← Фикх шафии

Фикх шафии · id 914

مختصر المزني - ت الداغستاني

المزني

Полный текст (1 788 стр.). Показаны 478–517 · переход к 483.

стр. 478

قال المزني: قلت أنا (١): وكذلك المصلِّي عريانًا لا يَجِدُ ثوبًا ثُمَّ يَجِدُه، والمصلِّي خائفًا ثم يَأمَنُ، والمصلِّي مريضًا يُومِئ ثُمّ يَصِحُّ، أو يُصَلِّي لا يُحْسِنُ أمَّ القرآن ثُمّ يُحْسِن .. أنَّ ما مَضَى جائزٌ على ما كُلِّفَ، وما بَقِيَ على ما كُلِّفَ، وهو مَعْنى قَوْلِ (٢) الشافعيّ (٣). (٢٨٨) قال الشافعي: وعلى الآباءِ والأمهاتِ أن يُؤَدِّبوا أولادَهُم، ويُعَلِّمُوهم الطهارةَ والصلاةَ، ويَضْرِبُوهم على ذلك إذا عَقَلُوا، فمَن احْتَلَم، أو حاضَ، أو اسْتَكْمَلَ خمسَ عشرةَ سنةً .. لَزِمَه الفرضُ.

стр. 479

(٣٠) باب اختلاف نية الإمام والمأموم وغير ذلك (٢٨٩) قال الشافعي: وإذا صَلَّى الإمامُ بقومٍ الظهرَ في وقتِ العصرِ، وجاء قومٌ فصَلَّوْا خَلْفَه يَنْوُونَ العصرَ .. أجْزَأتْهم الصلاةُ جميعًا، وقد أدَّى كلٌّ فرْضَه، وقد أجاز رسولُ الله ﷺ لمعاذ بنِ جبلٍ أن يُصَلِّيَ معه المكتوبةَ ثم يُصَلِّيَ بقَوْمِه، هي له نافلةٌ ولهم مكتوبةٌ، وقد كان عطاءٌ يُصَلِّي مع الإمامِ القنوتَ، ثُمّ يَعْتَدّ بها مِنْ العَتَمةِ، فإذا سَلَّمَ الإمامُ قام فَبَنَى ركعتين مِنْ العَتَمة. قال المزني: قلت أنا (١): وإذا جاز أن يَأتَمّ المصلِّي نافلةً خَلْفَ المصلِّي فريضةً .. فكذلك المصلِّي فريضةً خلْفَ المصلِّي نافلةً وفريضةً، وبالله التوفيق. (٢٩٠) قال الشافعي: وإن كان الإمامُ جنبًا .. أعادَ دُونَهم؛ لأنهم أدَّوُا الذي كان عليهم، وعملُهم غيرُ عملِ إمامِهم (٢). (٢٩١) قال الشافعي: وإذا أحَسَّ الإمامُ (٣) برجلٍ وهو راكعٌ .. لم ينْتَظِرْه، ولْتَكُنْ صلاتُه خالِصَةً لله. قال المزني: قلت أنا (٤): ورأيْتُ في روايةِ بعضِهم عنه أنَّه لا بأسَ

стр. 480

بانتظارِه، والأوَّلُ عندي أولى بالصلاة (١)؛ لتَقْدِيمِها على مَنْ قَصَّرَ في إتيانِها (٢). (٢٩٢) قال الشافعي: ويُؤتَمُّ بالأعْمَى وبالعبدِ. (٢٩٣) وأكْرَهُ إمامةَ مَنْ يَلْحَن؛ لأنَّه قد يُحِيلُ المعنَى، فإنْ أحالَ، أو لَفَظَ بأعْجَمِيَّةٍ (٣) في أمِّ القرآن .. أجْزَأتْه دونهم، وإنْ كان في غيرِها .. أجْزَأتْهم. (٢٩٤) قال الشافعي: وأكْرَهُ إمامةَ مَنْ به تَمْتَمَةٌ أو فَأْفَأَةٌ، فإن أمَّ .. أجْزَأ إذا قَرَأ ما يُجْزِئُ في الصلاةِ، ولا يَؤُمُّ أرَتُّ ولا ألْثَغُ (٤).

стр. 481

(٢٩٥) ولا يَأتَمّ رجلٌ بامرأةٍ ولا بخُنْثَى، فإنْ فَعَل أعادَ. (٢٩٦) وأكْرَه إمامةَ الفاسقِ، والمُظْهِرِ للبِدَعِ، ولا يُعِيدُ مَنْ ائْتَمّ بهما. (٢٩٧) وإنْ أمَّ أُمِّيٌّ (١) بمَن يَقْرَأ .. أعاد القارئُ، فإن ائْتَمّ به مِثْلُه .. أجْزَأَه (٢). قال المزني: قلت أنا (٣): قدْ أجاز صلاةَ مَنْ ائْتَمَّ بجُنُبٍ (٤)، والجنبُ ليس في صلاةٍ، فكيف لا يَجُوزُ مَنْ ائْتَمَّ بأمِّيٍّ والأمِّيُّ في صلاةٍ، وقد وُضِعَت القراءةُ عن الأمِّيِّ، ولم يُوضَع الطُّهرُ عن المصلِّي، وأصلُه: أنّ كلًّا يُصلِّي عن نَفْسِه (٥)، فكيف يجزِئُه خلف العاصِي بترك الغسلِ، ولا يُجْزِئه خلف المطيعِ الذي لم يَعْصِ (٦)؟! وقد احْتَجَّ الشافعي بأنَّ النبيَّ ﷺ صلَّى قاعدًا بقيامٍ (٧)، وفَقْدُ القيامِ أشَدُّ مِنْ فَقْدِ القراءةِ، فتَفَهَّمْ. قال المزني: وقد أجاز الشافعيُّ في صلاةِ الخوفِ للطائفةِ الثانيةِ ركعتَها مع الإمامِ إذا نَسِيَ سجدةً مِنْ الأولى، وقد بَطَلَتْ هذه الركعةُ الثانيةُ

стр. 482

على الإمامِ وأجْزَأَتْهُم عِنْدَه، قال: ولا يكون هذا أكثرَ مِنْ تَرْكِ أمِّ القرآن، فقد أجاز لمن صَلَّى ركعةً يَقْرَأ فيها بأمِّ القرآن وإن لم يَقْرَأ بها إمامُه، وهو معنى (١) ما وَصَفْتُ (٢). (٢٩٨) قال الشافعي: وإن ائتَمَّ بكافر، ثم علم .. أعاد، ولم يكن هذا إسلامًا منه، وعُزِّر؛ لأن الكافر لا يكون إمامًا بحال، والمؤمن يكون إمامًا في الأحوال الظاهرة. قال المزني: قلت أنا (٣): القياسُ عندي على أصلِه: أنَّ كلَّ مُصَلٍّ خلف جُنُبٍ، وامرأةٍ، ومجنونٍ، وكافِرٍ .. يُجْزِئه صلاتُه إذا لم يَعْلَم بحالِهم (٤)؛ لأنَّ كلَّ (٥) مصلٍّ لنفسِه لا تَفْسُدُ عليه صلاتُه بفسادِها على غيرِه، وهو قياسٌ على أصلِ الشافعيِّ (٦).

