. باع ذلك فأهْدَى ثَمَنَه.
(٣٦٧٦) ومَن نَذَرَ بَدَنَةً .. لم يُجْزِه إلّا ثَنِيٌّ أو ثَنِيَّةٌ، والخَصِيُّ يُجْزِئ، وإذا لم يَجِدْ بَدَنَةً .. فبَقَرَةٌ ثَنِيَّةٌ، فإن لم يَجِدْ .. فسَبْعًا مِنْ الغَنَمِ تُجْزِئ ضَحايا، وإن كانَتْ نِيَّتُه على بَدَنَةٍ مِنْ الإبِلِ .. لم يُجْزِه مِنْ البَقَرِ والغَنَمِ إلّا بقِيمَتِها.
(٣٦٧٧) ولو نَذَرَ عَدَدَ صَوْمٍ .. صامَه مُتَفَرِّقًا أو مُتَتابِعًا، ولو نَذَرَ صِيامَ سَنَةٍ بعَيْنِها .. صامَها إلّا رَمَضانَ - فإنّه يَصُومُه لرَمَضانَ - ويَوْمَ الفِطْرِ
стр. 1693
والأضْحَى وأيَّامَ التَّشْرِيقِ، ولا قَضاءَ عليه فيها، وإن نَذَرَ سَنَةً بغَيْرِ عَيْنِها .. قَضَى هذه الأيّامَ كُلَّها.
(٣٦٧٨) ولو قال: لله عليَّ أنْ أحُجَّ عامِي هذا، فحالَ بَيْنَه وبَيْنَه عَدُوٌّ أو سُلْطانٌ .. فلا قَضاءَ عليه، وإنْ حَدَثَ به مَرَضٌ أو خَطَأُ عَدَدٍ أو نِسْيانٌ أو تَوانٍ .. قَضاه.
(٣٦٧٩) ولو قال: لله عليَّ أنْ أصُومَ اليَوْمَ الذي يَقْدَمُ فيه فلانٌ، فقَدِمَ لَيْلًا .. فلا صَوْمَ عليه، وأحِبُّ لو صامَ صَبِيحَتَه، ولو قَدِمَ نَهارًا وهو فيه صائِمٌ تَطَوُّعًا .. كان عليه قَضاؤُه؛ لأنّه نَذْرٌ، وقد يَحْتَمِلُ القِياسُ أن لا يَكُونَ عليه القَضاءُ؛ مِنْ قِبَلِ أنّه لا يَصْلُحُ أن يَكُونَ فيه صائِمًا عن نَذْرِه.
قال المزني: قلت أنا (١): يَعْنِي أنّه لا صَوْمَ لنَذْرٍ إلّا بنِيَّةٍ قَبْلَ الفَجْرِ، ولم يَكُنْ له سَبِيلٌ إلى أن يَعْلَمَ أنّ عليه صَوْمَه إلّا بعد مَقْدَمِه، قال المزني: قَضاؤُه عِندي أوْلى به، وكذلك الحَجُّ إذا أمْكَنَه قَبْلَ مَوْتِه، فَرَضَ اللهُ ﵎ صَوْمَ شَهْرِ رَمَضانَ بعَيْنِه فلم يُسْقِطْه بعَجْزِه عنه بمَرَضِه، قال الله : ﴿فعدة من أيام أخر﴾ [البقرة: ١٨٤]، وأجْمَعُوا أنّه لو أغْمِيَ عليه الشَّهْرَ كُلَّه فلم يَعْقِلْ فيه، أنّ عليه قَضاءَه، والنَّذْرُ عِنْدَه واجِبٌ، فقَضاؤُه إذا أمْكَنَه وإن ذَهَبَ وَقْتُه واجِبٌ، قال المزني: وقد قَطَعَ بهذا القَوْلِ في مَوْضِعٍ آخَرَ (٢).
قال الشافعي: ولو أصْبَحَ فيه صائِمًا مِنْ نَذْرٍ غَيْرِ هذا .. أحْبَبْتُ أن يَعُودَ لصَوْمِه لنَذْرِه (٣)، ويَعُودَ لصَوْمِه لمقْدَمِ فُلانٍ.
стр. 1694
(٣٦٨٠) قال الشافعي: ولو نَذَرَ أن يَصُومَ اليَوْمَ الذي يَقْدَمُ فيه فلانٌ أبَدًا، فقَدِمَ يَوْمَ (١) الاثْنَيْنِ .. فعليه أن يَصُومَ كُلَّ اثْنَيْنِ يَسْتَقْبِلُه، إلّا أن يَكُونَ يَوْمَ فِطْرٍ أو أضْحَى أو تَشْرِيقٍ، فلا يَصُومُه ولا يَقْضِيه.
وقال في كتاب الصوم: «عليه القَضاءُ»، قال المزني: لا قَضاءَ عليه أشْبَهُ بقَوْلِه؛ لأنّها ليْسَتْ بوَقْتٍ لصَوْمٍ عنده لفَرْضٍ ولا لغَيْرِه، وإنّ نَذْرَ صَوْمِها نَذْرُ مَعْصِيَةٍ، فكذلك لا يَقْضِي نَذْرَ مَعْصِيَةٍ (٢).
(٣٦٨١) قال الشافعي: ولو وَجَبَ عليه صَوْمُ شَهْرَيْن مُتَتابِعَيْن .. صامَهما وقَضَى كُلَّ اثْنَيْنِ فيهما، ولا يُشْبِهُ شَهْرَ رَمَضَانَ؛ لأنّ هذا شَيْءٌ أدْخَلَه على نَفْسِه بَعْدَما وَجَبَ عليه صَوْمُ الاثْنَيْن، وشَهْرُ رَمَضَانَ أوْجَبَه اللهُ عليه لا بشَيْءٍ أدْخَلَه على نَفْسِه.
(٣٦٨٢) ولو كان النّاذِرُ امْرَأةً فهي كالرَّجُلِ، وتَقْضِي كُلَّ ما مَرَّ عليها مِنْ حَيْضِها.
(٣٦٨٣) ولو قالَتْ: «لله عليَّ أنْ أصُومَ أيّامَ حَيْضِي» .. فلا يَلْزَمُها شَيْءٌ؛ لأنّها نَذَرَتْ مَعْصِيَةً.
قال المزني: هذا يَدُلُّ على أن لا يَقْضِيَ نَذْرَ مَعْصِيَةٍ.
(٣٦٨٤) قال الشافعي: وإذا نَذَرَ الرَّجُلُ صَوْمًا أو صَلاةً ولم يَنْوِ عَدَدًا .. فأقَلُّ ما يَلْزَمُه مِنْ الصّلاةِ رَكْعَتانِ، ومِن الصَّوْمِ يَوْمٌ (٣).
стр. 1695
(٣٦٨٥) ولو نَذَرَ عِتْقَ رَقَبَةٍ .. فأيَّ رَقَبَةٍ عَتَقَ (١) أجْزَأه (٢).
(٣٦٨٦) ولو قال رجلٌ لآخَرَ: «يَمِينِي في يَمِينِك»، فحَلَفَ .. فاليَمِينُ على الحالِفِ دون صاحِبِه، قال المزني (٣): فقُلْتُ له: فإن قال: «يَمِينِي في يَمِينِكَ بالطّلاقِ»، فحَلَفَ، أعليه شَيْءٌ؟ قال: لا يَمِينَ إلّا على الحالِفِ دون صاحِبِه.
