(٣٧١٣) ولا يَقْبَلُ التَّعْدِيلَ إلّا بأن يَقُولَ: «عَدْلٌ عَلَيَّ ولِي»، ثُمّ لا يَقْبَلُه حتّى يَسْألَه عن مَعْرِفَتِه به، فإنْ كانَتْ باطِنَةً مُتَقادِمَةً، وإلّا لم يُقْبَلْ ذلك منه.
(٣٧١٤) ويَسْألُ عمَّن جَهِلَ عَدْلَه سِرًّا، فإذا عَدَّلَ سَألَ تَعْدِيلَه عَلانِيَةً؛ ليَعْلَمَ أنّ المعَدَّلَ سِرًّا هو هذا، لا يُوافِقُ اسْمٌ اسْمًا، ولا نَسَبٌ نَسَبًا.
(٣٧١٥) ولا يَنْبَغِي أن يَتَّخِذَ كاتِبًا حتّى يَجْمَعَ أن يَكُونَ عَدْلًا عاقِلًا، ويَحْرِصُ أن يَكُونَ فَقِيهًا، لا يُؤتَى مِنْ جَهالَةٍ، نَزِهًا، بَعِيدًا مِنْ الطَّمَعِ، والقاسِمُ في صِفَةِ الكاتِبِ، عالمًا بالحسابِ، لا يُخْدَعُ.
(٣٧١٦) ويَتَوَلَّى القاضِي ضَمَّ الشّهاداتِ ورَفْعَها، لا يَغِيبُ ذلك عنه، ويَرْفَعُها في قِمَطْرٍ (١)، ويَضُمُّ الشّهاداتِ وحُجَجَ الرَّجُلَيْن في مَكانٍ واحِدٍ مُتَرْجَمَةً بأسْمائِهما، والشَّهْرِ الذي كانَتْ فيه؛ ليَكُونَ أعْرَفَ له إذا طَلَبَها، فإذا مَضَتْ سَنَةٌ عَزَلها وكَتَبَ: «خُصُومَ سَنَةِ كذا» حتّى تكُونَ كُلُّ سَنَةٍ مَفْرُوزَةً، وكُلُّ شَهْرٍ مَفْرُوزًا، ولا يَفْتَحُ المواضِعَ التِي فيها تِلْكَ الشّهاداتُ إلّا بَعْدَ نَظَرِه إلى خَاتَمِه أو عَلامَتِه، وأن يَتْرُكَ في يَدَيِ المشْهُودِ له نُسْخَةَ تِلْكَ الشّهادَةِ ولا يَخْتِمَها، ولا يَقْبَلَ مِنْ ذلك ولا ممّا وَجَدَ في دِيوانِه إلّا ما حَفِظَ؛ لأنّه قد يُطْرَحُ في الدِّيوانِ، ويُشْبِهُ الخَطُّ الخَطَّ.
(٣٧١٧) ولو شَهِدَ عنده شُهُودٌ أنّه حَكَمَ بحُكْمٍ .. فلا يُبْطِلُه ولا يُحِقُّه إذا لم يَذْكُرْه، وإن شَهِدُوا عند غَيْرِه أجازَه؛ لأنّه لا يَعْرِفُ منه ما يَعْرِفُ مِنْ نَفْسِه، فإن عَلِمَ غَيْرُه أنّه أنْكَرَه، فلا يَنْبَغِي له أن يَقْبَلَه.
стр. 1704
(٣٧٦)
كتاب قاضٍ إلى قاضٍ
(٣٧١٨) قال الشافعي: ويَقْبَلُ كُلَّ كِتابٍ لقاضٍ عَدْلٍ، ولا يَقْبَلُه إلّا بعَدْلَيْن، وحتّى يَفْتَحَه ويَقْرَأَه عليهما، فيَشْهَدا أنّ القاضِيَ أشْهَدَهما على ما فيه، قَرَأه بحَضْرَتِهما أو قُرِئَ عليهما، وقال: «اشْهَدا أنّ هذا كِتابي إلى فلانٍ».
(٣٧١٩) ويَنْبَغِي أن يَأمُرَهُم بنَسْخِه كِتابَةً في أيْدِيهم، ويُوَقِّعُوا شَهاداتِهم عليه، فإن انْكَسَرَ خاتَمُه أو انمَّحَى كِتابُه شَهِدُوا بعِلْمِهم عليه.
(٣٧٢٠) وإن ماتَ الكاتِبُ أو عُزِلَ لم يَمْنَعْ ذلك قَبُولَه، ونَقْبَلُه كما نَقْبَلُ حُكْمَه.
(٣٧٢١) ولو تَرَكَ أن يَكْتُبَ اسْمَه في العُنْوانِ وقَطَعَ الشُّهُودُ أنّه كِتابُه .. قَبِلَه.
(٣٧٢٢) وإنْ أنْكَرَ المكْتُوبُ عليه لم يَأخُذْه به حتّى يُقَدِّمَ بَيِّنَةً بأنّه هو (١)، وإذا رَفَعَ في نَسَبِه، فقامَتْ عليه بَيِّنَةٌ بهذا الاسْمِ والنَّسَبِ والقَبِيلَةِ والصِّناعَةِ .. أخِذَ بذلك الحَقِّ، وإن وافَقَ النَّسَبَ والقَبِيلَةَ والاسْمَ والصِّناعَةَ فأنْكَرَ المكْتُوبُ عليه .. لم يُقْضَ عليه حتّى يُبانَ بشَيْءٍ لا يُوافِقُه فيه غَيْرُه.
(٣٧٢٣) وكِتابُ القاضِي إلى الخَلِيفَةِ والخَلِيفَةِ إلى القاضِي، والقاضِي إلى الأمِيرِ والأميرِ إلى القاضِي .. سَواءٌ، لا يُقْبَلُ إلّا كما وَصَفْتُ مِنْ كِتابِ القاضِي إلى القاضِي.
стр. 1705
(٣٧٧)
باب القُسّامِ (١)(٣٧٢٤) قال الشافعي: ويُعْطِي أجْرَ القُسّامِ مِنْ بَيْتِ المالِ؛ لأنّهم حُكّامٌ، فإن لم يُعْطَوْه خُلِّيَ بَيْنَهُم وبَيْنَ مَنْ طَلَبَ القَسْمَ، فاسْتأجَرَهم بما شَاء، قَلَّ أو كَثُرَ، فإن سَمَّوْا على كُلِّ واحِدٍ في نَصِيبِه شَيْئًا مَعْلُومًا فجائِزٌ، وإن سَمَّوْه على الكُلِّ فعلى قَدْرِ الأنْصِباءِ.
(٣٧٢٥) وإذا تَداعَوْا إلى القَسْمِ وأبَى شُرَكاؤُهم .. فإن كان يَنْتَفِعُ واحِدٌ منهم بما يَصِيرُ له مَقْسُومًا، جَبَرْتُهم على القَسْمِ وإن لم يَنْتَفِع البَقِيَّةُ بما يَصِيرُ لهم، وأقُولُ لمَنْ كَرِهَ: إن شِئتُم جَمَعْتُ حُقُوقَكُم فكانَتْ مُشاعَةً بَيْنكُم لتَنْتَفِعُوا بها.
(٣٧٢٦) ويَنْبَغِي للقاسِمِ أن يُحْصِيَ أهْلَ القَسْمِ ومَبْلَغَ حُقُوقِهم، فإن كان فيهم مَنْ له سُدُسٌ وثُلُثٌ ونِصْفٌ قَسَمَه على أقَلِّ السُّهْمان، وهو السُّدُسُ فيها، فيَجْعَلُ لصاحِبِ السُّدُسِ سَهْمًا، ولصاحِبِ الثُّلُثِ سَهْمَيْن، ولصاحِبِ النِّصْفِ ثلاثةً، ثُمّ يَقْسِمُ الدّارَ على سِتَّةِ أجْزاءٍ، ثُمّ يَكْتُبُ أسْماءَ أهْلِ السُّهْمانِ في رِقاعِ قَراطِيسَ صِغارٍ، ثُمّ أدْرَجَها في بُنْدُقِ طِينٍ بوَزْنٍ، فإذا اسْتَوَتْ ألْقاها في حِجْرِ مَنْ لم يَحْضُر البُنْدُقَةِ ولا الكِتابِ، ثُمّ سَمَّى السُّهْمانَ (٢) أوّلًا وثانِيًا وثالِثًا، ثُمّ قال: أخْرِجْ على الأوَّلِ بُنْدُقَةً واحِدَةً، فإذا أخْرَجَها فَضَّها، فإذا خَرَجَ اسْمُ صاحِبِها جَعَلَ له السَّهْمَ الأوَّلَ، فإنْ كان صاحِبُ السُّدُسِ فهو له ولا شَيْءَ له غَيْرُه، وإن كان صاحِبَ الثُّلُثِ فهو له والسَّهْمُ الذي يَلِيه، وإن كان صاحِبَ النِّصْفِ فهو له
стр. 1706
والسَّهْمان اللّذان يَلِيانِه، ثُمّ قيل له: أخْرِجْ بُنْدُقَةً على السَّهْمِ الذي يَلي ما خَرَجَ، فإذا خَرَجَ فيها اسْمُ رَجُلٍ فهو له كما وَصَفْتُ حتّى تَنْفَدَ السُّهْمان (١).
(٣٧٢٧) وإذا كان في القَسْمِ رَدٌّ لم يَجُزْ حتّى يَعْلَمَ كُلُّ واحِدٍ منهم مَوْضِعَ سَهْمِه وما يَلْزَمُه ويَسْقُطُ عنه، فإذا عَلِمَه كما يَعْلَمُ البُيُوعَ التي تَجُوزُ أجَزْتُه، لا بالقُرْعَةِ (٢).
(٣٧٢٨) ولا يَجُوزُ أن يَجْعَلَ لأحَدِهما سُفْلًا ولآخَرَ عُلْوَه، إلّا أن يَكُونَ سُفْلُه وعُلْوُه لواحِدٍ.
(٣٧٢٩) وإذا ادّعَى بَعْضُهم غَلَطًا كُلِّفَ البَيِّنَةَ، فإن جاء بها رُدَّ القَسْمُ عنه.
(٣٧٣٠) وإذا اسْتُحِقَّ بَعْضُ المقْسُومِ، أو لَحِقَ الميِّتَ دَيْنٌ فبِيعَ بَعْضُها .. انْتَقَضَ القَسْمُ، ويُقالُ لهم في الدَّيْنِ والوَصِيَّةِ: إن تَطَوَّعْتُم أن تُعْطُوا أهْلَ الدَّيْنِ والوَصِيَّةِ أنْفَذْنا القَسْمَ بَيْنَكُم، وإلّا نَقَضْناه عليكم.
