(٣٨١)
باب شهادة القاذف
(٣٧٥٥) قال الشافعي: أمَرَ اللهُ تعالى أن يُضْرَبَ القاذِفُ ثَمانِينَ، ولا تُقْبَلَ له شَهادَةٌ أبَدًا، وسَمّاه فاسِقًا، إلّا أن يَتُوبَ، فإنْ تاب قُبِلَتْ شَهادَتُه، ولا خِلافَ بيننا في الحرَمَيْنِ قَدِيمًا ولا حَدِيثًا في أنّه إذا تابَ قُبِلَتْ شَهادَتُه.
(٣٧٥٦) قال الشافعي: والتَّوْبَةُ إكْذابُه نَفْسَه (١)؛ لأنّه أذْنَبَ بأن نَطَقَ بالقَذْفِ، والتَّوْبَةُ منه أن يَقُولَ: القَذْفُ باطِلٌ؛ كما تكُونُ الرِّدَّةُ بالقَوْلِ، والتَّوْبَةُ عنها بالقَوْلِ، فإنْ كان عَدْلًا قُبِلَتْ شَهادَتُه، وإلّا فحَتَّى تَحْسُنَ حالُه (٢).
(٣٧٥٧) قال الشافعي: أخْبَرَنا سفيان بن عيينة، قال: سمعتُ الزهريَّ يَقُولُ: «زَعَمَ أهْلُ العِراقِ أنّ شَهادَةَ القاذِفِ لا تَجُوزُ، فأشْهَدُ لأخْبَرَنِي - ثُمّ سَمَّى الرَّجُلَ الّذِي أخْبَرَه - أنّ عُمَرَ قال لأبي بَكْرَةَ: تُبْ تُقْبَلْ شَهادَتُك، أو قال: إنْ تُبْتَ قُبِلَتْ شَهادَتُك».
стр. 1719
(٣٧٥٨) قال الشافعي: وبَلَغَنِي عن ابْنِ عبّاسٍ مِثْلُ مَعْنَى هذا، وقال ابْنُ أبي نَجِيحٍ: «كُلُّنا نَقُولُه»، قُلْتُ: مَنْ؟ قال: «عطاءٌ وطاوسٌ ومجاهدٌ»، وقال الشعبيُّ: «يَقْبَلُ اللهُ تَوْبَتَه، ولا تَقْبَلُون شهادَتَه؟!».
(٣٧٥٩) قال الشافعي: وهو قَبْلَ أن يُحَدَّ شَرٌّ منه حين يُحَدُّ؛ لأنّ الحُدُودَ كفّاراتٌ، فكيف تَرُدُّونَها في أحْسَنِ حالَيْه، وتَقْبَلُونَها في شَرِّ حالَيْه؟ وإذْ قَبِلْتُم تَوْبَةَ الكافِرِ والقاتِلِ عَمْدًا، كَيْفَ لا تَقْبَلُونَ تَوْبَةَ القاذِفِ وهو أيْسَرُ ذَنْبًا؟!
قال المزني: صَدَقَ والله (١).
стр. 1720
(٣٨٢)
باب التحفظ في الشهادة والعلمِ بها
(٣٧٦٠) قال الشافعي: قال الله : ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا﴾ [الإسراء: ٣٦] (١)، وقال: ﴿إلا من شهد بالحق وهم يعلمون﴾ [الزخرف: ٨٦]، قال: فالعِلْمُ مِنْ ثلاثة وُجُوهٍ: منها - ما عايَنَه، فيَشْهَدُ بها، ومنها - ما تَظاهَرَتْ به الأخْبارُ وثَبَتَتْ مَعْرِفَتُه في القُلُوبِ، فيَشْهَدُ عليه، ومنها - ما أثْبَتَه سَمْعًا مع إثْباتِ بَصَرٍ مِنْ المشْهُودِ عليه.
(٣٧٦١) فبذلك قُلْنا: لا تَجُوزُ شَهادَةُ الأعْمَى؛ لأنّ الصَّوْتَ يُشْبِه الصَّوْتَ، إلّا أن يَكُونَ أثْبَتَ شَيْئًا مُعايَنَةً وسَمْعًا ونَسَبًا ثُمّ عَمِيَ، فيَجُوزُ، ولا عِلَّةَ في رَدِّه (٢).
(٣٧٦٢) والشَّهادَةُ على مِلْكِ الرَّجُلِ الدَّارَ والثَّوْبَ على تَظاهُرِ الأخْبارِ بأنّه مالِكٌ، وأن لا يَرَى مُنازِعًا في ذلك، فتَثْبُتُ مَعْرِفَتُه في القَلْبِ، فيَسَعُ الشَّهادَةُ عليه، وعلى النَّسَبِ إذا سَمِعَه يَنْتَسِبُ زَمانًا، ويَسْمَعُ غَيْرَه يَنْسِبُه إلى نَسَبِه ولا يَسْمَعُ (٣) دافِعًا ولا دَلالَةً يَرْتابُ بها، وكذلك يَشْهَدُ على عَيْنِ المرْأةِ ونَسَبِها إذا تَظاهَرَتْ له الأخْبارُ ممَّنْ يُصَدَّقُ بأنّها فُلانَةُ، ورَآها مَرَّةً بعد مَرَّةٍ، وهذا كُلُّه شَهادَةٌ بعِلْمٍ كما وَصَفْتُ.
стр. 1721
(٣٧٦٣) وكذلك يَحْلِفُ الرَّجُلُ على ما يَعْلَمُ بأحَدِ هذه الوُجُوهِ فيما أخَذَ به مع شاهِدِه، وفي رَدِّ يَمِينٍ، وغَيْرِه.
(٣٧٦٤) قال الشافعي: قُلْتُ لمن قال: لا أجِيزُ الشّاهِدَ وإن كان بَصِيرًا حين عَلِمَ حتّى يُعايِنَ المشْهُودَ عليه يَوْمَ يُؤدِّيها عليه: فأنْتَ تُجِيزُ شَهادَةَ البَصِيرِ على مَيِّتٍ وعلى غائِبٍ في حالٍ، وهذا نَظِيرُ ما أنْكَرْتَ.
стр. 1722
(٣٨٣)
باب ما يجب على المرء من القيام بالشهادة، وإذا دُعِيَ ليكتب أو ليشهد (١)(٣٧٦٥) قال الشافعي: قال الله : ﴿ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه﴾ [البقرة: ٢٨٣]، قال الشافعي: الذي (٢) أحْفَظُ عن كُلِّ مَنْ سَمِعْتُ مِنْ أهْلِ العِلْمِ أنّ ذلك في الشّاهِدِ قد لَزِمَتْه الشَّهادَةُ، أنّ فَرْضًا عليه أن يَقُومَ بها على والِدَيْه ووَلَدِه والقَرِيبِ والبَعِيدِ، لا يَكْتُمُ على أحَدٍ، ولا يُحابِي بها أحَدًا، ولا يَمْنَعُها أحَدًا (٣)، ثُمّ تَتَفَرَّعُ الشَّهاداتُ.
(٣٧٦٦) قال الشافعي: قال الله : ﴿ولا يضار كاتب ولا شهيد﴾ [البقرة: ٢٨٢] (٤)، فأشْبَه أن يَكُونَ حَرِجَ مَنْ تَرَكَ ذلك ضِرارًا.
(٣٧٦٧) وفَرْضُ القِيامِ بها في الابْتِداءِ على الكِفايَةِ كالجِهادِ ورَدِّ السَّلامِ والجنائزِ، ولم أحْفَظْ خِلافَ ما قُلْتُ عن أحَدٍ.
стр. 1723
(٣٨٤)
باب شرط الذين تُقبَل شهادتهم
(٣٧٦٨) قال الشافعي: قال الله : ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢]، وقال : ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ [البقرة: ٢٨٢]، قال: فكان الذي يَعْرِفُ مَنْ خُوطِبَ بهذِه الآيةِ أنّه أرِيدَ بها (١): الأحْرارُ البالِغُون المسْلِمُون المرْضِيُّون.
(٣٧٦٩) وفي قَوْلِه : ﴿شهيدين من رجالكم﴾ [البقرة: ٢٨٢] دليلٌ (٢) على إبْطالِ قَوْلِ مَنْ قال: تَجُوزُ شَهادَةُ الصِّبْيانِ في الجِراحِ ما لم يَتَفَرَّقُوا، فإنْ قال: أجازَها ابْنُ الزُّبَيْر .. فابْنُ عبّاسٍ رَدَّها.
(٣٧٧٠) قال الشافعي: ولا تَجُوزُ شَهادَةُ مَمْلُوكٍ ولا صَبِيٍّ ولا كافِرٍ بحالٍ؛ لأنّ المماليكَ يَغْلِبُهم مَنْ يَمْلِكُهم على أمُورِهم، وأنّ الصِّبْيانَ لا فَرائِضَ عليهم، فكَيْفَ يَجِبُ بقَوْلِهم فَرْضٌ؟ والمعْرُوفُون بالكَذِبِ مِنْ المسْلِمِين لا تَجُوزُ شَهادَتُهم، فكيف تَجُوزُ شَهادَةُ الكافِرِين مع كَذِبِهم على اللهِ ﵎؟ (٣).
стр. 1724
(٣٨٥)
باب الأقضية واليمين مع الشاهد
وما دخل فيه من اختلاف الحديث وغيره (١)(٣٧٧١) قال الشافعي: أخبرنا عبدُالله بنُ الحارث بنِ عبدِالملك المخْزُومِيّ، عن سيف بن سليمان، عن قيس بن سعد، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، أنّ رسولَ الله ﷺ قَضَى باليَمِينِ مع الشّاهِدِ، [قال عَمْرٌو: «في الأمْوالِ».
(٣٧٧٢) ورَواه مِنْ حديث آخَرَ عن أبي هريرة، أنّ رسولَ الله ﷺ قَضَى باليَمِينِ مع الشّاهِدِ (٢)، ومِن حديثِ جعفر بن محمد عن أبيه؛ أنّ رسولَ الله ﷺ قَضَى باليَمِينِ مع الشّاهِدِ، ورَواه عن عليٍّ وأُبَيِّ بنِ كَعْبٍ وعُمَرَ بنِ عبدِالعزيز وشُرَيْحٍ.
