← Фикх шафии

Фикх шафии · id 914

مختصر المزني - ت الداغستاني

المزني

Полный текст (1 788 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الوسيلة الثالثة: النظر في قياس قول الشافعي فما وافقه من القولين يكون مذهبه، وذلك بناء على قواعد مذهبه ومآخذه (١)، وقد أكثر منه المُزَني أيَّما إكثار، ويعبر عنه بقوله: «قياس قوله»، أو: «أصله»، أو: «أولى به»، أو ما شابه ذلك. الوسيلة الرابعة: اعتبار موافقة جماعة العلماء، وقد عمل بها المُزَني في مواطن، ومن قوله في ذلك: «قَوْلُه في جماعةِ العُلماءِ أوْلَى به مِنْ انْفِرادِه عنها» (٢)، وقد أقر هذا الوجه للترجيح كل من ابن الصلاح والنووي (٣)، ويدخل تحت هذا الأصل كذلك: اعتبار موافقة أبي حنيفة ومخالفته، وهو الوسيلة الخامسة، وذكرها الفقهاء الأصوليون ونقلوا عن القفال أن الموافق أولى، وعن الشيخ أبي حامد أن المخالف أولى (٤)، ولا فقه في ذلك يعتد به. حكم أقوال الترديد إذا لم نتمكَّن من معرفة اختيار الشافعي فيها: فإذا لم يمكن معرفة اختيار الإمام بأحد الوسائل المقبولة التي أشرنا إليها - وقلما يحصل ذلك - اختلف الأصحاب في معنى الترديد على مذاهب: فذهب بعضهم إلى أنه قصد بذكر القولين حكاية مذهبين من مذاهب العلماء. _________ (١) انظر «أدب المفتي والمستفتي» لابن الصلاح (ص: ٨٦)، و «الروضة» للنووي (٨/ ٩٧). (٢) انظر «المختصَر» (الفقرات: ٩٧، و ١١٩، و ٢٣٨٧، و ٣١٥٢، و ٣٥٩٧). (٣) انظر «أدب المفتي والمستفتي» لابن الصلاح (ص: ٨٩)، و «المجموع» (١/ ١١١). (٤) انظر «أدب المفتي والمستفتي» لابن الصلاح (ص: ٨٩)، و «المجموع» (١/ ١١١)، وانظر «تشنيف المسامع» للزركشي (٣/ ٦٧٠).

стр. 212

قال إمام الحرمين: «وهذا غير سديد من وجهين: أحدهما - أنه قد يجعل المسألة على قولين في صورة لا يؤثر فيها عن العلماء قول على التنصيص، والآخر - أنه يضيف القولين إلى اجتهاده، ولا يجري في ذلك مجرى حكاية المذاهب، فإنه إذا حكى المذهب فصيغة كلامه في الحكاية تتميَّز عند كل مصنف عن صيغة ذكره القولين» (١). وذهب آخرون إلى أنه قال ذلك على التخيير، بناءً على القول بتصويب المجتهدين، وهذا مذهب القاضي الباقلَّاني (٢). وقد ردَّ عليه إمام الحرمين هذا المذهب بأمرين (٣): أحدهما - أن الصحيح من مذهب الشافعي أن المصيب واحد، وثانيهما - القول بالتخيير إنما يمكن في تقدير واجبين، مثل أن يؤدي أحد الاجتهادين إلى إيجاب شيء والثاني إلى إيجاب غيره، ولا يؤدي تقدير جمعهما على سبيل التخيير إلى تناقض، أما إذا كان أحد الاجتهادين يؤدي إلى التحليل ويؤدي الثاني إلى التحريم فلا يتصور التخيير في القولين، إذ من المستحيل التخيير بين الحظر والتحليل، وكذلك لا يتحقَّق التخيير بين محرمين. وهذا الثاني في الأصل من اعتراض الحنفية على الشافعي، وقد رد عليهم ذلك السمعاني فقال: «إنما جاز التخيير بينهما على وجه البدل دون الجمع لأمرين: أحدهما - أنه لا يمتنع اعتدال الفرع في الشبه بين أصلين متجاذبين لوجود ذلك عيانًا، كما لا يمتنع اعتدال جهتين مختلفتين في القبلة، ثم كان لا يمنع اعتدال جهتين مختلفتين في القبلة من التخيير في الصلاة إلى أيهما شاء _________ (١) انظر «التلخيص» لإمام الحرمين (٣/ ٤١٦). (٢) انظر القسم الخامس في «حقيقة القولين» (ص: ٢٩٧)، وانظر «القواطع» للسمعاني (٥/ ٨٢). (٣) انظر «التلخيص» (٣/ ٤١٩).

стр. 213

إجماعًا، وكذلك جاز مثل هذا اعتدال فروع بين أصلين في تخيير ردِّه إلى أيهما شاء، والثاني - أن القياس طريق إلى الأحكام كالنصوص، فلما جاز ورود النصِّ بالتخيير في الكفارة جاز أيضًا أن يكون القياس موجبًا للتخيير كالنصِّ، وليس بمستحيل في الشرع ورود النصِّ بالتخيير بين حكمين متنافيين، كما يُخيَّر المسافر بين الصوم والفطر وبين الإتمام والقصر، ويُخيَّر العبد بين الجمعة والظهر» (١). هكذا أجاب السمعاني تنزلًا على قول تكافؤ الأدلة وإصابة المجتهدين، وليس ذلك مذهب المحقِّقين من أصحاب الشافعي، وليس أبدًا بالذي سار عليه الأصحاب وعملوا، بل إن الشيخ أبا إسحاق قال: «لا يقول به أحد»، لكن الغزالي ذهب إليه واستحسنه (٢). والمذهب السديد: إنه ليس له في المسألة قول ولا مذهب، وإنما ذكر القولين ليتردَّد فيهما، وهو القول الثالث. قال السمعاني: «إن الشافعي لم يذكر القولين في هذا المعنى على معنى أنه معتقد لهما أو مخيّر، وإنما ذكرهما لأن الحادثة تحتمل كلا القولين ولم يترجَّح عنده بعد أحدهما، فذكرهما لينظر فيهما ويختار منهما الصواب، فأدركه الموت قبل البيان، وليس في هذا عيب على المجتهد، بل هو دليل على غزارة علم المجتهد وكمال فضله وشدة تَوَقِّيه» (٣). فإن قال قائل: فلا معنى لقولكم: «للشافعي قولان»؛ إذ ليس له على ما زعمتم في مثل هذه المسائل قول واحد ولا قولان .. أجاب إمام _________ (١) انظر «القواطع» للسمعاني (٥/ ٨٣). (٢) انظر «شرح اللمع» للشِّيرازي (٢/ ١٠٧٦)، و «حقيقة القولين» للغزالي (ص: ٢٩٨). (٣) انظر «القواطع» للسمعاني (٥/ ٨٤)، ونحوه لإمام الحرمين في «التلخيص» (٣/ ٤٢٠).

стр. 214

الحرمين فقال: «هكذا نقول ولا نتحاشى منه، وإنما وجه الإضافة إلى الشافعي ذكره لهما واستقصاؤه وجوه الأشباه فيهما» (١). قلت: وبعد ذلك يبقى البحث عن الأظهر منهما، فإن ترجَّح شيء من ذلك كان الترجيح مذهبًا لمن ترجَّح عنده، ولم يكن مذهبًا للإمام الشافعي؛ لأنه لم يترجَّح عنده (٢). الصورة الثامنة: أن يذكر القولين حكاية عن مذهب غيره (٣). كما يفعل في «كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى» ينقل عن هذا قولًا وعن هذا قولًا آخر، ومنه كذلك قوله: «فمن أصحابنا من رأى حلق الشعر وتقليم الأظفار ومنهم من لم يره» (٤). وهذه الصورة مثل سابقتها في أنه توقف وليس قولًا للشافعي ولا مذهبًا له، ويزيد عليه بأنه لا دلالة له في حصر الحق في المذهبين المحكيين، إلا أن يعرف ذلك من خارج، قال السمعاني: «فإن أشار إليهما بالإنكار .. كان الحق عنده في غيرهما، وإن أشار إليهما بالجواز .. جاز أن يكون الحق عنده فيهما وفي غيرهما، وإن أشار إليهما بالاختيار .. كان الحق عنده فيهما» (٥). وهذا لأن مجرد الحكاية لا توجب أن يكون المروي قولًا للراوي؛ لأن الحاكي يخبر عن معتقد غيره، فلم يجز أن يضاف حكايته إليه أنه يعتقده، وهذا كمن حكى الكفر لا يصير كافرًا، ومن نقل الخلاف لا يكون _________ (١) انظر «التلخيص» لإمام الحرمين (٣/ ٤٢١). (٢) انظر «القواطع» للسمعاني (٥/ ٦٨). (٣) وهو القسم الثاني في «نصرة القولين» لابن القاص (ص: ١٠٩)، والقسم الثاني عشر في «القواطع» للسمعاني (٥/ ٧٧)، والقسم الثالث في «حقيقة القولين» للغزالي (ص: ٢٨٢). (٤) انظر «المختصَر» (الفقرة: ٤٧٠). (٥) انظر «القواطع» للسمعاني (٥/ ٧٧).

