← Фикх шафии

Фикх шафии · id 914

مختصر المزني - ت الداغستاني

المزني

Полный текст (1 788 стр.). Показаны 296–392 · переход к 358.

стр. 296

وجعلت نص الكتاب على فقرات مرقَّمة، اعتمدت فيها على شراح الكتاب ووجوه الأصحاب في فهمه وكذلك روابط النص، ولا يخفى أن تفقير النص أمر اجتهادي لا مناصَ فيه من الخطأ، وأرجو مع ذلك أن أكون وُفِّقت في ذلك إلى درجة كبيرة. وأمَّا التعليق على النص .. فقد عنيت فيه بأمور: أولها - فوائد النسخ التي صححت الكتاب عليها، وهي زيادات الرواة على المُزَني، ابن جوصا وابن خزيمة والهروي وإبراهيم بن محمد وابن عاصم، والزيادات الواردة في نسخة (ب) عن كتاب «الأم»، وتعليقات البلقيني على نسخته. وثانيها - التعليق على مسائل الوهم والإشكال التي أُخِذت على المُزَني في اختصاره، فأعلق عليها بخلاصة كلام من غلطوه أو أوَّلوا كلامه على موافقة الصحيح في المذهب، وآتي بما يَحُل التعقيد والإشكال، وأذكر المهم من اختلاف الأصحاب فيه، وأبين الأصح من مذاهبهم والصحيح، كل ذلك بأخصر ما يسعفني البيان من العبارة. وثالثها - التعليق على مسائل القولين والنقل والتخريج، ببيان وجههما والمعتمد منهما، وضمنت هذه التعليقات إفادات مهمة وإشارات إلى دقائق الاجتهاد المذهبي تساعد القارئ لدرك حركة التخريج الفقهي وتصرف الأصحاب في فهم كلام الإمام. ورابعها - الربط بين الأشباه والنظائر بالإشارة إلى أرقامها في مواردها من الكتاب، فحيث يذكرها المُزَني في الأصل أشرت إلى الرقم بجوار نصه (ف: … )، وإن لم يورد النص وأشار إليه علقت عليه في الهامش وذكرت

стр. 297

رقمه، بما يمكن القارئ الكريم من جمع أطراف المسائل والنظر فيها نظرًا كليًّا إذا نشط له. وخامسها - شرح غريب الكتاب، ولا يخفى أن منشأ مفهوم غريب اللغة هو بُعد الشقة بين المتكلم والكاتب وبين القارئ والسامع، سواء كانت الشقة طول الزمن أو اختلاف الرتب، وكتاب المختصَر كما نبهت إليه سابقًا بيننا وبينه مدة اثني عشر قرنًا من الزمان، ثم إنه كلام الشافعي، ولا يَخْفَى سعة قاموس اللغة عنده، ثم إن مفردات اللغة قد تتطوَّر معانيها فيكون ذلك سببًا في اللبس، وفي الكتب الفقهية يكون ذلك سببًا للخطأ في أحكام الله، ومن هنا كانت الحاجة لشرح غريب الكتب الفقهية عامة، وغريب المختصَر خاصة، والذي يهم من ذلك بالدرجة الأولى والمقصودة عندي بالقصد الأول أنواع من المفردات: أهمها: التأكيد على لغة الشافعي والدفاع عنه في الكلمات التي نسب فيها إلى اللحن أو العامية، فقد استهدفه أبو بكر بن داود بن علي الظاهري في لغته ونسبه إلى صنوف من اللحن، أثار بذلك على نفسه حمية الشافعية فصار غرضًا لهم في كافة كتبهم اللغوية والفقهية، وأفردها بالبحث والتأليف الإمام البَيْهَقي في كتابه «الرد على الانتقاد على الشافعي في اللغة». ومما عُنيت به في مفردات اللغة عند الشافعي توجيه ما بين اختلاف النسخ، سواء كان ذلك بقصد الترجيح بينها أو الجمع. وقد أجد الشافعي أو المُزَني شَرَحَا شيئًا من الغريب، فأؤكد شرحهما بما أورده من أهل اللغة وإن كانا رحمهما الله في مقدمتهم. وعُنيت كذلك باختصار كتابي الأزهري وابن فارس بما يغني المعتني بالكتاب عن اصطحاب كتابيهما وتتبع المفردات فيهما، حيث أعلق

стр. 298

بخلاصة كلامهما في مورد الكلمة من الكتاب، ثم إذا تكرَّر ذلك في سائر موارده يستطيع القارئ أن يراجعها من خلال المعجم الخاص في قسم الفهارس. وقد ينتقد بعضهم عملي هذا ويراه من إدخال كتاب في كتاب، فأقول له: هو رأي ارتأيته بعد طول مزاولة وتردُّد، راعيت فيه قضية إمكان الاستغناء بنسختي من المختصَر عن المعاجم وكتب شرح الغريب، ثم إن الناس يختلفون في مداركهم وحاجاتهم، وهم في أيامنا منصرفون كلية عن قراءة المعاجم، فلا عليهم أن يقرأوا ما أثبته في هوامش الكتاب على نسقه حتى يكون قد أنجز جزءًا لا بأس به من مادة اللغة مع مادته الفقهية، والله أعلم. الكلام على تخريج أحاديث «المختصَر»: وأخيرًا لا يفوتني التعليق على قضية الأحاديث والآثار في مختصَر المُزَني، فهي على أنواع ثلاثة: النوع الأول: أحاديث وآثار يخرجها المُزَني عن طريق الشافعي مسندة، وأغلب ما يكون ذلك في أوائل الأبواب الفقهية، وهي أحاديث تمثِّل أصل الباب وعمدته، فهذه الأحاديث في الحقيقة مخرجة بأسانيدها، والواجب تجاهها هو بيان حكمها صحةً وضعفًا بالطرق المعروفة لدراسة الأسانيد، أمَّا تخريجها عن كتب السنن فليس في رأيي منهجًا صحيحًا مقبولًا، اللهم إلا لنكتة إسنادية أو ضرورة للحكم على الحديث، وإلا فالشافعي بإسناده أعلى إسنادًا من غالب أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد.