(٣٧٧٣) قال الشافعي: وإذْ قَضَى رَسُولُ الله ﷺ باليَمِينِ مع الشّاهِدِ، وقال عَمْرٌو وهو الذي رَوَى الحدِيثَ: «في الأمْوالِ»، وقال جعفر بن محمد من رواية مسلم بن خالد: «في الدَّيْنِ»، والدَّيْنُ مالٌ .. دَلَّ ذلك على أنّه لا يُقْضَى بها في غَيْرِ ما قُضِيَ بها فيه (٣)، أو مِثْلِ مَعْناه، قال الشافعي: والبَيِّنَةُ في دَلالَةِ سُنَّةِ رسولِ الله ﷺ بَيِّنَتان: بَيِّنَةٌ كامِلَةٌ بعَدَدِ شُهُودٍ، لا يُحَلَّفُ مُقِيمُها مَعَها، وبَيِّنَةٌ ناقِصَةُ العَدَدِ في المالِ، يُحَلَّفُ مُقِيمُها مَعَها.
(٣٧٧٤) قال: فكُلُّ ما كان مِنْ مالٍ يَتَحَوَّلُ مِنْ مالِكٍ إلى مالِكٍ غَيْرِه، حتّى يَصِيرَ فيه مِثْلَه أو في مِثْلِ مَعْناه قُضِيَ فيه باليَمِينِ مع الشّاهِدِ، وكذلك
стр. 1725
كُلُّ ما وَجَبَ به مالٌ، مِنْ قَتْلٍ أو جُرْحٍ لا قِصاصَ فيه، أو إقْرارٍ، أو غَيْرِ ذلك ممّا يُوجِبُ المالَ.
(٣٧٧٥) ولو أتَى قَوْمٌ بشاهِدٍ أنّ لأبِيهِم على فلانٍ حَقًّا، أو أنّ فلانًا قد أوْصَى لهم .. فمَن حَلَفَ منهم مع شاهِدِه اسْتَحَقَّ مُوَرِّثَه أو وَصِيَّتَه، دون مَنْ لم يَحْلِفْ، وإن كان فيهم مَعْتُوهٌ وُقِفَ حَقُّه حتّى يَعْقِلَ فيَحْلِفَ، أو يَمُوتَ فيَقُومَ وارِثُه مَقامَه فيَحْلِفَ ويَسْتَحِقَّ، ولا يَسْتَحِقُّ أخٌ بيَمِينِ أخِيه.
(٣٧٧٦) وليْسَ الغَرِيمُ ولا الموصَى له مِنْ مَعْنَى الوارِثِ في شَيْءٍ، وإنْ كانُوا أوْلَى بمالِ مَنْ عليه الدَّيْنُ، فليْسَ مِنْ وَجْهٍ أنّهم يَقُومُون مَقامَه، ولا يَلْزَمُهم ما يَلْزَمُ الوارِثَ مِنْ نَفَقَةِ عَبِيدِه الزَّمْنَى، ألا تَرَى أنّه لو ظَهَرَ له مالٌ سِوَى مالِه الذي يُقالُ للغَرِيمِ: احْلِفْ عليه .. كان للوَرَثَةِ أن يُعْطُوه مِنْ ذلك المالِ الظّاهِرِ الذي لم يَحْلِفْ عليه الغَرِيمُ؟ قال: وإذا حَلَفَ الوَرَثَةُ فالغُرَماءُ أوْلَى بمالِ الميِّتِ.
(٣٧٧٧) ولو أقام شاهِدًا أنّه سَرَقَ له مَتاعًا مِنْ حِرْزٍ يَسْوَى ما تُقْطَعُ به اليَدُ (١) .. حَلَفَ مع شاهِدِه واسْتَحَقَّ، ولا يُقْطَعُ؛ لأنّ الحَدَّ ليْسَ بمالٍ؛ كرَجُلٍ قال: امْرَأتِي طالِقٌ وعَبْدِي حُرٌّ إنْ كُنْتُ غَصَبْتُ فلانًا هذا العَبْدَ، فيَشْهَدُ له عليه بغَصْبِه شاهِدٌ، فيَحْلِفُ ويَسْتَحِقُّ الغَصْبَ، ولا يَثْبُتُ عليه طَلاقٌ ولا عِتْقٌ؛ لأنّ حُكْمَ الحِنْثِ غَيْرُ حُكْمِ المالِ.
(٣٧٧٨) ولو أقامَ شاهِدًا على جارِيَةٍ أنّها له، وابْنُها وَلَدٌ منه .. حَلَفَ وقُضِيَ له بالجارِيَةِ، وكانَتْ أمَّ وَلَدِه بإقْرارِه؛ لأنّ أمَّ الوَلَدِ مَمْلُوكَةٌ، ولا يُقْضَى له بالابْنِ؛ لأنّه لا يَمْلِكُه على أنّه ابْنُه.
стр. 1726
قال المزني: وقد قال في مَوْضِعٍ آخَرَ: «يأخُذُها ووَلَدَها، ويَكُونُ ابْنَه»، قال المزني: هذا أشْبَه بقَوْلِه الذي لم يَخْتَلِفْ، وهو قَوْلُه: «لو أقامَ شاهِدًا على عَبْدٍ في يَدَيْ رَجُلٍ يَسْتَرِقُّه، أنّه كان عَبْدًا له فأعْتَقَه ثُمّ غَصَبَه هذا بعد العِتْقِ .. حَلَفَ وأخَذَه، وكان مَوْلًى له»، قال المزني: فهو لا يَأخُذُ مَوْلاه على أنّه يَسْتَرِقُّه؛ كما لا يَأخُذُ ابْنَه على أنّه يَسْتَرِقُّه، فإذا أجازَه في الموْلَى لَزِمَه في الابْنِ (١).
(٣٧٧٩) قال الشافعي: ولو أقامَ شاهِدًا أنّ أباه تَصَدَّقَ عليه بهذِه الدّارِ صَدَقَةً مُحَرَّمَةً مَوْقُوفَةً وعلى أخَوَيْن له .. فإذا انْقَرَضُوا فعَلَى أوْلادِهِم، أو على المساكِينِ .. فمَنْ حَلَفَ منهم ثَبَتَ حَقُّه، وصار ما بَقِيَ مِيراثًا، فإنْ حَلَفُوا مَعًا خَرَجَت الدّارُ مِنْ مِلْكِ صاحِبِها إلى مَنْ جُعِلَتْ له حَياتَه ومَضَى الحكْمُ فيها لهم، فإنْ جاء بَعْدَهُم ممَّنْ وُقِفَتْ عليه إذا ماتُوا قام مَقامَ الوارِثِ، ولو لم يَحْلِفْ إلّا واحِدٌ فنَصِيبُه منها له - وهو الثُّلُثُ - صَدَقَةٌ على ما شَهِدَ به شاهِدُه، ثُمّ نَصِيبُه على مَنْ تَصَدَّقَ به أبُوه عليه بَعْدَه وبَعْدَ أخَوَيْه، فإن قال الذين تَصَدَّقَ بها عليهم بعد الابْنَيْن: نحن نَحْلِفُ على ما أبَى أن يَحْلِفَ عليه الابْنانِ .. ففيها قولان: أحَدُهما - أنّه لا يَكُونُ لهم إلّا ما كان للابْنَيْن قَبْلَهم، والآخَرُ - أنّ ذلك لهم، مِنْ قِبَلِ أنّهم إنّما يَمْلِكُون إذا حَلَفُوا بعد مَوْتِ الذي جُعِلَ له مِلْكٌ (٢) إذا ماتَ، وهو أصَحُّ القَوْلَيْن، وبه أقُولُ، والله أعلم (٣).
стр. 1727
قال: ولو قال: «وعلى أوْلادِهم وأوْلادِ أوْلادِهِم ما تَناسَلُوا» .. فإذا حَدَثَ وَلَدٌ نُقِصَ مَنْ له حَقٌّ في الحَبْسِ، ووُقِفَ حَقُّ الموْلُودِ حتّى يَبْلُغَ فيَحْلِفَ ويَأخُذَ، أو يَدَعَ فيَبْطُلَ حَقُّه، ويَرُدَّ كِراءَ ما وُقِفَ له مِنْ حَقِّه على الذين انْتُقِصَ مِنْ أجْلِه حُقُوقُهُم سَواءً بينهم، فإن ماتَ مِنْ المنْتَقَصِ حُقُوقُهُم أحَدٌ في نِصْفِ عُمْرِ الذي وُقِفَ له إلى أن يَبْلُغَ رُدَّ حِصَّةُ الموْقُوفِ على مَنْ مَعَه في الحَبْسِ، وأعْطِيَ وَرَثَةُ الميِّتِ منهم بقَدْر ما اسْتَحَقَّ بها ممّا رُدَّ عليه بقَدْرِ حَقِّه.
قال المزني: أصْلُ قَوْلِ الشّافِعِيِّ أنّ المحَبِّسَ أزالَ مِلْكَ رَقَبَتِه لله ، وإنّما يَمْلِكُ المحَبَّسُ عليه مَنْفَعَتَه، لا رَقَبَتَه؛ كما أزالَ المعْتِقُ مِلْكَه عن رَقَبَةِ عَبْدِه، وإنّما يَمْلِكُ المعْتَقُ (١) مَنْفَعَةَ نَفْسِه، لا رَقَبَتَه، وهو لا يُجِيزُ اليَمِينَ مع الشّاهِدِ إلّا فيما يَمْلِكُه الحالِفُ، فكيف يَخْرُجُ مِلْكُ رَقَبَةِ رَجُلٍ بيَمِينِ مَنْ لا يَمْلِكُ تِلْكَ الرَّقَبَةَ، وهو لا يُجِيزُ يَمِينَ العَبْدِ مع شاهِدِه أنّ مَوْلاه أعْتَقَه؛ لأنّه لا يَمْلِكُ ما كان السَّيِّدُ يَمْلِكُه مِنْ رَقَبَتِه، فكذلك يَنْبَغِي في قِياسِ قَوْلِه أن لا يُجِيزَ يَمِينَ المحَبَّسِ عليه في رَقَبَةِ الحَبْسِ؛ لأنّه لا يَمْلِكُ ما كان المحَبِّسُ يَمْلِكُ مِنْ رَقَبَتِه، وإذا لم تَزُلْ رَقَبَةُ الحَبْسِ بيَمِينِه بَطَلَ الحَبْسُ مِنْ أصْلِه، وهذا عندي قِياسُ قَوْلِه على أصْلِه الذي وَصَفْتُ، ولو جاز الحَبْسُ على ما وَصَفَ الشافعيُّ على أصْلِه الذي وَصَفَه، ما جازَ أن يُقِرَّ أهْلُه أنّ لهم شَرِيكًا ويُنْكِرَ الشَّرِيكُ الحَبْسَ فيَأخُذُوا حَقَّه لامْتِناعِه مِنْ أن يَحْلِفَ معهم، فأصْلُ قَوْلِه أنّ حَقَّ مَنْ لم يَحْلِفْ مَوْقُوفٌ حتّى يَحْلِفَ، أو وارِثُه إن مات يَقُومُ مَقامَه، ولا يَأخُذُ مِنْ حَقٍّ أقَرَّ به لصاحِبِه شَيْئًا؛ لأنّ أخْذَه ذلك حَرامٌ (٢).
