Полный текст (1 788 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
اتصال أسانيد الشافعيين عن طريق هؤلاء الأئمة من الخراسانيين، ولعل سبب ذلك سلطان فقه ابن راهويه على أهل خراسان، فهو الإمام الفرد الذي افتخر به قطر الخراسانيين على غرار الإمام أحمد في العراق، والشافعي في مصر، يضاف إليه ما كان عليه ابن راهويه وغيره من تلاميذ أصحاب الشافعي الخراسانيين من الاجتهاد المطلق، فلم يعنوا بتحرير المذهب عنايتهم باستنباط الأحكام الشرعية على حسب ما بلغه علمهم وروايتهم.
ولهذا لمَّا سطع نجم الإمام الزاهد عبدالله بن أحمد بن عبدالله القفال الصغير المروزي (ت ٤١٧ هـ) توجَّه إلى العراق وتخرَّج على أبي زيد المروزي تلميذ أبي إسحاق، ثم عاد إلى خراسان، وعلى يده ظهرت الطريقة الخراسانية.
قال أبو المظفَّر السمعاني في «أماليه»: «طريقته المهدية في مذهب الشافعي التي حملها عنه فقهاء أصحابه من أهل البلاد أمتن طريقة، وأوضحها تهذيبًا، وأكثرها تحقيقًا، رحل إليه من البلاد للتفقُّه عليه، فظهرت بركته على مختلفيه، حتى تخرَّج به جماعة كثيرة صاروا أئمة في البلاد، نشروا علمه، ودرسوا قوله» (١).
ومن عجائب توفيق الله للقفال أنه ابتدأ التعلُّم وهو ابن ثلاثين سنة، وعنه أنه قال: «ابتدأت التعلم وأنا لا أفرِّق بين (اخْتَصَرْتُ) و (اخْتَصَرْتَ)»، قال ابن الصلاح: «أظن أنه أراد بهذا الكلمة الأولى من (مختصَر المُزَني)، وهو قوله: (اختصرت هذا من علم الشافعي)، وأراد أنه لم يكن يدري من اللسان العربي ما يفرِّق به بين ضَمِّ تاء الضمير وفتحها» (٢).
_________
(١) نقله عنه ابن السُّبْكي في «الطبقات» (٥/ ٥٣).
(٢) نقله عنه ابن السُّبْكي في «الطبقات» (٥/ ٥٤).
стр. 247
فلم يزل الجدُّ والإخلاص يعلوان بالقفال حتى صار مهوى أفئدة المتعلمين ومعول «طريقة الخراسانيين»، وقد يسمى بـ «طريقة المراوزة» نظرًا لكثرة المراوزة فيهم (١)، فكان من أصحابه: أبو عبدالله محمد بن عبدالله بن مسعود بن أحمد بن محمد بن مسعود المسعودي المروزي، تُوفِّي سنة نَيِّف وعشرين وأربعمائة بمرو، وشرح مختصَر المُزَني، ومنهم: أبو محمد الجُوَيْني والد إمام الحرمين (ت ٤٣٨ هـ)، ومنهم: القاضي الحسين بن محمد بن أحمد، أبو علي المروزي (ت ٤٦٢ هـ)، ومنهم: الفوراني أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن فوران (ت ٤٦١ هـ)، ومنهم: أبو بكر محمد بن داود بن محمد المروزي، المعروف بالصيدلاني نسبة إلى بيع العطر، وبالداودي أيضًا نسبة إلى أبيه داود، ولا يعرف تاريخ وفاته.
الطرق داخل طريقي العراقيين والخراسانيين
قد يتوهَّم المتفقِّه من كثرة ترداد الطريقين العراقية والخراسانية على الأسماع أنهما طريقان لا ثالث لهما، وهذا غير وارد، فالطرق لا محالة أكثر من اثنتين، وإنما حصرت في العراقية والخراسانية باعتبار المدرسة والسند الفقهي، وإلا فإن جميع أصحاب الوجوه مجتهدون، وكلهم قد يتميَّزون في حكاية المذهب بتحريرات من كَدِّ أذهانهم، وأذكر هنا مثالين:
_________
(١) هكذا قال ابن الملقن في «العقد المذهب» (ص: ٢١٦)، وتوهَّم الأستاذ عبدالعظيم الديب في مقدمة تحقيق «النهاية» (ص: ١٣٤) أن ذلك راجع إلى كبر مدينة مرو ذاتها، ثم انتقد كلام ابن الملقن بإيراد أمثلة مدن خراسانية أكبر من مرو، لكن كثرة المراوزة في الخراسانيين أمر ثابت بغضِّ النظر عن كبر المدينة، بل إن المراوزة كثيرون حتى في العراقيين من أصحابنا، فلا مجال لانتقاد الأستاذ، وإنما نبهت إليه لعظم قدره، ثم لانتشار بحوثه دون نقد بين الناشئة، وقد أتى في بحثه عن الطريقين بمغالطات كثيرة سأنبِّه إلى بعضها.
стр. 248
المثال الأول: القاسم بن القفال الكبير الشاشي صاحب «التقريب» في شرح المختصَر، اعتنى فيه بالأحاديث ونصوص الشافعي وحكاية ألفاظه، وهو من أجلِّ كتب الأصحاب، وبه ازدادت طريقة أهل العراق حسنًا كما قال ابن السُّبْكي (١)، وله طريقة في حكاية المذهب تميَّز بها عن كافة العراقيين، وعُنِي بها إمام الحرمين في «النهاية».
المثال الثاني: الصيدلاني من الخراسانيين، شرح المختصَر في جزأين ضخمين يُسَمَّى عند الخراسانيين بـ «طريقة الصيدلاني»، فهي طريقة خاصة بالصيدلاني داخل إطار أصحابه الخراسانيين، وقد عُنِي بها إمام الحرمين أيَّما عناية، ومن كلامه في كتابه وقد تعقَّب بعض أوهامه: «مجموع الصيدلاني في المذهب معتمد، فما يندر فيه من زلل يوشك أن يعتمد، فأبلغنا في التنبيه لذلك» (٢).
الجمع بين الطريقتين العراقية والخراسانية
وعلى عكس تعدد الطرق في إطار الطريقين تظهر قضية الجمع بين الطريقين المشهورة، فوجب التنويه به وبيان حقيقته، فأقول:
أول من عُرف عنه الجمع بين طريقتي العراقيين والخراسانيين: الحسين بن شعيب بن محمد السِّنْجِي (ت ٤٣٠ هـ)، من قرية سِنْج بكسر السين المهملة بعدها نون ساكنة ثم جيم، وهي من أكبر قرى مرو، جمع في شرحه على مختصَر المُزَني بين الطريقتين.
والمراد بالجمع بين الطريقين هو ذكر طريقتي العراقيين والخراسانيين مع بيان الاتفاق والاختلاف، ولا يراد بالجمع أبدًا اتحاد الطريقين كما
_________
(١) انظر «الطبقات» لابن السُّبْكي (٣/ ٤٧٢).
(٢) انظر «النهاية» لإمام الحرمين (١٨/ ٣٧٥).
стр. 249
يُوهمه كلام الأستاذ عبدالعظيم الديب، حيث اتخذ من النظر في تقارب تاريخ نشوء الطريقتين والجمع بينهما دليلًا على عدم أهميتهما الكبير في الفقه الشافعي، وهذا كلام خاطئ جدًّا، فالطريقان وإن اجتمعا من جهة الكتابة والتأليف يستحيل الجمع بينهما من حيث الاجتهاد والتخريج، والقول بأن الجمع بينهما يُنهي قضيتهما أشبه شيء بالقول بأن التأليف في فقه المذاهب الأربعة كفيل بالتوحيد بينها، ومن هنا يجب التنبيه إلى أمرين حاضرين في كتب الجمع بين الطريقتين:
أولهما وأهمُّهما: أن الطريقين بل الطرق على اختلافها المنهجي مهما جمع بينهما في كتب المتقدمين أو المتأخِّرين، والقول باتحادها دليل على عدم فهم المقصود بها.
وثانيهما: أن الجمع بين الطريقين في كتب المتقدمين من أصحابنا لم تفقد صاحبه خصوصية الطريقة التي ينتمي إليها، فهو يبني كتابه على طريقته، ويشفعها بطريقة المخالفين.
ومن أمثلة ذلك السِّنْجِيُّ السابق الذكر أول من جمع بين الطريقتين؛ تفقه على شيخ العراقيين الشيخ أبي حامد ببغداد، وعلى شيخ الخراسانيين أبي بكر القفال بمرو، وهو أخصُّ به، فكتابه على الطريقة الخراسانية مشفوع بالعراقية.
وكذلك إمام الحرمين أبو المعالي عبدالملك بن عبدالله بن يوسف الجُوَيْني (ت ٤٧٨ هـ)، وصاحباه: أبو حامد الغزالي (ت ٥٠٥) وإلكيا الهراسي (ت ٥٠٤)، كلهم على طريقة الخراسانيين، ويشفعونها ببيان طريقة العراقيين.
وعلى عكس هؤلاء: القاضي أبو الطيب طاهر بن عبد الله بن طاهر بن عمر الطبري (ت ٤٥٠ هـ)، وصاحباه الشيخان: أبو إسحاق الشِّيرازي
стр. 250
(ت ٤٧٦ هـ) وأبو نصر بن الصباغ (ت ٤٧٧ هـ)، وأبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي (ت ٤٥٠ هـ)، وأبو المحاسن عبد الواحد بن أحمد بن عمر بن الوليد الروياني (ت ٥٠٢ هـ)، كلهم على طريقة العراقيين، ويشفعونها ببيان طريقة الخراسانيين.
بل إن آثار الطريقتين لم تَزَلْ سارية في كتب المذهب حتى بعد هذه الطرق، ولم تخف إلا في كتب المتأخرين الذين ينتمون إلى ما يُسَمَّى بالتحقيق الأخير للمذهب، ومشكلة هذه المرحلة هي غياب تصوير حركة الاجتهاد المذهبي، وهو السبب في نشوء جيل من المتفقِّهين يكررون على طول الكتاب الفقهي عبارات: (القولين، الوجهين، الطريقين، التخريج، النص)، ودون أن يفهموا حقيقتها ولا قصتها، بل ولم يسعفهم لكشف الغطاء بعض الكتابات المقتضَبة التي تفتقر إلى استقراء كتب الأولين التي هي أساس المذهب وبنيانه، بل وسقفه وذروة سنامه أيضًا.
وجوه اختلاف الطرق في حكاية المذهب
وبعد فهم اختلاف القولين والوجهين لا يصعب كثيرًا إدراك أسباب اختلاف طرق الأصحاب في حكاية المذهب، فلا نعني ببيانها مفصلًا بما سيكون إعادة ما سبق تفصيله، ولكننا نحاول أن نلخص وجوه اختلاف الطرق في حكاية المذهب بغض النظر عن العراقيين والخراسانيين، وهي في الجملة أربعة أوجه:
أولها وأكثرها شيوعًا: اختلاف الطرق في نصوص النظائر بتقرير النصين أو النقل والتخريج أو الاستشهاد بأحدهما على الآخر، فهذا الوجه هو الذي نصَّ عليه التاج السُّبْكي في «جمع الجوامع»، وقال بأن من
стр. 251
اختلاف نصوص الإمام في النظائر تنشأ الطرق (١)، وظاهره حصر اختلاف الطرق في هذا الوجه، وهو غير صحيح وغير مراد أيضًا، وإنما خصه التاج السُّبْكي بالذكر باعتبار اطراد اختلاف الطرق في هذا الوجه، والله أعلم.