стр. 483

(٢٩٩) قال الشافعي: ومَن أحْرَم في مسجدٍ أو غيرِه، ثم جاء الإمامُ فتَقَدَّم بجماعةٍ .. فأحِبُّ أن يُكَمِّلَ ركعتين ويُسَلِّمَ، يكونان له نافلةً، ويَبْتَدِئ الصلاةَ معه، وكَرِهْتُ أن يَفْتَتِحَها صلاةَ انفرادٍ ثم يَجْعَلَها صلاةَ جماعةٍ، قال: وهذا مخالِفٌ صلاةَ الذين افْتَتَحَ بهم النبيُّ ﷺ الصلاةَ، ثُمَّ ذَكَرَ فانْصَرَفَ فاغْتَسَلَ، ثُمَّ رَجَع إليهم (١) فأمَّهُم؛ لأنَّهم افْتَتَحُوا الصلاةَ جماعةً. وقال في القديم: «قال قائلٌ: يَدْخُلُ مع الإمامِ، ويعْتَدُّ بما مَضَى»، قال المزني: قلت أنا (٢): هذا عندي أقْيَسُ على أصلِه؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يَكُنْ في صلاةٍ، فلم يَضُرَّهُم، وصحَّ إحرامُهم ولا إمامَ لهم، ثُمَّ ابْتَدأ بهم وقد سَبَقُوه بالإحرامِ، وكذلك قد سَبَقَه أبو بكرٍ ببعضِ الصلاةِ، ثُمّ جاء ﷺ فأحْرَمَ وائْتَمّ به أبو بكرٍ، وهكذا يقول الشافعيُّ بهذين الحديثَيْن، وهو القياسُ على فعله ﷺ (٣).

стр. 484

(٣١) باب موقف صلاة المأموم مع الإمام (٣٠٠) قال الشافعي: إذا أمَّ رجلٌ رجلًا .. قام المأمومُ عن يَمِينِه، وإنْ كان خُنْثَى مُشْكِلًا، أو امرأةً .. قام كلُّ واحدٍ منهما وحدَه خَلْفَه، ورُوِيَ أنَّ النبيَّ ﷺ أمَّ أنَسًا وعجوزًا مُنْفَرِدَةً خلفَ أنسٍ، ورَكَعَ أبو بكرةَ وحدَه وخاف أن تَفُوتَه الركعةُ، فذَكَرَ ذلك للنبيِّ ﷺ ، فلم يَأمُرْه بإعادةٍ. (٣٠١) قال: وإنْ صَلَّى وبين يديه امرأةٌ (١) .. أجْزَأتْه صلاتُه، كان النبيُّ ﷺ يُصَلِّي وعائشةُ مُعْتَرِضَةٌ بينه وبين القِبْلَة كاعتراضِ الجنازة. (٣٠٢) قال: وإنْ صَلَّى رجلٌ - في طَرَف المسجدِ والإمامُ في طَرَفِه، ولم تَتَّصِل الصفوفُ بينه وبينه، أو فَوْقَ ظهرِ المسجدِ - بصلاةِ الإمامِ (٢) .. أجزأه، صَلّى أبو هريرة فوق ظَهْرِ المسجدِ بصلاةِ الإمامِ في المسْجِدِ. (٣٠٣) وإنْ صَلَّى قُرْبَ المسْجِدِ - وقربُه: ما يَعْرِفُه الناسُ مِنْ أن يَاتَصِلَ بشيءٍ بالمسجدِ - لا حائلَ دونَه، فيُصَلِّي مُنْقَطِعًا عَنْ المسجدِ أو فِنائِه

стр. 485

على قدْرِ مائَتَيْ ذِراع أوثلثمائة أو نحوِ ذلك، فإذا جاوَز ذلك لم يُجْزِئه، وكذلك الصحراءُ والسفينةُ والإمامُ في أخْرَى، ولو أجَزْتُ أبْعَدَ مِنْ هذا أجَزْتُ (١) أن يُصَلِّيَ على مِيلٍ، ومذهبُ عطاءٍ أن يُصَلِّيَ بصلاةِ الإمامِ مَنْ عَلِمَها، ولا أقولُ بهذا. قال المزني: قلت أنا (٢): قد أجاز القُرْبَ في «الإملاءِ» بلا تأقِيتٍ، وهو عندي أوْلَى؛ لأنَّ التأقيتَ لا يُدْرَك إلا بِخَبَرٍ (٣). (٣٠٤) قال الشافعي: فإنْ صَلَّى في دارٍ قُرْبَ المسجدِ .. لم يُجْزِئه إلا بأنْ تَاتَصِلَ الصفوفُ لا حائلَ بينه وبينها، فأما في عُلْوِها فلا يُجْزِئ بحالٍ؛ لأنها بائنة مِنْ المسجدِ، ورُوِيَ عن عائشةَ أنَّ نِسْوَةً صَلَّيْنَ في حُجْرَتِها، فقالتْ: «لا تُصَلِّينَ بصلاةِ الإمامِ؛ فإنَّكُنَّ دونَه في حِجابٍ». (٣٠٥) قال: ومَنْ خَرَج مِنْ إمامةِ الإمامِ فأتَمَّ لنَفْسِه .. لم يَبِنْ أن يُعِيد، مِنْ قِبَلِ أنَّ الرجلَ خَرَجَ مِنْ صلاةِ مُعاذٍ بعدما افْتَتَح مَعَه وصَلَّى لنفسه، وأعْلَم النبيَّ ﷺ ، فلم نَعْلَمْه أمَرَهُ بإعادَةٍ.

стр. 486

(٣٢) باب صلاة الإمام وصفة الأئمة (٣٠٦) قال الشافعي: وصلاةُ الأئمةِ ما قال أنس بن مالك: «ما صَلَّيْتُ خلف أحَدٍ قَطُّ أخَفَّ ولا أتَمَّ صلاةً مِنْ رسولِ الله ﷺ »، ورُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: «[إذا أمَّ أحدُكم بالناس (١) فليُخَفِّفْ؛ فإن فيهم السقيمَ والضعيفَ». (٣٠٧) قال: ويَؤُمُّهم (٢) أقرؤُهم وأفقهُهم؛ لقول النبي ﷺ : «يَؤُمُّهم أقرؤهم»، فإن لم يَجْتَمِع ذلك في واحد .. فإنْ قُدِّمَ أفقهُهم إذا كان يَقْرَأ ما يُكْتَفَى به في الصلاة .. فحَسَنٌ، وإن قُدِّمَ أقرؤُهم إذا عَلِمَ ما يَلْزَمُه .. فحَسَنٌ، ويُقَدَّمُ هذان على أسَنَّ منهما، وإنَّما قيل: «يَؤُمُّهم أقرؤهم»؛ أنَّ مَنْ مَضَى كانوا يُسْلِمُون كِبارًا فَيَتَفَقَّهُون قَبْلَ أن يَقْرَؤوا، ومَنْ بَعْدَهم كانوا يَقْرَؤون صِغارًا قَبْل أن يَتَفَقَّهوا، فإن اسْتَوَوْا .. أمَّهُم أسَنُّهُم، فإن اسْتَوَوْا فقُدِّمَ ذُو النَّسَبِ .. فحَسَنٌ (٣). (٣٠٨) وقال في القديم: فإن اسْتَوَوْا فأقْدَمُهم هِجْرَةً، وقال فيه: قال رسول الله ﷺ : «الأئمَّةُ مِنْ قُرَيْش». (٣٠٩) قال: فإنْ أمَّ مَنْ بَلَغَ غايةً في خلاف الحمْدِ في الدين .. أجْزَأ، صَلَّى ابنُ عُمَرَ خلف الحجاج.

стр. 487

(٣١٠) قال: ولا يَتَقَدَّمُ أحَدٌ في بَيْتِ رَجُلٍ إلا بإذْنِه، ولا في وِلايَةِ سُلطانٍ بغير أمْرِه في بَيْتِ رجلٍ أو غيرِه؛ لأنّ ذلك يُؤَدِّي إلى تأذِّيه (١).