стр. 1728
(٣٨٦)
باب الخلاف في اليمين مع الشاهد
(٣٧٨٠) قال الشافعي: قال بَعْضُ النّاسِ: فقد أقَمْتُم اليَمِينَ مُقامَ شاهِدٍ؟ قلتُ: وإنْ أعْطَيْتُ بها كما أُعْطِي بشاهِدٍ، فلَيْسَ مَعْناها مَعْنَى شاهِدٍ، وأنْتَ تُبْرِئ المدَّعَى عليه بشاهِدَيْن وبيَمِينِه إن لم تكُنْ له بَيِّنَةٌ، وتُعْطِي المدَّعِي حَقَّه بنكُولِ صاحِبِه كما تُعْطِيه بشاهِدَيْن، أفمَعْنَى ذلك مَعْنَى شاهِدَيْن؟ قال: فكيف يَحْلِفُ مع شاهِدِه على وَصِيَّةٍ أوْصَى بها مَيِّتٌ، أو أنّ لأبِيه حَقًّا على رَجُلٍ وهو صَغِيرٌ، وهو إنْ حَلَفَ حَلَفَ على ما لا يَعْلَمُ؟ قلتُ: فأنْتَ تُجِيزُ أن يَشْهَدَ أنّ فلانَ ابْنُ فلانٍ (١) وأبُوه غائِبٌ لم يَرَ أباه قَطُّ، ويَحْلِفَ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً مَشْرِقِيٌّ (٢) اشْتَرَى عَبْدًا ابْنَ مائَةِ سَنَةٍ مَغْرِبِيًّا وُلِدَ قبل جَدِّه فباعَه فأبَقَ، أنّك تُحَلِّفُه: لقد باعَه بَرِيئًا مِنْ الإباقِ على البَتِّ،
стр. 1729
قال: ما يَجِدُ النّاسُ بُدًّا مِنْ هذا، غَيْرَ أنّ الزُّهْرِيَّ أنْكَرَها، قلتُ: وقد قَضَى بها حين وَلِيَ، أوَرَأيْتَ ما رَوَيْتَ (١) مِنْ إنْكارِ عَليٍّ على مَعْقِلٍ حَدِيثَ بَرْوَعَ؛ أنّ النبيَّ ﷺ جَعَلَ لها المهْرَ والميراثَ، ورَدِّهِ حَدِيثَه، ومع عَليٍّ زَيْدُ بنُ ثابتٍ وابنُ عُمَرَ، فهل رَدَدْتَ شَيْئًا بالإنْكارِ؟ فكيف تَحْتَجُّ بإنْكارِ الزُّهْرِيِّ؟!
(٣٧٨١) وقلتُ له: وكيف حَكَمْتَ بشَهادَةِ قابِلَةٍ في الاسْتِهْلالِ وهو ممّا يَراهُ الرِّجالُ؟ أمْ كيف حَكَمْتَ على أهْلِ مَحِلَّةٍ وعلى عَواقِلِهم بدِيَةِ الموْجُودِ قَتِيلًا في مَحِلَّتِهم في ثَلاثِ سِنِينَ، وزَعَمْتَ أنّ القُرآنَ يُحَرِّمُ أن يَجُوزَ أقَلُّ مِنْ شاهِدٍ وامْرَأتَيْن، وزَعَمْتَ أنّ سُنَّةَ رسولِ الله ﷺ تَدُلُّ على أنّ اليَمِينَ بَراءَةٌ لمن حَلَفَ؟ فخالَفْتَ في جُمْلَةِ قَوْلِكَ الكتابَ والسُّنَّةَ، أرَأيْتَ لو قال لك أهْلُ المحِلَّةِ: أمُدَّعًى علينا؟ فأحْلِفْ جميعَنا وأبْرِئْنا، قال: لا أُحْلِفُهم إذا جاوَزُوا خمسين رجلًا، ولا أُبْرِئهم بأيْمانِهم، وأُغْرِمُهم، قلتُ: فكيف جاز لك هذا؟ قال: رَوَيْنا هذا عن عُمَرَ بنِ الخطاب، قلتُ: فإن قيل لك: لا يَجُوزُ على عُمَرَ أن يُخالِفَ الكِتابَ والسُّنَّةَ، وقَوْلُ عُمَرَ نَفْسِه: «البَيِّنَةُ على المدَّعِي، واليَمِينُ على المدَّعَى عليه»؟ قال: لا يَجُوزُ أن أتَّهِمَ مَنْ أثِقُ به، ولكِنْ أقُولُ بالكِتابِ والسُّنَّةِ، وقَوْلُ عُمَرَ على خاصٍّ، قلتُ: فلِمَ لم يَجُزْ لنا مِنْ سُنَّةِ رسولِ الله ﷺ ما أجَزْتَ لنَفْسِكَ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ (٢)؟ قلتُ: وقد رَوَيْتُم أنّ عُمَرَ كَتَبَ فجَلَبَهُم إلى مَكَّةَ، وهو مَسِيرَةُ اثْنَيْنِ وعِشْرِين يَوْمًا، وأحْلَفَهُم في الحِجْرِ، وقَضَى عليهم بالدِّيَةِ، فقالُوا: «ما وَقَتْ أمْوالُنا أيْمانَنَا، ولا أيْمانُنا أمْوالَنا»، فقال: «حَقَنْتُم بأيْمانِكم دِماءَكم» (٣)،
стр. 1730
فخالَفْتُم في ذلك عُمَرَ، فلا أنْتُم أخَذْتُم بكُلِّ حُكْمِه، ولا تَرَكْتُمُوه، ونَحْنُ نَرْوِي عن رسولِ الله ﷺ بالإسْنادِ الصَّحِيحِ أنّه بَدَأ في القَسامَةِ بالمدَّعِين، فلمّا لم يَحْلِفُوا قال: «تُبْرِئكُمْ يَهُودُ بخَمْسِين يَمِينًا»، وإذْ قال: «تُبْرِئكُم يهودُ» فلا يَكُونُ عليهم غُرْمٌ، ويُرْوَى عن عُمَرَ أنّه بَدَأ بالمدَّعَى عليهم، ثُمّ رَدَّ الأيْمانَ على المدَّعِين، وهذان جميعًا يُخالِفان ما رَوَيْتُم عنه، وقد أجَزْتُم شَهادَةَ أهْلِ الذِّمَّةِ، وهم غَيْرُ الذين شَرَطَ اللهُ أن تَجُوزَ شَهادَتُهم، ورَدَدْتُم سُنَّةَ رسولِ الله ﷺ في اليَمِينِ مع الشّاهِدِ، قال: إنّا (١) أجَزْنا شَهادَةَ أهْلِ الذِّمَّةِ؛ لقَوْلِ الله ﵎: ﴿أو آخران من غيركم﴾ [المائدة: ١٠٦]، قلتُ: سَمِعْتُ مَنْ أرْضَى يَقُولُ: «مِنْ غَيْرِ قَبِيلَتِكُم مِنْ المسْلِمِين»، ويَحْتَجُّ بقَوْلِ الله : ﴿تحبسونهما من بعد الصلاة﴾ [المائدة: ١٠٦]، قلتُ: والمنَزَّلُ فيه هذه الآيةُ رَجُلٌ مِنْ العَرَبِ، فأجِزْ شَهادَةَ مُشْرِكِي العَرَبِ بَعْضِهم على بَعْضٍ، قال: لا، إلّا شَهادَةَ أهْلِ الكِتابِ، قلتُ: فقال قائلٌ: لا، إلّا شَهادَةَ مُشْرِكِي العَرَبِ، فما الفَرْقُ؟ وقلتُ له: أفَتُجِيزُ اليَوْمَ شَهادَةَ أهْلِ الكِتابِ على وَصِيَّةِ مُسْلِمٍ كما زَعَمْتَ أنّها في القُرآنِ؟ قال: لا؛ لأنّها مَنْسُوخَةٌ، قلتُ: بماذا؟ قال: بقَوْلِ الله ﵎: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢]، قلتُ: فقد زَعَمْتَ بلِسانِكَ أنّك قد خالَفْتَ القُرآنَ؛ إذْ لم يُجِز اللهُ إلّا مُسْلِمًا، فأجَزْتَ كافِرًا.