стр. 299

النوع الثاني: أحاديث وآثار معروفة عن الشافعي وذكرها المُزَني محذوفة الأسانيد للاختصار، وهذه يجب التعرُّف على أسانيدها وتخريجها عن طريق المُزَني عن الشافعي بإسناده المعروف إن أمكن، وإن تعذَّر ذلك فتخرج عن الشافعي بواسطة سائر أصحابه من أقران المُزَني، ثم يعنى ببيان حكمها صحةً وضعفًا. النوع الثالث: أحاديث وآثار زادها المُزَني على الشافعي ويرويها بإسناده عن بعض شيوخه، وغالبها في الكتاب مسندة. وأنا لم أُعْنَ بتخريج أيِّ نوع من هذه الأحاديث على خلاف المعتاد عند المعتنين بإخراج الكتب؛ ذلك لأن كتاب «معرفة السنن والآثار» للبَيْهَقي يشبه أن يكون تخريجًا للكتاب، بل هو تخريج له، فمن السهل للمعتني بأحكام الأحاديث والآثار مراجعته، وليس التخريج بالأمر الهيِّن كما قد يتوهَّمه المتوسِّعون فيه، فإمَّا أن يعطى حقه كما يجب، أو يترك لأهله القائمين به حق القيام، بَيْدَ أني لم أغفل التنبيه إلى بعض الفوائد المتعلقة بالأحاديث حين أجد التنبيه مهمًّا ولازمًا لتصحيح النص. وأمَّا الفهارس ومفاتيح الفوائد .. فصنعت منها: فهرس الآيات، وفهرس المسائل والاستدراكات، وهي: مسائل الإجماع التي ذكرها الشافعي، ومسائل الإجماع التي ذكرها المُزَني، ومسائل الجمع والفرق، ومسائل علق الشافعي القول فيها على صحة الخبر أو ضعفه، ومسائل يستخير الله الشافعي فيها، مسائل تكلم الناس على نقل المُزَني فيها، واستدراك ابن جوصا راوي نسخة (ظ)، واستدراكات إبراهيم بن محمد الراوي الأول لنسخة (ب)، واستدراكات أبي عبدالله محمد بن عاصم الراوي الثاني لنسخة (ب)، واستدراكات من

стр. 300

«الأم» في نسخة (ب)، واستدراكات ابن خزيمة من هامش نسخة (س)، واستدراكات الهروي من هامش نسخة (س)، وتعليقات البلقيني من هامش نسخة (س)، وفهرس حروف اللغة على أسلوب الشافعي، وصنعت كذلك معجمًا لمفردات اللغة المشروحة، وفهرسًا للشعر الوارد في أصل الكتاب على قلته، وفهرسًا للكتب والأبواب. رجاء واعتذار وأخيرًا لا أقول بأني وفيت الكتاب حقَّه كما يجب، لكني أرجو أن أكون سدَّدت وقاربت، ورحم الله امرءًا نظر بعين العذر وأصلح العيب ونصح للكتاب والكاتب، وأسأل الله رب العرش العظيم أن يجعل عملي هذا خالصًا لوجهه، وينفعني به والمعتنين بعلوم الدين، ولا حرمني الله - جل وعزَّ - صالح دعوات الكرام.

стр. 358

المختصر «مِنْ عِلْمِ الشّافعِيّ ومِن مَعْنى قَولِه» لأبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني (ت ٢٦٤ هـ) تَصْحيحُ وتَعْلِيقُ أبي عامر عبد الله شَرَف الدّين الدّاغِسْتانيّ المجلد الأول

стр. 359

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم حدثنا أبو إبراهيمَ، إسماعيلُ بنُ يحيى المزني قال (١): (١) اختصرتُ هذا من عِلْم الشافعي ومن معنى قولِه، لأقَرِّبَه على مَنْ أراده، مع إعلامِيهِ نَهْيَه عن تقليدِه وتقليدِ غيرِه، ليَنظُرَ فيه لدِينِه، ويحتاطَ لنَفْسِه، وبالله التوفيق.

стр. 360

[١] باب الطهارة (١)

стр. 361

(٢) قال الشافعي: قال الله ﵎: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾ [الفرقان: ٤٨] (١)، ورُوي عن رسول الله ﷺ أنه قال في البحر: «هو الطهورُ ماؤه، الحِلُّ مَيْتَتُه (٢)». (٣) قال الشافعي: فكلُّ ماءٍ، من بَحْرٍ، عَذْبٍ أو مالِحٍ (٣)، أو بِئرٍ، أو سَماءٍ، أو بَرَدٍ، أو ثَلْجٍ، مسخَّنٍ أو غيرِ مسخَّنٍ .. فسواءٌ، والتطهيرُ به جائزٌ. (٤) ولا أكره الماءَ المشَمَّسَ إلا من جهة الطب؛ لكراهيةِ عُمَرَ ذلك وقولِه: «إنّه يورث البَرَصَ». (٥) وما عدا ذلك (٤)، مِنْ ماءِ وَرْدٍ، أو شَجَرٍ، أو عَرَقٍ (٥)، أو ماءِ

стр. 362

زعفرانٍ، أو عُصْفُرٍ، أو نبيذٍ، أو ماءٍ بُلَّ فيه خبزٌ، أو غير ذلك، مما لا يقع عليه اسمُ ماءٍ مطلقٍ حتى يضافَ إلى ما خالطه أو خَرَج منه .. فلا يجوز التطهير به.