стр. 488

(٣٣) باب إمامة المرأة (٣١١) قال الشافعي: أخبرنا إبراهيم بنُ محمد، عن ليث، عن عطاء، عن عائشة أنها صَلَّتْ بنسوةٍ العصرَ فقامَتْ وَسْطَهن. (٣١٢) ورُوِيَ عن أمّ سلمة أنَّها أمَّتْهُنّ فقامَتْ وَسْطًا. (٣١٣) وعن عليّ بن حُسَينٍ أنَّه كان يَأمُرُ جارِيَةً له تَقُوم بأهلِه في رمضان. (٣١٤) وعن صفوان بن سليم قال: «مِنْ السُّنَّة أنْ تُصَلِّيَ المرأةُ بِنِسَاءٍ تَقُومُ وَسْطَهُن» (١).

стр. 489

(٣٤) باب صلاة المسافر والجمع في السفر (١) (٣١٥) قال الشافعي: وإذا سافر الرجلُ سفرًا يكون ستةً وأربعين مِيلًا بالهاشِميِّ .. فله أن يَقْصُرَ الصلاةَ (٢)، سافَر رسولُ الله ﷺ آمِنًا فقَصَر، وقال ابن عباس: «أقْصُرُ إلى جُدَّةَ، وإلى عُسْفانَ (٣)، وإلى الطّائف»، قال الشافعي: وأقربُ ذلك إلى مكةَ ستةٌ وأربعون ميلًا بالهاشميّ، وسافرَ ابنُ عمر إلى رِيمٍ فقَصَر، قال مالك: «وذلك نحوٌ مِنْ أربعة بُرُد» (٤). (٣١٦) قال: وأكْرَهُ تركَ القصرِ رَغْبَةً عن السُّنَّةِ، فأما أنا فأحِبُّ أن لا أقْصُرَ (٥) في أقلَّ مِنْ ثلاثةِ أيامٍ، احتياطًا على نَفْسِي، وإنّ تركَ القصرِ

стр. 490

مُباحٌ لي، قَصَر رسولُ الله ﷺ وأتَمَّ (١). (٣١٧) قال الشافعي: ولا يَقْصُرُ إلّا في الظُّهرِ والعصرِ والعشاءِ الآخرة، فأمّا الصبحُ والمغربُ فلا يُقْصَران. (٣١٨) وله أن يُفْطِرَ أيامَ رمضانَ في سَفَرِه ويَقْضِيَ، فإنْ صَامَ فيه أجْزَأَه، وقد صام النبيُّ ﷺ في رمضانَ في السَّفَر. (٣١٩) وإن نَوَى السفرَ فلا يَقْصُرُ حتّى يُفارِقَ المنازلَ إنْ كان حَضَرِيًّا، ويُفارِقَ مَوْضِعَه إنْ كان بَدَوِيًّا. (٣٢٠) فإن نوى المسافِرُ مُقامَ أربعٍ .. أتَمَّ الصلاةَ وصامَ، واحْتَجّ فيمن أقام أربعًا يُتِمُّ: بأنّ النبيَّ ﷺ قال: «يُقِيمُ المهاجِرُ بمكةَ بعد قَضاءِ نُسُكِه ثلاثًا»، وبأنّ النبيَّ ﷺ أقام بِمِنًى ثلاثًا يَقْصُرُ، وقَدِمَ فأقامَ بمكةَ قبل خروجِه إلى عَرَفَةَ ثلاثًا يَقْصُرُ، ولم يَحْسِبِ اليومَ الذي قَدِمَ فيه؛ لأنّه كان فيه سائرًا، ولا يومَ التَّرْوِيَة (٢) الذي خَرَجَ فيه سائرًا (٣)، وأنّ عمرَ أجْلَى أهلَ الذِّمَّةِ مِنْ الحجازِ، وضَرَبَ لمن يَقْدَمُ منْهُم تاجرًا مُقامَ ثلاثةِ أيامٍ، فأشْبَهَ ما وَصَفْتُ أن يكونَ ذلك مُقامَ السفرِ، وما جاوزه الإقامةَ (٤)، ورُوِيَ عن عثمانَ بنِ عفّان: «مَنْ أقام أرْبعًا أتَمَّ»، وعن ابن المسيب: «مَنْ أجْمَعَ إقامةَ أربعٍ أتَمَّ» (٥).

стр. 491

(٣٢١) قال الشافعي: فإذا جاوز أربعًا لحاجةٍ أو مرضٍ، وهو عازمٌ على الخروجِ .. أتَمَّ، فإنْ قَصَر أعادَ، إلّا أن يكون في خَوْفٍ أو حَرْبٍ فيَقْصُر، قصَر النبيُّ ﷺ عامَ الفتحِ لحربِ هَوازِنَ سبعَ عشْرَةَ أو ثمانيَ عشْرَةَ. وقال في «الإملاء»: «إنْ أقام على شيءٍ يَنْجَحُ اليومَ واليومين أنّه لا يَزالُ يَقْصُرُ ما لم يُجْمِعْ مُكْثًا، أقام رسولُ الله ﷺ بمكةَ عامَ الفتحِ سبعَ عشْرَةَ أو ثمانيَ عشْرَةَ يَقْصُرُ حتّى خَرَج إلى حُنَيْن»، قال المزني: ومشهورٌ عن ابنِ عمرَ أنّه أقام بأذْرَبِيجانَ ستةَ أشهرٍ يَقْصُرُ الصلاةَ، يقولُ: «أخْرُجُ اليومَ، أخْرُجُ غدًا»، قال المزني: فإذا قَصَر النبيُّ ﷺ في حَرْبِه سبعَ عشْرَةَ أو ثمانيَ عشْرَةَ، ثُمّ ابنُ عمرَ، ولا عَزْمَ على وقتِ إقامةٍ .. فالحربُ وغيرُه عندي (١) في القياسِ سواءٌ، وقد قال الشافعيّ: «لو قالَه قائلٌ كان (٢) مذْهَبًا» (٣). (٣٢٢) قال الشافعي: وإنْ خَرَجَ في آخرِ وَقْتِ الصلاةِ قَصَرَ، وإنْ كان بعد الوقتِ لم يَقْصُرْ.

стр. 492

قال المزني: أشْبَهُ بقولِه أن يُتِمّ؛ لأنّه يقولُ: إنْ أمْكَنَت امرأةً الصلاةُ فلَمْ تُصَلِّ حتّى حاضتْ أو أغْمِيَ عليها .. لَزِمَتْها، وإن لم تُمْكِنْ .. لم تَلْزَمْها، فكذلك إذا دَخَلَ عليه وقتُها وهو مُقِيمٌ لَزِمَتْه صلاةُ مقيمٍ، وإنّما تَجِبُ عنده بأوّل الوقتِ والإمكانِ، وإنّما وُسِّعَ له التأخيرُ إلى آخرِ الوقتِ (١). (٣٢٣) قال الشافعي: وليسَ له أن يُصَلِّيَ ركعتين في السفرِ إلّا أن يَنْوِيَ القصرَ مع الإحرامِ، فإنْ أحْرَمَ ولم يَنْوِ القصرَ كان على أصْلِ فرْضِه أربعٍ، ولو كان فَرْضُها ركْعَتَيْن ما صَلَّى مسافِرٌ خلْفَ مُقِيمٍ. قال المزني: ليسَ هذا بحُجَّةٍ، وكيفَ يكون حُجَّةً وهو يُجِيزُ صلاةَ فريضةٍ خلف نافلةٍ، وليست النافلةُ فريضةً ولا بعضَ فريضةٍ، وركعتا المسافِرِ فرضٌ، وفي الأربعِ مثلُ الركعتين فرضٌ؟! (٢). (٣٢٤) قال الشافعي: وإن نَسِيَ صلاةً في سفرٍ فذَكَرَها في حَضَرٍ .. فعليه أن يُصَلِّيَها صلاةَ حَضَرٍ؛ لأن عِلَّةَ القصرِ هي النيةُ والسفرُ، فإذا ذهبت العلَّةُ ذهبَ القصرُ (٣)، وإذا نَسِيَ صلاةَ حَضَرٍ (٤) فذَكَرَها في سفرٍ .. فعليه أن يُصَلِّيَها أربعًا؛ لأنّ أصلَ الفرضِ أربعٌ، فلا يُجْزِئه أقلُّ مِنها، وإنّما