(٣٧٨٢) وقال لي قائل: إذا نَصَبَ اللهُ حُكْمًا في كِتابِه، فلا يَجُوزُ أن يَكُونَ سَكَتَ عنه وقد بَقِيَ منه شَيْءٌ، فلا يَجُوزُ لأحَدٍ أن يُحْدِثَ فيه ما ليْسَ في القُرآنِ، قلتُ: قد نَصَبَ اللهُ الوُضُوءَ في كِتابِه، فأحْدَثْتَ فيه المسْحَ على الخفَّيْن، ونَصَبَ ما حَرَّمَ مِنْ النِّساءِ وأحَلَّ ما وَراءَهُنّ، فقُلْتَ: لا تُنْكَحُ
стр. 1731
المرْأةُ على عَمَّتِها ولا على خالَتِها، ونَصَبَ الموارِيثَ، فقُلْتَ: لا يَرِثُ قاتِلٌ ولا مملُوكٌ ولا كافِرٌ وإن كانُوا وَلَدًا أو والِدًا، ونَصَبَ حَجْبَ الأمِّ بالإخْوَةِ وحَجَبْتَها بأخَوَيْن، ونَصَبَ للمُطَلَّقَةِ قبل أن تُمَسَّ نِصْفَ المهْرِ ورَفَعَ العِدَّةَ، فقُلْتَ: إنْ خَلا بها ولم يَمَسَّ فلها المهْرُ وعليها العِدَّةُ، فهذه أحْكامٌ مَنْصُوصَةٌ في القُرآنِ، وهذا عِنْدك خِلافُ ظاهِرِ القُرآنِ، واليَمِينُ مع الشّاهِدِ لا يُخالِفُ مِنْ ظاهِرِ القُرآنِ شَيْئًا، والقُرآنُ عَرَبِيٌّ، فيكُونُ عامَّ الظّاهِرِ يُرادُ به الخاصُّ، وكُلُّ كَلامٍ احْتَمَلَ في القُرآنِ مَعانِيَ فسُنَّةُ رسولِ الله ﷺ تَدُلُّ على أحَدِ مَعانِيه مُوافِقَةً له، لا مُخالِفَةً للقُرآنِ (١).
(٣٧٨٣) قال الشافعي: وما تَرَكْنا مِنْ الحُجَّةِ عليهم أكْثَرُ ممّا كَتَبْناه، وبالله العِصْمَةُ والتّوفيقُ.
стр. 1732
(٣٨٧)
باب موضع اليمين
(٣٧٨٤) قال الشافعي: مَنْ ادَّعَى مالًا فأقامَ عليه شاهِدًا، أو ادُّعِيَ عليه مالٌ أو جِنايَةُ خَطَأٍ، فإن بَلَغَ ذلك عِشْرِين دِينارًا، أو ادَّعَى عَبْدٌ عِتْقًا تَبْلُغُ قِيمَتُه عِشْرِين دِينارًا، أو ادَّعَى جِراحَةَ عَمْدٍ صَغُرَتْ أو كَبُرَتْ، أو في طَلاقٍ، أو لِعانٍ، أو حَدٍّ، أو رَدِّ يَمِينٍ في ذلك .. فإنْ كانَ الحُكْمُ بمَكَّةَ كانَت اليَمِينُ بين البَيْتِ والمقامِ، وإنْ كان بالمدِينَةِ كانَتْ على مِنْبَرِ رسولِ الله ﷺ ، وإن كانَ ببَلَدٍ غَيْرِ مَكَّةَ والمدينةِ أُحْلِفَ بعد العَصْرِ في مَسْجِدِ ذلك البَلَدِ، بما تُؤكَّدُ به الأيمانُ، ويُتْلَى عليه: ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا﴾ الآية [آل عمران: ٧٧]، وهذا قَوْلُ حُكّامِ المكِّيِّينَ ومُفْتِيهِم، ومِن حُجَّتِهم فيه أنّ عبدَالرحمن بنَ عوفٍ رَأى قَوْمًا يَحْلِفُون بين المقامِ والبَيْتِ، فقال: أعَلَى دَمٍ؟ فقالوا: لا، فقال: أفَعَلَى عظيمٍ مِنْ الأمْرِ (١)؟ قالُوا: لا، قال: «لقد خَشِيتُ أن يَبْهَأَ النّاسُ بهذا المقامِ» (٢)، قال: فذَهَبُوا إلى أنّ العظيمَ مِنْ الأمْوالِ ما وَصَفْتُ مِنْ عِشْرِين دِينارًا فصاعِدًا، وقال ابْنُ أبي مُلَيْكَة: «كَتَبَ إليَّ ابْنُ عبّاسٍ في جارِيَتَيْن ضَرَبَتْ إحْداهما الأخْرَى أن: احْبِسْهُما بعد العَصْرِ، ثُمّ اقْرَأ عليهما: ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا﴾ الآية [آل عمران: ٧٧]، ففَعَلْتُ،
стр. 1733
فاعْتَرَفَتْ»، قال: واسْتَدْلَلْتُ بقَوْلِ الله : ﴿تحبسونهما من بعد الصلاة﴾ [المائدة: ١٠٦]- وقال المفَسِّرُون: «صَلاةِ العَصْرِ» - على تأكِيدِ اليَمِينِ على الحالِفِ في الوَقْتِ الذي تَعْظُمُ فيه اليَمِينُ، وبكِتابِ أبي بكر الصديق يُحَلِّفُ عند مِنْبَرِ رسولِ الله ﷺ ، وما بَلَغَنِي أنّ عُمَرَ حَلَفَ على مِنْبَرِ رسولِ الله ﷺ في خُصُومَةٍ بَيْنَه وبَيْنَ رَجُلٍ، وأنّ عُثْمانَ رُئيَتْ (١) عليه اليَمِينُ على المنْبَرِ فاتَّقاها وقال: «أخافُ أن يُوافِقَ قَدَرَ بَلاءٍ فيُقالَ: بيَمِينِه»، قال: وبسُنَّةِ رسولِ الله ﷺ وأصْحابِه وأهْلِ العِلْمِ ببَلَدِنا دارِ السُّنَّةِ والهجْرَةِ، وحَرَمِ اللهِ وحَرَمِ رَسُولِه اقْتَدَيْنا.
(٣٧٨٥) قال: والمسْلِمُون البالِغُون، رِجالُهُم ونِساؤُهُم، وأحْرارُهم وعَبِيدُهم ومَمَالِيكُهم .. يَحْلِفُون كما وَصَفْنا.
(٣٧٨٦) ويَحْلِفُ المشْرِكُون أهْلُ الذِّمَّةِ والمسْتَأمِنُون، كُلُّ واحِدٍ منهم بما يُعَظِّمُ مِنْ الكُتُبِ (٢)، وحَيْثُ يُعَظِّمُ مِنْ المواضِعِ، ممّا يَعْرِفُ المسْلِمُون، وممّا يُعَظِّمُ الحالِفُ منهم، مِثْلَ قَوْلِه: والله الذي أنْزَلَ التَّوْراةَ على موسى، وبالله الذي أنْزَلَ الإنْجيلَ على عِيسَى، وما أشْبَهَ هذا، ولا يَحْلِفُون بما يَجْهَلُ مَعْرِفَتَه المسْلِمُون.
(٣٧٨٧) ويَحْلِفُ الرَّجُلُ في حَقِّ نَفْسِه وفيما عليه بعَيْنِه على البَتِّ، مِثْلَ: أن يُدَّعَى عليه بَراءَةٌ مِنْ حَقٍّ، فيَحْلِفُ باللهِ إنّ هذا الحقَّ - ويُسَمِّيه - لَثابِتٌ عليه، ما اقْتَضاه ولا شَيْئًا منه، ولا مُقْتَضٍ بأمْرِه يَعْلَمُه، ولا أحالَ به ولا بشَيْءٍ منه، ولا أبْرأه منه ولا من شَيْءٍ منه، بوَجْهٍ مِنْ الوُجُوهِ، وإنّه
стр. 1734
لثابِتٌ عليه إلى أن حَلَفَ بهذه اليَمِينِ، وإن كان حَقًّا لأبيه .. حَلَفَ في نَفْسِه على البَتِّ، وفي أبيه على العِلْمِ.
(٣٧٨٨) وإذا حَلَفَ قال: «والله الذي لا إلهَ إلّا هو، عالمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ، الرَّحمنِ الرَّحيمِ، الذي يَعْلَمُ مِنْ السِّرِّ ما يَعْلَمُ مِنْ العَلانِيَةِ»، ثُمّ يَنْسُقُ اليَمِينَ.
(٣٧٨٩) ولا يُقْبَلُ منه اليَمِينُ إلّا بعدَ أن يَسْتَحْلِفَه الحاكِمُ، واحْتَجَّ بأنّ رُكانَةَ قال للنبي ﷺ : إنّي طَلَّقْتُ امْرَأتِي البَتَّةَ، واللهِ ما أرَدْتُ بها إلّا واحِدَةً، فقال النبي: «والله ما أرَدْتَ إلّا واحِدَةً؟»، فرَدَّها إليه ﷺ (١)، وهذا تَجْوِيزُ اليَمِينِ في الطَّلاقِ والرَّجْعَةِ في طَلْقَةِ البَتَّةِ.
стр. 1735
(٣٨٨)
باب الامتناع من اليمين
(٣٧٩٠) قال الشافعي: إذا كانَت الدَّعْوَى غَيْرَ دَمٍ في مالٍ (١) .. أُحْلِفَ المدَّعَى عليه، فإنْ حَلَفَ .. بَرِئَ، وإن نكَلَ .. قيل للمُدَّعِي: احْلِفْ واسْتَحِقَّ، فإنْ أبَيْتَ .. سَألْناك عن إبائِكَ، فإن كان لتَأتِيَ ببَيِّنَةٍ أو تَنْظُرَ في حِسابِكَ .. تَرَكْناكَ، وإن قلتَ: لا أؤَخِّرُ ذلك لشَيْءٍ غَيْرَ أنّي لا أحْلِفُ .. أبْطَلْنا أن تَحْلِفَ.
(٣٧٩١) وإنْ حَلَفَ المدَّعَى عليه، أو لم يَحْلِفْ فنكَلَ المدَّعِي فأبْطَلْتُ يَمِينَه، ثُمّ جاء بشاهِدَيْن أو بشاهِدٍ .. حَلَفَ مع شاهِدِه وأُخِذَ له بحَقِّه (٢)، والبَيِّنَةُ العادِلَةُ أحَقُّ مِنْ اليَمِينِ الفاجِرَةِ (٣).
(٣٧٩٢) ولو رَدَّ المدَّعَى عليه اليَمِينَ، فقُلْتُ للمُدَّعِي: احْلِفْ، فقال المدَّعَى عليه: أنا أحْلِفُ .. لم أجْعَلْ ذلك له؛ لأنّي قد أبْطَلْتُ أن يَحْلِفَ، وحَوَّلْتُ اليَمِينَ على صاحِبِه.
(٣٧٩٣) ولو قال: أحْلِفُه: ما اشْتَرَيْتُ هذه الدّارَ التي في يَدَيْه ولا مَلَكْتُها .. لم أُحْلِفْه إلّا: ما لهذا - ويُسَمِّيه - في هذه الدّارِ حَقٌّ بمِلْكٍ ولا غَيْرِه بوَجْهٍ مِنْ الوُجُوهِ؛ لأنّه قد يَمْلِكُها وتَخْرُجُ مِنْ يَدَيْه.