(٣٦٨٧) قال المزني (٤): قال لي عليُّ بنُ مَعْبَدٍ: في المشْيِ إلى الكَعْبَةِ (٥) كفّارَةُ يَمِينٍ عن زيدٍ وابنِ عُمَرَ وحَفْصَةَ ومَيْمُونِ بنِ مَهْرانَ والقاسِمِ بنِ محمَّدٍ وشَريكٍ (٦) وعبدِالله بنِ عَمْرٍو الجزَرِي (٧)، ورَواه عن محمَّدِ بنِ الحسَنِ وعن الحسَنِ، وقال سعيدُ بنُ المسيب: «لا كفّارَةَ عليه أصْلًا»، وعطاءٌ وشَريكٌ، قال لنا المزني: وسَمِعْتُه أنا يَقُولُ ذلك، وذَكَرَ عن اللَّيْثِ كفّارَةَ يَمِينٍ في ذلك كُلِّهِ، إلّا سَعِيدًا فإنّه قال: «لا كفّارَةَ عليه».
стр. 1696
(٣٦٨٨) قلت أنا (١): ورُوِي عن النبي ﷺ ، وابنِ عبّاسٍ، وعطاءِ بنِ أبي رَباحٍ، ومجاهدٍ، والزهريِّ، والنَّخَعِيِّ، وطاوسٍ، وابنِ مِجْلَزٍ: أنّ الاسْتِثْناءَ في الطّلاقِ جائزٌ، وعن ابنِ عبّاسٍ أنّ ذلك جائزٌ في الطّلاقِ والعِتاقِ سَواءً.
(٣٦٨٩) حدثنا المزني، قال: حدثنا الحميدي، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن منصور بن عبدالرحمن الحَجَبِيّ، عن أمه صَفِيَّةَ بنتِ شَيْبَة، أنّ ابنَ عَمٍّ لها جَعَلَ مالَه في سبيلِ الله أو في رِتاجِ الكَعْبَةِ، فقالَتْ: قالَتْ عائشةُ (٢): «هي يَمِينٌ، يُكَفِّرُها ما يُكَفِّرُ اليَمِينَ». وحدثنا الحميدي، قال: حدثنا ابن أبي الرداد (٣)، عن المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيب، أنّ عمر بن الخطاب قال فيمَن جَعَلَ مالَه في سَبيلِ الله: «يَمِينٌ يُكَفِّرُها ما يُكَفِّرُ اليَمِينَ». قال الحُمَيْدي: وسَمِعْتُ الشّافعيَّ وسُفْيانَ يُفْتِيان به، قال الحميدي: وهو قَوْلِي.
стр. 1697
[٦٤]
كتاب أدب القاضي (١)
مختصر من الجامع من كتاب أدب القاضي
وما دخله من اختلاف الشهادات والحكام واليمين مع الشاهد (٢)
стр. 1698
(٣٦٩٠) قال الشافعي: وأحِبُّ أن يَقْضِيَ القاضِي في مَوْضِعٍ بارِزٍ للنّاسِ، لا يَكُونُ دُونَه حِجابٌ، وأن يَكُونَ في غَيْرِ مَسْجِدٍ؛ لكَثْرَةِ الغاشِيَةِ والمُشَاتَمَةِ بين الخُصُومِ، في أرْفَقِ الأماكِنِ به وأحْراها أن لا تُسْرِعَ مَلالَتُه فيه، وأنا لإقامَةِ الحَدِّ في المسْجِدِ أكْرَهُ (١).
(٣٦٩١) قال الشافعي: ومَعْقُولٌ في قَوْلِ رسولِ الله ﷺ : «لا يَحْكُمُ الحاكِمُ - أو: لا يَقْضِي القاضِي - بين اثْنَيْن وهو غَضْبانُ»: أنّه أرادَ أن يَكُونَ القاضِي حين يَحْكُمُ في حالٍ لا يَتَغَيَّرُ فيها خُلُقُه ولا عَقْلُه، والحاكِمُ أعْلَمُ بنَفْسِه، فأيُّ حالٍ أتَتْ عليه تَغَيَّرَ فيها عَقْلُه أو خُلُقُه انْبَغَى له أن لا يَقْضِيَ حتّى يَذْهَبَ، وأيُّ حالٍ صارَ إليه فيها سُكونُ الطّبِيعَةِ واجْتِماعُ العَقْلِ حَكَمَ، وإنْ غَيَّرَه مَرَضٌ أو حُزْنٌ أو فَرَحٌ أو جُوعٌ أو نُعاسٌ أو مَلالَةٌ تَرَكَ.
(٣٦٩٢) وأكْرَهُ له الشِّراءَ والبَيْعَ خَوْفَ المحاباةِ بالزِّيادَةِ، ويَتَوَلّاه له غَيْرُه.
(٣٦٩٣) ولا أحِبُّ أن يَتَخَلَّفَ عن الوَلِيمَةِ، إمّا أن يُجِيبَ كُلًّا، وإمّا أن يَتْرُكَ كُلًّا، ويَعْتَذِرَ ويَسْألَهم التَّحْلِيلَ، ويَعُودَ المرْضَى، ويَشْهَدَ الجنائِزَ، ويَأتِيَ مَقْدَمَ الغائِبِ.
(٣٦٩٤) وإذا بان له مِنْ أحَدِ الخَصْمَيْنِ لَدَدٌ نَهاه (٢)، فإنْ عادَ زَبَرَه، ولا يَحْبِسُه ولا يَضْرِبُه إلّا أن يَكُونَ في ذلك ما يَسْتَوْجِبُه.
стр. 1699
(٣٦٩٥) ويُشاوِرُ، قال الله : ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ [الشورى: ٣٨]، وقال لنبيه ﷺ : ﴿وشاورهم في الأمر﴾ [آل عمران: ١٥٩]، قال الحسَنُ: «إنْ كان النبيُّ ﷺ عن مُشاوَرَتِهم لَغَنِيًّا، ولكنَّه أرادَ أن يَسْتَنَّ بذلك الحُكّامُ بَعْدَه».
(٣٦٩٦) ولا يُشاوِرُ إذا نَزَلَ به المشْكِلُ إلّا أمِينًا، عالِمًا بالكتابِ والسُّنَّةِ والآثارِ، وأقاوِيلِ النّاسِ، والقِياسِ، ولسانِ العَرَبِ.
(٣٦٩٧) ولا يَقْبَلُ - وإن كان أعْلَمَ منه - حتّى يَعْلَمَ كعِلْمِه أنّ ذلك لازِمٌ له، مِنْ حَيْثُ لم تَخْتَلِف الرِّوايَةُ فيه أو بدَلالَةٍ عليه، وأنّه لا يَحْتَمِلُ وَجْهًا أظْهَرَ منه، فأمّا أن يُقَلِّدَه .. فلم يَجْعَل اللهُ تبارك اسمُه ذلك لأحَدٍ بعد رسوله ﷺ .
(٣٦٩٨) ويَجْمَعُ المخْتَلِفِين؛ لأنّه أشَدُّ لتَقَصِّيه العِلْمَ، ولكَشْفِ بَعْضِهم على بَعْضٍ.
(٣٦٩٩) وإن لم يَكُنْ في عَقْلِه ما إذا عَقَلَ القِياسَ عَقَلَه، وإذا سَمِعَ القِياسَ مَيَّزَه، فلا يَنْبَغِي أن يَقْضِيَ، ولا لأحَدٍ أن يَسْتَقْضِيَه.
(٣٧٠٠) ولا يَجُوزُ له أن يَسْتَحْسِنَ بغَيْرِ قِياسٍ، ولو جازَ ذلك لجازَ أن يَشْرَعَ في الدِّينِ (١).