стр. 493

أُرْخِصَ له في القَصْرِ ما دام وقتُ الصلاةِ قائمًا وهو مُسافِرٌ، فإذا زال وَقْتُها ذَهَبَت الرُّخْصَةُ (١). (٣٢٥) وإنْ أحْرَمَ يَنْوِي القصرَ، ثُمَّ نَوَى المُقَامَ .. أتَمَّ أربعًا، ومَن خَلْفَه مِنْ المسافرين. (٣٢٦) ولو أحْرَمَ في مَرْكَبٍ، ثُمّ نَوَى السَّفَرَ .. لم يَكُنْ له أن يَقْصُرَ. (٣٢٧) وإنْ أحْرَم خَلْفَ مُقِيمٍ، أو خَلْفَ مَنْ لا يَدْرِي، فأحْدَثَ الإمامُ .. كان على المسافرِ أن يُتِمَّ أربعًا. (٣٢٨) ولو أحْدَثَ إمامٌ مسافرٌ بمسافرين .. فَسَدَتْ صلاتُه، فإنْ عَلِمَ المأمومُ (٢) أنّه صَلَّى ركعتين .. لم يَكُنْ عليه إلا رَكْعتان، وإن شَكَّ .. لم يُجْزِئه إلا أربعٌ. (٣٢٩) فإن (٣) رَعَفَ وخَلْفَه مسافرون ومقيمون، فقَدَّمَ مُقِيمًا .. كان على جميعهم والراعفِ أن يُصَلُّوا أربعًا؛ لأنّه لم يُكْمِلْ واحدٌ منهم الصلاةَ حتَّى كان فيها في صلاةِ مقيمٍ. قال المزني: هذا غَلَطٌ، الراعفُ يَبْتَدِئ، ولم يأتَمَّ بمقيمٍ، فليس عليه ولو صَلَّى المسْتَخْلَفُ بعد حَدَثِه أربعًا - أن يُصَلِّيَ هو إلا ركْعَتَيْن (٤)؛

стр. 494

لأنَّه مُسافِر، ولم يأتَمَّ بمُقِيمٍ (١). (٣٣٠) قال الشافعي: وإذا كان له طريقان يَقْصُرُ في أحَدِهما ولا يَقْصُرُ في الآخَرِ، فإنْ سَلَك الأبعدَ لخوفٍ أو حُزُونَةٍ في الأقربِ .. قَصَرَ، وإلّا .. لم يَقْصُرْ. وقال في «الإملاء»: «إن سَلَكَ الأبْعَدَ .. قَصَرَ»، قال المزني: هذا عِندي أقْيَسُ؛ لأنّه سفرٌ مُباحٌ (٢). (٣٣١) قال الشافعي: وليس لأحَدٍ سافرَ في مَعْصِيَةٍ أن يَقْصُرَ ولا يَمْسَحَ مَسْحَ السَّفَرِ، فإنْ فَعَل أعادَ، ولا تَخْفِيفَ على مَنْ (٣) سَفَرُه في معْصِيَةٍ.

стр. 495

(٣٣٢) وإنْ صَلَّى مُسافِرٌ بمُقِيمِين ومُسافِرِين .. فإنّه يُصَلّي والمسافِرُون ركعتين، ثُمّ يُسَلِّم بهم ويَأمُر المقيمين أن يُتِمُّوا أربعًا. (٣٣٣) وكلُّ مُسافِرٍ فلَه أن يُتِمَّ، وإنّما أُرْخِصَ له أن يَقْصُرَ إنْ شاء، فإنْ أتَمَّ فلَه الإتمامُ، وكان عثمانُ بنُ عفّانَ يُتِمّ الصلاةَ. (٣٣٤) واحْتَجّ في الجمعِ بَيْن الصلاتين في السفرِ بأنّ رسولَ الله ﷺ جَمَعَ في سَفَرِه إلى تبوكَ بيْنَ الظُّهر والعصرِ، وبين المغربِ (١) والعشاءِ جميعًا، وأنّ ابنَ عمرَ جَمَعَ بين المغربِ والعشاءِ في وقتِ العشاءِ، وأنّ ابنَ عباسٍ قال: «ألَا أخْبِرُكُم عن صلاةِ رسولِ اللهِ ﷺ في السفرِ؟ كان إذا زالت الشمسُ وهو في مَنْزِلِه جَمَعَ بين الظهرِ والعصرِ في الزوالِ، وإذا سافر قبل الزوالِ أخَّرَ الظهرَ حتّى يَجْمَعَ بينها وبين العصرِ في وقتِ العصرِ»، قال الشافعي: وأحْسِبُه قال (٢) في المغربِ والعشاءِ مثلَ ذلك، وهكذا فَعَل بعَرَفَةَ؛ لأنّ أرْفَقُ به تقديمُ العصرِ ليَتَّصِلَ له الدعاءُ، وأرْفَقُ به بمُزْدَلِفَةَ تأخيرُ المغربِ ليَتَّصِلَ له السفرُ فلا يَنْقَطِعَ بالنزولِ للمغربِ، لِما في ذلك مِنْ الضِّيقِ على الناسِ، فدَلَّتْ سُنَّتُه على أنّ مَنْ له القَصْرُ فلَه الجمْعُ كما وَصَفْتُ في الجمعِ بين الصلاتين في أيِّ الوقتين شاءَ، ولا يُؤخِّرُ الأولَى عن وقْتِها إلّا بنِيَّةِ الجمْعِ. (٣٣٥) وإنْ صَلّى الأولَى في أوَّلِ وقْتِها، ولم يَنْوِ مع التسليمِ الجمعَ .. لم يَكُنْ له الجمعُ، وإن نَوَى مع التسليمِ الجَمْعَ .. كان له الجمْعُ. قال المزني: هذا عندي أوْلَى مِنْ قولِه في الجمعِ في المطَرِ في مسْجِدِ الجماعات بين الظهرِ والعصرِ والمغربِ والعشاءِ: «لا يَجْمَعُ إلا مَنْ افْتَتَحَ

стр. 496

الأُولَى بنِيَّةِ الجمعِ»، واحْتَجَّ الشافعيّ بأنّ النبيَّ ﷺ جَمَعَ بالمدينةِ مِنْ غير خوفٍ ولا سفرٍ، قال مالكٌ: «أرَى ذلك في مطرٍ»، قال الشافعي: «والسُّنَّةُ في المطرِ كالسُّنَّة في السفرِ». قال المزني: القياسُ عندي إنْ سَلَّم ولم يَنْوِ الجمعَ، فجَمَعَ في قُرْبِ ما سَلَّم بقَدْرِ ما لو أرادَ الجمعَ كان ذلك فَصْلًا قَرِيبًا بينهما .. أنَّ له الجمعُ؛ لأنّه لا يكون جَمْعُ صلاتين (١) إلّا وبيْنَهما انْفِصالٌ، فكَذلك كلُّ جَمْعٍ، وكذلك مَنْ سها فسَلَّم مِنْ اثنَتَيْن فلم يَطُل فَصْلُ ما بيْنَهُما، أنّه (٢) يُتِمّ كما أتمَّ النبيُّ ﷺ وقد فَصَلَ، ولم يَكُنْ ذلك قَطْعًا لاتصالِ الصلاةِ في الحكمِ، فكذلك عندي اتصالُ جَمْعِ الصلاتين أن لا يكون في التفريقِ بينهما إلا مِقْدارُ ما لا يَطُولُ (٣).