стр. 1736
(٣٨٩)
باب النُّكول وردِّ اليمين
من الجامع، من هذا، ومن كتاب اختلاف الشهادات والحكام (١)،
ومن الدعوى والبينات، ومن إملاء في الحدود
(٣٧٩٤) قال الشافعي: ولا يَقُومُ النُّكُولُ مَقامَ إقْرارٍ (٢) في شَيْءٍ حتّى يَكُونَ مع (٣) يَمِينِ المدَّعِي، فإن قيل: فكيف أحْلَفْتَ في الحُدُودِ والطّلاقِ والنَّسَبِ والأمْوالِ، وجَعَلْتَ الأيْمانَ كُلَّها تَجِبُ على المدَّعَى عليه، وجَعَلْتَها كُلَّها تُرَدُّ على المدَّعِي؟ .. قيل: قُلْتُه اسْتِدْلالًا بالكِتابِ والسُّنَّةِ ثُمّ الخبَرِ عن عُمَرَ، حَكَمَ الله جل ذكره على القاذِفِ غَيْرِ الزَّوْجِ بالحَدِّ، ولم يَجْعَلْ له مَخْرَجًا منه إلّا بأرْبَعَةِ شُهَداءَ، وأخْرَجَ الزَّوْجَ مِنْ الحدِّ بأن يَحْلِفَ أرْبَعَةَ أيْمانٍ ويَلْتَعِنَ بالخامِسَةِ، فيَسْقُطُ عنه الحدُّ ويَلْزَمُها إن لم تَخْرُجْ منه بأرْبَعَةِ أيْمانٍ والْتِعانِها (٤)، وسَنّ بَيْنَهما الفُرْقَةَ ودَرَأ اللهُ عنهما الحدَّ بالأيْمان والْتِعانِه، وكانَتْ أحْكامُ الزَّوْجَيْن وإنْ خالَفَتْ أحْكامَ الأجْنَبِيَّيْن في شَيْءٍ فهي مُجامِعَةٌ لها في غَيْرِه، وذلك أنّ اليَمِينَ فيه جَمَعَتْ دَرْءَ الحدِّ عن الرَّجُلِ والمرْأةِ، وفُرْقَةً، ونَفْيَ الوَلَدِ، فكان هذا الحدُّ والفِراقُ والنَّفْيُ معًا داخِلَةً فيها، ولا يَحِقُّ الحدُّ على المرْأةِ حين يَقْذِفُها الزَّوْجُ إلّا بيَمِينِه وتَنْكُلُ عن
стр. 1737
اليَمِينِ، ألا تَرَى أنّ الزَّوْجَ لو لم يَلْتَعِنْ حُدَّ بالقَذْفِ ولِتَرْكِ الخرُوجِ منه باليَمِينِ، ولم يَكُنْ على المرْأةِ حَدٌّ ولا لِعانٌ؟ أوَلَا تَرَى أنّ النبيَّ ﷺ قال للأنْصارِيِّين: «تَحْلِفُون وتَسْتَحِقُّون دَمَ صاحِبِكُم»، فلمّا لم يَحْلِفُوا رَدَّ الأيْمانَ على يَهُودَ ليَبْرَؤوا بها، فلمّا لم يَقْبَلْها الأنْصارِيُّون تَرَكُوا حَقَّهُم؟ أوَلَا تَرَى أنّ عُمَرَ جَعَلَ الأيْمانَ على المدَّعَى عليهم، فلمّا لم يَحْلِفُوا رَدَّها على المدَّعِين؟ وكُلُّ هذا تَحْوِيلُ يَمِينٍ مِنْ مَوْضِعٍ قد بُدِئَتْ فيه إلى الموْضِعِ الذي يُخالِفُه، وقالَ رسولُ الله ﷺ : «وعلى المدَّعَى عليه اليَمِينُ»، فلا يَجُوزُ أن تكُونَ على مُدَّعًى عليه دُونَ غَيْرِه إلّا بخَبَرٍ لازِمٍ، وهما لَفْظَتان مِنْ رسولِ الله ﷺ : «البَيِّنَةُ على المدَّعِي، واليَمِينُ على المدَّعَى عليه» مَخْرَجُهما سَواءٌ، فكَيْفَ يَجُوزُ أن يُقالَ: إنْ جاءَ المدَّعِي بالبَيِّنَةِ أخَذَ، وإن لم يَأتِ بها حَدَثَ له حُكْمٌ غَيْرُها، وهو اسْتِحْلافُ مَنْ ادَّعَى عليه، وإنْ جاءَ المدَّعَى عليه باليَمِينِ بَرِئَ، وإن لم يَأتِ بها لَزِمَه ما نكَلَ عنه، ولم يَحْدُثْ له حُكْمٌ غيرُها، وهو رَدُّ اليَمِينِ؛ كما حَدَثَ للمُدَّعِي إن لم يَأتِ بما عليه حُكْمٌ غَيْرُه، وهو اليَمِينُ، وإذْ حَوَّلَ النبيُّ ﷺ اليَمِينَ مِنْ حَيْثُ وَضَعَها، فكَيْفَ لم تُحَوِّلْ كما حَوَّلها؟
стр. 1738
[٦٦]
كتاب الشهادات [الثاني] (١)
وما دخله من الرسالة
стр. 1739
(٣٩٠)
باب من تجوز شهادته، ومن لا تجوز (١)، ومن يشهد بعد رد شهادته
من الجامع، ومن كتاب اختلاف الحكام، وأدب القاضي وغيره
(٣٧٩٥) قال الشافعي: ليْسَ مِنْ النّاسِ أحَدٌ (٢) - إلّا أن يَكُونَ قَلِيلًا - يَمْحَضُ الطّاعَةَ والمرُوَّةَ حتّى لا يَخْلِطَهما بمَعْصِيَةٍ، ولا يَمْحَضُ المعْصِيَةَ وتَرْكَ المرُوَّةِ حتّى لا يَخْلِطَهُما بشَيْءٍ مِنْ الطّاعَةِ والمرُوَّةِ، فإذا كان الأغْلَبُ على الرَّجُلِ الأظْهَرُ مِنْ أمْرِه الطّاعَةَ والمرُوَّةَ قُبِلَتْ شَهادَتُه، وإذا كان الأغْلَبُ الأظْهَرُ مِنْ أمْرِه المعْصِيَةَ وخِلافَ المرُوَّةِ رُدَّتْ شَهادَتُه.
(٣٧٩٦) ولا يُقْبَلُ الشّاهِدُ حتّى يَثْبُتَ عنده بخِبْرَةٍ منه أو بَيِّنَةٍ أنّه حُرٌّ.
(٣٧٩٧) ولا تَجُوزُ شَهادَةُ جارٍّ إلى نَفْسِه، ولا دافِعٍ عنها، ولا على خَصْمٍ؛ لأنّ الخُصُومَةَ مَوْضِعُ عَداوَةٍ، ولا لوَلَدِ بَنِيه ولا لوَلَدِ بَناتِه (٣) وإن سَفَلُوا، ولا لآبائه وأمَّهاتِه وإن بَعُدُوا (٤)، ولا مَنْ يُعْرَفُ بكَثْرَةِ الغَلَطِ والغَفْلَةِ.
стр. 1740
(٣٧٩٨) ولو كُنْتُ لا أجِيزُ شَهادَةَ الرَّجُلِ لامْرَأتِه لأنّه يَرِثُها، ما أجَزْتُ شَهادَةَ الأخِ لأخِيه إذا كان يَرِثُه (١).
(٣٧٩٩) ولا أرُدُّ شَهادَةَ الرَّجُلِ مِنْ أهْلِ الأهْواءِ إذا كانَ لا يَرَى أن يَشْهَدَ لموافِقِه بتَصْدِيقِه وقَبُولِ يَمِينِه، ولَشَهادَةُ مَنْ يَرَى كَذِبَه شِرْكًا بالله ومَعْصِيَةً تَجِبُ بها النّارُ، أوْلَى أن تَطِيبَ النَّفْسُ بقَبُولِها بشَهادَةِ (٢) مَنْ يُخَفِّفُ المأثَمَ فيها.
(٣٨٠٠) وكُلُّ مَنْ تَأوَّلَ حَرامًا عندنا فيه حَدٌّ أو لا حَدَّ فيه، لم نَرُدَّ بذلك شَهادَتَه، ألا تَرَى أنّ مَنْ حُمِلَ عنه الدِّينُ وجُعِلَ عَلَمًا في البُلْدانِ، منهم مَنْ يَسْتَحِلُّ المتْعَةَ والدِّينارَ بالدِّينارَيْن نَقْدًا، وهذا عندنا وغَيْرُه حَرامٌ (٣)، وأنّ منهم مَنْ اسْتَحَلَّ سَفْكَ الدِّماءِ، ولا شَيْءَ أعْظَمُ منه بعد الشِّرْكِ، ومنهم مَنْ تَأوَّلَ فاسْتَحَلَّ كُلَّ مُسْكِرٍ غَيْرِ الخَمْرِ وعاب على مَنْ حَرَّمَه، لا نَعْلَمُ أحَدًا مِنْ سَلَفِ هذه الأمَّةِ يُقْتَدَى به ولا مِنْ التّابِعِين بَعْدَهم رَدَّ شَهادَةَ أحَدٍ بتَأوِيلٍ، وإنْ خَطَّأه وضَلَّلَه؟
(٣٨٠١) والّلاعِبُ بالشِّطْرَنْجِ والحَمَامِ بغَيْرِ قِمارٍ وإنْ كَرِهْنا ذلك أخَفُّ حالًا.
قال المزني: سَمِعْتُ الشّافعيَّ يَقُولُ: كان سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ يَلْعَبُ بالشِّطْرَنْجِ اسْتِدْبارًا، فقلتُ له: كيف يَلْعَبُ بها اسْتِدْبارًا؟ قال: يُولِّيها ظَهْرَه ثُمّ يَقُولُ: بأيِّ شَيْءٍ دَفَعَ؟ فيُقالُ: بكذا، فيَقُولُ: فادْفَعْ عليه بكذا (٤).