стр. 363

(١) باب الآنية من الجلود والذهب والفضة (١) (٦) قال الشافعي: ويتوضَّأ في جُلودِ الميتَةِ إذا دُبِغَتْ، واحْتَجَّ بقولِ النبيِّ ﷺ : «أيُّما إهابٍ دُبِغَ فَقَد طَهُرَ» (٢)، قال: وكذلك جلود ما لا يُؤكَلُ لحْمُه مِنْ السباعِ إذا دُبِغَت، إلا جلدَ كلبٍ أو خنزيرٍ؛ لأنهما نَجِسَانِ وهما حَيّانِ. (٧) قال: ولا يَطْهُر بالدباغ إلا الإهابُ وَحْدَه، ولو كان الصوف والشعر والريش لا يموتُ بموتِ ذواتِ الروحِ، أو كان يَطهُر بالدباغ .. كان ذلك في قرن الميتة وسِنِّها، وجاز في عَظْمِها (٣)؛ لأنه قبل الدِّباغِ وبَعْدَه سواءٌ (٤).

стр. 364

(٨) قال: ولا يَدَّهِنُ في عَظْمِ فِيلٍ، واحْتَجَّ بكراهية ابن عمرَ لذلك (١). (٩) قال الشافعي: فأما جِلْدُ كُلِّ ذَكِيٍّ يُؤكَلُ لحمُه .. فلا بأس بالوضوء فيه وإن لم يُدبَغ. (١٠) قال: ولا أكْرَهُ مِنْ الآنِيَةِ إلا الذَّهبَ والفضَّةَ؛ لقول النبيِّ ﷺ : «الذِي يَشْرَبُ في آنية الفِضَّةِ إنما يُجَرْجِر في جَوْفِه (٢) نارُ جهنَّم» (٣). (١١) قال: [وأكره المضبَّب (٤) بالفضة؛ لئلا يكون شاربا على فضة.

стр. 365

(١٢) قال: ولا بأس بالوضوء من ماء مُشرِكٍ، وبفَضْلِ وَضوئِه، ما لم تُعلَم نجاسةٌ؛ توضَّأ عمرُ من ماءٍ في جَرِّ نصرانيةٍ (١).

стр. 366

(٢) باب السواك (١٣) قال الشافعي: وأحِبُّ السواكَ للصلواتِ عند كلِّ حالٍ تَغَيَّرُ فيه الفمُ، الاستيقاظِ من النوم، والأَزْمِ (١)، وكلِّ ما يُغَيِّرُ الفمَ (٢)؛ لأن رسول الله ﷺ قال: «لولا أن أشُقَّ على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» (٣)، قال الشافعي: ولو كان واجبًا .. لأمرهم به، شقَّ أو لم يَشُقَّ.

стр. 367

(٣) باب نية الوضوء (١) (١٤) قال الشافعي: ولا تُجزئ طهارةٌ مِنْ غُسلٍ، ولا وضوءٍ، ولا تيممٍ، إلا بنيةٍ، واحتَجَّ على مَنْ أجاز الوضوءَ بغيْرِ نِيَّةٍ بقولِه: لا يجوز التيمم بغير نية، وهما طهارتان، فكيف يفترقان؟! (١٥) قال: وإذا توضأ لنافلةٍ، أو لقراءة مصحفٍ، أو لجنازةٍ، أو لسجود قرآنٍ .. أجزأه أن يُصَلِّي (٢) به فريضةً. (١٦) قال: وإن نوى فتوضأ، ثم عزَبَت نيتُه (٣) .. أجزأته نية واحدة، ما لم يُحدِثْ نيةَ أن يَتَبرَّدَ أو يتنظفَ بالماء، فيعيدُ ما كان غَسَلَه لتبردٍ أو لتنَظُّفٍ.

стр. 368

(٤) باب سنة الوضوء (١) (١٧) قال الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «إذا استَيْقَظ أحدُكم مِنْ نَوْمِه .. فلا يَغْمِسْ يدَه في الإناءِ حتى يَغْسِلَها ثلاثًا؛ فإنّه لا يَدْرِي أين باتَتْ يدُه منه». قال المزني: أشكُّ في «ثلاث» (٢). (١٨) قال الشافعي: فإذا قام الرجل إلى الصلاة من نومٍ، أو كان غيرَ متوضِّئٍ .. فأحِبُّ أن يُسَمِّيَ الله، ثم يُفْرِغُ من إنائه على يديه ويغسلهما ثلاثا، ثم يُدخِلُ يدَه اليمنى في الإناء، فيَغْرِفُ غُرْفَةً لفِيهِ وأنفِه (٣)،

