سَجَدَ معه، فإنْ لم يَسْجُدْ إمامُه .. سَجَد مَنْ خَلْفَه، فإنْ كان قد سَبَقَه إمامُه ببعضِ صلاتِه .. سَجَدَهما بعد القضاءِ اتِّباعًا لإمامِه، لا لما تَبَقَّى مِنْ صلاتِه.
قال المزني: القياسُ على أصْلِه: أنّي إنّما أسْجُدُ معه ما ليس مِنْ فَرْضِي فيما أدْرَكْتُ معه اتِّباعًا لفِعْلِه، فإذا لم يَفْعَلْ .. سَقَطَ عنِّي اتِّباعُه، وكلٌّ مُصلٍّ لنَفْسِه (١).
(٢٣١) قال المزني: وسَمِعْتُ الشافعيَّ يَقولُ: إذا كانتْ سَجْدَتا السَّهْوِ بعد السلامِ .. تَشَهَّدَ لهما، وإنْ كانتا قبْل السلامِ (٢) .. أجْزَأه التَّشهُّد الأوَّلُ (٣).
(٢٣٢) قال الشافعي: وإنْ تَكَلَّم عامدًا .. بَطَلَتْ صلاتُه، وإنْ تَكَلَّم ساهيًا .. بَنَى وسَجَدَ للسَّهْوِ؛ لأنّ أبا هريرة رَوَى عن النبيّ ﷺ أنّه تَكَلَّم بالمدينةِ ساهيًا فبَنَى، فكان ذلك دليلًا على ما رَوَى ابنُ مسعودٍ مِنْ نَهْيِه عن الكلامِ في الصلاةِ بمكَّةَ لمّا قَدِم مِنْ أرْضِ الحَبَشَةِ - وذلك قبْل الهجْرَةِ - أنَّ ذلك على العَمْدِ.
(٢٣٣) قال المزني: ورُوِيَ عن النبيّ ﷺ أنّه رَأى نُغاشًا (٤) فسَجَدَ شُكْرًا لله، وسَجَدَ أبو بكرٍ حين بَلَغَه فتْحُ اليمامَةِ شُكْرًا، -[قال المزني:
стр. 459
«النُّغاشُ»: النّاقِصُ الخَلْق (١) - قال الشافعي: فأحِبُّ (٢) سجودَ الشُّكْرِ.
(٢٣٤) ويَسْجُد الرّاكبُ إيماءً، والماشِي على الأرضِ، ويَرْفَع يدَيْه حَذْوَ منكبَيْه إذا كَبَّرَ، ولا يَسْجُدُ إلا طاهرًا.
стр. 460
(٢٣)
باب أقلُّ ما يُجْزِئ مِنْ عمل الصلاة
(٢٣٥) قال الشافعي: وأقَلّ ما يُجْزِئ مِنْ عَمَل الصلاةِ أنْ يُحْرِمَ، ويَقْرَأ بأمِّ القرآنِ يَبْتَدئها بـ «بسم الله الرحمن الرحيم» إنْ أحْسَنَها، ويَرْكَعُ حتَّى يَطْمَئِنّ راكعًا، ويَرْفَعُ حتّى يَعْتَدِل قائمًا، ويَسْجُد حتّى يَطْمَئِنّ ساجدًا على الجبْهَة، ثُمّ يَرْفَع حتّى يَعْتَدِل جالسًا، ثُمّ يَسْجُد الأخْرَى كما وَصَفْتُ، ثُمّ يَقُوم حتّى يَفْعَل ذلك في كلِّ رَكْعَةٍ، ويَجْلِسُ في الرابعةِ ويَتَشَهَّد ويُصَلِّي على النبي ﷺ ، ويُسلِّمُ تَسْلِيمَةً، يقول: «السلام عليكم»، فإذا فَعَل ذلك أجْزَأتْه، وضَيَّعَ حَظَّ نَفْسِه فيما تَرَك.
(٢٣٦) وإنْ كان لا يُحْسِنُ أمَّ القرآنِ .. فيَحْمَد اللهَ ويكبِّرُه مكانَ القراءةِ (١)، لا يُجْزِئه غيرُه، وإن كان يُحْسِنُ غيرَ أمِّ القرآنِ .. قَرَأ بقَدْرِها سَبْعَ آياتٍ، لا يُجْزِئه دون ذلك.
(٢٣٧) قال: فإنْ تَرَكَ مِنْ أمِّ القرآنِ حرفًا وهو في الرَّكْعَةِ .. رَجَعَ إليها فأتمَّها، وإنْ لم يَذْكُرْ حتّى خَرَجَ مِنْ الصلاةِ وتَطاول ذلك .. أعاد.
стр. 461
(٢٤)
باب طول القراءة وقصرها
(٢٣٨) قال الشافعي: وأحِبُّ أنْ يَقْرَأ في الصبحِ مع أمِّ القرآنِ بطِوالِ المفَصَّل، وفي الظُّهْر شبيهًا بقراءة الصُّبْح (١)، وفي العَصْرِ بنَحْوٍ مما (٢) يَقْرَأ في العشاء، وأحِبُّ أنْ يَقْرَأ في العشاءِ بـ «سورة الجمعة» و ﴿إذا جاءك المنافقون﴾ [المنافقون: ١] وما أشبهها في الطُّولِ، وفي المغْرِبِ بـ «العاديات» وما أشبهها.
стр. 462
(٢٥)
باب الصلاة بالنجاسة ومواضع الصلاة من مسجد وغيره
(٢٣٩) قال الشافعي: وإذا صلَّى الجنُبُ بقَوْمٍ .. أعاد ولم يُعِيدُوا، واحْتَجَّ في ذلك بعمرَ بنِ الخطاب والقياسِ.
قال المزني: يَقولُ: كما لا يُجْزِئ عَنِّي فِعْلُ إمامي فكذلك لا يُفْسِد عليَّ فَسادُ إمامي، ولو كان مَعْنايَ في إفسادِه مَعْناه لما جاز أنْ يُحْدِثَ فيَنْصَرِفَ وأبْنِيَ ولا أنْصَرِفَ، وقد بَطَلَتْ إمامتُه واتِّباعِي له، ولم تَبْطُل صلاتِي ولا طهارتِي بانْتِقاضِ طُهْرِه.
(٢٤٠) قال الشافعي: ولو صَلّى رَجُلٌ وفي ثَوْبِه نَجاسَةٌ مِنْ دمٍ أو قَيْحٍ، وكان قليلًا مِثْلَ دمِ البَراغِيثِ وما يتعافاه الناسُ (١) .. لم يُعِدْ، وإنْ كان كثيرًا، أو قليلَ بَوْلٍ أو عَذِرَةٍ أو خمْرٍ (٢) أو ما كان في معنى ذلك .. أعاد؛ في الوقت وغيرِ الوقت (٣).
قال المزني: ولا يَعْدُو مَنْ صلّى بنجاسَةٍ مِنْ أنْ يَكونَ مُؤَدِّيًا فرْضَه
стр. 463
أو غيْرَ مُؤَدٍّ، وليس ذَهابُ الوقتِ بمُزِيلٍ عنه فرْضًا لم يُؤَدِّه، ولا إمْكانُ الوقتِ بمُوجِبٍ عليه إعادَةَ فَرْضٍ قد أدّاه (١).
(٢٤١) قال الشافعي: وإنْ كان معه ثَوْبان، أحدُهما طاهرٌ، والآخَرُ نَجِسٌ، لا يَعْرِفُه .. فإنه يَتَحَرَّى أحدَ الثَّوْبَيْن، فيُصَلّي فيه، ويُجْزِئه، وكذلك إناءان مِنْ ماءٍ، أحدُهما نَجِسٌ، والآخر طاهرٌ .. فإنه يَتَوَضّأ بأحدهما على التَّحَرِّي، ويُجْزِئه (٢).
(٢٤٢) وإن خَفِي موضعُ النجاسة مِنْ الثوبِ .. غَسَلَه كُلَّه، لا يُجْزِئه غيرُه.
(٢٤٣) وإنْ أصاب ثوبَ المرأةِ مِنْ دَمِ حيضِها .. قَرَصَتْه بالماء حتى تُنَقِّيَه، ثم تُصَلِّي فيه.
