← Фикх шафии

Фикх шафии · id 914

مختصر المزني - ت الداغستاني

المزني

Полный текст (1 788 стр.). Показаны 1668–1707 · переход к 1673.

стр. 1668

(٣٥٨٧) ولا يُجْزِئه أن يُعْطِيَ إلّا حُرًّا، مُسْلِمًا، مُحْتاجًا، ولو عَلِمَ أنّه أعْطَى غَيْرَهم فعليه عندي أن يُعِيدَ. (٣٥٨٨) ولا يُطْعِمُ أقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ مساكِينَ، واحْتَجَّ على مَنْ قال: «إنْ أطْعَمَ مِسْكينًا واحِدًا مائةً وعشرين مُدًّا في سِتِّين يَوْمًا أجْزأه، وإنْ كان في أقَلَّ مِنْ سِتِّين لم يُجْزِه»، فقال: أراكَ جَعَلْتَ واحِدًا سِتِّين مِسْكِينًا، فقد قال الله : ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢]، فإنْ شَهِدَ اليَوْمَ شاهِدٌ بحَقٍّ، ثُمّ عاد مِنْ الغَدِ فشَهِدَ به، فقد شَهِدَ بها مَرَّتَيْن فهو كشاهِدَيْن، قال: لا يَجُوزُ؛ لأنّ الله ذَكَرَ العَدَدَ .. قيل: وكذلك ذَكَرَ اللهُ جل ذكره في المساكينِ العَدَدَ. (٣٥٨٩) قال الشافعي: ولو أطْعَمَ تِسْعَةً وكَسا واحِدًا .. لم يُجْزِه حتّى يُطْعِمَ عَشَرَةً؛ كما قال الله جل ذكره: ﴿أو كسوتهم﴾ [المائدة: ٨٩]. (٣٥٩٠) قال: ولو كانَتْ عليه كفّارَةُ ثَلاثَةِ أيْمانٍ مُخْتَلِفَةٍ، فأعْتَقَ وأطْعَمَ وكَسا يَنْوِي الكفّارَةَ، ولا يَنْوِي عن أيِّها: العِتْقِ ولا الطَّعامِ ولا الكِسْوَةِ .. أجْزَأتْه، وأيَّها شاءَ أن يَكُونَ عِتْقًا أو طَعامًا أو كِسْوَةً كانَ، وإن لم يَشَأ فالنِّيَّةُ الأُولى تُجْزِئة. (٣٥٩١) قال: ولا تُجْزِئه كفّارَةٌ حتّى يُقَدِّمَ قَبْلَها النِّيَّةَ أو مَعَها. (٣٥٩٢) ولو كَفَّرَ عنه رَجُلٌ بأمْرِه أجْزأه، وهذه كهِبَتِه إيّاها مِنْ مالِه، ودَفْعِه إيّاها بأمْرِه كقَبْضِ وَكِيلِه لهِبَتِه لو وَهَبَها له، وكذلك إنْ قال: «أعْتِقْ عنِّي» فوَلاؤُه للمُعْتَقِ عنه؛ لأنّه قد مَلَكَه قبل العِتْقِ، وكان عِتْقُه مِثْلَ القَبْضِ؛ كما لو اشْتَراه فلم يَقْبِضْه حتّى أعْتَقَه، كان العِتْقُ كالقَبْضِ. (٣٥٩٣) ولو أنّ رَجُلًا كَفَّر عن رَجُلٍ بغَيْرِ أمْرِه، فأطْعَمَ أو أعْتَقَ لم يُجْزِه، وكان هو المعْتِقَ لعَبْدِه، فوَلاؤُه له، وكذلك لو أعْتَقَ عن أبَوَيْه بعد الموْتِ إذا لم يَكُنْ ذلك بوَصِيَّةٍ منهما.

стр. 1669

(٣٥٩٤) ولو صام عن رَجُلٍ بأمْرِه لم يُجْزِه؛ لأنّ الأبْدانَ تُعُبِّدَتْ بعَمَلٍ، فلا يُجْزِئ أن يَعْمَلَها غَيْرُها، إلّا الحَجَّ والعُمْرَةَ؛ للخَبَرِ الذي جاء عن النبيِّ ﷺ ، وبأنَّ فيهما نَفَقَةً، ولأنّ اللهَ جل ثناؤه إنّما فَرَضَهما على مَنْ وَجَدَ السَّبِيلَ إليهما، والسَّبِيلُ بالمالِ. (٣٥٩٥) ومَن اشْتَرَى ممّا أطْعَمَ أو كَسا أجَزْتُه، ولو تَنَزَّه عن ذلك كان أحَبَّ إليَّ. (٣٥٩٦) ومَن كان له مَسْكَنٌ لا يَسْتَغْنِي عنه هو وأهْلُه، وخادِمٌ .. أعْطِيَ مِنْ الكفّارَةِ والزَّكاةِ، وإنْ كان في مَسْكَنِه فَضْلٌ عن حاجَتِه وأهْلِه، الفَضْلُ الذي يَكُونُ به غَنِيًّا .. لم يُعْطَ. (٣٥٩٧) وإذا حَنِثَ مُوسِرًا ثُمّ أعْسَرَ .. لم أرَ الصَّوْمَ يُجْزِئ عنه، وآمُرُه احْتِياطًا أن يَصُومَ، فإذا أيْسَرَ كَفَّرَ، وإنّما أنْظُرُ في هذا إلى الوَقْتِ الذي يَحْنَثُ فيه، ولو حَنِثَ مُعْسِرًا فأيْسَرَ .. أحْبَبْتُ له أن يُكَفِّرَ ولا يَصُومَ، وإن صامَ أجْزَأ عنه؛ لأنّ حُكْمَه حين حَنِثَ حُكْمُ الصِّيامِ. قال المزني: وقد قال في الظِّهارِ: «إنّ حُكْمَه حين يُكَفِّرُ»، وقال في جماعة العلماء: «إنْ تَظاهَرَ فلم يَجِدْ رَقَبَةً، أو أحْدَثَ فلم يَجِدْ ماءً، فلم يَصُمْ ولم يَدْخُلْ في الصّلاةِ بالتَّيَمُّمِ حتّى وَجَدَ الرَّقَبَةَ والماءَ .. أنّ فَرْضَه العِتْقُ والوُضُوءُ»، وقَوْلُه في جماعةِ العُلماءِ أوْلَى به مِنْ انْفِرادِه عنها (١). (٣٥٩٨) قال الشافعي: ومَن له أن يَأخُذَ مِنْ الكفّارَةِ أو الزَّكاةِ فله أن يَصُومَ، وليْسَ عليه أن يَتَصَدَّقَ ولا يُعْتِقَ، فإنْ فَعَلَ أجْزَأه (٢).

стр. 1670

(٣٥٩٩) وإنْ كان غَنِيًّا ومالُه غائِبٌ عنه .. لم يَكُنْ له أن يُكَفِّرَ حتّى يَحْضُرَ مالُه إلّا بالإطْعامِ أو الكِسْوَةِ أو العِتْقِ. قال المزني: جَعَلَ حُكْمَه حُكْمَ الموسِرِ (١).

стр. 1671

(٣٦٥) باب ما يجزي من الكسوة في الكفارة (٣٦٠٠) قال الشافعي: وأقَلُّ ما يُجْزِئ مِنْ الكِسْوَةِ: كُلُّ ما وَقَعَ عليه اسْمُ كِسْوَةٍ، مِنْ عِمامَةٍ أو سَراوِيلَ أو إزارٍ أو مِقْنَعَةٍ وغَيْرِ ذلك، لرَجُلٍ أو امْرَأةٍ أو صَبِيٍّ، ولو اسْتُدِلَّ بما يَجُوزُ (١) فيه الصَّلاةُ مِنْ الكِسْوَةِ على كِسْوَةِ المسْكِينِ .. لجازَ أن يُسْتَدَلَّ بما يَكْفِيه في الشِّتاءِ أو في الصَّيْفِ أو في السَّفَرِ مِنْ الكِسْوَةِ، وقد أطْلَقَه اللهُ، فهو مُطْلَقٌ (٢).

стр. 1672

(٣٦٦) باب ما يجوز في عتق الكفارات وما لا يجوز (١) (٣٦٠١) قال الشافعي: ولا يُجْزِئ رَقَبَةٌ مِنْ كفّارَةٍ ولا واجِبَةٍ إلّا مُؤمِنَةٌ. (٣٦٠٢) وأقَلُّ ما يَقَعُ اسْمُ الإيمانِ على الأعْجَمِيّ أن يَصِفَ الإيمانَ إذا أمِرَ بصِفَتِه، ثُمّ يَكُونَ مُؤمِنًا. (٣٦٠٣) ويُجْزِئ فيه الصّغِيرُ إذا كان أبَواهُ مُؤمِنَيْنِ أو أحَدُهما، ووَلَدُ الزِّنا، وكُلُّ ذِي نَقْصٍ بعَيْبٍ لا يَضُرُّ بالعَمَلِ ضِرارًا بَيِّنًا (٢)، مِثْلُ: العَرَجِ الخفِيفِ والعَوَرِ وشَلَلِ الخِنْصِرِ ونَحْوِ ذلك. (٣٦٠٤) ولا يُجْزِئ المقْعَدُ، ولا الأعْمَى، ولا الأشَلُّ الرِّجْلِ، ويُجْزِئ الأصَمُّ والخَصِيُّ والمرِيضُ الذي ليْسَ به مَرَضُ زَمانَةٍ، مِثْلُ: الفالِجِ والسُّلِّ. (٣٦٠٥) ولو اشْتَرَى مَنْ يَعْتِقُ عليه لم يُجْزِه، ولا يَعْتِقُ عليه إلّا الوالِدُون والموْلُودُون. (٣٦٠٦) ولو اشْتَرَى رَقَبَةً بشَرْطِ أن يُعْتِقَها لم تُجْزِ عنه. (٣٦٠٧) ويُجْزِئ المدَبَّرُ، ولا يُجْزِئ المكاتَبُ حتّى يَعْجِزَ فيُعْتَقَ بعد العَجْزِ، ويُجْزِئ المعْتَقُ إلى سِنِينَ. (٣٦٠٨) واحْتَجّ في كتابِ اليَمِينِ مع الشّاهِدِ على مَنْ أجازَ عِتْقَ الذِّمِّيِّ في الكفّارَةِ، بأنّ الله لمّا ذَكَرَ رَقَبَةً في كفّارةٍ، فقال: ﴿مؤمنة﴾ [النساء: ٩٢]،

стр. 1673

ثُمّ ذَكَرَ رَقَبَةً أخْرَى في كفّارَةٍ .. كانَتْ مُؤمِنَةً؛ لأنّهما يَجْتَمِعان في أنّهما كفّارَتان، ولمّا رَأيْنا ما فَرَضَ اللهُ جل ذكره على المسْلِمِين في أمْوالِهِم مَنْقُولًا إلى المسْلِمِين .. لم يَجُزْ أن يُخْرِجَ مِنْ مالِه فَرْضًا عليه فيُعْتِقَ به ذِمِّيًّا ويَدَعَ مُؤمِنًا.

