← Фикх шафии

Фикх шафии · id 914

مختصر المزني - ت الداغستاني

المزني

Полный текст (1 788 стр.). Показаны 1738–1777 · переход к 1743.

стр. 1738

[٦٦] كتاب الشهادات [الثاني] (١) وما دخله من الرسالة

стр. 1739

(٣٩٠) باب من تجوز شهادته، ومن لا تجوز (١)، ومن يشهد بعد رد شهادته من الجامع، ومن كتاب اختلاف الحكام، وأدب القاضي وغيره (٣٧٩٥) قال الشافعي: ليْسَ مِنْ النّاسِ أحَدٌ (٢) - إلّا أن يَكُونَ قَلِيلًا - يَمْحَضُ الطّاعَةَ والمرُوَّةَ حتّى لا يَخْلِطَهما بمَعْصِيَةٍ، ولا يَمْحَضُ المعْصِيَةَ وتَرْكَ المرُوَّةِ حتّى لا يَخْلِطَهُما بشَيْءٍ مِنْ الطّاعَةِ والمرُوَّةِ، فإذا كان الأغْلَبُ على الرَّجُلِ الأظْهَرُ مِنْ أمْرِه الطّاعَةَ والمرُوَّةَ قُبِلَتْ شَهادَتُه، وإذا كان الأغْلَبُ الأظْهَرُ مِنْ أمْرِه المعْصِيَةَ وخِلافَ المرُوَّةِ رُدَّتْ شَهادَتُه. (٣٧٩٦) ولا يُقْبَلُ الشّاهِدُ حتّى يَثْبُتَ عنده بخِبْرَةٍ منه أو بَيِّنَةٍ أنّه حُرٌّ. (٣٧٩٧) ولا تَجُوزُ شَهادَةُ جارٍّ إلى نَفْسِه، ولا دافِعٍ عنها، ولا على خَصْمٍ؛ لأنّ الخُصُومَةَ مَوْضِعُ عَداوَةٍ، ولا لوَلَدِ بَنِيه ولا لوَلَدِ بَناتِه (٣) وإن سَفَلُوا، ولا لآبائه وأمَّهاتِه وإن بَعُدُوا (٤)، ولا مَنْ يُعْرَفُ بكَثْرَةِ الغَلَطِ والغَفْلَةِ.

стр. 1740

(٣٧٩٨) ولو كُنْتُ لا أجِيزُ شَهادَةَ الرَّجُلِ لامْرَأتِه لأنّه يَرِثُها، ما أجَزْتُ شَهادَةَ الأخِ لأخِيه إذا كان يَرِثُه (١). (٣٧٩٩) ولا أرُدُّ شَهادَةَ الرَّجُلِ مِنْ أهْلِ الأهْواءِ إذا كانَ لا يَرَى أن يَشْهَدَ لموافِقِه بتَصْدِيقِه وقَبُولِ يَمِينِه، ولَشَهادَةُ مَنْ يَرَى كَذِبَه شِرْكًا بالله ومَعْصِيَةً تَجِبُ بها النّارُ، أوْلَى أن تَطِيبَ النَّفْسُ بقَبُولِها بشَهادَةِ (٢) مَنْ يُخَفِّفُ المأثَمَ فيها. (٣٨٠٠) وكُلُّ مَنْ تَأوَّلَ حَرامًا عندنا فيه حَدٌّ أو لا حَدَّ فيه، لم نَرُدَّ بذلك شَهادَتَه، ألا تَرَى أنّ مَنْ حُمِلَ عنه الدِّينُ وجُعِلَ عَلَمًا في البُلْدانِ، منهم مَنْ يَسْتَحِلُّ المتْعَةَ والدِّينارَ بالدِّينارَيْن نَقْدًا، وهذا عندنا وغَيْرُه حَرامٌ (٣)، وأنّ منهم مَنْ اسْتَحَلَّ سَفْكَ الدِّماءِ، ولا شَيْءَ أعْظَمُ منه بعد الشِّرْكِ، ومنهم مَنْ تَأوَّلَ فاسْتَحَلَّ كُلَّ مُسْكِرٍ غَيْرِ الخَمْرِ وعاب على مَنْ حَرَّمَه، لا نَعْلَمُ أحَدًا مِنْ سَلَفِ هذه الأمَّةِ يُقْتَدَى به ولا مِنْ التّابِعِين بَعْدَهم رَدَّ شَهادَةَ أحَدٍ بتَأوِيلٍ، وإنْ خَطَّأه وضَلَّلَه؟ (٣٨٠١) والّلاعِبُ بالشِّطْرَنْجِ والحَمَامِ بغَيْرِ قِمارٍ وإنْ كَرِهْنا ذلك أخَفُّ حالًا. قال المزني: سَمِعْتُ الشّافعيَّ يَقُولُ: كان سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ يَلْعَبُ بالشِّطْرَنْجِ اسْتِدْبارًا، فقلتُ له: كيف يَلْعَبُ بها اسْتِدْبارًا؟ قال: يُولِّيها ظَهْرَه ثُمّ يَقُولُ: بأيِّ شَيْءٍ دَفَعَ؟ فيُقالُ: بكذا، فيَقُولُ: فادْفَعْ عليه بكذا (٤).

стр. 1741

قال المزني: وأكْرَهُها لأنّها تَشْغَلُ عن الصّلاةِ، وأنّها مِنْ اللَّهْوِ، ويُكْرَهُ اللَّهْوُ إلّا في ثلاثةٍ: لهْوِهِ بفَرَسِه، ولهْوِهِ بقَوْسِه، ولهْوِهِ بأهْلِه (١). (٣٨٠٢) قال الشافعي: ومَن شَرِبَ عَصِيرَ العِنَبِ الذي عَتَقَ حتّى أسْكَرَ وهو يَعْرِفُها خَمْرًا رُدَّتْ شَهادَتُه؛ لأنّ تَحْرِيمَها نَصٌّ، ومَن شَرِبَ سِواها مِنْ المُنْصَفِ والخَلِيطَيْن فهو آثِمٌ، ولا تُرَدُّ شَهادَتُه إلّا أن يَسْكَرَ؛ لأنّه عند جميعِهم حَرامٌ. قال المزني: كَيْفَ يَحُدُّ مَنْ شَرِبَ قَليلًا مِنْ نَبِيذٍ شَدِيدٍ ويُجِيزُ شَهادَتَه؟ (٢). (٣٨٠٣) قال الشافعي: وأكْرَهُ اللَّعِبَ بالنَّرْدِ؛ للخبرِ. (٣٨٠٤) وإن كان يُدِيمُ الغِناءَ، ويَغْشاه المغَنُّونَ، مُعْلِنًا .. فهذا سَفَهٌ يُرَدُّ به (٣)، وإن كان ذلك يَقِلُّ لم يُرَدَّ. (٣٨٠٥) وأمّا اسْتِماعُ الحُداءِ ونَشِيدِ الأعْرابِ (٤) .. فلا بَأسَ به، قال رسولُ الله ﷺ للشّرِيدِ: «أمَعَكَ مِنْ شِعْرِ أُمَيَّةَ شَيْءٌ؟»، قال: نعم، قال:

стр. 1742

«هِيهِ» (١)، قال: فأنْشَدْتُه بَيْتًا، فقال: «هِيهِ»، حتّى بَلَغْتُ مائةَ بَيْتٍ، وسَمِعَ النَّبيُّ ﷺ الحُداءَ والرَّجَزَ، وقال لابْنِ رَواحَةَ: «حَرِّكْ بالقَوْمِ»، فانْدَفَعَ يَرْجُزُ. (٣٨٠٦) قال: وإذا كان هذا هكذا، كان تحْسِينُ الصَّوْتِ بذِكْرِ الله والقُرآنِ أوْلَى أن يَكُونَ محْبُوبًا، وقد رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنّه قال: «ما أذِنَ اللهُ لشَيْءٍ أذَنَه لنَبِيٍّ حَسَنِ التَّرَنُّمِ بالقُرآنِ»، وسَمِعَ النبيُّ ﷺ عبدَالله بنَ قَيْسٍ يَقْرَأ، فقال: «لقد أُوتِيَ هذا مِنْ مَزامِيرِ آلِ داوُدَ»، قال الشافعي: فلا بأسَ بالقِراءَةِ بالألْحانِ وتَحْسِينِ الصَّوْتِ بأيِّ وَجْهٍ ما كانَ، وأَحَبُّ ما يَقْرَأ حَدْرًا وتَحْزِينًا (٢). قال المزني: سَمِعْتُ الشّافعيَّ يَقُولُ في قَوْلِه ﷺ : «ليْسَ منّا مَنْ لم يَتَغَنَّ بالقُرآنِ»: «لو كان مَعْنَى: (يَتَغَنَّى بالقُرآنِ) على مَعْنَى الاسْتِغْناءِ لكان: (يَتَغانَى)، و (يَتَغَنّى) مِنْ الغِناء (٣). (٣٨٠٧) قال: وليْسَ مِنْ العَصَبِيَّةِ أن يُحِبَّ الرَّجُلُ قَوْمَه، والعَصَبِيَّةُ المحْضُ أن يُبْغِضَ الرَّجُلَ لأنّه مِنْ بني فلانٍ، فإذا أظْهَرَها ودَعا إليها وتآلَفَ