стр. 1700
(٣٧٠١) والقِياسُ قياسان: أحَدُهما - أن يَكُونَ في مَعْنَى الأصْلِ، فذلك الذي لا يَحِلُّ لأحَدٍ خِلافُه، والآخَرُ - أن يُشْبِهَ الشَّيْءُ الشَّيْءَ مِنْ أصْلٍ، ويُشْبِهَ الشَّيْءَ مِنْ أصْلٍ غَيْرِه، فيُشْبِهُه هذا بهذا الأصْلِ، ويُشْبِهُه الآخَرُ بأصْلٍ غَيْرِه، ومَوْضِعُ الصَّوابِ في ذلك عندنا أن يُنْظَرَ: فإنْ أشْبَهَ أحَدَهما في خَصْلَتَيْن والآخَرَ في خَصْلَةٍ، ألْحَقَه بالذي أشْبَهَه في خَصْلَتَيْن.
(٣٧٠٢) قال الله في داود وسليمان: ﴿ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما﴾ [الأنبياء: ٧٩]، قال الحسَنُ: «لَوْلا هذه الآيَةُ لرَأيْتُ أنّ الحكّامَ قد هَلَكُوا، ولكنّ اللهَ حَمِدَ هذا بصَوابِه، وأثْنَى على هذا باجْتِهادِه»، وقال رسول الله ﷺ : «إذا اجْتَهَدَ الحاكِمُ فأصابَ فلَه أجْرانِ، وإن اجْتَهَدَ فأخْطَأ فلَه أجْرٌ»، قال الشافعي: فأخْبَرَ أنّه يُثابُ على أحَدِهما أكْثَرَ ممّا يُثابُ على الآخَرِ، ولا يَكُونُ الثَّوابُ فيما لا يَسَعُ، ولا في الخَطأ الموْضُوعِ.
قال المزني: أعْرِفُ (١) أنّ الشافعيَّ قال: «لا يُؤجَرُ على الخَطَأ، وإنّما يُؤجَرُ على قَصْدِ الثّوابِ»، وهذا عِنْدِي هو الحَقُّ (٢).
стр. 1701
(٣٧٠٣) قال الشافعي: ومَن اجْتَهَدَ مِنْ الحُكّامِ فقَضَى باجْتِهادِهِ، ثُمّ رَأى أنّ اجْتِهادَه خَطَأ، أو وَرَدَ على قاضٍ غَيْرِه .. فسَواءٌ، فما خالَفَ كِتابًا أو سُنَّةً أو إجْماعًا أو ما في مَعْنَى هذا رَدَّه، وإن كان يَحْتَمِلُ ما ذَهَبَ إليه ويَحْتَمِلُ غَيْرَه لم يَرُدَّه، وحَكَمَ فيما يَسْتَأنِفُ بالذي هو أصْوَبُ عنده (١).
(٣٧٠٤) وليْسَ على القاضِي أن يَتَعَقَّبَ حُكْمَ مَنْ قَبْلَه، فإنْ تَظَلَّم محْكُومٌ عليه ممَّنْ قَبْلَه نَظَرَ فيه فرَدَّه أو أنْفَذَه على ما وَصَفْتُ.
(٣٧٠٥) وإذا حاكم إليه أعْجَمِيٌّ لا يَعْرِفُ لِسانَه .. لم تُقْبَل التَّرْجَمَةُ عنه إلّا بعَدْلَيْن يَعْرِفان لِسانَه.
(٣٧٠٦) وإذا شَهِدَ الشُّهُودُ عند القاضِي .. كَتَبَ حِلْيَةَ كُلِّ رَجُلٍ، ورَفَعَ في نَسَبِه إنْ كان له، أو وِلايَةٍ إنْ كانَ له، وسَألَه عن صِناعَتِه أو كُنْيَتِه إن كانَتْ له، وعن مَسْكَنِه، وعن مَوْضِعِ بِياعَتِه ومُصَلّاه.
(٣٧٠٧) وأحِبُّ إذا لم يَكُنْ لهم شِدَّةُ عُقُولٍ أن يُفَرِّقَهُم، ثُمّ يَسْألَ كُلَّ واحِدٍ منهم على حِدَتِه عن شَهادَتِه، واليَوْمِ شَهِدَ فيه (٢)، والموْضِعِ ومَن فِيه، يَسْتَدِلُّ (٣) على عَوْرَةٍ إنْ كانَتْ في شَهادَتِه، وإنْ جَمَعُوا الحالَ الحسَنَةَ والعَقْلَ لم يَفْعَلْ بهم ذلك.
(٣٧٠٨) وأحِبُّ أن يَكُونَ أصْحابُ مَسائِلِه جامِعِين للعَفافِ في الطُّعْمَةِ والأنْفُسِ، وافِرِي العُقُولِ، بُرَآءَ مِنْ الشَّحْناءِ بَيْنَهُم وبَيْنَ النّاسِ، أو الحَيْفِ عَلَيْهم، أو الحَيْفِ على أحَدٍ، بأن يَكُونُوا مِنْ أهْلِ الأهْواءِ أو العَصَبِيَّةِ أو المُماظَّةِ للنّاسِ (٤)، وأن يَكُونُوا جامِعِين للأمانَةِ في أدْيانِهِم، لا يَتَغَلَّظُون
стр. 1702
بأن يَسْألُوا الرَّجُلَ عن عَدُوِّه فيُخْفِيَ حَسَنًا ويَقُولَ قَبِيحًا، فيَكُونَ ذلك جَرْحًا، أو يَسْألُوه عن صَدِيقِه فيُخْفِيَ قَبِيحًا ويَقُولَ حَسَنًا، فيَكُونَ ذلك تَعْدِيلًا.
(٣٧٠٩) ويَحْرِصُ أن لا يُعْرَفَ له صاحِبُ مَسْألَةٍ فيُحْتالَ له، وأن يَكْتُبَ لأصْحابِ المسائِلِ صِفاتِ الشُّهُودِ على ما وَصَفْتُ، وأسْماءَ مَنْ شَهِدُوا له وشَهِدُوا عليه، ومَبْلَغَ ما شَهِدُوا فيه، ثُمّ لا يَسْألُونَ أحَدًا حتّى يُخْبِرُوا بمَن شَهِدُوا له وشَهِدُوا عليه وبقَدْرِ ما شَهِدُوا فيه، فإنّ المسْؤولَ قد يَعْرِفُ ما لا يَعْرِفُ الحاكِمُ مِنْ أن يَكُونَ الشّاهِدُ عَدُوًّا للمَشْهُودِ عليه أو شَرِيكًا فيما شَهِدَ فيه، وتَطِيبُ نَفْسُه على تَعْدِيلِه في اليَسِيرِ، وتَقِفُ في الكَثِيرِ.
(٣٧١٠) ولا يَقْبَلُ المسْألَةَ عنه ولا تَعْدِيلَه ولا تَجْرِيحَه إلّا مِنْ اثْنَيْنِ، ويُخْفِي مِنْ كُلِّ واحِدٍ منهما أسْماءَ مَنْ دَفَعَ إلى الآخَرِ لتاتَفِقَ مَسْألَتُهما أو تَخْتَلِفَ، فإن ايتَفَقَتْ بالتَّعْدِيلِ أو التَّجْرِيحِ قَبِلَهما، وإن اخْتَلَفَتْ أعادَهما مع غَيْرِهما.
(٣٧١١) وإنْ عُدِّلَ رَجُلٌ بشاهِدَيْن وجُرِحَ بآخَرَيْن .. كان الجَرْحُ أوْلى؛ لأنّ التَّعْدِيلَ على الظّاهِرِ، والجَرْحَ على الباطِنِ.
