← Фикх шафии

Фикх шафии · id 914

مختصر المزني - ت الداغستاني

المزني

Полный текст (1 788 стр.). Показаны 388–427 · переход к 393.

стр. 388

(٨) باب غُسْلِ الجَنابةِ (١) (٥٣) قال الشافعي: يَبْدَأ الجنبُ فيَغْسِلُ يدَيْه ثلاثًا قبل إدخالهما الإناءَ، ثُمّ يَغْسِلُ ما به مِنْ الأذى، ثم يَتَوضّأ وُضوءَه للصلاةِ (٢)، ثُمّ يُدْخِلُ أصابِعَه العَشْرَ في الإناءِ، ثُمّ (٣) يُخَلِّلُ بها أصولَ شَعْرِه، ثُمّ يَحْثِي على رأسِه ثلاثَ حَثَياتٍ، ثُمّ يُفِيضُ الماءَ على جَسَدِه حَتّى يَعُمَّ جميعَ جَسَدِه وشَعْرِه، ويُمِرُّ يدَيْه على ما قَدَر عليه مِنْ جَسَدِه (٤)، ورُوِيَ نحْوُ هذا عن رسول الله ﷺ .

стр. 389

(٥٤) قال: فإن تَرَك إمْرارَ يدَيْه على جَسَدِه لم يَضُرَّه، وفي إفاضةِ النبيِّ ﷺ الماءَ على جَسَدِه، دليلٌ على أنَّه إنْ لم يَدْلُكْه أجزأه (١)، ولقولِه: «إذا وَجَدْتَ الماءَ فأمْسِسْه جِلْدَك». (٥٥) وفي أمْرِه الجنبَ المتَيَمِّمَ إذا وَجَدَ الماءَ: «اغْتَسِل»، ولم يأمُرْه بالوضوءِ .. دليلٌ على أنَّ الوضوءَ ليس بفَرْضٍ. (٥٦) قال الشافعي: وإنْ تَرَك الوضوءَ للجنابةِ، والمضمضةَ والاسْتِنْشاقَ .. فقد أساء، ويُجْزِئُه، ويَسْتأنِفُ المضمضةَ والاسْتِنْشاقَ، وقد فَرَض اللهُ جلَّ ذِكرُه غَسْلَ الوجهِ مِنْ الحدَثِ؛ كما فَرَض غَسْلَه مع سائرِ البدنِ مِنْ الجَنابةِ، فكيف يُجْزِئُه تَرْكُ المضمضةِ والاسْتِنْشاقِ مِنْ أحدِهما، ولا يُجْزِئه مِنْ الآخر؟! (٥٧) وكذلك غُسْلُ المرأةِ، إلا أنّها تَحْتاجُ مِنْ غَمْرِ ضَفائرِها (٢) حَتّى يَبْلُغَ الماءُ أصولَ الشّعْرِ إلى أكْثَرَ مما يَحْتاجُ إليه الرجلُ، ورُوِيَ أنَّ أمَّ سَلمَةَ سألت النبيَّ ﷺ فقالت: إنّي امرأةٌ أشُدُّ ضَفْرَ رأسي، أفأنْقُضُه للغُسْلِ مِنْ الجنابَةِ؟ فقال: «لا، إنما يَكفِيكِ أنْ تَحْثِي عليه ثلاثَ حَثَياتٍ مِنْ ماءٍ، ثُمّ تُفِيضِي عليكِ الماءَ». قال: وأحِبُّ أن يُغَلْغَلَ الماءُ في أصولِ الشّعْرِ (٣)،

стр. 390

وكيفما وَصَلَ الماءُ إلى شَعْرِها وبَشَرِها أجزأها، وكذلك غُسْلُها مِنْ الحيضِ والنِّفاسِ، ولَمّا أمرها رسولُ الله ﷺ بالغُسْلِ مِنْ الحيضِ، قال: «خُذِي فِرْصَةً مِنْ مِسْكٍ فتَطَهَّري بها» (١)، فقالت عائشةُ: «تَتَبَّعِي بها أثَرَ الدَّمِ»، قال الشافعي: فإنْ لم تَجِدْ .. فطِيبًا، فإنْ لم تَفْعَلْ .. فالماءُ كافٍ. (٥٨) وما بَدَأ به الرجلُ والمرأةُ في الغُسْلِ .. أجزأهما. (٥٩) قال: وإن أدْخَلَ الجُنُبُ والحائضُ أيْدِيَهُما في الإناءِ ولا نجاسةَ فيها .. لم يَضُرَّه.

стр. 391

(٩) باب فَضلِ الجُنُبِ وغيرِه (٦٠) قال الشافعي: أخبرنا مالك، عن إسحاقَ بنِ عبداللهِ بنِ أبي طلحةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: «رأيت رسول الله ﷺ أتِيَ بوَضُوءٍ، فوضَعَ يدَهُ في ذلك الإناءِ، وأمر الناسَ أن يَتَوَضَّئُوا مِنه، فرأيتُ الماءَ يَنْبُع مِنْ تَحْتِ أصابِعِه، حَتّى تَوَضّأ الناسُ مِنْ عِنْدِ آخِرِهم» (١). (٦١) وعن ابن عمرَ أنّه قال: «كانَ الرجالُ والنساءُ يَتَوَضَّئون في زمانِ رسول الله ﷺ في إناءٍ واحدٍ جميعًا»، ويُرْوَى عن عائشةَ أنّها قالت: «كنتُ أغْتَسِلُ أنا ورسولُ الله ﷺ مِنْ إناءٍ واحدٍ مِنْ الجنابةِ»، وأنّها كانت تَغْسِلُ رأسَ رسول الله ﷺ وهي حائضٌ. (٦٢) قال الشافعي: ولا بأسَ أنْ يَتَوَضّأ ويَغْتَسِلَ بفَضْلِ الجنبِ والحائضِ؛ لأنّ النبي ﷺ إذا اغْتَسَل وعائشةَ مِنْ إناءٍ واحدٍ، فقد اغْتَسَلَ كلُّ واحدٍ منهما بفَضْلِ صاحبِه، وليست الحيضةُ في اليَدِ، ولا المؤمنُ بنَجِسٍ، إنما تُعُبِّدَ أن يُمَاسَّ الماءَ في بَعْضِ حالاتِه، وكذلك ما رَوَى ابنُ عمرَ أنّ كلَّ واحدٍ منهما تَوَضَّأ بفَضْلِ صاحبِه. (٦٣) وفي كلِّ (٢) ذلك دلالةٌ: أنَّه لا وَقْتَ فيما يَطْهُرُ به المغْتَسِلُ

стр. 392

والمتَوَضِّئُ إلا الإتيانُ بالماء على ما أمَر اللهُ به (١)، وقد يَخْرَقُ بالكثيرِ فلا يَكْفِي، ويَرْفُقُ بالقليلِ فيَكْفِي، وأحَبُّ إليَّ أنْ لا يَنْقُصَ مما رُوِيَ عن النبي ﷺ أنه تَوَضّأ بالمُدِّ، واغتَسَلَ بالصاعِ (٢).