стр. 1743

بها فمَرْدُودٌ، وقد جَمَعَ اللهُ جل ذِكرُه المسْلِمِين بالإسْلامِ، وهو أشْرَفُ أنْسابِهِم، فقال : ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ [الحجرات: ١٠]، وقال رسولُ الله ﷺ : «وكُونُوا عِبادَ اللهِ إخْوانًا»، فمَن خالَفَ أمْرَ اللهِ وأمْرَ رَسُولِه رُدَّتْ شَهادَتُه. (٣٨٠٨) والشِّعْرُ كَلامٌ، فحَسَنُه كحَسَنِه، وقَبِيحُه كقَبِيحِه، وفَضْلُه على الكَلامِ أنّه سائرٌ، فإذا كان الشّاعِرُ لا يُعْرَفُ بشَتْمِ المسْلِمِين وأذاهُم، ولا يَمْدَحُ فيُكْثِرُ الكَذِبَ المحْضَ، ولا يُشَبِّبُ بامْرَأةٍ بعَيْنِها، ولا يَبْتَهِرُها بما يَشِينُها (١) .. فجائزُ الشَّهادَةِ، وإن كان على خِلافِ ذلك لم تَجُزْ شَهادَتُه. (٣٨٠٩) وتَجُوزُ شَهَادَةُ وَلَدِ الزِّنا في الزِّنا، والمحْدُودِ فيما حُدَّ فيه، والقَرَوِيِّ على البَدَوِيِّ، والبَدَوِيِّ على القَرَوِيِّ، إذا كانُوا عُدُولًا. (٣٨١٠) وإذا شَهِدَ صَبِيٌّ أو عَبْدٌ أو نَصْرانِيٌّ بشَهادَةٍ فلا يَسْمَعُها، واسْتِماعُه لها تَكَلُّفٌ، فإذا بَلَغَ الصَّبِيُّ وعَتَقَ العَبْدُ وأسْلَمَ النَّصْرانيُّ ثُمّ شَهِدُوا بها بعَيْنِها قَبِلْتُها، فأمّا البالِغُ المسْلِمُ أرُدُّ شَهادَتَه في الشَّيْءِ، ثُمّ يَحْسُنُ حالُه فيَشْهَدُ بها فلا أقْبَلُها؛ لأنّا حَكَمْنا بإبْطالها وجَرْحِه فيها؛ لأنّه مِنْ الشَّرْطِ إلى أن يُخْتَبَر عَمَلُه (٢).

стр. 1744

(٣٨١١) قال: ولو تَرَكَ مَيِّتٌ ابْنَيْنِ، فشَهِدَ أحَدُهما على أبيه بدَيْنٍ .. فإن كان عَدْلًا حَلَفَ المدَّعِي وأخَذَ الدَّيْنَ مِنْ الابْنَيْن، وإن لم يَكُنْ عَدْلًا أخَذَ مِنْ يَدَي الشّاهِدِ بقَدْرِ ما كان يَأخُذُ منه لو جازَتْ شَهادَتُه؛ لأنّ مَوْجُودًا في شَهادَتِه أنّ له في يَدَيْه حَقًّا وفي يَدَي الجاحِدِ حَقًّا، فأعْطَيْتُه مِنْ المقِرِّ، ولم أعْطِه مِنْ المنْكِرِ، وكذلك لو شَهِدَ أنّ أباه وَصَّى (١) له بثُلُثِ مالِه.

стр. 1745

(٣٩١) باب الشهادة على الشهادة (٣٨١٢) قال الشافعي: وتَجُوزُ الشّهادَةُ على الشّهادَةِ وكِتابِ القاضِي (١) في كُلِّ حَقٍّ للآدَمِيِّينَ: مالٍ أو حَدٍّ أو قِصاصٍ، وفي كُلِّ حَدٍّ لله قولان: أحَدُهما - أنّها تَجُوزُ، والآخَرُ - لا تَجُوزُ؛ مِنْ قِبَلِ دَرْءِ الحدُودِ بالشُّبُهاتِ (٢). (٣٨١٣) قال: وإذا سَمِعَ الرَّجُلان الرَّجُلَ يَقُولُ: «أشْهَدُ أنّ لفُلانٍ على فلانٍ ألْفَ درهمٍ»، ولم يَقُلْ لهما: «اشْهَدَا على شَهادَتِي» .. فليْسَ لهما أن يَشْهَدا بها، ولا للحاكِمِ أن يَقْبَلَها؛ لأنّه لم يَسْتَرْعِهِما إيّاها، وقد يُمْكِنُ أن يَقُولَ: «له على فلانٍ ألْفُ درهمٍ وَعَدَه بها»، وإذا اسْتَرْعاهما إيّاها لم يَفْعَلْ إلّا وهي عنده واجِبَةٌ. (٣٨١٤) وأحِبُّ للقاضِي أن لا يَقْبَلَ هذا منه وإن كان على الصِّحَّةِ حتّى يَسْألَه: مِنْ أيْنَ هي له؟ فإن قال: بإقْرارٍ منه، أو ببَيْعٍ حَضَرْتُه، أو سَلَفٍ .. أجازَه، ولو لم يَسْألْه .. رَأيْتُه جائزًا. (٣٨١٥) وإن شَهِدا على شَهادَةِ رَجُلٍ ولم يُعَدِّلاه .. قَبِلَهُما، وسَألَ عنه، فإنْ عُدِّلَ قَضَى به. (٣٨١٦) قال: ولو شَهِدَ رَجلان على شَهادَةِ رَجُلَيْن .. فقد رَأيْتُ كَثيرًا مِنْ الحكّامِ والمفْتِيِّينَ يُجِيزُه، قال المزني: وخَرَّجَه على قَوْلَيْن، وقَطَعَ

стр. 1746

في مَوْضِعٍ آخَرَ بأنّه لا تَجُوزُ شَهادَتُهما إلّا على واحِدٍ ممَّن شَهِدا عليه، وآمُرُه بطَلَبِ شاهِدَيْن على الشّاهِدِ الآخَرِ، قال المزني: ومَن قَطَعَ بشَيْءٍ كان أوْلى به مِنْ حِكايَتِه له (١).

стр. 1747

(٣٩٢) باب الشهادة على الحدود، وجرح الشهود، وغير ذلك (٣٨١٧) قال الشافعي: إذا شَهِدُوا على رَجُلٍ بالزِّنا .. سَألهم الإمامُ أزَنَى بامْرَأةٍ؟ لأنّهم قد يَعُدُّون الزِّنا وُقُوعًا على بَهِيمَةٍ، ولعلَّهُم يَعُدُّون الاسْتِمْناءَ زِنًا (١)، فلا يُحَدُّ حتّى يُثْبِتُوا رُؤيَةَ الزِّنا، وتَغْيِيبَ الفَرْجِ في الفَرْجِ. قال المزني: وقد قال (٢) في «كتاب الحدود»: إنّ إتْيانَ البَهِيمَةِ كالزِّنا يُحَدُّ فيه (٣). (٣٨١٨) قال الشافعي: ولو شَهِدَ أرْبَعَةٌ، اثْنان منهم أنّه زَنَى بها في بَيْتٍ، واثْنان منهم في بَيْتٍ غَيْرِه .. فلا حَدَّ عليهما، ومَن حَدَّ الشُّهُودَ إذا لم يُتِمُّوا أرْبَعَةً حَدَّهم. قال المزني: قد قَطَعَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ بحَدِّهِم (٤). (٣٨١٩) قال الشافعي: ولو ماتَ الشُّهُودُ قبل أن يُعَدَّلُوا، ثُمّ عُدِّلُوا .. أقِيمَ الحدُّ. (٣٨٢٠) ويُطْرَدُ المشْهُودُ عليه جَرْحَ مَنْ يَشْهَدُ عليه (٥). (٣٨٢١) ولا أقْبَلُ الجَرْحَ مِنْ الجارِحِ إلّا بتَفْسِيرِ ما يَجْرَحُ به؛ لاخْتِلافِ الأهْواءِ، وتكْفِيرِ بَعْضِهم بَعْضًا، ويَجْرَحُون بالتّأويلِ.