(٣٧١٢) ولا يَقْبَلُ الجَرْحَ إلّا بالمعايَنَةِ أو بالسَّماعِ، ولا يَقْبَلُه مِنْ فَقِيهٍ (١) دَيِّنٍ عاقِلٍ إلّا بأن يَقِفَه على ما يَجْرَحُه به؛ فإنّ النّاسَ يَتَبايَنُون في الأهْواءِ، فيَشْهَدُ بَعْضُهُم على بَعْضٍ بالكُفْرِ أو الفِسْقِ بالتّأوِيلِ، وهو عندهم بالجَرْحِ أوْلى، وأكْثَرُ مَنْ يُنْسَبُ إلى أن تَجُوزَ شَهادَتُه بَغْيًا حتّى يَعُدَّ اليَسِيرَ الّذِي لا يَكُونُ جَرْحًا جَرْحًا.
стр. 1703
(٣٧١٣) ولا يَقْبَلُ التَّعْدِيلَ إلّا بأن يَقُولَ: «عَدْلٌ عَلَيَّ ولِي»، ثُمّ لا يَقْبَلُه حتّى يَسْألَه عن مَعْرِفَتِه به، فإنْ كانَتْ باطِنَةً مُتَقادِمَةً، وإلّا لم يُقْبَلْ ذلك منه.
(٣٧١٤) ويَسْألُ عمَّن جَهِلَ عَدْلَه سِرًّا، فإذا عَدَّلَ سَألَ تَعْدِيلَه عَلانِيَةً؛ ليَعْلَمَ أنّ المعَدَّلَ سِرًّا هو هذا، لا يُوافِقُ اسْمٌ اسْمًا، ولا نَسَبٌ نَسَبًا.
(٣٧١٥) ولا يَنْبَغِي أن يَتَّخِذَ كاتِبًا حتّى يَجْمَعَ أن يَكُونَ عَدْلًا عاقِلًا، ويَحْرِصُ أن يَكُونَ فَقِيهًا، لا يُؤتَى مِنْ جَهالَةٍ، نَزِهًا، بَعِيدًا مِنْ الطَّمَعِ، والقاسِمُ في صِفَةِ الكاتِبِ، عالمًا بالحسابِ، لا يُخْدَعُ.
(٣٧١٦) ويَتَوَلَّى القاضِي ضَمَّ الشّهاداتِ ورَفْعَها، لا يَغِيبُ ذلك عنه، ويَرْفَعُها في قِمَطْرٍ (١)، ويَضُمُّ الشّهاداتِ وحُجَجَ الرَّجُلَيْن في مَكانٍ واحِدٍ مُتَرْجَمَةً بأسْمائِهما، والشَّهْرِ الذي كانَتْ فيه؛ ليَكُونَ أعْرَفَ له إذا طَلَبَها، فإذا مَضَتْ سَنَةٌ عَزَلها وكَتَبَ: «خُصُومَ سَنَةِ كذا» حتّى تكُونَ كُلُّ سَنَةٍ مَفْرُوزَةً، وكُلُّ شَهْرٍ مَفْرُوزًا، ولا يَفْتَحُ المواضِعَ التِي فيها تِلْكَ الشّهاداتُ إلّا بَعْدَ نَظَرِه إلى خَاتَمِه أو عَلامَتِه، وأن يَتْرُكَ في يَدَيِ المشْهُودِ له نُسْخَةَ تِلْكَ الشّهادَةِ ولا يَخْتِمَها، ولا يَقْبَلَ مِنْ ذلك ولا ممّا وَجَدَ في دِيوانِه إلّا ما حَفِظَ؛ لأنّه قد يُطْرَحُ في الدِّيوانِ، ويُشْبِهُ الخَطُّ الخَطَّ.
(٣٧١٧) ولو شَهِدَ عنده شُهُودٌ أنّه حَكَمَ بحُكْمٍ .. فلا يُبْطِلُه ولا يُحِقُّه إذا لم يَذْكُرْه، وإن شَهِدُوا عند غَيْرِه أجازَه؛ لأنّه لا يَعْرِفُ منه ما يَعْرِفُ مِنْ نَفْسِه، فإن عَلِمَ غَيْرُه أنّه أنْكَرَه، فلا يَنْبَغِي له أن يَقْبَلَه.
стр. 1704
(٣٧٦)
كتاب قاضٍ إلى قاضٍ
(٣٧١٨) قال الشافعي: ويَقْبَلُ كُلَّ كِتابٍ لقاضٍ عَدْلٍ، ولا يَقْبَلُه إلّا بعَدْلَيْن، وحتّى يَفْتَحَه ويَقْرَأَه عليهما، فيَشْهَدا أنّ القاضِيَ أشْهَدَهما على ما فيه، قَرَأه بحَضْرَتِهما أو قُرِئَ عليهما، وقال: «اشْهَدا أنّ هذا كِتابي إلى فلانٍ».
(٣٧١٩) ويَنْبَغِي أن يَأمُرَهُم بنَسْخِه كِتابَةً في أيْدِيهم، ويُوَقِّعُوا شَهاداتِهم عليه، فإن انْكَسَرَ خاتَمُه أو انمَّحَى كِتابُه شَهِدُوا بعِلْمِهم عليه.
(٣٧٢٠) وإن ماتَ الكاتِبُ أو عُزِلَ لم يَمْنَعْ ذلك قَبُولَه، ونَقْبَلُه كما نَقْبَلُ حُكْمَه.
(٣٧٢١) ولو تَرَكَ أن يَكْتُبَ اسْمَه في العُنْوانِ وقَطَعَ الشُّهُودُ أنّه كِتابُه .. قَبِلَه.
(٣٧٢٢) وإنْ أنْكَرَ المكْتُوبُ عليه لم يَأخُذْه به حتّى يُقَدِّمَ بَيِّنَةً بأنّه هو (١)، وإذا رَفَعَ في نَسَبِه، فقامَتْ عليه بَيِّنَةٌ بهذا الاسْمِ والنَّسَبِ والقَبِيلَةِ والصِّناعَةِ .. أخِذَ بذلك الحَقِّ، وإن وافَقَ النَّسَبَ والقَبِيلَةَ والاسْمَ والصِّناعَةَ فأنْكَرَ المكْتُوبُ عليه .. لم يُقْضَ عليه حتّى يُبانَ بشَيْءٍ لا يُوافِقُه فيه غَيْرُه.
(٣٧٢٣) وكِتابُ القاضِي إلى الخَلِيفَةِ والخَلِيفَةِ إلى القاضِي، والقاضِي إلى الأمِيرِ والأميرِ إلى القاضِي .. سَواءٌ، لا يُقْبَلُ إلّا كما وَصَفْتُ مِنْ كِتابِ القاضِي إلى القاضِي.
стр. 1705
(٣٧٧)
باب القُسّامِ (١)(٣٧٢٤) قال الشافعي: ويُعْطِي أجْرَ القُسّامِ مِنْ بَيْتِ المالِ؛ لأنّهم حُكّامٌ، فإن لم يُعْطَوْه خُلِّيَ بَيْنَهُم وبَيْنَ مَنْ طَلَبَ القَسْمَ، فاسْتأجَرَهم بما شَاء، قَلَّ أو كَثُرَ، فإن سَمَّوْا على كُلِّ واحِدٍ في نَصِيبِه شَيْئًا مَعْلُومًا فجائِزٌ، وإن سَمَّوْه على الكُلِّ فعلى قَدْرِ الأنْصِباءِ.