стр. 393

(١٠) باب التيمم (١) (٦٤) قال الشافعي: قال الله : ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر … فلم تجدوا ماء﴾ الآيةَ [النساء: ٤٣]، ورُوِيَ عن النبي ﷺ أنه تَيَمَّم فمَسَح وجهَه وذراعَيْه. (٦٥) قال: ومعقولٌ إذا (٢) كان بَدَلًا مِنْ الوضوءِ على الوجه واليدين أنْ يُؤتَى بالتَّيَمُّم على ما يُؤتَى بالوضوءِ عليه، وعن ابنِ عمرَ أنّه قال: «ضَرْبَةٌ للوجْهِ، وضَرْبَةٌ لليدَيْن إلى المرفقين» (٣). (٦٦) قال الشافعي: والتيمُّمُ أنْ يَضْرِبَ بيديه على الصعيدِ - وهو: التراب مِنْ كلِّ أرضٍ؛ سَبَخِها ومَدَرِها وبَطْحَائِها وغيرِه مما يَعْلَقُ باليد منه غُبارٌ (٤) - ما لم تَخْلَطْه نجاسةٌ، ويَنْوِي بالتيمم الفريضةَ، فيَضْرِب على التراب

стр. 394

ضَرْبةً ويُفَرِّقُ بَيْن (١) أصابِعِه حتى يُثِيرَ الترابَ، ثُمّ يَمْسَحُ بيديه وجْهَه كما وَصَفْتُ في الوضوءِ، ثُمَّ يَضْرِبُ ضَرْبَةً أخرى كذلك، ثُمّ يَمْسَحُ ذراعَه اليمنى، فيَضَعُ كفَّه اليسرى على ظَهْرِ كفِّه اليمنى وأصابعِها، ثُمّ يُمِرُّها على ظَهْرِ الذراع إلى مِرْفَقِه، ثم يُدِير كفَّه (٢) إلى بَطْنِ الذِّراع، ثُمّ يُقْبِل بها إلى كُوعِه (٣)، ثُمّ يُمِرُّها على ظَهْر إبهامه، ويكونُ باطن كفِّه اليمنى لم يَمَسَّها بشيءٍ (٤) مِنْ يدِه، فيَمْسَح بها اليسرى كما وَصَفْتُ في اليمنى، ويَمْسَحُ إحدى الراحتين بالأخرى، ويُخَلِّلُ بَيْن أصابعهما. (٦٧) فإنْ أبْقَى شيئًا مما كان يُمِرُّ عليه الوضوءَ حَتَّى صَلّى .. أعاد ما بَقِيَ عليه مِنْ التَّيمُّم، ثم يُصَلِّي، وإنْ بَدَأ بيدَيْه قَبْلَ وجْهِه .. كانَ عليه أنْ يَعُودَ لمَسْحِ يدَيْه حَتّى يكونا بعد وجْهِه، مثلَ الوضوءِ سواءً، وإن قَدَّم يُسْرَى يدَيْه على اليمنى .. أجزأه. (٦٨) ولو نَسِيَ الجنابةَ، فتَيَمَّم للحدث .. أجزأه؛ لأنَّه لو ذَكَرَ الجنابَةَ لم يَكُنْ عليه أكثرُ مِنْ التيمم.

стр. 395

قال المزني: ليس على المحدِث عندي مَعْرِفةُ أيّ الأحداثِ كان منه، وإنما عليه أنْ يَتَطَهَّرَ للحدثِ، ولو كان عليه معرفةُ أيّ الأحداثِ كان منه كما عليه معرفة أيّ الصلوات عليه .. لوجب أنْ لو تَوَضّأ مِنْ ريحٍ ثُمّ عَلِم أنّ حَدَثَه بَوْلٌ، أو اغْتَسَلَت امرأةٌ تَنْوِي مِنْ الحيضِ وإنّما كانت جنبًا، أو مِنْ حيضٍ وإنّما كانت نُفَساءَ .. لم يُجْزِئْ أحدًا منهم حتَّى يَعْلَمَ الحدثَ (١) الذي تَطَهَّر منه، ولا يقولُ بهذا أحدٌ نَعْلَمُه. قال المزني: ولو كان الوضوءُ يَحتاجُ إلى النية لِما يُتَوَضّأ له .. لَما جاز لمن تَوَضّأ لقراءة مصحفٍ، أو لصلاةٍ على جنازةٍ، أو لتَطَوُّعٍ .. أن يُصَلّيَ به الفرضَ، فلما صلى به الفرضَ ولم يَتَوَضّأ للفرضِ .. أجزأه أن لا يَنْوِي لأيّ الفرضِ ولا لأيّ الأحداثِ [تَوَضّأ، ولا لأيّ الأحداثِ (٢) اغْتَسَل (٣). (٦٩) قال الشافعي: وإذا وَجَدَ الجنبُ الماءَ بعد التَّيَمُّمِ .. اغْتَسَلَ، وإذا وَجَدَ الذي ليس بِجُنُبٍ .. تَوَضّأ.

