← Фикх шафии

Фикх шафии · id 914

مختصر المزني - ت الداغستاني

المزني

Полный текст (1 788 стр.). Показаны 281–377 · переход к 286.

стр. 281

الباب الثاني: شوارد الفوائد الشافعي يذكر نسب نفسه: فمنها: المشهور في كتب مناقب الشافعي ذكر نسبه من إملاء الربيع أول كتاب «الرسالة»، وقد وجدت الشافعي نصَّ بنفسه على نسبه، قال ﵀ في مسألة ما لو قال: «ثُلُثِي لقَرابَتِي» (ف: ١٨٥٤): «فإنْ كان من قبيلةٍ مِنْ قُرَيْشٍ .. أُعْطِيَ بقَرابتِه المعروفةِ عند العامَّةِ، فيُنْظَرُ إلى القبيلةِ التي يُنْسَبُ إليها فيُقالُ: مِنْ بَني عبدِ منافٍ، ثُمَّ يُقالُ: وقد تَفْتَرِقُ بنو عبدِ منافٍ، فمِن أيِّهم؟ .. قيل: مِنْ بني عبدِ يزيدَ بنِ هاشم بن المطلب، فإن قيل: أفَيَتَمَيَّزُ هؤلاء؟ .. قيل: نعم، هم قبائلُ، فإن قيل: فمِن أيِّهم؟ .. قيل: مِنْ بني عُبَيْد بن عبد يزيد، فإن قيل: أفَيَتَمَيَّزُ هؤلاء؟ .. قيل: نعم، هُمْ بنو السائب بن عُبَيْد بن عبد يزيد، فإن قيل: أفَيَتَمَيَّزُ هؤلاء؟ .. قيل: نعم، هم بنو شافعٍ، وبنو عليٍّ، وبنو عباسٍ أو: عيَّاشٍ - شَكَّ المُزَني - وكلُّ هؤلاء بنو السائب، فإن قيل: أفَيَتَمَيَّزُ هؤلاء؟ .. قيل: نعم، كلُّ بطنٍ مِنْ هؤلاء يَتَمَيَّزُ عن صاحبِه، فإذا كان مِنْ آلِ شافعٍ قيل لقرابتِه: هم آلُ شافعٍ، دون آلِ عليٍّ والعباسِ؛ لأنَّ كلَّ هؤلاء مُتَمَيِّزٌ ظاهرٌ».

стр. 282

شرف القرب من رسول الله ﷺ : ومنها: قال الشافعي (ف: ١٩٥١): «الناسُ عِبادُ الله، فأوْلاهُم أن يكون مُقَدَّمًا أقْرَبُهم بخِيرَةِ اللهِ لرِسالَتِه، ومُسْتَوْدَعِ أمانَتِه، وخاتَمِ النَّبِيِّينَ، وخَيْرِ خلقِ رَبِّ العالمين، محمدٍ ﷺ »، قال المُزَني: «هذا والله هو الكلامُ الصحيحُ». الحسب والنسب الشريف دون عصبية: ومنها: لا يخفى على أحد مدى اهتمام العربيِّ بنَسَبه وحَسَبه، حتى غلا بعضهم في العصور الأولى فكان ذلك سببًا في ظهور الشعوبية المضادَّة، والشافعي ﵀ لا شكَّ معتزٌّ بنَسَبه الشريف وحَسَبه الرفيع، وقد اعتبر النسب من الوجوه المعتَبَرة في الكفاءة بين الزوجين، ولكن ذلك لم يكن أبدًا عصبية للعربية والأنساب، وإنما كان دينًا واتباعًا لِمَا ظهر له من الدليل، وقد بيَّن الحدود الفارقة بين الاعتزاز المباح بالأحساب والعصبيةِ الممقوتة، قال الشافعي (ف: ٣٨٠٧): «وليْسَ مِنْ العَصَبِيَّةِ أن يُحِبَّ الرَّجُلُ قَوْمَه، والعَصَبِيَّةُ المحْضُ أن يُبْغِضَ الرَّجُلَ لأنَّه مِنْ بني فلانٍ، فإذا أظْهَرَها ودَعا إليها وتآلَفَ بها فمَرْدُودٌ، وقد جَمَعَ اللهُ - جَلَّ ذكره - المسْلِمِين بالإسْلامِ، وهو أشْرَفُ أنْسابِهِم فقال : ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ [الحجرات: ١٠]، وقال رسولُ الله ﷺ : «وكُونُوا عِبادَ اللهِ إخْوانًا»، فمَن خالَفَ أمْرَ اللهِ وأمْرَ رَسُولِه رُدَّتْ شَهادَتُه». ومما يدلُّ على المعنى التي ذكرته أن الشافعي ذكر مذهب أبي يوسف القاضي وأهل العراق القائلين بعدم عقد الذمة مع العرب وعدم أخذ الجزية منهم ثم قال ﵀ (ف: ٣٣٨٠): «نَحْنُ كُنَّا على هذا أحْرَصَ، ولولا أن نَأثَمَ

стр. 283

بتَمَنِّي باطِلٍ وَدِدْناه كما قال، وألا يَجْرِيَ على عَرَبِيٍّ صَغارٌ، ولكنَّ اللهَ - تبارك اسمه - أجَلُّ في أعْيُنِنا مِنْ أن نُحِبَّ غَيْرَ ما حَكَمَ به». تعظيم قدر الرسول ﷺ في كتب الشافعي: ومنها: تعظيم قدر الرسول ﷺ في كلام الشافعي وكتبه، وهذه في الأصل سمة يشترك فيها عامة المؤمنين، لكن الشافعي تميَّز بإبراز المكانة الخاصة للرسول ﷺ ، وكثيرًا ما نجد الشافعي يدعو فيقول: «بأبي هو وأمي»، وقال المُزَني (ف: ١٧١١): «ما رَأيْتُ مِنْ العلماءِ مَنْ يُوجِبُ للنبيِّ ﷺ في كُتُبِه ما يُوجِبُه الشافعيُّ لحُسْنِ ذِكْرِه رسولَ الله ﷺ ، فرَحْمَةُ الله عليه ورضوانُه». عَيْش الكفاف في حياة الرسول ﷺ -: ومنها: قال الشافعي (ف: ١٧١١): «إنَّه ﷺ لم يَمْلِكْ مالًا إلَّا ما لا غِنَى به وبعِيالِه عنه ومَصْلَحَتِهم، حتَّى صَيَّرَ ما مَلَّكَه اللهُ مِنْ خُمُسِ الخُمُسِ ومالَه إذا حَبَسَ قُوتَ سَنَتِه مَرْدُودًا في مَصْلَحَتِهم في الكُراعِ والسِّلاحِ عُدَّةً في سبيلِ اللهِ، وإنَّ نَفْسَه ومالَه كان مُفَرَّغًا لطاعةِ الله ﵎ فصَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، وجَزاه خَيْرَ ما جَزَى نَبِيًّا عن أمَّتِه». حمى العرب في الجاهلية: ومنها: قال الشافعي (ف: ١٧١١): «كان الرجلُ العزيزُ مِنْ العربِ إذا انْتَجَعَ بَلَدًا مُخْصِبًا أوْفَى بكَلْبٍ على جَبَلٍ إنْ كان به أو نَشْزٍ إن لم يَكُنْ، ثُمَّ اسْتَعْوَى كَلْبًا ووَقَفَ له مَنْ يَسْمَعُ مُنْتَهَى صَوْتِه بالعُواءِ، فحَيْثُ انْتَهَى صَوْتُه حَماهُ مِنْ كُلِّ ناحِيَةٍ لنَفْسِه، ويَرْعَى مع العامَّةِ فيما سِواه، ويَمْنَعُ هذا مِنْ غَيْرِه لضَعَفَى سائمَتِه وما أراد معها، فنَرَى أنَّ قَوْلَ رسولِ الله ﷺ : «لا حِمَى إلَّا لله ورسولِه»: لا حِمَى على هذا المعنى الخاصِّ».