(٣٧٣١) ولا يُقْسَمُ صِنْفٌ مِنْ المالِ مع غَيْرِه، ولا عِنَبٌ مع نَخْلٍ، ولا نَضْحٌ مَضْمُومٌ إلى عَيْنٍ، ولا عَيْنٌ مَضْمُومَةٌ إلى بَعْلٍ، ولا بَعْلٌ إلى نَخْلٍ يَشْرَبُ بنَهْرٍ مأمُونِ الانْقِطاعِ (٣).
стр. 1707
(٣٧٣٢) وتُقْسَمُ الأَرَضُونَ والثِّيابُ والطَّعامُ، وكُلُّ ما احْتَمَلَ القَسْمَ.
(٣٧٣٣) وإذا طَلَبُوا أن يَقْسِمَ دارًا في أيْدِيهم بَيْنَهُم .. قُلْتُ: ثَبِّتُوا على أصُولِ حُقُوقِكُم؛ لأنّي لو قَسَمْتُها بقَوْلِكُم ثُمّ رُفِعَتْ إلى حاكِمٍ كان شَبِيهًا أن يَجْعَلَها حُكْمًا لكم ولعَلَّها لغَيْرِكُم، وقد قيل: يَقْسِمُ ويُشْهِدُ أنّه قَسَمَها على إقْرارِهِم، ولا يُعْجِبُنِي؛ لِما وَصَفْتُ (١).
стр. 1708
(٣٧٨)
باب ما على القاضي في الخصوم والشهود
(٣٧٣٤) قال الشافعي: ويَنْبَغِي للحاكِمِ أن يُنْصِفَ الخَصْمَيْن في المدْخَلِ عليه للحُكْمِ، والاسْتِماعِ والإنْصاتِ لكُلِّ واحِدٍ منهما حتّى تَنْفَدَ حُجَّتُه، ولا يَنْهَرَهُما، ولا يُعَنِّتَ شاهِدًا، ولا يَنْبَغِي أن يُلَقِّنَ واحِدًا منهما حُجَّةً، ولا شاهِدًا شَهادَةً.
(٣٧٣٥) ولا بَأسَ إذا جَلَسَ أن يَقُولَ: تكَلَّمَا، أو يَسْكُتَ حتّى يَبْتَدِئَ أحَدُهما، ويَنْبَغِي أن يَبْتَدِئَ الطّالِبُ، فإذا أنْفَدَ حُجَّتَه تكَلَّمَ المطْلُوبُ.
(٣٧٣٦) ولا يَنْبَغِي أن يُضِيفَ الخَصْمَ دُون خَصْمِه، ولا يَقْبَلَ له هَدِيَّةً وإن كان يُهْدِي إليه قَبْلَ ذلك حتّى تَنْفَدَ خُصُومَتَه.
(٣٧٣٧) وإذا حَضَرَ مُسافِرُون ومُقِيمُون .. فإن كان المسافِرُون قَلِيلًا فلا بَأسَ أن يَبْدَأ بهم، وأن يَجْعَلَ (١) لهم يَوْمًا بقَدْرِ ما لا يَضُرُّ بأهْلِ البَلَدِ، وإنْ كَثُرُوا حتّى يُساوُوا أهْلَ البَلَدِ آسَاهُم به، ولكُلٍّ حَقٌّ.
(٣٧٣٨) ولا يُقَدِّمُ رَجُلًا جاء قَبْلَه رَجُلٌ، ولا يَسْمَعُ منه في مَجْلِسٍ إلّا في حُكْمٍ واحِدٍ، فإذا فَرَغا أقامَه ودَعَا الذي بَعْدَه.
(٣٧٣٩) ويَنْبَغِي للإمامِ أن يَجْعَلَ مع رِزْقِ القاضِي شَيْئًا لقَراطِيسِه، ولا يُكَلِّفَه الطّالِبَ، فإن لم يَفْعَلْ قال للطّالِبِ: إن شِئتَ فائْتِ بصَحِيفَةٍ فيها شَهادَةُ شاهِدَيْكَ، وكِتابُ خُصُومَتِكَ، ولا أُكْرِهُكَ، ولا أقْبَلُ أن يَشْهَدَ لك شاهِدٌ بلا كِتابٍ وأنْسَى شَهادَتَه.
стр. 1709
(٣٧٤٠) وإنْ قَبِلَ الشَّهادَةَ مِنْ غير مَحْضَرِ خَصْمٍ فلا بَأسَ.
(٣٧٤١) ويَنْبَغِي إذا حَضَرَ أن يَقْرَأ عليه ما شَهِدُوا به عليه، ويُنْسِخَه أسْماءَهُم وأنْسَابَهم، ويُطْرِدَه جَرْحَهُم، فإن لم يَأتِ به حَكَمَ عليه (١).
(٣٧٤٢) وإذا عَلِمَ مِنْ رَجُلٍ بإقْرارِه، أو تَيَقَّنَ أنّه شَهِدَ عنده بزُورٍ .. عَزَّرَه، ولم يَبْلُغْ بالتَّعْزِيرِ أرْبَعِين سَوْطًا، ويُشْهِرُ أمْرَه، فإنْ كان مِنْ أهْلِ المسْجِدِ وَقَفَه فيه، وإن كان مِنْ قَبِيلٍ وَقَفَه في قَبِيلِه أو في سُوقِه (٢)، وقال: «إنّا وَجَدْنا هذا شاهِدَ زُورٍ، فاعْرِفُوه».
(٣٧٤٣) قال المزني: واخْتَلَفَ قَوْلُه في الخَصْمِ يُقِرُّ عند القاضِي، فقال: «فيها قولان: أحَدُهما - أنّه كشاهِدٍ، وبه قال شُرَيْحٌ، والآخَرُ - أنّه يَحْكُمُ به»، قال المزني: وقَطَعَ بأنّ سَماعَه الإقْرارَ منه أثْبَتُ مِنْ الشَّهادَةِ، وهكذا قال في «كتاب الرسالة»: «أقْضِي عليه بعِلْمِي، وهو أقْوَى مِنْ شاهِدَيْن، وبشاهِدَيْن أو شاهِدٍ وامْرَأتَيْن (٣)، وهو أقْوَى مِنْ شاهِدٍ ويَمِينٍ، وبشاهِدٍ ويَمِينٍ، وهو أقْوَى مِنْ النُّكُولِ ورَدِّ اليَمِينِ» (٤).
стр. 1710
(٣٧٤٤) قال الشافعي: وأحِبُّ للإمامِ إذا وَلَّى القَضاءَ رَجُلًا، أن يَجْعَلَ له أن يُوَلِّيَ القَضاءَ مَنْ رَأى في طَرَفٍ مِنْ أطْرافِه فيَجُوزَ حُكْمُه.
(٣٧٤٥) ولو عُزِلَ فقال: قد كُنْتُ قَضَيْتُ لفلانٍ على فلانٍ .. لم يُقْبَلْ إلّا بشُهُودٍ.
(٣٧٤٦) وكُلُّ ما حَكَمَ به لنَفْسِه ووَلَدِه ووالِدِه ومَن لا تَجُوزُ له شَهادَتُه .. رُدَّ حُكْمُه.
стр. 1711
[٦٥]
كتاب [الشهادات] (١)
مختصر من الجامع من اختلاف الحكام والشهادات،
ومن أحكام القرآن، ومسائل شتى سمعتها لفظًا
стр. 1712
(٣٧٤٧) قال الشافعي: قال الله : ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فاحْتَمَلَ أمْرُه جَلّ ذِكْرُه أمْرَيْن: أحَدُهما - أن يَكُونَ مُباحًا تَرْكُها، والآخَرُ - حَتْمًا يَعْصِي مَنْ تَرَكَه بتَرْكِه، فلمّا أمَرَ اللهُ تبارك اسْمُه في آيَةِ الدَّيْنِ - والدَّيْنُ تَبايُعٌ - بالإشْهادِ، وقال فيها: ﴿فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته﴾ [البقرة: ٢٨٣] .. دَلَّ على أنّ الأوَّلَ (١) دَلالَةٌ على الحَظِّ؛ لِما في الإشْهادِ مِنْ مَنْعِ التَّظالُمِ بالجُحُودِ أو بالنِّسْيانِ، ولِما في ذلك مِنْ بَراآتِ الذِّمَمِ بعد الموْتِ، لا غَيْرُ، وكُلُّ أمْرٍ نَدَبَ اللهُ إليه فهو الخَيْرُ الذي لا يَعْتاضُ مِنه مَنْ تَرَكَه، وقد حُفِظَ عن رسولِ الله ﷺ أنّه بايَعَ أعْرابِيًّا فَرَسًا، فجَحَدَه بأمْرِ بَعْضِ المنافقين، ولم يَكُنْ بَيْنَهما إشْهادٌ، فلو كان حَتْمًا ما تَرَكَه رسولُ الله ﷺ .