стр. 396

(٧٠) قال: وإذا تَيَمَّمَ فَفَرَغَ مِنْ تَيَمُّمِه بَعْدَ طَلَبِ الماءِ، ثُمّ رَأى الماءَ .. فعليه أنْ يَعُودَ إلى الماءِ، فإن دَخَل في الصلاةِ ثُمَّ رأى الماءَ بَعْدَ دُخُولِه .. بَنَى على صَلاتِه، وأجزأَتْه الصلاةُ. قال المزني: وجودُ الماءِ عندي (١) يَنْقُضُ طُهْرَ التيمُّمِ في الصلاة وغيرِها سواءً؛ كما أن ما نَقَضَ الطُّهْرَ في الصلاةِ وغيرِها سواءٌ، ولو كان الذي مَنَعَ نَقْضَ طُهْرِه الصلاةُ لَمَا ضَرَّهُ الحدثُ في الصلاةِ، وقد أجمعوا - والشافعيُّ مَعَهُم - أنَّ رجلين لو تَوَضّأ أحدُهما وتَيَمَّم الآخرُ في سَفَرٍ لعَدَمِ الماءِ .. أنّهما طاهران، وأنّهما قد أدَّيا فَرْضَ الطُّهْرِ، فإنْ أحْدَثَ المتوضئُ ووَجَدَ المتيمِّمُ الماءَ .. أنّهما في نَقْضِ الطُّهْرِ قبل الصلاة سواءٌ، فلِمَ لا كانا في نَقْضِ الطُّهْرِ بعد الدخولِ فيها سواءً؟ وما الفَرْقُ؟ [وقد قالَ في جماعةِ العلماءِ (٢): إنَّ عِدَّةَ مَنْ لم تَحِض الشُّهورُ، فإن اعْتَدَّتْ بها إلا يومًا ثُمّ حاضَتْ .. أنّ الشهورَ تَنْتَقِضُ، لوجودِ الحيْضِ (٣)، فكذلك التيمُّمُ يَنْتَقِضُ وإنْ كان في الصلاةِ لوجودِ الماءِ؛ كما يَنْتَقِضُ طُهْرُ المتوضِّئ وإنْ كان في الصلاةِ إذا كان الحدثُ، وهذا بقولِه أولى عندي (٤).

стр. 397

(٧١) قال الشافعي: ولا يَجْمَعُ بالتيمُّمِ صلاتَيْ فَرْضٍ، ويُحْدِثُ (١) لكلِّ فريضةٍ طلبًا للماءِ وتَيَمُّمًا بعد الطلبِ الأوَّلِ؛ لقولِه جلَّ وعزَّ: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ [المائدة: ٦]، وقولِ ابنِ عباسٍ: «لا تُصَلَّى مكتوبةٌ إلا بِتَيَمُّمٍ». (٧٢) قال: ويُصَلِّي بعد الفريضةِ النوافلَ (٢)، وعلى الجنائز، ويَقْرَأ في المصحفِ، ويَسْجُد سجودَ القرآن.

стр. 398

(٧٣) وإن تَيَمَّمَ بزِرْنيخ، أو نُورَة، أو ذَرِيرة (١)، ونحوه .. لم يُجْزِئه (٢).

стр. 399

(١١) باب جامع التيمم والعذر فيه وغيره (١) (٧٤) قال الشافعي: وليس للمسافِرِ أنْ يتَيَمَّمَ إلا بعد دُخولِ وَقْتِ الصلاة، وإعوازِ الماءِ بَعد طَلَبِه (٢). (٧٥) والسّفَرُ: أقلُّ ما يَقَعُ عليه اسْمُ سَفَرٍ طال أو قَصُرَ، واحتج في ذلك بظاهرِ القرآنِ، وبابنِ عمرَ. (٧٦) قال: ولا يَتَيَمَّمُ مريضٌ في شتاءٍ ولا صَيْفٍ، إلا مَنْ به قَرْحٌ له غَوْرٌ (٣)، أو به ضَنًى مِنْ مَرَضٍ يُخافُ إنْ مَسَّه الماءُ أنْ يَكونَ منه التّلَفُ، أو يَكونَ منه المرضُ المَخُوفُ، لا لشَيْنٍ، ولا لإبْطاءِ بُرْءٍ. وقال في القديم: يتَيَمَّمُ إذا خاف إن مَسَّه الماءُ شِدَّةَ الضّنَى (٤).

стр. 400

(٧٧) قال: وإن كان في بعضِ جسَدِه دون بعضٍ .. غَسَلَ ما لا ضَرَرَ عليه، وتَيَمَّمَ، لا يُجْزِئه أحدُهما دون الآخر، وإنْ كان على قَرْحِه (١) دَمٌ يَخافُ إنْ غَسَلَه .. تَيَمَّم، وأعاد إذا قَدَر على غَسْل الدّمِ. (٧٨) قال: وإذا كان في المِصْرِ، في حُشٍّ (٢)، أو موضعٍ نَجِسٍ، أو مَرْبوطًا على خَشَبَةٍ .. صلَّى يُومِئ، ويُعِيدُ إذا قَدَر. (٧٩) قال: ولو ألْصَق على موضعِ التيمُّمِ لَصُوقًا .. نَزَع اللَّصُوقَ، وأعاد (٣). (٨٠) ولا يَعْدُو بالجبائرِ (٤) مَوْضِعَ الكَسْرِ (٥)، ولا يَضَعُها إلا على وُضوءٍ كالخُفَّيْن. (٨١) فإنْ خاف الكَسِيرُ غَيْرُ المتَوَضِّئ (٦) التَّلَفَ إذا أُلْقِيَت الجبائرُ .. ففيها قولان: أحدهما: يَمْسَحُ عليها، ويُعِيدُ ما صلَّى إذا قَدَرَ على الوضوءِ،

стр. 401

والقول الآخر: لا يُعيد، وإن صَحَّ حديثُ عليٍّ أنه انكسَر إحدى زَنْدَيْه (١)، فأمَرَه النبيُّ ﷺ أن يَمْسَحَ على الجبائر .. قُلتُ به (٢)، وهذا مما أسْتَخِيرُ اللهَ فيه. قال المزني: أوْلى قَوْلَيْه بالحق عندي أن يُجْزِئَه (٣)، ولا يُعيدُ، وكذلك كلُّ ما عَجَز عنه المصلِّي وفيما رُخِّصَ له في تَرْكِه مِنْ طُهْرٍ وغيرِه، وقد أَجمَعَت العلماءُ - والشافعيُّ معهم - أنْ لا تُعيدَ المستحاضَةُ، والحدَثُ في صَلاتِها دائمٌ، والنّجَسُ قائمٌ، ولا المريضُ الواجِدُ للماءِ ولا الذي معه الماءُ يَخافُ العَطَشَ إذا صلَّيَا بالتيمُّمِ، ولا العُرْيانُ، ولا المسايِفُ يُصلِّي إلى غيرِ القِبْلةِ يُومِئ إيماءً، فقَضى ذلك مِنْ إجماعِهم على طَرْحِ ما عَجَزَ عنه المصلِّي ورفعِ الإعادَةِ، وقد قال: «مَنْ كان معه ماءٌ يُوَضِّئُه في سَفَرِه وخاف (٤) العَطَشَ .. كمن لم يَجِد» (٥). قال المزني: وكذلك (٦) مَنْ على قُرُوحِه دمٌ يَخافُ إنْ غَسَلها كمن ليس به نَجَسُ (٧).