стр. 1674

(٣٦٧) باب الصيامِ في كَفّارة الأيمان المتتابِعِ وغيرِه (٣٦٠٩) قال الشافعي: كُلُّ مَنْ وَجَبَ عليه صَوْمٌ ليس بمَشْرُوطٍ في كتابِ الله جل ذكره أن يَكُونَ مُتَتابِعًا أجْزأه مُتَفَرِّقًا، قِياسًا على قول الله : ﴿فعدة من أيام أخر﴾ [البقرة: ١٨٤]، و «العِدَّةُ»: أن يَأتِيَ بعَدَدِ صَوْمٍ، لا وَلاءٍ. وقال في كتاب الصيام: «إنّ صِيامَ كفّارَةِ اليَمِينِ مُتَتابعٌ، والله أعلم»، قال المزني: هذا ألْزَمُ له؛ لأنّ اللهَ شَرَطَ صَوْمَ كفّارَةِ المتَظاهِرِ مُتَتابِعًا، وهذا صَوْمُ كفّارَةٍ مِثْلُه؛ كما احْتَجّ الشّافعيُّ بشَرْطِ الله رَقَبَةَ القَتْلِ مُؤمِنَةً، فجَعَلَ الشّافعيُّ رَقَبَةَ الظِّهارِ مِثْلَهَا مُؤمِنَةً؛ لأنّها كفّارَةٌ شَبِيهَةٌ بكفّارَةٍ، فكذلك الكفّارَةُ عن ذَنْبٍ بالكفّارَةِ عن ذَنْبٍ أشْبَهُ منها بقَضاءِ رمضانَ الذي ليْسَ بكفّارَةٍ عن ذَنْبٍ، فتَفَهَّمْ (١). (٣٦١٠) قال الشافعي: وإذا كان الصَّوْمُ مُتَتابِعًا فأفْطَرَ فيه الصّائِمُ أو الصّائمَةُ مِنْ عُذْرٍ وغَيْرِ عُذْرٍ .. اسْتَأنَفا الصِّيامَ، إلّا الحائضَ، فإنّها لا تَسْتأنِفُ. وقال في القديم: المرَضُ كالحَيْضِ، وقد يَرْتَفِعُ الحَيْضُ بالحمْلِ وغَيْرِه كما يَرْتَفِعُ المرَضُ (٢). (٣٦١١) قال: ولا صَوْمَ فيما لا يَجُوزُ صَوْمُه تَطَوُّعًا، مِثْلُ: يَوْمِ الفِطْرِ والأضْحَى، وأيّامِ التَّشْرِيقِ.

стр. 1675

(٣٦٨) باب الوصية بكفارة الأيمان وبالزكاة (٣٦١٢) قال الشافعي: مَنْ لَزِمَه حَقٌّ للمَساكِينِ في زَكاةٍ أو كفّارَةِ يَمِينٍ أو حَجٍّ .. فذلك كُلُّه مِنْ رَأسِ مالِه، يُحاصُّ به الغُرَماءُ. (٣٦١٣) فإنْ أوْصَى أن يُعْتَقَ عنه في كفّارَةٍ .. فإنْ حَمَلَ ثُلُثُه العِتْقَ أعْتِقَ عنه، وإن لم يَحْمِلْه الثُّلُثُ أطْعِمَ عنه مِنْ رَأسِ مالِه.

стр. 1676

(٣٦٩) باب كفارة يمين العبد بعد العتق (١) (٣٦١٤) قال الشافعي: ولا يُجْزِئ العَبْدَ في الكفّارَةِ إلّا الصَّوْمُ؛ لأنّه لا يَمْلِكُ مالًا. (٣٦١٥) وليْسَ له أن يَصُومَ إلّا بإذْنِ مَوْلاه، إلّا أن يَكُونَ ما لَزِمَه بإذْنِه، ولو صام بأيّ حالٍ أجْزَأه. (٣٦١٦) [ولو حَنِثَ ثُمّ أعْتِقَ وكَفَّرَ كفّارَةَ حُرٍّ .. أجْزَأه؛ لأنّه حينئذٍ مالِكٌ، ولو صام .. أجْزَأه (٢)؛ لأنّ حُكْمَه يَوْمَ حَنِثَ حُكْمُ الصِّيامِ. قال المزني: قد مَضَت الحُجَّةُ أنّ الحُكْمَ يَوْمَ يُكَفِّرُ لا يَوْمَ يَحْنَثُ؛ كما قال: «إنّ حُكْمَه في الصّلاةِ حين يُصَلِّي كما يُمْكِنُه لا حين وَجَبَتْ عليه» (٣). (٣٦١٧) قال الشافعي: ولو حَنِثَ ونِصْفُه عَبْدٌ ونِصْفُه حُرٌّ، وكان في يَدِه مالٌ لنَفْسِه .. لم يُجْزِئه الصَّوْمُ، وكان عليه أن يُكَفِّرَ ممّا في يَدَيْه لنَفْسِه. قال المزني: إنّما المالُ لنِصْفِه الحُرِّ، لا يَمْلِكُ منه النِّصْفُ الممْلُوكُ شَيْئًا (٤)، فكيف يُكَفِّرُ بالمالِ نِصْفُ عَبْدٍ لا يَمْلِكُ منه شَيْئًا، وأحَقُّ بقَوْلِه أنّه كرَجُلٍ مُوسِرٍ بنِصْفِ الكفّارَةِ فليْسَ عليه إلّا الصَّوْمُ، وبالله التوفيق (٥).

стр. 1677

(٣٧٠) باب جامع الأيمان (٣٦١٨) قال الشافعي: وإذا كانَ في دارٍ فحَلَفَ أن لا يَسْكُنَها .. أخَذَ في الخرُوجِ مَكانَه، وإنْ تَخَلَّفَ ساعَةً يُمْكِنُه الخرُوجُ منها حَنِثَ، فيَخْرُجُ ببَدَنِه مُتَحَوِّلًا، ولا يَضُرُّه أن يَتَرَدَّدَ على حَمْلِ مَتاعِه وإخْراجِ أهْلِه؛ لأنّ ذلك ليْسَ بسُكْنَى (١). (٣٦١٩) ولو حَلَفَ أن لا يُساكِنَه وهو ساكِنٌ .. فإنْ أقاما جميعًا ساعَةً يُمْكِنُه التَّحَوُّلُ عنه حَنِثَ، ولو كانا في بَيْتَيْن، فجَعَلَ بينهما جِدارًا ولِكُلِّ واحِدٍ مِنْ الحُجْرَتَيْن بابٌ، فلَيْسَتْ هذه بمُساكَنَةٍ وإنْ كانا في دارٍ واحِدَةٍ، والمساكَنَةُ أن يَكُونا في بَيْتٍ واحِدٍ أو بَيْتَيْن حُجْرَتُهما واحِدَةٌ ومَدْخَلُهما واحِدٌ، وإذا افْتَرَقَ البَيْتان والحُجْرَتان فلَيْسَتْ بمُساكَنَةٍ، إلّا أن يَكُونَ له نِيَّةٌ، فهو على ما نَوَى. (٣٦٢٠) فإن قيل: ما الحُجَّةُ في أنّ النُّقْلَةَ ببَدَنِه دُونَ مَتاعِه وأهْلِه؟ .. قيل: أرَأيْتَ إذا سافَرَ، أيَكُونُ مِنْ أهْلِ السَّفَرِ ويَقْصُرُ؟ أرَأيْتَ لو انْقَطَعَ إلى مَكَّةَ ببَدَنِه، أيَكُونُ مِنْ حاضِرِي المسْجِدِ الحرامِ الذين إن تَمتَّعُوا لم يَكُنْ عليهم دَمٌ؟ فإذا قال: نَعَمْ .. فإنّما النُّقْلَةُ والحُكْمُ على البَدَنِ، لا على مالٍ وأهْلٍ وعِيالٍ. (٣٦٢١) ولو حَلَفَ لا يَدْخُلُها (٢)، فرَقَى فَوْقَها .. لم يَحْنَثْ حتّى يَدْخُلَ بَيْتًا منها أو عَرْصَتَها.

стр. 1678

(٣٦٢٢) وإنْ حَلَفَ لا يَلْبَسُ ثَوْبًا وهو لابِسُه، أو لا يَرْكَبُ دابَّةً وهو راكِبُها .. فإن نَزَعَ أو نَزَلَ مَكانَه، وإلّا حَنِثَ، وكذلك ما أشْبَهَه. (٣٦٢٣) ولو حَلَفَ لا يَسْكُنُ بَيْتًا، وهو بَدَوِيٌّ أو قَرَوِيٌّ، ولا نِيَّةَ له .. فأيَّ بَيْتٍ مِنْ أدَمٍ أو شَعْرٍ أو خَيْمَةٍ أو بَيْتِ حِجارةٍ أو مَدَرٍ أو ما وَقَعَ عليه اسْمُ بَيْتٍ سَكَنَه حَنِثَ (١). (٣٦٢٤) ولو حَلَفَ لا يَأكُلُ طعامًا اشْتَراه فُلانٌ، فاشْتَرَى فُلانٌ وآخَرُ معه طَعامًا، ولا نِيَّةَ له، فأكَلَ منه .. لم يَحْنَثْ. (٣٦٢٥) ولو حَلَفَ لا يَسْكُنُ دارَ فلانٍ هذِه بعَيْنِها، فباعَها فلانٌ .. حَنِثَ بأيِّ وَجْهٍ سَكَنَها إن لم تكُنْ له نِيَّةٌ، وإن كانَتْ نِيَّتُه ما كانَتْ لفُلانٍ لم يَحْنَثْ إذا خَرَجَتْ مِنْ مِلْكِه. (٣٦٢٦) ولو حَلَفَ لا يَدْخُلُها، فانْهَدَمَتْ حتّى صارَتْ طريقًا .. لم يَحْنَثْ؛ لأنّها ليْسَتْ بدارٍ. (٣٦٢٧) ولو حَلَفَ لا يَدْخُلُ مِنْ بابِ هذِه الدّارِ في مَوْضِعٍ، فحَوَّلَ .. لم يَحْنَثْ، إلّا أن يَنْوِيَ أن لا يَدْخُلَها، فيَحْنَثُ. (٣٦٢٨) ولو حَلَفَ لا يَلْبَسُ ثَوْبًا وهو رِداءٌ، فقَطَعَه قَمِيصًا أو اتَّزَرَ به، أو حَلَفَ لا يَلْبَسُ سَراوِيلَ فائْتَزَرَ به، أو قَمِيصًا فارْتَدَى به .. فهذا كُلُّه لُبْسٌ يَحْنَثُ به، إلّا أن يَكُونَ له نِيَّةٌ، فلا يَحْنَثُ إلّا على نِيَّتِه.