(٢٤٤) ويَجُوز أن يُصَلَّى في ثوب الحائضِ، والثوبِ الذي يُجامِع فيه الرجلُ (٣) أهلَه.
стр. 464
(٢٤٥) قال: وإنْ صَلّى في ثوبِ نَصْرانيٍّ .. أجزأه ما لم يَعْلَم أنَّ فيه قَذَرًا، وغيرُه أحبُّ إليَّ.
(٢٤٦) قال: وأصْلُ الأبوالِ وما خَرَج مِنْ مَخْرَجِ حَيٍّ مما يُؤكَلُ لحْمُه أو لا يُؤكَلُ، فكُلُّ ذلك نَجِسٌ، إلا ما دَلَّت عليه السنَّةُ مِنْ الرَّشِّ على بَوْلِ الصَّبِيّ ما لم يَأكُل الطعامَ، ولا يَبِينُ لي فيه فَرْقٌ بَيْنَه وبَيْن بول الصبية، ولو غُسِل كان أحبَّ إليَّ.
(٢٤٧) قال الشافعي: ويَفْرُك المنِيَّ (١)، فإنْ صَلّى به ولم يَفْرُكْ فلا بأسَ؛ لأن عائشةَ قالت: «كنتُ أفْرُكُ المنيَّ مِنْ ثوبِ رسولِ اللهِ ﷺ ثُمّ يُصَلّي فيه»، ورُوِي عن ابن عباس أنه قال (٢): «أمِطْهُ عنك بإذْخِرَةٍ؛ فإنما هو كبُصاقٍ أو مُخاط».
(٢٤٨) ويُصَلِّي على جِلْد ما يُؤكَل لحمُه إذا ذُكِّيَ، وفي صُوفِه وشَعْرِه ورِيشِه إذا أخِذَ مِنه وهو حَيٌّ.
(٢٤٩) ولا يَصِلُ ما انْكَسَر مِنْ عَظْمِه إلا بعَظْمِ ما يُؤكَل لحمُه ذَكِيًّا، فإن رَقَعَه بعَظْمِ مَيْتَةٍ أجْبَرَه السلطانُ على قَلْعِه (٣)، فإن مات صار مَيْتًا كُلُّه، واللهُ حَسِيبُه.
(٢٥٠) ولا تَصِلُ المرأةُ شَعْرَها بشَعْرِ إنسانٍ، ولا شعرِ ما لا يُؤكَلُ لحمُه بحالٍ.
стр. 465
(٢٥١) وإن بالَ رجلٌ في مَسْجدٍ أو أرضٍ .. طُهِّرَ بأن يُصَبَّ عليه ذَنُوبٌ مِنْ ماءٍ؛ لقول النبيِّ ﷺ في بولِ الأعرابيِّ حين بال في المسجد: «صُبُّوا عليه ذَنُوبًا مِنْ ماءٍ»، قال الشافعيُّ: وهو الدَّلْوُ العظيمُ (١)، وإنْ بالَ اثنان .. لم يُطَهِّرْه إلا دَلْوان (٢).
(٢٥٢) والخمرُ في الأرضِ كالبولِ وإن لم يَذْهَبْ ريحُه.
(٢٥٣) وإنْ صَلَّى فوق قَبْرٍ أو إلى جَنْبِه لم (٣) يُنْبَش .. أجزأه.
(٢٥٤) وما خالطَ التُّرابَ مِنْ نَجِسٍ لا تُنَشِّفُه الأرضُ، إنما يَتَفَرَّقُ فيه .. فلا يَطْهُر بالماء (٤).
(٢٥٥) وإنْ ضُرِب لَبِنٌ فيه بَوْلٌ .. لم يَطْهُرْ إلّا بما يَطْهُرُ به الأرضُ مِنْ البولِ، والنّارُ لا يُطَهِّرُ شيئًا.
(٢٥٦) والبِساطُ كالأرضِ، إنْ صَلّى في موضعٍ مِنه طاهرٍ والباقي نَجِسٌ ولم يَسْقُط عليه ثيابُه .. أجزأه.
(٢٥٧) ولا بأسَ أن يَمُرَّ الجُنُبُ في المسجد مارًّا، ولا يُقِيمُ فيه، وتَأوَّلَ قولَ الله : ﴿ولا جنبا إلا عابري سبيل﴾ [النساء: ٤٣]، قال: وذلك عِندي موضعُ الصلاةِ.
(٢٥٨) قال: وأكْرَهُ مَمَرَّ الحائضِ فيه.
стр. 466
(٢٥٩) قال: ولا بأسَ أن يَبِيتَ المشركُ في كلِّ (١) مسجدٍ، إلا المسجدَ الحرامَ (٢)؛ لقول الله تعالى: ﴿فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ [التوبة: ٢٨].
قال المزني: فإذا بات فيه المشركُ .. فالمسلمُ الجنبُ أوْلَى أن يَجْلِسَ فيه ويَبِيتَ (٣)، وأحِبُّ إعظامَ المسجدِ عَنْ أن يَبِيتَ فيه مُشرِكٌ أو يَقْعُدَ فيه.
(٢٦٠) قال الشافعي: والنهيُ عن الصلاةِ في أعْطانِ الإبلِ اختيار؛ لقوله ﵇: «فإنها (٤) جِنٌّ، مِنْ جنٍّ خُلِقَتْ» (٥)، وكما قال حين ناموا عن الصلاةِ: «اخْرُجُوا مِنْ هذا الوادي؛ فإنَّ به شيطانًا»، فكَرِهَ قُرْبَه، لا لنجاسةِ إبلٍ ولا موضعٍ فيه شيطانٌ، وقد مَرَّ بالنبيّ ﷺ شيطانٌ فخَنَقَه، ولم يُفْسِد صلاتَه.
(٢٦١) قال الشافعي: و «مُراح الغنم» الذي تَجُوز فيه الصلاةُ: الذي لا بولَ فيه ولا بَعْرَ، و «العَطَنُ»: موضعٌ قُرْبَ البِئر الذي تُنَحَّى إليه الإبلُ ليَرِدَ غيرُها الماءَ، لا المُراحُ الذي تَبِيتُ فيه (٦).
стр. 467
(٢٦)
باب الساعات التي يُكرَه فيها صلاة التطوع
ويجوز فيها الفريضة والقضاء والجنازة (١)(٢٦٢) قال الشافعي: أخبرنا مالك، عن محمد بن يحيى بن حَبّان، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «لا صلاةَ بعد العصرِ حتى تَغْرُبَ الشمسُ، ولا صلاةَ بعد الصبحِ حتى تَطْلُعَ الشمسُ».
(٢٦٣) وعن أبي ذر عن رسول الله ﷺ مثل ذلك، وقال ﵇: «إلا بمكةَ، إلا بمكةَ، إلا بمكةَ».
(٢٦٤) وعن الصُّنابِحِيِّ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إنَّ الشمسَ تَطْلُعُ ومعها قَرْنُ الشيطان، فإذا ارْتَفَعَتْ فارَقَها، فإذا اسْتَوَت قارَنَها، فإذا زالت فارَقَها، ثمَّ إذا دَنَتْ للغروب قارَنَها، فإذا غَرَبَتْ فارَقَها»، ونَهَى رسولُ الله ﷺ عن الصلاة في تلك الساعات (٢).
стр. 468
(٢٦٥) وعن أبي سعيد الخُدْري: «إنَّ رسولَ الله ﷺ نَهَى عن الصلاةِ نِصفَ النهارِ حتى تَزُولَ الشمسُ، إلّا يومَ الجمعة».
(٢٦٦) وعن جبير بن مطعم، أن رسول الله ﷺ قال: «يا بَنِي عبد مناف، مَنْ وَلِيَ مِنكم مِنْ أمْرِ الناسِ شيئًا فلا يَمْنَعَنّ أحدًا طاف بهذا البيت وصَلَّى (١)، أيَّةَ ساعةٍ شاءَ، مِنْ ليلٍ أو نهارٍ».