стр. 402

(٨٢) وقال الشافعي: ولا يَتيمَّمُ صحيحٌ في مِصرٍ لمكتوبةٍ ولا لجنازةٍ، ولو جاز ما قال غيري: يَتيمَّمُ للجنازةِ لخوفِ الفَوْتِ .. لَزِمَه ذلك لفَوْتِ الجُمعَة والمكتوبةِ، فإذا لم يَجُزْ عنده لفَوْتِ الأوْكَدِ كان مِنْ أنْ يُجْزِئَ فيما دونه أبْعَدَ، ورُوِي عن ابنِ عمرَ أنّه كان لا يُصلِّي على جنازةٍ إلا مُتوضِّئًا. (٨٣) قال: وإنْ كان معه في السفرِ مِنْ الماءِ ما لا يُغَسِّلُه للجنابةِ ..

стр. 403

غَسَل أيَّ بَدَنِه شاء، ثُمّ تيمَّمَ وصَلَّى (١). وقال في موضعٍ آخرَ: يَتيمَّمُ ولا يَغْسِلُ مِنْ أعضائه شيئًا، وقال في القديم: لأنّ الماءَ لا يُطَهِّرُ بَدنَه بغَسْلِ البعضِ، قال المزني: قلت أنا (٢): هذا أشبهُ بالحقِّ عندي؛ لأن كلَّ بَدَلٍ يُعْدَمُ فحكمُ ما وُجِدَ مِنْ بَعْضِ المعدومِ حكمُ العَدَمِ، كالقاتلِ خطأً يَجِدُ بَعْضَ رقبةٍ، فحكمُ البعضِ حكمُ العدَمِ، وليس عليه إلا البدلُ، ولو لَزِمَه غَسْلُ بعضٍ لوجود بعضِ الماءِ وكمالُ البدلِ، لَزِمَه عِتْقُ بعضِ الرقبَةِ لوجود البعضِ (٣) وكمالُ البدلِ، ولا يقولُ بهذا أحدٌ نَعْلَمُه، وفي ذلك دليلٌ، وبالله التوفيق (٤). (٨٤) قال الشافعي: وأحِبُّ تَعْجيلَ التّيمُّمِ؛ لاستحبابي تَعْجيلَ الصلاةِ. وفي «الإملاء»: «لو أخَّرَه إلى آخر الوقْتِ رجاءَ أنْ يَجِد الماءَ كان أحَبَّ إليَّ»، قال المزني: قلت أنا (٥): التعجيلُ عندي (٦) بقولِه أوْلى؛ لأنّ السُّنَّةَ أنْ يُصلِّيَ ما بَيْن أوَّل الوقتِ وآخرِه، فما كان أعظمَ لأجرِه في أداءِ الصلاةِ بالوضوءِ فالتيمُّمُ مثلُه، وبالله التوفيقُ (٧).

стр. 404

(٨٥) قال الشافعي: فإنْ لم يَجِد الماءَ، ثُمَّ عَلِم أنَّه كان في رَحْلِه .. أعاد. (٨٦) وإن وَجَدَه بثَمَنٍ في مَوْضِعِه، وهو واجدٌ الثَّمَنَ، غيرَ خائفٍ إن اشْتَراه الجوعَ في سَفَرِه .. فليس له التيمُّم، وإن أُعْطِيَه بأكثرَ مِنْ الثَّمَنِ (١) .. لم يَكُنْ عليه أنْ يَشْتَرِيَه، ويَتيمَّم. (٨٧) ولَوْ كانَ مع رجلٍ ماءٌ، فأَجْنبَ رجلٌ (٢)، وطَهُرَت امرأةٌ مِنْ الحيْضِ، ومات رجلٌ، ولم يَسَعْهُم الماءُ .. كان (٣) الميِّتُ أحبَّهم إليَّ أنْ يَجُودَ بالماءِ عليه، ويَتيمَّمُ الحيّانِ؛ لأنَّهما قد يَقْدِران على الماءِ، والميِّتُ إذا دُفِنَ لم يُقْدَرْ على غَسْلِه، فإنْ كان مع الميِّتِ ماءٌ فهو أحقُّهم به (٤)، فإنْ خافوا العَطَشَ .. شَرِبُوه، ويَمَّمُوه، وأدَّوْا ثَمَنَه في مِيراثِه.

стр. 405

(١٢) باب ما يُفسِدُ الماءَ (٨٨) قال الشافعي: وإذا وَقَع في الإناءِ نُقْطَةُ خمرٍ، أو بولٍ، أو دمٍ، أو أيِّ نجاسةٍ كانت مما يُدْرِكُها الطَّرْفُ .. فقد فَسَد الماءُ، ولا تُجْزِئ به الطهارةُ (١). (٨٩) قال: وإنْ تَوَضّأ رجلٌ، ثُمّ جَمَع وَضوءَه في إناءٍ نَظيفٍ، ثُمّ تَوضَّأ به أو غيرُه .. لم يُجْزِه؛ لأنَّه أدَّى به الفَرْضَ مرةً، وليس بنَجِسٍ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ تَوضَّأ، ولا يُشَكُّ أنَّ مِنْ بَلَلِ الوضوءِ ما يُصِيبُ ثيابَه، ولا نَعْلَمُه