стр. 1713
(٣٧٩)
باب عدد الشهود، وحيث لا تجوز فيه شهادة النساء وحيث يجزن (١)،
وحكم القاضي بالظاهر
(٣٧٤٨) قال الشافعي: ودَلَّ اللهُ جل ثناؤه على أن لا يَجُوزَ في الزِّنا أقَلُّ مِنْ أرْبَعَةٍ؛ لقَوْلِه: ﴿لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون﴾ [النور: ١٣]، وقال سَعْدٌ: يا رسولَ الله، أرَأيْتَ لو وَجَدْتُ مع امْرَأتِي رَجُلًا، أمْهِلُه حتّى آتِيَ بأرْبَعَةِ شُهَداءَ؟ فقال رسولُ الله ﷺ : «نَعَمْ»، وجَلَدَ عُمَرُ بنُ الخطّاب ثَلاثَةً لمّا لم يَتِمَّ الرّابعُ، وقال الله ﵎ في الإمْساكِ والفِراقِ: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢]، فانْتَهَى إلى شاهِدَيْن، ودَلَّ على ما دَلَّ ما قَبْلَه مِنْ نَفْيِ أن يَجُوزَ فيه إلّا رِجالٌ لا نِساءَ معهم؛ لأنّه لا يَحْتَمِلُ إلّا أن يَكُونا رَجُلَيْن، وقال الله ﵎ في آيَةِ الدَّيْنِ: ﴿فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ولم يَذْكُرْ في شُهُودِ الزِّنا ولا الفِراقِ والرَّجْعَةِ امْرَأةٌ، ووَجَدْنا شُهُودَ الزِّنا يَشْهَدُون على حَدٍّ، لا مالٍ، والطَّلاقُ والرَّجْعَةُ تَحْرِيمٌ بعد تَحْلِيلٍ وتَثْبِيتُ تَحْلِيلٍ، لا مالٌ، والوَصِيَّةُ إلى الموصَى إليه قِيامٌ بما أوْصِيَ به إليه، لا أنّ له مالًا، ولا أعْلَمُ أحَدًا مِنْ أهل العِلْمِ خالَفَ في أنّه لا يَجُوزُ في الزِّنا إلّا الرِّجالُ، وأكْثَرُهُم قال: ولا في الطّلاقِ ولا في الرَّجْعَةِ إذا تَناكَرَ الزَّوْجان، وقالُوا ذلك في الوَصِيَّةِ، فكانَ ذلك كالدَّلالَةِ على ظاهِرِ القُرْآنِ، وكانَ أوْلَى بالأمُورِ أن يُصارَ إليه ويُقاسَ عليه، والدَّيْنُ مالٌ، فما أخَذَ به المشْهُودُ له
стр. 1714
مالًا جازَتْ فيه شَهادَةُ النِّساءِ مع الرِّجالِ، وما عَدَا ذلك فلا يَجُوزُ فيه إلّا الرِّجالُ، قال الشافعي: وفي قول الله تبارك اسمه: ﴿فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾، وقال : ﴿أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾ [البقرة: ٢٨٢] .. دَلالَةٌ على أن لا تَجُوزَ شَهادَةُ النِّساءِ حَيْثُ يَجُزْنَ إلّا مع رجلٍ، ولا يَجُوزُ مِنْهُنّ إلّا امْرأتان فصاعِدًا، وأصْلُ النِّساءِ أنّه قُصِرَ بهنَّ عن أشْياءَ بَلَغَها الرِّجالُ، وأنّهم جُعِلُوا قَوّامِينَ عليهنّ وحُكّامًا ومُجاهِدِين، وأنّ لهم السُّهْمانَ مِنْ الغَنِيمَةِ دُونَهُنَّ، وغَيْرُ ذلك، فالأصْلُ أن لا يُجَزْنَ، فإذا أجِزْنَ في مَوْضِعٍ لم يُعْدَ بهنّ ذلك الموْضِعَ.
(٣٧٤٩) وكيف أجازَهُنّ محمّدُ بنُ الحسَنِ في الطّلاقِ والعِتاقِ ورَدَّهُنَّ في الحدودِ؟ قال الشافعي: وفي إجْماعِهِم على أن لا يُجَزْنَ على الزِّنا ولم يُسْتَثْنَيْن في الإعْوازِ مِنْ الأرْبَعَةِ، دَليلٌ على أن لا يُجَزْنَ في الوَصِيَّةِ إذا لم يُسْتَثْنَيْن في الإعْوازِ مِنْ شاهِدَيْن.
(٣٧٥٠) قال الشافعي: وقال بعض أصحابنا: «إنْ شَهِدَت امْرأتان لرَجُلٍ بمالٍ حَلَفَ مَعَهما»، ولقَدْ خالَفَه عَدَدٌ أحْفَظُ ذلك عنهم مِنْ أهْلِ المدينةِ، وهذا إجازَةُ النِّساءِ بغَيْرِ رَجُلٍ، فيَلْزَمُه أن يُجِيزَ أرْبَعًا فيُعْطِيَ بهنَّ حَقًّا، فإن قال: إنّهما مع يَمِينِ رَجُلٍ .. فيَلْزَمُه أن لا يُجِيزَهما مع يَمِينِ امْرَأةٍ، والحكْمُ فيهما واحِدٌ.
(٣٧٥١) قال الشافعي: وكان القَتْلُ والجِراحُ وشُرْبُ الخَمْرِ والقَذْفُ ممّا لم يُذْكَرْ فيه عَدَدُ الشُّهودِ، فكان ذلك قِياسًا على شاهِدَي الطَّلاقِ وغَيْرِه ممّا وَصَفْتُ.
(٣٧٥٢) قال: ولا يُحِيلُ حُكْمُ الحاكِمِ الأمُورَ عمّا هي عليه، أخْبَرَ رسولُ الله ﷺ أنّه يَقْضِي بالظّاهِرِ، ويَتَوَلَّى اللهُ السَّرائِرَ، فقال: «فمَنْ قَضَيْتُ
стр. 1715
له مِنْ حَقِّ أخِيه بشَيْءٍ فلا يَأخُذَنَّه؛ فإنَّما أقْطَعُ له قِطْعَةً مِنْ النّارِ»، فلو شَهِدا بزُورٍ أنّ رَجُلًا طَلَّقَ امْرَأتَه ثلاثًا ففَرَّقَ الحاكِمُ بينهما كانَتْ له حَلالًا، غَيْرَ أنّا نَكْرَهُ له أن يَطَأَها فيُحَدَّا، ويَلْزَمُ مَنْ زَعَمَ أنّ فُرْقَتَه فُرْقَةٌ تَحْرُمُ بها على الزَّوْجِ ويَحِلُّ لأحَدِ الشّاهِدَيْن أن يتَزَوَّجَها فيما بَيْنَه وبين الله .. أن يَقُولَ: لو شَهِدَا له بزُورٍ أنّ هذا قَتَلَ ابْنَه عَمْدًا فأباح له الحاكِمُ دَمَه أن يُرِيقَ دَمَه، ويَحِلُّ له فيما بينه وبين الله .
стр. 1716
(٣٨٠)
باب شهادة النساء لا رَجُلَ معهن، والردِّ على من أجاز شهادة امرأة
من هذا الكتاب (١)، ومن اختلاف العراقيين (٢)(٣٧٥٣) قال الشافعي: والوِلادُ وعُيُوبُ النِّساءِ ممّا لم أعْلَمْ فيه مُخالِفًا في أنّ شَهادَةَ النِّساءِ جائزةٌ فيه لا رَجُلَ مَعَهُنَّ، واخْتَلَفُوا في عَدَدِها، فقال عطاء: «لا يَجُوزُ في شَهادَةِ النِّساءِ لا رَجُلَ معهنَّ في أمْرِ النِّساءِ أقَلُّ مِنْ أرْبَعٍ عُدُولٍ»، قال الشافعي: وبهذا نأخُذُ، ولمّا ذَكَرَ اللهُ جل ثناؤه النِّساءَ فجَعَلَ امْرَأتَيْن تَقُومانِ مَقامَ رَجُلٍ في الموْضِعِ الذي أجازَهما فيه، دَلَّ - والله أعلم - إذْ أجاز المسلمون شَهادَةَ النِّساءِ في مَوْضِعٍ أن لا يَجُوزَ منهنَّ إلّا أرْبَعٌ عُدُولٌ؛ لأنّ ذلك مَعْنَى حُكْمِ الله .
(٣٧٥٤) قال الشافعي: وقُلْتُ لمَنْ يُجِيزُ شَهادَةَ امْرَأةٍ في الوِلادَةِ؛ كما يُجِيزُ الخَبَرَ بها لا مِنْ قِبَلِ الشَّهادَةِ: وأيْنَ الخبَرُ مِنْ الشَّهادَةِ؟ أتَقْبَلُ امْرَأةً عن امْرَأةٍ أنّ امْرَأةَ رَجُلٍ وَلَدَتْ هذا الوَلَدَ؟ قال: لا، قلتُ: وتَقْبَلُ في الخَبَرِ (أخْبَرَنا فلانٌ عن فلانٍ)؟ قال: نعم، قلتُ: والخبَرُ هو ما اسْتَوَى فيه المخْبِرُ
стр. 1717
والمخْبَرُ والعامَّةُ مِنْ حَلالٍ أو حَرامٍ؟ قال: نعم، قلتُ: والشَّهادَةُ ما كان الشّاهِدُ منه خَلِيًّا والعامَّةُ، وإنّما يَلْزَمُ المشْهُودَ عليه؟ قال: نعم، قلتُ: أفَتَرَى هذا مُشْبِهًا لهذا؟ قال: أمّا في هذا فلا.
стр. 1718
(٣٨١)
باب شهادة القاذف
(٣٧٥٥) قال الشافعي: أمَرَ اللهُ تعالى أن يُضْرَبَ القاذِفُ ثَمانِينَ، ولا تُقْبَلَ له شَهادَةٌ أبَدًا، وسَمّاه فاسِقًا، إلّا أن يَتُوبَ، فإنْ تاب قُبِلَتْ شَهادَتُه، ولا خِلافَ بيننا في الحرَمَيْنِ قَدِيمًا ولا حَدِيثًا في أنّه إذا تابَ قُبِلَتْ شَهادَتُه.
(٣٧٥٦) قال الشافعي: والتَّوْبَةُ إكْذابُه نَفْسَه (١)؛ لأنّه أذْنَبَ بأن نَطَقَ بالقَذْفِ، والتَّوْبَةُ منه أن يَقُولَ: القَذْفُ باطِلٌ؛ كما تكُونُ الرِّدَّةُ بالقَوْلِ، والتَّوْبَةُ عنها بالقَوْلِ، فإنْ كان عَدْلًا قُبِلَتْ شَهادَتُه، وإلّا فحَتَّى تَحْسُنَ حالُه (٢).
(٣٧٥٧) قال الشافعي: أخْبَرَنا سفيان بن عيينة، قال: سمعتُ الزهريَّ يَقُولُ: «زَعَمَ أهْلُ العِراقِ أنّ شَهادَةَ القاذِفِ لا تَجُوزُ، فأشْهَدُ لأخْبَرَنِي - ثُمّ سَمَّى الرَّجُلَ الّذِي أخْبَرَه - أنّ عُمَرَ قال لأبي بَكْرَةَ: تُبْ تُقْبَلْ شَهادَتُك، أو قال: إنْ تُبْتَ قُبِلَتْ شَهادَتُك».
стр. 1719
(٣٧٥٨) قال الشافعي: وبَلَغَنِي عن ابْنِ عبّاسٍ مِثْلُ مَعْنَى هذا، وقال ابْنُ أبي نَجِيحٍ: «كُلُّنا نَقُولُه»، قُلْتُ: مَنْ؟ قال: «عطاءٌ وطاوسٌ ومجاهدٌ»، وقال الشعبيُّ: «يَقْبَلُ اللهُ تَوْبَتَه، ولا تَقْبَلُون شهادَتَه؟!».