стр. 497

[٣] كتاب الجمعة (١)

стр. 498

(٣٥) باب وجوب الجمعة وغيره من أمرها (٣٣٦) قال الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد، قال: حدثني سلمة بن عبيدالله الخَطْمِي، عن محمد بن كعب القُرَظِيّ؛ أنّه سَمِع رجلًا من بَنِي وائل يقول: قال النبي ﷺ : «تجِبُ الجمعةُ على كل مسْلِمٍ، إلا امرأةٍ، أو صبيٍّ، أو مملوكٍ». (٣٣٧) قال الشافعي: وتجب الجمعة على أهل المِصْر وإنْ كَثُر أهلُه حتّى لا يَسْمَعَ أكثرُهم النداءَ؛ لأنّ الجمعةَ تجِبُ على أهل المِصْر الجامِعِ، وعلى مَنْ كان خارجًا من المِصْرِ إذا سَمِعَ النداءَ، وكان المنادي صَيِّتًا، وكان مَنْ ليس بأصَمَّ مسْتَمِعًا، والأصواتُ هادئةً، والريحُ ساكِنَةً، ولو قلنا (١): حتّى يَسْمَع جميعُهم .. ما كان على الأصمِّ جمعةٌ، ولكنْ إذا كان لهم السبيلُ إلى عِلمِ النداءِ بمَن يَسْمَعُه مِنهم فعليهم الجمعةُ؛ لقول الله ﵎: ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة﴾ الآية [الجمعة: ٩] (٢). (٣٣٨) قال: وإن كانت قريةٌ مجتَمِعَةُ البناءِ والمنازلِ، وكان أهلُها لا يَظْعَنون عنها شِتاءً ولا صَيْفًا إلّا ظَعْنَ حاجةٍ، وكان أهلُها أربعين رجلًا، حُرًّا، بالغًا، غيرَ مغلوبٍ على عقلِه .. وجَبَتْ عليهم الجمعةُ، واحْتَجَّ بما

стр. 499

لا يُثْبته أهلُ الحديثِ: أنّ النبيَّ ﷺ حين قَدِم المدينةَ جَمَّع بأربعين رجلًا، وعن (١) عبيدالله بن عبدالله أنه قال: «كلُّ قريةٍ فيها أربعون رجلًا فعليهم الجمعةُ»، ومثلُه عن عمر بن عبدالعزيز (٢). (٣٣٩) قال الشافعي: فإنْ خَطَب بهم وهم أربعون، ثم انْفَضُّوا عنْه (٣)، ثم رَجَعُوا مكانَهُم .. صَلَّوُا الجمعةَ، وإن لم يَعُودوا حتّى يتباعد (٤) .. أحْبَبْتُ أن يبْتَدِئ خُطْبَتَه (٥)، فإن لم يَفْعَل .. صلّاها بهم ظُهْرًا (٦)، وإن

стр. 500

انْفَضُّوا بعد إحرامِه بهم .. ففيها قولان: أحدهما - إن بَقِيَ معه اثنان حتى تكون صلاتُه صلاةَ جماعةٍ أجْزَأتْهم الجمعةُ، والقولُ الآخر - لا تجْزِئهم بحالٍ، حتى يكون معه أربعون، حتى تَكْمُلَ الصلاةُ. قال المزني: قلت أنا (١): ليس لقوله: «إن بَقِيَ معه اثنان أجزأتهم الجمعةُ» معنًى؛ لأنّه مع الواحد والاثنين في الاستقبال في معنى المنفرد في الجمعة، ولا جماعةَ تجِبُ بها الجمعةُ عنده أقلُّ مِنْ أربعين، فلو جازتْ باثنين لأنه أحْرَم بأربعين .. جازتْ بنفسِه لأنّه أحْرَم بأربعين، فليس لهذا وجه في معناه هذا (٢)، والذي هو أشْبهُ به عندي (٣): إنْ كان صلَّى ركعةً، ثم انْفَضُّوا .. صلَّى أخْرَى منْفَرِدًا، [كما لو أدْرَك معه رجلٌ ركعةً صلَّى أخرى منفردًا (٤)، ولا جمعةَ له إلا بهم، ولا لهم إلا به، فأداؤه ركعةً بهم كأدائهم ركعةً به عندي (٥) في القياس، ومما يَدُلّ على ذلك مِنْ قولِه: «إنّه لو صَلى بهم ركعةً ثُمّ أحْدَث .. بَنَوْا وُحْدانًا ركعةً (٦)، وأجْزَأتْهم» (٧).

стр. 501

(٣٤٠) قال الشافعي: ولو رَكَع مع الإمام، ثم زُحِمَ (١)، فلم يَقْدِر على السجودِ، حتى قَضَى الإمامُ سجودَه .. تَبِعَ الإمامَ إذا قامَ، واعْتُدَّ بها. (٣٤١) قال: فإن كان ذلك في الأُولَى، فلم يُمْكِنْه السجودُ حتّى يَرْكَعَ الإمامُ في الثانيةِ .. لم يَكُنْ له أن يَسْجُد للركعة الأُولَى إلّا أن يَخْرُجَ مِنْ إمامتِه؛ لأنّ أصحابَ النبيِّ ﷺ إنّما سَجَدُوا للعذرِ قَبْلَ ركوعِ الثانيةِ، فيَرْكَعُ معه في الثانية، وتَسْقُط الأخرى (٢). وقال في «الإملاء»: «فيها قولان: أحدهما - لا يَتْبَعُه ولو رَكَع، حتى يَفْرُغَ مما بَقِيَ عليه، والقول الثاني - إن قَضَى ما فات لم يُعْتَدَّ به، وتَبِعَه فيما سواه»، قال المزني: قلت أنا (٣): الأول أشْبَه عندي (٤) بقولِه، قياسًا على أنّ السجودَ إنّما يُحْسَبُ له إذا جاء والإمام يُصَلِّي بإدراك الرُّكوعِ، ويَسْقُط بسقوطِ إدراكِ الركوعِ، وقد قال الشافعي: «إن سَهَا عن ركعةٍ رَكَعَ الثانيةَ معه ثُمّ قَضَى التي سها عنها»، وفي هذا من قولِه لأحَدِ قوْلَيْه دليلٌ، وبالله التوفيق (٥).

стр. 502

(٣٤٢) قال الشافعي: وإنْ أحْدَثَ في صلاةِ الجمعةِ، فتقدَّمَ رجلٌ بأمرِه أو بغير أمرِه، وقد كان دَخَلَ مع الإمامِ قَبْلَ حدَثِه .. فإنّه يُصَلِّي بهم ركعتين، وإن لم يَكُنْ أدْرَك معه التكبيرةَ .. صلّاها ظُهْرًا؛ لأنّه صار مُبْتَدِئًا. قال المزني: قلت أنا (١): يُشْبِه أن يكونَ هذا إذا كان إحرامُه بعد حَدَثِ الإمامِ. (٣٤٣) قال الشافعي: ولا جمعةَ على مسافِرٍ، ولا عبدٍ، ولا امرأةٍ، ولا مريضٍ، ولا مَنْ له عذرٌ، وإنْ حَضَرُوها أجْزَأتْهُم. (٣٤٤) قال: ولا أحِبُّ لمن تَرَكَ الجمعةَ بالعذرِ أن يُصَلّيَ حتى يتأخَّى انصرافَ الإمامِ، ثُمَّ يُصَلُّوا (٢) جماعةً، فمَن صَلَّى مِنْ الذين لا جمعةَ عليهم قبل الإمامِ .. أجْزَأه، وإنْ صَلَّى مَنْ عليه الجمعةُ قبل الإمامِ .. أعادها ظُهْرًا بعد الإمام (٣).