стр. 369

ويَتَمَضْمَضُ ويَسْتَنْشِق ثلاثا، ويَبْلُغُ خَياشِيمَه الماءَ (١)، إلا أن يكون صائمًا فيَرْفُقُ، ثم يَغْرِفُ الماءَ بيَدَيْه، فيَغْسِلُ وجْهَه ثلاثًا، من مَنابِتِ شَعْرِ رأسِه إلى أصولِ أذُنَيْه، ومنتهى اللِّحْيَة إلى ما أقْبَلَ مِنْ وَجْهِه وذَقَنِه (٢)، فإن كان أمرَدَ .. غَسَلَ بَشَرَةَ وَجْهِه كلَّها، وإن نَبَتَتْ لحيتُه وعارِضاهُ .. أفاضَ الماءَ على لحيتِه وعارِضَيْه (٣)، وإن لم يصل الماء إلى بشرة وجهه التي تحت الشعر .. أجزأه إذا كان شَعْرُه كثيرًا (٤)، ثم يغسل ذراعه اليمنى إلى المِرْفَق (٥)، ثم اليسرى مثل ذلك، ويُدخِل المرفقين في الوضوء ثلاثًا ثلاثًا، وإن كان أقْطَعَ اليدَيْنِ .. غَسَلَ ما بقِيَ منهما إلى المرفقين، فإن كان أقْطَعَهُما مِنْ المرفقين .. فلا فَرْضَ عليه فيهما، وأحِبُّ أن لو أمَسَّ مَوْضِعَهما الماءَ (٦)،

стр. 370

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 371

ثم يَمْسَحُ رأسَه ثلاثًا، وأحِبُّ أن يتحرَّى جميع رأسِه وصُدْغَيْه، يَبدَأ بمُقَدَّمِ رأسِه، ثُمّ يَذْهَب بهما إلى قفاه، ثم يرُدُّهما إلى المكان الذي بدأ منه، ويَمْسَحُ أذُنَيْه، ظاهِرَهما وباطِنَهما، بماءٍ جديدٍ، ويُدْخِلُ إصْبَعَيْه في صِماخَيْ أذُنَيْه، ثم يَغْسِلُ رِجْلَيْه ثلاثًا ثلاثًا إلى الكَعْبَيْن، و «الكَعْبان»: هما النّاتِئَان، وهما مَجْمَع مَفْصِل السّاقِ والقدمِ، وعليهما الغَسْلُ كالمرفقين، ويُخَلِّلُ بين أصابِعِهما؛ لأمر رسولِ اللهِ ﷺ لَقِيطَ بنَ صَبِرة بذلك، وذلك أكملُ الوضوءِ إن شاء الله. (١٩) قال: وأحِبُّ أن يُمِرَّ الماءَ على ما سقط من اللحية عن الوَجْه، وإن لم يَفْعَل .. ففيها قولان، قال: «يجزيه» في أحدهما، و «لا يجزيه» في الآخر. قال المزني: قلت أنا (١): «يجزيه» .. أشبهُ بقولِه [عندي]؛ لأنَّه لا يَجْعَلُ ما سَقَط مِنْ منابِتِ شَعْرِ الرأسِ مِنْ الرأسِ، فكذلك يَلْزَمُه [عندي (٢) أن لا يَجْعَلَ ما سَقَطَ مِنْ منابِت شَعْرِ الوجهِ مِنْ الوجهِ (٣).

стр. 372

(٢٠) قال الشافعي: وإنْ غَسَلَ وَجْهَه مرَّةً، ولم يَغْسِلْ يدَه قَبل أنْ يُدْخِلَها في الإناء ولم يَكُنْ فيها قَذَرٌ، وغَسَل ذِراعَيْه مَرَّةً مَرَّةً، ومَسَح بعضَ رأسِه بِيَدِه أو بِبَعْضِها ما لم يَخْرُج عَنْ منابتِ شَعْرِ رأسِه .. أجزأه، واحْتَجَّ بأنّ النبيَّ ﷺ مَسَحَ بناصِيَتِه وعلى عِمامَتِه - قال الشافعي: والنَّزَعَتان من الرأس (١) - وغَسَل رِجْلَيْه مَرَّةً مَرَّةً، وعَمَّ (٢) بكُلِّ مَرَّةٍ ما غَسَلَ .. أجزأه، واحْتَجَّ بأنَّ النبيَّ ﷺ توضَّأ مَرَّةً مَرَّةً، ثم قال: «هذا وُضوءٌ لا يَقبَل الله الصلاةَ إلا به»، ثُمَّ توضَّأ مرَّتَيْن مرَّتَيْن، ثُمّ قال: «مَنْ توضَّأ مرَّتَيْن مرَّتَيْن .. آتاه الله أجْرَهُ مرَّتَيْن»، ثم توضَّأ ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: «هذا وُضوئي، ووُضوء الأنبياءِ مِنْ قَبْلي، ووُضوء خَليلي إبراهيمَ ﷺ ». (٢١) قال الشافعي: وفي تَرْكِه أن يَتَمَضْمَضَ ويَسْتَنْشِقَ ويَمْسَحَ أذُنَيْه .. تَرْكُ السُّنَّة (٣).

стр. 373

(٢٢) وليست الأذُنانِ مِنْ الوجهِ فيُغْسَلان (١)، ولا مِنْ الرَّأسِ فيُجْزِئ مَسْحُه عليهما، فهُما سُنَّةٌ على حِيالهما، واحْتَجَّ بأنَّه لَمّا لم يَكُنْ على ما فَوْقَ الأذُنَيْن مما يَلِيهما مِنْ الرأسِ، ولا على ما وراءهما مما يلي منابتَ شَعْر الرأسِ إليهما، ولا على ما يَلِيهما إلى العُنُق - مَسْحٌ، وهو إلى الرأسِ أقْرَبُ .. كانت الأذنان من الرأس أبعدَ. قال المزني: قلت أنا (٢): لَوْ كانتا مِنْ الرأسِ أجزأ مَنْ حَجَّ حَلْقُهما مِنْ تقصيرِ الرأسِ، فصَحَّ أنهما سُنَّةٌ على حِيالهما.