(٣٧٥٩) قال الشافعي: وهو قَبْلَ أن يُحَدَّ شَرٌّ منه حين يُحَدُّ؛ لأنّ الحُدُودَ كفّاراتٌ، فكيف تَرُدُّونَها في أحْسَنِ حالَيْه، وتَقْبَلُونَها في شَرِّ حالَيْه؟ وإذْ قَبِلْتُم تَوْبَةَ الكافِرِ والقاتِلِ عَمْدًا، كَيْفَ لا تَقْبَلُونَ تَوْبَةَ القاذِفِ وهو أيْسَرُ ذَنْبًا؟!
قال المزني: صَدَقَ والله (١).
стр. 1720
(٣٨٢)
باب التحفظ في الشهادة والعلمِ بها
(٣٧٦٠) قال الشافعي: قال الله : ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا﴾ [الإسراء: ٣٦] (١)، وقال: ﴿إلا من شهد بالحق وهم يعلمون﴾ [الزخرف: ٨٦]، قال: فالعِلْمُ مِنْ ثلاثة وُجُوهٍ: منها - ما عايَنَه، فيَشْهَدُ بها، ومنها - ما تَظاهَرَتْ به الأخْبارُ وثَبَتَتْ مَعْرِفَتُه في القُلُوبِ، فيَشْهَدُ عليه، ومنها - ما أثْبَتَه سَمْعًا مع إثْباتِ بَصَرٍ مِنْ المشْهُودِ عليه.
(٣٧٦١) فبذلك قُلْنا: لا تَجُوزُ شَهادَةُ الأعْمَى؛ لأنّ الصَّوْتَ يُشْبِه الصَّوْتَ، إلّا أن يَكُونَ أثْبَتَ شَيْئًا مُعايَنَةً وسَمْعًا ونَسَبًا ثُمّ عَمِيَ، فيَجُوزُ، ولا عِلَّةَ في رَدِّه (٢).
(٣٧٦٢) والشَّهادَةُ على مِلْكِ الرَّجُلِ الدَّارَ والثَّوْبَ على تَظاهُرِ الأخْبارِ بأنّه مالِكٌ، وأن لا يَرَى مُنازِعًا في ذلك، فتَثْبُتُ مَعْرِفَتُه في القَلْبِ، فيَسَعُ الشَّهادَةُ عليه، وعلى النَّسَبِ إذا سَمِعَه يَنْتَسِبُ زَمانًا، ويَسْمَعُ غَيْرَه يَنْسِبُه إلى نَسَبِه ولا يَسْمَعُ (٣) دافِعًا ولا دَلالَةً يَرْتابُ بها، وكذلك يَشْهَدُ على عَيْنِ المرْأةِ ونَسَبِها إذا تَظاهَرَتْ له الأخْبارُ ممَّنْ يُصَدَّقُ بأنّها فُلانَةُ، ورَآها مَرَّةً بعد مَرَّةٍ، وهذا كُلُّه شَهادَةٌ بعِلْمٍ كما وَصَفْتُ.
стр. 1721
(٣٧٦٣) وكذلك يَحْلِفُ الرَّجُلُ على ما يَعْلَمُ بأحَدِ هذه الوُجُوهِ فيما أخَذَ به مع شاهِدِه، وفي رَدِّ يَمِينٍ، وغَيْرِه.
(٣٧٦٤) قال الشافعي: قُلْتُ لمن قال: لا أجِيزُ الشّاهِدَ وإن كان بَصِيرًا حين عَلِمَ حتّى يُعايِنَ المشْهُودَ عليه يَوْمَ يُؤدِّيها عليه: فأنْتَ تُجِيزُ شَهادَةَ البَصِيرِ على مَيِّتٍ وعلى غائِبٍ في حالٍ، وهذا نَظِيرُ ما أنْكَرْتَ.
стр. 1722
(٣٨٣)
باب ما يجب على المرء من القيام بالشهادة، وإذا دُعِيَ ليكتب أو ليشهد (١)(٣٧٦٥) قال الشافعي: قال الله : ﴿ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه﴾ [البقرة: ٢٨٣]، قال الشافعي: الذي (٢) أحْفَظُ عن كُلِّ مَنْ سَمِعْتُ مِنْ أهْلِ العِلْمِ أنّ ذلك في الشّاهِدِ قد لَزِمَتْه الشَّهادَةُ، أنّ فَرْضًا عليه أن يَقُومَ بها على والِدَيْه ووَلَدِه والقَرِيبِ والبَعِيدِ، لا يَكْتُمُ على أحَدٍ، ولا يُحابِي بها أحَدًا، ولا يَمْنَعُها أحَدًا (٣)، ثُمّ تَتَفَرَّعُ الشَّهاداتُ.
(٣٧٦٦) قال الشافعي: قال الله : ﴿ولا يضار كاتب ولا شهيد﴾ [البقرة: ٢٨٢] (٤)، فأشْبَه أن يَكُونَ حَرِجَ مَنْ تَرَكَ ذلك ضِرارًا.
(٣٧٦٧) وفَرْضُ القِيامِ بها في الابْتِداءِ على الكِفايَةِ كالجِهادِ ورَدِّ السَّلامِ والجنائزِ، ولم أحْفَظْ خِلافَ ما قُلْتُ عن أحَدٍ.
стр. 1723
(٣٨٤)
باب شرط الذين تُقبَل شهادتهم
(٣٧٦٨) قال الشافعي: قال الله : ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢]، وقال : ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ [البقرة: ٢٨٢]، قال: فكان الذي يَعْرِفُ مَنْ خُوطِبَ بهذِه الآيةِ أنّه أرِيدَ بها (١): الأحْرارُ البالِغُون المسْلِمُون المرْضِيُّون.
(٣٧٦٩) وفي قَوْلِه : ﴿شهيدين من رجالكم﴾ [البقرة: ٢٨٢] دليلٌ (٢) على إبْطالِ قَوْلِ مَنْ قال: تَجُوزُ شَهادَةُ الصِّبْيانِ في الجِراحِ ما لم يَتَفَرَّقُوا، فإنْ قال: أجازَها ابْنُ الزُّبَيْر .. فابْنُ عبّاسٍ رَدَّها.
(٣٧٧٠) قال الشافعي: ولا تَجُوزُ شَهادَةُ مَمْلُوكٍ ولا صَبِيٍّ ولا كافِرٍ بحالٍ؛ لأنّ المماليكَ يَغْلِبُهم مَنْ يَمْلِكُهم على أمُورِهم، وأنّ الصِّبْيانَ لا فَرائِضَ عليهم، فكَيْفَ يَجِبُ بقَوْلِهم فَرْضٌ؟ والمعْرُوفُون بالكَذِبِ مِنْ المسْلِمِين لا تَجُوزُ شَهادَتُهم، فكيف تَجُوزُ شَهادَةُ الكافِرِين مع كَذِبِهم على اللهِ ﵎؟ (٣).
стр. 1724
(٣٨٥)
باب الأقضية واليمين مع الشاهد
وما دخل فيه من اختلاف الحديث وغيره (١)(٣٧٧١) قال الشافعي: أخبرنا عبدُالله بنُ الحارث بنِ عبدِالملك المخْزُومِيّ، عن سيف بن سليمان، عن قيس بن سعد، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، أنّ رسولَ الله ﷺ قَضَى باليَمِينِ مع الشّاهِدِ، [قال عَمْرٌو: «في الأمْوالِ».
(٣٧٧٢) ورَواه مِنْ حديث آخَرَ عن أبي هريرة، أنّ رسولَ الله ﷺ قَضَى باليَمِينِ مع الشّاهِدِ (٢)، ومِن حديثِ جعفر بن محمد عن أبيه؛ أنّ رسولَ الله ﷺ قَضَى باليَمِينِ مع الشّاهِدِ، ورَواه عن عليٍّ وأُبَيِّ بنِ كَعْبٍ وعُمَرَ بنِ عبدِالعزيز وشُرَيْحٍ.
(٣٧٧٣) قال الشافعي: وإذْ قَضَى رَسُولُ الله ﷺ باليَمِينِ مع الشّاهِدِ، وقال عَمْرٌو وهو الذي رَوَى الحدِيثَ: «في الأمْوالِ»، وقال جعفر بن محمد من رواية مسلم بن خالد: «في الدَّيْنِ»، والدَّيْنُ مالٌ .. دَلَّ ذلك على أنّه لا يُقْضَى بها في غَيْرِ ما قُضِيَ بها فيه (٣)، أو مِثْلِ مَعْناه، قال الشافعي: والبَيِّنَةُ في دَلالَةِ سُنَّةِ رسولِ الله ﷺ بَيِّنَتان: بَيِّنَةٌ كامِلَةٌ بعَدَدِ شُهُودٍ، لا يُحَلَّفُ مُقِيمُها مَعَها، وبَيِّنَةٌ ناقِصَةُ العَدَدِ في المالِ، يُحَلَّفُ مُقِيمُها مَعَها.
(٣٧٧٤) قال: فكُلُّ ما كان مِنْ مالٍ يَتَحَوَّلُ مِنْ مالِكٍ إلى مالِكٍ غَيْرِه، حتّى يَصِيرَ فيه مِثْلَه أو في مِثْلِ مَعْناه قُضِيَ فيه باليَمِينِ مع الشّاهِدِ، وكذلك
стр. 1725
كُلُّ ما وَجَبَ به مالٌ، مِنْ قَتْلٍ أو جُرْحٍ لا قِصاصَ فيه، أو إقْرارٍ، أو غَيْرِ ذلك ممّا يُوجِبُ المالَ.
(٣٧٧٥) ولو أتَى قَوْمٌ بشاهِدٍ أنّ لأبِيهِم على فلانٍ حَقًّا، أو أنّ فلانًا قد أوْصَى لهم .. فمَن حَلَفَ منهم مع شاهِدِه اسْتَحَقَّ مُوَرِّثَه أو وَصِيَّتَه، دون مَنْ لم يَحْلِفْ، وإن كان فيهم مَعْتُوهٌ وُقِفَ حَقُّه حتّى يَعْقِلَ فيَحْلِفَ، أو يَمُوتَ فيَقُومَ وارِثُه مَقامَه فيَحْلِفَ ويَسْتَحِقَّ، ولا يَسْتَحِقُّ أخٌ بيَمِينِ أخِيه.