стр. 1748

(٣٨٢٢) ولو ادَّعَى على رَجُلٍ مِنْ أهْلِ الجَهالَةِ بالحَدِّ .. لم أرَ بأسًا أن يُعَرِّضَ له بأن يَقُولَ: لعلَّه لم يَسْرِقْ. (٣٨٢٣) ولو شَهِدا أنّه سَرَقَ مِنْ هذا البَيْتِ كَبْشًا لفُلانٍ، فقال أحَدُهما: غَدْوَةً، وقال الآخَرُ: عَشِيَّةً، أو قال أحَدُهما: الكَبْشُ أبْيَضُ، وقال الآخَرُ: الكَبْشُ أسْوَدُ .. لم يُقْطَعْ حتّى يجْتَمِعا، ويَحْلِفُ مع شَهادَةِ أيِّهما شاء (١). (٣٨٢٤) ولو شَهِدَ اثْنان أنّه سَرَقَ ثَوْبَ كذا وقِيمَتُه رُبُعُ دِينارٍ، وشَهِدَ آخَران أنّه سَرَقَ ذلك الثَّوْبَ بعَيْنِه وأنّ قِيمَتَه أقَلُّ مِنْ رُبُعِ دِينارٍ .. فلا قَطْعَ، وهذا مِنْ أقْوَى ما تُدْرَأ به الحدُودُ، ويأخُذُه بأقَلِّ القِيمَتَيْن في الغُرْمِ. (٣٨٢٥) وإذا لم يَحْكُمْ بشَهادَةِ مَنْ شَهِدَ عنده حتّى يَحْدُثَ منه ما تُرَدُّ به شَهادَتُه رَدَّها، وإنْ حَكَمَ بها وهو عَدْلٌ ثُمّ تَغَيَّر حالُه بعد الحُكْمِ لم يَرُدَّه؛ لأنّي إنّما أنْظُرُ يَوْمَ يَقْطَعُ الحاكِمُ بشَهادَتِه.

стр. 1749

(٣٩٣) باب الرجوع عن الشهادة (٣٨٢٦) قال الشافعي: الرُّجُوعُ عن الشّهادَةِ ضَرْبان: فإنْ كانَتْ على رَجُلٍ بشَيْءٍ يَتْلَفُ مِنْ يَدَيْه، أو يُنالُ بقَطْعٍ أو قِصاصٍ، فأخِذَ ذلك منه، ثُمّ رَجَعُوا عن ذلك، فقالُوا: عَمَدْنا ذلك (١) .. فهي كالجنايةِ، فيها القِصاصُ، واحْتَجَّ في ذلك بعليِّ بنِ أبي طالبٍ، وما لم يَكُنْ مِنْ ذلك فيه قِصاصٌ .. أُغْرِمُوه وعُزِّرُوا دون الحدِّ، وإن قالُوا: لم نَعْلَمْ هذا يَجِبُ عليه .. عُزِّرُوا وأخِذَ منهم العَقْلُ، وإن قالُوا: أخْطَأنا .. كان عليهم الأرْشُ. (٣٨٢٧) ولو كان هذا في طلاقٍ ثلاثًا .. أغْرَمْتُهم للزَّوْجِ صَداقَ مِثْلِها، دَخَلَ بها أو لم يَدْخُلْ؛ لأنّهم حَرَّمُوها عليه، فلم يَكُنْ لها قِيمَةٌ إلّا مَهْرُ مِثْلِها، ولا ألْتَفِتُ إلى ما أعْطاها. قال المزني: يَنْبَغِي أن يَكُونَ هذا غَلَطًا مِنْ غَيْرِ الشّافعيّ، ومَعْنَى قَوْلِه المعْرُوفِ أن يُطْرَحَ عنهم مِنْ ذلك نِصْفُ مَهْرِ مِثْلِها إذا لم يَكُنْ دَخَلَ بها (٢). (٣٨٢٨) قال الشافعي: وإن كان في دارٍ فأخْرِجَتْ مِنْ يَدَيْه إلى غَيْرِه .. عُزِّرُوا على شَهادَةِ الزُّورِ، ولم يُعاقَبُوا على الخطأ، ولم أُغْرِمْهم، مِنْ قِبَلِ

стр. 1750

أنّي جَعَلْتُهم عُدُولًا بالأوَّلِ فأمْضَيْنا بهم الحكْمَ، ولم يَكُونُوا عُدُولًا في الآخَرِ فتُرَدَّ الدّارُ، ولم يُفِيتُوا شَيْئًا لا يُوجَدُ، ولم يَأخُذُوا شَيْئًا لأنْفُسِهم فأنْتَزِعَه منهم، وهم كمُبْتَدِئِين شَهادَةً لا تُقْبَلُ منهم، ولا أُغْرِمُهم ما أقِرُّه في يَدَيْ غَيْرِهم (١).

стр. 1751

(٣٩٤) باب علم الحاكم بحال من قضى بشهادته (٣٨٢٩) قال الشافعي: وإذا عَلِمَ القاضِي أنّه قَضَى بشَهادَةِ عَبْدَيْن، أو مُشْرِكَيْن، أو غَيْرِ عَدْلَيْن مِنْ جَرْحٍ بَيِّنٍ، أو أحَدِهما .. رَدَّ الحكْمَ على نَفْسِه، ورَدَّه عليه غَيْرُه، بل القاضِي بشَهادَةِ الفاسِقِ أبْيَنُ خَطَأً منه بشَهادَةِ العَبْدِ (١)، وذلك أنّ الله جل ذكره قال: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢]، وقال : ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وليْسَ الفاسِقُ بواحِدٍ مِنْ هَذَيْن، فمَن قَضَى بشَهادَتِه فقد خالَفَ حُكْمَ الله ، ورَدُّ شَهادَةِ العَبْدِ إنّما هو بتأويلٍ. وقال في موضعٍ آخَرَ: «إن طَلَبَ الخَصْمُ الجُرْحَةَ أجَّلَه (٢) بالمصْرِ وما قارَبَه، فإن لم يَجِئْ بها أنْفَذَ الحكْمَ عليه، ثُمّ إن جَرَحَهم بَعْدُ لم يَرُدَّ الحكْمَ عنه»، قال المزني: قياسُ قَوْلِه الأوَّلِ أن يَقْبَلَ الشُّهُودَ العُدُولَ أنّهما فاسِقان - كما يَقْبَلُ أنّهما عَبْدان ومُشْرِكان - ويَرُدَّ الحكْمَ (٣). (٣٨٣٠) قال الشافعي: ولو أنْفَذَ القاضِي بشَهادَتِهما قَطْعًا، ثُمّ بان ذلك له .. لم يَكُنْ عليهما شَيْءٌ؛ لأنّهما صادِقان في الظّاهِرِ، وكان عليه أن لا يَقْبَلَ منهما، فهذا خَطَأٌ منه تَحْمِلُه عاقِلُتُه.

стр. 1752

(٣٩٥) باب الشهادة في الوصية (٣٨٣١) قال الشافعي: ولو شَهِدَ أجْنَبِيّانِ أنّ فلانًا المتَوَفَّى أعْتَقَه، وهو الثُّلُثُ في وَصِيَّتِه، وشَهِدَ وارِثان بعَبْدٍ (١) غَيْرِه أنّه أعْتَقَه، وهو الثُّلُثُ في وَصِيَّتِه .. فسَواءٌ، ويُعْتَقُ مِنْ كُلِّ واحِدٍ منهما نِصْفُه. قال المزني: قياسُ قَوْلِه أن يُقْرَعَ بينهما، وقد قاله في هذا البابِ (٢). (٣٨٣٢) قال الشافعي: ولو شَهِدَ الوارثان بأنّه رَجَعَ عن عِتْقِ الأوَّلِ وأعْتَقَ الآخَرَ .. أجَزْتُ شَهادَتَهما، وإنّما أرُدُّ شَهادَتَهما فيما جَرَّا إلى أنْفُسِهما، فإذا لم يَجُرَّا فلا، فأمّا الوَلاءُ .. فلا يُمْلَكُ مِلْكَ الأمْوالِ، وقد لا يَصِيرُ في أيْدِيهما بالوَلاءِ شَيْءٌ، ولو أبْطَلْتُهما بأنّهما يَرِثان الوَلاءَ إن ماتَ لا وارِثَ له غَيْرُهما، أبْطَلْتُهما لذَوِي أرْحامِهما. (٣٨٣٣) ولو شَهِدَ أجْنَبِيّان أنّه أعْتَقَ عَبْدًا هو الثُّلُثُ وَصِيَّةً، وشَهِدَ الوارثان أنّه رَجَعَ فيه وأعْتَقَ عَبْدًا هو السُّدُسُ .. أعْتِقَ الأوَّلُ بغَيْرِ قُرْعَةٍ؛ للجَرِّ إلى أنْفُسِهما، وأبْطَلْتُ حَقَّهما مِنْ الآخَرِ بالإقْرارِ. (٣٨٣٤) ولو لم يَقُولَا: إنّه رَجَعَ في الأوَّلِ .. أقْرَعْتُ بينهما حتّى أسْتَوْظِفَ الثُّلُثَ، وقَوْلُ أكْثَرِ المفْتِيِّينَ أنّ شَهادَةَ الأجْنَبِيِّين والوَرَثَةِ سَواءٌ ما لم يَجُرُّوا إلى أنْفُسِهم. (٣٨٣٥) ولو شَهِدَ رجلان لرَجُلٍ بالثُّلُثِ، وآخَران لآخَرَ بالثُّلُثِ، وشَهِدَ آخَران أنّه رَجَعَ عن أحَدِهما .. فالثُّلُثُ بينهما نِصْفَيْنِ (٣).