стр. 503

(٣٤٥) قال: ومَن مَرِضَ له وَلَدٌ أو والدٌ، فرآه منْزُولًا به، وخاف فوتَ نفسِه .. فلا بأسَ أن يَدَعَ له الجمعةَ، وكذلك إن لم يَكُنْ له ذُو قرابةٍ وكان ضائعًا لا قَيِّمَ له غيرُه (١)، أو له قَيِّمٌ غيرُه له شُغْلٌ عنه في وقتِ الجمعةِ .. فلا بأسَ أن يَدَعَ له الجمعةَ، تَرَكَها ابنُ عمرَ لمنزولٍ به. (٣٤٦) قال: ومَن طَلَع له الفجرُ .. فلا يُسافِرُ حتّى يُصَلِّيَها (٢).

стр. 504

(٣٦) باب الغسل للجمعة والخطبة، وما يجب في صلاة الجمعة (١) (٣٤٧) قال الشافعي: والسُّنَّةُ أن يَغْتَسِل للجمعةِ كلُّ محْتَلِمٍ، ومَن اغْتَسَل بعد طلوعِ الفجرِ مِنْ يومِ الجمعةِ .. أجْزَأه، ومَن تَرَك الغُسْلَ لم يُعِد؛ لأنّ النبيّ ﷺ قال: «مَنْ توَضَّأ فبِها ونِعْمَتْ، ومَن اغْتَسَل فالغُسْلُ أفضلُ». (٣٤٨) فإذا زالت الشمسُ، وجَلَس الإمامُ على المِنْبَر (٢)، وأذَّن المُؤَذِّنون .. فقد انْقَطَع الركوعُ، فلا يَرْكَعُ أحدٌ، إلا أن يأتيَ رجلٌ لم يَكُنْ رَكَع فيَرْكَعُ، ورُوِي أنّ سُلَيْكًا الغطفانيَّ دَخَل المسجدَ والنبيُّ ﷺ يخْطُب، فقال له: «أركعتَ؟»، قال: لا، قال: «فصَلِّ ركعتين»، وأنّ أبا سعيدٍ الخدريَّ ركعهما ومروانُ يخْطُبُ وقال: «ما كنتُ لأدعَهما بعد شيءٍ سمعتُه مِنْ رسولِ الله ﷺ ». (٣٤٩) قال: ويُنصِتُ الناسُ (٣)، ويخْطُبُ الإمامُ قائمًا خطبتين، يجْلِسُ بينهما جَلْسَةً خفيفةً، إلا أن يكونَ مريضًا فيَخْطُب جالسًا، ولا بأسَ بالكلامِ ما لم يخْطُبْ، ويحَوِّلُ الناسُ وجوهَهم إلى الإمامِ ويسْتَمِعُون الذكرَ، فإذا فَرَغَ أقِيمَت الصلاةُ، فيُصَلِّي بالناسِ ركعتين، يَقْرَأ في الأولى بأمِّ القرآن

стр. 505

يبْتَدِئها بـ «بسم الله الرحمن الرحيم» وبسورة الجمعة، ويَقْرَأ في الثانية بأمِّ القرآن و ﴿إذا جاءك المنافقون﴾ [المنافقون: ١] (١)، ثم يتَشَهَّد ويُصَلِّي على النبيّ ﷺ ويُسَلِّم (٢). (٣٥٠) ويجْهَرُ الإمامُ بالقراءة، ولا يَقْرَأ مَنْ خَلْفَه. (٣٥١) ومتى دَخَل وقتُ العصرِ قبل أن يُسَلِّمَ الإمامُ مِنْ الجمعةِ .. فعليه أن يُتِمَّها ظُهْرًا. (٣٥٢) ومَن أدْرَك مع الإمامِ ركعةً بسجدتين أتمَّها جمعةً، وإن تَرَك سجدةً فلم يَدْرِ أمِن التي أدْرَك أم مِنْ الأخْرَى (٣) .. حسَبَها ركعةً وأتمَّها ظُهْرًا؛ لأنّ النبيّ ﷺ قال: «مَنْ أدْرَك ركعةً مِنْ الصلاةِ، فقد أدْرَك الصلاةَ»، ومعنى قولِه: إن لم تَفُتْه، ومَن لم تَفُتْه صَلّى ركعتين، وأقلُّها ركعةٌ بسجدتيها (٤). (٣٥٣) وحَكَى في أدبِ الخطبةِ: اسْتَوَى النبيُّ ﷺ على الدرجةِ التي تَلِي المسْتَرَاحَ قائمًا، ثُمّ سَلَّم وجَلَسَ على المسْتَراح حتّى فَرَغَ المُؤَذِّن (٥)، ثُمّ قام فخَطَب الأُولى، ثُمّ جَلَس، ثُمّ قام فخَطَب الثانيةَ. (٣٥٤) ورَوَى أنّه ﷺ كان إذا خَطَب اعْتَمَد على عَنَزَتِه اعتمادًا، وقيل: على قَوْسٍ، قال: وأحِبُّ أن يَعْتَمِد على ذلك أو ما أشبهه، فإن لم يَفْعَل ..

стр. 506

أحْبَبْتُ أن يُسَكِّنَ جَسَدَه ويدَيْه، إمَّا بأن يجْعَلَ اليُمْنَى على اليُسْرَى، أو يُقِرَّهما في موْضِعِهما. (٣٥٥) ويُقْبِلُ بوَجْهِه قَصْدَ وَجْهِه، لا يَلْتَفِتُ يمينًا ولا شِمالًا. (٣٥٦) وأحِبُّ أن يَرْفَعَ صَوْتَه حتّى يُسْمِعَ، وأن يكون كلامُه مُتَرَسِّلًا، مُبِينًا، مُعْرَبًا، بغير ما يُشْبِه البَغْيَ (١)، وغيرِ التَّمْطِيطِ وتَقْطِيعِ الكلامِ ومَدِّه، ولا ما يُسْتَنْكَرُ (٢) مِنه، ولا العَجَلَةِ فيه عن الإفهامِ، ولا تَرْكِ الإفصاحِ بالقَصْدِ، ويكونُ كلامُه قَصِيرًا بَلِيغًا جَامِعًا. (٣٥٧) قال: وأقَلُّ ما يَقَعُ عليه اسْمُ خُطْبَةٍ منها (٣): أن يحْمَدَ اللهَ، ويُصَلِّيَ على النبيّ ﷺ ، ويُوصِيَ بتقوى الله، ويَقْرَأَ آيةً في الأُولى، ويحْمَدَ اللهَ، ويُصَلِّيَ على النبيّ ﷺ ، ويُوصِيَ بتقوى الله ويَدْعُوَ في الآخرة؛ لأنَّ مَعْقُولًا أنّ الخطبةَ جَمْعُ بعضِ الكلامِ مِنْ وجوهٍ إلى بعضٍ، وهذا أوْجَزُه (٤). (٣٥٨) وإن حَصِرَ الإمامُ .. لُقِّنَ. (٣٥٩) وإن قَرَأ سجدةً فنَزَلَ فسَجَدَ .. لم يَكُنْ به بأسٌ كما لا يَقْطَعُ الصلاةَ. (٣٦٠) قال: وأحِبُّ أن يَقْرَأ في الآخرةِ بآيةٍ، ثُمَّ يقولَ: «أسْتَغْفِر الله لي ولكم». (٣٦١) وإنْ سَلَّم رجلٌ والإمامُ يخْطُبُ .. كَرِهْتُه، ورأيْتُ أن يَرُدَّ عليه بعضُهم؛ لأنّ الردَّ فرضٌ، ويَسَعُ تَشْمِيتُ العاطِسِ (٥)؛ لأنّها سُنَّةٌ.