(٣٧٧٦) وليْسَ الغَرِيمُ ولا الموصَى له مِنْ مَعْنَى الوارِثِ في شَيْءٍ، وإنْ كانُوا أوْلَى بمالِ مَنْ عليه الدَّيْنُ، فليْسَ مِنْ وَجْهٍ أنّهم يَقُومُون مَقامَه، ولا يَلْزَمُهم ما يَلْزَمُ الوارِثَ مِنْ نَفَقَةِ عَبِيدِه الزَّمْنَى، ألا تَرَى أنّه لو ظَهَرَ له مالٌ سِوَى مالِه الذي يُقالُ للغَرِيمِ: احْلِفْ عليه .. كان للوَرَثَةِ أن يُعْطُوه مِنْ ذلك المالِ الظّاهِرِ الذي لم يَحْلِفْ عليه الغَرِيمُ؟ قال: وإذا حَلَفَ الوَرَثَةُ فالغُرَماءُ أوْلَى بمالِ الميِّتِ.
(٣٧٧٧) ولو أقام شاهِدًا أنّه سَرَقَ له مَتاعًا مِنْ حِرْزٍ يَسْوَى ما تُقْطَعُ به اليَدُ (١) .. حَلَفَ مع شاهِدِه واسْتَحَقَّ، ولا يُقْطَعُ؛ لأنّ الحَدَّ ليْسَ بمالٍ؛ كرَجُلٍ قال: امْرَأتِي طالِقٌ وعَبْدِي حُرٌّ إنْ كُنْتُ غَصَبْتُ فلانًا هذا العَبْدَ، فيَشْهَدُ له عليه بغَصْبِه شاهِدٌ، فيَحْلِفُ ويَسْتَحِقُّ الغَصْبَ، ولا يَثْبُتُ عليه طَلاقٌ ولا عِتْقٌ؛ لأنّ حُكْمَ الحِنْثِ غَيْرُ حُكْمِ المالِ.
(٣٧٧٨) ولو أقامَ شاهِدًا على جارِيَةٍ أنّها له، وابْنُها وَلَدٌ منه .. حَلَفَ وقُضِيَ له بالجارِيَةِ، وكانَتْ أمَّ وَلَدِه بإقْرارِه؛ لأنّ أمَّ الوَلَدِ مَمْلُوكَةٌ، ولا يُقْضَى له بالابْنِ؛ لأنّه لا يَمْلِكُه على أنّه ابْنُه.
стр. 1726
قال المزني: وقد قال في مَوْضِعٍ آخَرَ: «يأخُذُها ووَلَدَها، ويَكُونُ ابْنَه»، قال المزني: هذا أشْبَه بقَوْلِه الذي لم يَخْتَلِفْ، وهو قَوْلُه: «لو أقامَ شاهِدًا على عَبْدٍ في يَدَيْ رَجُلٍ يَسْتَرِقُّه، أنّه كان عَبْدًا له فأعْتَقَه ثُمّ غَصَبَه هذا بعد العِتْقِ .. حَلَفَ وأخَذَه، وكان مَوْلًى له»، قال المزني: فهو لا يَأخُذُ مَوْلاه على أنّه يَسْتَرِقُّه؛ كما لا يَأخُذُ ابْنَه على أنّه يَسْتَرِقُّه، فإذا أجازَه في الموْلَى لَزِمَه في الابْنِ (١).
(٣٧٧٩) قال الشافعي: ولو أقامَ شاهِدًا أنّ أباه تَصَدَّقَ عليه بهذِه الدّارِ صَدَقَةً مُحَرَّمَةً مَوْقُوفَةً وعلى أخَوَيْن له .. فإذا انْقَرَضُوا فعَلَى أوْلادِهِم، أو على المساكِينِ .. فمَنْ حَلَفَ منهم ثَبَتَ حَقُّه، وصار ما بَقِيَ مِيراثًا، فإنْ حَلَفُوا مَعًا خَرَجَت الدّارُ مِنْ مِلْكِ صاحِبِها إلى مَنْ جُعِلَتْ له حَياتَه ومَضَى الحكْمُ فيها لهم، فإنْ جاء بَعْدَهُم ممَّنْ وُقِفَتْ عليه إذا ماتُوا قام مَقامَ الوارِثِ، ولو لم يَحْلِفْ إلّا واحِدٌ فنَصِيبُه منها له - وهو الثُّلُثُ - صَدَقَةٌ على ما شَهِدَ به شاهِدُه، ثُمّ نَصِيبُه على مَنْ تَصَدَّقَ به أبُوه عليه بَعْدَه وبَعْدَ أخَوَيْه، فإن قال الذين تَصَدَّقَ بها عليهم بعد الابْنَيْن: نحن نَحْلِفُ على ما أبَى أن يَحْلِفَ عليه الابْنانِ .. ففيها قولان: أحَدُهما - أنّه لا يَكُونُ لهم إلّا ما كان للابْنَيْن قَبْلَهم، والآخَرُ - أنّ ذلك لهم، مِنْ قِبَلِ أنّهم إنّما يَمْلِكُون إذا حَلَفُوا بعد مَوْتِ الذي جُعِلَ له مِلْكٌ (٢) إذا ماتَ، وهو أصَحُّ القَوْلَيْن، وبه أقُولُ، والله أعلم (٣).
стр. 1727
قال: ولو قال: «وعلى أوْلادِهم وأوْلادِ أوْلادِهِم ما تَناسَلُوا» .. فإذا حَدَثَ وَلَدٌ نُقِصَ مَنْ له حَقٌّ في الحَبْسِ، ووُقِفَ حَقُّ الموْلُودِ حتّى يَبْلُغَ فيَحْلِفَ ويَأخُذَ، أو يَدَعَ فيَبْطُلَ حَقُّه، ويَرُدَّ كِراءَ ما وُقِفَ له مِنْ حَقِّه على الذين انْتُقِصَ مِنْ أجْلِه حُقُوقُهُم سَواءً بينهم، فإن ماتَ مِنْ المنْتَقَصِ حُقُوقُهُم أحَدٌ في نِصْفِ عُمْرِ الذي وُقِفَ له إلى أن يَبْلُغَ رُدَّ حِصَّةُ الموْقُوفِ على مَنْ مَعَه في الحَبْسِ، وأعْطِيَ وَرَثَةُ الميِّتِ منهم بقَدْر ما اسْتَحَقَّ بها ممّا رُدَّ عليه بقَدْرِ حَقِّه.
قال المزني: أصْلُ قَوْلِ الشّافِعِيِّ أنّ المحَبِّسَ أزالَ مِلْكَ رَقَبَتِه لله ، وإنّما يَمْلِكُ المحَبَّسُ عليه مَنْفَعَتَه، لا رَقَبَتَه؛ كما أزالَ المعْتِقُ مِلْكَه عن رَقَبَةِ عَبْدِه، وإنّما يَمْلِكُ المعْتَقُ (١) مَنْفَعَةَ نَفْسِه، لا رَقَبَتَه، وهو لا يُجِيزُ اليَمِينَ مع الشّاهِدِ إلّا فيما يَمْلِكُه الحالِفُ، فكيف يَخْرُجُ مِلْكُ رَقَبَةِ رَجُلٍ بيَمِينِ مَنْ لا يَمْلِكُ تِلْكَ الرَّقَبَةَ، وهو لا يُجِيزُ يَمِينَ العَبْدِ مع شاهِدِه أنّ مَوْلاه أعْتَقَه؛ لأنّه لا يَمْلِكُ ما كان السَّيِّدُ يَمْلِكُه مِنْ رَقَبَتِه، فكذلك يَنْبَغِي في قِياسِ قَوْلِه أن لا يُجِيزَ يَمِينَ المحَبَّسِ عليه في رَقَبَةِ الحَبْسِ؛ لأنّه لا يَمْلِكُ ما كان المحَبِّسُ يَمْلِكُ مِنْ رَقَبَتِه، وإذا لم تَزُلْ رَقَبَةُ الحَبْسِ بيَمِينِه بَطَلَ الحَبْسُ مِنْ أصْلِه، وهذا عندي قِياسُ قَوْلِه على أصْلِه الذي وَصَفْتُ، ولو جاز الحَبْسُ على ما وَصَفَ الشافعيُّ على أصْلِه الذي وَصَفَه، ما جازَ أن يُقِرَّ أهْلُه أنّ لهم شَرِيكًا ويُنْكِرَ الشَّرِيكُ الحَبْسَ فيَأخُذُوا حَقَّه لامْتِناعِه مِنْ أن يَحْلِفَ معهم، فأصْلُ قَوْلِه أنّ حَقَّ مَنْ لم يَحْلِفْ مَوْقُوفٌ حتّى يَحْلِفَ، أو وارِثُه إن مات يَقُومُ مَقامَه، ولا يَأخُذُ مِنْ حَقٍّ أقَرَّ به لصاحِبِه شَيْئًا؛ لأنّ أخْذَه ذلك حَرامٌ (٢).
стр. 1728
(٣٨٦)
باب الخلاف في اليمين مع الشاهد
(٣٧٨٠) قال الشافعي: قال بَعْضُ النّاسِ: فقد أقَمْتُم اليَمِينَ مُقامَ شاهِدٍ؟ قلتُ: وإنْ أعْطَيْتُ بها كما أُعْطِي بشاهِدٍ، فلَيْسَ مَعْناها مَعْنَى شاهِدٍ، وأنْتَ تُبْرِئ المدَّعَى عليه بشاهِدَيْن وبيَمِينِه إن لم تكُنْ له بَيِّنَةٌ، وتُعْطِي المدَّعِي حَقَّه بنكُولِ صاحِبِه كما تُعْطِيه بشاهِدَيْن، أفمَعْنَى ذلك مَعْنَى شاهِدَيْن؟ قال: فكيف يَحْلِفُ مع شاهِدِه على وَصِيَّةٍ أوْصَى بها مَيِّتٌ، أو أنّ لأبِيه حَقًّا على رَجُلٍ وهو صَغِيرٌ، وهو إنْ حَلَفَ حَلَفَ على ما لا يَعْلَمُ؟ قلتُ: فأنْتَ تُجِيزُ أن يَشْهَدَ أنّ فلانَ ابْنُ فلانٍ (١) وأبُوه غائِبٌ لم يَرَ أباه قَطُّ، ويَحْلِفَ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً مَشْرِقِيٌّ (٢) اشْتَرَى عَبْدًا ابْنَ مائَةِ سَنَةٍ مَغْرِبِيًّا وُلِدَ قبل جَدِّه فباعَه فأبَقَ، أنّك تُحَلِّفُه: لقد باعَه بَرِيئًا مِنْ الإباقِ على البَتِّ،
стр. 1729
قال: ما يَجِدُ النّاسُ بُدًّا مِنْ هذا، غَيْرَ أنّ الزُّهْرِيَّ أنْكَرَها، قلتُ: وقد قَضَى بها حين وَلِيَ، أوَرَأيْتَ ما رَوَيْتَ (١) مِنْ إنْكارِ عَليٍّ على مَعْقِلٍ حَدِيثَ بَرْوَعَ؛ أنّ النبيَّ ﷺ جَعَلَ لها المهْرَ والميراثَ، ورَدِّهِ حَدِيثَه، ومع عَليٍّ زَيْدُ بنُ ثابتٍ وابنُ عُمَرَ، فهل رَدَدْتَ شَيْئًا بالإنْكارِ؟ فكيف تَحْتَجُّ بإنْكارِ الزُّهْرِيِّ؟!