(٢٦٧) قال الشافعي: فبهذا أقولُ، فالنهيُ عن الصلاة في هذه الأوقاتِ .. عن التَّطوُّع، إلّا يومَ الجمعة للتَّهْجِير حتَّى يَخْرُجَ الإمامُ، فأمّا صلاةُ فرضٍ، أو جنازةٍ، أو مأمورٍ بها مُؤكَّدَةٍ وإن لم تَكُنْ فرضًا، أو كان يُصَلِّيها فأغْفَلَها .. فتُصَلَّى في هذه الأوقاتِ، بالدَّلالة عن رسول الله ﷺ في قوله: «مَنْ نَسِي صلاةً أو نام عنها .. فليصلِّها إذا ذَكَرَها»، وبأنَّه ﷺ رأى قيسًا يُصَلِّي بعد الصبح، فقال: «ما هاتان الرَّكْعَتان؟»، فقال: رَكْعَتا الفجر، فلم يُنْكِرْه، وبأنَّه ﷺ صَلَّى رَكْعَتَيْن بعد العصر، فسألَتْه عنهما أمُّ سَلمَةَ، فقال: «هما رَكْعَتان كُنْتُ أصلِّيهما، فشَغَلَني الوفدُ عنهما»، وثَبَتَ عنه أنَّه قال: «أحَبُّ الأعمالِ إلى الله أدْوَمُها وإنْ قَلَّ»، فأحِبُّ فضلَ الدوام، وصلَّى الناسُ على جنائزِهم بعد العصر وبعد الصبح، فلا يَجُوز أن يكُونَ نهيُه عن الصلاة في الساعات التي نَهَى عنها فيها إلا على ما وَصَفْتُ، والنهيُ فيما سِوى ذلك ثابتٌ إلا بمكةَ، وليس مِنْ هذه الأحاديثِ شيءٌ مخْتَلِفٌ.
стр. 469
قال المزني: قلت أنا (١): هذا خلافُ قولِه فيمَن نَسِيَ رَكْعَتَي الفجرِ حتى صَلَّى الظهرَ، والوترَ حتَّى صَلَّى الصبحَ .. أنَّه لا يُعِيدُ، والذي قَبْل هذا أوْلَى بقولِه وأشْبَهُ بأصْلِه عندي (٢).
(٢٦٨) قال الشافعي: ومَن ذَكَر صلاةً وهو في أخْرَى .. أتمَّها، ثُمّ قَضَى، وإنْ ذَكَر صلواتٍ .. بَدَأ بها، فإنْ خَاف فَوْتَ وقتِ التي حَضَرَتْ .. بدأ بها، ثُمّ قَضَى.
(٢٦٩) قال المزني: قلت أنا (٣): قال أصحابُنا: «يقولُ الشافعيُّ (٤): التطوعُ وجهان: أحدهما: صلاةُ جماعةٍ مؤكَّدَةٌ، لا (٥) أجيزُ تَرْكَها لمن قَدَر عليها، وهي صلاةُ العيدَيْن وخسوفِ الشمسِ والقمرِ والاستسقاءِ، وصلاةُ مُنْفَرِدٍ، وبعضُها أوْكَدُ مِنْ بعضٍ، فأوْكَد ذلك الوترُ، ويُشْبِه أن يكون صلاةَ التهجدِ، ثُمّ ركعتا الفجر، [ولا أرَخِّصُ لمسلمٍ في تَرْكِ واحدةٍ منهما وإن لم أوجِبْهُما (٦)، ومَن تَرَك واحدةً منهما أسْوَأُ حالًا ممن تَرَك جميعَ النوافلِ».
[وقالوا: «إنْ فاته الوترُ حتَّى يُصَلِّيَ الصبحَ .. لم يَقْضِ، وإن فاتَتْه ركعتا الفجرِ حتَّى تُقَامَ الظهرُ .. لم يَقْضِ».
وقالوا: «فأما صلاةُ فريضةٍ، أو جنازةٍ، أو مأمورٍ بها مؤكَّدَةٍ وإن لم تَكُنْ فرضًا، أو كان يُصَلِّيها فأغْفَلَها .. فتُصَلَّى في الأوقاتِ التي نَهَى رسولُ الله ﷺ عنها بالدلالة عن رسول الله ﷺ في قوله: «مَنْ نَسِيَ صلاةً
стр. 470
أو نام عنها .. فليُصَلِّها إذا ذَكَرَها»، وبأنَّه ﵇ رأى قَيْسًا يُصَلِّي بعد الصُّبْحِ، فقال: «ما هاتان الرَّكْعَتان؟»، فقال: ركعتا الفجر. فلَمْ يُنْكِرْه، وبأنَّه صَلَّى ركعتين بعد العصر، فسَألَتْه عنهما أمُّ سَلمَةَ، فقال: «هما ركعتان كنت أصلِّيهما، فشَغَلَني عنهما الوفدُ»، وثَبَت عنه ﷺ أنه قال: «أحَبُّ الأعمالِ إلى الله أدْوَمُها وإن قَلَّ»، وأحِبُّ فضْلَ الدَّوامِ»] (١).
قال المزني: يُقالُ لهم: فإذا سَوَّيْتُم في القضاءِ بَيْن التطوعِ الذي ليس بأوْكَدَ، وبَيْن الفرضِ لدَوامِ التطوعِ الذي ليس بأوْكَدَ .. فلِمَ أبَيْتُم قضاءَ الوترِ الذي هو أوْكَدُ، ثُمَّ ركْعَتَي الفجر اللَّتين تَلِيَان في التأكيد اللَّتَيْن هما أوْكَدُ، فتَقْضُون الذي ليسَ بأوْكَدَ، ولا تَقْضُون الذي هو أوْكَدُ! وهذا مِنْ القولِ غيْرُ (٢) مُشْكِلٍ، وبالله التوفيق، ومِن احتِجاجِكم قولُ رسولِ الله ﷺ في قضاءِ التطوعِ: «مَنْ نَسِيَ صلاةً أو نام عنها .. فلْيُصَلِّها إذا ذَكَرَها»، فقد خالَفْتُم ما احْتَجَجْتُم به في هذا المعنى، فإنْ قالوا: فيَكون القضاءُ على القربِ، لا على البعدِ .. قيل لهم: لو كان كذلك لكان يَنْبَغي على معنى ما قُلْتُم أن لا تُقْضى ركعتا الفجر نصفَ النهار؛ لبُعْدِ قضائهما مِنْ طلوعِ الفجر، وأنتم تقولون: تُقْضَى ما لم يُصَلَّ الظهرُ، وهذا مُتَباعِدٌ، وكان يَنْبَغِي أن تقولوا: إنْ صَلَّى الصبحَ عند الفجر أنّ له أن يَقْضِي الوترَ؛ لأن وَقْتَها إلى الفجر أقربُ؛ لقول رسول الله ﷺ : «صلاةُ الليلِ مَثْنَى مَثْنَى، فإذا خَشِيَ أحدُكم الصبحَ فلْيُوتِر»، وهذا قريبٌ مِنْ الوقتِ، وأنتم لا تقولونه، وفي ذلك إبطالُ ما اعْتَلَلْتُم به، والله المستعان.
стр. 471
(٢٧)
باب صلاة التطوع وقيام شهر رمضان
(٢٧٠) قال الشافعي: الفرضُ خَمسٌ في اليوم والليلة؛ لقول النبي ﷺ للأعرابي حين قال: هل عليَّ غيرُها؟ قال: «لا إلّا أنْ تَطَوَّعَ».
(٢٧١) قال الشافعي: والتطوُّعُ وجهان: أحدُهما - صلاةُ جماعةٍ مُؤَكَّدَةٌ، لا (١) أُجيزُ تَرْكَها لمن قَدَر عليها، وهي: صلاةُ العيدين، وخسوفِ الشمسِ والقمرِ، والاستسقاءِ، وصلاةُ مُنْفَرِدٍ، وبعضُها أوْكَدُ مِنْ بعضٍ، فأوْكَدُ ذلك الوترُ، ويُشْبِه أن يكونَ صلاةَ التهَجُّدِ، ثُمّ ركعتا الفجر، ولا أرَخِّصُ لمسلمٍ في تَرْكِ واحدةٍ منهما، ولا أُوجِبُهما، ومَن تَرَك واحدةً منهما كان (٢) أسْوَأَ حالًا ممن تَرَك جميعَ النوافل (٣).