стр. 215

مخالفًا، وقد حكى الله تعالى عن أهل الكتاب أقوالهم في عدد أصحاب الكهف فقال: ﴿سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم﴾ [الكهف: ٢٢]. ومن أمثلة هذه الصورة مسألة الثوب إذا دفعه إلى الخياط فقطعه فاختلفا في ذلك، فقال الخياط: أمرني أن أقطعه قباء، وقال رب الثوب: أمرتك أن تقطعه قميصًا، فذكر الشافعي في المسألة قول ابن أبي ليلى: إن القول قول الخياط، وقول أبي حنيفة: إن القول قول رب الثوب، ثم قال الشافعي: «وهذا أشبه القولين، وكلاهما مدخول» (١)، فأشار بقوله: «وهذا أشبه القولين» إلى ترجيح مذهب أبي حنيفة، وبقوله: «وكلاهما مدخول» إلى قولٍ ثالثٍ في المسألة، وهو ما نصَّ عليه في «الأمالي» أنهما يتحالفان، وحكاه عنه المُزَني في «الجامع الكبير»، واختلف أصحابنا: فمنهم من قال: مذهب الشافعي التحالف، وما سواه حكاه مذهبًا لغيره، وقد دفعه بقوله: «وكلاهما مدخول»، وبهذا قال أبو علي الطبري وصاحب «التقريب» والشيخ أبو حامد، ومنهم من قال: ليس في المسألة إلا قولان، واختلفوا في عينهما، فعن ابن سريج، وأبي إسحاق، وابن أبي هريرة، والقاضي أبي حامد وغيرهم؛ أنهما مذهب أبي حنيفة وابن أبي ليلى، ومنهم من قال: هما تصديق المالك والتحالف، وأما تصديق الخياط فإن الشافعي أعرض عنه، حيث رجح القول الآخر، ومنهم من أثبت الأقوال الثلاثة، وأخذ ذلك من ترجيحه مذهبَ أبي حنيفة على مذهب ابن أبي ليلى، وهذا يُشعر بتردُّده في القولين؛ فإن من يُفسد القولين لا يرجّحِ أحدهما على الثاني، وينقل هذا عن القفَّال. _________ (١) انظر «المختصَر» للمُزَني (الفقرة: ١٦٨١).

стр. 216

الفصل الخامس: اختلاف قوله باختلاف مواضع التقرير (١) وذلك بأن يقول في موضع بقول وفي آخر بغيره، والنكتة في هذه الصورة أمور ثلاثة هي التي تحدِّد حكمها: الأمر الأول: عدم ذكر القولين المختلفين في آن واحد يدل على اختلاف زمنهما، وذلك يعطي هذه الصورة شبهًا من القديم والجديد، ومن ثم ليست هذه الصورة من قبيل الترديد. الأمر الثاني: عدم معرفة تاريخ القولين لا يمكننا أن نحكم على أحدهما بالقديم والآخر بالجديد، وإنما يتعرف قول الإمام الذي هو مذهبه بالترجيح بأدلته السابقة ذكرها في مسائل الترديد. الأمر الثالث: عدم ورود القولين في سياق واحد يزيد هذه الصورة على صورة القديم والجديد وصورة الترديد باحتمال الجمع بين القولين وحملهما على اختلاف الحالين، ويؤيِّده أن الأصل عدم اختلاف قول _________ (١) انظر القسم الحادي عشر في «القواطع» للسمعاني (٥/ ٧٦).

стр. 217

المجتهد الواحد (١)، ومن أمثلته مسألة اتفاق الزوج مع الولي والمرأة على أن المهر كذا، ثم يعلن بأكثر منه، قال في موضع أن المهر السرّ، وفي موضع آخر أنه العلانية، قال المُزَني: «وهذا أوْلَى عندي؛ لأنَّه إنَّما يَنْظُرُ إلى العُقُودِ، وما قَبْلَها وَعْدٌ» (٢)، حمله على اختلاف القولين، والمذهب تنزيل النصين على حالين، فحيث قال: المهر مهر السرّ .. أراد إذا عقد في السرّ بألف، ثم أتوا بلفظ العقد في العلانية بألفين تجملًا، وهم متفقون على بقاء العقد الأول، وحيث قال: المهر مهر العلانية .. أراد إذا تواعدوا أن يكون المهر ألفًا ولم يعقد في السرّ ثم عقدوا في العلانية، فالمهر مهر العلانية؛ لأنه العقد. وقد نطق على هذا المعنى كتاب الله تعالى فقال: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض﴾ [المائدة: ٣٣]، قال ابن عباس: «إن قَتَل قُتِل، وإن أخذ المال قُطِع، وإن جمع الأمرين قُتِل وصُلِب، وإن كَثَّر وسَوَّر نُفِيَ من الأرض بالطلب، فإن قُدِر عليه حبس»، وكذا السنة، قال النبي ﷺ لأم عطية في غسل ابنته: «اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا إن رأيتن ذلك». فإن قيل: فيستعمل هذا في كل ما يمكن من اختلاف القولين أو لا؟ .. قلنا: يعتبر ذلك في أصول مذهبه، ويوجد ذلك على ثلاثة أضرب: أحدها: أن يقتضي أصول مذهبه حكمها على اختلاف حالين، فيحمل على اختلاف حالين، ولا يحمل على اختلاف قولين. _________ (١) انظر القسم السادس في «نصرة القولين» لابن القاص (ص: ١١٧)، والقسم الثالث في «القواطع» للسمعاني (٥/ ٦٦)، والقسم الثاني في «نصرة القولين» للغزالي (ص: ٢٨١). (٢) انظر «المختصر» للمُزَني (الفقرة: ٢١٨٨).

стр. 218

والضرب الثاني: أن يمنع أصول مذهبه من حملها على اختلاف حالين، فيحمل على اختلاف قولين، ولا يحمل على اختلاف حالين، وهنا ينظر في وسائل الترجيح التي ذكرناها، ويزيد هذا الفصل عليها بالترجيح باعتبار موضع التقرير، قال النووي: «ومما ينبغي أن يرجح به أحد القولين، وقد أشار الأصحاب إلى الترجيح به، أن يكون الشافعي ذكره في بابه ومظنته، وذكر الآخر في غير بابه، بأن جرى بحث وكلام جرّ إلى ذكره، فالذي ذكره في بابه أقوى؛ لأنه أتى به مقصودًا، وقرَّره في موضعه بعد فكر طويل، بخلاف ما ذكره في غير بابه استطرادًا، فلا يعتني به اعتناءه بالأول، وقد صرَّح أصحابنا بمثل هذا الترجيح في مواضع لا تنحصر» (١). والضرب الثالث: أن تتقابل أصول مذهبه في أمرين، فمن أصحابه من غلب حمله على اختلاف حالين، ومن أصحابه من غلب حكمه على اختلاف قولين، والأول أولى؛ لأن ما أمكن حمله على الوفاق كان أولى من حمله على الخلاف (٢). _________ (١) انظر «المجموع» للنووي (١/ ١١٢). (٢) انظر «القواطع» للسمعاني (٥/ ٦٧).

стр. 219

الفصل السادس: اختلاف قوله باختلاف الرواة عنه فيروي المُزَني غير ما يرويه الربيع والبُوَيْطي وحَرْمَلَة من رواة الجديد، أو يروي الزعفراني غير ما يرويه أبو ثور من رواة القديم، والأصل في الرواة الثقة والقبول في النقل عن الشافعي، ومقتضاه أن يقبل الرواية عن الشافعي مطلقًا وحمله على اختلاف قوله، لكن ذلك ليس على إطلاقه؛ لأنه يعارضه أصل اتحاد قول المجتهد الواحد، وإمكان وَهْم الراوي الثقة في بعض مَرْوِيِّه، ومن هنا ذهب الأصحاب مذهبين في التعامل مع اختلاف الرواة: المذهب الأول وهو الغالب: قبول الرواية وتخريج المسألة على القولين أو الأقوال، ثم يذهب بها مذهب اختلاف قول الشافعي باختلاف الكتب، فقد يرجحون وقد يجمعون بالتأويل والحمل على اختلاف الحالين. المذهب الثاني: قبول الأصحِّ الأضبط من الرواة وتوهيم من خالفه، ومن ثم تخريج المسألة على قول واحد، وهذا على وَفْق منهج المحدثين في اختلاف رواة الأحاديث.

стр. 220

والحاكم على أيِّ الناقلين أولى بالحق في المسألة المعيَّنة ثلاثة أمور حسبما ظهر لي من تصرُّف الأصحاب: أولها - طبقة الراوي في معرفة فقه الإمام وضبطه، فقد ذكرنا أن الزعفراني أثبت رواة القديم، وذكر ابن الصلاح نقلًا عن الخطابي أن ما رواه المُزَني والربيع المرادي مقدم عند أصحابنا على ما رواه حرملة والربيع الجيزي وأشباههما ممن لم يكن قوي الأخذ عن الشافعي (١)، وزاد النووي مع المُزَني والربيع ذكر البُوَيْطي، قال: «ألحقته أنا لكونه أجل من الربيع المرادي والمُزَني، وكتابه مشهور، فيحتاج إلى ذكره» (٢). وثانيها - الغرابة والتفرُّد بالنقل، وذلك بألا يوجد الرأي المنقول إلا عند الراوي المعين. وثالثها - مخالفة قياس المذهب وأصوله، بحيث يغلب على الظن احتمال خطأ الناقل، ومع ذلك قلما يتفقون عليه. ومن أمثلته: نقل المُزَني عن الشافعي أن المولى إذا حُبس لم تحسب عليه المدة زمانَ حبسه وإن مرض حسب عليه زمان مرضه (٣)، ونصّ الشافعي في كتبه جازم بأن مدة حبس الزوج محسوبةٌ مثل زمان المرض، وإنما ذكر منع الاحتساب فيما إذا حبست هي، لا في حبسه، فسقط التاء عن الناقل ومنه سرى الوهم، قال إمام الحرمين: «ولم يصر أحدٌ من الأصحاب إلى تصديق المُزَني في نقل نصِّ الحبس ونصِّ المرض على مناقضته والمصيرِ إلى إجراء القولين بالنقل والتخريج، ولو قال قائل بذلك _________ (١) انظر «أدب المفتي والمستفتي» لابن الصلاح (ص: ٨٩)، و «معالم السنن» للخطَّابي (١/ ٤). (٢) انظر «المجموع» للنووي (١/ ١١١). (٣) انظر «المختصَر» للمُزَني (الفقرة: ٢٤٢٥).

стр. 221

لكان قريبًا، ولكن التعويل على النقل» (١)، كذا قال، وقد ذكر الرافعي بعض من ذهب إلى تصديق المُزَني (٢). _________ (١) انظر «النهاية» لإمام الحرمين (١٤/ ٤٤٩). (٢) انظر «العزيز» للرافعي (١٥/ ٤٠٠).