(٣٧٢٥) وإذا تَداعَوْا إلى القَسْمِ وأبَى شُرَكاؤُهم .. فإن كان يَنْتَفِعُ واحِدٌ منهم بما يَصِيرُ له مَقْسُومًا، جَبَرْتُهم على القَسْمِ وإن لم يَنْتَفِع البَقِيَّةُ بما يَصِيرُ لهم، وأقُولُ لمَنْ كَرِهَ: إن شِئتُم جَمَعْتُ حُقُوقَكُم فكانَتْ مُشاعَةً بَيْنكُم لتَنْتَفِعُوا بها.
(٣٧٢٦) ويَنْبَغِي للقاسِمِ أن يُحْصِيَ أهْلَ القَسْمِ ومَبْلَغَ حُقُوقِهم، فإن كان فيهم مَنْ له سُدُسٌ وثُلُثٌ ونِصْفٌ قَسَمَه على أقَلِّ السُّهْمان، وهو السُّدُسُ فيها، فيَجْعَلُ لصاحِبِ السُّدُسِ سَهْمًا، ولصاحِبِ الثُّلُثِ سَهْمَيْن، ولصاحِبِ النِّصْفِ ثلاثةً، ثُمّ يَقْسِمُ الدّارَ على سِتَّةِ أجْزاءٍ، ثُمّ يَكْتُبُ أسْماءَ أهْلِ السُّهْمانِ في رِقاعِ قَراطِيسَ صِغارٍ، ثُمّ أدْرَجَها في بُنْدُقِ طِينٍ بوَزْنٍ، فإذا اسْتَوَتْ ألْقاها في حِجْرِ مَنْ لم يَحْضُر البُنْدُقَةِ ولا الكِتابِ، ثُمّ سَمَّى السُّهْمانَ (٢) أوّلًا وثانِيًا وثالِثًا، ثُمّ قال: أخْرِجْ على الأوَّلِ بُنْدُقَةً واحِدَةً، فإذا أخْرَجَها فَضَّها، فإذا خَرَجَ اسْمُ صاحِبِها جَعَلَ له السَّهْمَ الأوَّلَ، فإنْ كان صاحِبُ السُّدُسِ فهو له ولا شَيْءَ له غَيْرُه، وإن كان صاحِبَ الثُّلُثِ فهو له والسَّهْمُ الذي يَلِيه، وإن كان صاحِبَ النِّصْفِ فهو له
стр. 1706
والسَّهْمان اللّذان يَلِيانِه، ثُمّ قيل له: أخْرِجْ بُنْدُقَةً على السَّهْمِ الذي يَلي ما خَرَجَ، فإذا خَرَجَ فيها اسْمُ رَجُلٍ فهو له كما وَصَفْتُ حتّى تَنْفَدَ السُّهْمان (١).
(٣٧٢٧) وإذا كان في القَسْمِ رَدٌّ لم يَجُزْ حتّى يَعْلَمَ كُلُّ واحِدٍ منهم مَوْضِعَ سَهْمِه وما يَلْزَمُه ويَسْقُطُ عنه، فإذا عَلِمَه كما يَعْلَمُ البُيُوعَ التي تَجُوزُ أجَزْتُه، لا بالقُرْعَةِ (٢).
(٣٧٢٨) ولا يَجُوزُ أن يَجْعَلَ لأحَدِهما سُفْلًا ولآخَرَ عُلْوَه، إلّا أن يَكُونَ سُفْلُه وعُلْوُه لواحِدٍ.
(٣٧٢٩) وإذا ادّعَى بَعْضُهم غَلَطًا كُلِّفَ البَيِّنَةَ، فإن جاء بها رُدَّ القَسْمُ عنه.
(٣٧٣٠) وإذا اسْتُحِقَّ بَعْضُ المقْسُومِ، أو لَحِقَ الميِّتَ دَيْنٌ فبِيعَ بَعْضُها .. انْتَقَضَ القَسْمُ، ويُقالُ لهم في الدَّيْنِ والوَصِيَّةِ: إن تَطَوَّعْتُم أن تُعْطُوا أهْلَ الدَّيْنِ والوَصِيَّةِ أنْفَذْنا القَسْمَ بَيْنَكُم، وإلّا نَقَضْناه عليكم.
(٣٧٣١) ولا يُقْسَمُ صِنْفٌ مِنْ المالِ مع غَيْرِه، ولا عِنَبٌ مع نَخْلٍ، ولا نَضْحٌ مَضْمُومٌ إلى عَيْنٍ، ولا عَيْنٌ مَضْمُومَةٌ إلى بَعْلٍ، ولا بَعْلٌ إلى نَخْلٍ يَشْرَبُ بنَهْرٍ مأمُونِ الانْقِطاعِ (٣).
стр. 1707
(٣٧٣٢) وتُقْسَمُ الأَرَضُونَ والثِّيابُ والطَّعامُ، وكُلُّ ما احْتَمَلَ القَسْمَ.
(٣٧٣٣) وإذا طَلَبُوا أن يَقْسِمَ دارًا في أيْدِيهم بَيْنَهُم .. قُلْتُ: ثَبِّتُوا على أصُولِ حُقُوقِكُم؛ لأنّي لو قَسَمْتُها بقَوْلِكُم ثُمّ رُفِعَتْ إلى حاكِمٍ كان شَبِيهًا أن يَجْعَلَها حُكْمًا لكم ولعَلَّها لغَيْرِكُم، وقد قيل: يَقْسِمُ ويُشْهِدُ أنّه قَسَمَها على إقْرارِهِم، ولا يُعْجِبُنِي؛ لِما وَصَفْتُ (١).
стр. 1708
(٣٧٨)
باب ما على القاضي في الخصوم والشهود
(٣٧٣٤) قال الشافعي: ويَنْبَغِي للحاكِمِ أن يُنْصِفَ الخَصْمَيْن في المدْخَلِ عليه للحُكْمِ، والاسْتِماعِ والإنْصاتِ لكُلِّ واحِدٍ منهما حتّى تَنْفَدَ حُجَّتُه، ولا يَنْهَرَهُما، ولا يُعَنِّتَ شاهِدًا، ولا يَنْبَغِي أن يُلَقِّنَ واحِدًا منهما حُجَّةً، ولا شاهِدًا شَهادَةً.
(٣٧٣٥) ولا بَأسَ إذا جَلَسَ أن يَقُولَ: تكَلَّمَا، أو يَسْكُتَ حتّى يَبْتَدِئَ أحَدُهما، ويَنْبَغِي أن يَبْتَدِئَ الطّالِبُ، فإذا أنْفَدَ حُجَّتَه تكَلَّمَ المطْلُوبُ.
(٣٧٣٦) ولا يَنْبَغِي أن يُضِيفَ الخَصْمَ دُون خَصْمِه، ولا يَقْبَلَ له هَدِيَّةً وإن كان يُهْدِي إليه قَبْلَ ذلك حتّى تَنْفَدَ خُصُومَتَه.
(٣٧٣٧) وإذا حَضَرَ مُسافِرُون ومُقِيمُون .. فإن كان المسافِرُون قَلِيلًا فلا بَأسَ أن يَبْدَأ بهم، وأن يَجْعَلَ (١) لهم يَوْمًا بقَدْرِ ما لا يَضُرُّ بأهْلِ البَلَدِ، وإنْ كَثُرُوا حتّى يُساوُوا أهْلَ البَلَدِ آسَاهُم به، ولكُلٍّ حَقٌّ.
(٣٧٣٨) ولا يُقَدِّمُ رَجُلًا جاء قَبْلَه رَجُلٌ، ولا يَسْمَعُ منه في مَجْلِسٍ إلّا في حُكْمٍ واحِدٍ، فإذا فَرَغا أقامَه ودَعَا الذي بَعْدَه.