стр. 1753

(٣٨٣٦) وقال في الشهادات في العتق والحدود إملاء: وإذا شَهِدا أنّ سَيِّدَه أعْتَقَه، فلم يُعَدَّلا، فسَألَ العَبْدُ أن يُحالَ بَيْنَه وبَيْنَ سَيِّدِه .. أُوجِرَ ووُقِفَتْ إجارَتُه، فإن تَمَّ عِتْقُه أخَذَها، وإن رَقَّ أخَذَها السَّيِّدُ. (٣٨٣٧) ولو شَهِدَ له شاهِدٌ، وادَّعَى شاهِدًا قَريبًا .. فالقَوْلُ فيها واحِدٌ مِنْ قَوْلَيْن: أحَدُهما - ما وَصَفْتُ في الوَقْفِ، والثاني - لا يُمْنَعُ منه سَيِّدُه، ويُحَلَّفُ له (١).

стр. 1754

[٦٧] كتاب الدعوى والبينات (١) مختصر من جامع الدعوى والبينات إملاء على كتاب ابن القاسم، ومن كتاب الدعوى إملاء على كتاب أبي حنيفة، ومن اختلاف الأحاديث، ومن اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى، ومسائل شتى سمعتها لفظًا (٢)

стр. 1755

(٣٨٣٨) قال الشافعي: أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن ابن أبي مُلَيْكة، عن ابن عباس، أنّ رسولَ الله ﷺ قال: «البَيِّنَةُ على المدَّعِي»، قال الشافعي: أحْسِبُه ولا أُثْبِتُه قال: «واليَمِينُ على المدَّعَى عليه». (٣٨٣٩) قال: وإذا ادَّعَى الرَّجُلُ الشَّيْءَ في يَدَي رَجُلٍ .. فالظّاهِرُ أنّه لمن هو في يَدَيْه مع يَمِينِه؛ لأنّه أقْوَى سَبَبًا، فإذا اسْتَوَى سَبَبُهما فهما فيه سَواءٌ، فإنْ أقامَ الذي ليْسَ في يَدَيْه البَيِّنَةَ .. قيل: لَصاحِبُ البَيِّنَةِ التي لا تَجُرُّ إلى نَفْسِها بشَهادَتِها أقْوَى مِنْ كَيْنُونَةِ الشَّيْءِ في يَدَيْكَ، وقد يَكُونُ في يَدَيْكَ ما لا تَمْلِكُه، فهو له لفَضْلِ قُوَّةِ سَبَبِه على سَبَبِكَ، فإنْ أقامَ الآخَرُ البَيِّنَةَ .. قيل: قد اسْتَوَيْتُما في الدَّعْوَى والبَيِّنَةِ، والذي الشَّيْءُ في يَدَيْه أقْوَى سَبَبًا، فهو له لفَضْلِ قُوَّةِ سَبَبِه، وهذا مُعْتَدِلٌ على أصْلِ القِياسِ والسُّنَّةِ على ما قُلْنا في رَجُلَيْنِ تَداعَيا دابَّةً، وأقام كُلُّ واحِدٍ منهما البَيِّنَةَ أنّها دابَّتُه نَتَجَها (١)، فقَضَى بها رسولُ الله ﷺ للذي هي في يَدَيْه، قال: وسَواءٌ التَّداعِي والبَيِّنَةُ في النِّتاجِ وغَيْرِه، وسَواءٌ أقام أحَدُهما شاهِدًا وامْرَأتَيْن والآخَرُ عَشَرَةً، أو كان بَعْضُهم أرْجَحَ مِنْ بَعْضٍ (٢). (٣٨٤٠) وإنْ أراد الذي قامَتْ عليه البَيِّنَةُ أن أُحْلِفَ صاحِبَه مع بَيِّنَتِه .. لم يَكُنْ ذلك له، إلّا أن يَدَّعِيَ أنّه أخْرَجَه إلى مِلْكِه، فهذه دَعْوَى أخْرَى، فعليه اليَمِينُ.

стр. 1756

(٣٨٤١) ولو ادَّعَى أنّه نكَحَ امْرَأةً .. لم أقْبَلْ دَعْواه حتّى يَقُولَ: نكَحْتُها بوَلِيٍّ وشاهِدَيْ عَدْلٍ ورِضاها، فإنْ حَلَفَتْ بَرِئَتْ، وإن نكَلَتْ حَلَفَ وقُضِيَ له بأنّها زَوْجَةٌ له. (٣٨٤٢) قال: والأيْمانُ في الدِّماءِ مُخالِفَةٌ لغَيْرِها، لا يَبْرَأ منها إلّا بخَمْسِين يَمِينًا، وسَواءٌ الجُرْحُ والنَّفْسُ في هذا، نَقْتُلُه ونُقِصُّه بنُكُولِه ويَمِينِ صاحِبِه. قال المزني: قد قَطَعَ في «الإملاء» بـ «أن لا قَسامَةَ بدَعْوَى مَيِّتٍ، ولكن يَحْلِفُ المدَّعَى عليه ويَبْرَأ، فإنْ أبَى حَلَفَ الأوْلِياءُ واسْتَحَقُّوا دَمَه، وإنْ أبَوْا بَطَلَ حَقُّهُم»، وقال في «كتاب اختلاف الأحاديث»: «مَنْ ادَّعَى دَمًا، ولا دَلالَةَ للحاكِمِ على دَعْواه كدَلالَةِ الذي قَضَى له (١) النبيُّ ﷺ بالقَسامَةِ .. أُحْلِفَ المدَّعَى عليه كما يُحْلَفُ فيما سِوَى الدَّمِ»، قال المزني: وهذا به أشْبَهُ. ودَلِيلٌ آخَرُ: حَكَمَ (٢) النبيُّ ﷺ في القَسامَةِ بتَبْدِئَةِ [المدَّعِي لا غَيْرِه، وحَكَمَ فيما سِوَى ذلك بتَبْدِئَة] يَمِينِ المدَّعَى عليه [لا غَيْرِه، فإذا حَكَمَ الشّافعيُّ فيما وَصَفْتُ بتَبْدِئَةِ المدَّعَى عليه] (٣) ارْتَفَعَ عَدَدُ أيْمانِ القَسامَةِ (٤).

стр. 1757

(٣٨٤٣) قال الشافعي: والدَّعْوَى في الكَفالَةِ بالنَّفْسِ والنُّكُولِ ورَدِّ اليَمِينِ كهي في المالِ، إلّا أنّ الكَفالَةَ بالنَّفْسِ ضَعِيفَةٌ. (٣٨٤٤) ولو أقام بَيِّنَةً أنّه أكْراه بَيْتًا مِنْ دارٍ شَهْرًا بعَشَرَةِ دَراهمَ، وأقام المكْتَرِي البَيِّنَةَ أنّه اكْتَرَى منه الدّارَ كُلَّها ذلك الشَّهْرَ بعَشَرَةٍ .. فالشَّهادَةُ باطِلَةٌ، ويَتَحالَفانِ، ويَتَرادَّانِ، فإن كان سَكَنَ فعليه كِراءُ مِثْلِها. (٣٨٤٥) ولو ادَّعَى دارًا في يَدَي رَجُلٍ، فقال: ليْسَتْ بمِلْكٍ لي، وهي لفُلانٍ .. فإن كان حاضِرًا صَيَّرْتُها له، وجَعَلْتُه خَصْمًا عن نَفْسِه، وإن كان غائبًا كُتِبَ إقْرارُه، وقيل للمُدَّعِي: أَقِمِ البَيِّنَةَ، فإنْ أقامَها قُضِيَ له بها على الذي هي في يَدَيْه، ويُجْعَلُ في القَضِيَّةِ أنّ المقَرَّ له بها على حُجَّتِه. قال المزني: قد قَطَعَ بالقَضاءِ على غائِبٍ، وهو أوْلَى بقَوْلِه. (٣٨٤٦) قال الشافعي: ولو أقام رَجُلٌ بَيِّنَةً أنّ هذه الدّارَ كانَتْ في يَدَيْه أمْسِ .. لم أقْبَلْ، قد يَكُونُ في يَدَيْه ما ليْسَ له، إلّا أن يُقِيمَ بَيِّنَةً أنّه أخَذَها منه. (٣٨٤٧) ولو أقام بَيِّنَةً أنّه غَصَبَه إيّاها، وأقام آخَرُ البَيِّنَةَ أنّه أقَرَّ له بها .. فهي للمَغْصُوبِ، ولا يَجُوزُ إقْرارُه فيما غَصَبَ. (٣٨٤٨) وإذا ادَّعَى عليه شَيْئًا كان في يَدَي الميِّتِ .. حَلَفَ على عِلْمِه. وقال في «كتاب ابن أبي ليلى»: «وإذا اشْتَراه حَلَفَ على البَتِّ»، قال المزني: يَحْلِفُ في هذا على العِلْمِ (١).