стр. 374

(٢٣) قال الشافعي: والفَرْقُ بَيْن ما يُجْزِي مِنْ مَسْحِ بَعْضِ الرأسِ، ولا يُجْزِي إلا مَسْحُ كُلِّ الوجهِ في التَّيَمُّم: أنّ مَسْحَ الوَجْهِ بَدَلٌ مِنْ الغسلِ؛ يَقُوم مَقامَه، ومَسْحُ بَعْضِ الرأسِ أصْلٌ، لا بَدَلٌ مِنْ غَيْرِه. (٢٤) قال: وإن فرَّق وُضوءَه وغُسلَه .. أجزأه، واحْتَجَّ في ذلك بابنِ عمرَ (١). (٢٥) قال: وإنْ بَدَأ بذِراعَيْه قَبْل وَجْهِه .. رَجَعَ إلى ذِراعَيْهِ فغَسَلَهما حتى يكونا بَعْد وَجْهِه، حتّى يَأتِيَ بالوضوءِ وَلَاءً كما ذَكَره اللهُ ﵎: ﴿فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾ [المائدة: ٦] (٢)، فإن صَلَّى بالوضوءِ على غيرِ وَلَاءٍ .. رَجَعَ فَبَنَى على الولاء مِنْ وُضوئِه، وأعاد الصلاةَ، واحْتَجَّ بقول الله جل ذكره: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ [البقرة: ١٥٨]، قال: فبدأ رسول الله ﷺ بالصّفا، وقال: «نَبْدأ بما بَدأ الله به». (٢٦) قال: وإن قَدَّم يُسْرى على يُمْنى (٣) .. أجزأه. (٢٧) ولا يَحْمِل المصحفَ ولا يَمَسُّه إلا طاهِرًا، ولا يُمْنَعُ مِنْ قِراءةِ القرآن إلا جُنُبٌ (٤).

стр. 375

(٢٨) قال أبو إبراهيم: إنْ قَدَّم الوضوءَ وأخَّرَ .. يُعِيدُ الوضوءَ والصلاةَ (١).

стр. 376

(٥) باب الاستطابة (١) (٢٩) قال الشافعي: أخبرنا سفيانُ، عن محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إنما أنا لكم مثل الوالد (٢)، فإذا ذهب أحدكم للغائط .. فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها بغائط ولا بول، وليستنجِ بثلاثة أحجار»، ونَهَى عن الرّوْثِ والرِّمَّة (٣). (٣٠) قال: وذلك في الصَّحارَى؛ لأن النبي ﷺ قد جلس على لَبِنَتَيْن مُسْتَقْبِلَ بيتِ المقدس، فدَلَّ أنّ البناءَ مُخالِفٌ للصّحارَى. (٣١) قال: وإن جاء مِنْ الغائطِ، أو خَرَجَ مِنْ ذَكَرِه أو دُبُرِه شيءٌ (٤) ..

стр. 377

فليَسْتَنْجِ بالماءِ، أو يَسْتَطِبْ (١) بثلاثةِ أحجارٍ ليسَ فيها رَجِيعٌ ولا عَظْمٌ. (٣٢) ولا يَمْسَحُ بحجَرٍ قد مَسَحَ به مَرَّةً (٢)، إلا أنْ يكونَ قد طَهُر بالماءِ. (٣٣) والاستنجاءُ مِنْ البول كالاستنجاءِ مِنْ الخلاءِ. (٣٤) ويَسْتَنْجِي بشمالِه. (٣٥) وإن استطابَ بما يَقومُ مَقامَ الحجارةِ؛ مِنْ الخَزَفِ، والآجُرِّ، وقِطَع الخَشَبِ، وما أشبهه (٣)، فأنْقَى ما هنالك .. أجزأه، ما لم يَعْدُ المخْرَجَ، فإنْ عَدَا المخْرَجَ .. فلا يُجْزِئه فيه إلا الماءُ. وقال في القديم: يَسْتَطِيبُ بالأحجارِ إذا لم يَنْتَشِرْ مِنْه إلا ما يَنْتَشِرُ مِنْ العامَّةِ في ذلك الموْضِع وحولَه (٤).

стр. 378

(٣٦) والفرقُ بَينَ أنْ يَسْتَطِيبَ بيمِينِه فيُجْزِئ، وبالعَظْمِ فلا يُجْزِئ: أنَّ اليمينَ أداةٌ، والنهيُ عنها أدَبٌ، والاستطابةُ طهارةٌ (١)، والعظمُ ليس بطاهرٍ (٢). (٣٧) فإن مَسَحَ بثلاثة أحجارٍ فلم تُنْقِ .. أعادَ حتّى يَعْلَمَ أنّه لم يُبْقِ أثَرًا، إلا أثَرًا لاصِقًا لا يُخْرِجُه إلا الماءُ. (٣٨) ولا بأسَ بالجلدِ المدبوغِ أن يُسْتَطَابَ به (٣).

стр. 379

(٣٩) وإن استطابَ بحجرٍ له ثلاثةُ أحْرُفٍ .. كان كثلاثةِ أحجارٍ إذا أنْقَى. (٤٠) ولا يجزئ (١) أنْ يَسْتَطِيبَ بعَظْمٍ ولا نَجِسٍ.