стр. 1741
قال المزني: وأكْرَهُها لأنّها تَشْغَلُ عن الصّلاةِ، وأنّها مِنْ اللَّهْوِ، ويُكْرَهُ اللَّهْوُ إلّا في ثلاثةٍ: لهْوِهِ بفَرَسِه، ولهْوِهِ بقَوْسِه، ولهْوِهِ بأهْلِه (١).
(٣٨٠٢) قال الشافعي: ومَن شَرِبَ عَصِيرَ العِنَبِ الذي عَتَقَ حتّى أسْكَرَ وهو يَعْرِفُها خَمْرًا رُدَّتْ شَهادَتُه؛ لأنّ تَحْرِيمَها نَصٌّ، ومَن شَرِبَ سِواها مِنْ المُنْصَفِ والخَلِيطَيْن فهو آثِمٌ، ولا تُرَدُّ شَهادَتُه إلّا أن يَسْكَرَ؛ لأنّه عند جميعِهم حَرامٌ.
قال المزني: كَيْفَ يَحُدُّ مَنْ شَرِبَ قَليلًا مِنْ نَبِيذٍ شَدِيدٍ ويُجِيزُ شَهادَتَه؟ (٢).
(٣٨٠٣) قال الشافعي: وأكْرَهُ اللَّعِبَ بالنَّرْدِ؛ للخبرِ.
(٣٨٠٤) وإن كان يُدِيمُ الغِناءَ، ويَغْشاه المغَنُّونَ، مُعْلِنًا .. فهذا سَفَهٌ يُرَدُّ به (٣)، وإن كان ذلك يَقِلُّ لم يُرَدَّ.
(٣٨٠٥) وأمّا اسْتِماعُ الحُداءِ ونَشِيدِ الأعْرابِ (٤) .. فلا بَأسَ به، قال رسولُ الله ﷺ للشّرِيدِ: «أمَعَكَ مِنْ شِعْرِ أُمَيَّةَ شَيْءٌ؟»، قال: نعم، قال:
стр. 1742
«هِيهِ» (١)، قال: فأنْشَدْتُه بَيْتًا، فقال: «هِيهِ»، حتّى بَلَغْتُ مائةَ بَيْتٍ، وسَمِعَ النَّبيُّ ﷺ الحُداءَ والرَّجَزَ، وقال لابْنِ رَواحَةَ: «حَرِّكْ بالقَوْمِ»، فانْدَفَعَ يَرْجُزُ.
(٣٨٠٦) قال: وإذا كان هذا هكذا، كان تحْسِينُ الصَّوْتِ بذِكْرِ الله والقُرآنِ أوْلَى أن يَكُونَ محْبُوبًا، وقد رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنّه قال: «ما أذِنَ اللهُ لشَيْءٍ أذَنَه لنَبِيٍّ حَسَنِ التَّرَنُّمِ بالقُرآنِ»، وسَمِعَ النبيُّ ﷺ عبدَالله بنَ قَيْسٍ يَقْرَأ، فقال: «لقد أُوتِيَ هذا مِنْ مَزامِيرِ آلِ داوُدَ»، قال الشافعي: فلا بأسَ بالقِراءَةِ بالألْحانِ وتَحْسِينِ الصَّوْتِ بأيِّ وَجْهٍ ما كانَ، وأَحَبُّ ما يَقْرَأ حَدْرًا وتَحْزِينًا (٢).
قال المزني: سَمِعْتُ الشّافعيَّ يَقُولُ في قَوْلِه ﷺ : «ليْسَ منّا مَنْ لم يَتَغَنَّ بالقُرآنِ»: «لو كان مَعْنَى: (يَتَغَنَّى بالقُرآنِ) على مَعْنَى الاسْتِغْناءِ لكان: (يَتَغانَى)، و (يَتَغَنّى) مِنْ الغِناء (٣).
(٣٨٠٧) قال: وليْسَ مِنْ العَصَبِيَّةِ أن يُحِبَّ الرَّجُلُ قَوْمَه، والعَصَبِيَّةُ المحْضُ أن يُبْغِضَ الرَّجُلَ لأنّه مِنْ بني فلانٍ، فإذا أظْهَرَها ودَعا إليها وتآلَفَ
стр. 1743
بها فمَرْدُودٌ، وقد جَمَعَ اللهُ جل ذِكرُه المسْلِمِين بالإسْلامِ، وهو أشْرَفُ أنْسابِهِم، فقال : ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ [الحجرات: ١٠]، وقال رسولُ الله ﷺ : «وكُونُوا عِبادَ اللهِ إخْوانًا»، فمَن خالَفَ أمْرَ اللهِ وأمْرَ رَسُولِه رُدَّتْ شَهادَتُه.
(٣٨٠٨) والشِّعْرُ كَلامٌ، فحَسَنُه كحَسَنِه، وقَبِيحُه كقَبِيحِه، وفَضْلُه على الكَلامِ أنّه سائرٌ، فإذا كان الشّاعِرُ لا يُعْرَفُ بشَتْمِ المسْلِمِين وأذاهُم، ولا يَمْدَحُ فيُكْثِرُ الكَذِبَ المحْضَ، ولا يُشَبِّبُ بامْرَأةٍ بعَيْنِها، ولا يَبْتَهِرُها بما يَشِينُها (١) .. فجائزُ الشَّهادَةِ، وإن كان على خِلافِ ذلك لم تَجُزْ شَهادَتُه.
(٣٨٠٩) وتَجُوزُ شَهَادَةُ وَلَدِ الزِّنا في الزِّنا، والمحْدُودِ فيما حُدَّ فيه، والقَرَوِيِّ على البَدَوِيِّ، والبَدَوِيِّ على القَرَوِيِّ، إذا كانُوا عُدُولًا.
(٣٨١٠) وإذا شَهِدَ صَبِيٌّ أو عَبْدٌ أو نَصْرانِيٌّ بشَهادَةٍ فلا يَسْمَعُها، واسْتِماعُه لها تَكَلُّفٌ، فإذا بَلَغَ الصَّبِيُّ وعَتَقَ العَبْدُ وأسْلَمَ النَّصْرانيُّ ثُمّ شَهِدُوا بها بعَيْنِها قَبِلْتُها، فأمّا البالِغُ المسْلِمُ أرُدُّ شَهادَتَه في الشَّيْءِ، ثُمّ يَحْسُنُ حالُه فيَشْهَدُ بها فلا أقْبَلُها؛ لأنّا حَكَمْنا بإبْطالها وجَرْحِه فيها؛ لأنّه مِنْ الشَّرْطِ إلى أن يُخْتَبَر عَمَلُه (٢).
стр. 1744
(٣٨١١) قال: ولو تَرَكَ مَيِّتٌ ابْنَيْنِ، فشَهِدَ أحَدُهما على أبيه بدَيْنٍ .. فإن كان عَدْلًا حَلَفَ المدَّعِي وأخَذَ الدَّيْنَ مِنْ الابْنَيْن، وإن لم يَكُنْ عَدْلًا أخَذَ مِنْ يَدَي الشّاهِدِ بقَدْرِ ما كان يَأخُذُ منه لو جازَتْ شَهادَتُه؛ لأنّ مَوْجُودًا في شَهادَتِه أنّ له في يَدَيْه حَقًّا وفي يَدَي الجاحِدِ حَقًّا، فأعْطَيْتُه مِنْ المقِرِّ، ولم أعْطِه مِنْ المنْكِرِ، وكذلك لو شَهِدَ أنّ أباه وَصَّى (١) له بثُلُثِ مالِه.
стр. 1745
(٣٩١)
باب الشهادة على الشهادة
(٣٨١٢) قال الشافعي: وتَجُوزُ الشّهادَةُ على الشّهادَةِ وكِتابِ القاضِي (١) في كُلِّ حَقٍّ للآدَمِيِّينَ: مالٍ أو حَدٍّ أو قِصاصٍ، وفي كُلِّ حَدٍّ لله قولان: أحَدُهما - أنّها تَجُوزُ، والآخَرُ - لا تَجُوزُ؛ مِنْ قِبَلِ دَرْءِ الحدُودِ بالشُّبُهاتِ (٢).
(٣٨١٣) قال: وإذا سَمِعَ الرَّجُلان الرَّجُلَ يَقُولُ: «أشْهَدُ أنّ لفُلانٍ على فلانٍ ألْفَ درهمٍ»، ولم يَقُلْ لهما: «اشْهَدَا على شَهادَتِي» .. فليْسَ لهما أن يَشْهَدا بها، ولا للحاكِمِ أن يَقْبَلَها؛ لأنّه لم يَسْتَرْعِهِما إيّاها، وقد يُمْكِنُ أن يَقُولَ: «له على فلانٍ ألْفُ درهمٍ وَعَدَه بها»، وإذا اسْتَرْعاهما إيّاها لم يَفْعَلْ إلّا وهي عنده واجِبَةٌ.
(٣٨١٤) وأحِبُّ للقاضِي أن لا يَقْبَلَ هذا منه وإن كان على الصِّحَّةِ حتّى يَسْألَه: مِنْ أيْنَ هي له؟ فإن قال: بإقْرارٍ منه، أو ببَيْعٍ حَضَرْتُه، أو سَلَفٍ .. أجازَه، ولو لم يَسْألْه .. رَأيْتُه جائزًا.
(٣٨١٥) وإن شَهِدا على شَهادَةِ رَجُلٍ ولم يُعَدِّلاه .. قَبِلَهُما، وسَألَ عنه، فإنْ عُدِّلَ قَضَى به.
(٣٨١٦) قال: ولو شَهِدَ رَجلان على شَهادَةِ رَجُلَيْن .. فقد رَأيْتُ كَثيرًا مِنْ الحكّامِ والمفْتِيِّينَ يُجِيزُه، قال المزني: وخَرَّجَه على قَوْلَيْن، وقَطَعَ
стр. 1746
في مَوْضِعٍ آخَرَ بأنّه لا تَجُوزُ شَهادَتُهما إلّا على واحِدٍ ممَّن شَهِدا عليه، وآمُرُه بطَلَبِ شاهِدَيْن على الشّاهِدِ الآخَرِ، قال المزني: ومَن قَطَعَ بشَيْءٍ كان أوْلى به مِنْ حِكايَتِه له (١).