стр. 284

حبس العرب في الجاهلية: ومنها: ذكر الشافعي مذهب القائلين بعدم مشروعية الأوقاف والحبس، وذكر احتجاجهم بحديثِ شُرَيْحٍ أنَّ محَمَّدًا جاء بإطلاقِ الحُبُسِ، فردَّ عليهم وقال (ف: ١٧٣٠) «الحُبُسُ الذي جاء بإطْلاقِه - لو كان حديثُك ثابتًا - كان على ما كانت العربُ تَحْبِسُ مِنْ البَحِيرَةِ والوَصِيلَةِ والحامِ؛ لأنَّها كانت أحْباسَهُم، لا نَعْلَمُ جاهِلِيًّا حَبَّسَ دارًا على وَلَدٍ ولا في سبيلِ الله ولا على مساكينَ». فهم النصوص الشرعية مقرونة بالواقع الذي عُنِي بها: ومنها: منهج تفهُّم النصوص الشرعية بِناءً على الواقع الذي عُنِي بها، ومن أمثلة ذلك الفائدتان قبل هذه، وقال الشافعي (ف: ٢٥١١): «وكُلُّ الكفَّاراتِ بمُدِّ النبيِّ ﷺ ، لا تَخْتَلِفُ، وفي فَرْضِ الله على رَسُولِه وفي سُنَّةِ نَبِيِّه ما يَدُلُّ على أنَّه بمُدِّه ﷺ ، وكيف يَكُونُ بمُدِّ مَنْ لم يُولَدْ في عَهْدِه ﵇، أو مدٍّ أُحْدِثَ من بعده؟!». قانون العلم الصحيح: ومنها: الإشارة إلى قانون دقيق يميِّز به بين العلم الصحيح وشبهة الدليل الزائف، فأخرج الشافعي حديث عائشة قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ أعرِف السرور في وجهه، فقال: «ألم تَرَيْ أن مجززًا المدلجيّ نظر إلى أسامة وزيد عليهما قطيفة، قد غطَّيا رءوسهما، وبدت أقدامهما، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض»، فقال الشافعي (ف: ٣٨٦٩): «فلو لم يَكُنْ في القافَةِ إلَّا هذا انْبَغَى أن يَكُونَ فيه دَلالَةٌ أنَّه عِلْمٌ، ولو لم يَكُنْ عِلْمًا لقالَ له: لا تَقُلْ هذا؛ لأنَّك إنْ أصَبْتَ في شَيْءٍ لم آمَنْ عليك أن تُخْطِئَ في غَيْرِه، وفي خَطَئِكَ قَذْفُ مُحْصَنَةٍ ونَفْيُ نَسَبٍ، وما

стр. 285

أقَرَّه إلَّا أنَّه رَضِيَه ورَآه عِلْمًا، ولا يُسَرُّ إلّا بالحقِّ ﷺ »، قال عبدالله: يشير إلى أن العلم الصحيح هو الذي يخضع لقوانين ثابتة يأمن الملتزم بها الوقوع في الخطأ، ولا يمكن الباري وكل عباده في تعرُّف الحق إلى طريق يمكن أن يؤدِّي بهم إلى باطل إذا رُوعيت حُرمته. أصناف المرتدين في العصر الأول: ومنها: قال الشافعي (ف: ٣١٧١): «وأهْلُ الرِّدَّةِ بعد رسولِ الله ﷺ ضَرْبان: فمنهم قَوْمٌ كَفَرُوا بعد إسْلامِهِم، مِثْلُ طُلَيْحَةَ ومُسَيْلِمَةَ والعَنْسِيِّ وأصْحابِهم، ومنهم قَوْمٌ تَمَسَّكُوا بالإسْلامِ ومَنَعُوا الصَّدَقاتِ، وهو لِسانٌ عَرَبِيٌّ، والرِّدَّةُ ارْتِدادٌ عمَّا كانُوا عليه بالكُفْرِ، وارْتِدادٌ بمَنْعِ حَقٍّ كانُوا عليه»، قال: «وذلك بَيِّنٌ في مُخاطَبَتِهم جُيُوشَ أبي بَكْرٍ، وأشْعارِ مَنْ قال الشِّعْرَ منهم، قال شاعِرُهم: أَلَا أَصْبِحِينَا قَبْلَ نَائِرَةِ الفَجْرِ … لَعَلَّ مَنَايَانَا قَرِيبٌ وَمَا نَدْرِي أَطَعْنا رَسُولَ اللهِ مَا كَانَ بَيْنَنا … فَيَا عَجَبًا مَا بالُ مُلْكِ أَبِي بَكْرِ فَإِنَّ الَّذِي سَأَلُوكُمُ فمَنَعْتُمُ … لَكَالتَّمْرِ أَوْ أَحْلَى إِلَيْهِمْ مِنَ التَّمْرِ سَنَمْنَعُهُم مَا كَانَ فِينَا بَقِيَّةٌ … كِرَامٌ عَلَى العَزَّاءِ فِي سَاعَةِ العُسْرِ وقالُوا لأبي بَكْرٍ بعد الإِسارِ: ما كَفَرْنا بعد إيمانِنا، ولكِنَّا شَحَحْنا على أمْوالِنا». قال عبدالله: وفي هذا إشارة إلى اعتماد الشعر في استنباط التاريخ، وهذا معنًى غفل عنه كثير من المعاصرين من الذين ينتهجون منهج تمحيص التاريخ الإسلامي.

