وإن لم يَكُنْ ثابتًا - أن يُعْمَل مِنْ الغد وبعد الغد» (١)، قال المزني: قولُه الأولُ أوْلَى؛ لأنّه احْتَجّ فقال: «لوْ جاز أن يَقْضِي كان بعد الظهر أجْوَزَ، وإلى وقْتِه أقربَ»، قال المزني: قلت أنا (٢): وهذا مِنْ قوله على صواب أحد قوليه عندي (٣) دليلٌ، وبالله التوفيق (٤).
(٤٢٢) قال الشافعي: أيَّ (١) وقتٍ خُسِفَت الشمسُ، في نصف النهار أو بعد العصر .. فسواءٌ، ويَتَوَجَّه الإمامُ إلى حيث تُصَلَّى الجمعةُ، فيَأمُر بـ «الصلاةُ جامعةٌ»، ثُمّ يُكَبِّرُ، ويَقْرَأ في القيام الأوّل بعد أمّ القرآن بسورة البقرة إن كان يحْفَظُها، أو قَدْرَها مِنْ القرآن إن كان لا يحْفَظُها، ثُمّ يَرْكَع فيُطِيلُ، ويجْعَل ركوعَه قَدْرَ قراءة مائة آيةٍ مِنْ سورة البقرة، ثُمّ يَرْفَع فيَقول: «سَمِع اللهُ لمن حَمِدَه، ربنا لك الحمد»، ثُمّ يَقْرَأ بأمّ القرآن وقدرَ مائتي آيةٍ مِنْ البقرة، ثُمّ يَرْكَع بقَدْرِ ما يَلِي ركوعَه الأوّلَ (٢)، ثُمّ يَرْفَع فيَسْجُدُ سَجْدَتَيْن، ثُمّ يَقُوم في الركعة الثانية فيَقْرَأ بأمّ القرآن وقَدْرِ مائةٍ وخمسين آيةً مِنْ البقرة، ثُمّ يَرْكَع بقَدْرِ قراءةِ سبعين آيةً مِنْ البقرة، ثُمّ يَرْفَع فيَقْرَأ بأمّ القرآن وقدرِ مائة آيةٍ مِنْ البقرة، ثُمّ يَرْكَع بقدر خمسين آيةً مِنْ البقرة، ثُمّ يَرْفَع، ثُمّ يَسْجُد (٣).
стр. 531
(٤٢٣) وإنْ جاوز هذا أو قَصَّر عنه، فإذا قرأ بأمِّ القرآن .. أجزأه.
(٤٢٤) ويُسِرُّ في خُسوف الشمس بالقراءة؛ لأنها مِنْ صلاة النهار.
(٤٢٥) واحْتَجّ بأن ابنَ عباسٍ قال: «خَسَفَت الشمسُ، فصَلَّى رسولُ الله ﷺ والناسُ معه، فقام قيامًا طويلًا، قال: نحوًا مِنْ سورة البقرة، قال: ثُمّ رَكَع ركوعًا طويلًا، ثُمّ رَفَع فقام قيامًا طويلًا وهو دون القيام الأوّل، ثُمّ رَكَع ركوعًا طويلًا وهو دون الركوع الأوّل، ثُمّ سَجَد، ثُمّ قام قيامًا طويلًا وهو دون القيام الأوّل، ثُمّ رَكَع ركوعًا طويلًا وهو دون الركوع الأوّل، ثُمّ رَفَع فقام قيامًا طويلًا وهو دون القيام الأوّل، ثُمّ رَكَع ركوعًا طويلًا وهو دون الركوع الأوّل، ثُمّ سَجَد، ثُمّ انْصَرَف وقد تَجَلَّت الشمسُ، فقال: إنّ الشمسَ والقمرَ آيتان مِنْ آيات الله، لا يَنْخَسِفان (١) لموت أحَدٍ ولا لحياتِه، فإذا رأيتم ذلك فافْزَعوا إلى ذكر الله».
ووُصِف عن ابن عباس أنه قال: «كنتُ إلى جَنْبِ النبيّ ﷺ ، فما سمعتُ مِنه حرفًا»، قال الشافعي: لأنّه أسَرَّ، ولو سَمِعَه ما قَدَّر قراءتَه. ورَوَى أنّ ابنَ عباس صَلّى في كسوفِ (٢) القمر ركعتين في كل ركعة ركعتين،
стр. 532
ثم رَكِبَ فخَطَبَنا، وقال: «إنّما صَلَّيْتُ كما رأيتُ النبيَّ ﷺ يُصَلِّي»، قال: وبَلَغَنا عن عثمانَ أنّه صَلَّى في كل ركعة ركعتين.