стр. 472
(٢٧٢) قال: وإن فاته الوترُ حتّى يُصَلِّيَ الصبحَ .. لم يَقْضِ، قال ابن مسعود: «الوترُ فيما بين العشاء والفجر»، وإن فاتت ركعتا الفجر حتى تُقامَ الظهرُ .. لم يَقْضِ؛ لأن أبا هريرة قال: «إذا أقيمت الصلاةُ فلا صلاةَ إلا المكتوبةَ» (١).
(٢٧٣) ورُوِيَ عن ابن عمرَ أن رسولَ الله ﷺ قال: «صلاةُ الليلِ والنهارِ (٢) مَثْنَى مَثْنَى»، وفي ذلك دلالتان؛ إحداهما: أن النَّوافلَ مَثْنَى مَثْنَى بسَلامٍ، مقطوعةً، والمكتوبةُ موصولةٌ، والأخرى: أنَّ الوترَ واحدةٌ، فيُصَلِّي النافلةَ مَثْنَى مَثْنَى، قاعِدًا أو قائمًا إذا كان مُقِيمًا، وإنْ كان مسافرًا فحيثُ تَوَجَّهت به دابّتُه (٣)، كان رسولُ الله ﷺ يُصَلِّي الوترَ على راحلته أين توَجَّهَتْ به.
стр. 473
(٢٧٤) قال: فأما قيامُ شهرِ رمضان .. فصلاةُ المنفردِ أحَبُّ إليَّ منه (١).
(٢٧٥) ورأيتُهم بالمدينة يقومون بتسعٍ وثلاثين، وأَحَبُّ إليَّ عشرون؛ لأنه رُوِيَ عن عمرَ، وكذلك يقومون بمكةَ، ويوترون بثلاثٍ.
(٢٧٦) قال: ولا يقْنُتُ إلا في رمضانَ، في النصفِ الآخرِ (٢)، وكذلك كان يَفْعَل ابنُ عمرَ ومعاذٌ القارئ.
(٢٧٧) قال: وآخِرُ الليلِ أحَبُّ إليَّ مِنْ أوَّلِه، فإن جَزَّأ الليلَ أثْلاثًا .. فالأوْسَطُ أحَبُّ إليَّ أن يَقُومَه.
(٢٧٨) قال المزني: قلت أنا (٣): في «كتاب اختلافه ومالك» (٧/ ١٨٩) قلتُ للشافعي: أيَجُوزُ أن يُوتِرَ بواحدةٍ ليس قبلها شيءٌ؟ قال: نعم، والذي أخْتارُ ما فَعَل رسولُ الله ﷺ ، كان يُصَلِّي إحْدَى عشْرةَ ركعةً، يُوتِرُ منها
стр. 474
بواحدةٍ، والحجةُ في الوترِ واحدةً السنةُ والآثارُ، رُوِي (١) عن رسولِ الله ﷺ أنه قال: «صلاةُ الليل مَثْنَى مَثْنَى، فإذا خَشِيَ أحدُكم الصبحَ، صَلَّى ركعةً تُوتِرُ له ما قد صَلَّى»، وعن عائشةَ أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يُصَلِّي إحْدَى عشْرةَ ركعةً يُوتِرُ منها بواحدةٍ، وأنَّ عثمانَ كان يُحْيِي الليلَ بركعةٍ هي وِتْرُه، وعن سعد بن أبي وَقّاصٍ أنَّه كان يُوتِر بواحدةٍ، وأنَّ ابنَ عمرَ كان يُسَلِّمُ بين الركعةِ والركعتين مِنْ الوترِ حتَّى يأمرَ ببعضِ حاجتِه، وأنَّ معاويةَ أوْتَرَ بواحدةٍ، فقال ابنُ عباس: «أصاب».
قال المزني: قلت أنا (٢): فهذا به أوْلَى مِنْ قولِه: «يوترون بثلاث»، وقد أنْكَر على مالكٍ قولَه: «لا نُحِبُّ أن يُوتِر بأقلَّ مِنْ ثلاثٍ، ويُسَلِّمُ بين الركعة والركعتين مِنْ الوتر»، واحْتَجَّ بأنَّ مَنْ سَلَّم مِنْ اثنتين فقد فَصَلَهما مما بعدهما، وأنْكَر على الكوفيِّ: «يُوتِرُ بثلاثٍ كالمغرب»، فالوترُ بواحدةٍ أوْلَى به.
(٢٧٩) قال المزني: قلت أنا (٣): لا أعْلَمُ الشافعيَّ ذَكَرَ مَوْضِعَ القنوتِ مِنْ الوترِ، ويُشْبِه قولُه بعد الرُّكوع كما قال في قُنوت الصُّبْحِ، ولَمّا كان قولُ مَنْ رَفَعَ بعد الركوعِ: «سَمِعَ اللهُ لمن حَمِدَه»، وهو دعاءٌ .. كان هذا الموضعُ بالقنوتِ - الذي هو دعاءٌ - أشْبَهَ، ولأنَّ مَنْ قال: يَقْنُتُ قبل الركوعِ يأمُرُه أن يُكَبِّر قائمًا ثُمّ يَدْعُو، وإنّما حُكْمُ مَنْ كَبَّر بعد القيامِ إنّما هو للركوعِ، فهذه تكبيرةٌ زائدةٌ في الصلاةِ لم تَثْبُتْ بأصلٍ ولا قِياسٍ.
стр. 475
(٢٨)
باب فضل الجماعة والعذر بتركها
(٢٨٠) قال الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: «صلاةُ الجماعةِ تَفْضُلُ صلاةَ الفَذِّ بسبعٍ وعشرين دَرَجةً» (١).
(٢٨١) قال الشافعي: ولا أرَخِّصُ لمن قَدَر على صلاةِ الجماعةِ في تَرْكِ إتيانها إلّا مِنْ عُذْرٍ.
(٢٨٢) وإن جَمَّعَ في بيته، أو مسجدٍ وإن صَغُر .. أجزأ عنه، والمسجدُ الأعظمُ وحيث كَثُرَت الجماعةُ أحَبُّ إليَّ.
(٢٨٣) ورُوِي عن النبي ﷺ أنّه كان (٢) يَأمُر منادِيَه في اللَّيْلَةِ المَطِيرَة والليلةِ ذات الرِّيح: «ألا صَلُّوا في رحالِكُم» (٣)، وأنه قال: «إذا وَجَد أحدُكم الغائطَ، فليبدأ به قَبْلَ الصلاة»، قال: فبه أقول؛ لأن الغائطَ يَشْغَلُه عن الخشوعِ.
(٢٨٤) قال: وإذا حَضَرَ فِطْرُه، أو طعامُ مُفْطِرٍ به إليه حاجةٌ (٤)، وكانتْ نَفْسُه شديدةَ التَّوْقَان إليه .. أرْخَصْتُ له في تَرْكِ إتيانِ الجماعةِ.
стр. 476
قال المزني: قلت أنا (١): وقد احتج في موضع آخر أن النبي ﷺ قال: «إذا وُضِع العَشاء وأقيمت الصلاة، فابدؤوا بالعَشاء» (٢)، قال المزني: قلت: فتَأوَّلَه على هذا المعنى؛ لئلا تَشْغَلَه مُنازعةُ نَفْسِه عما يَلْزَمُه مِنْ فَرْضِ الصلاةِ.
стр. 477
(٢٩)
باب صلاة الإمام قاعدًا بقيام، أو قائمًا بقعود، أو بعلة تَحدُث
وصلاة مَنْ بلَغَ أو أسلَمَ (١)(٢٨٥) قال الشافعي: وأحِبُّ للإمامِ إذا لم يَسْتَطِع القيامَ في الصَّلاةِ أن يَسْتَخْلِف، فإنْ صَلّى قاعدًا، وصَلّى الذين خَلْفَه قِيامًا .. أجْزَأتْه وإياهم، وكذلك فَعَل رسولُ الله ﷺ في مَرَضِه الذي تُوُفِّيَ فيه، وفِعْلُه الآخِر ناسِخٌ لفِعْلِه الأوَّلِ، وفَرْضُ (٢) اللهِ ﵎ على المريضِ أن يُصَلِّي جالسًا إذا لم يَقْدِر قائمًا، وعلى الصَّحيحِ أن يُصَلِّي قائمًا، فكلٌّ قد أدَّى فَرْضَه.