стр. 286

مساحة ما بلغه الدعوة في عصر الشافعي: ومنها: قال الشافعي (ف: ٣٣٥٦): «ولا أعْلَمُ أحَدًا مِنْ المشْرِكِين لم تَبْلُغْه الدَّعْوَةُ اليَوْمَ، إلَّا أن يَكُونَ خَلْفَ الذين يُقاتِلُوننا أُمَّةٌ مِنْ المشْرِكِين خَلْفَ الخَزَرِ والتُّرْكِ لم تَبْلُغْهُم الدَّعْوَةُ، فلا يُقاتَلُون حتى يُدْعَوْا إلى الإيمانِ، فإنْ قُتِلَ منهم أحَدٌ قبل ذلك فعلى مَنْ قَتَلَه الدِّيَةُ». الموقف من أهل البدع والخوارج: ومنها: قال الشافعي (ف: ٣٨٠٠): «لا نَعْلَمُ أحَدًا مِنْ سَلَفِ هذه الأمَّةِ يُقْتَدَى به ولا مِنْ التَّابِعِين بَعْدَهم رَدَّ شَهادَةَ أحَدٍ بتَأوِيلٍ، وإنْ خَطَّأه وضَلَّلَه»، وقال (ف: ٣١٧٤): «ولو أنَّ قَوْمًا أظْهَرُوا رَأيَ الخوارِجِ، وتَجَنَّبُوا الجماعاتِ وأكْفَرُوهُم .. لم يَحِلَّ بذلك قِتالُهم، بَلَغَنا أنَّ عَلِيًّا سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: (لا حُكْمَ إلَّا لله) في ناحِيَةِ المسْجِدِ، فقال عليٌّ: (كَلِمَةُ حَقٍّ أرِيدَ بها باطِلٌ، لكُمْ عَلَيْنا ثلاثٌ: لا نَمْنَعُكُمْ مَساجِدَ الله أنْ تَذْكُرُوا فيها اسْمَ الله، ولا نَمْنَعُكُم الفَيْءَ ما دامَتْ أيْدِيكُم مع أيْدِينَا، ولا نَبْدَؤُكُمْ بقِتالٍ)». إيواء الأنصار أهل المدينة المهاجرين إليهم بعد عصر النبوة: ومنها: قال الشافعي (ف: ٢٦٧٠): «ولا نَعْلَمْ أحَدًا بالمدينةِ فيما مَضَى اكْتَرَى مَنْزِلًا، إنَّما كانُوا يَتَطَوَّعُون بإنْزالِ مَنازِلِهِمْ وبأمْوالِهِم مع مَنازِلِهم». السِّهام العربية والفارسية: ومنها: معلوم معرفة الشافعي بالرمي ومعرفة المُزَني به، وقد قال المُزَني إن الشافعي من أجله أملى كتاب السَّبْق والرمي»، وقد ظهر خلال الكتاب معرفته باصطلاحات الرماة، وذكر صفات الرمي وأنواع القِسِيِّ والسهام، وذكر الخلافات الدقيقة التي تقع بين الرماة والحكم فيها، وقال

стр. 287

فيه: «وقد رأيت من الرماة من يقول» ثم خالفه في قوله وأبدى رأيه، وقال الشافعي (ف: ٣٥٤٢): «إن مَعْرُوفًا أنَّ الصَّوابَ عن الفارِسِيَّةِ أكْثَرُ مِنْ العَرَبِيَّةِ». ابن المسيّب يلعب بالشطرنج استدبارًا: ومنها: قال المُزَني (ف: ٣٨٠١): «سَمِعْتُ الشَّافعيَّ يَقُولُ: كان سَعِيدُ بنُ جُبَيْر يَلْعَبُ بالشِّطْرَنْجِ اسْتِدْبارًا، فقلتُ له: كيف يَلْعَبُ بها اسْتِدْبارًا؟ قال: يُولِيها ظَهْرَه ثُمَّ يَقُولُ: بأيِّ شَيْءٍ دَفَعَ؟ فيُقالُ: بكذا، فيَقُولُ: فادْفَعْ عليه بكذا». معرفة الشعر: ومنها: قال الشافعي (ف: ٣٨٠٨): «والشِّعْرُ كَلامٌ، فحَسَنُه كحَسَنِه، وقَبِيحُه كقَبِيحِه، وفَضْلُه على الكَلامِ أنَّه سائرٌ، فإذا كان الشَّاعِرُ لا يُعْرَفُ بشَتْمِ المسْلِمِين وأذاهُم، ولا يَمْدَحُ فيُكْثِرُ الكَذِبَ المحْضَ، ولا يُشَبِّبُ بامْرَأةٍ بعَيْنِها، ولا يَبْتَهِرُها بما يَشِينُها .. فجائزُ الشَّهادَةِ، وإن كان على خِلافِ ذلك لم تَجُزْ شَهادَتُه».

стр. 288

المقدمة السادسة في بيان عَمَلي في الكتاب

стр. 289

جماع عملي على كتاب المُزَني بعد الدراسات التي قدمت له بها أمور ثلاثة: المقابلة وتصحيح النصِّ والضبط، والتعليق بما يخدم غرض الكتاب، والفهارس التي تقرب فوائد الكتاب، وأختم الحديث بالكلام على تخريج أحاديث الكتاب وآثارها. أمَّا المقابلة وذكر النسخ المعتمدة .. فأقول: أهمُّ عمل في إخراج كتب السلف - لا شكَّ - تصحيحها لتكون أقرب شيء إلى ما أراده مؤلِّفوها، ولا يَخْفَى أن مادة «المختصَر» بيننا وبينه ما يزيد على اثني عشر قرنًا من الزمان، ثم إنه عُصارة مؤلفه الذي كان يرجع إليه طوال حياته بالتصحيح والتهذيب، وخلال ذلك تواردت عليه الروايات المختلفة عن تلاميذه الكثيرين، لكن هذه الروايات في أغلبها ليست إلا معلومات تاريخية بسبب فقدان نسخ معتمدة تخصُّها، ولا يمكنني أن أعمل إلا بِناءً على ما أمكنني الاطلاع عليه من المخطوطات، وقد اجتمع لديَّ خمس مخطوطات اعتمدت في التصحيح على أربع منها، واستأنست في بعض المواضع المشكلة بالخامسة. المخطوطة الأولى: نسخة الظاهرية (رقم: ٢٣٣٥) المرموز لها بحرف الظاء (ظ)، برواية أبي الحسن أحمد بن عمر بن جَوْصا. وهي نسخة كاملة للكتاب ومقابلة ومصحَّحة، وفي صفحة العنوان منها: «مختصَر المُزَني في الفقه»، وفي هوامشها بعض الإلحاقات والتصحيحات، وشيء من الشروح، وتكاد تكون سليمة من الأخطاء، إلا أن فيه بعض السقط القليل، وقد أشرت إلى مواضعه من الكتاب. وهي في الأصل من أوقاف المدرسة العمرية، وفي صفحة العنوان منها: «وقف هذا المجلد وسبله السيد تاج الدين عبد الوهاب الحسيني

стр. 290

الشافعي بآله إلى مدرسة شيخ الإسلام أبي عمر، ومن شرطه ألا يخرج منها، لا برهن ولا بوكيل، ومن خالف فالله حسيبه». وكتبت كما ورد في خاتمتها: «على يد أحوج خلق الله إلى عفوه محمد بن إبراهيم بن أبي بكر الطفوفي، ونجز في يوم الجمعة، مستهل شهر رجب الفرد، سنة أربع وتسعين وسبعمائة، أحسن الله تعالى نقصها في خير، عفا عمَّن كتبه ونظر فيه ودعا لكاتبه بالرحمة والرضوان وللمسلمين أجمعين». وهذه النسخة هي عمدتي الأولى في التصحيح، وكثيرًا ما أثبت الوجه الذي فيها على خلاف سائر النسخ كلها؛ وذلك نظرًا لدقة هذه النسخة وقلة أخطائها. المخطوطة الثانية: نسخة المكتبة السليمانية (١٥٤، تصنيف: ٢٩٧. ٥) المرموز لها بحرف السين (س). وهي نسخة كاملة، كتبها ناسخها لنفسه، وعُنِي بتصحيحها ومقابلتها على نسخ أخرى، وكتب في صفحة العنوان منها: «كتاب المختصَر، تصنيف الإمام، ناصر المذهب، أبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو بن إسحاق المُزَني، من علم الإمام الشافعي المطلبي ومعنى قوله - رضي الله تعالى عنه وعن أصحابه - كتبه لنفسه: إبراهيم بن محمد بن أبي بكر الحلبي، وقابله أربع مرات، فالله تعالى أن يُديم النفع به، آمين»، هكذا ذكر نسب المُزَني، ولعل كلمة: «أسأل» سقطت من الدعاء آخره أيضًا. وكتب في آخر النسخة: «تَمَّ كتاب المختصَر بعون الله يوم الخميس قبل الظهر ثالث عشرين جمادى الآخرة سنة خمسين وثمانمائة، على يد