ثانيها: اختلاف الطرق من جهة الجزم بقول أو وجه والتخريج على قولين أو وجهين فأكثر، ومصدر هذا الاختلاف اعتبار بعض الأقوال والأوجه وإلغاؤها، ولها تجليات كثيرة جدًّا.
كأن يكون الوجه خارجًا من قاعدة المذهب، فيغفل البعض ذكره باعتباره خروجًا عن المذهب، ويذكره آخرون باعتبار صاحبه وتحرِّيه مذهب الشافعي وأصوله.
وفي الأقوال يعتدُّ بعضهم القديم الذي لم يصرح بالرجوع عنه قولًا له ساريًا وإن رجح عليه الجديد، بينما يرى آخرون ذلك من المرجوع عنه.
واختلفوا في صورة ما إذا ردَّد الإمام القول ثم صرح بمذهبه المختار، فيُلغي بعضهم ذكر غير المختار باعتبار تصريح الإمام بالترجيح، فكأنه لم يذكر غيره، والجمهور يرددون تبعًا للإمام.
وفي صورة القول والقول المعلق على صحة الخبر قد يثبت الخبر، فيختلفون في إثبات القول المخالف له وإلغائه.
وفي صورة القول وإتباعه بذكر احتمال أو رواية قول عن بعضهم يختلف الأصحاب، فيخرج بعضهم الاحتمال والرواية قولًا ثانيًا، ويجزم آخرون.
_________
(١) انظر «تشنيف المسامع» للزركشي (٣/ ٦٧٢).
стр. 252
ويختلفون في صورة اختلاف الرواة، فيخرجه بعضهم على اختلاف الأقوال، ويجزم آخرون بالراجح من الروايتين، إمَّا بتأويل الرواية المرجوحة، أو حمل الروايتين على اختلاف الأحوال، أو رمي أحد الراويين بالخطأ على الإمام.
الوجه الثالث لاختلاف الطرق: اختلافهم في عَدِّ الخلاف من قبيل اختلاف القولين أو الوجهين، ويحصل ذلك إمَّا لاختلاف مراتبهم في الاطلاع على نصوص الشافعي، فيخرج بعضهم على أصول الشافعي وهو مسطَّر في نصوصه، وقد يحصل ذلك بسبب بُعد التخريج وقُربه فيختلفون في جعله من مسائل القولين أو الوجهين، وقد قال الرافعي: «إذا لم يكن القولان منصوصين فكثيرًا ما يُعبَّر عنهما بالوجهين» (١).
الوجه الرابع: اختلافهم في تحرير مَحَلِّ الخلاف بين القولين أو الوجهين هل هما من باب الأولوية والاحتياط أو الوجوب واللزوم، واختلافهم في تصوير المسألة الذي هو أساس القولين أو الوجهين.
الموازنة بين طريقتي العراقيين والخراسانيين والترجيح
قال النووي: «اعلم أن نقل أصحابنا العراقيين لنصوص الشافعي وقواعد مذهبه ووجوه متقدمي أصحابنا أتقن وأثبت من نقل الخراسانيين غالبًا، والخراسانيون أحسن تصرفًا وبحثًا وتفريعًا وترتيبًا غالبًا» (٢)، وقال إمام الحرمين: «العراقيون أثبت النقلة نقلًا وأصحهم حكاية» (٣).
_________
(١) انظر «العزيز» (١/ ٧٩٢).
(٢) انظر «المجموع» للنووي (١/ ١١٢).
(٣) انظر «النهاية» لإمام الحرمين (١٥/ ٢٩٣).
стр. 253
وهذا كلام جملي، ولا يُبنى عليه ترجيح لأحد الطريقين على الآخر كما قد يُتوهَّم، وإنما يتحرى في الترجيح النظر إلى حقيقة حال نصوص الإمام ونقل جمهور الأصحاب؛ وذلك لأن نقل المذهب من باب الرواية، فيرجح فيه بالكثرة، كما يدل عليه ملاحظة ترجيحات الرافعي في «العزيز».
стр. 254
خاتمة في مصطلحات المعتمَد من القولين والوجهين والطرق
ذكرنا أوجه الخلاف في دائرة المذهب الشافعي، ولا يجوز للمنتسِب إلى المذهب أن يعمل أو يُفتي بواحد من القولين أو الوجهين إلا إذا ترجَّح عنده بأحد الوسائل المذكورة إن كان من أهل الترجيح، قال النووي: «أما إذا وجد من ليس أهلًا للترجيح خلافًا بين الأصحاب في الراجح من قولين أو وجهين فليعتمد ما صحَّحه الأكثر والأعلم والأورع» (١).
وقد تكفَّل النووي بوضع مصطلحات استحسنت منه واتبعه الناس فيها، وتوضِّح مراتب الخلاف على المعتمد عند الأكثرين من الأصحاب، قال النووي: «فحيث أقول: (في الأظهر) أو (المشهور) .. فمن القولين أو الأقوال، فإن قَوِيَ الخلاف قلت: (الأظهر)، وإلا فـ (المشهور)، وحيث أقول: (الأصح) أو (الصحيح) .. فمن الوجهين أو الأوجه، فإن قَوِيَ الخلاف قلت: (الأصح)، وإلا فـ (الصحيح)، وحيث أقول: (المذهب) .. فمن الطريقين أو الطرق، وحيث أقول: (النص) .. فهو نصّ الشافعي ﵀، ويكون هناك وجه ضعيف أو قول مخرج، وحيث أقول: (الجديد) .. فالقديم خلافه، أو (القديم) أو (في قول قديم) .. فالجديد خلافه» (٢).
_________
(١) انظر «المجموع» للنووي (١/ ١١١).
(٢) انظر مقدمة كل من «المنهاج» (ص: ٦٥)، و «الروضة» (١/ ٦) للنووي، وانظر شرح هذه الجملة في «تحفة المحتاج» للهَيْتَمي وحواشيه (١/ ٤٩ - ٥٤)، وما ذكرناه في البحث سابقًا يشرح هذه الفقرة إن شاء الله تعالى.
стр. 255
المقدمة الخامسة في
بصائر الأصول وشوارد الفوائد
стр. 256
هذا القسم خصَّصته لذكر المسائل الأصولية التي أشار إليها الشافعي في «المختصَر» إشارة قريبة، فأذكر نصَّه ولو بشيء من التصرف اليسير الذي يقتضيه الصياغة واقتضاب النص الأصولي من سياقه الفقهي في الكتاب، ثم أعلق عليه بما يكشف بعض غوره، فهذا الباب الأول.
وأذكر في الباب الثاني فوائد مستحسَنة من كلام الشافعي تتعلَّق بجوانب مختلفة من العلم ذكرها أثناء الحِجَاج الفقهي أو الاستدلال؛ وذلك نظرًا إلى اهتمامي الخاص مما استحسنته، والناس مختلفون في الأذواق، وأرجو أن أكون وُفِّقْت لاختيار الأحسن الذي تُعْقَد عليه الخناصر.
стр. 257
الباب الأول: بصائر الأصول
شرح أصول الشافعي مع ترتيب مادته ترتيبًا تأليفيًّا مقصد نبيل وصعيب، لكن ذلك ليس غرضي من هذا الباب، وإنما أذكر قواعد كلية مما لاحظته من نصوصه في «المختصَر» وأعلق عليها تعليقًا يسيرًا لا يخرج بالقارئ عن الغرض المقصود، فأقول:
القاعدة الأولى: حظر التقليد
اشتهر الشافعي بالنهي عن التقليد وحظره، وجعله القاعدة التي بَنَى عليها أصوله جملة وتفصيلًا، حتى إن المُزَني في أول كتابه قال (ف: ١) «أعلم نهيه عن تقليده وتقليد غيره»، ولمَّا وضع كتابه الآخر في «الأمر والنهي على معنى الشافعي» قال المُزَني في آخره (ف: ٢١): «هذا نحوُ مذهب الشافعي، فتفهَّمْه ولا تقلِّد مَنْ وضعَه»، وقال الشافعي (ف: ٣٦٩٧): «لم يجعل الله - تبارك اسمه - لأحد أن يُقَلِّد [أحدًا] بعد رسوله ﷺ ، وإن كان أعْلَمَ منه، حتى يعلم كعِلْمِه أنَّ ذلك لازم له، مِنْ حيث لم تختلف الرِّواية فيه أو بدَلالة عليه، وأنَّه لا يحتمل وَجْهًا أظْهَرَ منه».
стр. 258
وينبغي تحرير صورة التقليد التي أرادها الشافعي ﵀ بنهيه بالقصد الأول، ولا شكَّ أن السبيل إلى معرفتها هو النظر في نوع التقليد الذي عُرِف في عصر الشافعي، فأقول:
إن عمر بن الخطاب ﵁ فرَّق علماء الصحابة على حواضر الإسلام يفقِّهون الأمم على ما كان عندهم من الأثر والرأي، وعلى فقه هؤلاء الصحابة نشأت المدارس الفقهية في العراق والشام ومصر، إلى جانب المدرسة الأصل في الحجاز، وكان العصر عصر بداية تكوُّن العلوم الإسلامية، حيث اللغة وعلومها لم يَنتشر تدوينها، ولا الحديث جُمع وقَرُبت من متناول الفقيه أصول تمحيصه، فكان كل جيل من الأئمة العلماء يتكئ على جهود مَنْ سبقهم من الفتاوى والأقضية، ثم يبني عليها في مستجدات عصره، وقد يصله الحديث من رواية الآحاد فيحاول الاجتهاد في تعرُّف صحيحه من ضعيفه بناءً على نقد المتن من جهة موافقة ما عرفه من أحكام الشريعة على وَفْق المدرسة التي ينتمي إليها، فظهر رَدُّ الحديث بدعوى مخالفة القرآن، أو رَدّ الصحيح الثابت بالضعيف الموافق لمذهب فقهاء البلد، أو ردّه بدعوى مخالفة القياس والعرف المتبع عند القضاة، وما شابه ذلك من الأمور التي حَمَلت الشافعي على إنكار تقليد آراء الرجال في مخالفة الثابت عند المحدّثين من أحاديث الرسول ﷺ ، فالتقليد الذي يقصده الشافعي - والله أعلم - الاحتجاج بأقوال الصحابة على خلاف الثابت من السنن، ثم الاحتجاج بما بُنِيَ على أقوال الصحابة من فقه الأمصار.