стр. 222

الفصل السابع: اختلاف قوله في النظائر (١) فيذكر قولين مختلفين في مسألتين متشابهتين، فيذكر أحد القولين في إحدى المسألتين، ويذكر القول الآخر في المسألة الثانية، فيجب النظر في الفرق بين المسألتين، والأصحاب يختلفون في مثل هذا على ثلاث طرق: أولها وأولاها: تقرير النَّصَّين في موضعهما وإيجاد فرق بين المسألتين. وهذا أصحُّ الطرق إن وجد ما يصلح فارقًا بلا تكلف، وهو ظاهر صنيع الشافعي؛ فإن اختلاف قوله في المسألتين دليل على افتراق ما بينهما، وعلى هذا يمتنع أن يكون قوله في واحدة من المسألتين إلا ما نصّ عليه فيها، سواء ذكر الفرق أو لم يذكر، وتخريجها على قولين خطأ. المذهب الثاني: الاستشهاد بنصّ على نصّ وطرد القولين وجعلهما بمثابة اختلاف قوله باختلاف الكتب. _________ (١) انظر القسم التاسع في «القواطع» (٥/ ٧٤)، والقسم الأول في «مناقب الشافعي» للفخر الرازي (ص: ١٨٦).

стр. 223

وهذه طريقة المُزَني، ومن أمثلته: نصّ الشافعي على أنه إذا وقع في المغنم من يَعْتِق على بعض الغانمين إذا ملكه بحكم القرابة فلا نحكم بعتقه عليه قبل القسمة، ونصّ على أن الغانم إذا وطئ جارية المغنم ثبت الاستيلاد، فمن أصحابنا من نقل جواب مسألة العتق إلى الاستيلاد ومسألة الاستيلاد إلى العتق وخرَّجهما على قولين، ومن أصحابنا من أقرَّ النصَّين وفرَّق بين الاستيلاد ونفوذ العتق بحكم القرابة، فقال: الاستيلاد أقوى، ولذلك ينفذ في محل امتناع العتق؛ فإن الأب إذا استولد جارية الابن ثبت الاستيلاد، ولو ملك الابن من يعتق على الأب لم يَعتِق على الابن، وهذا المذهب، قال إمام الحرمين: «واختيار المُزَني أن الجارية لا تصير أم ولد، واحتج بعدم عتق القريب أخذًا من النصّ، وهو لا يرى النقلَ والتخريجَ، ويستشهد بالنصِّ على النصِّ» (١). ومن أمثلته: نصّ الشافعي في الرجل يقول لابنه: «لست بابني» أنه ليس بقاذف لأمه حتى يسأل، ونصّ في الرجل يقول لابن ملاعنة: «لست بابن فلان» أنه قاذف، واختلف أصحابنا في قول الزوج وقول الأجنبي على طريقين: فمنهم من قال: فيهما قولان نقلًا وتخريجًا: أحدهما - أن اللفظ صريح في القذف، ووجهه جريانُ العرف على الاطِّراد بإرادة القذف بهذا اللفظ، والقول الثاني - أن هذا اللفظ ليس بصريح؛ فإنه ليس فيه تعرُّض للزنا ولا لغيره، وهذا هو الأقيس، ومن أصحابنا من أقرَّ النصين قرارَهما وقال: إن كان القائل أبًا فهذا محتمل منه بتأويل تأديب الابن والتنديد عليه، وإن كان القائل أجنبيًّا ولم يكن أبًا فالمحمل الأظهر - وليس الأجنبي في محل التأديب - القذفُ الصريح، وهذا الطريق هو المذهب، قال إمام _________ (١) انظر «النهاية» لإمام الحرمين (١٧/ ٥٢٢)، وانظر «المختصَر» للمُزَني (الفقرة: ٣٣٦٣).

стр. 224

الحرمين: «واختيار المُزَني طرد القولين، وهذه عادته؛ فإنه يتشوف إلى تخريج القولين مهما اشتمل الكلام على نوعٍ من التردُّد» (١). المذهب الثالث: النقل والتخريج. قال الرافعي: «إذا ورد نصَّان عن صاحب المذهب مختلفان، في صورتين متشابهتين، ولم يظهر بينهما ما يصلح فارقًا .. فالأصحاب يخرجون نصّه في كل واحدة من الصورتين في الصورة الأخرى؛ لاشتراكهما في المعنى، فيحصل في كل واحدة من الصورتين قولان، منصوص ومخرج، المنصوص في هذه هو المخرج في تلك، والمنصوص في تلك هو المخرج في هذه»، فيقولون: «فيهما قولان بالنقل والتخريج»، أي: «نُقِلَ المنصوصُ في هذه الصورة إلى تلك وخُرِّجَ فيها، وكذلك بالعكس»، قال: «ويجوز أن يراد بـ (النقل): الرواية، ويكون المعنى: في كل واحدة من الصورتين قول منقول، أي: مروي عنه، وآخر مخرج» (٢). ثم الكلام في النقل والتخريج حول أمور ثلاثة: بيان شرطه، وبيان نسبته، والترجيح بينه وبين القول المنصوص. فأما بيان شرطه .. فقال ابن الصلاح: «وشرط التخريج المذكور عند اختلاف النصين ألا يجد بين المسألتين فارقًا، ولا حاجة في مثل ذلك إلى علة جامعة، وهو من قبيل إلحاق الأَمَة بالعبد في قوله ﷺ : (من أعتق شركًا له في عبد قوم عليه)، ومهما أمكنه الفرق بين المسألتين لم يَجُز له على الأصح التخريج، ولزمه تقرير النصين على ظاهرهما معتمدًا على الفارق، _________ (١) انظر «النهاية» (١٥/ ٧٣)، وانظر «المختصَر» للمُزَني (الفقرة: ٢٥٦٩). (٢) انظر «العزيز» (١/ ٥٩٨).

стр. 225

وكثيرًا ما يختلفون في القول بالتخريج في مثل ذلك لاختلافهم في إمكان الفرق» (١). قال الرافعي: «ثم الغالب في مثل ذلك عدم إطباق الأصحاب على هذا التصرف، بل ينقسمون إلى فريقين: منهم من يقول به، ومنهم من يأبى ويستخرج فارقًا بين الصورتين يستند إليه افتراق النصَّين» (٢). وأما بيان نسبته .. فذكر الشيخ أبو إسحاق أنه إذا نصَّ الإمام في واقعة على حكم، وفي أخرى شبهها على خلافه لا يجوز نقل قوله من إحداهما إلى الأخرى وتخريجهما على قولين، وأن ما يقتضيه قوله لا يجعل قولًا له، إلا إذا لم يحتمل كقوله: «ثبتت الشفعة في الشقص من الدار»، فيقال: قوله في الحانوت كذلك، ومقتضى ذلك أن القول المخرج لا ينسب إلى الشافعي إلا إذا كان من باب نفي الفارق (٣)، قال الرافعي: «والمعروف في المذهب خلاف ما قاله، لكن الأولى أن يقال: (إنه قياس أصله)، أو: (قياس قوله)، ولا يقال: (هو قوله)» (٤). قلت: كأن الرافعي فهم من كلام الشيرازي منع التخريج مطلقًا، وليس ذلك بمراده، وإنما أراد إنكار إطلاق النسبة إلى الشافعي كما أشار إليه ابن الصلاح (٥)، وليس المعروف في المذهب خلاف ذلك كما قال الرافعي، بل إن ما قاله الشيرازي هو الأصحُّ كما نصَّ عليه النووي والسُّبْكي (٦)، وهو _________ (١) انظر «أدب المفتي والمستفتي» (ص: ٤٥)، ونحوه في «المجموع» للنووي (١/ ٧٧). (٢) انظر «العزيز» (١/ ٥٩٨). (٣) انظر «شرح اللمع» (٢/ ١٠٨٢). (٤) انظر «الروضة» للنووي (١١/ ١٠٢). (٥) انظر «أدب المفتي والمستفتي» لابن الصلاح (ص: ٤٤). (٦) انظر «المجموع» للنووي (١/ ١٠٧)، و «تشنيف المسامع» للزركشي (٣/ ٦٧٢).

стр. 226

طريقة المُزَني في «المختصَر» إذا خرج على أصل الشافعي، والله أعلم. وأما الترجيح بين القول المنصوص والمخرج .. فقال ابن الصلاح: «الظاهر أن الذي نصّ عليه منهما يقدم، كما يقدم ما رجّحه من القولين المنصوصين على الآخر؛ لأنه أقوى نسبة إليه منه، إلا إذا كان القول المخرج مخرجًا من نصّ آخر لتعذّر الفارق» (١)، وقال: «وإذا اختار أحدهم القول المخرج على القول المنصوص، أو اختار من القولين اللَّذَيْن رجح الشافعي أحدهما غير ما رجحه .. فهو من قبيل اختيار أحدهم مذهب غير الشافعي إذا أدَّاه اجتهاده إليه» (٢). وسأتكلم عن التخريج ووجوهه في باب خاص به. _________ (١) انظر «أدب المفتي والمستفتي» لابن الصلاح (ص: ٨٧) ونحوه في «المجموع» للنووي (١/ ١١١). (٢) انظر «أدب المفتي والمستفتي» لابن الصلاح (ص: ٩٠)، ونحوه في «المجموع» للنووي (١/ ١١٠).