стр. 406

غَسَلَه، ولا أحدٌ مِنْ المسلمين فَعَلَه، ولا يُتَوَضَّأ به؛ لأنَّ على الناسِ تَعَبُّدًا في أنفُسِهم بالطهارةِ مِنْ غيرِ نجاسةٍ، وليس على ثَوْبٍ ولا أرضٍ تَعَبُّدٌ، ولا أنْ يُماسَّه ماءٌ مِنْ غيرِ نجاسةٍ (١). (٩٠) قال: وإذا وَلَغَ الكلبُ في الإناءِ .. فقد نَجَسَ الماءُ، وعليه أنْ يُهَرِيقَه ويَغْسِلَ منه الإناءَ سبعَ مرّاتٍ، أولاهن بالتُّرابِ؛ كما قال رسول الله ﷺ . (٩١) قال: فإن كان في بحرٍ لا (٢) يَجِدُ فيه تُرابًا، فغَسَلَه بما يَقومُ مَقامَ التُّرابِ في التنظيفِ، مِنْ أُشْنانٍ، أو نُخالةٍ، أو ما أشبهه .. ففيه قولان: أحدهما - لا يَطْهُر إلا بأن يُماسَّه الترابُ، والآخر - يَطْهُر بما يكون خَلَفًا من ترابٍ وأنْظَفَ منه مما وَصَفْتُ؛ كما نَقولُ في الاستنجاء.

стр. 407

قال المزني: قلت أنا (١): هذا أشْبهُ بقولِه؛ لأنَّه جَعَلَ الخَزَفَ في الاستنجاء كالحجارةِ؛ لأنَّه (٢) يُنْقِي إنقاءَها، فكذلك يَلْزَمُه أنْ يَجْعَل الأُشْنانَ كالترابِ؛ لأنَّه يُنْقِي إنقاءَه أو أكثرَ، وكما جَعَلَ ما عَمِلَ عَمَلَ القَرَظِ والشَّبِّ في الإهابِ في معنى القَرَظِ والشَّبِّ، فكذلك الأُشْنانُ في تطهيرِ الإناءِ في معنى الترابِ (٣). (٩٢) قال الشافعي: ويَغْسِلُ الإناءَ مِنْ النجاسَةِ سِوى ذلك ثلاثًا أحَبُّ إليَّ، فإنْ غَسَلَه واحدةً تأتي عليه طَهُر (٤)، وما مسَّ الكلبُ والخنزيرُ به الماءَ من (٥)

стр. 408

أبدانِهما نجَّسَهُ وإن لم يَكُنْ فيهما (١) قَذَرٌ (٢)، واحْتَجَّ بأنَّ الخنزيرَ أسْوَأ حالًا مِنْ الكلبِ، فقاسَه عليه، وقاسَ ما سِوى ذلك مِنْ النجاساتِ على أمْرِ النبيِّ ﷺ أسماءَ بِنْتَ أبي بَكْرٍ في دَمِ الحيضة يُصِيبُ الثوْبَ أن تَحُتَّه، ثُمّ تَقْرُصَه بالماء وتُصَلِّيَ فيه، ولم يُوَقِّتْ في ذلك سبعًا (٣). (٩٣) واحْتَجَّ في جوازِ الوضوءِ بفَضْلِ ما سِوى الكلبِ والخنزيرِ بحديثِ رسولِ الله ﷺ أنّه سُئِل: أنَتَوَضّأ بما أفْضَلَتِ الحُمُرُ؟ قال: «نعَم، وبما أفْضَلَت السباعُ كلُّها»، وبحديثِ أبي قتادةَ في الهرَّة أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «إنّها ليستْ بنَجِسٍ»، وبقولِه ﵇: «إذا سَقَطَ الذُّبابُ في الطعام فامْقُلُوه» (٤)، فدَلَّ على أنَّه ليس في الأحياءِ نجاسةٌ إلا ما ذَكَرْتُ (٥) مِنْ الكلبِ والخنزيرِ. (٩٤) قال: وغَمْسُ الذُّبابِ في الماءِ ليس بقَتْلِه، والذُّبابُ لا يُؤكَل، فإنْ ماتَ أو خُنْفُساء أو نحوُهما في إناءٍ نَجَّسَه.

стр. 409

وقال في مَوْضعٍ آخَرَ: «إنْ وَقَعَ في الماءِ الذي يَنْجُسُ منها، نَجَّسَه إذا كان مما له نَفْسٌ سائلةٌ»، قال المزني: هذا أشْبَهُ بقولِ العلماءِ، وقولُه معهم أوْلى به مِنْ انفرادِه عنهم (١). (٩٥) قال الشافعي: وإنْ وَقَعَتْ فيه جرادَةٌ مَيِّتَةٌ أو حُوتٌ لم يُنَجِّسْه؛ لأنّهما مأكولان مَيِّتَيْن. (٩٦) قال: ولُعابُ الدوابِّ وعَرَقُها قِياسًا على بَنِي آدمَ. (٩٧) قال: وأيُّما إهابِ مَيْتَةٍ دُبِغَ بما تَدْبَغُ به العرَبُ أو نحوِه فقد طَهُرَ، وحَلّ بَيْعُه، وتُوُضِّئ فيه، إلا جِلْدَ كلبٍ أو خنزيرٍ؛ لأنَّهما نَجِسان حَيَّيْن. (٩٨) قال: ولا يَطْهُرُ بالدِّباغِ عَظْمٌ ولا صُوفٌ ولا شَعْرٌ؛ لأنّه قَبْل الدِّباغِ وبعدَه سواءٌ.

стр. 410

(١٣) باب الماء الذي ينجس والذي لا ينجس (٩٩) قال الشافعي: أخبرنا الثِّقةُ، عن الوليد بن كثير المخزومي، عن محمد بن عبّاد بن جعفر، عن عبدالله بن عبدالله بن عمر، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: «إذا كان الماءُ قُلَّتَيْنِ لم يَحْمِلْ نَجَسًا»، أو قال: «خَبَثًا» (١). (١٠٠) ورَوَى الشافعيُّ أنّ ابنَ جُرَيْجٍ روى عن النبي ﷺ بإسنادٍ لا يَحْضُر الشافعيَّ ذِكْرُه - أنّ رسولَ الله ﷺ قال: «إذا كان الماءُ قُلَّتَيْنِ لم يَحْمِلْ نَجَسًا»، وقال في الحديث: «بقِلالِ هَجَرٍ»، قال الشافعي: قال ابن جريج: «وقد رَأيْتُ قِلالَ هَجَرٍ، فالقُلَّةُ تَسَعُ قِرْبَتَيْن، أو قِرْبَتَيْن وشيئًا»، قال: فالاحْتياطُ أنْ تَكون القُلَّتان خَمْسَ قِرَبٍ، قال: وقِرَبُ الحجازِ كِبارٌ (٢). (١٠١) واحْتَجَّ بأنّه قيل: يا رسول الله، إنّك تَتَوضّأ مِنْ بِئرِ بُضاعَةَ، وهي تُطْرَحُ فيها المحايِضُ، ولحومُ الكلابِ، وما يُنْجِي الناسُ؟ (٣)، فقال:

стр. 411

«الماءُ لا يُنَجِّسُه شيءٌ»، قال: ومعنى «لا يُنَجِّسُه شيءٌ»: إذا كان كثيرًا لم يُغَيِّرْه النَجَسُ، ورُوِيَ هذا عَنْ النبيِّ ﷺ أنَّه قال: «خُلِقَ الماءُ طهورًا لا يُنَجِّسُه (١) إلا ما غَيَّرَ رِيحَه أو طَعْمَه». (١٠٢) وقال فيما رُوِيَ عن ابنِ عباسٍ؛ أنَّه نَزَحَ زَمْزَمَ مِنْ زِنْجِيٍّ مات فيها: إنّا لا نَعْرِفُه، وزَمْزَمُ عندنا. ورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ أنّه قال: «أربع لا يُجْنِبْنَ … » فذَكَرَ الماءَ منها (٢)، وهو لا يُخالِفُ النبيَّ ﷺ ، وقد يَكونُ الدَّمُ ظَهَرَ فيها فنَزَحَها - إنْ كان فَعَلَ -، أو تَنَظُّفًا (٣) لا واجبًا. (١٠٣) قال: وإذا كان الماءُ خمْسَ قِرَبٍ كِبارٍ مِنْ قِرَبِ الحجازِ، فوَقَعَ فيه دَمٌ أو أيُّ نجاسةٍ كانت، فلم تُغَيِّرْ طَعْمَه ولا لَوْنَه ولا رِيحَه .. لم يَنْجُسْ، وهو بحاله طاهرٌ؛ لأنّ فيه خمْسَ قِرَبٍ (٤). (١٠٤) قال: وهذا فَرْقُ ما بَيْن الكثيرِ (٥) لا يُنَجِّسُه إلا ما غَيَّرَه، وبَيْن القليلِ الذي يُنَجِّسُه ما لم يُغَيِّرْه. (١٠٥) فإنْ وَقَعَتْ مَيْتَةٌ في بِئرٍ، فغَيَّرَتْ طَعْمَها أو لَوْنَها أو رِيحَها .. أُخْرِجَت الميتةُ، ونُزِحَت البِئرُ حتّى يَذْهَبَ تَغَيُّرُها، فتَطْهُرُ بذلك. (١٠٦) قال: وإذا كان الماءُ أقَلَّ مِنْ خمْسِ قِرَبٍ، فخالَطَتْه نجاسةٌ ليْسَتْ بقائمةٍ .. نَجَّسَتْه، فإن صُبَّ عليه ماءٌ، أو صُبَّ على ماءٍ آخَرَ، حتّى

стр. 412

يكونَ الماءان معًا خمْسَ قِرَبٍ فصاعدًا (١) .. لم يُنَجِّسْ واحدٌ منهما صاحبَه، قال: فإن فُرِّقا بعد ذلك .. لم يَنْجُسا بعدما طَهُرا إلا بنجاسةٍ تَحْدُثُ فيهما. (١٠٧) وإنْ وَقَعَ في الماءِ القليلِ ما لا يَخْتَلِطُ به، مثْلُ: العَنْبَر، أو العودِ، أو الدُّهنِ الطَّيِّبِ .. فلا بأسَ به؛ لأنّه ليس مَخُوضًا به (٢). (١٠٨) وإذا كان معه في السّفَرِ إناءان، يَسْتَيْقِنُ أنّ أحدَهما قَدْ نَجَسَ، والآخَرُ لم يَنْجُسْ .. تأخَّى (٣)، وأراقَ النَّجِسَ على الأغْلبِ عنده، وتَوَضّأ بالطاهرِ؛ لأن الطهارةَ تَمَكَّن، والماءُ على أصلِه طاهرٌ (٤).

стр. 413

(١٤) باب المسح على الخفين (١٠٩) قال الشافعي: أخبرنا الثقفي (١)، عن المهاجر أبي مخلد، عن عبدالرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه: «أن رسول الله ﷺ أرْخَصَ للمسافر ثلاثةَ أيامٍ ولياليهن، وللمقيم يومًا وليلةً، إذا تَطَهَّر فلَبِس خفَّيْه أنْ يَمْسَح عليهما» (٢).

стр. 414

(١١٠) قال الشافعي: وإذا تَطَهَّر الرجلُ المقيمُ بغُسْلٍ أو وُضوءٍ، ثُمّ أدْخَل رِجْلَيه الخفَّيْن وهما طاهرتان، ثُمّ أحْدَث، فإنّه يَمْسَح عليهما مِنْ وَقْتِ ما أحْدَث يومًا وليلةً، وذلك إلى الوقتِ الذي أحْدَث فيه، وإنْ كان مُسافرًا مَسَحَ ثلاثةَ أيامٍ ولياليهن إلى الوقتِ الذي أحْدَث فيه، وإذا جاوز الوقتَ فقد انْقَطَع المسحُ، فإنْ تَوَضّأ ومَسَح وصلَّى بعد ذَهابِ وَقْتِ المَسْحِ أعاد غَسْلَ رِجْلَيْه والصلاةَ (١). (١١١) ولو مَسَح في الحضرِ ثُمّ سافر .. أتَمَّ مَسْحَ مُقيمٍ (٢). (١١٢) ولو مَسَح مسافرًا ثُمّ أقام .. مَسَحَ مَسْحَ مُقيمٍ (٣).