أقوال الصحابة عند الشافعي:
والمشهور في مذهب الشافعي الجديد عدم الاحتجاج بقول الصحابي، لكن تَرِدُ عليه مسائل من الجديد صرَّح فيها بالاحتجاج، منها أن الشافعي لم
стр. 259
يؤلِّف كتاب الفرائض، وإنما ذكر مسائل مبدَّدة منها، ولمَّا ذكر الشافعي بعض أحكام الجدِّ مع الإخوة قال (ف: ١٨٢١): «وهذا قولُ زيد بن ثابت، وعنه قَبِلْنا أكْثَرَ الفرائضِ»، قال: «وقد رُوِيَ هذا القولُ عن عمر وعثمان وعليٍّ وابن مسعود أنهم قالوا فيه مثل قول زيد، وهذا قول الأكثر من فُقهاء البلدان».
قال إمام الحرمين: «نظر الشافعي إلى مواقع الخلاف في الفرائض ولم يجد مضطربًا في المعنى، فاختار أن يتبع زيد بن ثابت، وتردَّد قول الشافعي حيث تردَّدت الروايات عن زيد»، قال: «ولم يضع لأجل هذا كتابًا في الفرائض، لعلمه بعلم الناس بمذهب زيد، وإنما نصَّ على مسائل متفرقة في الكتب، فجمعها المُزَني، وضمَّ إليها مذهب زيد في المسائل، ولم يقل: (تحرَّيْتُ فيها مذهب الشافعي) كقوله في أواخر الكتب التي مضت (١)؛ فإن التحرِّيَ اجتهاد، ولا اجتهاد في النقل، وقد تحقَّق عنده اتباع الشافعي زيدًا» (٢).
قال الأصحاب: ولم يقلد زيدًا، وإنما ترجَّح مذهبه عنده من وجهين: أحدهما - ما رواه الأثبات عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أفرضكم زيد»، والثاني - قال القفَّال: ما تكلم أحد من الصحابة ﵃ في الفرائض إلا وقد وُجِد له قول في بعض المسائل هجره الناس بالاتفاق، إلا زيد، فإنه لم يقل بقول مهجور بالاتفاق، وذلك يقتضي الترجيح كالعمومين إذا ورد وقد خصَّ أحدهما بالاتفاق دون الثاني كان الثاني أولى.
_________
(١) يقصد ما سبق كتاب الفرائد من أبواب التَّحَرِّي.
(٢) انظر «النهاية» (٩/ ٩)، وعبارة المُزَني في أول كتاب الفرائض من «المختصَر» (ك ٣٢): «مما سمعت من الشافعي، ومن «الرسالة»، ومما وضعته على نحو مذهبه؛ لأن مذهبه في الفرائض نحو قول زيد بن ثابت».
стр. 260
قال الرافعي: «وقد يعترض فيقال: للكلام مجال في أن الوجهين هل يوجبان الرجحان، ولكن بتقدير التسليم فالأخذ بما رجح عنده إن لم يكن بناءً على الدليل في كل مسألة لم يخرج عن كونه تقليدًا، كالمقلد يأخذ بقول من رجح عنده من المجتهدين، وإن كان بناءً على الدليل فهو اجتهاد وافق اجتهادًا، فلا معنى للقول بأنه اختار مذهب زيد ﵁»، قال: «ويُجاب عنه بأن الشافعي ﵁ لم يخل مسألة عن احتجاج واستشهاد، لكنه استأنس بما رجح عنده من مذهب زيد، وربما ترك به القياس الجليّ وعضَّد الخفيّ، كقول الواحد من الصحابة إذا انتشر ولم يُعرف له مخالف، فباعتبار الاستئناس قيل: إنه أخذ بمذهب زيد، وباعتبار الاحتجاج قيل: إنه لم يقلد، والله أعلم» (١).
قال عبدالله: هذه من الرافعي محاولة للإجابة عن موقف الشافعي من مذهب زيد مع المعروف عنه في الجديد من عدم الاحتجاج بقول الصحابي، والرأي أن كلامه ليس بدقيق، ذلك أننا أمام أمرين:
أحدهما - الاحتجاج بمذهب زيد في الجملة، وهذا لا مفرَّ من الإقرار به، وقد صرَّح به الشافعي كما سبق، وفهمه عنه المُزَني وهو أعلم أصحابه به وبمذهبه.
والأمر الثاني - الاحتجاج بمذهب زيد على مَنْ خالفه من الصحابة، وهذا موضع الترجيح الذي يقع عليه كلام إمام الحرمين والرافعي، والشافعي في مذهبيه القديم والجديد لا يحتجُّ ببعض الصحابة على بعض، ولا ينكر الترجيح بين مذاهبهم بالمرجحات التي أشار إليها الرافعي، وقد ذكر اختلاف الصحابة في مسألة المفوضة وقال (ف: ٢١٩٦): «لا حجة في قول
_________
(١) انظر «العزيز» (١١/ ١٥).
стр. 261
أحد دون النبي ﷺ »، يقصد والله أعلم: لا حجة في قول أحد من الصحابة على أحد، إلا النبي ﷺ ، قوله حجة على الجميع.
ويؤيِّد هذا الذي قلتُه ما قال الشافعي (ف: ١١٠٦): «إذا باع الرجلُ شَيْئًا مِنْ الحيوان بالبراءة .. فالذي أذهب إليه قضاء عثمان بن عفان، أنه بريء من كل عيب لم يعلمه، ولا يَبْرَأ من عيبٍ عَلِمَه ولم يُسَمِّه له ويَقِفْه عليه، تَقْلِيدًا، وأنَّ الحيوان يفارق ما سواه؛ لأنه يَغْتَذِي بالصحة والسُّقْم، وتَحُول طَبائعه، وقلَّما يَبْرَأ من عَيْبٍ يَخْفَى أو يَظْهَر، وأنّ أصَحُّ في القِياسِ لولا ما وَصَفْنا مِنْ افْتِراقِ الحيوانِ وغيرِه أنْ لا يَبْرَأ مِنْ عُيُوبٍ لم يَرَها ولو سَمّاها لاخْتِلافِها، أو يَبْرَأ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ، والأوَّل أصَحُّ».
فقول الشافعي: «تقليدًا» تعليل لذهابه إلى قضاء عثمان في هذه المسألة، وأشار في آخر كلامه إلى أن القياس لولا ما وصفناه - يعني: قضاءَ عثمانَ كما قال إمام الحرمين والروياني - أنه لا يبرأ عن العيب الذي لم يره المشتري، أو يبرأ عن الجميع، فترك القياس للأثر، وهذا المشهور عنه في القديم، ومذهبه في الجديد تقديم القياس على الأثر، وهذا النص من الجديد، فيشكل.
وأجاب الماوردي في «الحاوي» (٥/ ٢٧٣)، وتبعه الروياني في «البحر» (٤/ ٥٦١) بأن قول عثمان في هذا الموضع حجة على مذهب الشافعي في القديم والجديد وإن لم يجز التقليد عنده، قال الماوردي: «أمَّا على قوله في القديم .. فلأنه كان يرى قول الواحد من الصحابة إذا انتشر ولم يظهر خلافه حجة يقدم على القياس، لا سيما إذا كان إمامًا، وأمَّا على قوله في الجديد .. فلأنه يرى أن قياس التقريب إذا انضم إلى قول صحابي
стр. 262
كان أولى من قياس التحقيق، وقد انضمَّ إلى قضاء عثمان قياس تقريب، فصار حجة يقدم على قياس التحقيق، وهو ما ذكره الشافعي: في أن الحيوان يفارق ما سواه».
وقال شيخ الاسلام البلقيني في تعليقه على «المختصَر» (ف: ١١٠٦): «مذهب الإمام الشافعي ﵁ أن مذهب الصحابي حجة ما لم يعارضه النصّ، فقال في بعض المسائل: (قلته تقليدًا لعثمان)، وقال في بعض المسائل: (قلته تقليدًا لزيد) أي: في الفرائض، وأمَّا إذا عارضه النص .. فلا يكون حجة، مثاله: أبو هريرة ﵁ روى حديث الغسل من ولوغ الكلب سبعًا إحداهن بالتراب، وكان مذهبه غسله ثلاثًا، فقال الإمام الشافعي ﵁: (العبرة بما روى، لا بما رأى)، وقال أيضًا فيه: (كيف أترك الحديث وآخذ بقول من لو عاصرته لحجَجْته)، وقال ﵁ فيما إذا لم يكن في المسألة نص وإنما المستند فيها قول الصحابي أو فعله ما نصه: (ورَأْي الصحابة لنا خير من آرائنا لأنفسنا)».
يُشير البلقيني إلى أن المقصود بعدم الاحتجاج بقول الصحابي إنما هي أقواله التي خالف بها الثابت من النصوص الشرعية، لا عدم الاحتجاج به فيما لا يُعرف فيه نص يخالفه، ومما يُؤيِّد تحرير البلقيني قول الشافعي (ف: ٢١٣٨): «إذا اخْتَلَفَت الروايةُ عن رسولِ الله ﷺ نَظَرْتُ فيما فعل أصحابُه مِنْ بَعْدِه، فأخَذْتُ به، وتَرَكْتُ الذي يُخالفه» (١).
_________
(١) هذا النص في الأصل قاله الشافعي في مناظرته مع بعض خصومه، والكناية في «نظرت، أخذت» في النص للمخاطب، لكنه يدل على إقرار الشافعي به، فتصرفت فيه على مقتضى التقعيد.