стр. 227

باب التخريج واختلاف الوجهين ونذكر فيه: تعريف التخريج ووجوهه، ونسبة تخريجات الأصحاب إلى الإمام الشافعي أو إلى المذهب، ووجوه اختلاف الأصحاب في التخريج، وذكر اجتهادات الأصحاب المفردة. تعريف التخريج ووجوهه التخريج: استنباط حكم ما لا نصَّ للإمام فيه بإلحاقه بمنصوصه أو قواعده أو أصوله (١). فتبيَّن أن التخريج باعتبار أصله ثلاثة أوجه جامعة تتفرَّع إلى خمس مراتب (٢): الوجه الأول: التخريج على نصوص الإمام في المسائل المعيَّنة، وهو على مرتبين: أولهما: أن يخرج من نصّ معيَّن في مسألة معيَّنة إلى مثلها المساوية لها، من غير فرق ولا نصّ يعارضه، قال الشيخ تقي الدين السُّبْكي: «وهذا أقوى ما يكون من التخريج» (٣). وثانيهما: أن يخرج من نصّ معيَّن في مسألة معيَّنة وله في نظيرها نصّ يخالفه، فيكون ما نصَّ عليه قولًا منصوصًا، وما استخرجه قولًا مخرجًا، ويقول: «قولان بالنقل والتخريج»، وشرطه ألا يجد بين المسألتين فارقًا، ومهما أمكنه الفرق بين المسألتين لم يجز له التخريج، ومن الأصحاب من _________ (١) هذا التعريف استنبطته من كلام كل من ابن الصلاح في «أدب المفتي والمستفتي» (ص: ٤٢)، والنووي في مقدمة «المجموع» (١/ ١٠٧). (٢) أخذت هذه التفريعات من كلام الشيخ تقي الدين السُّبْكي في «قضاء الأرب» (ص: ٤١٠ - ٤١٤). (٣) انظر «قضاء الأرب» للشيخ تقي الدين السُّبْكي (ص: ٤١١).

стр. 228

يتكلف فرقًا في جميع الأحوال، قال الشيخ السُّبْكي: «وهذه رتبة ثانية في التخريج» (١)، قلت: تكلمنا عليها في أواخر الباب الأول. الوجه الثاني من وجوه التخريج: التخريج من قواعد الإمام الفقهية، بألا يكون للإمام نصّ معيَّن في مسألة معيَّنة، ولكن تكون له قواعد مذهبية ونصوص مختلفة في مسائل يؤخذ منها قاعدة كلية تدل على حكم في مسألة لم يوجد فيها له نصّ، قال الشيخ السُّبْكي: «وهذه رتبة ثالثة، وقد تكون أقوى من الثانية إذا ظهر الفرق في الثانية ولم يظهر في هذه، وهو يزاحم الأولى، وقد يربو عليها؛ لأن الأولى من مسألة واحدة، وهذه من مسائل شتَّى، فقد يكون باجتماعها يقوى على ما يؤخذ من تلك الواحدة» (٢). ومن أمثلة القواعد التي لها أثر بارز في الأبواب الفقهية: اليقين لا يزول إلا باليقين (ف: ٢٣٥٩، و ١٠٧٦)، الرخصة لا تكون لعاصٍ (ف: ٣٨٨)، التأقيت لا يدرك إلى بخبر (ف: ٣٠٣، و ٢٤٢٠)، كل من أفسد شيئًا ضمن قيمة ما أفسد خطأً أو عمدًا (ف: ٢٧٢٣)، وقاعدة تفريق الصفقة (ب ١٣٢)، وقاعدة عود الحنث (ف: ٢٧٦٩)، وهناك كتب مؤلفة في شرح القواعد الفقهية عند الشافعي يسهل مراجعتها. الوجه الثالث: التخريج على قاعدة الإمام في أصول الفقه، إذا لم يجد المخرج شيئًا من نصوص الإمام وقواعده الفقهية، ثم هو باعتبار أصوله على مرتبتين: أولهما: أن يجد دليلًا شرعيًّا جاريًا على أصل من أصول الشافعي الذي قرَّره في أصول الفقه نصًّا، فيخرج الفرع على أصل منصوص _________ (١) انظر «قضاء الأرب» للشيخ تقي الدين السُّبْكي (ص: ٤١١). (٢) انظر «قضاء الأرب» للشيخ تقي الدين السُّبْكي (ص: ٤١٢).

стр. 229

للإمام، قال الشيخ السُّبْكي: «وهذه رتبة رابعة» (١). وثانيهما: أن يجد دليلًا شرعيًّا جاريًا على أصل من جنس ما يقول به الشافعي، وإن لم يكن له نصّ في ذلك الأصل، فيخرج الفرع على أصل مخرج من نصوص الشافعي في الفروع المختلفة، قال الشيخ السُّبْكي: «وهذه رتبة خامسة» (٢). وإطلاق القول بالتخريج على أصول الشافعي بعيد عن حقيقة التخريج، لأن أغلب أصول الفقه قطعية وعامة بين المذاهب الفقهية لا خصوصية للشافعي بها، والذي يظهر لي - والله أعلم - أن المقصود بأصول الشافعي بعض الجزئيات الأصولية التي تدخل تحت الكليات القطعية، وعلى سبيل المثال: من الأصول القطعية في الأصول حجية العموم، وأن الخاص مقدم عليه في حال التعارض، ولكن اختلفوا في تقديم القياس على الخاص على العموم، والشافعي يرى تقديم العموم على القياس على الخاص، فهذا من أصوله (ف: ١٠٠٩). ومن الأصول القطعية الاحتجاج بكل من المطلق والمقيَّد، وأن المقيَّد مقدَّم على المطلق في حال اتحاد الحكم والسبب، لكن اختلفوا في حال اختلاف السبب، وأصل الشافعي الحمل (ف: ٢٤٧١). ومن الأصول القطعية قبول خبر الواحد الثقة، واختلفوا في قبول زيادته التي تفرَّد بها عمَّن شاركه في أصل الحديث، وذهب المُزَني إلى أن أصل الشافعي القبول (ف: ١٥٩). _________ (١) انظر «قضاء الأرب» للشيخ تقي الدين السُّبْكي (ص: ٤١٢). (٢) انظر «قضاء الأرب» للشيخ تقي الدين السُّبْكي (ص: ٤١٢).

стр. 230

هذه أمثلة الأصول التي تعتمد في التخريج كما ظهر لي، وهذه جملة وجوه التخريج، وقد جمعت أصولها في التعريف، وإذ فهمنا حقيقة التخريج ووجوهه فلا يخفى سعة أسباب اختلاف الأصحاب فيه، فما هي نسبة هذه التخريجات إلى الإمام الشافعي أو مذهبه؟ وما وجوه الاختلاف فيها؟ أقول: نسبة تخريجات الأصحاب إلى الإمام الشافعي أمَّا نسبة تخريجات الأصحاب إلى الإمام الشافعي .. فالمرجع فيه إلى النظر في قرب التخريج من نصّ الإمام وبعده، واصطلحوا في بيانه على التفريق بين قسمين منها: القسم الأول: الأقوال المخرجة، وهي تخريجات الأصحاب على نصوص الإمام في المسائل الجزئية، فيخرجون في المسألة قولًا مخرجًا، أو قولين مخرجين، وقد يكون للإمام في المسألة قول منصوص فيخرجون له آخر مخرجًا، ولا يصح ما قد يُفهم من كلام ابن الصلاح من تخصيص مصطلح «القول المخرج» بصورة النقل والتخريج فقط (١)، فذكر القولين كلاهما مخرج منتشر في كتب الفقه لا مجال لإنكاره. ثم في نسبة هذا إلى الإمام الخلاف السابق في مسألة النقل والتخريج، وقد بيَّنَّا أن الأصحَّ قول الشيخ أبي إسحاق الشِّيرازي بعدم نسبته إلا مقيدًا، وقال الشيخ السُّبْكي: «لا ينبغي أن يقال: (قال الشافعي) إلا لما وجد منصوصًا له» (٢). _________ (١) انظر كلام ابن الصلاح في «أدب المفتي والمستفتي» (ص: ٤٥) حيث شرط لإطلاق القول المخرج وجود نصّ بخلافه. (٢) انظر «قضاء الأرب» للتقي السُّبْكي (ص: ٤١٤).

стр. 231

القسم الثاني: الوجوه، وهي تخريجات الأصحاب على قواعد الإمام وأصوله (١)، فيقولون: «المسألة على وجهين»، أو: «ثلاثة أوجه» فصاعدًا، وهذه لا تنسب إلى الإمام الشافعي قولًا واحدًا (٢)، قال الشيخ السُّبْكي: «نعم إنه مقتضى قول الشافعي، أو من مذهبه، بمعنى أنه من قول أهل مذهبه، والمفتي يُفتي به إذا ترجَّح عنده؛ لأنه من قواعد الشافعي» (٣). ومما يجب أن يتنبَّه له أن التمييز بين الأقوال المخرجة وأوجه الأصحاب ليس دقيقًا، والتمييز الذي ذكروه في رأيي تمييز جملي مجمل مرجعه إلى قرب ما بين القول المخرج والنص المخرج منه، وإلا فالكثير من تخريجات الأصحاب من نصوص الإمام الجزئية تُعتبر أوجهًا لهم، وقد قال الرافعي: «إذا لم يكن القولان منصوصين فكثيرًا ما يعبَّر عنهما بالوجهين» (٤)، وهذه ظاهرة منتشرة في كتب الفروع، وهو السبب في اختلاف الأصحاب في حكاية المذهب قولين أو وجهين. نسبة تخريجات الأصحاب إلى المذهب وأمَّا نسبة تخريجات الأصحاب إلى المذهب .. فينبغي التفريق بين العبارات الثلاثة: «قال الشافعي»، و «مذهب الشافعي»، و «مذهب الشافعية»، فلا ينبغي أن يقال: «قال الشافعي» إلا لما وجد منصوصًا له كما سبق. وأما عبارة «مذهب الشافعي» .. فذكر الشيخ السُّبْكي أنه لا يقال ذلك _________ (١) انظر «أدب المفتي والمستفتي» لابن الصلاح (ص: ٤٥)، ومقدمة «المجموع» للنووي (١/ ١٠٧). (٢) انظر «قضاء الأرب» للتقي السُّبْكي (ص: ٤١٤). (٣) انظر «قضاء الأرب» للتقي السُّبْكي (ص: ٤١٤). (٤) انظر «العزيز» للرافعي (١/ ٧٩٢).