(٢٨٦) فإنْ صَلَّى الإمامُ لنَفْسِه جالسًا ركعةً، ثُمّ قَدَر على القيامِ .. قام فأتَمَّ صلاتَه، فإنْ تَرَك القيامَ .. أفْسَدَ على نَفْسِه، وتمَّتْ صلاتُهُم، إلّا أن يَعْلَموا بصِحَّتِه وتَرْكِه القيامَ في الصلاةِ فيَتَّبِعوه (٣)، وكذلك إنْ صَلَّى قائمًا ركعةً، ثُمّ ضَعُفَ عن القيامِ، أو أصابتْه عِلَّةٌ مانعةٌ .. فله أن يَقْعُدَ ويَبْنِيَ على صلاتِه.
(٢٨٧) وإن صَلَّتْ أمَةٌ ركعةً (٤) مكشوفةَ الرأسِ، ثُمّ أعْتِقَتْ .. فعليها أن تَسْتَتِر إن كان الثوبُ قريبًا منها وتَبْنِيَ على صلاتِها، فإن لم تَفْعَل، أو كان الثوبُ بعيدًا منها .. بَطَلَتْ صلاتُها.
стр. 478
قال المزني: قلت أنا (١): وكذلك المصلِّي عريانًا لا يَجِدُ ثوبًا ثُمَّ يَجِدُه، والمصلِّي خائفًا ثم يَأمَنُ، والمصلِّي مريضًا يُومِئ ثُمّ يَصِحُّ، أو يُصَلِّي لا يُحْسِنُ أمَّ القرآن ثُمّ يُحْسِن .. أنَّ ما مَضَى جائزٌ على ما كُلِّفَ، وما بَقِيَ على ما كُلِّفَ، وهو مَعْنى قَوْلِ (٢) الشافعيّ (٣).
(٢٨٨) قال الشافعي: وعلى الآباءِ والأمهاتِ أن يُؤَدِّبوا أولادَهُم، ويُعَلِّمُوهم الطهارةَ والصلاةَ، ويَضْرِبُوهم على ذلك إذا عَقَلُوا، فمَن احْتَلَم، أو حاضَ، أو اسْتَكْمَلَ خمسَ عشرةَ سنةً .. لَزِمَه الفرضُ.
стр. 479
(٣٠)
باب اختلاف نية الإمام والمأموم وغير ذلك
(٢٨٩) قال الشافعي: وإذا صَلَّى الإمامُ بقومٍ الظهرَ في وقتِ العصرِ، وجاء قومٌ فصَلَّوْا خَلْفَه يَنْوُونَ العصرَ .. أجْزَأتْهم الصلاةُ جميعًا، وقد أدَّى كلٌّ فرْضَه، وقد أجاز رسولُ الله ﷺ لمعاذ بنِ جبلٍ أن يُصَلِّيَ معه المكتوبةَ ثم يُصَلِّيَ بقَوْمِه، هي له نافلةٌ ولهم مكتوبةٌ، وقد كان عطاءٌ يُصَلِّي مع الإمامِ القنوتَ، ثُمّ يَعْتَدّ بها مِنْ العَتَمةِ، فإذا سَلَّمَ الإمامُ قام فَبَنَى ركعتين مِنْ العَتَمة.
قال المزني: قلت أنا (١): وإذا جاز أن يَأتَمّ المصلِّي نافلةً خَلْفَ المصلِّي فريضةً .. فكذلك المصلِّي فريضةً خلْفَ المصلِّي نافلةً وفريضةً، وبالله التوفيق.
(٢٩٠) قال الشافعي: وإن كان الإمامُ جنبًا .. أعادَ دُونَهم؛ لأنهم أدَّوُا الذي كان عليهم، وعملُهم غيرُ عملِ إمامِهم (٢).
(٢٩١) قال الشافعي: وإذا أحَسَّ الإمامُ (٣) برجلٍ وهو راكعٌ .. لم ينْتَظِرْه، ولْتَكُنْ صلاتُه خالِصَةً لله.
قال المزني: قلت أنا (٤): ورأيْتُ في روايةِ بعضِهم عنه أنَّه لا بأسَ
стр. 480
بانتظارِه، والأوَّلُ عندي أولى بالصلاة (١)؛ لتَقْدِيمِها على مَنْ قَصَّرَ في إتيانِها (٢).
(٢٩٢) قال الشافعي: ويُؤتَمُّ بالأعْمَى وبالعبدِ.
(٢٩٣) وأكْرَهُ إمامةَ مَنْ يَلْحَن؛ لأنَّه قد يُحِيلُ المعنَى، فإنْ أحالَ، أو لَفَظَ بأعْجَمِيَّةٍ (٣) في أمِّ القرآن .. أجْزَأتْه دونهم، وإنْ كان في غيرِها .. أجْزَأتْهم.
(٢٩٤) قال الشافعي: وأكْرَهُ إمامةَ مَنْ به تَمْتَمَةٌ أو فَأْفَأَةٌ، فإن أمَّ .. أجْزَأ إذا قَرَأ ما يُجْزِئُ في الصلاةِ، ولا يَؤُمُّ أرَتُّ ولا ألْثَغُ (٤).
стр. 481
(٢٩٥) ولا يَأتَمّ رجلٌ بامرأةٍ ولا بخُنْثَى، فإنْ فَعَل أعادَ.
(٢٩٦) وأكْرَه إمامةَ الفاسقِ، والمُظْهِرِ للبِدَعِ، ولا يُعِيدُ مَنْ ائْتَمّ بهما.
(٢٩٧) وإنْ أمَّ أُمِّيٌّ (١) بمَن يَقْرَأ .. أعاد القارئُ، فإن ائْتَمّ به مِثْلُه .. أجْزَأَه (٢).
قال المزني: قلت أنا (٣): قدْ أجاز صلاةَ مَنْ ائْتَمَّ بجُنُبٍ (٤)، والجنبُ ليس في صلاةٍ، فكيف لا يَجُوزُ مَنْ ائْتَمَّ بأمِّيٍّ والأمِّيُّ في صلاةٍ، وقد وُضِعَت القراءةُ عن الأمِّيِّ، ولم يُوضَع الطُّهرُ عن المصلِّي، وأصلُه: أنّ كلًّا يُصلِّي عن نَفْسِه (٥)، فكيف يجزِئُه خلف العاصِي بترك الغسلِ، ولا يُجْزِئه خلف المطيعِ الذي لم يَعْصِ (٦)؟! وقد احْتَجَّ الشافعي بأنَّ النبيَّ ﷺ صلَّى قاعدًا بقيامٍ (٧)، وفَقْدُ القيامِ أشَدُّ مِنْ فَقْدِ القراءةِ، فتَفَهَّمْ.
قال المزني: وقد أجاز الشافعيُّ في صلاةِ الخوفِ للطائفةِ الثانيةِ ركعتَها مع الإمامِ إذا نَسِيَ سجدةً مِنْ الأولى، وقد بَطَلَتْ هذه الركعةُ الثانيةُ
стр. 482
على الإمامِ وأجْزَأَتْهُم عِنْدَه، قال: ولا يكون هذا أكثرَ مِنْ تَرْكِ أمِّ القرآن، فقد أجاز لمن صَلَّى ركعةً يَقْرَأ فيها بأمِّ القرآن وإن لم يَقْرَأ بها إمامُه، وهو معنى (١) ما وَصَفْتُ (٢).
(٢٩٨) قال الشافعي: وإن ائتَمَّ بكافر، ثم علم .. أعاد، ولم يكن هذا إسلامًا منه، وعُزِّر؛ لأن الكافر لا يكون إمامًا بحال، والمؤمن يكون إمامًا في الأحوال الظاهرة.