стр. 263
فقه الأمصار:
وإذن فقد سقط الاحتجاج بمذاهب الصحابة في معارضة النصوص الشرعية، وسقط بالأولى تقليد ما بُنِي عليها من مدارس الأمصار، وهذا الذي عُرف في أوساط الأصوليين بـ «ترك خبر الآحاد لمخالفته القياس»، وليس هناك أحد من علماء الشريعة يرضى لنفسه ترك الخبر آحادًا أو غيره للقياس، كيف وقد ذكر الشافعي (ف: ٢١١٢) مناظرته محمد بن الحسن الشيباني في بعض ما خالف فيه أصحابه ثم رجوعه إلى نحو قول الشافعي، وذكر أنه قال: «ما ينبغي أن يدخل على حديث النبي ﷺ القياس»، قال المُزَني: «كان محمد بن الحسن من أنصف الناس في هذا الموضع»، ولك أن تسأل: إن أصحاب أبي حنيفة أشهر من يُنقل عنه القول بالقياس في خلاف خبر الواحد، فكيف صحَّ للشيباني وهو أصل مذهبهم أن يصرِّح بخلاف ما هم عليه؟ والجواب: أن تقديم القياس على الخبر ليس مذهب أحد من علماء الإسلام، وإنما مرجعه إلى تقديم ما كان عليه فقهاء البلد مما يقتضيه القياس على خبر الآحاد، كيف وعامة الخبر آحاد، ولازم مثل هذا القول تقديم القياس على الخبر جملة وتفصيلًا؟
ومما يجب التنبيه إليه في ذكر اتباع ما جرى عليه العمل من فقه الأمصار أن الشافعي لم ينكره جملة، وإنما أنكر تقليده فيما عارض النصَّ الثابت، وأمَّا ما لم يعارضه فلم ينكره الشافعي، بل إنه نفسه اعتمد على بعض فقه أصحابه من أهل الحجاز، فذكر في صدقات ذوي القربى أنه يُعْطَى الرجلُ سَهْمَيْن، والمرأةُ سهمًا، ولا يُفَضَّلُ أحَدٌ على أحَدٍ؛ لأنَّهم أعْطُوا باسمِ القرابةِ، قال (ص: ١٩٢١): «والدَّلالةُ على صِحَّةِ ما حَكَيْتُ مِنْ التَّسْوِيَةِ: أنَّ كُلَّ مَنْ لَقِيتُ مِنْ علماءِ أصْحابِنا لم يَخْتَلِفُوا في ذلك، وأنَّ
стр. 264
باسمِ القرابةِ أعْطُوا، وأنَّ حديثَ جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَسَمَ سَهْمَ ذِي القُرْبَى بين بني هاشمٍ وبني المطَّلِبِ»، وقال (ف: ١٩٤٦): «والذي أقولُ به وأحْفَظُ عمَّن أرْضَى ممَّن سمعتُ منه ألا يُؤَخَّرَ المالُ إذا اجْتَمَعَ، ولكن يُقْسَمُ»، وقال في مناظرة له مع محمد بن الحسن الشيباني (ف: ٢٨٣٣): «وأنْتَ تأخُذُ العِلْمَ مِنْ بُعْدٍ، ليس لك به مَعْرِفَةُ أصْحابِنا»، وقال الشافعي (ف: ٢٨٧٩) في مسألة القصاص في الجراحات التي أدت إلى الموت: «وقال بعضُ أصْحابِنا: إن لم يَمُتْ مِنْ عَدَدِ الضَّرْبِ قُتِلَ بالسَّيْفِ»، فتوهَّم المُزَني أن ذلك من الشافعي حكاية عن أصحابه لما يخالفهم فيه، فتعقب عليه إمام الحرمين في «النهاية» (١٦/ ١٨٢) فقال: «مذهب الشافعي أنه إذا فُعِلَ به مثل ما فَعَل بالضرب ولم يمت تحزّ رقبتُه، ولم يبقَ لمستحق القصاص بعد ما عاقب بالجهة التي جرت الجناية بها إلا القتلُ على أوحى الوجوه»، قال: «والشافعي قد يعني نفسه بقوله: (ذهب بعض أصحابنا) إشارة إلى مذهبٍ له».
موقع تقليد المذاهب الأربعة من إنكار الشافعي:
وأخيرًا لا شك أن القارئ الكريم تسائله نفسه عن موقع تقليده لبعض المذاهب الأربعة من التقليد المنهيِّ عنه عند الشافعي، والقول المختصَر فيه أن الموقف منه مثل الموقف من فقه الأمصار، يجوز تقليده إلا فيما عارضه النص الشرعي، والتقليد المعهود عند المتأخرين من أتباع المذاهب الأربعة أو الخمسة لا شك واقع في المحظور إذا كان على وجه التعصب ولَيِّ أعناق الأدلة على موافقة المذهب، لكن تفصيل القول فيه له موضع آخر، والله أعلم.
стр. 265
القاعدة الثانية: الأدلة وأصول الأحكام
فالمشهور المعروف عن الشافعي أن أصول الأحكام الشرعية عنده نص أو إجماع أو قياس عليهما (١)، وليس الغرض تفصيل القول ببيان مذهب الشافعي في كل ذلك، وإنما نذكر مقتطفات نصوصه في «المختصَر» مما له علاقة مباشرة بقاعدة الأدلة الشرعية.
فمنها: إلزامية النصوص الشرعية ولزوم قبولها، قال الشافعي (ف: ١٩٢٥): «مَذْهَب العلماء في القديم والحديث أنَّ الشيء إذا كان مَنْصُوصًا في كتاب الله جل ثناؤه بَيِّنًا على لسان رسول الله ﷺ أو فِعْلِه أنَّ عليهم قَبُولَه».
ومنها: حُجِّيَّة إقرار النبي ﷺ ، فذكر الشافعي (ف: ٣٨٦٩) حديث القائف من مدلج ثم قال: «لو لم يكن في القافة إلا هذا انْبَغَى أن يكون فيه دَلالة أنه عِلْمٌ، ولو لم يكن عِلْمًا لقال له: لا تقلْ هذا؛ لأنَّك إنْ أصَبْتَ في شَيْء لم آمَنْ عليك أن تُخْطِئَ في غَيْره، وفي خَطَئِكَ قَذْف مُحْصَنَة ونَفْي نَسَب، وما أقَرَّه إلا أنَّه رَضِيَه ورَآه عِلْمًا، ولا يُسَر إلا بالحقِّ ﷺ ».
ومنها: القول في خصائص الرسول ﷺ ، قال الشافعي (ف: ٧٨٣): «فَرَّق الله بين رسولِه وبين خلقِه في أمورٍ أباحها له حَظَرَها عليهم، وفي أمورٍ كَتَبَها عليه خَفَّفَها عنهم»، وقال (ف: ٢٠٠٤): «إنَّ الله ﵎ لِمَا خَصَّ به رسولَه ﷺ مِنْ وَحْيِه وأبانَ بَيْنَه وبَيْنَ خَلْقِه بما فَرَضَ عليهم مِنْ طاعتِه .. افْتَرَضَ عليه أشْياءَ خَفَّفَها عن خَلْقِه؛ ليَزِيدَه بها إن شاء الله قُرْبَةً إليه، وأباح له أشياءَ حَظَرَها على خَلْقِه؛ زِيادَتَه في كَرَامَتِه، وتَثْبِيتًا لفَضِيلتِه»، ثم ذكر بعض الأمثلة على ما خصَّه به.
_________
(١) انظر «المختصر» (ف: ١٩٥٧).
стр. 266
ومن نافلة القول أن دعوى الخصوصية ليست مطلَقة، وإنما السنة في عمومها للاتباع، والخاصُّ منها مبيَّن، قال الشافعي (ف: ٣٣٦١): «وما يُقْتَدَى إلا بما صَنَعَ النبيُّ ﷺ ، وما كان له خاصًّا فمُبَيَّنٌ في الكتابِ والسُّنَّة».
ومنها: منع رد السنن بدعوى مخالفة الراوي لها، فذكر الشافعي (ف: ٣٧٨٠) قول بعض الناس بردِّ حديث الشاهد مع اليمين بدعوى أن الزهري راويه أنكره، قال الشافعي: «وقد قضى بها حين وَلِيَ، أوَرَأيْتَ ما رَوَيْتَ مِنْ إنْكارِ عَليٍّ على مَعْقِلٍ حديثَ بَرْوَعَ أنَّ النبيَّ ﷺ جَعَلَ لها المهْرَ والميراثَ ورَدِّهِ حَدِيثَه، ومع عَليٍّ زَيْدُ بنُ ثابتٍ وابنُ عُمَرَ، فهل رَدَدْتَ شَيْئًا بالإنْكارِ، فكيف تَحْتَجُّ بإنْكارِ الزُّهْرِيِّ؟».
ومنها: التمييز بين السنن من نقل العامة والسنن من نقل الخاصة، وهذا الأصل أطال الشافعي النَّفَس فيه في كتاب «الرسالة» وغيره، ولم يذكرها صريحًا في «المختصَر»، إلا أنه لفت فيه لفتة جميلة تُضاف إلى كلامه في هذا التقسيم، حيث ذكر الشافعي في معرض رَدِّه على قول من منع الحبس والأوقاف تَوارُد الصحابة على العمل بها في الحجاز، قال الشافعي (ف: ١٧٢٩): «وإنَّ أكثرَ ما عندنا بالمدينة ومكَّةَ مِنْ الصدقاتِ لَعَلَى ما وَصَفْتُ، لم يَزَلْ مَنْ تَصَدَّقَ بها مِنْ المسلمين مِنْ السلفِ يَتَوَلَّوْنَها حتى ماتُوا، وإنَّ نَقْلَ الحديثِ فيها كالتَّكَلُّفِ»، يشير ﵀ إلى عدم تطلُّب نقل الآحاد في علم الكافة، وهذه لفتة تحتاج إلى دراسة موضوعية شاملة لفقه الشافعي، حيث إن لها دلالة على الاستدلال ببعض العمل الجاري في الحجاز موطن الرسول ﷺ ، كما اعتمد صيغة الأذان في مكة، ومُدَّ أهل الحجاز.
стр. 267
ومنها: قبول مراسيل سعيد بن المسيّب، قال الشافعي (ص: ١٠٤٣): «وإرْسالُ ابنِ المسيّب عندنا حَسَنٌ»، وهنا سؤالان:
السؤال الأول - ماذا يُراد بحسن مراسيل سعيد بن المسيّب؟ الذي يفهم من كلام المُزَني حمله إلى الاستئناس الذي هو دون الاحتجاج، ولذلك قال عقيب النصِّ المذكور: «إذا لم يَثْبُت الحديثُ عن رسول الله ﷺ .. فالقياسُ عندي … » إلخ، وهذا مذهب المحدِّثين الذي ينصره الشافعي في جملته، والنَّفْس إلى نسبة هذا إلى الشافعي أميل، لكن الذي عليه عامة أصحابه أنه أراد الاحتجاج، والله أعلم.
السؤال الثاني - هل ذِكْر ابن المسيّب باسمه تخصيص له بحسن مراسيله؟ نقل الحافظ البَيْهَقي عن أبي محمد الجُوَيْني أن الحكم خاص بمراسيل ابن المسيّب وحده، وأنه قال في مراسيل غيره: «إنها ترجيحات لا تقوم الحجة بها، سوى مرسل سعيد بن المسيب»، قال البَيْهَقي: «والشيخ - أدام الله عزَّه - تَبِع في إطلاق هذه اللفظة صاحب التلخيص، ولو نظر في رسالتي القديمة والجديدة للشافعي ﵀ وأبصر شرطه في قبول المراسيل، وتذكّر المسائل التي بناها على مراسيل غيره حين اقترن بها الشرط ولم يجد فيها ما هو أقوى منها - وهو أدام الله توفيقه أعلم بتلك المسائل مني - .. لقال بسوى مرسل سعيد بن المسيب ومن كان في مثل حاله من كبار التابعين؛ ليكون قوله موافقًا لجملة قول الشافعي في الرسالتين» (١).
قال عبدالله: اعتمد الشافعي على مراسيل الحسن البصري في موضعين من «المختصَر» (ف: ١٠٨٥ و ٢٠١٨)، وعلق عليهما إمام الحرمين
_________
(١) انظر «رسالة أبي بكر البَيْهَقي إلى أبي محمد الجُوَيْني» (ص: ٨٧).
стр. 268
فقال: «مراسيل الحسن مستحسَنة عند الشافعي» (١)، كأنه ﵀ رأى ذلك من الشافعي احتجاجًا بها، وليس ذلك بلازم؛ فإن المسألتين مما تواردت عليه الأدلة.