стр. 232

إلا لما جمع أمرين: أحدهما - أن يكون منصوصًا له، والثاني - أن يكون قال به أصحابه أو أكثرهم (١). ويرد عليه ثلاث صور: الصورة الأولى: ما اتفقوا عليه ولم يعلم هو منصوص له أو لا، فقال الشيخ السُّبْكي: «يسوغ اتباعهم فيه، ويسهل نسبته إليه؛ لأن الظاهر من اتفاقهم أنه قال به» (٢). قلت: والظاهر أن ذلك نظرًا لانتشار كتب الشافعي وعدم اجتماعها كلها عند أحد من الأصحاب، فيكون اتفاقهم على قول الشافعي في المسألة دليلًا على وجوده في منصوصاته وإن لم نطلع نحن عليه. الصورة الثانية: ما كان منصوصًا للشافعي وقد خرج عنه الأصحاب، إمَّا بتأويل، وإمَّا بغيره، قال الشيخ السُّبْكي: «فلا ينبغي أن يقال: (إنه مذهب الشافعي)؛ لأن تجنيب الأصحاب له يدل على ريبة في نسبته إليه» (٣). قلت: وقد يشكل في النظر الأول ردّ نصّ الإمام بناءً على تخريجات الأصحاب، لكن لا إشكال في ذلك بعد النظر والتأمل؛ ذلك أن الأصحاب اتخذوا التخريج وسيلة لنقد المرويِّ عن الإمام، وذلك لأن الإمام الشافعي بنى مذهبه على اطراد الأصول، فلا يحتمل فيه رد الأصول بناءً على نصٍّ في فرع يمكن تأويله، ولهذا قال إمام الحرمين: «صحة المذاهب وفسادها بالتفريعات» (٤)، وقال: «التفاريع محنة الأصول، بها يبين فسادُها _________ (١) انظر «قضاء الأرب» للتقي السُّبْكي (ص: ٤١٤). (٢) انظر «قضاء الأرب» للتقي السُّبْكي (ص: ٤١٤). (٣) انظر «قضاء الأرب» للتقي السُّبْكي (ص: ٤١٤). (٤) انظر «النهاية» لإمام الحرمين (١٦/ ٤٢٠).

стр. 233

وسدادُها» (١)، يقصد بـ «الأصول» هنا الأصول المخرجة من نصوص الشافعي، فإذا ثبت أصل للتخريج في جملة نصوصه، ثم خالفه نصّ تدل على أصل آخر للتخريج لا يطَّرد في التفريع، قيل بالأصل المطَّرد، وتؤول النص المخالف له، قال ابن سريج: «متى عرف من أصول الشافعي شيء وذكره فى كتبه .. عمل به، فمتى وجد فى كتبه غير ذلك .. يؤول، ولم ينزل على ظاهره؛ لئلا يُعد قولًا آخر له» (٢). وقال إمام الحرمين: «ومما يجب أن يعتقده من ينتحل مذهب الإمام المطلبي أنه يبني فرعه على أصول الشريعة، وقد صحَّ في منصوصاته أنه قال: إذا بلغكم عني مذهب، وصحَّ عندكم خبر على مخالفته، فاعلموا أن مذهبي موجَبُ الخبر، والظن به أنه لو زلَّ قلم ناسخ عنه عن أصلِ أنَّ مذهبه موجَبُ الأصل، وما نُقل محمول على تحريف أو غفلة» (٣)، وقال: «واختصاص مذهب الشافعي بإمكان التفريع سببُه التزامه الجريانَ على الأصول، فإذا فرض حَيْدٌ اضطرب تفريع المذهب، ولم يحتمل مذهب الشافعي ما يحتمله غيره من المسالك المبنية على الميل عن الأصول» (٤). الصورة الثالثة: ما اتفق عليه الأصحاب، وقالوا: «إنه ليس بمنصوص»، قال الشيخ السُّبْكي: «فيسوغ تقليدهم فيه، ولكن لا يطلق: (إنه مذهب الشافعي)، بل: (مذهب الشافعية)» (٥). _________ (١) انظر «النهاية» لإمام الحرمين (١٤/ ٣٤٠). (٢) انظر ترجمة ابن سريج في «تهذيب الأسماء واللغات» للنووي. (٣) انظر «النهاية» لإمام الحرمين (١٩/ ٣٨٩). (٤) انظر «النهاية» لإمام الحرمين (٧/ ٤٩٨). (٥) انظر «قضاء الأرب» للتقي السُّبْكي (ص: ٤١٤).

стр. 234

وجوه اختلاف الأصحاب في التخريج وأمَّا وجوه اختلاف الأصحاب في مسائل التخريج .. فجملتها على قسمين رئيسين (١): أحدهما: أن يتردَّد الفرع بين أصلين مفردين، فيخرجه بعض الأصحاب على أحد الأصلين، ويخرجه آخرون على الأصل الآخر، ولا يبنى على قولين منصوصين، ولا وجهين قديمين، قال الشيخ أبو محمد الجُوَيْني: «فهذا يكثر» (٢). والقسم الثاني: أن تبنى المسائل بعضها على بعض؛ لاجتماعها في مأخذ واحد، ويكون المأخذ في الأصل أقوى منه في الفرع، فيكون ذلك سببًا للاختلاف في حكم الفرع، مع اتفاقهم في أصله، ثم هو على صور: فقد يكون الأصل مجزومًا بحكمه، ويختلفون في الفرع على وجهين فصاعدًا لضعف المأخذ فيه، وقد يكون للإمام في الأصل قولان منصوصان، فبني الفرع على القولين في الأصل، وقد يكون الأصل قاعدة مستنبطة من نصوص الإمام في المسائل الجزئية اختلف أوجه الأصحاب فيها، وينبني على خلافهم في القاعدة الخلاف في الفرع. قال الزركشي: «وأحسن شيء فيه كتاب (السلسلة) للجُوَيْني، وقد اختصره الشيخ شمس الدين بن القماح»، قال: «وقد يقوى التسلسل في بناء الشيء على الشيء، ولهذا قال الرافعي: (وهذه سلسلة طولها الشيخ)» (٣). _________ (١) استنبطتهما من مقدمة أبي محمد الجويني لكتاب «السلسلة» (١/ ١١١ - ١١٢)، ومن كلام الزركشي في كتاب «المنثور في القواعد» (١/ ٦٩ - ٧٠). (٢) انظر «السلسلة» لأبي محمد الجُوَيْني (١/ ١١١). (٣) انظر «المنثور في القواعد» للزركشي (١/ ٦٩).

стр. 235

ذكر اجتهادات الأصحاب المفردة قال النووي وهو بصدد الحديث عن الأوجه لأصحاب الشافعي المنتسبين إلى مذهبه أنهم «يخرجونها على أصوله، ويستنبطونها من قواعده، ويجتهدون في بعضها وإن لم يأخذوه من أصله» (١)، فاستشكل عليه ذكر اجتهادات الأصحاب خارج إطار التخريج على الأصول والقواعد ضمن الأوجه، وهو لا شكَّ مشكل. فإن ظاهر قوله: «ويجتهدون في بعضها وإن لم يأخذوه من أصله» يوهم أنه يُعَدُّ من المذهب مطلقًا، قال التاج ابن السُّبْكي: «وليس كذلك، بل القول الفصل فيما اجتهدوا فيه ولم يأخذوه من أصله أنه لا يُعَدُّ، إلا إذا لم يُنافِ قواعد المذهب، فإن نافاها لم يُعَدّ، وإن ناسبها عُدَّ، وإن لم يكن فيه مناسبة ولا منافاة ففى إلحاقه بالمذهب تردُّد» (٢). كذا قال، ومضمونه تقسيم اجتهادات الأصحاب إلى أقسام ثلاثة: القسم الأول: اجتهاداتهم المنافية لقاعدة المذهب، ولا تُعَدُّ من المذهب على قوله، لكن يرد عليه أن الاجتهادات لا خصوصية لها بذلك، بل إن تخريجات الأصحاب المنافية لقاعدة المذهب لا تُعَدُّ من المذهب، وهذا الربيع من جلة أصحاب الشافعي نقل عنه تخريج قول بوجوب كفارة اليمين عن نذر المعصية، فقال الماوردي: «هذا التخريج من الربيع، ليس بقول للشافعي، وإنما قاله تخريجًا عن نفسه؛ لأن غيره لم يحكه عنه، ولا وجد في شيء من كتبه، ولا تقتضيه أصول مذهبه، وكان الربيع إذا ألزم _________ (١) انظر «المجموع» للنووي (١/ ١٠٧). (٢) انظر «الطبقات» لابن السُّبْكي (٢/ ١٠٤).

стр. 236

شيئًا قال: (وفيه قول آخر)؛ لقصوره عن الانفصال عنه، وإنما يؤخذ بروايته دون تخريجه» (١)، ونقل عنه في مسألة «أنت طالق الشهر الماضي» أنه لا يقع الطلاق، فقال إمام الحرمين نقلًا عن الأئمة: «هذا من تصرُّف الربيع وتخريجه، وتصرُّفُه إذا لم يوافق قاعدة المذهب مردود، والمقبول منه منقولُه، لا مَقُوله» (٢). القسم الثاني: اجتهاداتهم التي تناسب قواعد المذهب، فهذه تُعَدُّ من المذهب على قول ابن السُّبْكي، لكن يُرَدُّ عليه أن هذه من قبيل التخريج على قواعد الإمام، وقد ذكرناه في وجوه التخريج. القسم الثالث: اجتهاداتهم التي لا تناسب قواعد المذهب ولا تنافيها، ففي هذه الاجتهادات تردد على حسب ابن السُّبْكي، قال: «وقد لا يكون لذلك وجود؛ لإحاطة المذهب بالحوادث كلها» (٣)، قلت: قد تبيَّن أن هذا القسم هو محلُّ البحث والنظر، فإذا كان موضع تردد عند ابن السُّبْكي بقي الإشكال في كلام النووي على ما كان عليه. وقد سئل عن هذه العبارة السُّبْكي الأب الشيخ تقي الدين، فقسم الاجتهاد إلى مراتب ثلاث (٤): أدناها: رجل قد تكيَّف بمذهب الشافعي وبتصرفاته الفقهية والأصولية حتى صارت له مزاجًا، ثم يجد مع ذلك دليلًا شرعيًّا، فيقول به فيما لم يجد فيه نصًّا للشافعي، قال الشيخ السُّبْكي: «ومن يكون كذلك تجده يدرك _________ (١) انظر «الحاوي» للماوردي (١٥/ ٥٠١). (٢) انظر «النهاية» لإمام الحرمين (١٤/ ١١٦). (٣) انظر «الطبقات» لابن السُّبْكي (٢/ ١٠٤). (٤) انظر «قضاء الأرب» للتقي السُّبْكي (ص: ١١٢).