стр. 1758

(٣٩٦) باب الدعوى في الميراث من هذا، ومن كتاب إملاء، ومن كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى (١) (٣٨٤٩) قال الشافعي: ولو هَلَكَ نَصْرانيٌّ وله ابنان: مُسْلِمٌ ونَصْرانيٌّ، فشَهِدَ مُسْلِمان للمُسْلِمِ أنّ أباه ماتَ مُسْلِمًا، وللنَّصْرانيِّ مُسْلِمان أنّ أباه ماتَ نَصْرانِيًّا .. صُلِّيَ عليه، فمَن أبْطَلَ البَيِّنَةَ التي لا تكُونُ إلّا بأن يُكَذِّبَ بَعْضُها بَعْضًا جَعَلَ الميراثَ للنَّصْرانيِّ، ومَن رَأى الإقْراعَ أقْرَعَ، فمَن خَرَجَتْ قُرْعَتُه كان الميراثُ له، ومَن رَأى أن يُقْسَمَ إذا تكافأتْ بَيِّنَتُهما جَعَلَه بينهما، وإنّما صُلِّيَ عليه بالإشْكالِ كما يُصَلَّى عليه لو اخْتَلَطَ بمُسْلِمِين مَوْتَى. قال المزني: أشْبَهُ بالحقِّ عندي أنّه إن كان أصْلُ دِينِه [النَّصْرانِيَّةَ، فاللَّذانِ شَهِدا بالإسْلامِ أوْلى؛ لأنّهما عَلِما إيمانًا حَدَثَ خَفِيَ على الآخَرَيْن، وإن لم يُدْرَ ما أصْلُ دِينِه (٢) والميراثُ في أيْدِيهما فبَيْنَهما نِصْفَيْن (٣)، وقد قال الشافعي: «لو رَمَى أحَدُهما طَيْرًا، ثُمّ رَماه الثّانِي فلم يُدْرَ أبَلَغَ به الأوَّلُ أن يَكُونَ ممْتَنِعًا أو غَيْرَ ممْتَنِعٍ جَعَلْناه بَيْنَهما نِصْفَيْن»، وهذا وذاك عندي في القِياسِ سَواءٌ (٤).

стр. 1759

(٣٨٥٠) قال الشافعي: ولو كانَتْ دارًا في يَدَيْ رَجُلٍ والمسْألَةُ على حالِها، فادَّعاها كُلُّ واحِدٍ مِنْ هذَيْن المدَّعِيَيْن أنّه وَرِثَها مِنْ أبِيهِ .. فمَن أبْطَلَ البَيِّنَةَ تَرَكَها في يَدَي صاحِبِها، ومَن رَأى الإقْراعَ أقْرَعَ، أو يَجْعَلُها بَيْنَهما معًا، ويَدْخُلُ عليه شَناعَةٌ، وأجابَ بهذا الجوابِ فيما يُمْكِنُ فيه البَيِّنَتان أن تكُونا صادِقَتَيْن في مَواضِعَ. قال المزني: وسَمِعْتُه يَقُولُ في مثل هذا: «لو قَسَمْتُه بينهما كُنْتُ لم أقْضِ لواحِدٍ منهما بدَعْواه ولا ببَيِّنَتِه، وكُنْتُ على يَقِينِ خَطَأٍ بنَقْصِ مَنْ هو له عن كَمالِ حَقِّه، وبإعْطاءِ الآخَرِ ما ليْسَ له». قال المزني: قد أبْطَلَ الشّافِعِيّ القُرْعَةَ في امْرَأتَيْن: مُطَلَّقَةٍ وزَوْجَةٍ، وأوْقَفَ الميراثَ حتّى تَصْطَلِحا، وأبْطَلَ في ابْنَيْ أمَتِه اللَّذَيْن أقَرَّ أنّ أحَدَهما ابْنُه القُرْعَةَ في النَّسَبِ وفي الميراثِ، فلا يُشْبِهُ قَوْلُه في مثل هذا القُرْعَةَ، وقد قَطَعَ في «الدَّعْوَى على كتابِ أبي حنيفةَ» في امْرَأةٍ أقامَتْ بَيِّنَةً أنّه أصْدَقَها هذه الدّارَ وقَبَضَتْها، وأقام رَجُلٌ البَيِّنَةَ أنّه اشْتَراها منه ونَقَدَه الثَّمَنَ وقَبَضَها، قال: أُبْطِلُ البَيِّنَتَيْن، لا يَجُوزُ إلّا هذا أو القُرْعَةُ»، قال المزني: هذا لَفْظُه، وقد بَيَّنّا أنّ القُرْعَةَ لا تُشْبِهُ قَوْلَه في الأمْوالِ، قال المزني: وقد قال: «الحكْمُ في الثَّوْبِ لا يُنْسَجُ إلّا مَرَّةً، والثَّوْبِ الخَزِّ يُنْسَجُ مَرَّتَيْن؛ سَواءٌ» (١).

стр. 1760

(٣٨٥١) قال الشافعي: ولو كانَتْ دارٌ في يَدَي أخَوَيْن مُسْلِمَين، فأقَرّا أنّ أباهما هَلَكَ وتَرَكَها مِيراثًا، وقال أحَدُهما: كُنْتُ مُسْلِمًا وكان أبي مُسْلِمًا، وقال الآخَرُ: أسْلَمْتُ قبل مَوْتِ أبي .. فهي للَّذِي اجْتَمَعا على إسْلامِه، والآخَرُ مُقِرٌّ بالكُفْرِ مُدَّعٍ للإسْلامِ. (٣٨٥٢) ولو قالت امْرَأةُ الميِّتِ وهي مُسْلِمَةٌ: زَوْجِي مُسْلِمٌ، وقال وَلَدُه وهم كُفّارٌ: بل كافِرٌ، وقال أخُو الزَّوْجِ وهو مُسْلِمٌ: بل مُسْلِمٌ، فلم يُعْرَفْ .. فالميراثُ مَوْقُوفٌ حتّى يُعْرَفَ إسْلامُه مِنْ كُفْرِه ببَيِّنَةٍ تَقُومُ عليه. (٣٨٥٣) ولو أقامَ رَجُلٌ بَيِّنَةً أنّ أباه هَلَكَ وتَرَكَ هذه الدّارَ مِيراثًا له ولأخِيه .. أخْرَجْتُها مِنْ يَدَيْ مَنْ هي في يَدَيْه، وأعْطَيْتُه منها نَصِيبَه، وأخَذْتُ (١) نَصِيبَ الغائِبِ وأكْرِي له حتّى يَحْضُرَ. (٣٨٥٤) فإن لم يُعْرَفْ عَدَدُهم وَقَفَ مالَه، وتَلَوَّمَ به، وسَألَ عن البُلْدانِ التي وَطِئَها: هل له فيها وَلَدٌ؟ (٢)، فإذا بَلَغَ الغايَةَ التي لو كان له فيها وَلَدٌ لعَرَفَه، وادَّعَى الابْنُ أن لا وارِثَ له غَيْرُه .. أعْطاه المالَ بضَمِينٍ (٣)، وحَكَى أنّه لم يَقْضِ له إلّا أنّه لم يَجِدْ وارثًا غَيْرَه، فمتى جاء وارِثٌ أخَذَ الضُّمَناءُ بحَقِّه، ولو كان مَكانَ الابْنِ أو معه زَوْجَةٌ ولا يَعْلَمُونَه فارَقَها ..

стр. 1761

أعْطَيْتُها رُبُعَ الثَّمَنِ؛ لأنّ مِيراثَها محْدُودُ الأكْثَرِ والأقَلِّ، الثُّمُنُ أو رُبُعُ الثُّمُنِ، ومِيراثُ الابْنِ غَيْرُ محْدُودٍ. (٣٨٥٥) وإذا ماتَتْ زَوْجَتُه وابْنُه منها، فقال أخُوها: مات ابْنُها ثُمّ ماتَتْ فلي مِيراثِي مع زَوْجِها، وقال زَوْجُها: بل ماتَتْ فأحْرَزَ ابْنِي (١) المالَ، ثُمّ مات ابْنِي، فالمالُ لي .. فالقَوْلُ قَوْلُ الأخِ؛ لأنّه وارِثٌ لأخْتِه، وعلى الذي يَدَّعِي أنّه محْجُوبٌ البَيِّنَةُ، وعلى الأخِ فيما يَدَّعِي أنّ أخْتَه وَرِثَتِ ابْنَها البَيِّنَةُ. (٣٨٥٦) ولو أقام البَيِّنَةَ أنّه وَرِثَ هذه الأمَةَ مِنْ أبِيه، وأقامَت امْرَأتُه (٢) البَيِّنَةَ أنّ أباه أصْدَقَها إيّاها .. فهي للمَرْأةِ؛ كما يَبِيعُها ولم يَعْلَمْ شُهُودُ الميراثِ.

стр. 1762

(٣٩٧) باب الدعوى في وقتٍ قبلَ وقتٍ (٣٨٥٧) قال الشافعي: وإذا كان العَبْدُ في يَدَي رَجُلٍ، فأقام رَجُلٌ البَيِّنَةَ أنّه له مُنْذُ سِنِينَ، وأقام الذي هو في يَدَيْه البَيِّنَةَ أنّه له مُنْذُ شَهْرٍ .. فهو للّذِي في يَدَيْه، ولم أنْظُرْ إلى قَدِيمِ المِلْكِ وحَدِيثِه. قال المزني: أشْبَهُ بقَوْلِه (١) أن يَجْعَلَ المِلْكَ الأقْدَمَ أوْلَى؛ كما يَجْعَلُ مِلْكَ النِّتاجِ أوْلَى، وقد يُمْكِنُ أن يَكُونَ صاحِبُ النِّتاجِ قد أخْرَجَه مِنْ مِلْكِه؛ كما أمْكَنَ أن يَكُونَ صاحِبُ الأقْدَمِ أخْرَجَه مِنْ مِلْكِه (٢).