стр. 291

مالكه وكاتبه العبد الفقير إلى الله تعالى إبراهيم بن محمد بن أبي بكر الدومياطي [كذا] الحلبي الشافعي، عفى الله عنه وعن والديه ولمن نظر في هذا الكتاب ودعا له ما أفقره ولجميع المسلمين، والحمد لله وحده، وصلى الله على أفضل الخلق سيدنا محمد وآله وصحبه الطيبين الطاهرين وسلم تسليمًا كثيرًا». وأشار إلى تاريخ المقابلة الثانية فكتب: «انتهيت من المقابلة الثانية يوم السبت تاسع عشرين ذي القعدة سنة اثنين وخمسين وثمانمائة». وأشار في أثناء النسخة (صورة: ٢٠) إلى أن النسخة قوبلت على نسخة شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني في بعض مقابلاتها الأربع، وأظن أن هذه المقابلة هي أصل تلك التعليقات الكثيرة للبلقيني على الكتاب، فالظاهر أن أغلبها من تعليقاته على هامش نسخته، وبعضها منقول من كتابه «ترتيب الأم»، وقد نقلتها في مواضعها من الكتاب. ومن مزايا هذه النسخة ما ورد في هوامشها من استدراكات كلٍّ من ابن خزيمة والهروي على المُزَني، وقد تكون بعض مقابلاتها كانت على نسخ روايتهما عن المُزَني، ولم أتمكَّن من معرفة المقصود بالهروي، اللهم إلا أنه من تلاميذ المُزَني وأحد رواته، وأما ابن خزيمة فأشهر من نارٍ على عَلَمٍ، وله على المُزَني تعقُّبات واستدراكات كثيرة، وقد ذكرتُ استدراكاته واستدراكات الهروي في مواضعها من الكتاب اعتمادًا على هذه النسخة. وفي هوامش هذه النسخة كذلك تعليقات أخرى كثيرة وفوائد علمية لم أُعْنَ بإيرادها؛ لأنها لا خصوصية لها بكتاب المُزَني من أيِّ جهة، فهي فوائد علمية نقلها الناسخ عن جمهرة من أهل العلم والفضل، منهم: الشافعي في «الأم» و «البُوَيْطي» و «عيون المسائل»، أو أصحاب التعاليق

стр. 292

والشروح على الكتاب، مثل للشيخ أبي حامد في «التعليقة»، والبندنيجي، والشيخ أبي إسحاق الإسفراييني في «التعليقة»، والماوردي في «الحاوي»، وابن الصباغ في «الشامل»، والقاضي الحسين في «التعليقة»، وإمام الحرمين في «النهاية»، وقد ينقل عن بعض كتب التفسير: الواحدي والبيضاوي وأبي القاسم هبة الله المفسِّر، وفخر الدين الرازي، وعن كتب الحديث وشروحه: مسلم، والترمذي، وابن ماجه، والخطَّابي، وابن المنذر، وابن حزم، والبَيْهَقي، وابن عبدالبرِّ، والمازري، والقاضي عياض، وابن العربي صاحب «القبس»، والحافظ في «فتح الباري»، وجمال الدين العيني، ونقل عن: أبي عبيد، والأزهري، وابن قتيبة في «المسائل»، والجاحظ في «الحيوان»، وإبراهيم الحربي، والمعافى بن عمران، والجوهري في «الصحاح»، والفيروزآبادي في «القاموس»، والصلاح الصفدي، وعن كتب الفقه: ابن القاص في «التلخيص»، والغزالي، وأبي حاتم القزويني، وصاحب «التتمة»، والرافعي، والنووي، والإسنوي، و «الذخائر»، ومجلي القاضي، والجيلي في «الإعجاز»، وأفضل الله الخونجي، والتقي والتاج السُّبْكيان، والقرافي المالكي، وابن تيمية الحنبلي، رحمة الله على الجميع. وهذا في الجملة دليل على عناية صاحب النسخة بالعلم والمعرفة، بل على سعة اطلاعه وعُلُوِّ كعبه، لكنه أساء في حال المقابلة بعدم تمييزه بين النسخ التي قابل عليها الكتاب أولًا، ثم عدم تحديده للروايات ثانيًا، ثم بشطبه على السواد وتغييره في أصل الكتاب ثالثًا، ورابعًا بمحاولته إضافة كل زيادة إلى الكتاب، وقلما تجد اختلافًا بين النسخ غير مسجل على

стр. 293

هوامش هذه النسخة، وليته اكتفى بالمقابلة على نسخة البلقيني، حتى نكون على ثقة بأن تصحيحاته معتمدة على أصله. ولهذه الأسباب كان عمدتي في هذه النسخة ما أثبته في أصل النسخة أولًا، ثم أستأنس بتصحيحاته المبنية على مقابلاته للترجيح بين النسخ التي عندي. المخطوطة الثالثة: نسخة المكتبة الأزهرية (رقم: ٤٢٣٦١) المرموز لها بحرف الزاي (ز) برواية ابن خزيمة. هذه النسخة جميلة الخط، ونسبتها إلى ابن خزيمة لا تعدو ذكر الإسناد المجرَّد، فليست فيها استدراكاته الكثيرة التي وردت في هامش نسخة (س)، كما أنها ليست دقيقة من جهة الضبط، وفيها السَّقْط والتحريف أيضًا. وطرتها: «هذا مختصَر المُزَني ﵀ في فقه الشافعي ﵀، آمين، عدة كراريسه: أحد وثلاثون كراسًا»، وفي آخره: «تمَّ جميع المختصَر بحمد الله وعونه وحسن توفيقه على يد أفقر عباد الله وأحوجهم إلى عفوه أحمد بن عثمان بن علي بن محمد بن مجاهد الأنصاري». ليس فيه ذكر لتاريخ نسخ ولا أصل مقابلة، والنسخة في الجملة أحسن حالًا من نسخة (ب) الآتية. المخطوطة الرابعة: نسخة المكتبة الأزهرية (رقم: ٥٧٠٤) المرموز لها بحرف الباء (ب) برواية الحسن بن محمد بن يزيد عن شيخيه ابن عاصم وإبراهيم بن محمد. وهذه النسخة سيئة الخط كثيرة السقط والخطأ، ومتأخِّرة النسخ، لكنها احتفظت باستدراكات راويَيْه إبراهيم بن محمد وابن عاصم على المُزَني، وفيها كذلك بعض زيادات غير مسنَدة عن كتاب «الأم» للشافعي، وفي أولها: «هذا مختصَر الإمام أبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن

стр. 294

عمرو بن إسحاق المُزَني صاحب الإمام الشافعي ﵄، المتوفَّى بمصر لِسِتٍّ بَقِين من رمضان سنة ٢٦٤ عن تسع وثمانين سنة، ودُفِن بالقرب من تُربة الإمام الشافعي، نبَّه عليه كاتبه أحمد بن عمر .... الأزهري، ١٠ صفر ١٢٢٣». المخطوطة الخامسة: نسخة دار الكتب المصرية (رقم: ١٩٦٩) المرموز لها بحرف الباء مع الرقم (ب ٢) برواية الحسن بن محمد بن يزيد عن شيخيه ابن عاصم وإبراهيم بن محمد. وهي نسخة متأخِّرة، كتب ناسخها في آخرها: «كان الفراغ من نسخ هذا الكتاب في عصر يوم الجمعة المبارك الموافق ثمانية عشر يومًا خلت من شهر جمادى الأولى من شهور عام سنة ألف وثلاثمائة وعشرين من هجرة سيد الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام، بقلم الفقير إلى الله تعالى الكريم محمد بن أحمد بن مصطفى الشهير بالحكيم، غفر الله له ولوالديه ومن نسخ على ذمته ولجميع المسلمين، والحمد لله رب العالمين، آمين». ويظهر أن هذه النسخة نُسِخت من نسخة (ب) ثم قوبلت على نسخة (س) وذكرت فروقها في هامشه، فلم تقدِّم كبير قيمة في تصحيح النص، اللهم إلا مواطن يسيرة استعنت بها في قراءة نسخة (ب)، وأظن أن هذه النسخة هي أصل نسخة «المختصَر» المطبوعة في هامش «الأم»، حيث إنها طُبِعت في عام (١٣٢١ هـ)، بعد عام واحد من نسخ هذه، والتوافق بينهما كبير، ومن أهمها ما فعلوا في قول «المختصَر» (ف: ١٤): «ولا تُجزئ طهارةٌ مِنْ غُسلٍ، ولا وضوءٍ، ولا تيممٍ، إلا بنيةٍ، واحتَجَّ على مَنْ أجاز الوضوءَ بغيْرِ نِيَّةٍ بقولِه: لا يجوز التيمُّم بغير نية، وهما طهارتان، فكيف يفترقان؟!»، فألحق بهامش نسخة (ب ٢) حديث النية، وزِيد في أصله الواو قبل قوله: «لا يجوز» ليصير النصُّ: «بقوله ﷺ : إنما الأعمال

стр. 295

بالنيات، ولا يجوز التيمم … »، ولا وجود لهذا في أي واحد من النسخ إلا النسخة المشار إليها، ثم مطبوعة بولاق بهامش «الأم»، وهو مع تقارب تاريخ النسخ والطبع دليل قاطع على أن مطبوعة بولاق اعتمدت هذه النسخة (ب ٢). الحديث عن فروق النسخ والضبط: وأخيرًا اتبعت في تصحيح النص طريقة النص المختار؛ ذلك أن أيًّا من النسخ المشار إليها لا يمكن أن تمثل الأصل المعتمد بالكلية، ولم تسلم أي واحدة منها عن السقط والتحريف، ولو جاز الاعتماد على نسخة واحدة منفردة لجاز على نسخة الظاهرية، فهي الأدقُّ كما قلت، ثم لم أثبت في هوامش الكتاب إلا المهم من فروق النسخ، وهي فروق كثيرة مسجَّلة عندي على نسختي الورقية للكتاب، وليس لها كبير أثر على معنى النصِّ وفقهه. وسلكت طريقة مطَّردة عندي فيما يتعلق بالنصوص الزيادات في النسخ، فأثبت في أصل الكتاب جميع الزيادات الواردة في النسخ إذا كانت عن المُزَني، وأثبتها في الهامش إذا كانت من قبيل زيادات الرواة والنساخ على المُزَني، لم أخالف هذه القاعدة في أي موضع إن شاء الله. وحاولت كذلك أن أضبط كامل الكتاب ضبطًا إعرابيًّا؛ ذلك لأن المتفقِّهين بسبب من قلة عنايتهم باللغة يجري على ألسنتهم الكثير من اللحن والتحريف، والنص المقصود بالتحقيق لا شك فوق أنه نصٌّ فقهي فهو كذلك نصٌّ أدبي باعتبار جلالة الشافعي في علم اللغة، فأردت أن يكون الكتاب بالصورة التي أخرجها إن شاء الله مثقفًا للمتفقه على النطق الصحيح، وأسأل الله السداد.

стр. 296

وجعلت نص الكتاب على فقرات مرقَّمة، اعتمدت فيها على شراح الكتاب ووجوه الأصحاب في فهمه وكذلك روابط النص، ولا يخفى أن تفقير النص أمر اجتهادي لا مناصَ فيه من الخطأ، وأرجو مع ذلك أن أكون وُفِّقت في ذلك إلى درجة كبيرة. وأمَّا التعليق على النص .. فقد عنيت فيه بأمور: أولها - فوائد النسخ التي صححت الكتاب عليها، وهي زيادات الرواة على المُزَني، ابن جوصا وابن خزيمة والهروي وإبراهيم بن محمد وابن عاصم، والزيادات الواردة في نسخة (ب) عن كتاب «الأم»، وتعليقات البلقيني على نسخته. وثانيها - التعليق على مسائل الوهم والإشكال التي أُخِذت على المُزَني في اختصاره، فأعلق عليها بخلاصة كلام من غلطوه أو أوَّلوا كلامه على موافقة الصحيح في المذهب، وآتي بما يَحُل التعقيد والإشكال، وأذكر المهم من اختلاف الأصحاب فيه، وأبين الأصح من مذاهبهم والصحيح، كل ذلك بأخصر ما يسعفني البيان من العبارة. وثالثها - التعليق على مسائل القولين والنقل والتخريج، ببيان وجههما والمعتمد منهما، وضمنت هذه التعليقات إفادات مهمة وإشارات إلى دقائق الاجتهاد المذهبي تساعد القارئ لدرك حركة التخريج الفقهي وتصرف الأصحاب في فهم كلام الإمام. ورابعها - الربط بين الأشباه والنظائر بالإشارة إلى أرقامها في مواردها من الكتاب، فحيث يذكرها المُزَني في الأصل أشرت إلى الرقم بجوار نصه (ف: … )، وإن لم يورد النص وأشار إليه علقت عليه في الهامش وذكرت

стр. 297

رقمه، بما يمكن القارئ الكريم من جمع أطراف المسائل والنظر فيها نظرًا كليًّا إذا نشط له. وخامسها - شرح غريب الكتاب، ولا يخفى أن منشأ مفهوم غريب اللغة هو بُعد الشقة بين المتكلم والكاتب وبين القارئ والسامع، سواء كانت الشقة طول الزمن أو اختلاف الرتب، وكتاب المختصَر كما نبهت إليه سابقًا بيننا وبينه مدة اثني عشر قرنًا من الزمان، ثم إنه كلام الشافعي، ولا يَخْفَى سعة قاموس اللغة عنده، ثم إن مفردات اللغة قد تتطوَّر معانيها فيكون ذلك سببًا في اللبس، وفي الكتب الفقهية يكون ذلك سببًا للخطأ في أحكام الله، ومن هنا كانت الحاجة لشرح غريب الكتب الفقهية عامة، وغريب المختصَر خاصة، والذي يهم من ذلك بالدرجة الأولى والمقصودة عندي بالقصد الأول أنواع من المفردات: أهمها: التأكيد على لغة الشافعي والدفاع عنه في الكلمات التي نسب فيها إلى اللحن أو العامية، فقد استهدفه أبو بكر بن داود بن علي الظاهري في لغته ونسبه إلى صنوف من اللحن، أثار بذلك على نفسه حمية الشافعية فصار غرضًا لهم في كافة كتبهم اللغوية والفقهية، وأفردها بالبحث والتأليف الإمام البَيْهَقي في كتابه «الرد على الانتقاد على الشافعي في اللغة». ومما عُنيت به في مفردات اللغة عند الشافعي توجيه ما بين اختلاف النسخ، سواء كان ذلك بقصد الترجيح بينها أو الجمع. وقد أجد الشافعي أو المُزَني شَرَحَا شيئًا من الغريب، فأؤكد شرحهما بما أورده من أهل اللغة وإن كانا رحمهما الله في مقدمتهم. وعُنيت كذلك باختصار كتابي الأزهري وابن فارس بما يغني المعتني بالكتاب عن اصطحاب كتابيهما وتتبع المفردات فيهما، حيث أعلق