стр. 237

مراد الشخص فيما لم يصرح به»، وجعله رتبة سادسة إلى مراتب التخريج السابقة، قال: «وفي جميعها تقيُّد بالمذهب» (١). فتعبيره هذا إشارة منه إلى أن هذا النوع من ضمن الاجتهاد المقيَّد بالمذهب الذي ذكره ابن الصلاح (٢). والمرتبة الثانية: ألا يكون الشخص مقلدًا لإمامه في المذهب ولا في الدليل، وإنما ينسب إليه لكونه سلك طريقه في الاجتهاد ودعا إلى سبيله، فيقول قولًا، قال الشيخ السُّبْكي: «فهو فيه كالمجتهد المطلق، ولكن لانتسابه إلى الشافعي وقدوته بقوله يعد قوله وجهًا». فهذا عنده رتبة سابعة للتخريج تُضاف إلى المراتب السابقة، وهو مرتبة المجتهد المنتسِب عند ابن الصلاح (٣). والمرتبة الثالثة: الاجتهاد المطلق الذي لا يسلك فيه طريقة غيره ولا ينتسب إليه، قال الشيخ السُّبْكي: «وهي التي اختلف في إثباتها للمُزَني، حتى إن تفرد لا تُعَدُّ من المذهب» (٤)، قلت: هذا مرتبة المجتهد المستقل عند ابن الصلاح (٥). والخلاصة أن المرتبة الأولى والثانية عند السُّبْكي من التخريج المنسوب إلى مذهب الشافعية، بخلاف المرتبة الثالثة فهي خارجة عن المذهب، وعليه ينبغي أن يُزاد في تعريف التخريج عبارة: «أو اجتهادًا على طريقته». _________ (١) انظر «قضاء الأرب» للتقي السُّبْكي (ص: ١١٢). (٢) انظر «أدب المفتي والمستفتي» لابن الصلاح (ص: ٤٢). (٣) انظر «أدب المفتي والمستفتي» لابن الصلاح (ص: ٤٠). (٤) انظر «قضاء الأرب» للتقي السُّبْكي (ص: ١١٢). (٥) انظر «أدب المفتي والمستفتي» لابن الصلاح (ص: ٣٥).

стр. 238

قلت: أنا متردِّد في هذه النسبة، ولا أراه يصحّ، ويرد عليه إشكالية الفرق بين ما يُعزَى للمذهب من تخريجات الأصحاب وما لا يُعزَى، وما ذكره الشيخ أمور كلها نفسية لا يمكن أن تكون ميزانًا للتمييز، والموجود في كلام إمام الحرمين في «النهاية» النظر إلى عبارة المُزَني، فما قال فيه بأنه قياس قول الشافعي ومعناه أو أصله جعله من قبيل التخريج، وما صرّح فيه برأيه الخاص واختياره جعله من مذهبه الخاص، ويبقى ما أطلقه ولم يصرّح فيه بشيء إلى أيِّ القسمين يُنسَب؟ قال التاج السُّبْكي: «وكل تخريج أطلقه المخرج إطلاقًا، فيظهر أن ذلك المخرج إن كان ممن يغلب عليه التمذهب والتقيُّد كالشيخ أبي حامد والقفال عُدَّ من المذهب، وإن كان ممن كثر خروجه كالمحمدين الأربعة فلا يُعَدُّ، وأمَّا المُزَني وبعده ابن سريج .. فبين الدرجتين، لم يخرجوا خروج المحمدين، ولم يتقيَّدوا تقيُّد العراقيين والخراسانيين» (١). _________ (١) انظر «الطبقات» لابن السُّبْكي (٢/ ١٠٤).

стр. 239

باب حكاية المذهب واختلاف الطريقين والحديث هنا في تعريف الطرق، وقصة تشكل الطريقين العراقي والخرساني، والطرق داخل طريقي العراقيين والخراسانيين، والجمع بين الطريقتين العراقية والخراسانية، ووجوه اختلاف الطرق في حكاية المذهب، والموازنة بين طريقتي العراقيين والخراسانيين والترجيح. تعريف الطرق «المذهب نقل» كما قال إمام الحرمين (١)، نقل لأقوال الإمام ونصوصه، ونقل لتخريجات الأصحاب عليها واختلافهم فيها، والذي يعبر عنها اصطلاحًا بـ «الوجوه»، فهو نقل أقوال الإمام ووجوه أصحابه، وقال إمام الحرمين: «من أعظم الدواهي ما وقع من الخلل في نقل النقلة» (٢)، والخلل في النقل قد يكون خطأً جليًّا، أو أمرًا اجتهاديًّا مختلفًا فيه، وعلى كلا الحالين اختلاف أئمة المذهب وأعلامه في صفة حكاية الأقوال والوجوه هو المصطلح على تسميته بـ «اختلاف الطرق»، فالطرق: «اختلاف الأصحاب في حكاية المذهب، فيقول بعضهم مثلًا: (في المسألة قولان، أو وجهان)، ويقول الآخر: (لا يجوز قولًا واحدًا، أو وجهًا واحدًا)، أو يقول أحدهما: (في المسألة تفصيل)، ويقول الآخر: (فيها خلاف _________ (١) انظر «النهاية» (١/ ٢٧٩، و ٢/ ٣١٥، و ٥/ ٢٩٢، و ٦/ ٤٠٩). (٢) انظر «النهاية» لإمام الحرمين (١٦/ ٥٧٩).

стр. 240

مطلق)» (١)، قال النووي: «وقد يستعملون الوجهين في موضع الطريقين وعكسه» (٢). قصة تشكُّل الطرق والطريقين العراقي والخراساني وذلك أن المتفقِّه الذي ابتعد بثقافته الفقهية عن مصادرها الأولى يجد أن كلمة «الطرق» جمع، وأقله ثلاثة، والمشهور عنده أنهما طريقتان: عراقية وخراسانية، فكيف الجمع؟ أو ما هي قصة الطرق والطريقين؟ فأقول: حين نقول إن الطرق هو الاختلاف في حكاية المذهب لزمنا الإقرار بوجود الطرق مع وجود المذهب، ومن ثم بقائها ما بقي المذهب أيضًا، فالمُزَني وهو يحكي المذهب لا شك أن له طريقة في الحكاية يتبعها، وكل إمام علم نقل المذهب له طريقة، فكيف ظهرت الطرق وكيف تشكَّلت عراقية وخراسانية؟ للإجابة على هذا السؤال يجب أن نقدم صورة موجزة لما كان عليه الحال قبل ظهور مصطلحي العراقيين والخراسانيين، فأقول: من المعلوم أن الشافعي ﵀ تُوُفِّي في مصر وخلَّف من بعده تلاميذ جلة تعاقبوا على حلقته، ومن أجلهم وأفقههم وأكثرهم أثرًا في مذهبه: المُزَني بمختصَره، وهو الذي عليه مدار الطرق كلها وإليه مرجع أسانيد الفقه الشافعي. _________ (١) انظر «المجموع» للنووي (١/ ١٠٧)، وانظر «تحفة المحتاج» للهيتمي مع حواشيه (١/ ٤٨). (٢) انظر «المجموع» للنووي (١/ ١٠٧).

стр. 241

وتفقَّه بالمُزَني الكثيرون من حملة المذهب الشافعي إلى الآفاق، ومنهم: محمد بن إسحاق بن خزيمة (ت ٣١١ هـ) ناشر المذهب في نيسابور وبلاد خراسان، وأبو القاسم عثمان بن بشار الأنماطي (ت ٢٨٨ هـ) ناشر المذهب في بغداد والعراق، قال أبو عاصم: «الأنماطي لأهل بغداد كأبي بكر ابن إسحاق لأهل نيسابور، فإنه أول من حمل إليها علم المُزَني» (١). وهكذا بدأت قصة الأصحاب الشافعية العراقيين والخراسانيين. بداية الطريقة العراقية: فأمَّا المدرسة العراقية .. فمدارها على الأنماطي، وتفقَّه به في بغداد أصحاب أجلاء، اشتهر منهم ثلاثة: أبو سعيد الإصطخري (ت ٣٢٨ هـ)، وأبو علي ابن خيران (ت ٣٢٠ هـ)، وأجلُّهم: أبو العباس أحمد بن عمر بن سريج (ت ٣٠٦ هـ)، الباز الأشهب، والشافعي الصغير، وعليه مدار الشافعية من بعده أصولًا وفروعًا، وله في كل ذلك التعاليق الكثيرة. وبرز في الطبقة التالية أئمة أجلاء كُثُر، من أجلِّهم: أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد المروزي (ت ٣٤٠ هـ)، أخذ الفقه أولًا عن عبدان المروزي، ثم سافر إلى العراق وتفقَّه على ابن سريج والإصطخري، وانتهت إليه رئاسة المذهب في زمانه، ومنهم: القاضي أبو علي بن أبي هريرة (ت ٣٤٥ هـ)، تفقَّه على ابن سريج وأبي إسحاق المروزي. وتفقَّه على أبي إسحاق المروزي: القاضي أبو حامد أحمد بن بشر بن عامر المروروذي (ت ٣٦٢ هـ)، وأبو زيد محمد بن أحمد بن عبدالله _________ (١) انظر «الطبقات» لابن السُّبْكي (٢/ ٣٠١).