стр. 380

(٦) باب الحدث (١) (٤١) قال الشافعي: والذي يوجبُ الوضوءَ: الغائطُ، والبولُ، والنومُ، مضطجعًا، وقائمًا، وراكعًا، وساجدًا، وزائِلًا عَنْ مُسْتوَى الجلوسِ، قليلًا كان النومُ أو كثيرًا (٢)، والغلبةُ على العقلِ بجُنونٍ أو مَرَضٍ، مُضْطَجِعًا كان أو غَيْرَ مُضْطَجِعٍ، والريحُ يَخْرُجُ مِنْ الدُّبُرِ، ومُلامَسَةُ الرجلِ المرأةَ. و «المُلامَسَةُ»: أنْ يُفْضِيَ بشيءٍ مِنْه إلى جَسَدِها، أو تُفْضِيَ إليه، لا حائلَ بينهما، أو يُقَبِّلَها (٣)، ومَسُّ الفرجِ ببطنِ الكفِّ، مِنْ نفْسِه وغيرِه، مِنْ الصغيرِ

стр. 381

والكبيرِ، والحيِّ والميِّتِ، والذَّكَرِ والأنْثَى، وسواءٌ كان الفرجُ قُبُلًا أو دُبُرًا، ومَسُّ الحَلْقةِ نفْسِها مِنْ الدُّبُرِ، ولا وضوءَ على مَنْ مَسَّ ذلك مِنْ بَهِيمَةٍ؛ لأنّه لا حُرْمَةَ لها، ولا تَعَبُّدَ عليها، وكلُّ ما خَرَجَ مِنْ دُبُرٍ أو قُبُلٍ؛ مِنْ دُودٍ، أو دَمٍ، أو مَذْيٍ، أو وَدْيٍ، أو بَلَلٍ، أو غَيرِه .. فذلك كلُّه يُوجِبُ الوضوءَ كما وَصَفْتُ (١). (٤٢) ولا استنجاءَ على مَنْ نام أو خَرَجَتْ مِنه ريحٌ. (٤٣) قال: وأحِبُّ للنائم قاعدًا أن يَتوضّأ، ولا يَبِينُ لي أنْ أوجِبَهُ عليه؛ لما رَوَى أنَس بنُ مالكٍ أنّ أصحابَ رسولِ اللهِ ﷺ كانوا يَنْتَظِرُون العِشاءَ فيَنامونَ - أحسبه قال: قُعودًا -. وعن ابن عمر: كان يَنامُ قاعدًا ويُصَلّي ولا يَتَوَضّأ. قال المزني: وقد (٢) قال الشافعي: «لو صِرْنا إلى النّظَر .. كانَ إذا غَلَبَ عليه النومُ تَوضّأ بأيِّ حالاتِه كانَ». قال المزني: قلت أنا (٣): ورُوِيَ

стр. 382

عَنْ صفوانَ بنِ عسّالٍ أنه قال: «كان النبيُّ ﷺ يأمُرُنا إذا كنا مسافرِين - أو: سَفْرًا - أن لا نَنْزِعَ خِفافَنا ثلاثةَ أيامٍ وليالِيَهنَّ إلا مِنْ جَنابَةٍ، لكنْ مِنْ بَوْلٍ وغائطٍ ونومٍ». قال المزني: فلما جَعَلَهُنّ النبيُّ ﷺ بأبي هو وأمي في مَعْنَى الحَدَثِ واحدًا .. استَوَى المحْدِثُ في جميعِهنَّ، مُضْطَجِعًا كان أو قاعدًا، ولو اخْتَلَفَ حَدَثُ النومِ لاخْتِلافِ حالِ النّائمِ .. لاختَلَفَ كذلك حَدَثُ الغائطِ والبولِ، ولأبانَه ﵇ كما أبان أنّ الأكلَ في الصّوْمِ عامِدًا مفطرٌ، أو ناسيًا غيرُ مفطر، ورُوِيَ عَنْ النبيِّ ﷺ أنه قال: «العينان وِكاءُ السَّهِ، فإذا نامت العينان اسْتُطْلِقَ الوِكاءُ» (١)، مع ما رُوِي عن عائشة: «مَنْ استَجْمَع نومًا تَوضّأ، مُضْطَجِعًا أو قاعِدًا»، وعَن أبي هريرة: «مَنْ اسْتَجْمَعَ نَوْمًا فعليه الوضوءُ»، وعن الحسن: «إذا نام قاعدًا أو قائمًا تَوضّأ». قال المزني: فهذا اختلافٌ يوجِبُ النّظَرَ، وقد جَعَلَه الشافعيُّ في النّظَرِ في مَعْنَى مَنْ أُغْمِيَ عليه، كيف كان توضّأ، فكذلك النائمُ في معناه، كيف كان تَوضّأ (٢). (٤٤) قال المزني: واحْتَجَّ في الملامسةِ بقول الله جل وعز: ﴿أو لامستم النساء﴾ [النساء: ٤٣]، وبقول ابن عمر: «قُبْلَةُ الرجلِ امرأتَه، وجَسُّها