стр. 1763

(٣٩٨) باب الدعوى على كتاب أبي حنيفة (١) (٣٨٥٨) قال الشافعي: وإذا أقام أحَدُهما بَيِّنَةً أنّه اشْتَرَى هذه الدّارَ منه بمائةِ دِرْهَمٍ ونَقَدَه الثَّمَنَ، وآخَرُ بَيِّنَةً أنّه اشْتَراها منه بمائتَيْ دِرْهمٍ ونَقَدَه الثَّمَنَ (٢)، بلا وَقْتٍ .. فكُلُّ واحِدٍ منهما بالخِيارِ، إن شاء أخَذَ نِصْفَها بنِصْفِ الثَّمَنِ الذي سَمَّى شُهُودُه ويَرْجِعُ بالنِّصْفِ، وإن شاء رَدَّه. وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ: «إنّ القَوْلَ قَوْلُ البائِعِ في البَيْعِ»، قال المزني: هذا أشْبَهُ بالحقِّ عندي؛ لأنّ البَيِّنَتَيْن قد تكافأتا، وللمُقَرِّ له فَضْلُ (٣) إقْرارٍ وسَبَبٍ ليس لصاحِبِه؛ كما يَدَّعِيانِه جميعًا ببَيِّنَةٍ وهي في يَدَي أحَدِهما، فتكُونُ لمن هي في يَدَيْه؛ لقُوَّةِ سَبَبِه عنده على سَبَبِ صاحِبِه، قال المزني: وقد قال: «لو أقامَ كُلُّ واحِدٍ منهما بَيِّنَةً على دابَّةٍ أنّه نَتَجَها .. أبْطَلْتُها وقَبِلْتُ قَوْلَ الذي هي في يَدَيْه» (٤). (٣٨٥٩) قال الشافعي: ولو أقامَ بَيِّنَةً أنّه اشْتَرَى هذا الثَّوْبَ مِنْ فلانٍ وهو يَمْلِكُه بثَمَنٍ مُسَمًّى ونَقَدَه، وأقامَ آخَرُ البَيِّنَةَ أنّه اشْتَراه مِنْ فُلانٍ آخَرَ

стр. 1764

وهو يَمْلِكُه بثَمَنٍ مُسَمًّى (١) ونَقَدَه .. فإنّه يُقْضَى به للذي هو في يَدَيْه؛ لفَضْلِ كَيْنُونَتِه. قال المزني: وهذا يَدُلُّ على ما قُلْتُ مِنْ قَوْلِه. (٣٨٦٠) قال الشافعي: ولو كان الثَّوْبُ في يَدَيْ رَجُلٍ، فأقامَ رَجُلان كُلُّ واحِدٍ منهما البَيِّنَةَ أنّه ثَوْبُه، باعَه مِنْ الذي هو في يَدَيْه بألْفِ دِرْهمٍ، فإنّه يُقْضَى به بين المدَّعِيَيْن نِصْفَيْن، ويُقْضَى لكُلِّ واحِدٍ منهما عليه بنِصْفِ الثَّمَنِ. قال المزني: يَنْبَغِي أن يُقْضَى لكُلِّ واحِدٍ منهما بجَمِيعِ الثَّمَنِ؛ لأنّه قد يَشْتَرِيه مِنْ أحَدِهما ويَقْبِضُه، ثُمّ يَمْلِكُه الآخَرُ، ثُمّ يَشْتَرِيه منه ويَقْبِضُه، فيَكُونُ عليه ثَمَنانِ، وقد قال أيضًا (٢): «لو شَهِدَ شُهُودُ كُلِّ واحِدٍ على إقْرارِ المشْتَرِي أنّه اشْتَراه (٣) .. قُضِيَ عليه بالثَّمَنِ (٤)»، قال المزني: وسَواءٌ إذا شَهِدُوا أنّه اشْتَرَاه، أو أقَرَّ بالشِّراءِ (٥).

стр. 1765

(٣٨٦١) قال الشافعي: ولو أقامَ رَجُلٌ بَيِّنَةً أنّه اشْتَرَى منه هذا العَبْدَ الذي في يَدَيْه بألْفِ دِرْهمٍ، وأقام العَبْدُ بَيِّنَةً أنّ سَيِّدَه الذي هو في يَدَيْه أعْتَقَه، ولم يُوَقِّت الشُّهُودُ .. فإنّي أبْطِلُ البَيِّنَتَيْن؛ [لأنّهما تَضادَّتا، وأُحْلِفُه ما باعَه، وأُحْلِفُه ما أعْتَقَه. قال المزني: قد أبْطَلَ البَيِّنَتَيْن (١) فيما يُمْكِنُ أن يَكُونا فيه صادِقَتَيْن، والقياسُ عندي: أنّ العَبْدَ في يَدَيْ نَفْسِه بالحُرِّيَّةِ كمُشْتَرٍ قَبَضَ مِنْ البائِعِ، فهو أحَقُّ؛ لقُوَّةِ السَّبَبِ؛ كما إذا أقاما بَيِّنَةً والشَّيْءُ في يَدَيْ أحَدَهما كان أوْلَى به لقُوَّةِ سَبَبِه (٢)، وهذا أشْبَهُ بقَوْلِه (٣). (٣٨٦٢) قال الشافعي: ولا أقْبَلُ البَيِّنَةَ أنّ هذه الجارِيَةَ بِنْتُ أمَتِه حتّى يَقُولَ: وَلَدَتْها في مِلْكِه (٤). (٣٨٦٣) ولو شَهِدُوا أنّ هذا الغَزْلَ مِنْ قُطْنِ فُلانٍ، جَعَلْتُه لفُلانٍ. (٣٨٦٤) قال: وإذا كان في يَدَيْه صَبِيٌّ صَغِيرٌ يَقُولُ: هو عَبْدِي .. فهو كالثَّوْبِ إذا كان لا يَتَكَلَّمُ، فإنْ أقام رَجُلٌ البَيِّنَةَ أنّه ابْنُه .. جَعَلْتُه ابْنَه، وهو في يَدَيِ الذِي هو في يَدَيْه. (٣٨٦٥) وإذا كانَت الدّارُ في يَدَيْ رَجُلٍ لا يَدَّعِيها، فأقام رَجُلٌ البَيِّنَةَ أنّ نِصْفَها له، وآخَرُ البَيِّنَةَ أنّ جَمِيعَها له .. فلِصاحِبِ الجمِيعِ النِّصْفُ، وأُبْطِلُ دَعْواهما في النِّصْفِ، وأقْرِعُ بَيْنَهما.

стр. 1766

قال المزني: إذا أبْطَلَ دَعْواهما فلا حَقَّ لهما ولا قُرْعَةَ، وقد مَضَى ما هو أوْلَى به في هذا المعنى. (٣٨٦٦) قال الشافعي: وإذا كانَت الدّارُ في يَدَيْ ثَلاثَةٍ، فادَّعَى أحَدُهم النِّصْفَ، والآخَرُ الثُّلُثَ، والآخَرُ السُّدُسَ، وجَحَدَ بَعْضُهم بَعْضًا .. فهي لهم على ما في أيْدِيهم: ثُلُثٌ ثُلُثٌ. (٣٨٦٧) قال: وإذا كانَت الدّارُ في يَدَي اثْنَيْن، فأقامَ أحَدُهما بَيِّنَةً على الثُّلُثِ، والآخَرُ على الكُلِّ .. جَعَلْتُ للأوَّلِ الثُّلُثَ؛ لأنّه أقَلُّ ممّا في يَدَيْه، وما بَقِيَ فللآخَرِ.

стр. 1767

(٣٩٩) باب القافة ودعوى الولد (١) من كتاب الدعوى والبينات، ومن كتاب نكاح قديم (٣٨٦٨) قال الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالَتْ: دَخَلَ عليَّ رسولُ الله ﷺ أعْرِفُ السُّرُورَ في وَجْهِه، فقال: «ألَمْ تَرَيْ أنّ مُجَزِّزًا المدْلِجِيَّ نَظَرَ إلى أسامَةَ وزَيْدٍ عليهما قَطِيفَةٌ، قد غَطَّيَا رُؤوسَهُما، وبَدَتْ أقْدامُهُما، فقال: إنّ هَذِه الأقْدامَ بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ؟». (٣٨٦٩) قال الشافعي: فلو لم يَكُنْ في القافَةِ إلّا هذا، انْبَغَى أن يَكُونَ فيه دَلالَةٌ أنّه عِلْمٌ، ولو لم يَكُنْ عِلْمًا لقالَ له: لا تَقُلْ هذا؛ لأنّك إنْ أصَبْتَ في شَيْءٍ لم آمَنْ عليك أن تُخْطِئَ في غَيْرِه، وفي خَطَئِكَ قَذْفُ مُحْصَنَةٍ ونَفْيُ نَسَبٍ، وما أقَرَّه إلّا أنّه رَضِيَه ورَآه عِلْمًا، ولا يُسَرُّ إلّا بالحقِّ ﷺ ، ودَعا عُمَرُ قائِفًا في رَجُلَيْن ادَّعَيا وَلَدًا، فقال: لقَدِ اشْتَرَكا فيه، فقال عُمَرُ للغُلامِ: والِ أيَّهما شِئتَ، وشَكَّ أنَسُ بنُ مالكٍ في ابْنٍ له، فدَعا له القافَةَ، قال الشافعي: وأخْبَرَنِي عَدَدٌ مِنْ أهْلِ العِلْمِ مِنْ أهْلِ المدِينَةِ ومَكَّةَ أنّهم أدْرَكُوا الحُكّامَ يُفْتُونَ بقَوْلِ القافَةِ، ولم نَجِد اللهَ جل ثناؤه نَسَبَ أحَدًا قَطُّ إلّا إلى أبٍ واحِدٍ ولا رَسُولُه ﷺ .