стр. 242

المروزي (ت ٣٧١ هـ)، وعبدالعزيز بن عبدالله بن محمد الداركي (ت ٣٧٥ هـ)، وعلى الداركي تفقَّه الشيخ أبو حامد الإسفراييني (ت ٤٠٦ هـ) المعروف بشيخ طريقة العراقيين. وهنا يرد علينا السؤال الطبيعي: أين كانت طريقة العراقيين قبل الشيخ أبي حامد؟ الذي أراه أن الشيخ أبا حامد ليس الذي أسَّس طريقة العراقيين، بل طريقة العراقيين عريقة في القدم قدم المذهب الشافعي نفسه، وقد توارد عليها من الأعلام أمثال ابن سريج وابن خيران وأبي إسحاق، ومن الأدلة على ذلك أمور: أولها: أن وجود المذهب يستلزم وجود طريقة حكايته، فلا يمكن أن يتأخَّر وجود الطريقة العراقية إلى أواخر القرن الرابع الهجري. وثانيها: أن ابن السُّبْكي قال: «وقد صار معتمد المذهب على طريقة العراق وحامل لوائها أبي حامد الإسفراييني»، وهذه العبارة تحمل أكثر من دلالة، منها: أن الشيخ أبا حامد شيخ طريقة العراقيين، ومنها كذلك: أن طريقة العراقيين وُجِدت قبل الشيخ أبي حامد، لكنه صار أخيرًا معتمدها وحامل لوائها. ويؤيِّد ذلك ويدل عليه الأمر الثالث، وهو أن إسناد النووي في الطريقة العراقية ليس فيها الشيخ أبو حامد، وإنما أخذها عن طريق الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، عن القاضي أبي الطيب الطبري، عن أبي الحسن الماسرجسي، عن أبي إسحاق المروزي، ذكر ذلك النووي في أوائل كتابه «تهذيب الأسماء واللغات»، فهذه طريقة عراقية لا صلة لها بالشيخ أبي حامد.

стр. 243

قد تقول: فلماذا نُسبت الطريقة إلى الشيخ أبي حامد؟ فأقول: هذا سؤال وجيه، خاصة مع وجود أمثال ابن سريج وأبي إسحاق المروزي، والذي يظهر لي في بيان سببه عدة أمور: أولها: عدم استقرار طريقة الخراسانيين وانتشار ذكره قبل عصر الشيخ أبي حامد كما سيأتي، فحيث لا يوجد إلا طريقة واحدة هي العراقية لا داعي لتمييزه باسم يخصُّه. ثانيها: خصوصية الشيخ أبي حامد بطريقته في التخريج عمَّن سبقه من العراقيين، قال النووي: «أرسل أبو حامد إلى مصر فاشترى أمالي الشافعي بمائة دينار، حتى كان يُخَرِّج منها» (١). ثالثها: عظم أثر الشيخ أبي حامد فيمن أتى بعده من الأصحاب، قال النووي: «واعلم أن مدار كُتب أصحابنا العراقيين أو جماهيرهم مع جماعات من الخراسانيين على تعليق الشيخ أبي حامد، وهو في نحو خمسين مجلدًا، جمع فيه من النفائس ما لم يشارك في مجموعه، من كثرة المسائل والفروع، وذكر مذاهب العلماء، وبسط أدلتها، والجواب عنها» (٢). قلت: ممن كتب عن الشيخ أبي حامد تعليقته القاضي أبو علي الحسن بن عبيدالله البندنيجي (ت ٤٢٥ هـ)، وأبو الحسن أحمد بن محمد بن أحمد ابن المحاملي (ت ٤١٥ هـ)، وأبو الفتح سليم بن أيوب بن سليم الرازي (ت ٤٤٧ هـ)، وأبو نصر أحمد بن عبدالله بن أحمد بن ثابت البخاري (ت ٤٤٧ هـ)، والقاضي أبو علي محمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن أحمد بن عمرو الطوسي (ت ٤٥٩ هـ)، فكثرة من علق عن الشيخ _________ (١) انظر «تهذيب الأسماء واللغات» للنووي في ترجمة الشيخ أبي حامد. (٢) انظر «تهذيب الأسماء واللغات» للنووي في ترجمة الشيخ أبي حامد.

стр. 244

أبي حامد مع اختلاف طبقاتهم دليل على عظم قدره وانتشار ذكره وإتقان طريقته وتهذيبه. الطريقة الخراسانية: كان أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم ابن راهويه (ت ٢٣٨ هـ) إمام أهل خراسان، وقد استنسخ كتب الشافعي واستفاد منها، لكنه لم يكن راوية لها ولا ناشرًا لعلم الشافعي، فابن راهويه إمام مجتهد مثله مثل الشافعي. وأول مَنْ حمل إلى خراسان مذهب الشافعي ونشر ذكره: أبو الحسن أحمد بن سيار بن أيوب المروزي (ت ٢٨٦ هـ)، من تلاميذ أصحاب الشافعي، وأتى بعده أبو محمد عبدان بن محمد بن عيسى المروزي الجُنُوجِرْدي (ت ٢٩٣ هـ)، قال أبو سعد بن السمعاني: «وعبدان هو الذي أظهر مذهب الشافعي بمرو بعد أحمد بن سيار، فإن أحمد بن سيار حمل كتب الشافعي إلى مرو وأعجب بها الناس، فنظر في بعضها عبدان وأراد أن ينسخها، فمنعها أحمد بن سيار عنه، فباع ضيعة له بجُنُوجِرْد، وخرج إلى مصر، وأدرك الربيع وغيره من أصحاب الشافعي ونسخ كتبه، وأدرك من المشايخ والفقهاء ما لم يدرك غيره وحمل عنهم، ورحل إلى الشام والعراق، وكتب عن أهل مصر، ورجع إلى مرو، وكان أحمد بن سيار في الأحياء، فدخل عليه مسلِّمًا ومهنِّئًا بالقدوم، فاعتذر أحمد بن سيار من منع الكتب عنه، فقال عبدان: لا تعتذر؛ فإن لك مِنَّة عليَّ في ذلك؛ وذلك أنك لو دفعت إليَّ الكتب كنت اقتصرت على ذلك، وما كنت أخرج إلى مصر، ولا كنت أدرك أصحاب الشافعي، ففرح بذلك أحمد بن سيار»، وقال أبو بكر بن السمعاني والد أبي سعد: «وهو أول من حمل مختصَر المُزَني إلى مرو».

стр. 245

وتخرَّج على عبدان في الفقه من المراوزة: أبو إسحاق المروزي، وأبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، أمَّا أبو إسحاق .. فقد ذكرنا أنه سافر إلى العراق وتخرَّج على ابن سريج وابن خيران، فصار بذلك من أئمة العراقيين، وأمَّا الحافظ أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة (ت ٣١١ هـ) .. فهو من أقران عبدان باعتبار الأخذ عن تلاميذ الشافعي وتلميذه من جهة أخرى، وكان يجلُّه جدًّا، ومن إجلاله أنه لمَّا خرج عبدان إلى الحج وبلغ في طريقه نيسابور أخذ محمد بن إسحاق ينفذ إليه برقاع الفتاوى ويقول: «أنا لا أُفتي ببلدةٍ أستاذي فيها»، وابن خزيمة آخر من روى عن المُزَني مختصَره بنيسابور على ما ذكره الخليلي (١)، وعن أبي أحمد محمد بن علي الزُّراري قال: «حضرت مجلس الإمام أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة وأبو النضر يقرأ عليه كتاب «المختصَر» للمُزَني، فقال: (وتوضأ عمر من ماء في حِرِ نصرانية … )، فضحك الناس، فقال أبو بكر: لا تخجل يا بُنَيَّ، فإني سمعت المُزَني يقول: سمعت الشافعي يقول: ما ضحك من خطأ رجل إلا ثبت صوابه في قلبه» (٢). ومن أئمة الخراسانيين بعد ابن خزيمة: أبو بكر أحمد بن الحسين بن سهل الفارسي، تفقَّه على ابن سريج، ومات في حدود سنة خمسين وثلاثمائة، وله كتاب الانتقاد على المُزَني، وكتاب الخلاف معه (٣). ويلاحَظ على سير هذا التفقُّه عدم الانتظام وعدم الاستقرار، فكل حلقة فيه منفصلة عن الأخرى قائمة بنفسها، ومما يؤكِّد هذا المعنى عدم _________ (١) انظر «الإرشاد» للخليلي (١/ ٤٣٠). (٢) أخرجه الحاكم في كتاب «معرفة علوم الحديث» (٤٣٦، رقم: ٣٨٠). (٣) انظر ترجمته في «الطبقات» لابن السُّبْكي (٢/ ١٨٤) وابن قاضي شهبة، و «المهمات» (١/ ٢٨١).

стр. 246

اتصال أسانيد الشافعيين عن طريق هؤلاء الأئمة من الخراسانيين، ولعل سبب ذلك سلطان فقه ابن راهويه على أهل خراسان، فهو الإمام الفرد الذي افتخر به قطر الخراسانيين على غرار الإمام أحمد في العراق، والشافعي في مصر، يضاف إليه ما كان عليه ابن راهويه وغيره من تلاميذ أصحاب الشافعي الخراسانيين من الاجتهاد المطلق، فلم يعنوا بتحرير المذهب عنايتهم باستنباط الأحكام الشرعية على حسب ما بلغه علمهم وروايتهم. ولهذا لمَّا سطع نجم الإمام الزاهد عبدالله بن أحمد بن عبدالله القفال الصغير المروزي (ت ٤١٧ هـ) توجَّه إلى العراق وتخرَّج على أبي زيد المروزي تلميذ أبي إسحاق، ثم عاد إلى خراسان، وعلى يده ظهرت الطريقة الخراسانية. قال أبو المظفَّر السمعاني في «أماليه»: «طريقته المهدية في مذهب الشافعي التي حملها عنه فقهاء أصحابه من أهل البلاد أمتن طريقة، وأوضحها تهذيبًا، وأكثرها تحقيقًا، رحل إليه من البلاد للتفقُّه عليه، فظهرت بركته على مختلفيه، حتى تخرَّج به جماعة كثيرة صاروا أئمة في البلاد، نشروا علمه، ودرسوا قوله» (١). ومن عجائب توفيق الله للقفال أنه ابتدأ التعلُّم وهو ابن ثلاثين سنة، وعنه أنه قال: «ابتدأت التعلم وأنا لا أفرِّق بين (اخْتَصَرْتُ) و (اخْتَصَرْتَ)»، قال ابن الصلاح: «أظن أنه أراد بهذا الكلمة الأولى من (مختصَر المُزَني)، وهو قوله: (اختصرت هذا من علم الشافعي)، وأراد أنه لم يكن يدري من اللسان العربي ما يفرِّق به بين ضَمِّ تاء الضمير وفتحها» (٢). _________ (١) نقله عنه ابن السُّبْكي في «الطبقات» (٥/ ٥٣). (٢) نقله عنه ابن السُّبْكي في «الطبقات» (٥/ ٥٤).