(٣٧٣٩) ويَنْبَغِي للإمامِ أن يَجْعَلَ مع رِزْقِ القاضِي شَيْئًا لقَراطِيسِه، ولا يُكَلِّفَه الطّالِبَ، فإن لم يَفْعَلْ قال للطّالِبِ: إن شِئتَ فائْتِ بصَحِيفَةٍ فيها شَهادَةُ شاهِدَيْكَ، وكِتابُ خُصُومَتِكَ، ولا أُكْرِهُكَ، ولا أقْبَلُ أن يَشْهَدَ لك شاهِدٌ بلا كِتابٍ وأنْسَى شَهادَتَه.
стр. 1709
(٣٧٤٠) وإنْ قَبِلَ الشَّهادَةَ مِنْ غير مَحْضَرِ خَصْمٍ فلا بَأسَ.
(٣٧٤١) ويَنْبَغِي إذا حَضَرَ أن يَقْرَأ عليه ما شَهِدُوا به عليه، ويُنْسِخَه أسْماءَهُم وأنْسَابَهم، ويُطْرِدَه جَرْحَهُم، فإن لم يَأتِ به حَكَمَ عليه (١).
(٣٧٤٢) وإذا عَلِمَ مِنْ رَجُلٍ بإقْرارِه، أو تَيَقَّنَ أنّه شَهِدَ عنده بزُورٍ .. عَزَّرَه، ولم يَبْلُغْ بالتَّعْزِيرِ أرْبَعِين سَوْطًا، ويُشْهِرُ أمْرَه، فإنْ كان مِنْ أهْلِ المسْجِدِ وَقَفَه فيه، وإن كان مِنْ قَبِيلٍ وَقَفَه في قَبِيلِه أو في سُوقِه (٢)، وقال: «إنّا وَجَدْنا هذا شاهِدَ زُورٍ، فاعْرِفُوه».
(٣٧٤٣) قال المزني: واخْتَلَفَ قَوْلُه في الخَصْمِ يُقِرُّ عند القاضِي، فقال: «فيها قولان: أحَدُهما - أنّه كشاهِدٍ، وبه قال شُرَيْحٌ، والآخَرُ - أنّه يَحْكُمُ به»، قال المزني: وقَطَعَ بأنّ سَماعَه الإقْرارَ منه أثْبَتُ مِنْ الشَّهادَةِ، وهكذا قال في «كتاب الرسالة»: «أقْضِي عليه بعِلْمِي، وهو أقْوَى مِنْ شاهِدَيْن، وبشاهِدَيْن أو شاهِدٍ وامْرَأتَيْن (٣)، وهو أقْوَى مِنْ شاهِدٍ ويَمِينٍ، وبشاهِدٍ ويَمِينٍ، وهو أقْوَى مِنْ النُّكُولِ ورَدِّ اليَمِينِ» (٤).
стр. 1710
(٣٧٤٤) قال الشافعي: وأحِبُّ للإمامِ إذا وَلَّى القَضاءَ رَجُلًا، أن يَجْعَلَ له أن يُوَلِّيَ القَضاءَ مَنْ رَأى في طَرَفٍ مِنْ أطْرافِه فيَجُوزَ حُكْمُه.
(٣٧٤٥) ولو عُزِلَ فقال: قد كُنْتُ قَضَيْتُ لفلانٍ على فلانٍ .. لم يُقْبَلْ إلّا بشُهُودٍ.
(٣٧٤٦) وكُلُّ ما حَكَمَ به لنَفْسِه ووَلَدِه ووالِدِه ومَن لا تَجُوزُ له شَهادَتُه .. رُدَّ حُكْمُه.
стр. 1711
[٦٥]
كتاب [الشهادات] (١)
مختصر من الجامع من اختلاف الحكام والشهادات،
ومن أحكام القرآن، ومسائل شتى سمعتها لفظًا
стр. 1712
(٣٧٤٧) قال الشافعي: قال الله : ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فاحْتَمَلَ أمْرُه جَلّ ذِكْرُه أمْرَيْن: أحَدُهما - أن يَكُونَ مُباحًا تَرْكُها، والآخَرُ - حَتْمًا يَعْصِي مَنْ تَرَكَه بتَرْكِه، فلمّا أمَرَ اللهُ تبارك اسْمُه في آيَةِ الدَّيْنِ - والدَّيْنُ تَبايُعٌ - بالإشْهادِ، وقال فيها: ﴿فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته﴾ [البقرة: ٢٨٣] .. دَلَّ على أنّ الأوَّلَ (١) دَلالَةٌ على الحَظِّ؛ لِما في الإشْهادِ مِنْ مَنْعِ التَّظالُمِ بالجُحُودِ أو بالنِّسْيانِ، ولِما في ذلك مِنْ بَراآتِ الذِّمَمِ بعد الموْتِ، لا غَيْرُ، وكُلُّ أمْرٍ نَدَبَ اللهُ إليه فهو الخَيْرُ الذي لا يَعْتاضُ مِنه مَنْ تَرَكَه، وقد حُفِظَ عن رسولِ الله ﷺ أنّه بايَعَ أعْرابِيًّا فَرَسًا، فجَحَدَه بأمْرِ بَعْضِ المنافقين، ولم يَكُنْ بَيْنَهما إشْهادٌ، فلو كان حَتْمًا ما تَرَكَه رسولُ الله ﷺ .
стр. 1713
(٣٧٩)
باب عدد الشهود، وحيث لا تجوز فيه شهادة النساء وحيث يجزن (١)،
وحكم القاضي بالظاهر
(٣٧٤٨) قال الشافعي: ودَلَّ اللهُ جل ثناؤه على أن لا يَجُوزَ في الزِّنا أقَلُّ مِنْ أرْبَعَةٍ؛ لقَوْلِه: ﴿لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون﴾ [النور: ١٣]، وقال سَعْدٌ: يا رسولَ الله، أرَأيْتَ لو وَجَدْتُ مع امْرَأتِي رَجُلًا، أمْهِلُه حتّى آتِيَ بأرْبَعَةِ شُهَداءَ؟ فقال رسولُ الله ﷺ : «نَعَمْ»، وجَلَدَ عُمَرُ بنُ الخطّاب ثَلاثَةً لمّا لم يَتِمَّ الرّابعُ، وقال الله ﵎ في الإمْساكِ والفِراقِ: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢]، فانْتَهَى إلى شاهِدَيْن، ودَلَّ على ما دَلَّ ما قَبْلَه مِنْ نَفْيِ أن يَجُوزَ فيه إلّا رِجالٌ لا نِساءَ معهم؛ لأنّه لا يَحْتَمِلُ إلّا أن يَكُونا رَجُلَيْن، وقال الله ﵎ في آيَةِ الدَّيْنِ: ﴿فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ولم يَذْكُرْ في شُهُودِ الزِّنا ولا الفِراقِ والرَّجْعَةِ امْرَأةٌ، ووَجَدْنا شُهُودَ الزِّنا يَشْهَدُون على حَدٍّ، لا مالٍ، والطَّلاقُ والرَّجْعَةُ تَحْرِيمٌ بعد تَحْلِيلٍ وتَثْبِيتُ تَحْلِيلٍ، لا مالٌ، والوَصِيَّةُ إلى الموصَى إليه قِيامٌ بما أوْصِيَ به إليه، لا أنّ له مالًا، ولا أعْلَمُ أحَدًا مِنْ أهل العِلْمِ خالَفَ في أنّه لا يَجُوزُ في الزِّنا إلّا الرِّجالُ، وأكْثَرُهُم قال: ولا في الطّلاقِ ولا في الرَّجْعَةِ إذا تَناكَرَ الزَّوْجان، وقالُوا ذلك في الوَصِيَّةِ، فكانَ ذلك كالدَّلالَةِ على ظاهِرِ القُرْآنِ، وكانَ أوْلَى بالأمُورِ أن يُصارَ إليه ويُقاسَ عليه، والدَّيْنُ مالٌ، فما أخَذَ به المشْهُودُ له
стр. 1714
مالًا جازَتْ فيه شَهادَةُ النِّساءِ مع الرِّجالِ، وما عَدَا ذلك فلا يَجُوزُ فيه إلّا الرِّجالُ، قال الشافعي: وفي قول الله تبارك اسمه: ﴿فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾، وقال : ﴿أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾ [البقرة: ٢٨٢] .. دَلالَةٌ على أن لا تَجُوزَ شَهادَةُ النِّساءِ حَيْثُ يَجُزْنَ إلّا مع رجلٍ، ولا يَجُوزُ مِنْهُنّ إلّا امْرأتان فصاعِدًا، وأصْلُ النِّساءِ أنّه قُصِرَ بهنَّ عن أشْياءَ بَلَغَها الرِّجالُ، وأنّهم جُعِلُوا قَوّامِينَ عليهنّ وحُكّامًا ومُجاهِدِين، وأنّ لهم السُّهْمانَ مِنْ الغَنِيمَةِ دُونَهُنَّ، وغَيْرُ ذلك، فالأصْلُ أن لا يُجَزْنَ، فإذا أجِزْنَ في مَوْضِعٍ لم يُعْدَ بهنّ ذلك الموْضِعَ.