стр. 415

(١١٣) وإذا تَوَضَّأ فغَسَل إحْدَى رِجْلَيْه، ثم أدْخَلها الخفَّ، ثُمّ غَسَل الأخرَى، ثُمّ أدْخَلَها الخفَّ .. لم يُجْزِئه إذا أحْدَثَ أنْ يَمْسَح حتّى يَكونَ طاهرًا بكماله قبل لِباسِه أحَدَ خُفَّيْه، فإنْ نَزَع الخفَّ الأوَّلَ الملبوسَ قبل تَمامِ طُهْرِه ثُمَّ لَبِسَه، جاز له أنْ يَمْسَح؛ لأنّ لِباسَه مع الذي قَبْلَه بعد كمالِ الطهارةِ. قال المزني: كيفما صَحَّ لُبْسُ خُفَّيْه على طُهْرٍ، جاز له المسْحُ عندي (١). (١١٤) قال الشافعي: وإنْ تَخَرَّق مِنْ مُقَدَّمِ الخفِّ شَيْءٌ بانَ مِنه بَعْضُ الرِّجلِ وإن قَلَّ (٢) .. لم يُجْزِئه أنْ يَمْسَح على خُفٍّ غيرِ ساترٍ لجميعِ القدمِ، وإنْ كان خَرْقُه مِنْ (٣) فوق الكعبَيْن .. لم يَضُرَّه ذلك. [وقال في القديم: «يَمْسَح وإنْ كان فيه فَتْقٌ، أو خَرَجَتْ مِنْ موضع القدم؛ كما يَمْسَح إذا خرج من الساق»، قال المزني: الذي قبل هذا أشْبَهُ بقوله؛ لأنّه لو جاز أن يَمْسَح إذا أدْخَل كلَّ قدمَيْه في بعض ساق الخف لجاز مَسْحُ ساقِ خُفٍّ لا قَدَمَ فيه أن يَمْسَح على الساق، وهذا خلافُ سُنَّة رسول الله ﷺ (٤).

стр. 416

(١١٥) ولا يَمْسَحُ على جَوْرَبَيْن إلا أن يكون الجوربان (١) مُجَلَّدَي القدَمَيْن إلى الكعبَيْن؛ حتّى يَقُوما مَقامَ الخفَّيْن. (١١٦) وما لَبِسَ مِنْ خُفِّ خَشَبٍ أو ما قام مَقامَه .. أجْزَأه أن يَمْسَحَ عليه. (١١٧) ولا يَمْسَحُ على جُرْمُوقَيْن. وقال في القديم: «يَمْسَح عليهما»، قال المزني: قلت أنا (٢): ولا أعْلَمُ بين العلماءِ في ذلك خِلافًا، وقَوْلُه معهم أوْلى به مِنْ انفرادِه عنهم، وزَعَمَ أنّه إنَما أرِيدَ بالمسحِ على الخفَّيْن المِرْفَقُ، فكذلك الجُرْموقان مِرْفَقٌ (٣)، وهو بالخفِّ شَبِيهٌ (٤). (١١٨) قال الشافعي: وإنْ نَزَعَ خُفَّيْه بعد مَسْحِهما غَسَلَ قَدَمَيْه. وفي القديم وكتاب ابن أبي ليلى: «يَتَوَضّأ»، قال المزني: قلت أنا (٥):

стр. 417

الذي قَبْل هذا أوْلى؛ لأنّ غُسْلَ الأعضاءِ لا يَنْتَقِضُ في السُّنَّة إلا بالحدثِ، وإنّما انْتَقَضَ طُهْرُ القَدَمَيْن؛ لأنّ المسْحَ عليهما كان لعَدَمِ ظُهُورِهما؛ كمَسْحِ التّيَمُّمِ لعَدَمِ الماءِ، فلما كان وجودُ المعدومِ مِنْ الماءِ بَعْدَ المسحِ يُبْطِل المسْحَ ويُوجِبُ الغَسْلَ .. كان كذلك ظُهورُ القدمَيْن بَعْدَ المسحِ يُبْطِل المسْحَ ويوجِبُ الغَسْلَ، وسائرُ الأعضاءِ سِوَى القدمَيْن مَغْسُولَةٌ، فلا غُسْلَ عليها ثانِيَةً إلا بحَدَثٍ ثانٍ (١).

стр. 418

(١٥) باب كيف المسح على الخفين (١١٩) قال الشافعي: أخبرنا ابنُ أبي يحيى (١)، عن ثَوْرِ بن يزيدَ، عن رَجاءِ بنِ حَيْوَةَ، عن كاتبِ المغيرةِ، عن المغيرةِ بنِ شُعبةَ: «أنّ النبيّ ﷺ مَسَحَ أعلى الخفِّ وأسفلَه». (١٢٠) واحتج بابن عمر أنّه كان يَمْسَحُ أعلى الخفِّ وأسفلَه. (١٢١) قال الشافعي: وأحِبُّ أنْ يَغْمِسَ يدَيْه في الماءِ، ثُمّ يَضَعَ كفَّه اليُسْرَى تحْتَ عَقِبِ الخفِّ، وكفَّهُ اليُمْنَى على أطرافِ أصابِعِه، ثُمّ يُمِرَّ اليُمْنَى إلى ساقِه، واليُسْرَى إلى أطرافِ أصابِعِه. (١٢٢) فإنْ (٢) مَسَحَ على باطنِ الخفِّ وتَرَكَ الظاهرَ .. أعاد، وإنْ مَسَح على الظاهرِ وترك الباطنِ (٣) .. أجزأه (٤).

стр. 419

(١٢٣) وكيفما أتَى بالمسْحِ على ظَهْرِ القَدَمِ بكلِّ اليدِ أو ببعْضِها أجزأه.

стр. 420

(١٦) باب الغسل للجمعة والأعياد (١) (١٢٤) قال الشافعي: والاختيارُ في السُّنَّةِ لكلِّ مَنْ أرادَ صلاةَ الجمعةِ: الاغتسالُ لها؛ لأنّ رسولَ الله ﷺ قال: «الغُسْلُ (٢) واجبٌ على كلِّ محْتَلِمٍ» (٣)، يُرِيدُ: وُجوبَ الاختيارِ؛ لأنَّه رُوِيَ أنّه قال ﵇: «مَنْ تَوَضّأ فَبِها ونِعْمَتْ (٤)، ومَن اغْتَسَل فالغُسْلُ أفضلُ» (٥)، وقال عمرُ لعثمانَ حين راح (٦): «والوضوءَ أيضًا! (٧)، وقد عَلِمْتَ أنّ رسولَ الله ﷺ كان يأمر بالغُسل»، قال: ولَوْ عَلِما وُجوبَه لرَجَعَ عثمانُ، وما تَرَكَه عمرُ.