ومنها: معنى قول التابعي: «من السنة كذا»، قال الشافعي (ف: ٢٧٧٩): «والذي يُشْبِهُ قَوْلُ ابنِ المسيب: «سُنَّةٌ» أن تَكُون سُنَّةَ رسولِ الله ﷺ »، قال عبدالله: هذا الذي عليه الأكثر من الشافعية، لكن الشافعي صرَّح برجوعه عنه في كتاب الردِّ على محمد بن الحسن وغيره (٢)، وقال الصيدلاني: «إن الشافعي في القديم كان يرى أن ذلك مرفوع إذا صدر من الصحابي أو التابعي ثم رجع عنه؛ لأنهم يطلقونه ويريدون سنة البلد» (٣).
ومنها: قاعدة زيادة الثقة في الحديث، وهذا الأصل لم يصرِّح به الشافعي في شيء من كتبه على شهرته عنه، لكن المُزَني نصَّ عليه وجعله قياس قوله، قال المُزَني (ف: ١٥٩): «قياسُ قولِه أنَّ الزيادةَ أوْلَى به في الأخبارِ، كما أخَذَ في التشهُّدِ بالزيادَةِ، وفي دُخولِ النبي ﷺ البَيْتَ بزيادةِ أنَّه صلَّى فيه، وتَرَكَ مَنْ قال: (لم يَفْعَل)»، واستدلَّ على صحته في «كتاب الأمر والنهي» (ف: ٢٦) فقال: «من زاد في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه معناه فهو مثْبِتٌ، ومَن لم يأتِ به فليس بحجة على مَنْ أتى به»، وقال: «من زاد معنى عن رسول الله صلى الله عليه كان شاهدً، ومن لم يُثْبِتْه لم يكن له في ذلك معنى».
_________
(١) انظر «النهاية» (٥/ ١٨٣، و ١٢/ ٤٨).
(٢) انظر «مجرد مقالات الشافعي في الأصول» لمشاري الشثري (ص: ٢٣٥).
(٣) انظر «تشنيف المسامع» للزركشي (٣/ ٢٢٩).
стр. 269
قال عبدالله: هكذا قال المُزَني واشتهر بعده في كتب الأصوليين، وفي نسبته إلى الشافعي نظر بَيِّن؛ ذلك لأنه اشترط في رواة الحديث الصحيح أن «يكون بريًّا من أن يحدِّث عن النبي ما يحدِّث الثقات خلافه عن النبي» (١)، وقد استنكر الحافظ على الأصوليين إطلاق القول بقبول زيادة الثقة فقال: «فيه نظر كثير [كذا]؛ لأنه يرد عليهم الحديث الذي يتَّحد مخرجه فيرويه جماعة من الحفَّاظ الأثبات على وجه، ويرويه ثقة دونهم في الضبط والإتقان على وجه يشمل على زيادة تخالِف ما رووه إمَّا في المتن وإمَّا في الإسناد، فكيف تقبل زيادته وقد خالفه من لا يغفل مثلهم عنها لحفظهم أو لكثرتهم، ولا سيما إن كان شيخهم ممن يجمع حديثه ويُعْتَنَى بمروياته كالزهري وأضرابه بحيث يقال: إنه لو رواها لسمعها منه حفاظ أصحابه، ولو سمعوها لرووها ولَمَا تطابقوا على تركها، والذي يغلب على الظن في هذا وأمثاله تغليط راوي الزيادة، وقد نصَّ الشافعي في «الأم» على نحو هذا فقال في زيادة مالك ومن تابعه في حديث: (فقد عتق منه ما عتق): إنما يغلط الرجل بخلاف من هو أحفظ منه، أو بأن يأتي بشيء يشركه فيه من لم يحفظه عنه، وهم عدد، وهو منفرد)، فأشار إلى أن الزيادة متى تضمَّنت مخالفة الأحفظ أو الأكثر عددًا أنها تكون مردودة» (٢).
ومنها: قاعدة الاستصحاب، قال الشافعي (ف: ٢٣٥٩): «لمَّا قال رسولُ الله ﷺ : (إنَّ الشيطانَ يأتِي أحدَكم فينفخ بين ألْيَتَيْه، فلا يَنْصَرِفْ حتى يسمع صَوْتًا أو يشَمَّ ريحًا) .. علِمْنا أنه لم يَزُلْ يقينُ طَهارة إلا بيقينِ
_________
(١) «الرسالة» (الفقرة: ١٠٠١).
(٢) انظر «النكت» (ص: ٤٩٦ ط ماهر الفحل)، والنص عن الشافعي في كتاب «اختلاف الحديث» (ص: ٣٠٥ ط رفعت فوزي).
стр. 270
حَدَثٍ، فكذلك مَنْ اسْتَيْقَنَ نكاحًا ثُمَّ شَكَّ في الطلاقِ لم يَزُلْ اليقينُ إلا بيقينٍ».
ويمكن أن يندرج تحت هذه القاعدة استصحاب حكم الإجماع الذي اعتمد عليه المُزَني في مسألة المطلقة يعيد طلاقها، قال المُزَني (ف: ٢٦٨٥): «تَبْنِي على عِدَّتها مِنْ أوَّل طلاقِها؛ لأنَّ تلك العِدَّة لم تَبْطُلْ حتى طَلَّقَ، فإنما زادها طلاقًا، وهي مُعْتَدَّة بإجماعٍ، فلا نُبْطِلُ ما أُجْمِعَ عليه مِنْ عِدَّةٍ قائمةٍ إلا بإجماعٍ مِثْلِه أو قياسٍ على نَظِيرِه».
ومنها: رد الاستحسان بلا دليل من نص أو قياس عليه، قال الشافعي (ف: ٣٧٠٠): «ولا يَجُوزُ أن يَسْتَحْسِنَ بغَيْرِ قِياسٍ، ولو جازَ ذلك لجازَ أن يَشْرَعَ في الدِّينِ»، أي: يَسُنَّ فيه ما لم ينزله الله ، وهذا النص هو الأقرب إلى ما نَقَل الثقات عن الشافعي من قوله: «من استحسن فقد شرع»، والظاهر أنهم اختصروه من هذا النص، وقد أشار إلى ذلك إمام الحرمين فقال: «صرَّح الشافعي بما يتضمَّن إبطالَ الحكم المستند إلى الاستحسان، والقولُ فيه: إن أصحاب الاستحسان ربما يُسندون ما يَرَوْنه إلى خبر، كمصيرهم إلى أن الناسي لا يُفطر بالأكل؛ لخبر أبي هريرةَ فيه، وكلُّ مذهبٍ مستندٍ إلى خبر فهو متلقًّى بالقبول، وعبارة صاحب المقالة عن هذا بالاستحسان على نهاية السخافة والغثاثة؛ فإن قبول الخبر لا مَحيد عنه، والاستحسانُ يُشعر بتردُّد وميلٍ خفيٍّ إلى جانب، ومعظمُ قواعد الاستحسان استصلاح جليّ أو خفيّ لا أصل له في الشريعة، ومعنى قول صاحب المقالة (الاستحسان مقدم على القياس): أن القياس الجاري على وَفْق قواعد الشريعة مؤخَّر عن استصلاحٍ لا أصل له في الشريعة، وقد عبَّر الشافعي عن
стр. 271
غور هذا الفصل بكلمات وجيزة إذ قال: (من استحسن فقد شرع)» (١).
القاعدة الثالثة: الدلالات
وقاعدتها عنده: عربية القرآن والسنة، وقد ذكرنا قوله: «القرآن عربي»، ومن هنا تتوارد عليه أساليب العرب في الكلام، وجماع ما ذكر من القيم المتعلقة بالدلالات أربعة:
القيمة الأولى: أخذ النص الشرعي بسياقه.
قال الشافعي (ف: ٢٣١٨): «يُبِين آخِر الكلام عن أوَّلِه»، وبنى الشافعي على هذه القيمة اعتبار كل ما ورد على النص من المخصَّصات المتصلة.
فمنها: الاستثناء، قال الشافعي (ف: ٢٣١٨): «قد يَقُول: (لا إلهَ إلَّا اللهُ)، فيَكُونُ مؤمنًا، يُبِين آخِر الكلام عن أوَّله، ولو أفْرَدَ (لا إلهَ) كان كافرًا»، وقال (ف: ٢٣٥٣): «إنَّما يَجُوز الاستثناء إذا بَقَّى شيئًا، فإذا لم يبقِّ شيئًا فمُحالٌ».
ومنها: الغاية، قال الشافعي (ف: ٢٧١٣): «وما جُعِل له غايةٌ فالحكمُ بعد مُضِيِّ الغاية خِلافُ الحكْمِ قبل الغايةِ».
ومنها: الصفة، وقد ذكر الشافعي حل أكل الميتة للمضطر، فإذا زال الاضطرار عاد الحرمة، قال الشافعي (ف: ٣٥٠٥): «إذا حرَّم اللهُ شيئًا فهو مُحَرَّمٌ إلَّا ما أباحَ منه بصِفَةٍ، فإذا زالَت الصِّفَةُ زالَت الإباحَةُ»، وقال المُزَني: «إذا ارْتَفَعَت العِلَّةُ ارْتَفَعَ حُكْمُها».
_________
(١) انظر «النهاية» (١٨/ ٤٧٣).
стр. 272
القيمة الثانية: حمل مجمل النصوص على موافقة مُفَصَّلها.
وبنى الشافعي على هذه القيمة أن بعض النصوص مبيِّنة ومفسِّرة للنصوص الأخرى، وليست متعارِضة، كما قال في كلامه على حديث: «إنما الربا في النسيئة» مع حديث ربا الفضل (ف: ١٠١١).
فلا تعارُض بين القرآن والسنة، وقد حكى الشافعي (ف: ٣٧٨٢) قول من قال: «إذا نصب اللهُ حُكْمًا في كتابه فلا يَجُوز أن يَكُونَ سَكَتَ عنه وقد بَقِيَ منه شيءٌ، فلا يَجُوزُ لأحَدٍ أن يُحْدِثَ فيه ما ليْسَ في القرآنِ»، ثم رَدَّ عليه فقال: «قد نَصَبَ اللهُ الوُضُوءَ في كتابه فأحْدَثْتَ فيه المسْحَ على الخفَّيْن، ونَصَبَ ما حُرِّمَ مِنْ النِّساءِ وأحَلَّ ما وَراءَهُنَّ فقُلْتَ: لا تُنْكَحُ المرْأةُ على عَمَّتِها ولا على خالَتِها، ونَصَبَ الموارِيثَ فقُلْتَ: لا يَرِثُ قاتِلٌ ولا مملُوكٌ ولا كافِرٌ وإن كانُوا وَلَدًا أو والِدًا، ونَصَبَ حَجْبَ الأمِّ بالإخْوَةِ وحَجَبْتَها بأخَوَيْن، ونَصَبَ للمُطَلَّقَةِ قبل أن تُمَسَّ نِصْفَ المهْرِ ورَفَعَ العِدَّةَ فقُلْتَ: إنْ خَلا بها ولم يَمَسَّ فلها المهْرُ وعليها العِدَّةُ، فهذه أحْكامٌ مَنْصُوصَةٌ في القُرآنِ، وهذا عِنْدك خِلافُ ظاهِرِ القُرآنِ»، قال الشافعي: «والقُرآنُ عَرَبِيٌّ، فيكُونُ عامَّ الظَّاهِرِ يُرادُ به الخاصُّ، وكُلُّ كَلامٍ احْتَمَلَ في القُرآنِ مَعانِيَ فسُنَّةُ رسولِ الله ﷺ تَدُلُّ على أحَدِ مَعانِيه مُوافِقَةٌ له، لا مُخالِفَةٌ للقُرآنِ».