стр. 507

وقال في القديم: «لا يُشَمِّتُ ولا يَرُدُّ ﵇ إلا إشارةً»، قال المزني: قلت أنا (١): الجديدُ أوْلَى؛ لأنّ الرَّدَّ فرضٌ، والصَّمْتَ سُنَّةٌ (٢)، والفرضُ أوْلَى مِنْ السنةِ، وهو يقول: إنّ النبيَّ ﷺ كَلَّمَ قَتَلَةَ ابنِ أبي الحُقَيْق في الخطبة، وكَلَّمَ سُلَيْكًا الغطفانيَّ، وهو يقول: «يَتَكَلَّمُ الرجلُ فيما يَعْنِيه»، ويقول: «لو كانت الخطبةُ صلاةً ما تَكَلَّم فيها رسولُ الله ﷺ »، قال المزني (٣): وفي هذا دليلٌ على ما وَصَفْتُ، وبالله التوفيق. (٣٦٢) قال الشافعي: والجمعةُ .. خَلْفَ كلِّ إمامٍ صَلّاها، مِنْ أميرٍ، ومأمورٍ، ومُتَغَلِّبٍ على بلدٍ، وغيرِ أميرٍ، وخلف عبدٍ، ومسافرٍ؛ كما تُجْزِئ الصلاةُ في غيرها. (٣٦٣) ولا يُجَمَّعُ في مصرٍ وإن عَظُمَ وكثرتْ مساجِدُه إلا في مسجدٍ واحدٍ منها، وأيُّها جُمِّعَ فيه فبَدَأ بها بعد الزوالِ فهي الجمعةُ، وما بعدها فإنَّما هي ظُهْرٌ يُصَلُّونها أربعًا؛ لأنّ النبيَّ ﷺ ومَنْ بعده صَلَّوْا في مسجدِه - وحول المدينة مساجدُ - لا نَعْلَم أحدًا منهم جَمَّعَ إلا فيه، ولو جاز في مسجدين لجاز في مساجِد العشائر (٤).

стр. 508

(٣٧) باب التبكير إلى الجمعة (١) (٣٦٤) قال الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن الزُّهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ (٢): «مَنْ اغْتَسَل يومَ الجُمُعةِ غُسْلَ الجنابةِ ثُمّ راح .. فكأنّما قَرَّبَ بَدَنَةً، ومَن راح في الساعة الثانية .. فكأنّما قَرَّبَ بَقَرَةً، ومَن راح في الساعة الثالثة .. فكأنّما قَرَّبَ كَبْشًا أقْرَنَ، ومَن راح في الساعة الرابعة .. فكأنّما قَرَّبَ دَجاجَةً، ومَن راح في الساعة الخامسة .. فكأنّما قَرَّبَ بَيْضَةً، فإذا خَرَجَ الإمامُ .. حَضَرَت الملائكةُ يسْتَمِعُون الذكرَ» (٣). (٣٦٥) قال الشافعي: فأحِبُّ التَّبْكِيرَ إليها، وأن لا تُؤتَى إلا مَشْيًا، لا يَزِيدُ على سَجِيَّةِ مَشْيِه ورُكوبِه، ولا يُشَبِّكُ بين أصابِعِه؛ لقولِ النبيِّ ﷺ :

стр. 509

«فإنّ أحدَكم في صلاةٍ ما كان يَعْمِدُ إلى الصلاةِ» (١).

стр. 510

(٣٨) باب الهيئة للجمعة (٣٦٦) قال الشافعي: أخبرنا مالك، عن الزُّهري، عن ابن السَّبَّاق، أنّ رسولَ الله ﷺ قال في جمعةٍ مِنْ الجُمَعِ: «يا مَعْشَرَ المسلمين، إنّ هذا يومٌ جَعَلَه الله عِيدًا للمسلمين فاغْتَسِلُوا، ومَن كان عِنْدَه طِيبٌ فلا يَضُرُّه أن يَمَسَّ مِنه، وعليكم بالسواك». (٣٦٧) قال الشافعي: وأحِبُّ أن يَتَنَظَّفَ بغُسْلٍ، وأخْذِ شَعْرٍ وظُفْرٍ، وعِلاجٍ لما يَقْطَعُ تَغْيِيرَ الريحِ مِنْ جميع جَسَدِه، وسِواكٍ. (٣٦٨) ويَسْتَحْسِنُ ثِيابَه ما قَدَر عليه، ويُطَيِّبُها؛ اتِّباعًا للسنةِ، ولئلا يُؤذِيَ أحَدًا قارَبَه. (٣٦٩) وأحَبُّ ما يَلْبَسُ إليَّ البياضُ، فإنْ جاوَزَه فعَصْبُ اليَمنِ والقِطْرِيِّ (١) وما أشْبَهَه مما يُصْبَغُ غَزْلُه ولا يُصْبَغُ بعدما يُنْسَجُ .. فحَسَنٌ (٢). (٣٧٠) وأكْرَهُ للنِّساء الطِّيبَ وما يَشْتَهِرْن به. (٣٧١) وأحِبُّ للإمامِ مِنْ حُسْنِ الهيْئَةِ أكثرَ، وأن يَعْتَمَّ، ويَرْتَدِيَ ببُرْدٍ؛ فإنّه يُقال: «كان النبيُّ ﷺ يَعْتَمُّ ويَرْتَدِي ببُرْدٍ».

стр. 511

[٤] كتاب صلاة الخوف (١)

стр. 512

(٣٧٢) قال الشافعي: وإذا صَلَّوْا في سَفَرٍ صلاةَ الخوفِ مِنْ عَدُوٍّ غيرِ مأمونٍ .. صَلَّى الإمامُ بطائفةٍ ركعةً، وطائفةٌ وُجَاهَ العدُوّ (١)، فإذا فَرَغ منها قام فثَبَت قائمًا وأطالَ، وأتمَّت الطائفةُ الركعةَ التي بَقِيَتْ عليها، تقْرَأ فيها بأمّ القرآن وسورةٍ وتُخَفِّفُ، ثم تُسَلِّمُ وتَنْصَرِفُ وتَقِفُ (٢) وُجاهَ العدُوّ، وتأتي الطائفةُ الأخْرَى، فيُصَلِّي بها الإمامُ الركعةَ الثانيةَ التي بَقِيَتْ عليه، فيَقْرَأ فيها بعد إتْيانِهم بأمّ القرآنِ وسورةٍ قصيرةٍ (٣)، ويَثْبُتُ جالسًا، وتَقوم الطائفةُ فتُتِمّ لأنفسها الركعةَ التي بَقِيَتْ عليها بأمّ القرآن وسورةٍ قصيرةٍ، ثُمّ يجْلِسُ الإمامُ (٤) قَدْرَ ما يَعْلَمُهم تَشَهَّدُوا، ثُمّ يُسَلِّمُ بهم (٥)، وقد صَلَّت الطائفتان جميعًا مع الإمام، وأخَذَتْ كلُّ واحدةٍ منهما مع إمامِها ما أخَذَت الأخْرَى

стр. 513

منه، واحتج بقول الله ﵎: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك﴾ [النساء: ١٠٢] الآية، واحْتَجّ بأنّ النبيّ ﷺ فَعَل نحوَ ذلك يَوْمَ ذاتِ الرِّقاع. (٣٧٣) قال الشافعي: و «الطائفةُ»: ثلاثةٌ فأكثرُ (١)، وأكْرَهُ أن يُصَلِّي بأقلَّ مِنْ طائفةٍ، وأن يحْرُسَه أقلُّ مِنْ طائفةٍ. (٣٧٤) وإن كانتْ صلاةَ المغربِ .. فإن صَلّى ركعتين بالطائفة الأولى، وثَبَت قائمًا، وأتمُّوا لأنفُسِهم .. فحسنٌ، وإن ثَبَت جالسًا، وأتمُّوا لأنفُسِهم .. فجائزٌ، ثُمّ تأتي الطائفةُ الأخْرَى فيُصَلِّي بها ما بَقِيَ (٢) عليه، ثُمّ