стр. 1768

(٣٨٧٠) قال: ولو ادَّعَى حُرٌّ وعَبْدٌ مُسْلِمان وذِمِّيٌّ (١) مَوْلُودًا وُجِدَ لَقِيطًا .. فلا فَرْقَ بين واحِدٍ منهم، كالتَّداعِي فيما سِواه، فيَراه القافَةُ، فإن ألْحَقُوه بواحِدٍ فهو ابْنُه، وإنْ ألْحَقُوه بأكْثَرَ لم يَكُنْ ابْنَ واحِدٍ منهم حتّى يَبْلُغَ فيَنْتَسِبَ إلى أيِّهم شاءَ، فيَكُونَ ابْنَه، وتَنْقَطِعَ عنه دَعْوَى غَيْرِه.

стр. 1769

(٤٠٠) باب جواب الشافعي محمدَ بنَ الحسنِ في الولد يَدَّعِيهِ عدَّةُ رجالٍ (١) (٣٨٧١) قال الشافعي: قُلْتُ لمحمَّدِ بنِ الحسَنِ: زَعَمْتَ أنّ أبا يُوسُفَ قال: إن ادَّعاه اثْنانِ فهو ابْنُهما بالأثَرِ، وإن ادَّعاه ثلاثةٌ فهو ابْنُهُم بالقياسِ، وإن ادَّعاه أرْبَعَةٌ لم يَكُنْ ابْنَ واحِدٍ منهم، قال: هذا خطأٌ مِنْ قَوْلِه، قلتُ: فإذْ زَعَمْتَ أنّهم يَشْتَرِكُون في نَسَبِه ولو كانُوا مائةً كما يَشْتَرِكُون في المالِ .. لو ماتَ أحَدُ الشُّرَكاءِ في المالِ أيَمْلِكُ (٢) الحيُّ إلّا ما كان يَمْلِكُه قبل مَوْتِ صاحِبِه؟ قال: لا، قلتُ: فقد زَعَمْتَ إن مات واحِدٌ منهم وَرِثَه مِيراثَ ابْنٍ تامٍّ وانْقَطَعَتْ أبُوَّتُه، فإن مات وَرِثَه (٣) كُلُّ واحِدٍ منهم سَهْمًا مِنْ مائةِ سَهْمٍ مِنْ مِيراثِ ابْنٍ، فهل رَأيْتَ أبًا قَطُّ إلى مُدَّةٍ؟ قلتُ: أوَرَأيْتَ إذا قَطَعْتَ أبُوَّتَه مِنْ الميِّتِ، أيَتَزَوَّجُ بَناتِه وهُنَّ اليَوْمَ أجْنَبِيّاتٌ، وهُنَّ بالأمْسِ له أخَواتٌ؟ قال: إنّه ليَدْخُلُ هذا، قلتُ: وأكْثَرُ، قال: فكيف كان يَلْزَمُنا أن نُوَرِّثَه؟ قلتُ: نُوَرِّثُه في قَوْلِك مِنْ كُلِّ واحِدٍ منهم سَهْمًا مِنْ مائةِ سَهْمٍ [مِنْ مِيراثِ أبٍ؛ كما نُوَرِّثُ كُلَّ واحِدٍ منهم سَهْمًا مِنْ مائةِ سَهْمٍ (٤) مِنْ مِيراثِ ابْنٍ.

стр. 1770

قال المزني: ليْسَ هذا بلازِمٍ لهم في قَوْلِهم؛ لأنّ جَمِيعَ كُلِّ أبٍ أبو بَعْضِ الابْنِ، وليْسَ بَعْضُ الابْنِ ابْنًا لبَعْضِ الأبِ دُونَ جَمِيعِه؛ كما لو مَلَكُوا عَبْدًا .. كان جَمِيعُ كُلِّ سَيِّدٍ منهم مالِكًا لبَعْضِ العَبْدِ، وليْسَ بَعْضُ العَبْدِ مِلْكًا لبَعْضِ السَّيِّدِ دون جَمِيعِه؛ فتَفَهَّمْه كذلك تَجِدْه إن شاء الله (١). حَلَفَ المزنيُّ بالله لقد غَلِطَ الشافعيُّ ومحمَّدُ بنُ الحسَنِ فيها (٢).

стр. 1771

(٤٠١) باب دعوى الأعاجم ولادةَ الشِّرك، والطِّفل يُسلِمُ أحدُ أبويه (٣٨٧٢) قال الشافعي: وإذا ادَّعَى الأعاجِمُ وِلادَةً في الشِّرْكِ .. فإن جاؤونا مُسْلِمِين لا وَلاءَ في أحَدٍ منهم بعِتْقٍ، قَبِلْنا دَعْواهم كما قَبِلْنا غَيْرَهم مِنْ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، وإن كانُوا مَسْبِيِّين عليهم رِقٌّ، أو أعْتِقُوا فثَبَتَ عليهم وَلاءٌ، لم يُقْبَلْ إلّا ببَيِّنَةٍ على وِلادَةٍ مَعْرُوفَةٍ قبل السَّبْيِ، وهكذا أهْلُ حِصْنٍ، ومَن يُحْمَلُ إلينا منهم. (٣٨٧٣) وإذا أسْلَمَ أحَدُ أبَوَي الطِّفْلِ أو المعْتُوهِ .. كان مُسْلِمًا؛ لأنّ الله ﵎ أعْلَى الإسْلامَ على الأدْيانِ، والأعْلَى أوْلَى أن يَكُونَ الحُكْمُ له، مع أنّه رُوِيَ عن عُمَرَ بنِ الخطابِ مَعْنَى قَوْلِنا، ويُرْوَى عن الحسَنِ وغَيْرِه.

стр. 1772

(٤٠٢) باب متاع البيت يختلف فيه الزوجان من كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى (١) (٣٨٧٤) قال الشافعي: وإذا اخْتَلَفَ الزَّوْجان في مَتاعِ البَيْتِ يَسْكُنانِه، قَبْلَ أن يَتَفَرَّقا أو بَعْدَما تَفَرَّقا، كان البَيْتُ لهما أو لأحَدِهما، أو يَمُوتان أو أحَدُهما فيَخْتَلِفُ في ذلك وَرَثَتُهما .. فمَن أقامَ بَيِّنَةً على شَيْءٍ فهو له، وإنْ لم يُقِمْ بَيِّنَةً فالقياسُ الذي لا يُعْذَرُ أحَدٌ عندي بالغَفْلَةِ عنه على الإجماعِ: أنّ هذا المتاعَ بأيْدِيهما جميعًا، فهو بَيْنَهما نِصْفَيْن، وقد يَمْلِكُ الرَّجُلُ مَتاعَ النِّساءِ، وتَمْلِكُ المرْأةُ مَتاعَ الرِّجالِ، ولو اسْتَعْمَلْتُ الظُّنُونَ عليهما لحكَمْتُ في عَطّارٍ ودَبّاغٍ يَتَنازَعان عِطْرًا ودِباغًا في أيْدِيهما، بأنْ أجْعَلَ للعَطّارِ العِطْرَ، وللدَّبَّاغِ الدِّباغَ، ولحكَمْتُ فيما تَنازَعَ فيه مُوسِرٌ ومُعْسِرٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ بأن أجْعَلَه للمُوسِرِ، ولا يَجُوزُ الحكْمُ بالظُّنُونِ. قال المزني: أحْسَنَ (٢).