стр. 383

بيدِه مِنْ الملامَسَةِ»، وعن ابن مسعودٍ قريبٌ مِنْ مَعْنَى قَوْلِ ابنِ عُمَرَ، واحْتَجَّ في مَسِّ الذَّكَرِ بحَدِيثِ بُسْرَةَ عن رسول الله ﷺ : «إذا مسَّ أحدُكم ذَكَرَه فليتوضّأ»، وقاسَ الدُّبُرَ بالفَرْجِ، مع ما رُوِيَ عن عائشةَ أنّها قالت: «إذا مست المرأة فرجها توضأت»، واحْتَجّ بأنّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أعْتَقَ شِرْكًا له في عَبْدٍ قُوِّمَ عليه»، فكانت الأمَةُ في مَعْنى العبدِ، فكذلك الدُّبُرُ في مَعْنَى الذّكَرِ (١). (٤٥) قال الشافعي: وما كان مِنْ سِوَى ذلك، مِنْ قَيْءٍ، أو رُعافٍ، أو دمٍ خَرَج مِنْ غير مَخْرَجِ الحدَثِ .. فلا وضوءَ في ذلك؛ كما أنه لا وضوءَ في الجُشَاءِ المتغَيِّر، ولا البُصاقِ؛ لخروجهما مِنْ غير مخْرَجِ الحدَثِ، وعليه أنْ يَغْسِلَ فاهُ وما أصابَ القيءُ مِنْ جسدِه، واحْتَجَّ بأنّ ابنَ عمرَ عَصَر بَثْرَةً بوَجْهِه فخَرج منها دمٌ، فدَلَكه بين إصْبَعَيْه، ثم قام إلى الصلاةِ ولم يَغْسِلْ يدَه. وعن ابن عباس: «اغسل أثرَ المحاجِمِ عنك، وحَسْبُك»، وعن ابن المسيب: رَعَفَ فمسح أنفَه بصُوفَةٍ ثُمّ صلّى (٢)، وعن القاسم: «ليس على المحْتَجِم وضوءٌ». (٤٦) قال: وليس في قَهْقَهَة المصلي، ولا فيما مَسَّت النارُ وضوءٌ؛ لما رُوِيَ عن النبي ﷺ أنه أكل كَتِفَ شاةٍ، ثُمّ صلى ولم يَتَوضّأْ (٣).

стр. 384

(٤٧) قال: وكلُّ ما أوْجَبَ الوضوءَ فهو بالعمد والسهو سواءٌ.

стр. 385

(٤٨) قال: ومن اسْتَيْقَن الطُّهْرَ ثُمّ شَكّ في الحدثِ، أو اسْتَيْقَن الحدثَ ثُمّ شَكّ في الطُّهْرِ .. فلا يَزُولُ اليقينُ بالشكِّ.

стр. 386

(٧) باب ما يوجب الغسل (٤٩) قال الشافعي: أخبرنا الثِّقَة (١)، عن الأوْزاعِيّ، عن عبدالرحمن بن القاسم، عن القاسم، عن عائشة، أنها قالت: «إذا التَقَى الختانان وَجَبَ الغُسْلُ، فَعَلْتُه أنا ورسولُ الله ﷺ فاغتَسَلْنا». ورواه من جهةٍ أخرى عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : «إذا التَقَى الختانان وَجَبَ الغُسْلُ» (٢). (٥٠) قال الشافعي: وإذا التَقَى الختانان - والتقاؤُهُما: أن تَغِيبَ الحشَفَةُ في الفَرْجِ، فيكونَ خِتانُه حِذاءَ خِتانِها، فذلك التقاؤهُما؛ كما يُقالُ: (التَقَى الفارسان): إذا تحاذَيا وإن لم يَتَضَامَّا - .. فقد وجب الغُسْلُ عليهما. قال المزني: التقاءُ الختانَيْن: أن يُحاذِيَ خِتانُ الرجلِ خِتانَ المرأةِ، لا أن يُصِيبَ خِتانُه خِتانَها، وذلك أنّ خِتانَ المرأةِ مُسْتَعْلٍ، ومَدْخَلَ ذَكَرِ الرّجُلِ أسْفَلُ مِنْ خِتانِ المرأةِ، قال: وسمعت الشافعي يقول: «تقولُ العربُ إذا حاذَى الفارسُ الفارسَ: التَقَى الفارسان» (٣).

стр. 387

(٥١) قال الشافعي: وإن أنْزَلَ الماءَ الدّافِقَ مُتَعَمِّدًا، أو نائمًا، أو كان ذلك مِنْ المرأة .. فقد وَجَب الغُسْلُ عليهما، وماءُ الرجلِ الذي يُوجِبُ الغُسْلَ هو المنِيُّ الأبْيَضُ الثخينُ الذي يُشْبِهُ رائحةَ الطَّلْعِ، فمتى خَرَجَ المنِيُّ مِنْ ذَكَرِ الرجلِ، أو رأت المرأةُ الماءَ الدافقَ .. فقد وَجَبَ الغُسْلُ، وقَبْلَ البولِ وبعدَه سواءٌ. (٥٢) وتَغْتَسِلُ الحائضُ إذا طَهُرَتْ، والنُّفَساءُ إذا ارْتَفَعَ دَمُها.

стр. 388

(٨) باب غُسْلِ الجَنابةِ (١) (٥٣) قال الشافعي: يَبْدَأ الجنبُ فيَغْسِلُ يدَيْه ثلاثًا قبل إدخالهما الإناءَ، ثُمّ يَغْسِلُ ما به مِنْ الأذى، ثم يَتَوضّأ وُضوءَه للصلاةِ (٢)، ثُمّ يُدْخِلُ أصابِعَه العَشْرَ في الإناءِ، ثُمّ (٣) يُخَلِّلُ بها أصولَ شَعْرِه، ثُمّ يَحْثِي على رأسِه ثلاثَ حَثَياتٍ، ثُمّ يُفِيضُ الماءَ على جَسَدِه حَتّى يَعُمَّ جميعَ جَسَدِه وشَعْرِه، ويُمِرُّ يدَيْه على ما قَدَر عليه مِنْ جَسَدِه (٤)، ورُوِيَ نحْوُ هذا عن رسول الله ﷺ .