(٤٢٦) قال: وإن اجْتَمَع خسوفٌ وعيدٌ واستسقاءٌ وجنازةٌ .. بُدِئ بالصلاةِ على الجنازةِ، فإن لم يَكُنْ حَضَرَ الإمامُ .. أمَرَ مَنْ يَقُوم بها وبَدَأ بالخسوفِ (١)، ثُمّ تُصَلَّى العيدُ، ثُمّ أخِّر الاستسقاءُ إلى يومٍ آخرَ، وإنْ خاف فَوْتَ العيدِ .. صَلّاها وخَفَّفَ، ثُمّ خَرَج منها إلى صلاة الخسوف، ثُمّ يَخْطُب للعيد وللخسوف، ولا يَضُرُّه أن يَخْطُب بعد الزوال لهما.
(٤٢٧) وإنْ كان في وقت الجمعة بَدَأ بصلاة الخسوف وخُفِّفَتْ، فقَرَأ في كلّ ركعةٍ بأمّ القرآن و ﴿قل هو الله أحد﴾ وما أشبهها، ثُمّ يَخْطُب للجمعة، ويَذْكُر فيها الخسوفَ، ثُمّ يُصَلّي الجمعةَ.
(٤٢٨) وإن خَسَفَ القمرُ (٢) .. صَلّى كذلك، إلا أنّه يَجْهَر بالقراءة؛ لأنها صلاةُ الليل.
(٤٢٩) فإن خُسِفَ به في وقت قنوتٍ .. بَدَأ بالخسوف قبل الوتر وقبل ركعتي الفجر وإن فاتتا؛ لأنهما صلاتا انفراد.
(٤٣٠) ويَخْطُب بعد صلاة الخسوفِ ليلًا ونهارًا، ويَحُضّ الناسَ على الخير، ويأمرهم بالتوبة والتقرب إلى الله.
стр. 533
(٤٣١) وتُصَلَّى حيث تُصَلَّى الجمعةُ، لا حيث تُصَلَّى الأعيادُ.
(٤٣٢) فإن لم يُصَلِّ حتى تَغِيبَ كاسفةً أو مُنْجَلِيَةً، أو خَسَفَ القمرُ فلم يُصَلّ حتى يَنْجَلِيَ أو تَطْلُع الشمسُ (١) .. لم يُصَلّ للخسوف، فإن غاب خاسفًا .. صَلَّى الخسوفَ بعد الصبح ما لم تَطْلُع الشمسُ، ويُخَفِّف للفراغ قبل طلوعِ الشمسِ، فإنْ طَلَعَتْ أو أحْرَم فَتَجَلَّت .. أتمُّوها، فإن جَلَّلَها سحابٌ أو حائلٌ .. فهي على الخسوف حتى يَسْتَيْقِن تَجَلِّيَ جميعها.
(٤٣٣) وإن اجْتَمَع أمران فخاف فوتَ أحدهما .. بَدَأ بالذي يَخاف فوتَه، ثُمّ رَجَع إلى الآخر.
(٤٣٤) وإن لم يَقْرَأ في كلّ ركعةٍ مِنْ الخسوفِ إلا بأمِّ القرآن .. أجزأه.
(٤٣٥) ولا يَجُوز عندي تركُها لمسافرٍ ولا لمقيمٍ، بإمامٍ ومنفردِين.
(٤٣٦) ولا آمُرُ بصلاة جماعةٍ في آيةٍ سواهما، وآمُرُ بالصلاة منفردِين.
(٤٣٧) قال الشافعي: ويَسْتَسْقِي الإمامُ حيث يُصَلَّى العيدُ.
(٤٣٨) ويخْرُج مُتَنَظِّفًا بالماء وما يَقْطَع تَغَيُّرَ (١) الرائحةِ، مِنْ سواكٍ وغيرِه، وفي ثياب تَواضُعٍ، وفي اسْتِكانةٍ (٢)، وما أحْبَبْتُ للإمام مِنْ هذا أحْبَبْتُه للناس كافَّةً، ورُوِي عن رسول الله ﷺ أنّه خَرَج في الجمعة والعيدين بأحسن هيئة، ورُوِي أنّه خَرَج في الاستسقاء متواضعًا، وأحسب الذي رواه قال: «متبذلًا» (٣).