ولا ينسخ القرآن بالسنة ولا السنة بالقرآن، هكذا اشتهر النقل عن الشافعي، لكنه قال في عقد الصلح (ف: ٣٤١١): «وإنْ صالَحَهُم الإمامُ على ما لا يَجُوزُ .. فالطَّاعَةُ نَقْضُه، كما صَنَعَ رسولُ الله ﷺ في النِّساءِ، وقد أعْطَى المشْرِكِين ما أعْطاهُم في الرِّجالِ ولم يَسْتَثْنِ، فجاءتْه أمُّ كُلْثُومٍ بنتُ عُقْبَةَ بنِ أبي مُعَيْطٍ مُسْلِمَةً مُهاجِرَةً، فجاء أخَواها يَطْلُبانها، فمَنَعَهما منها،
стр. 273
وأخْبَرَ أنَّ اللهَ مَنَعَ الصُّلْحَ في النِّساءِ»، قال المُزَني: «هذا خِلافُ قَوْلِه في (الرسالة): (لا يُنْسَخُ قُرآنٌ إلَّا بالقُرآنِ، ولا سُنَّةٌ إلَّا بالسُّنَّةِ)».
قال عبدالله: يرد على المُزَني مؤاخذتان: أولاهما - أن الشافعي لم ينكر في الرسالة مطلق نسخ السنة بالقرآن، وإنما قال: «لو نسخت السنة بالقرآن كانت للنبي فيه سنة تبين أن سنته الأولى منسوخة بسنته الآخرة»، هذا نصه في «الرسالة» (ص: ١١٠)، وبمثله نقل عنه ابن السُّبْكي في «جمع الجوامع» (١)، ولا شك أن المثال الذي استخرج منه المُزَني لا يرد على نصِّه، ولو فرضنا إطلاق قول الشافعي بمنع النسخ فقد يقال بأن هذا ليس من قبيل النسخ، وإنما هو من باب التخصيص، والنسخ إبطال على مذهب الشافعي، وهذه المؤاخذة الثانية.
وكما أنه لا تعارض بين القرآن والسنة كذلك لا ترد بعض السنن بدعوى مخالفتها للبعض الآخر، قال الشافعي (ف: ١٦٢٥): «إذا سَاقَى على النَّخْلِ أو العِنَبِ بجُزْءٍ مَعْلومٍ .. فهي المساقاةُ التي سَاقَى عليها رسولُ الله، وإذا دَفَعَ إليه أرْضًا بيضاءَ على أن يَزْرَعَها المدْفُوعَةُ إليه فما أخْرَجَ الله ﵎ منها مِنْ شيءٍ فله جُزْءٌ مَعْلُومٌ .. فهذه المُخابَرَةُ التي نَهَى عنها رسولُ الله ﷺ ، ولم نَرُدَّ إحْدَى سُنَّتَيْه بالأخْرَى».
قال إمام الحرمين: «أشار إلى أن القياسَ التسويةُ بين المساقاة والمزارعة في الجواز والمنع، ولكن السنة فرَّقت بينهما ووردت بتجويز المساقاة وبالمنع من المخابرة» (٢).
_________
(١) انظر «تشنيف المسامع» للزركشي (٢/ ٧٣٩).
(٢) انظر «النهاية» (٨/ ٦).
стр. 274
وإذا لم يوجد وجه للجمع فسنَّته الأخيرة ناسخة لسنَّته الأولى، قال الشافعي (ف: ٢٨٥): «وفِعْلُ رسولِ الله ﷺ الآخِرُ ناسِخٌ لفِعْلِه الأوَّلِ».
القيمة الثالثة: الأخذ بالظاهر.
فـ «أصله الظاهر» كما قال المُزَني (ف: ٣٢٠٢)، وقال في «كتاب الأمر والنهي» (ف: ٢٢): «ولو جاز ألا أفارق لفظ الحديث بلا دلالة من حديث غيره ولا إجماع ولا ما نقلته خاصة العلماء، فالقبول ألزم من طرح الاستدلال»، ويبني الشافعي على هذه القيمة حمل الدلالات المحتملة على أقرب معانيها للظاهر.
فمنها: حمل الطلب على الحتم، ما لم يقم دليل على الاختيار والإرشاد، وكلام الشافعي صريح في حمل النهي على التحريم، لكن كلامه في جهة الأمر محتمل كما صرَّح الأصحاب، لكن الشافعي ذكر في «المختصَر» (ف: ١٣) قوله ﷺ : «لولا أن أشُقَّ على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» مستدلًّا به على استحباب السواك، قال الشافعي: «ولو كان واجبًا لأمرهم به، شقَّ أو لم يَشُقَّ»، وهذا الاستدلال المعروف عند الأصوليين بعد الشافعي على أن الأمر للوجوب، ويدل على استحسانهم له وسَبْق الشافعي به.
وأريد هنا التنبيه إلى كلام للباحث الفاضل مشاري الشثري - حفظه الله - حيث قال: «المعلوم من قول الشافعي فيما يتعلق بالأمر والنهي أنه يرى جزمًا أن النهي يقتضي التحريم، وأما الأمرُ فردَّدَ الشافعيُّ القولَ فيه، ولم يجزم بحمله على معنًى يجعله هو الأصلَ، بل ذَكر عدة احتمالات في دلالته، ثم قال: (وعلى أهل العلم عند تلاوة الكتاب ومعرفة السنة طلب الدلائل ليفرِّقوا بين الحتم والمباح والإرشاد الذي ليس بحتم في
стр. 275
الأمر والنهي معًا)» (١)، قال: «وهذا هو ما ذكره بعض حُذَّاق أصحابه، كأبي حامد الإسفراييني، وذلك بقوله: (قطع الشافعي قوله إن النهي يقتضي التحريم، بخلاف الأمر، فإنه في بعض المواضع ليَّن القول فيه)، قال الزركشي بعد نقله كلام أبي حامد: (وهذا الذي قاله الشيخ أبو حامد هو الذي دلَّ عليه كلام الشافعي)» (٢).
ولي على هذا الكلام عدة ملاحظات:
أولها - أن التفريق بين دلالتي الأمر والنهي لا يتَّفق مع منهج الشافعي بتأصيل الأصول على قاعدة عربية النصوص، ولا شك أن دلالة الأمر والنهي في أصل اللغة واحدة.
وثانيها - أن الأصحاب متفقون على أن كلام الشافعي في الأمر بعضه يدل على الوجوب وبعضه يردِّد، بل إن القول بدلالة الأمر على الندب نقله الشافعي عن بعض أهل العلم والقول بدلالته على الوجوب أورده احتمالًا له، وبناءً عليه أثبت الزركشي القولين عن الشافعي؛ لأن عادة الشافعي ردُّ ما لا يقبله من الآراء التي ينقلها عن العلماء (٣)، والذي ذهب إليه الباحث إطلاق القول بالترديد.
ثالثها - أن ما ذهب إليه ينقضه واقع عمل الشافعي؛ لأن مقتضاه عدم جواز الاستدلال بالأمر على الوجوب إلا بدليل من خارج، واستدلالات الشافعي بمطلق الأمر على الوجوب كثيرة.
_________
(١) قال مشاري: وقد استوفيتُ نصوص الشافعي في الأمر والنهي في «مجرد مقالات الشافعي في الأصول» فانظرها في: (ص: ٢٨٧ - ٢٩٧).
(٢) انظر «البحر المحيط» للزركشي (٢/ ٤٢٧).
(٣) انظر «البحر المحيط» للزركشي (٢/ ٣٦٥، و ٤٢٧)، وانظر «مجرد مقالات الشافعي في الأصول» للباحث مشاري الشثري (ص: ٢٩٣ - ٢٩٥).
стр. 276
ورابعها - أن المُزَني صرَّح بنسبة القول بحمل الأمر على الوجوب إلى الشافعي كما سيأتي نص كلامه، وهو أعرف الأصحاب بنصوص الشافعي وأفقههم لها، وحكايته عنه نقل يجب قبوله، لا كما فعل الباحث حيث انتقده اعتمادًا على ما بلغه من نصوص الشافعي، وهذه قضية منهجية عند الباحث طالما ناقشته فيها، وهي صغيرة بجنب ما أحسن في جمع «مجرد مقالات الشافعي في الأصول».
ومنها: حمل العموم على عمومه، ما لم يَقُم دليل على الخصوص، ومن أمثلته قول الله : ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعًا لكم وللسيارة﴾ [المائدة: ٩٦]، قال الشافعي (ف: ٣٤٥٨): «هذا عُمُومٌ، فمَن خَصَّ منه شَيْئًا فالمخْصُوصُ لا يَجُوزُ عند أهْلِ العِلْمِ إلَّا بسُنَّةٍ أو إجْماعِ الذين لا يَجْهَلُون ما أراد اللهُ ﵎».
ومنها: حمل المطلق على إطلاقه، ما لم يقم دليل على التقييد، ومن أمثلته قول الله تعالى في التظاهر: ﴿فتحرير رقبة﴾ [المجادلة: ٣]، قال الشافعي (ف: ٢٤٧١): «وشَرَطَ الله ﵎ في رَقَبَةِ القَتْلِ مُؤمِنَةً، كما شَرَطَ العَدْلَ في الشَّهادَةِ وأطْلَقَ الشُّهُودَ في مواضِعَ، فاسْتَدْلَلْنا على أنَّ ما أطْلَقَ على مَعْنَى ما شَرَطَ، وإنَّما رَدَّ الله أمْوالَ المسْلِمِين على المسْلِمِين، لا على المشْرِكِين».
وقد سُئل المُزَني ﵀ عن مخرج جملة الأمر والنهي على مذهب الشافعي فقال في أول «كتاب الأمر والنهي» (ف: ١): «مذهب الشافعي عندي وبالله التوفيق: أن الأمرَ والنهيَ من الله ومن رسوله صلى الله عليه على العمومِ والظاهرِ والحتمِ، إلا أن يأتي في سياق الخبر أو في غيره ما يدل على أنه أريد به الخصوصُ أو باطنٌ أو إرشادٌ أو إباحةٌ أو دلالةٌ، فيَلزَم قبولُ
стр. 277
الدليل، فإذا أمر الله أو رسوله صلى الله عليه بأمر وسمَّاه .. فما لزمه اسمُه لزمه حكمُه على العمومِ والحتْمِ؛ لأن الله ﵎ أو رسوله صلى الله عليه لو لم يُرِد العمومَ وأراد غيرَه لأبانه، فلما لم يُبِنْه علِمْنا أنه لم يُرِد ما لم يُبَيِّن، كما لم يَأمُر إلا بما بَيَّن؛ لأنه لا يُكَلِّف عِلمَ الغيوب، قال الله : ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤]، وقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]، وقال: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]، فمَن ادَّعَى فيما أطلَقه القرآنُ أو السنةُ بَيِّنٌ معناه في اللغةِ أنَّه أرِيد معنًى دون معنًى .. قيل له: قولك «إنه أريد به» غيْبٌ، والغيبُ لا يوصَل إليه إلَّا بخبرٍ، والمدعي لذلك بغير حق منفرد، ولا يُقبَل مِنْ مدعٍ إلا ببينة، ولا تُزال حجة بغير حجة».