стр. 389

(٥٤) قال: فإن تَرَك إمْرارَ يدَيْه على جَسَدِه لم يَضُرَّه، وفي إفاضةِ النبيِّ ﷺ الماءَ على جَسَدِه، دليلٌ على أنَّه إنْ لم يَدْلُكْه أجزأه (١)، ولقولِه: «إذا وَجَدْتَ الماءَ فأمْسِسْه جِلْدَك». (٥٥) وفي أمْرِه الجنبَ المتَيَمِّمَ إذا وَجَدَ الماءَ: «اغْتَسِل»، ولم يأمُرْه بالوضوءِ .. دليلٌ على أنَّ الوضوءَ ليس بفَرْضٍ. (٥٦) قال الشافعي: وإنْ تَرَك الوضوءَ للجنابةِ، والمضمضةَ والاسْتِنْشاقَ .. فقد أساء، ويُجْزِئُه، ويَسْتأنِفُ المضمضةَ والاسْتِنْشاقَ، وقد فَرَض اللهُ جلَّ ذِكرُه غَسْلَ الوجهِ مِنْ الحدَثِ؛ كما فَرَض غَسْلَه مع سائرِ البدنِ مِنْ الجَنابةِ، فكيف يُجْزِئُه تَرْكُ المضمضةِ والاسْتِنْشاقِ مِنْ أحدِهما، ولا يُجْزِئه مِنْ الآخر؟! (٥٧) وكذلك غُسْلُ المرأةِ، إلا أنّها تَحْتاجُ مِنْ غَمْرِ ضَفائرِها (٢) حَتّى يَبْلُغَ الماءُ أصولَ الشّعْرِ إلى أكْثَرَ مما يَحْتاجُ إليه الرجلُ، ورُوِيَ أنَّ أمَّ سَلمَةَ سألت النبيَّ ﷺ فقالت: إنّي امرأةٌ أشُدُّ ضَفْرَ رأسي، أفأنْقُضُه للغُسْلِ مِنْ الجنابَةِ؟ فقال: «لا، إنما يَكفِيكِ أنْ تَحْثِي عليه ثلاثَ حَثَياتٍ مِنْ ماءٍ، ثُمّ تُفِيضِي عليكِ الماءَ». قال: وأحِبُّ أن يُغَلْغَلَ الماءُ في أصولِ الشّعْرِ (٣)،

стр. 390

وكيفما وَصَلَ الماءُ إلى شَعْرِها وبَشَرِها أجزأها، وكذلك غُسْلُها مِنْ الحيضِ والنِّفاسِ، ولَمّا أمرها رسولُ الله ﷺ بالغُسْلِ مِنْ الحيضِ، قال: «خُذِي فِرْصَةً مِنْ مِسْكٍ فتَطَهَّري بها» (١)، فقالت عائشةُ: «تَتَبَّعِي بها أثَرَ الدَّمِ»، قال الشافعي: فإنْ لم تَجِدْ .. فطِيبًا، فإنْ لم تَفْعَلْ .. فالماءُ كافٍ. (٥٨) وما بَدَأ به الرجلُ والمرأةُ في الغُسْلِ .. أجزأهما. (٥٩) قال: وإن أدْخَلَ الجُنُبُ والحائضُ أيْدِيَهُما في الإناءِ ولا نجاسةَ فيها .. لم يَضُرَّه.

стр. 391

(٩) باب فَضلِ الجُنُبِ وغيرِه (٦٠) قال الشافعي: أخبرنا مالك، عن إسحاقَ بنِ عبداللهِ بنِ أبي طلحةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: «رأيت رسول الله ﷺ أتِيَ بوَضُوءٍ، فوضَعَ يدَهُ في ذلك الإناءِ، وأمر الناسَ أن يَتَوَضَّئُوا مِنه، فرأيتُ الماءَ يَنْبُع مِنْ تَحْتِ أصابِعِه، حَتّى تَوَضّأ الناسُ مِنْ عِنْدِ آخِرِهم» (١). (٦١) وعن ابن عمرَ أنّه قال: «كانَ الرجالُ والنساءُ يَتَوَضَّئون في زمانِ رسول الله ﷺ في إناءٍ واحدٍ جميعًا»، ويُرْوَى عن عائشةَ أنّها قالت: «كنتُ أغْتَسِلُ أنا ورسولُ الله ﷺ مِنْ إناءٍ واحدٍ مِنْ الجنابةِ»، وأنّها كانت تَغْسِلُ رأسَ رسول الله ﷺ وهي حائضٌ. (٦٢) قال الشافعي: ولا بأسَ أنْ يَتَوَضّأ ويَغْتَسِلَ بفَضْلِ الجنبِ والحائضِ؛ لأنّ النبي ﷺ إذا اغْتَسَل وعائشةَ مِنْ إناءٍ واحدٍ، فقد اغْتَسَلَ كلُّ واحدٍ منهما بفَضْلِ صاحبِه، وليست الحيضةُ في اليَدِ، ولا المؤمنُ بنَجِسٍ، إنما تُعُبِّدَ أن يُمَاسَّ الماءَ في بَعْضِ حالاتِه، وكذلك ما رَوَى ابنُ عمرَ أنّ كلَّ واحدٍ منهما تَوَضَّأ بفَضْلِ صاحبِه. (٦٣) وفي كلِّ (٢) ذلك دلالةٌ: أنَّه لا وَقْتَ فيما يَطْهُرُ به المغْتَسِلُ

стр. 392

والمتَوَضِّئُ إلا الإتيانُ بالماء على ما أمَر اللهُ به (١)، وقد يَخْرَقُ بالكثيرِ فلا يَكْفِي، ويَرْفُقُ بالقليلِ فيَكْفِي، وأحَبُّ إليَّ أنْ لا يَنْقُصَ مما رُوِيَ عن النبي ﷺ أنه تَوَضّأ بالمُدِّ، واغتَسَلَ بالصاعِ (٢).
следующие страницы →