(٣٧٨١) وقلتُ له: وكيف حَكَمْتَ بشَهادَةِ قابِلَةٍ في الاسْتِهْلالِ وهو ممّا يَراهُ الرِّجالُ؟ أمْ كيف حَكَمْتَ على أهْلِ مَحِلَّةٍ وعلى عَواقِلِهم بدِيَةِ الموْجُودِ قَتِيلًا في مَحِلَّتِهم في ثَلاثِ سِنِينَ، وزَعَمْتَ أنّ القُرآنَ يُحَرِّمُ أن يَجُوزَ أقَلُّ مِنْ شاهِدٍ وامْرَأتَيْن، وزَعَمْتَ أنّ سُنَّةَ رسولِ الله ﷺ تَدُلُّ على أنّ اليَمِينَ بَراءَةٌ لمن حَلَفَ؟ فخالَفْتَ في جُمْلَةِ قَوْلِكَ الكتابَ والسُّنَّةَ، أرَأيْتَ لو قال لك أهْلُ المحِلَّةِ: أمُدَّعًى علينا؟ فأحْلِفْ جميعَنا وأبْرِئْنا، قال: لا أُحْلِفُهم إذا جاوَزُوا خمسين رجلًا، ولا أُبْرِئهم بأيْمانِهم، وأُغْرِمُهم، قلتُ: فكيف جاز لك هذا؟ قال: رَوَيْنا هذا عن عُمَرَ بنِ الخطاب، قلتُ: فإن قيل لك: لا يَجُوزُ على عُمَرَ أن يُخالِفَ الكِتابَ والسُّنَّةَ، وقَوْلُ عُمَرَ نَفْسِه: «البَيِّنَةُ على المدَّعِي، واليَمِينُ على المدَّعَى عليه»؟ قال: لا يَجُوزُ أن أتَّهِمَ مَنْ أثِقُ به، ولكِنْ أقُولُ بالكِتابِ والسُّنَّةِ، وقَوْلُ عُمَرَ على خاصٍّ، قلتُ: فلِمَ لم يَجُزْ لنا مِنْ سُنَّةِ رسولِ الله ﷺ ما أجَزْتَ لنَفْسِكَ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ (٢)؟ قلتُ: وقد رَوَيْتُم أنّ عُمَرَ كَتَبَ فجَلَبَهُم إلى مَكَّةَ، وهو مَسِيرَةُ اثْنَيْنِ وعِشْرِين يَوْمًا، وأحْلَفَهُم في الحِجْرِ، وقَضَى عليهم بالدِّيَةِ، فقالُوا: «ما وَقَتْ أمْوالُنا أيْمانَنَا، ولا أيْمانُنا أمْوالَنا»، فقال: «حَقَنْتُم بأيْمانِكم دِماءَكم» (٣)،
стр. 1730
فخالَفْتُم في ذلك عُمَرَ، فلا أنْتُم أخَذْتُم بكُلِّ حُكْمِه، ولا تَرَكْتُمُوه، ونَحْنُ نَرْوِي عن رسولِ الله ﷺ بالإسْنادِ الصَّحِيحِ أنّه بَدَأ في القَسامَةِ بالمدَّعِين، فلمّا لم يَحْلِفُوا قال: «تُبْرِئكُمْ يَهُودُ بخَمْسِين يَمِينًا»، وإذْ قال: «تُبْرِئكُم يهودُ» فلا يَكُونُ عليهم غُرْمٌ، ويُرْوَى عن عُمَرَ أنّه بَدَأ بالمدَّعَى عليهم، ثُمّ رَدَّ الأيْمانَ على المدَّعِين، وهذان جميعًا يُخالِفان ما رَوَيْتُم عنه، وقد أجَزْتُم شَهادَةَ أهْلِ الذِّمَّةِ، وهم غَيْرُ الذين شَرَطَ اللهُ أن تَجُوزَ شَهادَتُهم، ورَدَدْتُم سُنَّةَ رسولِ الله ﷺ في اليَمِينِ مع الشّاهِدِ، قال: إنّا (١) أجَزْنا شَهادَةَ أهْلِ الذِّمَّةِ؛ لقَوْلِ الله ﵎: ﴿أو آخران من غيركم﴾ [المائدة: ١٠٦]، قلتُ: سَمِعْتُ مَنْ أرْضَى يَقُولُ: «مِنْ غَيْرِ قَبِيلَتِكُم مِنْ المسْلِمِين»، ويَحْتَجُّ بقَوْلِ الله : ﴿تحبسونهما من بعد الصلاة﴾ [المائدة: ١٠٦]، قلتُ: والمنَزَّلُ فيه هذه الآيةُ رَجُلٌ مِنْ العَرَبِ، فأجِزْ شَهادَةَ مُشْرِكِي العَرَبِ بَعْضِهم على بَعْضٍ، قال: لا، إلّا شَهادَةَ أهْلِ الكِتابِ، قلتُ: فقال قائلٌ: لا، إلّا شَهادَةَ مُشْرِكِي العَرَبِ، فما الفَرْقُ؟ وقلتُ له: أفَتُجِيزُ اليَوْمَ شَهادَةَ أهْلِ الكِتابِ على وَصِيَّةِ مُسْلِمٍ كما زَعَمْتَ أنّها في القُرآنِ؟ قال: لا؛ لأنّها مَنْسُوخَةٌ، قلتُ: بماذا؟ قال: بقَوْلِ الله ﵎: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢]، قلتُ: فقد زَعَمْتَ بلِسانِكَ أنّك قد خالَفْتَ القُرآنَ؛ إذْ لم يُجِز اللهُ إلّا مُسْلِمًا، فأجَزْتَ كافِرًا.
(٣٧٨٢) وقال لي قائل: إذا نَصَبَ اللهُ حُكْمًا في كِتابِه، فلا يَجُوزُ أن يَكُونَ سَكَتَ عنه وقد بَقِيَ منه شَيْءٌ، فلا يَجُوزُ لأحَدٍ أن يُحْدِثَ فيه ما ليْسَ في القُرآنِ، قلتُ: قد نَصَبَ اللهُ الوُضُوءَ في كِتابِه، فأحْدَثْتَ فيه المسْحَ على الخفَّيْن، ونَصَبَ ما حَرَّمَ مِنْ النِّساءِ وأحَلَّ ما وَراءَهُنّ، فقُلْتَ: لا تُنْكَحُ
стр. 1731
المرْأةُ على عَمَّتِها ولا على خالَتِها، ونَصَبَ الموارِيثَ، فقُلْتَ: لا يَرِثُ قاتِلٌ ولا مملُوكٌ ولا كافِرٌ وإن كانُوا وَلَدًا أو والِدًا، ونَصَبَ حَجْبَ الأمِّ بالإخْوَةِ وحَجَبْتَها بأخَوَيْن، ونَصَبَ للمُطَلَّقَةِ قبل أن تُمَسَّ نِصْفَ المهْرِ ورَفَعَ العِدَّةَ، فقُلْتَ: إنْ خَلا بها ولم يَمَسَّ فلها المهْرُ وعليها العِدَّةُ، فهذه أحْكامٌ مَنْصُوصَةٌ في القُرآنِ، وهذا عِنْدك خِلافُ ظاهِرِ القُرآنِ، واليَمِينُ مع الشّاهِدِ لا يُخالِفُ مِنْ ظاهِرِ القُرآنِ شَيْئًا، والقُرآنُ عَرَبِيٌّ، فيكُونُ عامَّ الظّاهِرِ يُرادُ به الخاصُّ، وكُلُّ كَلامٍ احْتَمَلَ في القُرآنِ مَعانِيَ فسُنَّةُ رسولِ الله ﷺ تَدُلُّ على أحَدِ مَعانِيه مُوافِقَةً له، لا مُخالِفَةً للقُرآنِ (١).
(٣٧٨٣) قال الشافعي: وما تَرَكْنا مِنْ الحُجَّةِ عليهم أكْثَرُ ممّا كَتَبْناه، وبالله العِصْمَةُ والتّوفيقُ.
стр. 1732
(٣٨٧)
باب موضع اليمين
(٣٧٨٤) قال الشافعي: مَنْ ادَّعَى مالًا فأقامَ عليه شاهِدًا، أو ادُّعِيَ عليه مالٌ أو جِنايَةُ خَطَأٍ، فإن بَلَغَ ذلك عِشْرِين دِينارًا، أو ادَّعَى عَبْدٌ عِتْقًا تَبْلُغُ قِيمَتُه عِشْرِين دِينارًا، أو ادَّعَى جِراحَةَ عَمْدٍ صَغُرَتْ أو كَبُرَتْ، أو في طَلاقٍ، أو لِعانٍ، أو حَدٍّ، أو رَدِّ يَمِينٍ في ذلك .. فإنْ كانَ الحُكْمُ بمَكَّةَ كانَت اليَمِينُ بين البَيْتِ والمقامِ، وإنْ كان بالمدِينَةِ كانَتْ على مِنْبَرِ رسولِ الله ﷺ ، وإن كانَ ببَلَدٍ غَيْرِ مَكَّةَ والمدينةِ أُحْلِفَ بعد العَصْرِ في مَسْجِدِ ذلك البَلَدِ، بما تُؤكَّدُ به الأيمانُ، ويُتْلَى عليه: ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا﴾ الآية [آل عمران: ٧٧]، وهذا قَوْلُ حُكّامِ المكِّيِّينَ ومُفْتِيهِم، ومِن حُجَّتِهم فيه أنّ عبدَالرحمن بنَ عوفٍ رَأى قَوْمًا يَحْلِفُون بين المقامِ والبَيْتِ، فقال: أعَلَى دَمٍ؟ فقالوا: لا، فقال: أفَعَلَى عظيمٍ مِنْ الأمْرِ (١)؟ قالُوا: لا، قال: «لقد خَشِيتُ أن يَبْهَأَ النّاسُ بهذا المقامِ» (٢)، قال: فذَهَبُوا إلى أنّ العظيمَ مِنْ الأمْوالِ ما وَصَفْتُ مِنْ عِشْرِين دِينارًا فصاعِدًا، وقال ابْنُ أبي مُلَيْكَة: «كَتَبَ إليَّ ابْنُ عبّاسٍ في جارِيَتَيْن ضَرَبَتْ إحْداهما الأخْرَى أن: احْبِسْهُما بعد العَصْرِ، ثُمّ اقْرَأ عليهما: ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا﴾ الآية [آل عمران: ٧٧]، ففَعَلْتُ،
стр. 1733
فاعْتَرَفَتْ»، قال: واسْتَدْلَلْتُ بقَوْلِ الله : ﴿تحبسونهما من بعد الصلاة﴾ [المائدة: ١٠٦]- وقال المفَسِّرُون: «صَلاةِ العَصْرِ» - على تأكِيدِ اليَمِينِ على الحالِفِ في الوَقْتِ الذي تَعْظُمُ فيه اليَمِينُ، وبكِتابِ أبي بكر الصديق يُحَلِّفُ عند مِنْبَرِ رسولِ الله ﷺ ، وما بَلَغَنِي أنّ عُمَرَ حَلَفَ على مِنْبَرِ رسولِ الله ﷺ في خُصُومَةٍ بَيْنَه وبَيْنَ رَجُلٍ، وأنّ عُثْمانَ رُئيَتْ (١) عليه اليَمِينُ على المنْبَرِ فاتَّقاها وقال: «أخافُ أن يُوافِقَ قَدَرَ بَلاءٍ فيُقالَ: بيَمِينِه»، قال: وبسُنَّةِ رسولِ الله ﷺ وأصْحابِه وأهْلِ العِلْمِ ببَلَدِنا دارِ السُّنَّةِ والهجْرَةِ، وحَرَمِ اللهِ وحَرَمِ رَسُولِه اقْتَدَيْنا.