стр. 1773

(٤٠٣) باب أَخذِ الرجلِ حقَّه ممن يمنعه إياه (١) (٣٨٧٥) قال الشافعي: وإذا كانَتْ هِنْدٌ زَوْجَةً لأبي سُفْيانَ، وكانَت القَيِّمَ (٢) على وَلَدِها لصِغَرِهِم بأمْرِ زَوْجِها، فأذِنَ لها رسولُ الله ﷺ لمّا شَكَتْه إليه أن تَأخُذَ مِنْ مالِه ما يَكْفِيها ووَلَدَها بالمعْرُوفِ .. فمِثْلُها الرَّجُلُ يَكُونُ له الحقُّ على الرَّجُلِ فيَمْنَعُه إيّاه، فله أن يَأخُذَه مِنْ مالِه حيثُ وَجَدَه بوَزْنِه أو كَيْلِه، فإن لم يَكُنْ له مِثْلٌ كان قِيمَتَه دنانيرَ أو دراهمَ، فإن لم يَجِدْ له (٣) باعَ عَرَضَه واسْتَوْفَى مِنْ ثَمَنِه حَقَّه، فإن قيل: فقد رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ : «أدِّ إلى مَنْ ائتَمَنَكَ (٤)، ولا تَخُنْ مَنْ خانَك» .. قيل له: ليْسَ بثابِتٍ، ولو كان ثابِتًا لم تكُن الخيانةُ ما أذِنَ بأخْذِه ﷺ ، وإنّما الخيانةُ أنْ آخُذَ له درهمًا بعد اسْتِيفاءِ دِرْهَمِي، فأخُونَه بدِرْهَمٍ كما خانَنِي في دِرْهَمِي، فليْسَ لي أنْ أخُونَه بأخْذِ ما ليْسَ لي وإنْ خانَنِي. قال المزني: أحْسَنَ واللهِ الشافعيُّ (٥).

стр. 1774

[٦٨] كتاب العتق (١)

стр. 1775

(٤٠٤) باب عتق الشريك في الصحة والمرض والوصايا بالعتق (١) (٣٨٧٦) قال الشافعي: «مَنْ أعْتَقَ شِرْكًا له في عَبْدٍ، وكان له مالٌ يَبْلُغُ قِيمَةَ العَبْدِ .. قُوِّمَ عليه قِيمَةَ عَدْلٍ، وأعْطِيَ شُركاؤُه حِصَصُهم، وعَتَقَ عليه العَبْدُ، وإلّا فقد عَتَقَ منه ما عَتَقَ»، وهكذا رَوَى ابنُ عُمَرَ عن رسول الله ﷺ . (٣٨٧٧) قال الشافعي: ويَحْتَمِلُ قَوْلُه في عِتْقِ الموسِرِ: «وأعْطِيَ شُرَكاؤُه حِصَصُهم وعَتَقَ العَبْدُ» .. مَعْنَيَيْن: أحَدُهما - أنّه يَعْتِقُ بالقَوْلِ، ويَدْفَعُ القِيمَةَ، والآخَرُ - أنّه يَعْتِقُ بقَوْلِ الموسِرِ، فلو أعْسَرَ كان العَبْدُ حُرًّا، واتُّبِعَ بما ضَمِنَ، وهذا القَوْلُ يَصِحُّ فيه القياسُ. قال المزني: وبالقَوْلِ الأوَّلِ قال في كتاب الوَصايا في العِتْقِ، وقال في «كتاب اختلاف الأحاديث»: «يَعْتِقُ يَوْمَ تكَلَّمَ بالعِتْقِ»، وهكذا قال في «كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى»، وقال أيضًا: «فإن ماتَ المعْتِقُ أخِذَ بما لَزِمَه مِنْ رَأسِ مالِه (٢)، لا يَمْنَعُه الموْتُ حَقًّا لَزِمَه؛ كما لو جَنَى

стр. 1776

جِنايَةً، والعَبْدُ حُرٌّ في شَهادَتِه وحُدُودِه ومِيراثِه وجِناياتِه قَبْلَ القِيمَةِ ودَفْعِها»، قال المزني: قد قَطَعَ بأنّ هذا المعْنَى أصَحُّ، قال المزني: وقَطْعُه به في أرْبَعَةِ مَواضِعَ أوْلى به مِنْ أحَدِ قَوْلَيْن لم يَقْطَعْ به، وهو القِياسُ على أصْلِه في القُرْعَةِ بأنّ العِتْقَ يَوْمَ تكَلَّمَ بالعِتْقِ حتّى أقْرَعَ بيْنَ الأحْياءِ والموْتَى، فهذا بقَوْلِه أوْلَى، قال المزني: وقد قال الشافعي: «لو أعْتَقَ الثّاني كان عِتْقُه باطِلًا»، وفي ذلك دَلِيلٌ لو كان مِلْكُه بحالِه لعَتَقَ بإعْتاقِه إيّاه، وقَوْلُه في الأمَةِ بَيْنَهما: أنّه إنْ أحْبَلَها صارَتْ أمَّ وَلَدٍ له إن كان مُوسِرًا كالعِتْقِ، وأنّ شَرِيكَه إن وَطِئَها قَبْلَ أخْذِ القِيمَةِ كان مَهْرُها عليه تامًّا، وفي ذلك قَضاءٌ لِما قُلْنَا، ودليلٌ آخَرُ: لمّا كان الثَّمَنُ في إجْماعِهِم ثَمَنَيْن: أحَدُهما - في بَيْعٍ عن تَراضٍ يَجُوزُ فيه التَّغابُنُ، والآخَرُ - قِيمَةُ مُتْلَفٍ لا يَجُوزُ فيه تَغابُنٌ، وإنّما هي على التَّعْدِيلِ والتَّقْسِيطِ، فلمّا حَكَمَ النبيُّ ﷺ على الموسِرِ المعْتِقِ بالقِيمَةِ .. دَلَّ على أنّها قِيمَةُ مُتْلَفٍ على شَرِيكِه يَوْمَ أتْلَفَه، فهذا كُلُّه قَضاءٌ لأحَدِ قَوْلَيْه على الآخَرِ، وبالله التوفيق (١). (٣٨٧٨) قال الشافعي: ولو قال أحَدُهما لصاحِبِه - وصاحِبُه مُوسِرٌ -: «أعْتَقْتَ نَصِيبَكَ»، وأنْكَرَ الآخَرُ .. عَتَقَ نَصِيبُ المدَّعِي، ووُقِفَ وَلاؤُه؛ لأنّه زَعَمَ أنّه حُرٌّ كُلُّه، وادَّعَى قِيمَةَ نَصِيبِه على شَرِيكِه، فإن ادَّعَى شَرِيكُه مِثْلَ ذلك عَتَقَ العَبْدُ، وكان له وَلاؤُه (٢)، قال: وفيها قَوْلٌ آخَرُ: إذا لم يَعْتِقْ

стр. 1777

نَصِيبُ الأوَّلِ لم يَعْتِق الآخَرُ (١)؛ لأنّه إنّما يَعْتِقُ بالأوَّلِ (٢). قال المزني: قد قَطَعَ بجَوابِه الأوَّلِ أنّ صاحِبَه زَعَمَ أنّه حُرٌّ كُلُّه، وقد أعْتَقَ نَصِيبَ المقِرِّ بإقْرارِه قبل أخْذِه قِيمَتَه؛ فتَفَهَّمْ، ولا خِلافَ أنّ مَنْ أقَرَّ بشَيْءٍ يَضُرُّه لَزِمَه، ومَن ادَّعَى حَقًّا لم يَجِبْ له، وهذا مُقِرٌّ للعَبْدِ بعِتْقِ نَصِيبِه فيَلْزَمُه، ومُدَّعٍ على شَرِيكِه بقِيمَةٍ لا تَجِبُ له، وفي قَوْلِه وجَمِيعِ مَنْ عَرَفْتُ مِنْ العُلَماءِ أن لو قال لشَرِيكِه: بِعْتُكَ نَصِيبِي بثَمَنٍ وأسْلَمْتُه إليْكَ وأنْتَ مُوسِرٌ وأنَّكَ قَبَضْتَه وأعْتَقْتَه، وأنْكَرَ شَرِيكُه .. أنّه مُقِرٌّ بالعِتْقِ لنَصِيبِه نافِذٌ عليه، مُدَّعٍ لثَمَنٍ لا يَجِبُ له، وهذا وذاك عندي في القِياسِ سَواءٌ، وهذا يَقْضِي لأحَدِ قَوْلَيْه على الآخَرِ، وقد قال الشافعي: «لو قال أحَدُهُما لصاحِبِه: إذا أعْتَقْتَه فهو حُرٌّ، فأعْتَقَه، كان حُرًّا في مالِ المعْتِقِ، وسَواءٌ كان بين مُسْلِمَيْن أو كافِرَيْن، أو مُسْلِمٍ وكافِرٍ»، قال المزني: قد قَطَعَ بعِتْقِه قبل دَفْعِ قِيمَتِه، ودليلٌ آخَرُ مِنْ قَوْلِه: أنّه جَعَلَ قِيمَتَه يَوْمَ تكَلَّمَ بعِتْقِه، فدَلَّ أنّه في ذلك الوَقْتِ حُرٌّ قَبْل دَفْعِ قِيمَتِه. (٣٨٧٩) قال الشافعي: وإذا أدَّى الموسِرُ قِيمَتَه كان له وَلاؤُه، ولو كان مُعْسِرًا عَتَقَ نَصِيبُه، وكان الشَّرِيكُ على مِلْكِه، يَخْدُمُه يَوْمًا ويَتْرُكُ لنَفْسِه يَوْمًا، فما اكْتَسَبَ فيه فهو له، فإن ماتَ وله وارِثٌ وَرِثَه بقَدْرِ وَلائِه، وإن ماتَ له مَوْرُوثٌ لم يَرِثْ منه شَيْئًا.
следующие страницы →