стр. 298

بخلاصة كلامهما في مورد الكلمة من الكتاب، ثم إذا تكرَّر ذلك في سائر موارده يستطيع القارئ أن يراجعها من خلال المعجم الخاص في قسم الفهارس. وقد ينتقد بعضهم عملي هذا ويراه من إدخال كتاب في كتاب، فأقول له: هو رأي ارتأيته بعد طول مزاولة وتردُّد، راعيت فيه قضية إمكان الاستغناء بنسختي من المختصَر عن المعاجم وكتب شرح الغريب، ثم إن الناس يختلفون في مداركهم وحاجاتهم، وهم في أيامنا منصرفون كلية عن قراءة المعاجم، فلا عليهم أن يقرأوا ما أثبته في هوامش الكتاب على نسقه حتى يكون قد أنجز جزءًا لا بأس به من مادة اللغة مع مادته الفقهية، والله أعلم. الكلام على تخريج أحاديث «المختصَر»: وأخيرًا لا يفوتني التعليق على قضية الأحاديث والآثار في مختصَر المُزَني، فهي على أنواع ثلاثة: النوع الأول: أحاديث وآثار يخرجها المُزَني عن طريق الشافعي مسندة، وأغلب ما يكون ذلك في أوائل الأبواب الفقهية، وهي أحاديث تمثِّل أصل الباب وعمدته، فهذه الأحاديث في الحقيقة مخرجة بأسانيدها، والواجب تجاهها هو بيان حكمها صحةً وضعفًا بالطرق المعروفة لدراسة الأسانيد، أمَّا تخريجها عن كتب السنن فليس في رأيي منهجًا صحيحًا مقبولًا، اللهم إلا لنكتة إسنادية أو ضرورة للحكم على الحديث، وإلا فالشافعي بإسناده أعلى إسنادًا من غالب أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد.

стр. 299

النوع الثاني: أحاديث وآثار معروفة عن الشافعي وذكرها المُزَني محذوفة الأسانيد للاختصار، وهذه يجب التعرُّف على أسانيدها وتخريجها عن طريق المُزَني عن الشافعي بإسناده المعروف إن أمكن، وإن تعذَّر ذلك فتخرج عن الشافعي بواسطة سائر أصحابه من أقران المُزَني، ثم يعنى ببيان حكمها صحةً وضعفًا. النوع الثالث: أحاديث وآثار زادها المُزَني على الشافعي ويرويها بإسناده عن بعض شيوخه، وغالبها في الكتاب مسندة. وأنا لم أُعْنَ بتخريج أيِّ نوع من هذه الأحاديث على خلاف المعتاد عند المعتنين بإخراج الكتب؛ ذلك لأن كتاب «معرفة السنن والآثار» للبَيْهَقي يشبه أن يكون تخريجًا للكتاب، بل هو تخريج له، فمن السهل للمعتني بأحكام الأحاديث والآثار مراجعته، وليس التخريج بالأمر الهيِّن كما قد يتوهَّمه المتوسِّعون فيه، فإمَّا أن يعطى حقه كما يجب، أو يترك لأهله القائمين به حق القيام، بَيْدَ أني لم أغفل التنبيه إلى بعض الفوائد المتعلقة بالأحاديث حين أجد التنبيه مهمًّا ولازمًا لتصحيح النص. وأمَّا الفهارس ومفاتيح الفوائد .. فصنعت منها: فهرس الآيات، وفهرس المسائل والاستدراكات، وهي: مسائل الإجماع التي ذكرها الشافعي، ومسائل الإجماع التي ذكرها المُزَني، ومسائل الجمع والفرق، ومسائل علق الشافعي القول فيها على صحة الخبر أو ضعفه، ومسائل يستخير الله الشافعي فيها، مسائل تكلم الناس على نقل المُزَني فيها، واستدراك ابن جوصا راوي نسخة (ظ)، واستدراكات إبراهيم بن محمد الراوي الأول لنسخة (ب)، واستدراكات أبي عبدالله محمد بن عاصم الراوي الثاني لنسخة (ب)، واستدراكات من

стр. 300

«الأم» في نسخة (ب)، واستدراكات ابن خزيمة من هامش نسخة (س)، واستدراكات الهروي من هامش نسخة (س)، وتعليقات البلقيني من هامش نسخة (س)، وفهرس حروف اللغة على أسلوب الشافعي، وصنعت كذلك معجمًا لمفردات اللغة المشروحة، وفهرسًا للشعر الوارد في أصل الكتاب على قلته، وفهرسًا للكتب والأبواب. رجاء واعتذار وأخيرًا لا أقول بأني وفيت الكتاب حقَّه كما يجب، لكني أرجو أن أكون سدَّدت وقاربت، ورحم الله امرءًا نظر بعين العذر وأصلح العيب ونصح للكتاب والكاتب، وأسأل الله رب العرش العظيم أن يجعل عملي هذا خالصًا لوجهه، وينفعني به والمعتنين بعلوم الدين، ولا حرمني الله - جل وعزَّ - صالح دعوات الكرام.

стр. 358

المختصر «مِنْ عِلْمِ الشّافعِيّ ومِن مَعْنى قَولِه» لأبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني (ت ٢٦٤ هـ) تَصْحيحُ وتَعْلِيقُ أبي عامر عبد الله شَرَف الدّين الدّاغِسْتانيّ المجلد الأول

стр. 359

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم حدثنا أبو إبراهيمَ، إسماعيلُ بنُ يحيى المزني قال (١): (١) اختصرتُ هذا من عِلْم الشافعي ومن معنى قولِه، لأقَرِّبَه على مَنْ أراده، مع إعلامِيهِ نَهْيَه عن تقليدِه وتقليدِ غيرِه، ليَنظُرَ فيه لدِينِه، ويحتاطَ لنَفْسِه، وبالله التوفيق.

стр. 360

[١] باب الطهارة (١)

стр. 361

(٢) قال الشافعي: قال الله ﵎: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾ [الفرقان: ٤٨] (١)، ورُوي عن رسول الله ﷺ أنه قال في البحر: «هو الطهورُ ماؤه، الحِلُّ مَيْتَتُه (٢)». (٣) قال الشافعي: فكلُّ ماءٍ، من بَحْرٍ، عَذْبٍ أو مالِحٍ (٣)، أو بِئرٍ، أو سَماءٍ، أو بَرَدٍ، أو ثَلْجٍ، مسخَّنٍ أو غيرِ مسخَّنٍ .. فسواءٌ، والتطهيرُ به جائزٌ. (٤) ولا أكره الماءَ المشَمَّسَ إلا من جهة الطب؛ لكراهيةِ عُمَرَ ذلك وقولِه: «إنّه يورث البَرَصَ». (٥) وما عدا ذلك (٤)، مِنْ ماءِ وَرْدٍ، أو شَجَرٍ، أو عَرَقٍ (٥)، أو ماءِ

стр. 362

زعفرانٍ، أو عُصْفُرٍ، أو نبيذٍ، أو ماءٍ بُلَّ فيه خبزٌ، أو غير ذلك، مما لا يقع عليه اسمُ ماءٍ مطلقٍ حتى يضافَ إلى ما خالطه أو خَرَج منه .. فلا يجوز التطهير به.