стр. 1679

(٣٦٢٩) ولو حَلَفَ لا يَلْبَسُ ثَوْبَ رَجُلٍ مَنَّ عليه (١)، فوَهَبَه له، فباعَه واشْتَرَى بثَمَنِه ثَوْبًا لَبِسَه .. لم يَحْنَثْ إلّا أن يَلْبَسَ الذي حَلَفَ عليه بعَيْنِه، وإنّما أنْظُرُ إلى مَخْرَجِ اليَمِينِ، ثُمّ أحَنِّثُ صاحِبَها أو أبِرُّه، وذلك أنّ الأسْبابَ مُتَقَدِّمَةٌ، والأيْمانَ بعدها مُحْدَثَةٌ، قد تَخْرُجُ على مِثالِها وعلى خِلافِها، فأحَنِّثُه على مَخْرَجِ يَمِينِه، أرَأيْتَ رَجُلًا قال (٢): قد وَهَبْتُ لك مالي، فحَلَفَ ليَضْرِبَنَّه، أما يَحْنَثُ إن لم يَضْرِبْه؟ وليْسَ يُشْبِهُ سَبَبَ ما قالَ. (٣٦٣٠) ولو حَلَفَ لا يَدْخُلُ بَيْتَ فُلانٍ، فدَخَلَ بَيْتًا يَسْكُنُه فلانٌ بكِراءٍ .. لم يَحْنَثْ، إلّا أن يَكُونَ نَوَى مَسْكَنَ فُلانٍ، فيَحْنَثُ، ولو حُمِلَ فأدْخِلَ فيه .. لم يَحْنَثْ، إلّا أن يَكُونَ هو أمَرَهُم بذلك، تَراخَى أو لم يَتَراخَ، ولو قال: نَوَيْتُ شَهْرًا .. لم يُقْبَلْ منه في الحكْمِ إن حَلَفَ بالطّلاقِ، ودِينَ فيما بَيْنَه وبَيْنَ اللهِ جل ذكره. (٣٦٣١) ولو حَلَفَ لا يَدْخُلُ على فُلانٍ بَيْتًا، فدَخَلَ على رَجُلٍ غَيْرِه بَيْتًا، فوَجَدَ المحْلُوفَ عليه فيه .. لم يَحْنَثْ؛ لأنّه لم يَدْخُلْ على ذلك، وإنْ عَلِمَ أنّه في البَيْتِ فدَخَلَ عليه .. حَنِثَ في قَوْلِ مَنْ قال: يَحْنَثُ على غَيْرِ النِّيَّةِ ولا يَرْفَعُ الخَطَأَ. قال المزني: قد سَوَّى الشّافِعِيُّ في الحِنْثِ بين مَنْ حَلَفَ ففَعَلَ عَمْدًا أو خَطَأً. (٣٦٣٢) قال الشافعي: ولو حَلَفَ ليَأكُلَنَّ هذا الطّعامَ غَدًا، فهَلَكَ قبل

стр. 1680

الغَدِ .. لم يَحْنَثْ؛ للإكْرَاهِ، قال الله جل ذكره: ﴿من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ [النحل: ١٠٦]، فعَقَلْنا أنّ قَوْلَ المكْرَهَ (١) كما لم يَكُنْ في الحكْمِ، وعَقَلْنا أنّ الإكْراهَ هو أن يُغْلَبَ بغير فِعْلٍ منه، فإذا تَلِفَ ما حَلَفَ ليَفْعَلَنَّ فيه شَيْئًا بغَيْرِ فِعْلٍ منه فهو في أكْثَرَ مِنْ الإكْراهِ. (٣٦٣٣) ولو حَلَفَ ليَقْضِيَنَّه حَقَّه لوَقْتٍ إلّا أن يَشاءَ أن يُؤَخِّرَه، فماتَ قبل أن يَشَاءَ أن يُؤَخِّرَه .. أنّه لا حِنْثَ عليه، وكذلك لو قال: إلّا أن يَشاءَ فلانٌ، فماتَ فلانٌ الذي جَعَلَ المشِيئَةَ إليه. قال المزني: هذا غَلَطٌ، ليْسَ في مَوْتِه ما يَمْنَعُ إمْكانَ بِرِّه، وأصْلُ قَوْلِه: إنْ أمْكَنَه، فلم يَفْعَلْ حتّى فاتَه الإمْكانُ أنّه يَحْنَثُ، وقد قال: «لو حَلَفَ لا يَدْخُلُ الدّارَ إلّا بإذْنِ فلانٍ، فماتَ الذي جَعَلَ الإذْنَ إليه إنْ دَخَلَها .. حَنِثَ»، وهذا وذاك عندي سَواءٌ (٢). (٣٦٣٤) قال الشافعي: ولو حَلَفَ ليَقْضِيَنَّه عند رَأسِ الهلالِ أو إلى رَأسِ الهِلالِ، فرُئي في اللَّيْلَةِ التي يُهِلُّ فيها الهلالُ .. حَنِثَ. قال المزني: وقد قال فيمَن حَلَفَ ليَقْضِيَنَّه إلى رَمضانَ، فهَلَّ: إنّه حانِثٌ؛ لأنّه حَدٌّ، قال المزني: هذا أصَحُّ؛ كقَوْلِه: «إلى الليل»، فإذا جاء الليلُ حَنِثَ (٣).

стр. 1681

(٣٦٣٥) قال الشافعي: ولو قال: إلى حينٍ .. فليْسَ بمَعْلُومٍ؛ لأنّه يَقَعُ على مُدَّةِ الدُّنْيا ويومٍ (١)، والفُتْيا أن يُقالَ له: الوَرَعُ لك أن تَقْضِيَه قبلَ انْقِضاءِ يَوْمٍ؛ لأنّ الحِينَ يَقَعُ عليه مِنْ حينِ حَلَفْتَ، ولا نُحَنِّثُكَ أبَدًا؛ لأنّا لا نَعْلَمُ للحِينِ غايَةً، وكذلك زَمانٌ، ودَهْرٌ، وأحْقابٌ، وكُلُّ كَلِمَةٍ مُفْرَدَةٍ ليس لها ظاهِرٌ يَدُلُّ عليها. (٣٦٣٦) ولو حَلَفَ لا يَشْتَرِي، فأمَرَ غَيْرَه فاشْتَرَى، أو لا يُطَلِّقُ، فجَعَلَ طَلاقَها إليها فطَلَّقَتْ، أو لا يَضْرِبُ عَبْدَه، فأمَرَ غَيْرَه فضَرَبَه .. أنّه لا يَحْنَثُ، إلّا أن يَكُونَ نَوَى ذلك. (٣٦٣٧) ومَن حَلَفَ لا يَفْعَلُ فِعْلَيْن، أو لا يَكُونُ أمْران .. لم يَحْنَثْ حتّى يَكُونا جميعًا، وحتّى يَأكُلَ كُلَّ (٢) الذي حَلَفَ عليه أن لا يَأكُلَه. (٣٦٣٨) ولو قال: والله لا أشْرَبُ ماءَ هذه الإداوَةِ، أو ماءَ هذا النَّهْرِ .. لم يَحْنَثْ حتّى يَشْرَبَ ماءَ الإداوَةِ كُلَّه، ولا سَبِيلَ له إلى شُرْبِ ماءِ النَّهْرِ كُلِّه، ولو قال: مِنْ ماءِ هذِه الإداوَةِ، أو: مِنْ ماءِ هذا النَّهْرِ .. حَنِثَ إنْ شَرِبَ شَيْئًا مِنْ ذلك.

стр. 1682

(٣٧١) باب من حلف على غريمه أن لا يفارقه حتى يستوفي حقه (٣٦٣٩) قال الشافعي: مَنْ حَلَفَ على غَرِيمِه لا يُفارِقُه حتّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّه، ففَرَّ منه .. لم يَحْنَثْ؛ لأنّه لم يُفارِقْه، ولو كان قال: لا أفْتَرِقُ أنا وأنْتَ .. حَنِثَ. (٣٦٤٠) ولو أفْلَسَ قبل يُفارِقُه، أو اسْتَوْفَى حَقَّه فيما يَرَى فوَجَدَ في دنانِيرِه زُجاجًا أو نُحاسًا .. حَنِثَ في قَوْلِ مَنْ لا يَطْرَحُ الغَلَبَةَ والخَطَأَ عن النّاسِي (١)؛ لأنّ هذا لم يَعْمَدْ. (٣٦٤١) ولو أخَذَ بحَقِّه عَرَضًا .. فإن كان قِيمَةَ حَقِّه لم يَحْنَثْ، وإن كان أقَلَّ حَنِثَ، إلّا أن يَنْوِيَ حتّى لا يَبْقَى عليك مِنْ حَقِّي شَيْءٌ، فلا يَحْنَثُ. قال المزني: ليس للقِيمَةِ مَعْنَى؛ لأنّ يَمِينَه إن كانَتْ على عَيْنِ الحقِّ لم يَبَرَّ إلّا بعَيْنِه، وإن كانَتْ على البَراءَةِ فقد بَرِئَ، والعَرَضُ غَيْرُ الحَقِّ، سَوَى أو لم يَسْوَ (٢). (٣٦٤٢) قال الشافعي: وحَدُّ الفِراقِ أن يَتَفَرَّقا عن مَقامِهِما الذي كانا فيه أو مَجْلِسِهِما.

стр. 1683

(٣٦٤٣) قال: ولو حَلَفَ ليَقْضِيَنَّه حَقَّه غَدًا، فقَضَاه اليَوْمَ .. حَنِثَ؛ لأنّ قَضاءَه غَدًا غَيْرُ قَضائِه اليَوْمَ، وإن كانَتْ نِيَّتُه أن لا يَخْرُجَ غَدٌ (١) حتّى أقْضِيَكَ حَقَّك .. فقد بَرَّ، وهكذا لو وَهَبَه له رَبُّ الحقِّ .. حَنِثَ، إلّا أن يَكُونَ نَوَى أن لا يَبْقَى عليّ غَدًا مِنْ حَقِّكَ شَيْءٌ .. فيَبَرُّ.