قال المزني: قلت أنا (٣): القياسُ عندي على أصلِه: أنَّ كلَّ مُصَلٍّ خلف جُنُبٍ، وامرأةٍ، ومجنونٍ، وكافِرٍ .. يُجْزِئه صلاتُه إذا لم يَعْلَم بحالِهم (٤)؛ لأنَّ كلَّ (٥) مصلٍّ لنفسِه لا تَفْسُدُ عليه صلاتُه بفسادِها على غيرِه، وهو قياسٌ على أصلِ الشافعيِّ (٦).
стр. 483
(٢٩٩) قال الشافعي: ومَن أحْرَم في مسجدٍ أو غيرِه، ثم جاء الإمامُ فتَقَدَّم بجماعةٍ .. فأحِبُّ أن يُكَمِّلَ ركعتين ويُسَلِّمَ، يكونان له نافلةً، ويَبْتَدِئ الصلاةَ معه، وكَرِهْتُ أن يَفْتَتِحَها صلاةَ انفرادٍ ثم يَجْعَلَها صلاةَ جماعةٍ، قال: وهذا مخالِفٌ صلاةَ الذين افْتَتَحَ بهم النبيُّ ﷺ الصلاةَ، ثُمَّ ذَكَرَ فانْصَرَفَ فاغْتَسَلَ، ثُمَّ رَجَع إليهم (١) فأمَّهُم؛ لأنَّهم افْتَتَحُوا الصلاةَ جماعةً.
وقال في القديم: «قال قائلٌ: يَدْخُلُ مع الإمامِ، ويعْتَدُّ بما مَضَى»، قال المزني: قلت أنا (٢): هذا عندي أقْيَسُ على أصلِه؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يَكُنْ في صلاةٍ، فلم يَضُرَّهُم، وصحَّ إحرامُهم ولا إمامَ لهم، ثُمَّ ابْتَدأ بهم وقد سَبَقُوه بالإحرامِ، وكذلك قد سَبَقَه أبو بكرٍ ببعضِ الصلاةِ، ثُمّ جاء ﷺ فأحْرَمَ وائْتَمّ به أبو بكرٍ، وهكذا يقول الشافعيُّ بهذين الحديثَيْن، وهو القياسُ على فعله ﷺ (٣).
стр. 484
(٣١)
باب موقف صلاة المأموم مع الإمام
(٣٠٠) قال الشافعي: إذا أمَّ رجلٌ رجلًا .. قام المأمومُ عن يَمِينِه، وإنْ كان خُنْثَى مُشْكِلًا، أو امرأةً .. قام كلُّ واحدٍ منهما وحدَه خَلْفَه، ورُوِيَ أنَّ النبيَّ ﷺ أمَّ أنَسًا وعجوزًا مُنْفَرِدَةً خلفَ أنسٍ، ورَكَعَ أبو بكرةَ وحدَه وخاف أن تَفُوتَه الركعةُ، فذَكَرَ ذلك للنبيِّ ﷺ ، فلم يَأمُرْه بإعادةٍ.
(٣٠١) قال: وإنْ صَلَّى وبين يديه امرأةٌ (١) .. أجْزَأتْه صلاتُه، كان النبيُّ ﷺ يُصَلِّي وعائشةُ مُعْتَرِضَةٌ بينه وبين القِبْلَة كاعتراضِ الجنازة.
(٣٠٢) قال: وإنْ صَلَّى رجلٌ - في طَرَف المسجدِ والإمامُ في طَرَفِه، ولم تَتَّصِل الصفوفُ بينه وبينه، أو فَوْقَ ظهرِ المسجدِ - بصلاةِ الإمامِ (٢) .. أجزأه، صَلّى أبو هريرة فوق ظَهْرِ المسجدِ بصلاةِ الإمامِ في المسْجِدِ.
(٣٠٣) وإنْ صَلَّى قُرْبَ المسْجِدِ - وقربُه: ما يَعْرِفُه الناسُ مِنْ أن يَاتَصِلَ بشيءٍ بالمسجدِ - لا حائلَ دونَه، فيُصَلِّي مُنْقَطِعًا عَنْ المسجدِ أو فِنائِه
стр. 485
على قدْرِ مائَتَيْ ذِراع أوثلثمائة أو نحوِ ذلك، فإذا جاوَز ذلك لم يُجْزِئه، وكذلك الصحراءُ والسفينةُ والإمامُ في أخْرَى، ولو أجَزْتُ أبْعَدَ مِنْ هذا أجَزْتُ (١) أن يُصَلِّيَ على مِيلٍ، ومذهبُ عطاءٍ أن يُصَلِّيَ بصلاةِ الإمامِ مَنْ عَلِمَها، ولا أقولُ بهذا.
قال المزني: قلت أنا (٢): قد أجاز القُرْبَ في «الإملاءِ» بلا تأقِيتٍ، وهو عندي أوْلَى؛ لأنَّ التأقيتَ لا يُدْرَك إلا بِخَبَرٍ (٣).
(٣٠٤) قال الشافعي: فإنْ صَلَّى في دارٍ قُرْبَ المسجدِ .. لم يُجْزِئه إلا بأنْ تَاتَصِلَ الصفوفُ لا حائلَ بينه وبينها، فأما في عُلْوِها فلا يُجْزِئ بحالٍ؛ لأنها بائنة مِنْ المسجدِ، ورُوِيَ عن عائشةَ أنَّ نِسْوَةً صَلَّيْنَ في حُجْرَتِها، فقالتْ: «لا تُصَلِّينَ بصلاةِ الإمامِ؛ فإنَّكُنَّ دونَه في حِجابٍ».
(٣٠٥) قال: ومَنْ خَرَج مِنْ إمامةِ الإمامِ فأتَمَّ لنَفْسِه .. لم يَبِنْ أن يُعِيد، مِنْ قِبَلِ أنَّ الرجلَ خَرَجَ مِنْ صلاةِ مُعاذٍ بعدما افْتَتَح مَعَه وصَلَّى لنفسه، وأعْلَم النبيَّ ﷺ ، فلم نَعْلَمْه أمَرَهُ بإعادَةٍ.
стр. 486
(٣٢)
باب صلاة الإمام وصفة الأئمة
(٣٠٦) قال الشافعي: وصلاةُ الأئمةِ ما قال أنس بن مالك: «ما صَلَّيْتُ خلف أحَدٍ قَطُّ أخَفَّ ولا أتَمَّ صلاةً مِنْ رسولِ الله ﷺ »، ورُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: «[إذا أمَّ أحدُكم بالناس (١) فليُخَفِّفْ؛ فإن فيهم السقيمَ والضعيفَ».
(٣٠٧) قال: ويَؤُمُّهم (٢) أقرؤُهم وأفقهُهم؛ لقول النبي ﷺ : «يَؤُمُّهم أقرؤهم»، فإن لم يَجْتَمِع ذلك في واحد .. فإنْ قُدِّمَ أفقهُهم إذا كان يَقْرَأ ما يُكْتَفَى به في الصلاة .. فحَسَنٌ، وإن قُدِّمَ أقرؤُهم إذا عَلِمَ ما يَلْزَمُه .. فحَسَنٌ، ويُقَدَّمُ هذان على أسَنَّ منهما، وإنَّما قيل: «يَؤُمُّهم أقرؤهم»؛ أنَّ مَنْ مَضَى كانوا يُسْلِمُون كِبارًا فَيَتَفَقَّهُون قَبْلَ أن يَقْرَؤوا، ومَنْ بَعْدَهم كانوا يَقْرَؤون صِغارًا قَبْل أن يَتَفَقَّهوا، فإن اسْتَوَوْا .. أمَّهُم أسَنُّهُم، فإن اسْتَوَوْا فقُدِّمَ ذُو النَّسَبِ .. فحَسَنٌ (٣).
(٣٠٨) وقال في القديم: فإن اسْتَوَوْا فأقْدَمُهم هِجْرَةً، وقال فيه: قال رسول الله ﷺ : «الأئمَّةُ مِنْ قُرَيْش».
(٣٠٩) قال: فإنْ أمَّ مَنْ بَلَغَ غايةً في خلاف الحمْدِ في الدين .. أجْزَأ، صَلَّى ابنُ عُمَرَ خلف الحجاج.