стр. 363

(١) باب الآنية من الجلود والذهب والفضة (١) (٦) قال الشافعي: ويتوضَّأ في جُلودِ الميتَةِ إذا دُبِغَتْ، واحْتَجَّ بقولِ النبيِّ ﷺ : «أيُّما إهابٍ دُبِغَ فَقَد طَهُرَ» (٢)، قال: وكذلك جلود ما لا يُؤكَلُ لحْمُه مِنْ السباعِ إذا دُبِغَت، إلا جلدَ كلبٍ أو خنزيرٍ؛ لأنهما نَجِسَانِ وهما حَيّانِ. (٧) قال: ولا يَطْهُر بالدباغ إلا الإهابُ وَحْدَه، ولو كان الصوف والشعر والريش لا يموتُ بموتِ ذواتِ الروحِ، أو كان يَطهُر بالدباغ .. كان ذلك في قرن الميتة وسِنِّها، وجاز في عَظْمِها (٣)؛ لأنه قبل الدِّباغِ وبَعْدَه سواءٌ (٤).

стр. 364

(٨) قال: ولا يَدَّهِنُ في عَظْمِ فِيلٍ، واحْتَجَّ بكراهية ابن عمرَ لذلك (١). (٩) قال الشافعي: فأما جِلْدُ كُلِّ ذَكِيٍّ يُؤكَلُ لحمُه .. فلا بأس بالوضوء فيه وإن لم يُدبَغ. (١٠) قال: ولا أكْرَهُ مِنْ الآنِيَةِ إلا الذَّهبَ والفضَّةَ؛ لقول النبيِّ ﷺ : «الذِي يَشْرَبُ في آنية الفِضَّةِ إنما يُجَرْجِر في جَوْفِه (٢) نارُ جهنَّم» (٣). (١١) قال: [وأكره المضبَّب (٤) بالفضة؛ لئلا يكون شاربا على فضة.

стр. 365

(١٢) قال: ولا بأس بالوضوء من ماء مُشرِكٍ، وبفَضْلِ وَضوئِه، ما لم تُعلَم نجاسةٌ؛ توضَّأ عمرُ من ماءٍ في جَرِّ نصرانيةٍ (١).

стр. 366

(٢) باب السواك (١٣) قال الشافعي: وأحِبُّ السواكَ للصلواتِ عند كلِّ حالٍ تَغَيَّرُ فيه الفمُ، الاستيقاظِ من النوم، والأَزْمِ (١)، وكلِّ ما يُغَيِّرُ الفمَ (٢)؛ لأن رسول الله ﷺ قال: «لولا أن أشُقَّ على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» (٣)، قال الشافعي: ولو كان واجبًا .. لأمرهم به، شقَّ أو لم يَشُقَّ.

стр. 367

(٣) باب نية الوضوء (١) (١٤) قال الشافعي: ولا تُجزئ طهارةٌ مِنْ غُسلٍ، ولا وضوءٍ، ولا تيممٍ، إلا بنيةٍ، واحتَجَّ على مَنْ أجاز الوضوءَ بغيْرِ نِيَّةٍ بقولِه: لا يجوز التيمم بغير نية، وهما طهارتان، فكيف يفترقان؟! (١٥) قال: وإذا توضأ لنافلةٍ، أو لقراءة مصحفٍ، أو لجنازةٍ، أو لسجود قرآنٍ .. أجزأه أن يُصَلِّي (٢) به فريضةً. (١٦) قال: وإن نوى فتوضأ، ثم عزَبَت نيتُه (٣) .. أجزأته نية واحدة، ما لم يُحدِثْ نيةَ أن يَتَبرَّدَ أو يتنظفَ بالماء، فيعيدُ ما كان غَسَلَه لتبردٍ أو لتنَظُّفٍ.

стр. 368

(٤) باب سنة الوضوء (١) (١٧) قال الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «إذا استَيْقَظ أحدُكم مِنْ نَوْمِه .. فلا يَغْمِسْ يدَه في الإناءِ حتى يَغْسِلَها ثلاثًا؛ فإنّه لا يَدْرِي أين باتَتْ يدُه منه». قال المزني: أشكُّ في «ثلاث» (٢). (١٨) قال الشافعي: فإذا قام الرجل إلى الصلاة من نومٍ، أو كان غيرَ متوضِّئٍ .. فأحِبُّ أن يُسَمِّيَ الله، ثم يُفْرِغُ من إنائه على يديه ويغسلهما ثلاثا، ثم يُدخِلُ يدَه اليمنى في الإناء، فيَغْرِفُ غُرْفَةً لفِيهِ وأنفِه (٣)،

стр. 369

ويَتَمَضْمَضُ ويَسْتَنْشِق ثلاثا، ويَبْلُغُ خَياشِيمَه الماءَ (١)، إلا أن يكون صائمًا فيَرْفُقُ، ثم يَغْرِفُ الماءَ بيَدَيْه، فيَغْسِلُ وجْهَه ثلاثًا، من مَنابِتِ شَعْرِ رأسِه إلى أصولِ أذُنَيْه، ومنتهى اللِّحْيَة إلى ما أقْبَلَ مِنْ وَجْهِه وذَقَنِه (٢)، فإن كان أمرَدَ .. غَسَلَ بَشَرَةَ وَجْهِه كلَّها، وإن نَبَتَتْ لحيتُه وعارِضاهُ .. أفاضَ الماءَ على لحيتِه وعارِضَيْه (٣)، وإن لم يصل الماء إلى بشرة وجهه التي تحت الشعر .. أجزأه إذا كان شَعْرُه كثيرًا (٤)، ثم يغسل ذراعه اليمنى إلى المِرْفَق (٥)، ثم اليسرى مثل ذلك، ويُدخِل المرفقين في الوضوء ثلاثًا ثلاثًا، وإن كان أقْطَعَ اليدَيْنِ .. غَسَلَ ما بقِيَ منهما إلى المرفقين، فإن كان أقْطَعَهُما مِنْ المرفقين .. فلا فَرْضَ عليه فيهما، وأحِبُّ أن لو أمَسَّ مَوْضِعَهما الماءَ (٦)،

стр. 370

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 371

ثم يَمْسَحُ رأسَه ثلاثًا، وأحِبُّ أن يتحرَّى جميع رأسِه وصُدْغَيْه، يَبدَأ بمُقَدَّمِ رأسِه، ثُمّ يَذْهَب بهما إلى قفاه، ثم يرُدُّهما إلى المكان الذي بدأ منه، ويَمْسَحُ أذُنَيْه، ظاهِرَهما وباطِنَهما، بماءٍ جديدٍ، ويُدْخِلُ إصْبَعَيْه في صِماخَيْ أذُنَيْه، ثم يَغْسِلُ رِجْلَيْه ثلاثًا ثلاثًا إلى الكَعْبَيْن، و «الكَعْبان»: هما النّاتِئَان، وهما مَجْمَع مَفْصِل السّاقِ والقدمِ، وعليهما الغَسْلُ كالمرفقين، ويُخَلِّلُ بين أصابِعِهما؛ لأمر رسولِ اللهِ ﷺ لَقِيطَ بنَ صَبِرة بذلك، وذلك أكملُ الوضوءِ إن شاء الله. (١٩) قال: وأحِبُّ أن يُمِرَّ الماءَ على ما سقط من اللحية عن الوَجْه، وإن لم يَفْعَل .. ففيها قولان، قال: «يجزيه» في أحدهما، و «لا يجزيه» في الآخر. قال المزني: قلت أنا (١): «يجزيه» .. أشبهُ بقولِه [عندي]؛ لأنَّه لا يَجْعَلُ ما سَقَط مِنْ منابِتِ شَعْرِ الرأسِ مِنْ الرأسِ، فكذلك يَلْزَمُه [عندي (٢) أن لا يَجْعَلَ ما سَقَطَ مِنْ منابِت شَعْرِ الوجهِ مِنْ الوجهِ (٣).