стр. 1684

(٣٧٢) باب من حلف على امرأته لا تخرج إلا بإذنه (٣٦٤٤) قال الشافعي: مَنْ قال لامْرأتِه: «أنْتِ طالِقٌ إنْ خَرَجْتِ إلّا بإذْنِي»، أو: «حتّى آذَنَ لكِ» .. فهذا على مَرَّةٍ واحِدَةٍ، فإذا خَرَجَتْ بإذْنِه فقد بَرَّ، ولا يَحْنَثُ ثانِيَةً إلّا أن يَقُولَ: «كُلَّما خَرَجْتِ إلّا بإذْنِي»، فهذا على كُلِّ مَرَّةٍ. (٣٦٤٥) ولو أذِنَ لها وأشْهَدَ على ذلك، فخَرَجَتْ .. لم يَحْنَثْ - لأنّه قد أذِنَ لها - وإن لم تَعْلَمْ؛ كما لو كان عليه حَقٌّ لرَجُلٍ فغابَ أو ماتَ فجَعَلَه صاحِبُ الحَقِّ في حِلٍّ، بَرِئَ، غَيْرَ أنّي أحِبُّ له في الوَرَعِ لو أحْنَثَ نَفْسَه؛ لأنّها خَرَجَتْ عاصِيَةً له عند نَفْسِها، وإنْ كان قد أذِنَ لها.

стр. 1685

(٣٧٣) باب من يعتق من مماليكه إذا حنث أو حلف بعتق عبد فباعه ثم اشتراه، وغير ذلك (٣٦٤٦) قال الشافعي: مَنْ حَلَفَ بعِتْقِ ما يَمْلِكُ، وله أمّهاتُ أوْلادٍ ومُدَبَّرُون وأشْقاصٌ مِنْ عَبِيدٍ .. عَتَقُوا عليه، إلّا المكاتَبَ، إلّا أن يَنْوِيَه؛ لأنّ الظّاهِرَ أنّ المكاتَبَ خارِجٌ مِنْ مِلْكِه بمَعْنًى، داخِلٌ فيه بمَعْنًى، وهو مَحُولٌ بَيْنَه وبَيْنِ أخْذِ مالِه واسْتِخْدامِه (١)، وأرْشُ الجِنايَةِ عليه، ولا زَكاةَ عليه في مالِه، ولا زَكاةَ الفِطْرَةِ في رَقَبَتِه، وليْسَ كذا أمُّ وَلَدِه ولا مُدَبَّرُه. (٣٦٤٧) ولو حَلَفَ بعِتْقِ عَبْدِه ليَضْرِبَنَّه غَدًا، فباعَه اليَوْمَ، فلمّا مَضَى غَدٌ اشْتَراه .. فلا يَحْنَثُ؛ لأنّ الحِنْثَ إذا وَقَعَ مَرَّةً لم يَحْنَثْ ثانِيَةً. (٣٦٤٨) ولو قال لعَبْدِه: أنْتَ حُرٌّ إنْ بِعْتُك، فباعَه بَيْعًا ليْسَ بَيْعَ خِيارٍ (٢) .. فهو حُرٌّ حِينَ عَقَدَ البَيْعَ، وإنّما زَعَمْتُه مِنْ قِبَلِ أنّ النبيّ ﷺ جَعَلَ المتَبايِعَيْن بالخِيارِ ما لم يَتَفَرَّقا، قال: وتَفَرُّقُهما بالأبْدانِ، فكان لو أعْتَقَه عَتَقَ، فعَتَقَ بالحِنْثِ. (٣٦٤٩) ولو قال: إن زَوَّجْتُكَ أو بِعْتُكَ فأنْتَ حُرٌّ، فزَوَّجَه أو باعَه بَيْعًا فاسِدًا .. لم يَحْنَثْ.

стр. 1686

(٣٧٤) باب جامع الأيمان الثاني (٣٦٥٠) قال الشافعي: وإذا حَلَفَ لا يَأكُلُ الرُّؤوسَ، فأكَلَ رُؤوسَ الحِيتانِ، أو رُؤوسَ الطَّيْرِ، أو رُؤوسَ شَيْءٍ يُخالِفُ رُؤوسَ الغَنَمِ والبَقَرِ والإبِلِ .. لم يَحْنَثْ؛ مِنْ قِبَلِ أنّ الذِي يَعْرِفُ النّاسُ إذا خُوطِبُوا بأكْلِ الرُّؤوسِ إنّما هي ما وَصَفْنا، إلّا أنْ تكُونَ بِلادٌ لها صَيْدٌ يَكْثُرُ كما يَكْثُرُ لَحْمُ الأنْعامِ في السُّوقِ وتُمَيَّزُ رُؤوسُها، فيَحْنَثُ في رُؤوسِها، وكذلك البَيْضُ هو بَيْضُ الدَّجاجِ والإوَزِّ والنَّعامِ الذي يُزايِلُ بائِضَه حَيًّا، فأمّا بَيْضُ الحِيتانِ فلا يَكُونُ كذا. (٣٦٥١) ولو حَلَفَ لا يَأكُلُ لحْمًا .. حَنِثَ بلَحْمِ الإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ والوَحْشِ والطَّيْرِ؛ لأنّه كُلَّه لَحْمٌ، ولا يَحْنَثُ في لحْمِ الحِيتانِ؛ لأنّه ليْسَ بالأغْلَبِ. (٣٦٥٢) ولو حَلَفَ لا يَشْرَبُ سَوِيقًا فأكَلَه، أو لا يَأكُلُ خُبْزًا فماثَه فشَرِبَه (١)، أو لا يَشْرَبُ شَيْئًا فذاقَه ودَخَلَ بَطْنَه .. لم يَحْنَثْ. (٣٦٥٣) ولو حَلَفَ لا يَأكُلُ سَمْنًا، فأكَلَه بالخُبْزِ أو بالعَصِيدَةِ أو بالسَّوِيقِ .. حَنِثَ؛ لأنّ السَّمْنَ لا يَكُونُ مأكُولًا إلّا بغَيْرِه، إلّا أن يَكُونَ جامِدًا فيَقْدِرُ على أن يَأكُلَه جامِدًا مُنْفَرِدًا. (٣٦٥٤) وإذا حَلَفَ لا يَأكُلُ هذِه التَّمْرَةَ، فوَقَعَتْ في تَمْرٍ .. فإنْ أكَلَه إلّا تَمْرَةً أو هَلَكَتْ منه تَمْرَةٌ .. لم يَحْنَثْ حتّى يَسْتَيْقِنَ أنّه أكَلَها، والوَرَعُ أن يُحَنِّثَ نَفْسَه.

стр. 1687

(٣٦٥٥) فإذا حَلَفَ لا يَأكُلُ هذه الحِنْطَةَ، فطَحَنَها، أو غَيَّرَها، أو قَلاها فجَعَلَها سَوِيقًا .. لم يَحْنَثْ؛ لأنّه لم يَأكُلْ ما وَقَعَ (١) عليه اسْمُ قَمْحٍ. (٣٦٥٦) ولو حَلَفَ أن لا يَأكُلَ لَحْمًا فأكَلَ شَحْمًا، أو شَحْمًا فأكَلَ لحْمًا، أو رُطَبًا فأكَلَ تَمْرًا، أو تَمْرًا فأكَلَ رُطَبًا، أو زُبْدًا فأكَلَ لَبَنًا .. لم يَحْنَثْ؛ لأنّ كُلَّ واحِدٍ منها غَيْرُ صاحِبِه. (٣٦٥٧) ولو حَلَفَ لا يُكَلِّمُ رَجُلًا (٢)، فسَلَّمَ على قَوْمٍ والمحْلُوفُ عليه فيهم .. لم يَحْنَثْ، إلّا أن يَنْوِيَه (٣)، ولو كَتَبَ إليه كِتابًا أو أرْسَلَ إليه رَسُولًا .. فالوَرَعُ أن يَحنَثَ، ولا يَبِينُ ذلك؛ لأنّ الرّسُولَ والكِتابَ غَيْرُ الكَلامِ. قال المزني: هذا عندي (٤) به وبالحقِّ أوْلى، قال الله : ﴿آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا * فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيًّا﴾ [مريم: ١٠ - ١١]، فأفْهَمَهُم ما يَقُومُ في الفَهْمِ مَقامَ الكَلامِ ولم يَتَكَلَّمْ، وقد احْتَجَّ الشافعيُّ بأنّ الهجْرَةَ مُحَرَّمَةٌ فَوْقَ ثَلاثٍ، فلو كَتَبَ أو أرْسَلَ إليه وهو يَقْدِرُ على كَلامِه، لم يُخْرِجْه هذا مِنْ الهِجْرَةِ التي يَأثَمُ بها، قال المزني: فلو كان الكِتابُ كَلامًا لخَرَجَ به مِنْ الهِجْرَةِ، فتَفَهَّمْ (٥).

стр. 1688

(٣٦٥٨) قال الشافعي: ولو حَلَفَ لا يَرَى كذا إلّا رَفَعَه إلى قاضٍ، فرَآه، فلم يُمْكِنْه رَفْعُه إليه حتّى ماتَ ذلك القاضِي .. لم يَحْنَثْ حتّى يُمْكِنَه فيُفَرِّطَ، ولو عُزِلَ .. فإن كانَتْ نِيَّتُه أن يَرْفَعَه إليه إن كان قاضِيًا فلا يَجِبُ رَفْعُه إليه، وإن لم تَكُنْ له نِيَّةٌ خَشِيتُ أن يَحْنَثَ إن لم يَرْفَعْه إليه. (٣٦٥٩) ولو حَلَفَ مالَه مالٌ، وله عَرَضٌ أو دَيْنُ .. حَنِثَ، إلّا أن يَكُونَ نَوَى غَيْرَ ذلك، فلا يَحْنَثُ. (٣٦٦٠) ولو حَلَفَ ليَضْرِبَنَّ عَبْدَه مائَةَ سَوْطٍ، فجَمَعَها فضَرَبَه بها .. فإن كان يُحِيطُ العِلْمُ أنّها ماسَّتْه كُلُّها بَرَّ، وإنْ أحاطَ أنّها لم تُماسَّه كُلُّها لم يَبَرَّ، وإنْ شَكّ لم يَحْنَثْ في الحكْمِ، وحَنِثَ في الوَرَعِ، واحْتَجَّ الشافعيُّ بقَوْلِ الله ﵎: ﴿وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث﴾ [ص: ٤٤] (١)، وضَرَبَ رسولُ الله ﷺ بأثْكَالِ النَّخْلِ في الزِّنا، وهذا شَيْءٌ مجْمُوعٌ، غَيْرَ أنّه إذا ضَرَبَه بها ماسَّتْه. قال المزني: هذا عندي (٢) خِلافُ قَوْلِه: «لو حَلَفَ ليَفْعَلَنَّ كذا لوَقْتٍ إلّا أن يَشاءَ فُلانٌ، فإن ماتَ أو غَبِيَ عنّا (٣) حتّى مَضَى الوَقْتُ حَنِثَ» (٤)، قال المزني: وكِلا ما يَبَرُّ به شَكٌّ، فكيف لا يَحْنَثُ في أحَدِهما ويَحْنَثُ في الآخَرِ؟ فقِياسُ قَوْلِه عندي (٥) أن لا يَحْنَثَ بالشَّكِّ (٦).