стр. 487
(٣١٠) قال: ولا يَتَقَدَّمُ أحَدٌ في بَيْتِ رَجُلٍ إلا بإذْنِه، ولا في وِلايَةِ سُلطانٍ بغير أمْرِه في بَيْتِ رجلٍ أو غيرِه؛ لأنّ ذلك يُؤَدِّي إلى تأذِّيه (١).
стр. 488
(٣٣)
باب إمامة المرأة
(٣١١) قال الشافعي: أخبرنا إبراهيم بنُ محمد، عن ليث، عن عطاء، عن عائشة أنها صَلَّتْ بنسوةٍ العصرَ فقامَتْ وَسْطَهن.
(٣١٢) ورُوِيَ عن أمّ سلمة أنَّها أمَّتْهُنّ فقامَتْ وَسْطًا.
(٣١٣) وعن عليّ بن حُسَينٍ أنَّه كان يَأمُرُ جارِيَةً له تَقُوم بأهلِه في رمضان.
(٣١٤) وعن صفوان بن سليم قال: «مِنْ السُّنَّة أنْ تُصَلِّيَ المرأةُ بِنِسَاءٍ تَقُومُ وَسْطَهُن» (١).
стр. 489
(٣٤)
باب صلاة المسافر والجمع في السفر (١)(٣١٥) قال الشافعي: وإذا سافر الرجلُ سفرًا يكون ستةً وأربعين مِيلًا بالهاشِميِّ .. فله أن يَقْصُرَ الصلاةَ (٢)، سافَر رسولُ الله ﷺ آمِنًا فقَصَر، وقال ابن عباس: «أقْصُرُ إلى جُدَّةَ، وإلى عُسْفانَ (٣)، وإلى الطّائف»، قال الشافعي: وأقربُ ذلك إلى مكةَ ستةٌ وأربعون ميلًا بالهاشميّ، وسافرَ ابنُ عمر إلى رِيمٍ فقَصَر، قال مالك: «وذلك نحوٌ مِنْ أربعة بُرُد» (٤).
(٣١٦) قال: وأكْرَهُ تركَ القصرِ رَغْبَةً عن السُّنَّةِ، فأما أنا فأحِبُّ أن لا أقْصُرَ (٥) في أقلَّ مِنْ ثلاثةِ أيامٍ، احتياطًا على نَفْسِي، وإنّ تركَ القصرِ
стр. 490
مُباحٌ لي، قَصَر رسولُ الله ﷺ وأتَمَّ (١).
(٣١٧) قال الشافعي: ولا يَقْصُرُ إلّا في الظُّهرِ والعصرِ والعشاءِ الآخرة، فأمّا الصبحُ والمغربُ فلا يُقْصَران.
(٣١٨) وله أن يُفْطِرَ أيامَ رمضانَ في سَفَرِه ويَقْضِيَ، فإنْ صَامَ فيه أجْزَأَه، وقد صام النبيُّ ﷺ في رمضانَ في السَّفَر.
(٣١٩) وإن نَوَى السفرَ فلا يَقْصُرُ حتّى يُفارِقَ المنازلَ إنْ كان حَضَرِيًّا، ويُفارِقَ مَوْضِعَه إنْ كان بَدَوِيًّا.
(٣٢٠) فإن نوى المسافِرُ مُقامَ أربعٍ .. أتَمَّ الصلاةَ وصامَ، واحْتَجّ فيمن أقام أربعًا يُتِمُّ: بأنّ النبيَّ ﷺ قال: «يُقِيمُ المهاجِرُ بمكةَ بعد قَضاءِ نُسُكِه ثلاثًا»، وبأنّ النبيَّ ﷺ أقام بِمِنًى ثلاثًا يَقْصُرُ، وقَدِمَ فأقامَ بمكةَ قبل خروجِه إلى عَرَفَةَ ثلاثًا يَقْصُرُ، ولم يَحْسِبِ اليومَ الذي قَدِمَ فيه؛ لأنّه كان فيه سائرًا، ولا يومَ التَّرْوِيَة (٢) الذي خَرَجَ فيه سائرًا (٣)، وأنّ عمرَ أجْلَى أهلَ الذِّمَّةِ مِنْ الحجازِ، وضَرَبَ لمن يَقْدَمُ منْهُم تاجرًا مُقامَ ثلاثةِ أيامٍ، فأشْبَهَ ما وَصَفْتُ أن يكونَ ذلك مُقامَ السفرِ، وما جاوزه الإقامةَ (٤)، ورُوِيَ عن عثمانَ بنِ عفّان: «مَنْ أقام أرْبعًا أتَمَّ»، وعن ابن المسيب: «مَنْ أجْمَعَ إقامةَ أربعٍ أتَمَّ» (٥).
стр. 491
(٣٢١) قال الشافعي: فإذا جاوز أربعًا لحاجةٍ أو مرضٍ، وهو عازمٌ على الخروجِ .. أتَمَّ، فإنْ قَصَر أعادَ، إلّا أن يكون في خَوْفٍ أو حَرْبٍ فيَقْصُر، قصَر النبيُّ ﷺ عامَ الفتحِ لحربِ هَوازِنَ سبعَ عشْرَةَ أو ثمانيَ عشْرَةَ.
وقال في «الإملاء»: «إنْ أقام على شيءٍ يَنْجَحُ اليومَ واليومين أنّه لا يَزالُ يَقْصُرُ ما لم يُجْمِعْ مُكْثًا، أقام رسولُ الله ﷺ بمكةَ عامَ الفتحِ سبعَ عشْرَةَ أو ثمانيَ عشْرَةَ يَقْصُرُ حتّى خَرَج إلى حُنَيْن»، قال المزني: ومشهورٌ عن ابنِ عمرَ أنّه أقام بأذْرَبِيجانَ ستةَ أشهرٍ يَقْصُرُ الصلاةَ، يقولُ: «أخْرُجُ اليومَ، أخْرُجُ غدًا»، قال المزني: فإذا قَصَر النبيُّ ﷺ في حَرْبِه سبعَ عشْرَةَ أو ثمانيَ عشْرَةَ، ثُمّ ابنُ عمرَ، ولا عَزْمَ على وقتِ إقامةٍ .. فالحربُ وغيرُه عندي (١) في القياسِ سواءٌ، وقد قال الشافعيّ: «لو قالَه قائلٌ كان (٢) مذْهَبًا» (٣).
(٣٢٢) قال الشافعي: وإنْ خَرَجَ في آخرِ وَقْتِ الصلاةِ قَصَرَ، وإنْ كان بعد الوقتِ لم يَقْصُرْ.
стр. 492
قال المزني: أشْبَهُ بقولِه أن يُتِمّ؛ لأنّه يقولُ: إنْ أمْكَنَت امرأةً الصلاةُ فلَمْ تُصَلِّ حتّى حاضتْ أو أغْمِيَ عليها .. لَزِمَتْها، وإن لم تُمْكِنْ .. لم تَلْزَمْها، فكذلك إذا دَخَلَ عليه وقتُها وهو مُقِيمٌ لَزِمَتْه صلاةُ مقيمٍ، وإنّما تَجِبُ عنده بأوّل الوقتِ والإمكانِ، وإنّما وُسِّعَ له التأخيرُ إلى آخرِ الوقتِ (١).
(٣٢٣) قال الشافعي: وليسَ له أن يُصَلِّيَ ركعتين في السفرِ إلّا أن يَنْوِيَ القصرَ مع الإحرامِ، فإنْ أحْرَمَ ولم يَنْوِ القصرَ كان على أصْلِ فرْضِه أربعٍ، ولو كان فَرْضُها ركْعَتَيْن ما صَلَّى مسافِرٌ خلْفَ مُقِيمٍ.
قال المزني: ليسَ هذا بحُجَّةٍ، وكيفَ يكون حُجَّةً وهو يُجِيزُ صلاةَ فريضةٍ خلف نافلةٍ، وليست النافلةُ فريضةً ولا بعضَ فريضةٍ، وركعتا المسافِرِ فرضٌ، وفي الأربعِ مثلُ الركعتين فرضٌ؟! (٢).