(٣٧٤٩) وكيف أجازَهُنّ محمّدُ بنُ الحسَنِ في الطّلاقِ والعِتاقِ ورَدَّهُنَّ في الحدودِ؟ قال الشافعي: وفي إجْماعِهِم على أن لا يُجَزْنَ على الزِّنا ولم يُسْتَثْنَيْن في الإعْوازِ مِنْ الأرْبَعَةِ، دَليلٌ على أن لا يُجَزْنَ في الوَصِيَّةِ إذا لم يُسْتَثْنَيْن في الإعْوازِ مِنْ شاهِدَيْن.
(٣٧٥٠) قال الشافعي: وقال بعض أصحابنا: «إنْ شَهِدَت امْرأتان لرَجُلٍ بمالٍ حَلَفَ مَعَهما»، ولقَدْ خالَفَه عَدَدٌ أحْفَظُ ذلك عنهم مِنْ أهْلِ المدينةِ، وهذا إجازَةُ النِّساءِ بغَيْرِ رَجُلٍ، فيَلْزَمُه أن يُجِيزَ أرْبَعًا فيُعْطِيَ بهنَّ حَقًّا، فإن قال: إنّهما مع يَمِينِ رَجُلٍ .. فيَلْزَمُه أن لا يُجِيزَهما مع يَمِينِ امْرَأةٍ، والحكْمُ فيهما واحِدٌ.
(٣٧٥١) قال الشافعي: وكان القَتْلُ والجِراحُ وشُرْبُ الخَمْرِ والقَذْفُ ممّا لم يُذْكَرْ فيه عَدَدُ الشُّهودِ، فكان ذلك قِياسًا على شاهِدَي الطَّلاقِ وغَيْرِه ممّا وَصَفْتُ.
(٣٧٥٢) قال: ولا يُحِيلُ حُكْمُ الحاكِمِ الأمُورَ عمّا هي عليه، أخْبَرَ رسولُ الله ﷺ أنّه يَقْضِي بالظّاهِرِ، ويَتَوَلَّى اللهُ السَّرائِرَ، فقال: «فمَنْ قَضَيْتُ
стр. 1715
له مِنْ حَقِّ أخِيه بشَيْءٍ فلا يَأخُذَنَّه؛ فإنَّما أقْطَعُ له قِطْعَةً مِنْ النّارِ»، فلو شَهِدا بزُورٍ أنّ رَجُلًا طَلَّقَ امْرَأتَه ثلاثًا ففَرَّقَ الحاكِمُ بينهما كانَتْ له حَلالًا، غَيْرَ أنّا نَكْرَهُ له أن يَطَأَها فيُحَدَّا، ويَلْزَمُ مَنْ زَعَمَ أنّ فُرْقَتَه فُرْقَةٌ تَحْرُمُ بها على الزَّوْجِ ويَحِلُّ لأحَدِ الشّاهِدَيْن أن يتَزَوَّجَها فيما بَيْنَه وبين الله .. أن يَقُولَ: لو شَهِدَا له بزُورٍ أنّ هذا قَتَلَ ابْنَه عَمْدًا فأباح له الحاكِمُ دَمَه أن يُرِيقَ دَمَه، ويَحِلُّ له فيما بينه وبين الله .
стр. 1716
(٣٨٠)
باب شهادة النساء لا رَجُلَ معهن، والردِّ على من أجاز شهادة امرأة
من هذا الكتاب (١)، ومن اختلاف العراقيين (٢)(٣٧٥٣) قال الشافعي: والوِلادُ وعُيُوبُ النِّساءِ ممّا لم أعْلَمْ فيه مُخالِفًا في أنّ شَهادَةَ النِّساءِ جائزةٌ فيه لا رَجُلَ مَعَهُنَّ، واخْتَلَفُوا في عَدَدِها، فقال عطاء: «لا يَجُوزُ في شَهادَةِ النِّساءِ لا رَجُلَ معهنَّ في أمْرِ النِّساءِ أقَلُّ مِنْ أرْبَعٍ عُدُولٍ»، قال الشافعي: وبهذا نأخُذُ، ولمّا ذَكَرَ اللهُ جل ثناؤه النِّساءَ فجَعَلَ امْرَأتَيْن تَقُومانِ مَقامَ رَجُلٍ في الموْضِعِ الذي أجازَهما فيه، دَلَّ - والله أعلم - إذْ أجاز المسلمون شَهادَةَ النِّساءِ في مَوْضِعٍ أن لا يَجُوزَ منهنَّ إلّا أرْبَعٌ عُدُولٌ؛ لأنّ ذلك مَعْنَى حُكْمِ الله .
(٣٧٥٤) قال الشافعي: وقُلْتُ لمَنْ يُجِيزُ شَهادَةَ امْرَأةٍ في الوِلادَةِ؛ كما يُجِيزُ الخَبَرَ بها لا مِنْ قِبَلِ الشَّهادَةِ: وأيْنَ الخبَرُ مِنْ الشَّهادَةِ؟ أتَقْبَلُ امْرَأةً عن امْرَأةٍ أنّ امْرَأةَ رَجُلٍ وَلَدَتْ هذا الوَلَدَ؟ قال: لا، قلتُ: وتَقْبَلُ في الخَبَرِ (أخْبَرَنا فلانٌ عن فلانٍ)؟ قال: نعم، قلتُ: والخبَرُ هو ما اسْتَوَى فيه المخْبِرُ
стр. 1717
والمخْبَرُ والعامَّةُ مِنْ حَلالٍ أو حَرامٍ؟ قال: نعم، قلتُ: والشَّهادَةُ ما كان الشّاهِدُ منه خَلِيًّا والعامَّةُ، وإنّما يَلْزَمُ المشْهُودَ عليه؟ قال: نعم، قلتُ: أفَتَرَى هذا مُشْبِهًا لهذا؟ قال: أمّا في هذا فلا.