стр. 1689

(٣٦٦١) قال الشافعي: وإن لم يَقُلْ: ضَرْبًا شَدِيدًا .. فأيَّ ضَرْبٍ ضَرَبَه إيّاه لم يَحْنَثْ؛ لأنّه ضارِبُه (١). (٣٦٦٢) ولو حَلَفَ لا يَهَبُ له هِبَةً، فتَصَدَّقَ عليه، أو نَحَلَه، أو أعْمَرَه .. فهو هِبَةٌ، وإنْ أسْكَنَه فإنّما هي عارِيَّةُ، لم يُمَلِّكْه إيّاها، متى شاء رَجَعَ فيها، وكذلك إنْ حَبَّسَ عليه. (٣٦٦٣) ولو حَلَفَ لا يَرْكَبُ دابَّةَ العَبْدِ، فرَكِبَ دابَّةَ العَبْدِ .. لم يَحْنَثْ؛ لأنّها ليْسَتْ له، إنّما اسْمُها مُضافٌ إليه. (٣٦٦٤) ولو قال: مالي في سَبِيلِ اللهِ، أو صَدَقَةٌ، على مَعاني الأيْمانِ .. فمَذْهَبُ عائِشَةَ وعَدَدٍ مِنْ أصْحابِ النّبيِّ ﷺ وعَطاءٍ والقياسُ (٢) أنّ عليه كفّارَةَ يَمِينٍ. (٣٦٦٥) قال: ومَن حَنِثَ في المشْيِ إلى بَيْتِ اللهِ .. ففيه قولان: أحَدُهما وهو قَوْلُ عَطاءٍ: كفّارَةُ يَمِينٍ، ومَذْهَبُه أنّ أعْمالَ البِرِّ لا تكُونُ إلّا ما فَرَضَ اللهُ أو تَبَرُّرًا يُرادُ به الله، قال الشافعي: والتَّبَرُّرُ أن يَقُولَ: لله عليّ إنْ شَفاني أنْ أحُجَّ له نَذْرًا، فأمّا إن لم أقْضِكَ حَقَّكَ فعليَّ المشْيُ إلى بَيْتِ الله، فهذا مِنْ مَعاني الأيْمانِ، لا مَعانِي النُّذُورِ.

стр. 1690

قال المزني: قد قَطَعَ بأنّه قَوْلُ عَدَدٍ مِنْ أصْحابِ النبيِّ ﷺ والقياسُ، وقد قال في غَيْرِ هذا الموْضِعِ: لو قال: لله عليَّ نَذْرُ حَجٍّ إن شاء فلانٌ، فشاءَ .. لم يَكُنْ عليه نَذْرٌ (١)، إنّما النَّذْرُ ما أرِيدَ به اللهُ ، ليس على مَعاني الغَلَقِ، والشَّائِي غَيْرُ النّاذِرِ (٢).

стр. 1691

(٣٧٥) باب النذور (٣٦٦٦) قال الشافعي: مَنْ نَذَرَ أن يَمْشِيَ إلى بَيْتِ اللهِ .. لَزِمَه إن قَدَرَ على المشْيِ، وإن لم يَقْدِر رَكِبَ وأهْراقَ دَمًا احْتِياطًا؛ مِنْ قِبَلِ أنّه إذا لم يُطِقْ شَيْئًا سَقَطَ عنه (١). (٣٦٦٧) ولا يَمْشِي أحَدٌ إلى بَيْت الله إلّا حاجًّا أو مُعْتَمِرًا (٢). (٣٦٦٨) وإذا نَذَرَ الحجَّ ماشِيًا .. مَشَى حتّى تَحِلَّ له النِّساءُ ثُمّ يَرْكَبُ، وإذا نَذَرَ أن يَعْتَمِرَ ماشِيًا .. مَشَى حتّى يَطُوفَ بالبَيْتِ ويَسْعَى بيْنَ الصَّفا والمرْوَةِ ويَحْلِقَ أو يُقَصِّرَ. (٣٦٦٩) ولو فاتَه الحَجُّ حَلَّ ماشِيًا، وعليه حَجُّ قابِلٍ ماشِيًا. (٣٦٧٠) ولو قال: عليَّ أنْ أمْشِي .. لم يَكُنْ عليه مَشْيٌ حتّى يَكُونَ نَوَى (٣)، فإن لم يَنْوِ شَيْئًا فلا شَيْءَ عليه؛ لأنّه ليْسَ في المشْيِ إلى غَيْرِ مَواضِعِ التَّبَرُّرِ بِرٌّ، وذلك مِثْلُ المسْجِدِ الحَرامِ، وأحِبُّ لو نَذَرَ إلى مَسْجِدِ المدِينَةِ أو إلى بَيْتِ المقْدِسِ أن يَمْشِي، واحْتَجّ بقَوْلِ رسولِ الله ﷺ : «لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلّا إلى ثَلاثَةِ مَساجِدَ: المسْجِدِ الحَرامُ، ومَسْجِدِي هذا، والمسْجِدِ الأقْصَى»، ولا يَبِينُ لي أن يَجِبا كما يَبِينُ لي أنّ واجِبًا المشْيُ إلى

стр. 1692

بَيْتِ اللهِ ، وذلك أنّ البِرَّ بالإتْيانِ إلى بَيْتِ اللهِ فَرْضٌ (١)، والبِرَّ بإتْيانِ هَذَيْن نافِلَةٌ، ولو نَذَرَ أن يَمْشِيَ إلى مَسْجِدِ مِصْرَ .. لم يَجِبْ عليه. (٣٦٧١) ولو نَذَرَ أن يَنْحَرَ بمَكَّةَ .. لم يُجْزِئه غَيْرُها، ولو نَذَرَ أن يَنْحَرَ بغَيْرِها .. لم يَنْحَرْ (٢) إلّا حَيْثُ نَذَرَ؛ لأنّه وَجَبَ لمساكِينِ ذلك البَلَدِ. (٣٦٧٢) وإذا نَذَرَ أن يَأتِيَ أيّ مَوْضِعٍ مِنْ الحَرَمِ ماشِيًا أو راكِبًا .. فعَلَيْه أن يَأتِيَ الحَرَمَ حاجًّا أو مُعْتَمِرًا. (٣٦٧٣) ولو نَذَرَ أن يَأتِيَ عَرَفَةَ أو مَرًّا أو قَرِيبًا مِنْ الحرَمِ .. لم يَلْزَمْه. (٣٦٧٤) ولو نَذَرَ أن يُهْدِيَ مَتاعًا .. لم يُجْزِه إلّا أن يَتَصَدَّقَ به على مَساكِينِ الحرَمِ، فإنْ كانَتْ نِيَّتُه أن يُعَلِّقَه سِتْرًا على البَيْتِ أو يَجْعَلَه في طِيبِ البَيْتِ .. جَعَلَه حَيْثُ نَوَى. (٣٦٧٥) وإذا نَذَرَ أن يُهْدِيَ ما لا يُحْمَلُ مِنْ الأرَضِينِ والدُّورِ .. باع ذلك فأهْدَى ثَمَنَه. (٣٦٧٦) ومَن نَذَرَ بَدَنَةً .. لم يُجْزِه إلّا ثَنِيٌّ أو ثَنِيَّةٌ، والخَصِيُّ يُجْزِئ، وإذا لم يَجِدْ بَدَنَةً .. فبَقَرَةٌ ثَنِيَّةٌ، فإن لم يَجِدْ .. فسَبْعًا مِنْ الغَنَمِ تُجْزِئ ضَحايا، وإن كانَتْ نِيَّتُه على بَدَنَةٍ مِنْ الإبِلِ .. لم يُجْزِه مِنْ البَقَرِ والغَنَمِ إلّا بقِيمَتِها. (٣٦٧٧) ولو نَذَرَ عَدَدَ صَوْمٍ .. صامَه مُتَفَرِّقًا أو مُتَتابِعًا، ولو نَذَرَ صِيامَ سَنَةٍ بعَيْنِها .. صامَها إلّا رَمَضانَ - فإنّه يَصُومُه لرَمَضانَ - ويَوْمَ الفِطْرِ

стр. 1693

والأضْحَى وأيَّامَ التَّشْرِيقِ، ولا قَضاءَ عليه فيها، وإن نَذَرَ سَنَةً بغَيْرِ عَيْنِها .. قَضَى هذه الأيّامَ كُلَّها. (٣٦٧٨) ولو قال: لله عليَّ أنْ أحُجَّ عامِي هذا، فحالَ بَيْنَه وبَيْنَه عَدُوٌّ أو سُلْطانٌ .. فلا قَضاءَ عليه، وإنْ حَدَثَ به مَرَضٌ أو خَطَأُ عَدَدٍ أو نِسْيانٌ أو تَوانٍ .. قَضاه. (٣٦٧٩) ولو قال: لله عليَّ أنْ أصُومَ اليَوْمَ الذي يَقْدَمُ فيه فلانٌ، فقَدِمَ لَيْلًا .. فلا صَوْمَ عليه، وأحِبُّ لو صامَ صَبِيحَتَه، ولو قَدِمَ نَهارًا وهو فيه صائِمٌ تَطَوُّعًا .. كان عليه قَضاؤُه؛ لأنّه نَذْرٌ، وقد يَحْتَمِلُ القِياسُ أن لا يَكُونَ عليه القَضاءُ؛ مِنْ قِبَلِ أنّه لا يَصْلُحُ أن يَكُونَ فيه صائِمًا عن نَذْرِه. قال المزني: قلت أنا (١): يَعْنِي أنّه لا صَوْمَ لنَذْرٍ إلّا بنِيَّةٍ قَبْلَ الفَجْرِ، ولم يَكُنْ له سَبِيلٌ إلى أن يَعْلَمَ أنّ عليه صَوْمَه إلّا بعد مَقْدَمِه، قال المزني: قَضاؤُه عِندي أوْلى به، وكذلك الحَجُّ إذا أمْكَنَه قَبْلَ مَوْتِه، فَرَضَ اللهُ ﵎ صَوْمَ شَهْرِ رَمَضانَ بعَيْنِه فلم يُسْقِطْه بعَجْزِه عنه بمَرَضِه، قال الله : ﴿فعدة من أيام أخر﴾ [البقرة: ١٨٤]، وأجْمَعُوا أنّه لو أغْمِيَ عليه الشَّهْرَ كُلَّه فلم يَعْقِلْ فيه، أنّ عليه قَضاءَه، والنَّذْرُ عِنْدَه واجِبٌ، فقَضاؤُه إذا أمْكَنَه وإن ذَهَبَ وَقْتُه واجِبٌ، قال المزني: وقد قَطَعَ بهذا القَوْلِ في مَوْضِعٍ آخَرَ (٢). قال الشافعي: ولو أصْبَحَ فيه صائِمًا مِنْ نَذْرٍ غَيْرِ هذا .. أحْبَبْتُ أن يَعُودَ لصَوْمِه لنَذْرِه (٣)، ويَعُودَ لصَوْمِه لمقْدَمِ فُلانٍ.