стр. 421

(١٢٥) قال: ويُجْزِئه غُسْلُه لها إذا كانَ بَعْدَ الفجرِ. (١٢٦) قال: وإنْ كانَ جُنُبًا فاغْتَسَل لهما جميعًا .. أجزأه. (١٢٧) قال: وأحِبُّ الغُسْلَ مِنْ غَسْلِ الميِّتِ. (١٢٨) قال: وكذلك الغُسْلُ للأعيادِ سُنَّةُ اختيارٍ. (١٢٩) فإنْ تَرَكَ الغُسْلَ للجمعةِ والعيدِ (١) .. أجزأتْه الصلاةُ. (١٣٠) وإن نَوَى بالغُسْلِ الجمعةَ والعيدَ .. لم يُجْزِئه مِنْ الجنابَةِ حتّى يَنْوِيَ الجنابَةَ (٢). (١٣١) قال الشافعي: وأوْلى الغُسْلِ أنْ يَجِبَ عندي بَعْد غُسْلِ الجنابةِ: الغُسْلُ مِنْ غَسْلِ الميِّتِ، والوُضوءُ مِنْ مَسِّه مُفْضِيًا إليه، ولو ثَبَتَ الحديثُ بذلك عن النبي ﷺ قُلْتُ به، ثُمَّ غُسْلُ الجمعةِ، ولا نُرَخِّصُ في تَرْكِه، ولا نُوجِبُه إيجابًا لا يُجْزِئ غيرُه. قال المزني: قلت أنا (٣): إذا لم يَثْبُتْ فقَدْ ثَبَتَ تأكيدُ غُسْلِ الجمعةِ، فهو أوْلَى (٤)، وأجمعوا أنّ من مَسَّ خنزيرًا أو مَيْتَةً أنّه لا غُسْلَ عليه

стр. 422

ولا وُضوءَ إلا غَسْلُ ما أصابه، فكيف يَجِبُ ذلك عليه في أخيه المؤمن! (١).

стр. 423

(١٧) باب حيض المرأة وطُهْرِها واستحاضتها (١) (١٣٢) قال الشافعي: قال الله : ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾، قال الشافعي: مِنْ المحيضِ (٢)، ﴿فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله﴾ [البقرة: ٢٢٢]، قال الشافعي: تَطَهَّرْن بالماءِ. (١٣٣) قال: وإذا اتَّصَل بالمرأةِ الدمُ نَظَرَتْ، فإنْ كانَ دَمُها ثَخينًا، مُحْتَدِمًا (٣)، يَضْرِبُ إلى السّوادِ، له رائحةٌ .. فتلك الحيْضَةُ نَفْسُها، فلْتَدَعِ الصلاةَ، فإذا ذَهَبَ ذلك الدمُ وجاءها الدمُ الأحمرُ الرقيقُ المشْرِقُ (٤) .. فهو عِرْقٌ، وليستْ بالحيْضَةِ، وهو الطُّهْرُ، وعليها أنْ تَغْتَسِل كما وصَفْتُ (٥) وتُصَلّيَ، ويأتِيها زوجُها، ولا يَجُوزُ لها أن تَسْتَظْهِرَ بثلاثةِ أيامٍ (٦)؛ لأنّ

стр. 424

رسولَ الله ﷺ قال: «فإذا ذَهَب قَدْرُها - يريد: الحيضة - فاغْسِلِي الدمَ عنك وصَلِّي»، ولا يقولُ لها النبيُّ ﷺ : «إذا ذَهَب قَدْرُها» إلا وهي به عارفةٌ. (١٣٤) قال: وإنْ لم يَنْفَصِلْ دَمُها بما وَصَفْتُ لك فتَعْرِفه وكانَ مُشْتَبِهًا .. نَظَرَتْ إلى ما كان عليه حَيْضَتُها فيما مَضَى مِنْ دَهْرِها، فتَرَكَت الصلاةَ للوقتِ الذي كانتْ تَحِيضُ فيه (١)؛ لقول النبي ﷺ : «لتَنْظُر عِدَّةَ الليالي والأيامِ التي كانتْ تَحِيضُهُنّ مِنْ الشهرِ قبل أن يُصِيبَها الذي أصابها، فلْتَدَع الصلاةَ، فإذا خَلَّفَتْ ذلك فلْتَغْتَسِلْ، ثُمّ لتَسْتَثْفِرْ بثَوْبٍ (٢)، ثُمّ تُصَلّي». (١٣٥) قال: والصُّفْرَةُ والكُدْرَةُ في أيامِ الحيْضِ حَيْضٌ، فإذا ذَهَبَ ذلك اغْتَسَلَتْ وصَلَّتْ. (١٣٦) فإنْ كان الدمُ مُبْتَدِئًا لا مَعْرِفَةَ لها به .. أمْسَكَتْ عن الصلاةِ، فإذا جاوَزَتْ خمسةَ عشرَ يومًا .. اسْتَيْقَنَتْ أنّها مُسْتَحاضةٌ، وأشْكَلَ وقتُ الحيضِ عليها مِنْ الاستحاضةِ، فلا يَجُوز لها أنْ تَتْرُك الصلاةَ إلا لأقلِّ ما

стр. 425

تَحِيضُ له النساءُ، وذلك يومٌ وليلةٌ، فعليها أنْ تَغْتَسِلَ وتَقْضِيَ صلاةَ أربعةَ عشرَ يومًا (١). (١٣٧) قال الشافعي: وأكثرُ الحيْضِ خمسةَ عشرَ يومًا، وأقَلُّه يومٌ وليلةٌ (٢). (١٣٨) وأكثرُ النفاسِ ستون يومًا (٣). (١٣٩) قال الشافعي: والذي يُبْتَلَى بالمذْيِ فلا يَنْقَطِعُ .. مِثْلُ المستحاضةِ، يَتَوَضّأ لكلِّ صلاةِ فريضةٍ بعد غَسْلِ فَرْجِه وتَعْصِيبِه.

стр. 426

[٢] كتاب الصلاة (١)

стр. 427

(١٨) باب جامع وقت الصلاة والأذان (١)
следующие страницы →