(٣٧٨٥) قال: والمسْلِمُون البالِغُون، رِجالُهُم ونِساؤُهُم، وأحْرارُهم وعَبِيدُهم ومَمَالِيكُهم .. يَحْلِفُون كما وَصَفْنا.
(٣٧٨٦) ويَحْلِفُ المشْرِكُون أهْلُ الذِّمَّةِ والمسْتَأمِنُون، كُلُّ واحِدٍ منهم بما يُعَظِّمُ مِنْ الكُتُبِ (٢)، وحَيْثُ يُعَظِّمُ مِنْ المواضِعِ، ممّا يَعْرِفُ المسْلِمُون، وممّا يُعَظِّمُ الحالِفُ منهم، مِثْلَ قَوْلِه: والله الذي أنْزَلَ التَّوْراةَ على موسى، وبالله الذي أنْزَلَ الإنْجيلَ على عِيسَى، وما أشْبَهَ هذا، ولا يَحْلِفُون بما يَجْهَلُ مَعْرِفَتَه المسْلِمُون.
(٣٧٨٧) ويَحْلِفُ الرَّجُلُ في حَقِّ نَفْسِه وفيما عليه بعَيْنِه على البَتِّ، مِثْلَ: أن يُدَّعَى عليه بَراءَةٌ مِنْ حَقٍّ، فيَحْلِفُ باللهِ إنّ هذا الحقَّ - ويُسَمِّيه - لَثابِتٌ عليه، ما اقْتَضاه ولا شَيْئًا منه، ولا مُقْتَضٍ بأمْرِه يَعْلَمُه، ولا أحالَ به ولا بشَيْءٍ منه، ولا أبْرأه منه ولا من شَيْءٍ منه، بوَجْهٍ مِنْ الوُجُوهِ، وإنّه
стр. 1734
لثابِتٌ عليه إلى أن حَلَفَ بهذه اليَمِينِ، وإن كان حَقًّا لأبيه .. حَلَفَ في نَفْسِه على البَتِّ، وفي أبيه على العِلْمِ.
(٣٧٨٨) وإذا حَلَفَ قال: «والله الذي لا إلهَ إلّا هو، عالمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ، الرَّحمنِ الرَّحيمِ، الذي يَعْلَمُ مِنْ السِّرِّ ما يَعْلَمُ مِنْ العَلانِيَةِ»، ثُمّ يَنْسُقُ اليَمِينَ.
(٣٧٨٩) ولا يُقْبَلُ منه اليَمِينُ إلّا بعدَ أن يَسْتَحْلِفَه الحاكِمُ، واحْتَجَّ بأنّ رُكانَةَ قال للنبي ﷺ : إنّي طَلَّقْتُ امْرَأتِي البَتَّةَ، واللهِ ما أرَدْتُ بها إلّا واحِدَةً، فقال النبي: «والله ما أرَدْتَ إلّا واحِدَةً؟»، فرَدَّها إليه ﷺ (١)، وهذا تَجْوِيزُ اليَمِينِ في الطَّلاقِ والرَّجْعَةِ في طَلْقَةِ البَتَّةِ.
стр. 1735
(٣٨٨)
باب الامتناع من اليمين
(٣٧٩٠) قال الشافعي: إذا كانَت الدَّعْوَى غَيْرَ دَمٍ في مالٍ (١) .. أُحْلِفَ المدَّعَى عليه، فإنْ حَلَفَ .. بَرِئَ، وإن نكَلَ .. قيل للمُدَّعِي: احْلِفْ واسْتَحِقَّ، فإنْ أبَيْتَ .. سَألْناك عن إبائِكَ، فإن كان لتَأتِيَ ببَيِّنَةٍ أو تَنْظُرَ في حِسابِكَ .. تَرَكْناكَ، وإن قلتَ: لا أؤَخِّرُ ذلك لشَيْءٍ غَيْرَ أنّي لا أحْلِفُ .. أبْطَلْنا أن تَحْلِفَ.
(٣٧٩١) وإنْ حَلَفَ المدَّعَى عليه، أو لم يَحْلِفْ فنكَلَ المدَّعِي فأبْطَلْتُ يَمِينَه، ثُمّ جاء بشاهِدَيْن أو بشاهِدٍ .. حَلَفَ مع شاهِدِه وأُخِذَ له بحَقِّه (٢)، والبَيِّنَةُ العادِلَةُ أحَقُّ مِنْ اليَمِينِ الفاجِرَةِ (٣).
(٣٧٩٢) ولو رَدَّ المدَّعَى عليه اليَمِينَ، فقُلْتُ للمُدَّعِي: احْلِفْ، فقال المدَّعَى عليه: أنا أحْلِفُ .. لم أجْعَلْ ذلك له؛ لأنّي قد أبْطَلْتُ أن يَحْلِفَ، وحَوَّلْتُ اليَمِينَ على صاحِبِه.
(٣٧٩٣) ولو قال: أحْلِفُه: ما اشْتَرَيْتُ هذه الدّارَ التي في يَدَيْه ولا مَلَكْتُها .. لم أُحْلِفْه إلّا: ما لهذا - ويُسَمِّيه - في هذه الدّارِ حَقٌّ بمِلْكٍ ولا غَيْرِه بوَجْهٍ مِنْ الوُجُوهِ؛ لأنّه قد يَمْلِكُها وتَخْرُجُ مِنْ يَدَيْه.
стр. 1736
(٣٨٩)
باب النُّكول وردِّ اليمين
من الجامع، من هذا، ومن كتاب اختلاف الشهادات والحكام (١)،
ومن الدعوى والبينات، ومن إملاء في الحدود
(٣٧٩٤) قال الشافعي: ولا يَقُومُ النُّكُولُ مَقامَ إقْرارٍ (٢) في شَيْءٍ حتّى يَكُونَ مع (٣) يَمِينِ المدَّعِي، فإن قيل: فكيف أحْلَفْتَ في الحُدُودِ والطّلاقِ والنَّسَبِ والأمْوالِ، وجَعَلْتَ الأيْمانَ كُلَّها تَجِبُ على المدَّعَى عليه، وجَعَلْتَها كُلَّها تُرَدُّ على المدَّعِي؟ .. قيل: قُلْتُه اسْتِدْلالًا بالكِتابِ والسُّنَّةِ ثُمّ الخبَرِ عن عُمَرَ، حَكَمَ الله جل ذكره على القاذِفِ غَيْرِ الزَّوْجِ بالحَدِّ، ولم يَجْعَلْ له مَخْرَجًا منه إلّا بأرْبَعَةِ شُهَداءَ، وأخْرَجَ الزَّوْجَ مِنْ الحدِّ بأن يَحْلِفَ أرْبَعَةَ أيْمانٍ ويَلْتَعِنَ بالخامِسَةِ، فيَسْقُطُ عنه الحدُّ ويَلْزَمُها إن لم تَخْرُجْ منه بأرْبَعَةِ أيْمانٍ والْتِعانِها (٤)، وسَنّ بَيْنَهما الفُرْقَةَ ودَرَأ اللهُ عنهما الحدَّ بالأيْمان والْتِعانِه، وكانَتْ أحْكامُ الزَّوْجَيْن وإنْ خالَفَتْ أحْكامَ الأجْنَبِيَّيْن في شَيْءٍ فهي مُجامِعَةٌ لها في غَيْرِه، وذلك أنّ اليَمِينَ فيه جَمَعَتْ دَرْءَ الحدِّ عن الرَّجُلِ والمرْأةِ، وفُرْقَةً، ونَفْيَ الوَلَدِ، فكان هذا الحدُّ والفِراقُ والنَّفْيُ معًا داخِلَةً فيها، ولا يَحِقُّ الحدُّ على المرْأةِ حين يَقْذِفُها الزَّوْجُ إلّا بيَمِينِه وتَنْكُلُ عن
стр. 1737
اليَمِينِ، ألا تَرَى أنّ الزَّوْجَ لو لم يَلْتَعِنْ حُدَّ بالقَذْفِ ولِتَرْكِ الخرُوجِ منه باليَمِينِ، ولم يَكُنْ على المرْأةِ حَدٌّ ولا لِعانٌ؟ أوَلَا تَرَى أنّ النبيَّ ﷺ قال للأنْصارِيِّين: «تَحْلِفُون وتَسْتَحِقُّون دَمَ صاحِبِكُم»، فلمّا لم يَحْلِفُوا رَدَّ الأيْمانَ على يَهُودَ ليَبْرَؤوا بها، فلمّا لم يَقْبَلْها الأنْصارِيُّون تَرَكُوا حَقَّهُم؟ أوَلَا تَرَى أنّ عُمَرَ جَعَلَ الأيْمانَ على المدَّعَى عليهم، فلمّا لم يَحْلِفُوا رَدَّها على المدَّعِين؟ وكُلُّ هذا تَحْوِيلُ يَمِينٍ مِنْ مَوْضِعٍ قد بُدِئَتْ فيه إلى الموْضِعِ الذي يُخالِفُه، وقالَ رسولُ الله ﷺ : «وعلى المدَّعَى عليه اليَمِينُ»، فلا يَجُوزُ أن تكُونَ على مُدَّعًى عليه دُونَ غَيْرِه إلّا بخَبَرٍ لازِمٍ، وهما لَفْظَتان مِنْ رسولِ الله ﷺ : «البَيِّنَةُ على المدَّعِي، واليَمِينُ على المدَّعَى عليه» مَخْرَجُهما سَواءٌ، فكَيْفَ يَجُوزُ أن يُقالَ: إنْ جاءَ المدَّعِي بالبَيِّنَةِ أخَذَ، وإن لم يَأتِ بها حَدَثَ له حُكْمٌ غَيْرُها، وهو اسْتِحْلافُ مَنْ ادَّعَى عليه، وإنْ جاءَ المدَّعَى عليه باليَمِينِ بَرِئَ، وإن لم يَأتِ بها لَزِمَه ما نكَلَ عنه، ولم يَحْدُثْ له حُكْمٌ غيرُها، وهو رَدُّ اليَمِينِ؛ كما حَدَثَ للمُدَّعِي إن لم يَأتِ بما عليه حُكْمٌ غَيْرُه، وهو اليَمِينُ، وإذْ حَوَّلَ النبيُّ ﷺ اليَمِينَ مِنْ حَيْثُ وَضَعَها، فكَيْفَ لم تُحَوِّلْ كما حَوَّلها؟
стр. 1738
[٦٦]
كتاب الشهادات [الثاني] (١)
وما دخله من الرسالة
стр. 1739
(٣٩٠)
باب من تجوز شهادته، ومن لا تجوز (١)، ومن يشهد بعد رد شهادته
من الجامع، ومن كتاب اختلاف الحكام، وأدب القاضي وغيره
(٣٧٩٥) قال الشافعي: ليْسَ مِنْ النّاسِ أحَدٌ (٢) - إلّا أن يَكُونَ قَلِيلًا - يَمْحَضُ الطّاعَةَ والمرُوَّةَ حتّى لا يَخْلِطَهما بمَعْصِيَةٍ، ولا يَمْحَضُ المعْصِيَةَ وتَرْكَ المرُوَّةِ حتّى لا يَخْلِطَهُما بشَيْءٍ مِنْ الطّاعَةِ والمرُوَّةِ، فإذا كان الأغْلَبُ على الرَّجُلِ الأظْهَرُ مِنْ أمْرِه الطّاعَةَ والمرُوَّةَ قُبِلَتْ شَهادَتُه، وإذا كان الأغْلَبُ الأظْهَرُ مِنْ أمْرِه المعْصِيَةَ وخِلافَ المرُوَّةِ رُدَّتْ شَهادَتُه.