стр. 1694

(٣٦٨٠) قال الشافعي: ولو نَذَرَ أن يَصُومَ اليَوْمَ الذي يَقْدَمُ فيه فلانٌ أبَدًا، فقَدِمَ يَوْمَ (١) الاثْنَيْنِ .. فعليه أن يَصُومَ كُلَّ اثْنَيْنِ يَسْتَقْبِلُه، إلّا أن يَكُونَ يَوْمَ فِطْرٍ أو أضْحَى أو تَشْرِيقٍ، فلا يَصُومُه ولا يَقْضِيه. وقال في كتاب الصوم: «عليه القَضاءُ»، قال المزني: لا قَضاءَ عليه أشْبَهُ بقَوْلِه؛ لأنّها ليْسَتْ بوَقْتٍ لصَوْمٍ عنده لفَرْضٍ ولا لغَيْرِه، وإنّ نَذْرَ صَوْمِها نَذْرُ مَعْصِيَةٍ، فكذلك لا يَقْضِي نَذْرَ مَعْصِيَةٍ (٢). (٣٦٨١) قال الشافعي: ولو وَجَبَ عليه صَوْمُ شَهْرَيْن مُتَتابِعَيْن .. صامَهما وقَضَى كُلَّ اثْنَيْنِ فيهما، ولا يُشْبِهُ شَهْرَ رَمَضَانَ؛ لأنّ هذا شَيْءٌ أدْخَلَه على نَفْسِه بَعْدَما وَجَبَ عليه صَوْمُ الاثْنَيْن، وشَهْرُ رَمَضَانَ أوْجَبَه اللهُ عليه لا بشَيْءٍ أدْخَلَه على نَفْسِه. (٣٦٨٢) ولو كان النّاذِرُ امْرَأةً فهي كالرَّجُلِ، وتَقْضِي كُلَّ ما مَرَّ عليها مِنْ حَيْضِها. (٣٦٨٣) ولو قالَتْ: «لله عليَّ أنْ أصُومَ أيّامَ حَيْضِي» .. فلا يَلْزَمُها شَيْءٌ؛ لأنّها نَذَرَتْ مَعْصِيَةً. قال المزني: هذا يَدُلُّ على أن لا يَقْضِيَ نَذْرَ مَعْصِيَةٍ. (٣٦٨٤) قال الشافعي: وإذا نَذَرَ الرَّجُلُ صَوْمًا أو صَلاةً ولم يَنْوِ عَدَدًا .. فأقَلُّ ما يَلْزَمُه مِنْ الصّلاةِ رَكْعَتانِ، ومِن الصَّوْمِ يَوْمٌ (٣).

стр. 1695

(٣٦٨٥) ولو نَذَرَ عِتْقَ رَقَبَةٍ .. فأيَّ رَقَبَةٍ عَتَقَ (١) أجْزَأه (٢). (٣٦٨٦) ولو قال رجلٌ لآخَرَ: «يَمِينِي في يَمِينِك»، فحَلَفَ .. فاليَمِينُ على الحالِفِ دون صاحِبِه، قال المزني (٣): فقُلْتُ له: فإن قال: «يَمِينِي في يَمِينِكَ بالطّلاقِ»، فحَلَفَ، أعليه شَيْءٌ؟ قال: لا يَمِينَ إلّا على الحالِفِ دون صاحِبِه. (٣٦٨٧) قال المزني (٤): قال لي عليُّ بنُ مَعْبَدٍ: في المشْيِ إلى الكَعْبَةِ (٥) كفّارَةُ يَمِينٍ عن زيدٍ وابنِ عُمَرَ وحَفْصَةَ ومَيْمُونِ بنِ مَهْرانَ والقاسِمِ بنِ محمَّدٍ وشَريكٍ (٦) وعبدِالله بنِ عَمْرٍو الجزَرِي (٧)، ورَواه عن محمَّدِ بنِ الحسَنِ وعن الحسَنِ، وقال سعيدُ بنُ المسيب: «لا كفّارَةَ عليه أصْلًا»، وعطاءٌ وشَريكٌ، قال لنا المزني: وسَمِعْتُه أنا يَقُولُ ذلك، وذَكَرَ عن اللَّيْثِ كفّارَةَ يَمِينٍ في ذلك كُلِّهِ، إلّا سَعِيدًا فإنّه قال: «لا كفّارَةَ عليه».

стр. 1696

(٣٦٨٨) قلت أنا (١): ورُوِي عن النبي ﷺ ، وابنِ عبّاسٍ، وعطاءِ بنِ أبي رَباحٍ، ومجاهدٍ، والزهريِّ، والنَّخَعِيِّ، وطاوسٍ، وابنِ مِجْلَزٍ: أنّ الاسْتِثْناءَ في الطّلاقِ جائزٌ، وعن ابنِ عبّاسٍ أنّ ذلك جائزٌ في الطّلاقِ والعِتاقِ سَواءً. (٣٦٨٩) حدثنا المزني، قال: حدثنا الحميدي، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن منصور بن عبدالرحمن الحَجَبِيّ، عن أمه صَفِيَّةَ بنتِ شَيْبَة، أنّ ابنَ عَمٍّ لها جَعَلَ مالَه في سبيلِ الله أو في رِتاجِ الكَعْبَةِ، فقالَتْ: قالَتْ عائشةُ (٢): «هي يَمِينٌ، يُكَفِّرُها ما يُكَفِّرُ اليَمِينَ». وحدثنا الحميدي، قال: حدثنا ابن أبي الرداد (٣)، عن المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيب، أنّ عمر بن الخطاب قال فيمَن جَعَلَ مالَه في سَبيلِ الله: «يَمِينٌ يُكَفِّرُها ما يُكَفِّرُ اليَمِينَ». قال الحُمَيْدي: وسَمِعْتُ الشّافعيَّ وسُفْيانَ يُفْتِيان به، قال الحميدي: وهو قَوْلِي.

стр. 1697

[٦٤] كتاب أدب القاضي (١) مختصر من الجامع من كتاب أدب القاضي وما دخله من اختلاف الشهادات والحكام واليمين مع الشاهد (٢)

стр. 1698

(٣٦٩٠) قال الشافعي: وأحِبُّ أن يَقْضِيَ القاضِي في مَوْضِعٍ بارِزٍ للنّاسِ، لا يَكُونُ دُونَه حِجابٌ، وأن يَكُونَ في غَيْرِ مَسْجِدٍ؛ لكَثْرَةِ الغاشِيَةِ والمُشَاتَمَةِ بين الخُصُومِ، في أرْفَقِ الأماكِنِ به وأحْراها أن لا تُسْرِعَ مَلالَتُه فيه، وأنا لإقامَةِ الحَدِّ في المسْجِدِ أكْرَهُ (١). (٣٦٩١) قال الشافعي: ومَعْقُولٌ في قَوْلِ رسولِ الله ﷺ : «لا يَحْكُمُ الحاكِمُ - أو: لا يَقْضِي القاضِي - بين اثْنَيْن وهو غَضْبانُ»: أنّه أرادَ أن يَكُونَ القاضِي حين يَحْكُمُ في حالٍ لا يَتَغَيَّرُ فيها خُلُقُه ولا عَقْلُه، والحاكِمُ أعْلَمُ بنَفْسِه، فأيُّ حالٍ أتَتْ عليه تَغَيَّرَ فيها عَقْلُه أو خُلُقُه انْبَغَى له أن لا يَقْضِيَ حتّى يَذْهَبَ، وأيُّ حالٍ صارَ إليه فيها سُكونُ الطّبِيعَةِ واجْتِماعُ العَقْلِ حَكَمَ، وإنْ غَيَّرَه مَرَضٌ أو حُزْنٌ أو فَرَحٌ أو جُوعٌ أو نُعاسٌ أو مَلالَةٌ تَرَكَ. (٣٦٩٢) وأكْرَهُ له الشِّراءَ والبَيْعَ خَوْفَ المحاباةِ بالزِّيادَةِ، ويَتَوَلّاه له غَيْرُه. (٣٦٩٣) ولا أحِبُّ أن يَتَخَلَّفَ عن الوَلِيمَةِ، إمّا أن يُجِيبَ كُلًّا، وإمّا أن يَتْرُكَ كُلًّا، ويَعْتَذِرَ ويَسْألَهم التَّحْلِيلَ، ويَعُودَ المرْضَى، ويَشْهَدَ الجنائِزَ، ويَأتِيَ مَقْدَمَ الغائِبِ. (٣٦٩٤) وإذا بان له مِنْ أحَدِ الخَصْمَيْنِ لَدَدٌ نَهاه (٢)، فإنْ عادَ زَبَرَه، ولا يَحْبِسُه ولا يَضْرِبُه إلّا أن يَكُونَ في ذلك ما يَسْتَوْجِبُه.

стр. 1699

(٣٦٩٥) ويُشاوِرُ، قال الله : ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ [الشورى: ٣٨]، وقال لنبيه ﷺ : ﴿وشاورهم في الأمر﴾ [آل عمران: ١٥٩]، قال الحسَنُ: «إنْ كان النبيُّ ﷺ عن مُشاوَرَتِهم لَغَنِيًّا، ولكنَّه أرادَ أن يَسْتَنَّ بذلك الحُكّامُ بَعْدَه». (٣٦٩٦) ولا يُشاوِرُ إذا نَزَلَ به المشْكِلُ إلّا أمِينًا، عالِمًا بالكتابِ والسُّنَّةِ والآثارِ، وأقاوِيلِ النّاسِ، والقِياسِ، ولسانِ العَرَبِ. (٣٦٩٧) ولا يَقْبَلُ - وإن كان أعْلَمَ منه - حتّى يَعْلَمَ كعِلْمِه أنّ ذلك لازِمٌ له، مِنْ حَيْثُ لم تَخْتَلِف الرِّوايَةُ فيه أو بدَلالَةٍ عليه، وأنّه لا يَحْتَمِلُ وَجْهًا أظْهَرَ منه، فأمّا أن يُقَلِّدَه .. فلم يَجْعَل اللهُ تبارك اسمُه ذلك لأحَدٍ بعد رسوله ﷺ . (٣٦٩٨) ويَجْمَعُ المخْتَلِفِين؛ لأنّه أشَدُّ لتَقَصِّيه العِلْمَ، ولكَشْفِ بَعْضِهم على بَعْضٍ. (٣٦٩٩) وإن لم يَكُنْ في عَقْلِه ما إذا عَقَلَ القِياسَ عَقَلَه، وإذا سَمِعَ القِياسَ مَيَّزَه، فلا يَنْبَغِي أن يَقْضِيَ، ولا لأحَدٍ أن يَسْتَقْضِيَه. (٣٧٠٠) ولا يَجُوزُ له أن يَسْتَحْسِنَ بغَيْرِ قِياسٍ، ولو جازَ ذلك لجازَ أن يَشْرَعَ في الدِّينِ (١).