(٣٢٤) قال الشافعي: وإن نَسِيَ صلاةً في سفرٍ فذَكَرَها في حَضَرٍ .. فعليه أن يُصَلِّيَها صلاةَ حَضَرٍ؛ لأن عِلَّةَ القصرِ هي النيةُ والسفرُ، فإذا ذهبت العلَّةُ ذهبَ القصرُ (٣)، وإذا نَسِيَ صلاةَ حَضَرٍ (٤) فذَكَرَها في سفرٍ .. فعليه أن يُصَلِّيَها أربعًا؛ لأنّ أصلَ الفرضِ أربعٌ، فلا يُجْزِئه أقلُّ مِنها، وإنّما
стр. 493
أُرْخِصَ له في القَصْرِ ما دام وقتُ الصلاةِ قائمًا وهو مُسافِرٌ، فإذا زال وَقْتُها ذَهَبَت الرُّخْصَةُ (١).
(٣٢٥) وإنْ أحْرَمَ يَنْوِي القصرَ، ثُمَّ نَوَى المُقَامَ .. أتَمَّ أربعًا، ومَن خَلْفَه مِنْ المسافرين.
(٣٢٦) ولو أحْرَمَ في مَرْكَبٍ، ثُمّ نَوَى السَّفَرَ .. لم يَكُنْ له أن يَقْصُرَ.
(٣٢٧) وإنْ أحْرَم خَلْفَ مُقِيمٍ، أو خَلْفَ مَنْ لا يَدْرِي، فأحْدَثَ الإمامُ .. كان على المسافرِ أن يُتِمَّ أربعًا.
(٣٢٨) ولو أحْدَثَ إمامٌ مسافرٌ بمسافرين .. فَسَدَتْ صلاتُه، فإنْ عَلِمَ المأمومُ (٢) أنّه صَلَّى ركعتين .. لم يَكُنْ عليه إلا رَكْعتان، وإن شَكَّ .. لم يُجْزِئه إلا أربعٌ.
(٣٢٩) فإن (٣) رَعَفَ وخَلْفَه مسافرون ومقيمون، فقَدَّمَ مُقِيمًا .. كان على جميعهم والراعفِ أن يُصَلُّوا أربعًا؛ لأنّه لم يُكْمِلْ واحدٌ منهم الصلاةَ حتَّى كان فيها في صلاةِ مقيمٍ.
قال المزني: هذا غَلَطٌ، الراعفُ يَبْتَدِئ، ولم يأتَمَّ بمقيمٍ، فليس عليه ولو صَلَّى المسْتَخْلَفُ بعد حَدَثِه أربعًا - أن يُصَلِّيَ هو إلا ركْعَتَيْن (٤)؛
стр. 494
لأنَّه مُسافِر، ولم يأتَمَّ بمُقِيمٍ (١).
(٣٣٠) قال الشافعي: وإذا كان له طريقان يَقْصُرُ في أحَدِهما ولا يَقْصُرُ في الآخَرِ، فإنْ سَلَك الأبعدَ لخوفٍ أو حُزُونَةٍ في الأقربِ .. قَصَرَ، وإلّا .. لم يَقْصُرْ.
وقال في «الإملاء»: «إن سَلَكَ الأبْعَدَ .. قَصَرَ»، قال المزني: هذا عِندي أقْيَسُ؛ لأنّه سفرٌ مُباحٌ (٢).
(٣٣١) قال الشافعي: وليس لأحَدٍ سافرَ في مَعْصِيَةٍ أن يَقْصُرَ ولا يَمْسَحَ مَسْحَ السَّفَرِ، فإنْ فَعَل أعادَ، ولا تَخْفِيفَ على مَنْ (٣) سَفَرُه في معْصِيَةٍ.
стр. 495
(٣٣٢) وإنْ صَلَّى مُسافِرٌ بمُقِيمِين ومُسافِرِين .. فإنّه يُصَلّي والمسافِرُون ركعتين، ثُمّ يُسَلِّم بهم ويَأمُر المقيمين أن يُتِمُّوا أربعًا.
(٣٣٣) وكلُّ مُسافِرٍ فلَه أن يُتِمَّ، وإنّما أُرْخِصَ له أن يَقْصُرَ إنْ شاء، فإنْ أتَمَّ فلَه الإتمامُ، وكان عثمانُ بنُ عفّانَ يُتِمّ الصلاةَ.
(٣٣٤) واحْتَجّ في الجمعِ بَيْن الصلاتين في السفرِ بأنّ رسولَ الله ﷺ جَمَعَ في سَفَرِه إلى تبوكَ بيْنَ الظُّهر والعصرِ، وبين المغربِ (١) والعشاءِ جميعًا، وأنّ ابنَ عمرَ جَمَعَ بين المغربِ والعشاءِ في وقتِ العشاءِ، وأنّ ابنَ عباسٍ قال: «ألَا أخْبِرُكُم عن صلاةِ رسولِ اللهِ ﷺ في السفرِ؟ كان إذا زالت الشمسُ وهو في مَنْزِلِه جَمَعَ بين الظهرِ والعصرِ في الزوالِ، وإذا سافر قبل الزوالِ أخَّرَ الظهرَ حتّى يَجْمَعَ بينها وبين العصرِ في وقتِ العصرِ»، قال الشافعي: وأحْسِبُه قال (٢) في المغربِ والعشاءِ مثلَ ذلك، وهكذا فَعَل بعَرَفَةَ؛ لأنّ أرْفَقُ به تقديمُ العصرِ ليَتَّصِلَ له الدعاءُ، وأرْفَقُ به بمُزْدَلِفَةَ تأخيرُ المغربِ ليَتَّصِلَ له السفرُ فلا يَنْقَطِعَ بالنزولِ للمغربِ، لِما في ذلك مِنْ الضِّيقِ على الناسِ، فدَلَّتْ سُنَّتُه على أنّ مَنْ له القَصْرُ فلَه الجمْعُ كما وَصَفْتُ في الجمعِ بين الصلاتين في أيِّ الوقتين شاءَ، ولا يُؤخِّرُ الأولَى عن وقْتِها إلّا بنِيَّةِ الجمْعِ.
(٣٣٥) وإنْ صَلّى الأولَى في أوَّلِ وقْتِها، ولم يَنْوِ مع التسليمِ الجمعَ .. لم يَكُنْ له الجمعُ، وإن نَوَى مع التسليمِ الجَمْعَ .. كان له الجمْعُ.
قال المزني: هذا عندي أوْلَى مِنْ قولِه في الجمعِ في المطَرِ في مسْجِدِ الجماعات بين الظهرِ والعصرِ والمغربِ والعشاءِ: «لا يَجْمَعُ إلا مَنْ افْتَتَحَ
стр. 496
الأُولَى بنِيَّةِ الجمعِ»، واحْتَجَّ الشافعيّ بأنّ النبيَّ ﷺ جَمَعَ بالمدينةِ مِنْ غير خوفٍ ولا سفرٍ، قال مالكٌ: «أرَى ذلك في مطرٍ»، قال الشافعي: «والسُّنَّةُ في المطرِ كالسُّنَّة في السفرِ».
قال المزني: القياسُ عندي إنْ سَلَّم ولم يَنْوِ الجمعَ، فجَمَعَ في قُرْبِ ما سَلَّم بقَدْرِ ما لو أرادَ الجمعَ كان ذلك فَصْلًا قَرِيبًا بينهما .. أنَّ له الجمعُ؛ لأنّه لا يكون جَمْعُ صلاتين (١) إلّا وبيْنَهما انْفِصالٌ، فكَذلك كلُّ جَمْعٍ، وكذلك مَنْ سها فسَلَّم مِنْ اثنَتَيْن فلم يَطُل فَصْلُ ما بيْنَهُما، أنّه (٢) يُتِمّ كما أتمَّ النبيُّ ﷺ وقد فَصَلَ، ولم يَكُنْ ذلك قَطْعًا لاتصالِ الصلاةِ في الحكمِ، فكذلك عندي اتصالُ جَمْعِ الصلاتين أن لا يكون في التفريقِ بينهما إلا مِقْدارُ ما لا يَطُولُ (٣).