стр. 514

يَثْبُت جالسًا حتّى تَقْضِيَ ما بَقِيَ عليها، ثم يُسَلِّمُ بهم (١). (٣٧٥) وإن كانتْ صلاةَ حَضَرٍ .. فليَنْتَظِر جالسًا في الثانيةِ، أو قائمًا في الثالثةِ حتى تُتِمَّ الطائفةُ التي معه، ثم تأتي الطائفةُ الأخرى فيُصَلِّي بها كما وصَفْتُ في الأخْرَى. (٣٧٦) ولو فرَّقَهُم أربعَ فِرَقٍ، فصَلَّى بفرقةٍ ركعةً وثَبَت قائمًا وأتمُّوا، ثُمّ بفرقةٍ ركعةً وثَبَتَ جالسًا وأتمُّوا، ثُمّ بفرقةٍ ركعةً وثَبَت قائمًا وأتمُّوا، ثُمّ بفرقةٍ ركعةً وثبَتَ جالسًا وأتمُّوا .. كان فيها قولان: أحدهما - أنه أساء، ولا إعادةَ عليه، والثاني - أنّ صلاةَ الإمامِ فاسدةٌ، وتَتِمُّ صلاةُ الأولى والثانية؛ لأنهما خرجتا مِنْ صلاتِه قبل فسادِها؛ لأنّ له انتظارًا واحدًا بعده آخَرُ، وتَفْسُد صلاةُ مَنْ عَلِم مِنْ الباقين بما صَنَع وائْتَمَّ به، دون مَنْ لم يَعْلَم (٢). (٣٧٧) قال: وأحِبُّ للمصلي أن يأخذ سلاحَه في الصلاة، ما لم يكن نَجِسًا، أو يَمْنَعْه مِنْ الصلاة، أو يُؤذِي به أحدًا، ولا يأخذ الرمحَ إلا أن يكون في حاشية الناس (٣).

стр. 515

(٣٧٨) ولو سها في الأُولى أشار إلى مَنْ خلفه بما يَفهَمُون أنَّه سها، فإذا قَضَوْا سجدوا لسهوه ثم سَلَّمُوا، وإن لم يَسْهُ هو وسَهَوْا هم بعد الإمام سجدوا لسهوهم، وتَسْجُد الطائفة الأخْرَى معه لسهوه في الأُولى (١). (٣٧٩) قال الشافعي: وإنْ كان خوفٌ أشَدُّ مِنْ ذلك، وهو المُسايَفَةُ والتِحامُ القتال، ومُطاردة العدو (٢)، حتى يَخافوا إن وَلَّوْا أن يَرْكَبُوا أكتافَهُم فتكونَ هَزِيمَتُهم .. فيُصَلُّوا كيف أمْكَنَهم، مُسْتَقْبِلي القبلةِ وغيرَ مُسْتَقْبِليها، وقُعُودًا على دَوَابِّهم، وقيامًا في الأرض على أقدامهم، يُومِئون برُؤوسِهم، واحْتَجَّ بقول الله ﵎: ﴿فإن خفتم فرجالًا أو ركبانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] (٣)، قال ابن عمر: «مُسْتَقْبِلي القبلةِ وغيرَ مُسْتَقْبِليها»، قال نافع: «لا أرى ابن عمر ذَكر ذلك إلا عن رسول الله ﷺ ».

стр. 516

(٣٨٠) قال: ولو صَلَّى على فَرَسِه في شدة الخوف ركعةً ثُمّ أمِنَ .. نَزَل فصَلَّى أخْرَى مُواجَهَةَ القبلةِ، وإنْ صَلَّى ركعةً آمنًا ثُمَّ صار إلى شدة الخوف فرَكِبَ .. ابْتَدَأ؛ لأنّ عَمَلَ النزولِ خفيفٌ، والركوبُ أكثرُ مِنْ النزول. قال المزني: قلت أنا (١): قد يكون الفارسُ أخَفَّ رُكوبًا وأقلَّ شُغْلًا لفُرُوسِيَّتِه مِنْ نُزول ثَقِيلٍ غيرِ فارسٍ (٢). (٣٨١) قال الشافعي: ولا بأسَ أن يَضْرِبَ في الصلاة الضَّرْبَةَ، ويَطْعَنَ الطَّعْنَةَ، فأمّا إنْ تابع الضربَ، أو رَدَّدَ الطعنةَ في المطْعُون، أو عَمِلَ ما يَطُول .. بَطَلَتْ صلاتُه. (٣٨٢) ولو رَأوْا سَوادًا (٣) أو جماعةً أو إبلًا، فظَنُّوهم عَدُوًّا، فصَلَّوْا صلاةَ شدةِ الخوفِ يُومئون إيماءً، ثُمّ بان لهم أنّهم ليسوا بِعَدُوٍّ، أو شَكُّوا .. أعادوا. وقال في «الإملاء»: «لا يُعِيدُون؛ لأنّهم صَلَّوْا والعلَّةُ موجودةٌ»، قال المزني: قلت أنا (٤): أشْبَهُ بقولِه عندي أن يُعِيدُوا (٥).

стр. 517

(٣٨٣) قال الشافعي: وإنْ كان العدوُّ قليلًا، مِنْ ناحية القبلة، والمسلمون كثيرًا يَأْمَنونهم، في مُسْتَوٍ، لا يَسْتُرُهم شيءٌ إنْ حملوا عليهم رَأوْهُم .. صَلّى الإمامُ بهم جميعًا، ورَكَع وسَجَد بهم جميعًا، إلا صَفًّا يَلِيه أو بعضَ صَفٍّ يَنْظُرون العدوَّ، فإذا قاموا بعد السجدتين سَجَد الذين حَرَسُوا، فإذا رَكَعَ رَكَعَ بهم جميعًا، فإذا سَجَد سَجَدَ معه الذين حَرَسُوا (١) أوَّلًا إلّا صَفًّا أو بعضَ صَفٍّ يحْرُسُه منهم، فإذا سَجَدُوا سجدتين وجَلَسُوا سَجَد الذين حَرَسُوا (٢)، ثُمّ يَتَشَهَّدُون، ثُمّ يُسَلِّمُ بهم جميعًا معًا، وهذا نحوُ صلاةِ النبيِّ ﷺ يومَ عُسْفانَ. (٣٨٤) قال: ولو تأخَّر الصفُّ الذي حَرَسَه إلى الصفِّ الثاني، وتَقَدَّم الثاني فحَرَسَه (٣) .. فلا بأسَ. (٣٨٥) ولو صَلَّى في الخوف بطائفةٍ ركعتين ثُمّ سَلَّم، ثُمّ صَلَّى بالطائفةِ الأخْرَى ركعتين ثُمّ سَلَّم .. فهكذا صَلّى النبيُّ ﷺ ببطن نَخْلٍ. قال المزني: وهذا عندي يَدُلّ على جواز صلاة فريضةٍ خلف مَنْ صَلّى نافلةً؛ لأنّ النبيّ ﷺ صلّى بالطائفةِ الثانية فريضةً لهم ونافلةً له. (٣٨٦) قال الشافعي: وليس لأحدٍ أن يُصَلّيَ صلاةَ الخوفِ في طلبِ العدوِّ؛ لأنّه آمِنٌ، وطلبُهم تطوُّعٌ، والصلاةُ فرضٌ، ولا يُصَلِّيها كذلك إلا خائفًا.
следующие страницы →