стр. 1700

(٣٧٠١) والقِياسُ قياسان: أحَدُهما - أن يَكُونَ في مَعْنَى الأصْلِ، فذلك الذي لا يَحِلُّ لأحَدٍ خِلافُه، والآخَرُ - أن يُشْبِهَ الشَّيْءُ الشَّيْءَ مِنْ أصْلٍ، ويُشْبِهَ الشَّيْءَ مِنْ أصْلٍ غَيْرِه، فيُشْبِهُه هذا بهذا الأصْلِ، ويُشْبِهُه الآخَرُ بأصْلٍ غَيْرِه، ومَوْضِعُ الصَّوابِ في ذلك عندنا أن يُنْظَرَ: فإنْ أشْبَهَ أحَدَهما في خَصْلَتَيْن والآخَرَ في خَصْلَةٍ، ألْحَقَه بالذي أشْبَهَه في خَصْلَتَيْن. (٣٧٠٢) قال الله في داود وسليمان: ﴿ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما﴾ [الأنبياء: ٧٩]، قال الحسَنُ: «لَوْلا هذه الآيَةُ لرَأيْتُ أنّ الحكّامَ قد هَلَكُوا، ولكنّ اللهَ حَمِدَ هذا بصَوابِه، وأثْنَى على هذا باجْتِهادِه»، وقال رسول الله ﷺ : «إذا اجْتَهَدَ الحاكِمُ فأصابَ فلَه أجْرانِ، وإن اجْتَهَدَ فأخْطَأ فلَه أجْرٌ»، قال الشافعي: فأخْبَرَ أنّه يُثابُ على أحَدِهما أكْثَرَ ممّا يُثابُ على الآخَرِ، ولا يَكُونُ الثَّوابُ فيما لا يَسَعُ، ولا في الخَطأ الموْضُوعِ. قال المزني: أعْرِفُ (١) أنّ الشافعيَّ قال: «لا يُؤجَرُ على الخَطَأ، وإنّما يُؤجَرُ على قَصْدِ الثّوابِ»، وهذا عِنْدِي هو الحَقُّ (٢).

стр. 1701

(٣٧٠٣) قال الشافعي: ومَن اجْتَهَدَ مِنْ الحُكّامِ فقَضَى باجْتِهادِهِ، ثُمّ رَأى أنّ اجْتِهادَه خَطَأ، أو وَرَدَ على قاضٍ غَيْرِه .. فسَواءٌ، فما خالَفَ كِتابًا أو سُنَّةً أو إجْماعًا أو ما في مَعْنَى هذا رَدَّه، وإن كان يَحْتَمِلُ ما ذَهَبَ إليه ويَحْتَمِلُ غَيْرَه لم يَرُدَّه، وحَكَمَ فيما يَسْتَأنِفُ بالذي هو أصْوَبُ عنده (١). (٣٧٠٤) وليْسَ على القاضِي أن يَتَعَقَّبَ حُكْمَ مَنْ قَبْلَه، فإنْ تَظَلَّم محْكُومٌ عليه ممَّنْ قَبْلَه نَظَرَ فيه فرَدَّه أو أنْفَذَه على ما وَصَفْتُ. (٣٧٠٥) وإذا حاكم إليه أعْجَمِيٌّ لا يَعْرِفُ لِسانَه .. لم تُقْبَل التَّرْجَمَةُ عنه إلّا بعَدْلَيْن يَعْرِفان لِسانَه. (٣٧٠٦) وإذا شَهِدَ الشُّهُودُ عند القاضِي .. كَتَبَ حِلْيَةَ كُلِّ رَجُلٍ، ورَفَعَ في نَسَبِه إنْ كان له، أو وِلايَةٍ إنْ كانَ له، وسَألَه عن صِناعَتِه أو كُنْيَتِه إن كانَتْ له، وعن مَسْكَنِه، وعن مَوْضِعِ بِياعَتِه ومُصَلّاه. (٣٧٠٧) وأحِبُّ إذا لم يَكُنْ لهم شِدَّةُ عُقُولٍ أن يُفَرِّقَهُم، ثُمّ يَسْألَ كُلَّ واحِدٍ منهم على حِدَتِه عن شَهادَتِه، واليَوْمِ شَهِدَ فيه (٢)، والموْضِعِ ومَن فِيه، يَسْتَدِلُّ (٣) على عَوْرَةٍ إنْ كانَتْ في شَهادَتِه، وإنْ جَمَعُوا الحالَ الحسَنَةَ والعَقْلَ لم يَفْعَلْ بهم ذلك. (٣٧٠٨) وأحِبُّ أن يَكُونَ أصْحابُ مَسائِلِه جامِعِين للعَفافِ في الطُّعْمَةِ والأنْفُسِ، وافِرِي العُقُولِ، بُرَآءَ مِنْ الشَّحْناءِ بَيْنَهُم وبَيْنَ النّاسِ، أو الحَيْفِ عَلَيْهم، أو الحَيْفِ على أحَدٍ، بأن يَكُونُوا مِنْ أهْلِ الأهْواءِ أو العَصَبِيَّةِ أو المُماظَّةِ للنّاسِ (٤)، وأن يَكُونُوا جامِعِين للأمانَةِ في أدْيانِهِم، لا يَتَغَلَّظُون

стр. 1702

بأن يَسْألُوا الرَّجُلَ عن عَدُوِّه فيُخْفِيَ حَسَنًا ويَقُولَ قَبِيحًا، فيَكُونَ ذلك جَرْحًا، أو يَسْألُوه عن صَدِيقِه فيُخْفِيَ قَبِيحًا ويَقُولَ حَسَنًا، فيَكُونَ ذلك تَعْدِيلًا. (٣٧٠٩) ويَحْرِصُ أن لا يُعْرَفَ له صاحِبُ مَسْألَةٍ فيُحْتالَ له، وأن يَكْتُبَ لأصْحابِ المسائِلِ صِفاتِ الشُّهُودِ على ما وَصَفْتُ، وأسْماءَ مَنْ شَهِدُوا له وشَهِدُوا عليه، ومَبْلَغَ ما شَهِدُوا فيه، ثُمّ لا يَسْألُونَ أحَدًا حتّى يُخْبِرُوا بمَن شَهِدُوا له وشَهِدُوا عليه وبقَدْرِ ما شَهِدُوا فيه، فإنّ المسْؤولَ قد يَعْرِفُ ما لا يَعْرِفُ الحاكِمُ مِنْ أن يَكُونَ الشّاهِدُ عَدُوًّا للمَشْهُودِ عليه أو شَرِيكًا فيما شَهِدَ فيه، وتَطِيبُ نَفْسُه على تَعْدِيلِه في اليَسِيرِ، وتَقِفُ في الكَثِيرِ. (٣٧١٠) ولا يَقْبَلُ المسْألَةَ عنه ولا تَعْدِيلَه ولا تَجْرِيحَه إلّا مِنْ اثْنَيْنِ، ويُخْفِي مِنْ كُلِّ واحِدٍ منهما أسْماءَ مَنْ دَفَعَ إلى الآخَرِ لتاتَفِقَ مَسْألَتُهما أو تَخْتَلِفَ، فإن ايتَفَقَتْ بالتَّعْدِيلِ أو التَّجْرِيحِ قَبِلَهما، وإن اخْتَلَفَتْ أعادَهما مع غَيْرِهما. (٣٧١١) وإنْ عُدِّلَ رَجُلٌ بشاهِدَيْن وجُرِحَ بآخَرَيْن .. كان الجَرْحُ أوْلى؛ لأنّ التَّعْدِيلَ على الظّاهِرِ، والجَرْحَ على الباطِنِ. (٣٧١٢) ولا يَقْبَلُ الجَرْحَ إلّا بالمعايَنَةِ أو بالسَّماعِ، ولا يَقْبَلُه مِنْ فَقِيهٍ (١) دَيِّنٍ عاقِلٍ إلّا بأن يَقِفَه على ما يَجْرَحُه به؛ فإنّ النّاسَ يَتَبايَنُون في الأهْواءِ، فيَشْهَدُ بَعْضُهُم على بَعْضٍ بالكُفْرِ أو الفِسْقِ بالتّأوِيلِ، وهو عندهم بالجَرْحِ أوْلى، وأكْثَرُ مَنْ يُنْسَبُ إلى أن تَجُوزَ شَهادَتُه بَغْيًا حتّى يَعُدَّ اليَسِيرَ الّذِي لا يَكُونُ جَرْحًا جَرْحًا.