стр. 372

(٢٠) قال الشافعي: وإنْ غَسَلَ وَجْهَه مرَّةً، ولم يَغْسِلْ يدَه قَبل أنْ يُدْخِلَها في الإناء ولم يَكُنْ فيها قَذَرٌ، وغَسَل ذِراعَيْه مَرَّةً مَرَّةً، ومَسَح بعضَ رأسِه بِيَدِه أو بِبَعْضِها ما لم يَخْرُج عَنْ منابتِ شَعْرِ رأسِه .. أجزأه، واحْتَجَّ بأنّ النبيَّ ﷺ مَسَحَ بناصِيَتِه وعلى عِمامَتِه - قال الشافعي: والنَّزَعَتان من الرأس (١) - وغَسَل رِجْلَيْه مَرَّةً مَرَّةً، وعَمَّ (٢) بكُلِّ مَرَّةٍ ما غَسَلَ .. أجزأه، واحْتَجَّ بأنَّ النبيَّ ﷺ توضَّأ مَرَّةً مَرَّةً، ثم قال: «هذا وُضوءٌ لا يَقبَل الله الصلاةَ إلا به»، ثُمَّ توضَّأ مرَّتَيْن مرَّتَيْن، ثُمّ قال: «مَنْ توضَّأ مرَّتَيْن مرَّتَيْن .. آتاه الله أجْرَهُ مرَّتَيْن»، ثم توضَّأ ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: «هذا وُضوئي، ووُضوء الأنبياءِ مِنْ قَبْلي، ووُضوء خَليلي إبراهيمَ ﷺ ». (٢١) قال الشافعي: وفي تَرْكِه أن يَتَمَضْمَضَ ويَسْتَنْشِقَ ويَمْسَحَ أذُنَيْه .. تَرْكُ السُّنَّة (٣).

стр. 373

(٢٢) وليست الأذُنانِ مِنْ الوجهِ فيُغْسَلان (١)، ولا مِنْ الرَّأسِ فيُجْزِئ مَسْحُه عليهما، فهُما سُنَّةٌ على حِيالهما، واحْتَجَّ بأنَّه لَمّا لم يَكُنْ على ما فَوْقَ الأذُنَيْن مما يَلِيهما مِنْ الرأسِ، ولا على ما وراءهما مما يلي منابتَ شَعْر الرأسِ إليهما، ولا على ما يَلِيهما إلى العُنُق - مَسْحٌ، وهو إلى الرأسِ أقْرَبُ .. كانت الأذنان من الرأس أبعدَ. قال المزني: قلت أنا (٢): لَوْ كانتا مِنْ الرأسِ أجزأ مَنْ حَجَّ حَلْقُهما مِنْ تقصيرِ الرأسِ، فصَحَّ أنهما سُنَّةٌ على حِيالهما.

стр. 374

(٢٣) قال الشافعي: والفَرْقُ بَيْن ما يُجْزِي مِنْ مَسْحِ بَعْضِ الرأسِ، ولا يُجْزِي إلا مَسْحُ كُلِّ الوجهِ في التَّيَمُّم: أنّ مَسْحَ الوَجْهِ بَدَلٌ مِنْ الغسلِ؛ يَقُوم مَقامَه، ومَسْحُ بَعْضِ الرأسِ أصْلٌ، لا بَدَلٌ مِنْ غَيْرِه. (٢٤) قال: وإن فرَّق وُضوءَه وغُسلَه .. أجزأه، واحْتَجَّ في ذلك بابنِ عمرَ (١). (٢٥) قال: وإنْ بَدَأ بذِراعَيْه قَبْل وَجْهِه .. رَجَعَ إلى ذِراعَيْهِ فغَسَلَهما حتى يكونا بَعْد وَجْهِه، حتّى يَأتِيَ بالوضوءِ وَلَاءً كما ذَكَره اللهُ ﵎: ﴿فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾ [المائدة: ٦] (٢)، فإن صَلَّى بالوضوءِ على غيرِ وَلَاءٍ .. رَجَعَ فَبَنَى على الولاء مِنْ وُضوئِه، وأعاد الصلاةَ، واحْتَجَّ بقول الله جل ذكره: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ [البقرة: ١٥٨]، قال: فبدأ رسول الله ﷺ بالصّفا، وقال: «نَبْدأ بما بَدأ الله به». (٢٦) قال: وإن قَدَّم يُسْرى على يُمْنى (٣) .. أجزأه. (٢٧) ولا يَحْمِل المصحفَ ولا يَمَسُّه إلا طاهِرًا، ولا يُمْنَعُ مِنْ قِراءةِ القرآن إلا جُنُبٌ (٤).

стр. 375

(٢٨) قال أبو إبراهيم: إنْ قَدَّم الوضوءَ وأخَّرَ .. يُعِيدُ الوضوءَ والصلاةَ (١).

стр. 376

(٥) باب الاستطابة (١) (٢٩) قال الشافعي: أخبرنا سفيانُ، عن محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إنما أنا لكم مثل الوالد (٢)، فإذا ذهب أحدكم للغائط .. فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها بغائط ولا بول، وليستنجِ بثلاثة أحجار»، ونَهَى عن الرّوْثِ والرِّمَّة (٣). (٣٠) قال: وذلك في الصَّحارَى؛ لأن النبي ﷺ قد جلس على لَبِنَتَيْن مُسْتَقْبِلَ بيتِ المقدس، فدَلَّ أنّ البناءَ مُخالِفٌ للصّحارَى. (٣١) قال: وإن جاء مِنْ الغائطِ، أو خَرَجَ مِنْ ذَكَرِه أو دُبُرِه شيءٌ (٤) ..

стр. 377

فليَسْتَنْجِ بالماءِ، أو يَسْتَطِبْ (١) بثلاثةِ أحجارٍ ليسَ فيها رَجِيعٌ ولا عَظْمٌ. (٣٢) ولا يَمْسَحُ بحجَرٍ قد مَسَحَ به مَرَّةً (٢)، إلا أنْ يكونَ قد طَهُر بالماءِ. (٣٣) والاستنجاءُ مِنْ البول كالاستنجاءِ مِنْ الخلاءِ. (٣٤) ويَسْتَنْجِي بشمالِه. (٣٥) وإن استطابَ بما يَقومُ مَقامَ الحجارةِ؛ مِنْ الخَزَفِ، والآجُرِّ، وقِطَع الخَشَبِ، وما أشبهه (٣)، فأنْقَى ما هنالك .. أجزأه، ما لم يَعْدُ المخْرَجَ، فإنْ عَدَا المخْرَجَ .. فلا يُجْزِئه فيه إلا الماءُ. وقال في القديم: يَسْتَطِيبُ بالأحجارِ إذا لم يَنْتَشِرْ مِنْه إلا ما يَنْتَشِرُ مِنْ العامَّةِ في ذلك الموْضِع وحولَه (٤).
следующие страницы →