القيمة الرابعة: تعليل النصوص والقياس عليها.
فـ «القياس عنده حق» كما قال المُزَني (ف: ٩٨٣)، وقد ذكر من مراتب القياس القياس الذي لا يُعذر أحد عنده بالغفلة عنه (ف: ٣٨٦٩)، وذلك دليل على عظيم منزلة القياس عند الشافعي، وقد بيّن في «المختصَر» بعض أنواعه وضوابطه.
فأمَّا أنواع القياس فقال الشافعي (ف: ٣٧٠١): «القِياسُ قياسان: أحَدُهما - أن يَكُونَ في مَعْنَى الأصْلِ، فَذَلِكَ الَّذِي لا يَحِلُّ لأحَدٍ خِلافُه، والآخَرُ - أن يُشْبِهَ الشَّيْءُ الشَّيْءَ مِنْ أصْلٍ، ويُشْبِهَ الشَّيْءَ مِنْ أصْلٍ غَيْرِه، فيُشَبِّهُه هذا بهذا الأصْلِ، ويُشَبِّهُه الآخَرُ بأصْلٍ غَيْرِه، ومَوْضِعُ الصَّوابِ في
стр. 278
ذلك عندنا أن يُنْظَرَ: فإنْ أشْبَهَ أحَدَهما في خَصْلَتَيْن والآخَرَ في خَصْلَةٍ ألْحَقَه بالذي أشْبَهَه في خَصْلَتَيْن».
وأمَّا ضوابط الاعتماد على القياس ..
فلا قياس إلا حيث لا نصّ ولا إجماع، قال الشافعي (ف: ١١١١): إذا اخْتَلَف [الصحابة] فمَذْهَبُنا القياسُ»، وقال حاكيًا عن محمد بن الحسن الشيباني ومقرًّا له (ف: ٢١١٢): «ما يَنْبَغِي أن يَدْخُلَ على حديثِ النبيِّ ﷺ القِياسُ»، ولمَّا استدل الشافعي على حرمة بيع اللحم بالحيوان بمرسل سعيد بن المسيّب وما عضَّده من قول أبي بكر الصديق تعقَّبه المُزَني فقال (ف: ١٠٤٣): «إذا لم يَثْبُت الحديثُ عن رسول الله ﷺ .. فالقياسُ عندي أنَّه إذا كان فصيلٌ بجَزُورٍ قائمَيْنِ جائزًا، ولا يَجُوزان مَذْبُوحَيْن - لأنَّهما طعامان - إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ، فهذا لحمٌ وهذا حيوانٌ، وهما مختلفان، فلا بأسَ به في القياسِ إن كان فيه قولٌ مُتَقَدِّمٌ ممَّن يَكُونُ بقولِه اخْتِلافٌ، إلَّا أن يَكُون الحديثُ عن رسول الله ﷺ ثابتًا، فنأخذُ به، ونَدَعُ القياسَ»، قال عبدالله: لئن تعقَّبه المُزَني في حكمه ففيه إشارة إلى تقرير أصله بالقياس حيث لا نصّ ولا إجماع.
ولا قياس على المخصوص، قال المُزَني في «كتاب الأمر والنهي» (ف: ٣٠): «ولا قياس على مخصوص»، وكلام الشافعي صريح واضح في ذلك، وقد اعتمد عليه في «المختصَر» (ف: ١٠٠٩)، وأيَّده شيخ الإسلام البلقيني في تعليقاته على «المختصَر» فقال (ف: ١٠٩٢): «إذا خولف القياس في أصل الحكم لأجل النصِّ يطَّرد ذلك ويتبع في جميع موارده، مثاله: اختلاف الأصحاب في ردِّ المصراة بصاع من تمر هل يكون على الفور أو يمتد إلى ثلاثة أيام؟ والأصحُّ: أنه يكون على الفور؛ طردًا لقياس خيار
стр. 279
الردِّ بالعيب، فإنه إنما يكون على الفور، فإذا تراخى امتنع، ويتأوّل حديث الصحيحين في ذلك، وهو قوله ﷺ : «ولا تصروا الغنم، ومن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردَّها وصاعًا من تمر»، وفي لفظ: «فهو بالخيار ثلاثًا» الحديث، ففي المذهب: يمتنع الردّ بالتراخي، ويُجاب عن الحديث بأنه مؤوَّل، ويعمل بالقياس في الردِّ بالعيب، وفي وجه: يمتد الخيار لقوله: «ثلاثًا»، قال الإمام ابن دَقِيق العِيد: (والصواب اتباع النصِّ لوجهين: أحدهما: تقديم النصِّ على القياس، والثاني: أنه خُولِف القياس في أصل الحكم لأجل النصِّ، فليطَّرد ذلك ويتبع في جميع موارده)، قال عبدالله: هذا الأصل ينبغي تحريره جيدًا؛ ذلك أن الأصحاب اتفقوا في تقرير هذا الأصل عن الشافعي في المخصوص من العام، ثم اختلفوا في جواز القياس على الرخص، ولا شك أن الرخص مخصوصة من العام.
ولا قياس فيما لا يُدرك معناه، ومنه التأقيت، قال المُزَني (ف: ٣٠٣): «إنَّ التأقيتَ لا يُدْرَك إلا بِخَبَرٍ»، وقال (ف: ٢٤٢٠): «التأقِيتُ لا يَجِبُ إلَّا بخَبَرٍ لازِمٍ».
ولا يُقاس الحلال بالحرام، قال الشافعي (ف: ٢٠٧٦): «إنَّ الحرامَ ضِدُّ الحلالِ، فلا يُقاسُ شيءٌ على ضِدِّه».
القاعدة الرابعة: الأحكام
وهي ثمرة عملية الاجتهاد على وَفْق الأصول المقرَّرة، وقدْ قرَّر الشافعي قيمًا مهمة تتعلَّق بها.
فمنها: تقرير أن حكم الله هو الخير كله، قال الشافعي (ف: ٣٧٤٧): «كُلُّ أمْرٍ نَدَبَ اللهُ إليه فهو الخَيْرُ الذي لا يَعْتاضُ مِنه مَنْ تَرَكَه».
стр. 280
ومنها: تقرير قُبح تعطيل حكم الله، قال الشافعي (ف: ٢٥٨٣): «ولو قال لها: «يا زانية»، فقالَتْ: «بل أنْتَ زانٍ» .. لاعَنَها، وحُدَّتْ له، وقال بعض الناس: لا حَدَّ ولا لِعانَ، فأبْطَلَ الحُكْمَيْن جميعًا، وكانَتْ حُجَّتُه أن قال: أسْتَقْبِحُ أن ألاعِنَ بَيْنَهما ثُمَّ أحُدَّها، وما قَبَّح منه فأقْبَحُ منه تَعْطِيلُ حُكْمِ الله عليهما».
ومنها: عدم القول في الأحكام بالظنون، قال الشافعي (ف: ٣٨٧٤): «ولا يَجُوزُ الحكْمُ بالظُّنُونِ»، وقد يشكل على بعضهم هذا بناءً على السائر بين الناس من أن الفقه أغلبه ظنون، لكن الشافعي إنما استنكر القول بالظن المجرَّد، وقال بالظنِّ المقرون إلى علم، قال الشافعي (ف: ٣٣٧١): «لا أعرف ما أقول في أرض السواد إلا بظنٍّ مقرون إلى عِلْم»، قال عبدالله: ومن هنا يمكن أن يقال بأن الشافعي أول من قرَّر قطعية أصول الفقه، لا إمام الحرمين كما هو المشهور بين الناس، ويزيد على ذلك أن عبارة الشافعي أدقُّ من عبارة إمام الحرمين، ولذلك اعترض عليه غير واحد.
ومنها: عموم أحكام الله على العباد، الرجال والنساء، الأحرار والعبيد، المؤمنين والكفار، قال الشافعي (ف: ٢٤٣٥): «وحُكْمُ الله على العِبادِ واحِدٌ».
ومنها: اعتبار الأحكام بفاعِلِيها، قال الشافعي (ف: ٢٦٤٧): «إنَّ الأحْكامَ بفاعِلِيها، ألا تَرَى أنَّ الحُرَّ المُحْصَنَ يَزْنِي بالأمَةِ فيُرْجَمُ وتُجْلَدُ الأمَةُ خمسين، والزِّنا مَعْنًى واحدٌ، فاخْتَلَفَ حُكْمُه لاخْتِلافِ حالِ فاعِلِيه»، ويمكن أن يُقال إن الشافعي على هذه القيمة بنى منع الرخص عن العصاة، قال الشافعي (ف: ٣٨٨): «الرخصة لا تكون لعاصٍ».
стр. 281
الباب الثاني: شوارد الفوائد
الشافعي يذكر نسب نفسه:
فمنها: المشهور في كتب مناقب الشافعي ذكر نسبه من إملاء الربيع أول كتاب «الرسالة»، وقد وجدت الشافعي نصَّ بنفسه على نسبه، قال ﵀ في مسألة ما لو قال: «ثُلُثِي لقَرابَتِي» (ف: ١٨٥٤): «فإنْ كان من قبيلةٍ مِنْ قُرَيْشٍ .. أُعْطِيَ بقَرابتِه المعروفةِ عند العامَّةِ، فيُنْظَرُ إلى القبيلةِ التي يُنْسَبُ إليها فيُقالُ: مِنْ بَني عبدِ منافٍ، ثُمَّ يُقالُ: وقد تَفْتَرِقُ بنو عبدِ منافٍ، فمِن أيِّهم؟ .. قيل: مِنْ بني عبدِ يزيدَ بنِ هاشم بن المطلب، فإن قيل: أفَيَتَمَيَّزُ هؤلاء؟ .. قيل: نعم، هم قبائلُ، فإن قيل: فمِن أيِّهم؟ .. قيل: مِنْ بني عُبَيْد بن عبد يزيد، فإن قيل: أفَيَتَمَيَّزُ هؤلاء؟ .. قيل: نعم، هُمْ بنو السائب بن عُبَيْد بن عبد يزيد، فإن قيل: أفَيَتَمَيَّزُ هؤلاء؟ .. قيل: نعم، هم بنو شافعٍ، وبنو عليٍّ، وبنو عباسٍ أو: عيَّاشٍ - شَكَّ المُزَني - وكلُّ هؤلاء بنو السائب، فإن قيل: أفَيَتَمَيَّزُ هؤلاء؟ .. قيل: نعم، كلُّ بطنٍ مِنْ هؤلاء يَتَمَيَّزُ عن صاحبِه، فإذا كان مِنْ آلِ شافعٍ قيل لقرابتِه: هم آلُ شافعٍ، دون آلِ عليٍّ والعباسِ؛ لأنَّ كلَّ هؤلاء مُتَمَيِّزٌ ظاهرٌ».