стр. 1703

(٣٧١٣) ولا يَقْبَلُ التَّعْدِيلَ إلّا بأن يَقُولَ: «عَدْلٌ عَلَيَّ ولِي»، ثُمّ لا يَقْبَلُه حتّى يَسْألَه عن مَعْرِفَتِه به، فإنْ كانَتْ باطِنَةً مُتَقادِمَةً، وإلّا لم يُقْبَلْ ذلك منه. (٣٧١٤) ويَسْألُ عمَّن جَهِلَ عَدْلَه سِرًّا، فإذا عَدَّلَ سَألَ تَعْدِيلَه عَلانِيَةً؛ ليَعْلَمَ أنّ المعَدَّلَ سِرًّا هو هذا، لا يُوافِقُ اسْمٌ اسْمًا، ولا نَسَبٌ نَسَبًا. (٣٧١٥) ولا يَنْبَغِي أن يَتَّخِذَ كاتِبًا حتّى يَجْمَعَ أن يَكُونَ عَدْلًا عاقِلًا، ويَحْرِصُ أن يَكُونَ فَقِيهًا، لا يُؤتَى مِنْ جَهالَةٍ، نَزِهًا، بَعِيدًا مِنْ الطَّمَعِ، والقاسِمُ في صِفَةِ الكاتِبِ، عالمًا بالحسابِ، لا يُخْدَعُ. (٣٧١٦) ويَتَوَلَّى القاضِي ضَمَّ الشّهاداتِ ورَفْعَها، لا يَغِيبُ ذلك عنه، ويَرْفَعُها في قِمَطْرٍ (١)، ويَضُمُّ الشّهاداتِ وحُجَجَ الرَّجُلَيْن في مَكانٍ واحِدٍ مُتَرْجَمَةً بأسْمائِهما، والشَّهْرِ الذي كانَتْ فيه؛ ليَكُونَ أعْرَفَ له إذا طَلَبَها، فإذا مَضَتْ سَنَةٌ عَزَلها وكَتَبَ: «خُصُومَ سَنَةِ كذا» حتّى تكُونَ كُلُّ سَنَةٍ مَفْرُوزَةً، وكُلُّ شَهْرٍ مَفْرُوزًا، ولا يَفْتَحُ المواضِعَ التِي فيها تِلْكَ الشّهاداتُ إلّا بَعْدَ نَظَرِه إلى خَاتَمِه أو عَلامَتِه، وأن يَتْرُكَ في يَدَيِ المشْهُودِ له نُسْخَةَ تِلْكَ الشّهادَةِ ولا يَخْتِمَها، ولا يَقْبَلَ مِنْ ذلك ولا ممّا وَجَدَ في دِيوانِه إلّا ما حَفِظَ؛ لأنّه قد يُطْرَحُ في الدِّيوانِ، ويُشْبِهُ الخَطُّ الخَطَّ. (٣٧١٧) ولو شَهِدَ عنده شُهُودٌ أنّه حَكَمَ بحُكْمٍ .. فلا يُبْطِلُه ولا يُحِقُّه إذا لم يَذْكُرْه، وإن شَهِدُوا عند غَيْرِه أجازَه؛ لأنّه لا يَعْرِفُ منه ما يَعْرِفُ مِنْ نَفْسِه، فإن عَلِمَ غَيْرُه أنّه أنْكَرَه، فلا يَنْبَغِي له أن يَقْبَلَه.

стр. 1704

(٣٧٦) كتاب قاضٍ إلى قاضٍ (٣٧١٨) قال الشافعي: ويَقْبَلُ كُلَّ كِتابٍ لقاضٍ عَدْلٍ، ولا يَقْبَلُه إلّا بعَدْلَيْن، وحتّى يَفْتَحَه ويَقْرَأَه عليهما، فيَشْهَدا أنّ القاضِيَ أشْهَدَهما على ما فيه، قَرَأه بحَضْرَتِهما أو قُرِئَ عليهما، وقال: «اشْهَدا أنّ هذا كِتابي إلى فلانٍ». (٣٧١٩) ويَنْبَغِي أن يَأمُرَهُم بنَسْخِه كِتابَةً في أيْدِيهم، ويُوَقِّعُوا شَهاداتِهم عليه، فإن انْكَسَرَ خاتَمُه أو انمَّحَى كِتابُه شَهِدُوا بعِلْمِهم عليه. (٣٧٢٠) وإن ماتَ الكاتِبُ أو عُزِلَ لم يَمْنَعْ ذلك قَبُولَه، ونَقْبَلُه كما نَقْبَلُ حُكْمَه. (٣٧٢١) ولو تَرَكَ أن يَكْتُبَ اسْمَه في العُنْوانِ وقَطَعَ الشُّهُودُ أنّه كِتابُه .. قَبِلَه. (٣٧٢٢) وإنْ أنْكَرَ المكْتُوبُ عليه لم يَأخُذْه به حتّى يُقَدِّمَ بَيِّنَةً بأنّه هو (١)، وإذا رَفَعَ في نَسَبِه، فقامَتْ عليه بَيِّنَةٌ بهذا الاسْمِ والنَّسَبِ والقَبِيلَةِ والصِّناعَةِ .. أخِذَ بذلك الحَقِّ، وإن وافَقَ النَّسَبَ والقَبِيلَةَ والاسْمَ والصِّناعَةَ فأنْكَرَ المكْتُوبُ عليه .. لم يُقْضَ عليه حتّى يُبانَ بشَيْءٍ لا يُوافِقُه فيه غَيْرُه. (٣٧٢٣) وكِتابُ القاضِي إلى الخَلِيفَةِ والخَلِيفَةِ إلى القاضِي، والقاضِي إلى الأمِيرِ والأميرِ إلى القاضِي .. سَواءٌ، لا يُقْبَلُ إلّا كما وَصَفْتُ مِنْ كِتابِ القاضِي إلى القاضِي.

стр. 1705

(٣٧٧) باب القُسّامِ (١) (٣٧٢٤) قال الشافعي: ويُعْطِي أجْرَ القُسّامِ مِنْ بَيْتِ المالِ؛ لأنّهم حُكّامٌ، فإن لم يُعْطَوْه خُلِّيَ بَيْنَهُم وبَيْنَ مَنْ طَلَبَ القَسْمَ، فاسْتأجَرَهم بما شَاء، قَلَّ أو كَثُرَ، فإن سَمَّوْا على كُلِّ واحِدٍ في نَصِيبِه شَيْئًا مَعْلُومًا فجائِزٌ، وإن سَمَّوْه على الكُلِّ فعلى قَدْرِ الأنْصِباءِ. (٣٧٢٥) وإذا تَداعَوْا إلى القَسْمِ وأبَى شُرَكاؤُهم .. فإن كان يَنْتَفِعُ واحِدٌ منهم بما يَصِيرُ له مَقْسُومًا، جَبَرْتُهم على القَسْمِ وإن لم يَنْتَفِع البَقِيَّةُ بما يَصِيرُ لهم، وأقُولُ لمَنْ كَرِهَ: إن شِئتُم جَمَعْتُ حُقُوقَكُم فكانَتْ مُشاعَةً بَيْنكُم لتَنْتَفِعُوا بها. (٣٧٢٦) ويَنْبَغِي للقاسِمِ أن يُحْصِيَ أهْلَ القَسْمِ ومَبْلَغَ حُقُوقِهم، فإن كان فيهم مَنْ له سُدُسٌ وثُلُثٌ ونِصْفٌ قَسَمَه على أقَلِّ السُّهْمان، وهو السُّدُسُ فيها، فيَجْعَلُ لصاحِبِ السُّدُسِ سَهْمًا، ولصاحِبِ الثُّلُثِ سَهْمَيْن، ولصاحِبِ النِّصْفِ ثلاثةً، ثُمّ يَقْسِمُ الدّارَ على سِتَّةِ أجْزاءٍ، ثُمّ يَكْتُبُ أسْماءَ أهْلِ السُّهْمانِ في رِقاعِ قَراطِيسَ صِغارٍ، ثُمّ أدْرَجَها في بُنْدُقِ طِينٍ بوَزْنٍ، فإذا اسْتَوَتْ ألْقاها في حِجْرِ مَنْ لم يَحْضُر البُنْدُقَةِ ولا الكِتابِ، ثُمّ سَمَّى السُّهْمانَ (٢) أوّلًا وثانِيًا وثالِثًا، ثُمّ قال: أخْرِجْ على الأوَّلِ بُنْدُقَةً واحِدَةً، فإذا أخْرَجَها فَضَّها، فإذا خَرَجَ اسْمُ صاحِبِها جَعَلَ له السَّهْمَ الأوَّلَ، فإنْ كان صاحِبُ السُّدُسِ فهو له ولا شَيْءَ له غَيْرُه، وإن كان صاحِبَ الثُّلُثِ فهو له والسَّهْمُ الذي يَلِيه، وإن كان صاحِبَ النِّصْفِ فهو له

стр. 1706

والسَّهْمان اللّذان يَلِيانِه، ثُمّ قيل له: أخْرِجْ بُنْدُقَةً على السَّهْمِ الذي يَلي ما خَرَجَ، فإذا خَرَجَ فيها اسْمُ رَجُلٍ فهو له كما وَصَفْتُ حتّى تَنْفَدَ السُّهْمان (١). (٣٧٢٧) وإذا كان في القَسْمِ رَدٌّ لم يَجُزْ حتّى يَعْلَمَ كُلُّ واحِدٍ منهم مَوْضِعَ سَهْمِه وما يَلْزَمُه ويَسْقُطُ عنه، فإذا عَلِمَه كما يَعْلَمُ البُيُوعَ التي تَجُوزُ أجَزْتُه، لا بالقُرْعَةِ (٢). (٣٧٢٨) ولا يَجُوزُ أن يَجْعَلَ لأحَدِهما سُفْلًا ولآخَرَ عُلْوَه، إلّا أن يَكُونَ سُفْلُه وعُلْوُه لواحِدٍ. (٣٧٢٩) وإذا ادّعَى بَعْضُهم غَلَطًا كُلِّفَ البَيِّنَةَ، فإن جاء بها رُدَّ القَسْمُ عنه. (٣٧٣٠) وإذا اسْتُحِقَّ بَعْضُ المقْسُومِ، أو لَحِقَ الميِّتَ دَيْنٌ فبِيعَ بَعْضُها .. انْتَقَضَ القَسْمُ، ويُقالُ لهم في الدَّيْنِ والوَصِيَّةِ: إن تَطَوَّعْتُم أن تُعْطُوا أهْلَ الدَّيْنِ والوَصِيَّةِ أنْفَذْنا القَسْمَ بَيْنَكُم، وإلّا نَقَضْناه عليكم. (٣٧٣١) ولا يُقْسَمُ صِنْفٌ مِنْ المالِ مع غَيْرِه، ولا عِنَبٌ مع نَخْلٍ، ولا نَضْحٌ مَضْمُومٌ إلى عَيْنٍ، ولا عَيْنٌ مَضْمُومَةٌ إلى بَعْلٍ، ولا بَعْلٌ إلى نَخْلٍ يَشْرَبُ بنَهْرٍ مأمُونِ الانْقِطاعِ (٣).

стр. 1707

(٣٧٣٢) وتُقْسَمُ الأَرَضُونَ والثِّيابُ والطَّعامُ، وكُلُّ ما احْتَمَلَ القَسْمَ. (٣٧٣٣) وإذا طَلَبُوا أن يَقْسِمَ دارًا في أيْدِيهم بَيْنَهُم .. قُلْتُ: ثَبِّتُوا على أصُولِ حُقُوقِكُم؛ لأنّي لو قَسَمْتُها بقَوْلِكُم ثُمّ رُفِعَتْ إلى حاكِمٍ كان شَبِيهًا أن يَجْعَلَها حُكْمًا لكم ولعَلَّها لغَيْرِكُم، وقد قيل: يَقْسِمُ ويُشْهِدُ أنّه قَسَمَها على إقْرارِهِم، ولا يُعْجِبُنِي؛ لِما وَصَفْتُ (١).
следующие страницы →