(٣٧٩٦) ولا يُقْبَلُ الشّاهِدُ حتّى يَثْبُتَ عنده بخِبْرَةٍ منه أو بَيِّنَةٍ أنّه حُرٌّ.
(٣٧٩٧) ولا تَجُوزُ شَهادَةُ جارٍّ إلى نَفْسِه، ولا دافِعٍ عنها، ولا على خَصْمٍ؛ لأنّ الخُصُومَةَ مَوْضِعُ عَداوَةٍ، ولا لوَلَدِ بَنِيه ولا لوَلَدِ بَناتِه (٣) وإن سَفَلُوا، ولا لآبائه وأمَّهاتِه وإن بَعُدُوا (٤)، ولا مَنْ يُعْرَفُ بكَثْرَةِ الغَلَطِ والغَفْلَةِ.
стр. 1740
(٣٧٩٨) ولو كُنْتُ لا أجِيزُ شَهادَةَ الرَّجُلِ لامْرَأتِه لأنّه يَرِثُها، ما أجَزْتُ شَهادَةَ الأخِ لأخِيه إذا كان يَرِثُه (١).
(٣٧٩٩) ولا أرُدُّ شَهادَةَ الرَّجُلِ مِنْ أهْلِ الأهْواءِ إذا كانَ لا يَرَى أن يَشْهَدَ لموافِقِه بتَصْدِيقِه وقَبُولِ يَمِينِه، ولَشَهادَةُ مَنْ يَرَى كَذِبَه شِرْكًا بالله ومَعْصِيَةً تَجِبُ بها النّارُ، أوْلَى أن تَطِيبَ النَّفْسُ بقَبُولِها بشَهادَةِ (٢) مَنْ يُخَفِّفُ المأثَمَ فيها.
(٣٨٠٠) وكُلُّ مَنْ تَأوَّلَ حَرامًا عندنا فيه حَدٌّ أو لا حَدَّ فيه، لم نَرُدَّ بذلك شَهادَتَه، ألا تَرَى أنّ مَنْ حُمِلَ عنه الدِّينُ وجُعِلَ عَلَمًا في البُلْدانِ، منهم مَنْ يَسْتَحِلُّ المتْعَةَ والدِّينارَ بالدِّينارَيْن نَقْدًا، وهذا عندنا وغَيْرُه حَرامٌ (٣)، وأنّ منهم مَنْ اسْتَحَلَّ سَفْكَ الدِّماءِ، ولا شَيْءَ أعْظَمُ منه بعد الشِّرْكِ، ومنهم مَنْ تَأوَّلَ فاسْتَحَلَّ كُلَّ مُسْكِرٍ غَيْرِ الخَمْرِ وعاب على مَنْ حَرَّمَه، لا نَعْلَمُ أحَدًا مِنْ سَلَفِ هذه الأمَّةِ يُقْتَدَى به ولا مِنْ التّابِعِين بَعْدَهم رَدَّ شَهادَةَ أحَدٍ بتَأوِيلٍ، وإنْ خَطَّأه وضَلَّلَه؟
(٣٨٠١) والّلاعِبُ بالشِّطْرَنْجِ والحَمَامِ بغَيْرِ قِمارٍ وإنْ كَرِهْنا ذلك أخَفُّ حالًا.
قال المزني: سَمِعْتُ الشّافعيَّ يَقُولُ: كان سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ يَلْعَبُ بالشِّطْرَنْجِ اسْتِدْبارًا، فقلتُ له: كيف يَلْعَبُ بها اسْتِدْبارًا؟ قال: يُولِّيها ظَهْرَه ثُمّ يَقُولُ: بأيِّ شَيْءٍ دَفَعَ؟ فيُقالُ: بكذا، فيَقُولُ: فادْفَعْ عليه بكذا (٤).
стр. 1741
قال المزني: وأكْرَهُها لأنّها تَشْغَلُ عن الصّلاةِ، وأنّها مِنْ اللَّهْوِ، ويُكْرَهُ اللَّهْوُ إلّا في ثلاثةٍ: لهْوِهِ بفَرَسِه، ولهْوِهِ بقَوْسِه، ولهْوِهِ بأهْلِه (١).
(٣٨٠٢) قال الشافعي: ومَن شَرِبَ عَصِيرَ العِنَبِ الذي عَتَقَ حتّى أسْكَرَ وهو يَعْرِفُها خَمْرًا رُدَّتْ شَهادَتُه؛ لأنّ تَحْرِيمَها نَصٌّ، ومَن شَرِبَ سِواها مِنْ المُنْصَفِ والخَلِيطَيْن فهو آثِمٌ، ولا تُرَدُّ شَهادَتُه إلّا أن يَسْكَرَ؛ لأنّه عند جميعِهم حَرامٌ.
قال المزني: كَيْفَ يَحُدُّ مَنْ شَرِبَ قَليلًا مِنْ نَبِيذٍ شَدِيدٍ ويُجِيزُ شَهادَتَه؟ (٢).
(٣٨٠٣) قال الشافعي: وأكْرَهُ اللَّعِبَ بالنَّرْدِ؛ للخبرِ.
(٣٨٠٤) وإن كان يُدِيمُ الغِناءَ، ويَغْشاه المغَنُّونَ، مُعْلِنًا .. فهذا سَفَهٌ يُرَدُّ به (٣)، وإن كان ذلك يَقِلُّ لم يُرَدَّ.
(٣٨٠٥) وأمّا اسْتِماعُ الحُداءِ ونَشِيدِ الأعْرابِ (٤) .. فلا بَأسَ به، قال رسولُ الله ﷺ للشّرِيدِ: «أمَعَكَ مِنْ شِعْرِ أُمَيَّةَ شَيْءٌ؟»، قال: نعم، قال:
стр. 1742
«هِيهِ» (١)، قال: فأنْشَدْتُه بَيْتًا، فقال: «هِيهِ»، حتّى بَلَغْتُ مائةَ بَيْتٍ، وسَمِعَ النَّبيُّ ﷺ الحُداءَ والرَّجَزَ، وقال لابْنِ رَواحَةَ: «حَرِّكْ بالقَوْمِ»، فانْدَفَعَ يَرْجُزُ.
(٣٨٠٦) قال: وإذا كان هذا هكذا، كان تحْسِينُ الصَّوْتِ بذِكْرِ الله والقُرآنِ أوْلَى أن يَكُونَ محْبُوبًا، وقد رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنّه قال: «ما أذِنَ اللهُ لشَيْءٍ أذَنَه لنَبِيٍّ حَسَنِ التَّرَنُّمِ بالقُرآنِ»، وسَمِعَ النبيُّ ﷺ عبدَالله بنَ قَيْسٍ يَقْرَأ، فقال: «لقد أُوتِيَ هذا مِنْ مَزامِيرِ آلِ داوُدَ»، قال الشافعي: فلا بأسَ بالقِراءَةِ بالألْحانِ وتَحْسِينِ الصَّوْتِ بأيِّ وَجْهٍ ما كانَ، وأَحَبُّ ما يَقْرَأ حَدْرًا وتَحْزِينًا (٢).
قال المزني: سَمِعْتُ الشّافعيَّ يَقُولُ في قَوْلِه ﷺ : «ليْسَ منّا مَنْ لم يَتَغَنَّ بالقُرآنِ»: «لو كان مَعْنَى: (يَتَغَنَّى بالقُرآنِ) على مَعْنَى الاسْتِغْناءِ لكان: (يَتَغانَى)، و (يَتَغَنّى) مِنْ الغِناء (٣).
(٣٨٠٧) قال: وليْسَ مِنْ العَصَبِيَّةِ أن يُحِبَّ الرَّجُلُ قَوْمَه، والعَصَبِيَّةُ المحْضُ أن يُبْغِضَ الرَّجُلَ لأنّه مِنْ بني فلانٍ، فإذا أظْهَرَها ودَعا إليها وتآلَفَ