стр. 1747
(٣٩٢)
باب الشهادة على الحدود، وجرح الشهود، وغير ذلك
(٣٨١٧) قال الشافعي: إذا شَهِدُوا على رَجُلٍ بالزِّنا .. سَألهم الإمامُ أزَنَى بامْرَأةٍ؟ لأنّهم قد يَعُدُّون الزِّنا وُقُوعًا على بَهِيمَةٍ، ولعلَّهُم يَعُدُّون الاسْتِمْناءَ زِنًا (١)، فلا يُحَدُّ حتّى يُثْبِتُوا رُؤيَةَ الزِّنا، وتَغْيِيبَ الفَرْجِ في الفَرْجِ.
قال المزني: وقد قال (٢) في «كتاب الحدود»: إنّ إتْيانَ البَهِيمَةِ كالزِّنا يُحَدُّ فيه (٣).
(٣٨١٨) قال الشافعي: ولو شَهِدَ أرْبَعَةٌ، اثْنان منهم أنّه زَنَى بها في بَيْتٍ، واثْنان منهم في بَيْتٍ غَيْرِه .. فلا حَدَّ عليهما، ومَن حَدَّ الشُّهُودَ إذا لم يُتِمُّوا أرْبَعَةً حَدَّهم.
قال المزني: قد قَطَعَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ بحَدِّهِم (٤).
(٣٨١٩) قال الشافعي: ولو ماتَ الشُّهُودُ قبل أن يُعَدَّلُوا، ثُمّ عُدِّلُوا .. أقِيمَ الحدُّ.
(٣٨٢٠) ويُطْرَدُ المشْهُودُ عليه جَرْحَ مَنْ يَشْهَدُ عليه (٥).
(٣٨٢١) ولا أقْبَلُ الجَرْحَ مِنْ الجارِحِ إلّا بتَفْسِيرِ ما يَجْرَحُ به؛ لاخْتِلافِ الأهْواءِ، وتكْفِيرِ بَعْضِهم بَعْضًا، ويَجْرَحُون بالتّأويلِ.
стр. 1748
(٣٨٢٢) ولو ادَّعَى على رَجُلٍ مِنْ أهْلِ الجَهالَةِ بالحَدِّ .. لم أرَ بأسًا أن يُعَرِّضَ له بأن يَقُولَ: لعلَّه لم يَسْرِقْ.
(٣٨٢٣) ولو شَهِدا أنّه سَرَقَ مِنْ هذا البَيْتِ كَبْشًا لفُلانٍ، فقال أحَدُهما: غَدْوَةً، وقال الآخَرُ: عَشِيَّةً، أو قال أحَدُهما: الكَبْشُ أبْيَضُ، وقال الآخَرُ: الكَبْشُ أسْوَدُ .. لم يُقْطَعْ حتّى يجْتَمِعا، ويَحْلِفُ مع شَهادَةِ أيِّهما شاء (١).
(٣٨٢٤) ولو شَهِدَ اثْنان أنّه سَرَقَ ثَوْبَ كذا وقِيمَتُه رُبُعُ دِينارٍ، وشَهِدَ آخَران أنّه سَرَقَ ذلك الثَّوْبَ بعَيْنِه وأنّ قِيمَتَه أقَلُّ مِنْ رُبُعِ دِينارٍ .. فلا قَطْعَ، وهذا مِنْ أقْوَى ما تُدْرَأ به الحدُودُ، ويأخُذُه بأقَلِّ القِيمَتَيْن في الغُرْمِ.
(٣٨٢٥) وإذا لم يَحْكُمْ بشَهادَةِ مَنْ شَهِدَ عنده حتّى يَحْدُثَ منه ما تُرَدُّ به شَهادَتُه رَدَّها، وإنْ حَكَمَ بها وهو عَدْلٌ ثُمّ تَغَيَّر حالُه بعد الحُكْمِ لم يَرُدَّه؛ لأنّي إنّما أنْظُرُ يَوْمَ يَقْطَعُ الحاكِمُ بشَهادَتِه.
стр. 1749
(٣٩٣)
باب الرجوع عن الشهادة
(٣٨٢٦) قال الشافعي: الرُّجُوعُ عن الشّهادَةِ ضَرْبان: فإنْ كانَتْ على رَجُلٍ بشَيْءٍ يَتْلَفُ مِنْ يَدَيْه، أو يُنالُ بقَطْعٍ أو قِصاصٍ، فأخِذَ ذلك منه، ثُمّ رَجَعُوا عن ذلك، فقالُوا: عَمَدْنا ذلك (١) .. فهي كالجنايةِ، فيها القِصاصُ، واحْتَجَّ في ذلك بعليِّ بنِ أبي طالبٍ، وما لم يَكُنْ مِنْ ذلك فيه قِصاصٌ .. أُغْرِمُوه وعُزِّرُوا دون الحدِّ، وإن قالُوا: لم نَعْلَمْ هذا يَجِبُ عليه .. عُزِّرُوا وأخِذَ منهم العَقْلُ، وإن قالُوا: أخْطَأنا .. كان عليهم الأرْشُ.
(٣٨٢٧) ولو كان هذا في طلاقٍ ثلاثًا .. أغْرَمْتُهم للزَّوْجِ صَداقَ مِثْلِها، دَخَلَ بها أو لم يَدْخُلْ؛ لأنّهم حَرَّمُوها عليه، فلم يَكُنْ لها قِيمَةٌ إلّا مَهْرُ مِثْلِها، ولا ألْتَفِتُ إلى ما أعْطاها.
قال المزني: يَنْبَغِي أن يَكُونَ هذا غَلَطًا مِنْ غَيْرِ الشّافعيّ، ومَعْنَى قَوْلِه المعْرُوفِ أن يُطْرَحَ عنهم مِنْ ذلك نِصْفُ مَهْرِ مِثْلِها إذا لم يَكُنْ دَخَلَ بها (٢).
(٣٨٢٨) قال الشافعي: وإن كان في دارٍ فأخْرِجَتْ مِنْ يَدَيْه إلى غَيْرِه .. عُزِّرُوا على شَهادَةِ الزُّورِ، ولم يُعاقَبُوا على الخطأ، ولم أُغْرِمْهم، مِنْ قِبَلِ
стр. 1750
أنّي جَعَلْتُهم عُدُولًا بالأوَّلِ فأمْضَيْنا بهم الحكْمَ، ولم يَكُونُوا عُدُولًا في الآخَرِ فتُرَدَّ الدّارُ، ولم يُفِيتُوا شَيْئًا لا يُوجَدُ، ولم يَأخُذُوا شَيْئًا لأنْفُسِهم فأنْتَزِعَه منهم، وهم كمُبْتَدِئِين شَهادَةً لا تُقْبَلُ منهم، ولا أُغْرِمُهم ما أقِرُّه في يَدَيْ غَيْرِهم (١).
стр. 1751
(٣٩٤)
باب علم الحاكم بحال من قضى بشهادته
(٣٨٢٩) قال الشافعي: وإذا عَلِمَ القاضِي أنّه قَضَى بشَهادَةِ عَبْدَيْن، أو مُشْرِكَيْن، أو غَيْرِ عَدْلَيْن مِنْ جَرْحٍ بَيِّنٍ، أو أحَدِهما .. رَدَّ الحكْمَ على نَفْسِه، ورَدَّه عليه غَيْرُه، بل القاضِي بشَهادَةِ الفاسِقِ أبْيَنُ خَطَأً منه بشَهادَةِ العَبْدِ (١)، وذلك أنّ الله جل ذكره قال: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢]، وقال : ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وليْسَ الفاسِقُ بواحِدٍ مِنْ هَذَيْن، فمَن قَضَى بشَهادَتِه فقد خالَفَ حُكْمَ الله ، ورَدُّ شَهادَةِ العَبْدِ إنّما هو بتأويلٍ.
وقال في موضعٍ آخَرَ: «إن طَلَبَ الخَصْمُ الجُرْحَةَ أجَّلَه (٢) بالمصْرِ وما قارَبَه، فإن لم يَجِئْ بها أنْفَذَ الحكْمَ عليه، ثُمّ إن جَرَحَهم بَعْدُ لم يَرُدَّ الحكْمَ عنه»، قال المزني: قياسُ قَوْلِه الأوَّلِ أن يَقْبَلَ الشُّهُودَ العُدُولَ أنّهما فاسِقان - كما يَقْبَلُ أنّهما عَبْدان ومُشْرِكان - ويَرُدَّ الحكْمَ (٣).
(٣٨٣٠) قال الشافعي: ولو أنْفَذَ القاضِي بشَهادَتِهما قَطْعًا، ثُمّ بان ذلك له .. لم يَكُنْ عليهما شَيْءٌ؛ لأنّهما صادِقان في الظّاهِرِ، وكان عليه أن لا يَقْبَلَ منهما، فهذا خَطَأٌ منه تَحْمِلُه عاقِلُتُه.
стр. 1752
(٣٩٥)
باب الشهادة في الوصية
(٣٨٣١) قال الشافعي: ولو شَهِدَ أجْنَبِيّانِ أنّ فلانًا المتَوَفَّى أعْتَقَه، وهو الثُّلُثُ في وَصِيَّتِه، وشَهِدَ وارِثان بعَبْدٍ (١) غَيْرِه أنّه أعْتَقَه، وهو الثُّلُثُ في وَصِيَّتِه .. فسَواءٌ، ويُعْتَقُ مِنْ كُلِّ واحِدٍ منهما نِصْفُه.
قال المزني: قياسُ قَوْلِه أن يُقْرَعَ بينهما، وقد قاله في هذا البابِ (٢).
(٣٨٣٢) قال الشافعي: ولو شَهِدَ الوارثان بأنّه رَجَعَ عن عِتْقِ الأوَّلِ وأعْتَقَ الآخَرَ .. أجَزْتُ شَهادَتَهما، وإنّما أرُدُّ شَهادَتَهما فيما جَرَّا إلى أنْفُسِهما، فإذا لم يَجُرَّا فلا، فأمّا الوَلاءُ .. فلا يُمْلَكُ مِلْكَ الأمْوالِ، وقد لا يَصِيرُ في أيْدِيهما بالوَلاءِ شَيْءٌ، ولو أبْطَلْتُهما بأنّهما يَرِثان الوَلاءَ إن ماتَ لا وارِثَ له غَيْرُهما، أبْطَلْتُهما لذَوِي أرْحامِهما.