стр. 282
شرف القرب من رسول الله ﷺ :
ومنها: قال الشافعي (ف: ١٩٥١): «الناسُ عِبادُ الله، فأوْلاهُم أن يكون مُقَدَّمًا أقْرَبُهم بخِيرَةِ اللهِ لرِسالَتِه، ومُسْتَوْدَعِ أمانَتِه، وخاتَمِ النَّبِيِّينَ، وخَيْرِ خلقِ رَبِّ العالمين، محمدٍ ﷺ »، قال المُزَني: «هذا والله هو الكلامُ الصحيحُ».
الحسب والنسب الشريف دون عصبية:
ومنها: لا يخفى على أحد مدى اهتمام العربيِّ بنَسَبه وحَسَبه، حتى غلا بعضهم في العصور الأولى فكان ذلك سببًا في ظهور الشعوبية المضادَّة، والشافعي ﵀ لا شكَّ معتزٌّ بنَسَبه الشريف وحَسَبه الرفيع، وقد اعتبر النسب من الوجوه المعتَبَرة في الكفاءة بين الزوجين، ولكن ذلك لم يكن أبدًا عصبية للعربية والأنساب، وإنما كان دينًا واتباعًا لِمَا ظهر له من الدليل، وقد بيَّن الحدود الفارقة بين الاعتزاز المباح بالأحساب والعصبيةِ الممقوتة، قال الشافعي (ف: ٣٨٠٧): «وليْسَ مِنْ العَصَبِيَّةِ أن يُحِبَّ الرَّجُلُ قَوْمَه، والعَصَبِيَّةُ المحْضُ أن يُبْغِضَ الرَّجُلَ لأنَّه مِنْ بني فلانٍ، فإذا أظْهَرَها ودَعا إليها وتآلَفَ بها فمَرْدُودٌ، وقد جَمَعَ اللهُ - جَلَّ ذكره - المسْلِمِين بالإسْلامِ، وهو أشْرَفُ أنْسابِهِم فقال : ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ [الحجرات: ١٠]، وقال رسولُ الله ﷺ : «وكُونُوا عِبادَ اللهِ إخْوانًا»، فمَن خالَفَ أمْرَ اللهِ وأمْرَ رَسُولِه رُدَّتْ شَهادَتُه».
ومما يدلُّ على المعنى التي ذكرته أن الشافعي ذكر مذهب أبي يوسف القاضي وأهل العراق القائلين بعدم عقد الذمة مع العرب وعدم أخذ الجزية منهم ثم قال ﵀ (ف: ٣٣٨٠): «نَحْنُ كُنَّا على هذا أحْرَصَ، ولولا أن نَأثَمَ
стр. 283
بتَمَنِّي باطِلٍ وَدِدْناه كما قال، وألا يَجْرِيَ على عَرَبِيٍّ صَغارٌ، ولكنَّ اللهَ - تبارك اسمه - أجَلُّ في أعْيُنِنا مِنْ أن نُحِبَّ غَيْرَ ما حَكَمَ به».
تعظيم قدر الرسول ﷺ في كتب الشافعي:
ومنها: تعظيم قدر الرسول ﷺ في كلام الشافعي وكتبه، وهذه في الأصل سمة يشترك فيها عامة المؤمنين، لكن الشافعي تميَّز بإبراز المكانة الخاصة للرسول ﷺ ، وكثيرًا ما نجد الشافعي يدعو فيقول: «بأبي هو وأمي»، وقال المُزَني (ف: ١٧١١): «ما رَأيْتُ مِنْ العلماءِ مَنْ يُوجِبُ للنبيِّ ﷺ في كُتُبِه ما يُوجِبُه الشافعيُّ لحُسْنِ ذِكْرِه رسولَ الله ﷺ ، فرَحْمَةُ الله عليه ورضوانُه».
عَيْش الكفاف في حياة الرسول ﷺ -:
ومنها: قال الشافعي (ف: ١٧١١): «إنَّه ﷺ لم يَمْلِكْ مالًا إلَّا ما لا غِنَى به وبعِيالِه عنه ومَصْلَحَتِهم، حتَّى صَيَّرَ ما مَلَّكَه اللهُ مِنْ خُمُسِ الخُمُسِ ومالَه إذا حَبَسَ قُوتَ سَنَتِه مَرْدُودًا في مَصْلَحَتِهم في الكُراعِ والسِّلاحِ عُدَّةً في سبيلِ اللهِ، وإنَّ نَفْسَه ومالَه كان مُفَرَّغًا لطاعةِ الله ﵎ فصَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، وجَزاه خَيْرَ ما جَزَى نَبِيًّا عن أمَّتِه».
حمى العرب في الجاهلية:
ومنها: قال الشافعي (ف: ١٧١١): «كان الرجلُ العزيزُ مِنْ العربِ إذا انْتَجَعَ بَلَدًا مُخْصِبًا أوْفَى بكَلْبٍ على جَبَلٍ إنْ كان به أو نَشْزٍ إن لم يَكُنْ، ثُمَّ اسْتَعْوَى كَلْبًا ووَقَفَ له مَنْ يَسْمَعُ مُنْتَهَى صَوْتِه بالعُواءِ، فحَيْثُ انْتَهَى صَوْتُه حَماهُ مِنْ كُلِّ ناحِيَةٍ لنَفْسِه، ويَرْعَى مع العامَّةِ فيما سِواه، ويَمْنَعُ هذا مِنْ غَيْرِه لضَعَفَى سائمَتِه وما أراد معها، فنَرَى أنَّ قَوْلَ رسولِ الله ﷺ : «لا حِمَى إلَّا لله ورسولِه»: لا حِمَى على هذا المعنى الخاصِّ».
стр. 284
حبس العرب في الجاهلية:
ومنها: ذكر الشافعي مذهب القائلين بعدم مشروعية الأوقاف والحبس، وذكر احتجاجهم بحديثِ شُرَيْحٍ أنَّ محَمَّدًا جاء بإطلاقِ الحُبُسِ، فردَّ عليهم وقال (ف: ١٧٣٠) «الحُبُسُ الذي جاء بإطْلاقِه - لو كان حديثُك ثابتًا - كان على ما كانت العربُ تَحْبِسُ مِنْ البَحِيرَةِ والوَصِيلَةِ والحامِ؛ لأنَّها كانت أحْباسَهُم، لا نَعْلَمُ جاهِلِيًّا حَبَّسَ دارًا على وَلَدٍ ولا في سبيلِ الله ولا على مساكينَ».
فهم النصوص الشرعية مقرونة بالواقع الذي عُنِي بها:
ومنها: منهج تفهُّم النصوص الشرعية بِناءً على الواقع الذي عُنِي بها، ومن أمثلة ذلك الفائدتان قبل هذه، وقال الشافعي (ف: ٢٥١١): «وكُلُّ الكفَّاراتِ بمُدِّ النبيِّ ﷺ ، لا تَخْتَلِفُ، وفي فَرْضِ الله على رَسُولِه وفي سُنَّةِ نَبِيِّه ما يَدُلُّ على أنَّه بمُدِّه ﷺ ، وكيف يَكُونُ بمُدِّ مَنْ لم يُولَدْ في عَهْدِه ﵇، أو مدٍّ أُحْدِثَ من بعده؟!».
قانون العلم الصحيح:
ومنها: الإشارة إلى قانون دقيق يميِّز به بين العلم الصحيح وشبهة الدليل الزائف، فأخرج الشافعي حديث عائشة قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ أعرِف السرور في وجهه، فقال: «ألم تَرَيْ أن مجززًا المدلجيّ نظر إلى أسامة وزيد عليهما قطيفة، قد غطَّيا رءوسهما، وبدت أقدامهما، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض»، فقال الشافعي (ف: ٣٨٦٩): «فلو لم يَكُنْ في القافَةِ إلَّا هذا انْبَغَى أن يَكُونَ فيه دَلالَةٌ أنَّه عِلْمٌ، ولو لم يَكُنْ عِلْمًا لقالَ له: لا تَقُلْ هذا؛ لأنَّك إنْ أصَبْتَ في شَيْءٍ لم آمَنْ عليك أن تُخْطِئَ في غَيْرِه، وفي خَطَئِكَ قَذْفُ مُحْصَنَةٍ ونَفْيُ نَسَبٍ، وما
стр. 285
أقَرَّه إلَّا أنَّه رَضِيَه ورَآه عِلْمًا، ولا يُسَرُّ إلّا بالحقِّ ﷺ »، قال عبدالله: يشير إلى أن العلم الصحيح هو الذي يخضع لقوانين ثابتة يأمن الملتزم بها الوقوع في الخطأ، ولا يمكن الباري وكل عباده في تعرُّف الحق إلى طريق يمكن أن يؤدِّي بهم إلى باطل إذا رُوعيت حُرمته.
أصناف المرتدين في العصر الأول:
ومنها: قال الشافعي (ف: ٣١٧١): «وأهْلُ الرِّدَّةِ بعد رسولِ الله ﷺ ضَرْبان: فمنهم قَوْمٌ كَفَرُوا بعد إسْلامِهِم، مِثْلُ طُلَيْحَةَ ومُسَيْلِمَةَ والعَنْسِيِّ وأصْحابِهم، ومنهم قَوْمٌ تَمَسَّكُوا بالإسْلامِ ومَنَعُوا الصَّدَقاتِ، وهو لِسانٌ عَرَبِيٌّ، والرِّدَّةُ ارْتِدادٌ عمَّا كانُوا عليه بالكُفْرِ، وارْتِدادٌ بمَنْعِ حَقٍّ كانُوا عليه»، قال: «وذلك بَيِّنٌ في مُخاطَبَتِهم جُيُوشَ أبي بَكْرٍ، وأشْعارِ مَنْ قال الشِّعْرَ منهم، قال شاعِرُهم:
أَلَا أَصْبِحِينَا قَبْلَ نَائِرَةِ الفَجْرِ … لَعَلَّ مَنَايَانَا قَرِيبٌ وَمَا نَدْرِي
أَطَعْنا رَسُولَ اللهِ مَا كَانَ بَيْنَنا … فَيَا عَجَبًا مَا بالُ مُلْكِ أَبِي بَكْرِ
فَإِنَّ الَّذِي سَأَلُوكُمُ فمَنَعْتُمُ … لَكَالتَّمْرِ أَوْ أَحْلَى إِلَيْهِمْ مِنَ التَّمْرِ
سَنَمْنَعُهُم مَا كَانَ فِينَا بَقِيَّةٌ … كِرَامٌ عَلَى العَزَّاءِ فِي سَاعَةِ العُسْرِ
وقالُوا لأبي بَكْرٍ بعد الإِسارِ: ما كَفَرْنا بعد إيمانِنا، ولكِنَّا شَحَحْنا على أمْوالِنا».
قال عبدالله: وفي هذا إشارة إلى اعتماد الشعر في استنباط التاريخ، وهذا معنًى غفل عنه كثير من المعاصرين من الذين ينتهجون منهج تمحيص التاريخ الإسلامي.
следующие страницы →