стр. 1718
(٣٨١)
باب شهادة القاذف
(٣٧٥٥) قال الشافعي: أمَرَ اللهُ تعالى أن يُضْرَبَ القاذِفُ ثَمانِينَ، ولا تُقْبَلَ له شَهادَةٌ أبَدًا، وسَمّاه فاسِقًا، إلّا أن يَتُوبَ، فإنْ تاب قُبِلَتْ شَهادَتُه، ولا خِلافَ بيننا في الحرَمَيْنِ قَدِيمًا ولا حَدِيثًا في أنّه إذا تابَ قُبِلَتْ شَهادَتُه.
(٣٧٥٦) قال الشافعي: والتَّوْبَةُ إكْذابُه نَفْسَه (١)؛ لأنّه أذْنَبَ بأن نَطَقَ بالقَذْفِ، والتَّوْبَةُ منه أن يَقُولَ: القَذْفُ باطِلٌ؛ كما تكُونُ الرِّدَّةُ بالقَوْلِ، والتَّوْبَةُ عنها بالقَوْلِ، فإنْ كان عَدْلًا قُبِلَتْ شَهادَتُه، وإلّا فحَتَّى تَحْسُنَ حالُه (٢).
(٣٧٥٧) قال الشافعي: أخْبَرَنا سفيان بن عيينة، قال: سمعتُ الزهريَّ يَقُولُ: «زَعَمَ أهْلُ العِراقِ أنّ شَهادَةَ القاذِفِ لا تَجُوزُ، فأشْهَدُ لأخْبَرَنِي - ثُمّ سَمَّى الرَّجُلَ الّذِي أخْبَرَه - أنّ عُمَرَ قال لأبي بَكْرَةَ: تُبْ تُقْبَلْ شَهادَتُك، أو قال: إنْ تُبْتَ قُبِلَتْ شَهادَتُك».
стр. 1719
(٣٧٥٨) قال الشافعي: وبَلَغَنِي عن ابْنِ عبّاسٍ مِثْلُ مَعْنَى هذا، وقال ابْنُ أبي نَجِيحٍ: «كُلُّنا نَقُولُه»، قُلْتُ: مَنْ؟ قال: «عطاءٌ وطاوسٌ ومجاهدٌ»، وقال الشعبيُّ: «يَقْبَلُ اللهُ تَوْبَتَه، ولا تَقْبَلُون شهادَتَه؟!».
(٣٧٥٩) قال الشافعي: وهو قَبْلَ أن يُحَدَّ شَرٌّ منه حين يُحَدُّ؛ لأنّ الحُدُودَ كفّاراتٌ، فكيف تَرُدُّونَها في أحْسَنِ حالَيْه، وتَقْبَلُونَها في شَرِّ حالَيْه؟ وإذْ قَبِلْتُم تَوْبَةَ الكافِرِ والقاتِلِ عَمْدًا، كَيْفَ لا تَقْبَلُونَ تَوْبَةَ القاذِفِ وهو أيْسَرُ ذَنْبًا؟!
قال المزني: صَدَقَ والله (١).
стр. 1720
(٣٨٢)
باب التحفظ في الشهادة والعلمِ بها
(٣٧٦٠) قال الشافعي: قال الله : ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا﴾ [الإسراء: ٣٦] (١)، وقال: ﴿إلا من شهد بالحق وهم يعلمون﴾ [الزخرف: ٨٦]، قال: فالعِلْمُ مِنْ ثلاثة وُجُوهٍ: منها - ما عايَنَه، فيَشْهَدُ بها، ومنها - ما تَظاهَرَتْ به الأخْبارُ وثَبَتَتْ مَعْرِفَتُه في القُلُوبِ، فيَشْهَدُ عليه، ومنها - ما أثْبَتَه سَمْعًا مع إثْباتِ بَصَرٍ مِنْ المشْهُودِ عليه.
(٣٧٦١) فبذلك قُلْنا: لا تَجُوزُ شَهادَةُ الأعْمَى؛ لأنّ الصَّوْتَ يُشْبِه الصَّوْتَ، إلّا أن يَكُونَ أثْبَتَ شَيْئًا مُعايَنَةً وسَمْعًا ونَسَبًا ثُمّ عَمِيَ، فيَجُوزُ، ولا عِلَّةَ في رَدِّه (٢).
(٣٧٦٢) والشَّهادَةُ على مِلْكِ الرَّجُلِ الدَّارَ والثَّوْبَ على تَظاهُرِ الأخْبارِ بأنّه مالِكٌ، وأن لا يَرَى مُنازِعًا في ذلك، فتَثْبُتُ مَعْرِفَتُه في القَلْبِ، فيَسَعُ الشَّهادَةُ عليه، وعلى النَّسَبِ إذا سَمِعَه يَنْتَسِبُ زَمانًا، ويَسْمَعُ غَيْرَه يَنْسِبُه إلى نَسَبِه ولا يَسْمَعُ (٣) دافِعًا ولا دَلالَةً يَرْتابُ بها، وكذلك يَشْهَدُ على عَيْنِ المرْأةِ ونَسَبِها إذا تَظاهَرَتْ له الأخْبارُ ممَّنْ يُصَدَّقُ بأنّها فُلانَةُ، ورَآها مَرَّةً بعد مَرَّةٍ، وهذا كُلُّه شَهادَةٌ بعِلْمٍ كما وَصَفْتُ.
стр. 1721
(٣٧٦٣) وكذلك يَحْلِفُ الرَّجُلُ على ما يَعْلَمُ بأحَدِ هذه الوُجُوهِ فيما أخَذَ به مع شاهِدِه، وفي رَدِّ يَمِينٍ، وغَيْرِه.
(٣٧٦٤) قال الشافعي: قُلْتُ لمن قال: لا أجِيزُ الشّاهِدَ وإن كان بَصِيرًا حين عَلِمَ حتّى يُعايِنَ المشْهُودَ عليه يَوْمَ يُؤدِّيها عليه: فأنْتَ تُجِيزُ شَهادَةَ البَصِيرِ على مَيِّتٍ وعلى غائِبٍ في حالٍ، وهذا نَظِيرُ ما أنْكَرْتَ.
стр. 1722
(٣٨٣)
باب ما يجب على المرء من القيام بالشهادة، وإذا دُعِيَ ليكتب أو ليشهد (١)(٣٧٦٥) قال الشافعي: قال الله : ﴿ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه﴾ [البقرة: ٢٨٣]، قال الشافعي: الذي (٢) أحْفَظُ عن كُلِّ مَنْ سَمِعْتُ مِنْ أهْلِ العِلْمِ أنّ ذلك في الشّاهِدِ قد لَزِمَتْه الشَّهادَةُ، أنّ فَرْضًا عليه أن يَقُومَ بها على والِدَيْه ووَلَدِه والقَرِيبِ والبَعِيدِ، لا يَكْتُمُ على أحَدٍ، ولا يُحابِي بها أحَدًا، ولا يَمْنَعُها أحَدًا (٣)، ثُمّ تَتَفَرَّعُ الشَّهاداتُ.
(٣٧٦٦) قال الشافعي: قال الله : ﴿ولا يضار كاتب ولا شهيد﴾ [البقرة: ٢٨٢] (٤)، فأشْبَه أن يَكُونَ حَرِجَ مَنْ تَرَكَ ذلك ضِرارًا.
(٣٧٦٧) وفَرْضُ القِيامِ بها في الابْتِداءِ على الكِفايَةِ كالجِهادِ ورَدِّ السَّلامِ والجنائزِ، ولم أحْفَظْ خِلافَ ما قُلْتُ عن أحَدٍ.