(٣٨٣٣) ولو شَهِدَ أجْنَبِيّان أنّه أعْتَقَ عَبْدًا هو الثُّلُثُ وَصِيَّةً، وشَهِدَ الوارثان أنّه رَجَعَ فيه وأعْتَقَ عَبْدًا هو السُّدُسُ .. أعْتِقَ الأوَّلُ بغَيْرِ قُرْعَةٍ؛ للجَرِّ إلى أنْفُسِهما، وأبْطَلْتُ حَقَّهما مِنْ الآخَرِ بالإقْرارِ.
(٣٨٣٤) ولو لم يَقُولَا: إنّه رَجَعَ في الأوَّلِ .. أقْرَعْتُ بينهما حتّى أسْتَوْظِفَ الثُّلُثَ، وقَوْلُ أكْثَرِ المفْتِيِّينَ أنّ شَهادَةَ الأجْنَبِيِّين والوَرَثَةِ سَواءٌ ما لم يَجُرُّوا إلى أنْفُسِهم.
(٣٨٣٥) ولو شَهِدَ رجلان لرَجُلٍ بالثُّلُثِ، وآخَران لآخَرَ بالثُّلُثِ، وشَهِدَ آخَران أنّه رَجَعَ عن أحَدِهما .. فالثُّلُثُ بينهما نِصْفَيْنِ (٣).
стр. 1753
(٣٨٣٦) وقال في الشهادات في العتق والحدود إملاء: وإذا شَهِدا أنّ سَيِّدَه أعْتَقَه، فلم يُعَدَّلا، فسَألَ العَبْدُ أن يُحالَ بَيْنَه وبَيْنَ سَيِّدِه .. أُوجِرَ ووُقِفَتْ إجارَتُه، فإن تَمَّ عِتْقُه أخَذَها، وإن رَقَّ أخَذَها السَّيِّدُ.
(٣٨٣٧) ولو شَهِدَ له شاهِدٌ، وادَّعَى شاهِدًا قَريبًا .. فالقَوْلُ فيها واحِدٌ مِنْ قَوْلَيْن: أحَدُهما - ما وَصَفْتُ في الوَقْفِ، والثاني - لا يُمْنَعُ منه سَيِّدُه، ويُحَلَّفُ له (١).
стр. 1754
[٦٧]
كتاب الدعوى والبينات (١)
مختصر من جامع الدعوى والبينات إملاء على كتاب ابن القاسم، ومن كتاب الدعوى إملاء على كتاب أبي حنيفة، ومن اختلاف الأحاديث، ومن اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى، ومسائل شتى سمعتها لفظًا (٢)
стр. 1755
(٣٨٣٨) قال الشافعي: أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن ابن أبي مُلَيْكة، عن ابن عباس، أنّ رسولَ الله ﷺ قال: «البَيِّنَةُ على المدَّعِي»، قال الشافعي: أحْسِبُه ولا أُثْبِتُه قال: «واليَمِينُ على المدَّعَى عليه».
(٣٨٣٩) قال: وإذا ادَّعَى الرَّجُلُ الشَّيْءَ في يَدَي رَجُلٍ .. فالظّاهِرُ أنّه لمن هو في يَدَيْه مع يَمِينِه؛ لأنّه أقْوَى سَبَبًا، فإذا اسْتَوَى سَبَبُهما فهما فيه سَواءٌ، فإنْ أقامَ الذي ليْسَ في يَدَيْه البَيِّنَةَ .. قيل: لَصاحِبُ البَيِّنَةِ التي لا تَجُرُّ إلى نَفْسِها بشَهادَتِها أقْوَى مِنْ كَيْنُونَةِ الشَّيْءِ في يَدَيْكَ، وقد يَكُونُ في يَدَيْكَ ما لا تَمْلِكُه، فهو له لفَضْلِ قُوَّةِ سَبَبِه على سَبَبِكَ، فإنْ أقامَ الآخَرُ البَيِّنَةَ .. قيل: قد اسْتَوَيْتُما في الدَّعْوَى والبَيِّنَةِ، والذي الشَّيْءُ في يَدَيْه أقْوَى سَبَبًا، فهو له لفَضْلِ قُوَّةِ سَبَبِه، وهذا مُعْتَدِلٌ على أصْلِ القِياسِ والسُّنَّةِ على ما قُلْنا في رَجُلَيْنِ تَداعَيا دابَّةً، وأقام كُلُّ واحِدٍ منهما البَيِّنَةَ أنّها دابَّتُه نَتَجَها (١)، فقَضَى بها رسولُ الله ﷺ للذي هي في يَدَيْه، قال: وسَواءٌ التَّداعِي والبَيِّنَةُ في النِّتاجِ وغَيْرِه، وسَواءٌ أقام أحَدُهما شاهِدًا وامْرَأتَيْن والآخَرُ عَشَرَةً، أو كان بَعْضُهم أرْجَحَ مِنْ بَعْضٍ (٢).
(٣٨٤٠) وإنْ أراد الذي قامَتْ عليه البَيِّنَةُ أن أُحْلِفَ صاحِبَه مع بَيِّنَتِه .. لم يَكُنْ ذلك له، إلّا أن يَدَّعِيَ أنّه أخْرَجَه إلى مِلْكِه، فهذه دَعْوَى أخْرَى، فعليه اليَمِينُ.
стр. 1756
(٣٨٤١) ولو ادَّعَى أنّه نكَحَ امْرَأةً .. لم أقْبَلْ دَعْواه حتّى يَقُولَ: نكَحْتُها بوَلِيٍّ وشاهِدَيْ عَدْلٍ ورِضاها، فإنْ حَلَفَتْ بَرِئَتْ، وإن نكَلَتْ حَلَفَ وقُضِيَ له بأنّها زَوْجَةٌ له.
(٣٨٤٢) قال: والأيْمانُ في الدِّماءِ مُخالِفَةٌ لغَيْرِها، لا يَبْرَأ منها إلّا بخَمْسِين يَمِينًا، وسَواءٌ الجُرْحُ والنَّفْسُ في هذا، نَقْتُلُه ونُقِصُّه بنُكُولِه ويَمِينِ صاحِبِه.
قال المزني: قد قَطَعَ في «الإملاء» بـ «أن لا قَسامَةَ بدَعْوَى مَيِّتٍ، ولكن يَحْلِفُ المدَّعَى عليه ويَبْرَأ، فإنْ أبَى حَلَفَ الأوْلِياءُ واسْتَحَقُّوا دَمَه، وإنْ أبَوْا بَطَلَ حَقُّهُم»، وقال في «كتاب اختلاف الأحاديث»: «مَنْ ادَّعَى دَمًا، ولا دَلالَةَ للحاكِمِ على دَعْواه كدَلالَةِ الذي قَضَى له (١) النبيُّ ﷺ بالقَسامَةِ .. أُحْلِفَ المدَّعَى عليه كما يُحْلَفُ فيما سِوَى الدَّمِ»، قال المزني: وهذا به أشْبَهُ. ودَلِيلٌ آخَرُ: حَكَمَ (٢) النبيُّ ﷺ في القَسامَةِ بتَبْدِئَةِ [المدَّعِي لا غَيْرِه، وحَكَمَ فيما سِوَى ذلك بتَبْدِئَة] يَمِينِ المدَّعَى عليه [لا غَيْرِه، فإذا حَكَمَ الشّافعيُّ فيما وَصَفْتُ بتَبْدِئَةِ المدَّعَى عليه] (٣) ارْتَفَعَ عَدَدُ أيْمانِ القَسامَةِ (٤).
стр. 1757
(٣٨٤٣) قال الشافعي: والدَّعْوَى في الكَفالَةِ بالنَّفْسِ والنُّكُولِ ورَدِّ اليَمِينِ كهي في المالِ، إلّا أنّ الكَفالَةَ بالنَّفْسِ ضَعِيفَةٌ.
(٣٨٤٤) ولو أقام بَيِّنَةً أنّه أكْراه بَيْتًا مِنْ دارٍ شَهْرًا بعَشَرَةِ دَراهمَ، وأقام المكْتَرِي البَيِّنَةَ أنّه اكْتَرَى منه الدّارَ كُلَّها ذلك الشَّهْرَ بعَشَرَةٍ .. فالشَّهادَةُ باطِلَةٌ، ويَتَحالَفانِ، ويَتَرادَّانِ، فإن كان سَكَنَ فعليه كِراءُ مِثْلِها.
(٣٨٤٥) ولو ادَّعَى دارًا في يَدَي رَجُلٍ، فقال: ليْسَتْ بمِلْكٍ لي، وهي لفُلانٍ .. فإن كان حاضِرًا صَيَّرْتُها له، وجَعَلْتُه خَصْمًا عن نَفْسِه، وإن كان غائبًا كُتِبَ إقْرارُه، وقيل للمُدَّعِي: أَقِمِ البَيِّنَةَ، فإنْ أقامَها قُضِيَ له بها على الذي هي في يَدَيْه، ويُجْعَلُ في القَضِيَّةِ أنّ المقَرَّ له بها على حُجَّتِه.
قال المزني: قد قَطَعَ بالقَضاءِ على غائِبٍ، وهو أوْلَى بقَوْلِه.
(٣٨٤٦) قال الشافعي: ولو أقام رَجُلٌ بَيِّنَةً أنّ هذه الدّارَ كانَتْ في يَدَيْه أمْسِ .. لم أقْبَلْ، قد يَكُونُ في يَدَيْه ما ليْسَ له، إلّا أن يُقِيمَ بَيِّنَةً أنّه أخَذَها منه.
(٣٨٤٧) ولو أقام بَيِّنَةً أنّه غَصَبَه إيّاها، وأقام آخَرُ البَيِّنَةَ أنّه أقَرَّ له بها .. فهي للمَغْصُوبِ، ولا يَجُوزُ إقْرارُه فيما غَصَبَ.
(٣٨٤٨) وإذا ادَّعَى عليه شَيْئًا كان في يَدَي الميِّتِ .. حَلَفَ على عِلْمِه.
وقال في «كتاب ابن أبي ليلى»: «وإذا اشْتَراه حَلَفَ على البَتِّ»، قال المزني: يَحْلِفُ في هذا على العِلْمِ (١).