стр. 247

فلم يزل الجدُّ والإخلاص يعلوان بالقفال حتى صار مهوى أفئدة المتعلمين ومعول «طريقة الخراسانيين»، وقد يسمى بـ «طريقة المراوزة» نظرًا لكثرة المراوزة فيهم (١)، فكان من أصحابه: أبو عبدالله محمد بن عبدالله بن مسعود بن أحمد بن محمد بن مسعود المسعودي المروزي، تُوفِّي سنة نَيِّف وعشرين وأربعمائة بمرو، وشرح مختصَر المُزَني، ومنهم: أبو محمد الجُوَيْني والد إمام الحرمين (ت ٤٣٨ هـ)، ومنهم: القاضي الحسين بن محمد بن أحمد، أبو علي المروزي (ت ٤٦٢ هـ)، ومنهم: الفوراني أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن فوران (ت ٤٦١ هـ)، ومنهم: أبو بكر محمد بن داود بن محمد المروزي، المعروف بالصيدلاني نسبة إلى بيع العطر، وبالداودي أيضًا نسبة إلى أبيه داود، ولا يعرف تاريخ وفاته. الطرق داخل طريقي العراقيين والخراسانيين قد يتوهَّم المتفقِّه من كثرة ترداد الطريقين العراقية والخراسانية على الأسماع أنهما طريقان لا ثالث لهما، وهذا غير وارد، فالطرق لا محالة أكثر من اثنتين، وإنما حصرت في العراقية والخراسانية باعتبار المدرسة والسند الفقهي، وإلا فإن جميع أصحاب الوجوه مجتهدون، وكلهم قد يتميَّزون في حكاية المذهب بتحريرات من كَدِّ أذهانهم، وأذكر هنا مثالين: _________ (١) هكذا قال ابن الملقن في «العقد المذهب» (ص: ٢١٦)، وتوهَّم الأستاذ عبدالعظيم الديب في مقدمة تحقيق «النهاية» (ص: ١٣٤) أن ذلك راجع إلى كبر مدينة مرو ذاتها، ثم انتقد كلام ابن الملقن بإيراد أمثلة مدن خراسانية أكبر من مرو، لكن كثرة المراوزة في الخراسانيين أمر ثابت بغضِّ النظر عن كبر المدينة، بل إن المراوزة كثيرون حتى في العراقيين من أصحابنا، فلا مجال لانتقاد الأستاذ، وإنما نبهت إليه لعظم قدره، ثم لانتشار بحوثه دون نقد بين الناشئة، وقد أتى في بحثه عن الطريقين بمغالطات كثيرة سأنبِّه إلى بعضها.

стр. 248

المثال الأول: القاسم بن القفال الكبير الشاشي صاحب «التقريب» في شرح المختصَر، اعتنى فيه بالأحاديث ونصوص الشافعي وحكاية ألفاظه، وهو من أجلِّ كتب الأصحاب، وبه ازدادت طريقة أهل العراق حسنًا كما قال ابن السُّبْكي (١)، وله طريقة في حكاية المذهب تميَّز بها عن كافة العراقيين، وعُنِي بها إمام الحرمين في «النهاية». المثال الثاني: الصيدلاني من الخراسانيين، شرح المختصَر في جزأين ضخمين يُسَمَّى عند الخراسانيين بـ «طريقة الصيدلاني»، فهي طريقة خاصة بالصيدلاني داخل إطار أصحابه الخراسانيين، وقد عُنِي بها إمام الحرمين أيَّما عناية، ومن كلامه في كتابه وقد تعقَّب بعض أوهامه: «مجموع الصيدلاني في المذهب معتمد، فما يندر فيه من زلل يوشك أن يعتمد، فأبلغنا في التنبيه لذلك» (٢). الجمع بين الطريقتين العراقية والخراسانية وعلى عكس تعدد الطرق في إطار الطريقين تظهر قضية الجمع بين الطريقين المشهورة، فوجب التنويه به وبيان حقيقته، فأقول: أول من عُرف عنه الجمع بين طريقتي العراقيين والخراسانيين: الحسين بن شعيب بن محمد السِّنْجِي (ت ٤٣٠ هـ)، من قرية سِنْج بكسر السين المهملة بعدها نون ساكنة ثم جيم، وهي من أكبر قرى مرو، جمع في شرحه على مختصَر المُزَني بين الطريقتين. والمراد بالجمع بين الطريقين هو ذكر طريقتي العراقيين والخراسانيين مع بيان الاتفاق والاختلاف، ولا يراد بالجمع أبدًا اتحاد الطريقين كما _________ (١) انظر «الطبقات» لابن السُّبْكي (٣/ ٤٧٢). (٢) انظر «النهاية» لإمام الحرمين (١٨/ ٣٧٥).

стр. 249

يُوهمه كلام الأستاذ عبدالعظيم الديب، حيث اتخذ من النظر في تقارب تاريخ نشوء الطريقتين والجمع بينهما دليلًا على عدم أهميتهما الكبير في الفقه الشافعي، وهذا كلام خاطئ جدًّا، فالطريقان وإن اجتمعا من جهة الكتابة والتأليف يستحيل الجمع بينهما من حيث الاجتهاد والتخريج، والقول بأن الجمع بينهما يُنهي قضيتهما أشبه شيء بالقول بأن التأليف في فقه المذاهب الأربعة كفيل بالتوحيد بينها، ومن هنا يجب التنبيه إلى أمرين حاضرين في كتب الجمع بين الطريقتين: أولهما وأهمُّهما: أن الطريقين بل الطرق على اختلافها المنهجي مهما جمع بينهما في كتب المتقدمين أو المتأخِّرين، والقول باتحادها دليل على عدم فهم المقصود بها. وثانيهما: أن الجمع بين الطريقين في كتب المتقدمين من أصحابنا لم تفقد صاحبه خصوصية الطريقة التي ينتمي إليها، فهو يبني كتابه على طريقته، ويشفعها بطريقة المخالفين. ومن أمثلة ذلك السِّنْجِيُّ السابق الذكر أول من جمع بين الطريقتين؛ تفقه على شيخ العراقيين الشيخ أبي حامد ببغداد، وعلى شيخ الخراسانيين أبي بكر القفال بمرو، وهو أخصُّ به، فكتابه على الطريقة الخراسانية مشفوع بالعراقية. وكذلك إمام الحرمين أبو المعالي عبدالملك بن عبدالله بن يوسف الجُوَيْني (ت ٤٧٨ هـ)، وصاحباه: أبو حامد الغزالي (ت ٥٠٥) وإلكيا الهراسي (ت ٥٠٤)، كلهم على طريقة الخراسانيين، ويشفعونها ببيان طريقة العراقيين. وعلى عكس هؤلاء: القاضي أبو الطيب طاهر بن عبد الله بن طاهر بن عمر الطبري (ت ٤٥٠ هـ)، وصاحباه الشيخان: أبو إسحاق الشِّيرازي

стр. 250

(ت ٤٧٦ هـ) وأبو نصر بن الصباغ (ت ٤٧٧ هـ)، وأبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي (ت ٤٥٠ هـ)، وأبو المحاسن عبد الواحد بن أحمد بن عمر بن الوليد الروياني (ت ٥٠٢ هـ)، كلهم على طريقة العراقيين، ويشفعونها ببيان طريقة الخراسانيين. بل إن آثار الطريقتين لم تَزَلْ سارية في كتب المذهب حتى بعد هذه الطرق، ولم تخف إلا في كتب المتأخرين الذين ينتمون إلى ما يُسَمَّى بالتحقيق الأخير للمذهب، ومشكلة هذه المرحلة هي غياب تصوير حركة الاجتهاد المذهبي، وهو السبب في نشوء جيل من المتفقِّهين يكررون على طول الكتاب الفقهي عبارات: (القولين، الوجهين، الطريقين، التخريج، النص)، ودون أن يفهموا حقيقتها ولا قصتها، بل ولم يسعفهم لكشف الغطاء بعض الكتابات المقتضَبة التي تفتقر إلى استقراء كتب الأولين التي هي أساس المذهب وبنيانه، بل وسقفه وذروة سنامه أيضًا. وجوه اختلاف الطرق في حكاية المذهب وبعد فهم اختلاف القولين والوجهين لا يصعب كثيرًا إدراك أسباب اختلاف طرق الأصحاب في حكاية المذهب، فلا نعني ببيانها مفصلًا بما سيكون إعادة ما سبق تفصيله، ولكننا نحاول أن نلخص وجوه اختلاف الطرق في حكاية المذهب بغض النظر عن العراقيين والخراسانيين، وهي في الجملة أربعة أوجه: أولها وأكثرها شيوعًا: اختلاف الطرق في نصوص النظائر بتقرير النصين أو النقل والتخريج أو الاستشهاد بأحدهما على الآخر، فهذا الوجه هو الذي نصَّ عليه التاج السُّبْكي في «جمع الجوامع»، وقال بأن من
следующие страницы →