(٤٣٩) قال: وأحِبُّ أن يُخْرَج بالصبيان (٤) - ويتَنَظَّفون (٥) للاستسقاء - وكبارِ النساءِ ومَن لا هيئةَ لها مِنهنّ.
(٤٤٠) وأكْرَه إخراجَ مَنْ خالف (٦) الإسلامَ للاستسقاء في موضعِ (٧) مُسْتَسْقَى المسلمين، وأمْنَعُهم مِنْ ذلك، وإنْ خَرَجُوا مُتَمَيِّزين لم أمْنَعْهم مِنْ ذلك.
стр. 536
(٤٤١) ويأمُر الإمامُ الناسَ قبل ذلك أن يَصوموا ثلاثًا، ويَخْرُجوا مِنْ المظالمِ، ويَتَقَرَّبوا إلى الله بما استطاعوا مِنْ خير، ويخْرُج بهم في اليوم الرابع إلى أوْسَعِ ما يَجِد، وينادي: «الصلاةُ جامعةٌ»، ثم يُصَلِّي بهم الإمام ركعتين كما يُصَلَّى في العيدين سواءً، ويَجْهَر فيهما، ورُوِي عن رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعلي أنهم كانوا يجهرون بالقراءة في الاستسقاء، ويُصَلُّون قبل الخطبة، ويُكَبِّرون في الاستسقاء سبعًا وخمسًا، وعن عثمانَ بن عفان أنّه كَبَّر سبعًا وخمسًا (١)، وعن ابن عباس أنه قال: «يُكَبِّر مثل صلاة العيدين سبعًا وخمسًا».
(٤٤٢) قال: ثم يخْطُب الخطبةَ الأُولَى، ثم يجْلِسُ، ثم يَقوم فيَخْطُب بعض الخطبة الآخِرَة، مُسْتَقْبِلَ الناس في الخطبتين، ويُكْثِر فيهما الاستغفارَ (٢)، ويَقُول كثيرًا: ﴿استغفروا ربكم إنه كان غفارا * يرسل السماء عليكم مدرارا﴾ [نوح: ١٠ - ١١]، ثم يُحَوِّلُ وجهَه إلى القبلة ويُحَوِّلُ رداءَه، فيَجْعَل طَرَفَه الأسفلَ الذي على شِقِّه الأيسر على عاتقه الأيمن، وطَرَفَه الأسفلَ الذي على شِقِّه الأيمن على عاتقه الأيسر، وإنْ حَوَّله ولم يُنَكِّسْه أجزأه (٣)، وإن كان عليه سَاجٌ (٤) جعل ما على عاتقه الأيسر على عاتقه الأيمن، وما على عاتقه الأيمن على عاتقه الأيسر، ويَفْعَل الناس مثلَ ذلك، ورُوِيَ عن رسول الله ﷺ أنه كانت عليه خَمِيصَة سوداءُ (٥) فأراد أن يأخذ
стр. 537
بأسفلها فيجعلها أعلاها، فلما ثَقُلَت عليه قَلَبَها.
(٤٤٣) قال: ويَدْعُو سِرًّا، ويَدْعو الناسُ معه، ويكون مِنْ دعائهم: «اللهمّ أنت أمَرْتَنا بدعائك، ووَعَدْتَنا إجابتَك، فقد دَعَوْناك كما أمَرْتَنا، فأجِبْنا كما وَعَدْتَنا، اللهمّ فامْنُنْ علينا بمغفرةِ ما قارَفْنا (١)، وإجابَتِك في سقيانا وسَعَةِ رزقنا»، ثم يَدْعو ويَدْعُون بما شاؤوا (٢) من دين ودنيا، ويَبْدَؤون ويَبْدَأ الإمامُ بالاستغفار، ويَفْصِلُ به كلامَه ويَخْتِم به.
(٤٤٤) ثُمّ يُقْبِل على الناس بوَجْهِه فيَحُضُّهم على طاعة رَبِّهم، ويُصَلِّي على النبيّ ﷺ ، ويَدْعُو للمؤمنين والمؤمنات، ويَقْرَأ آيةً أو آيتين، ويَقولُ: «أستغفر الله لي ولكم».
(٤٤٥) ثم يَنْزِل، فإنْ سَقاهم اللهُ، وإلّا عادوا مِنْ الغَدِ للصلاة والاستسقاء حتّى يَسْقِيَهم اللهُ.
(٤٤٦) وإذا حَوَّلوا أرْدِيَتَهم أقَرُّوها مُحَوَّلَةً كما هي حتّى يَنْزِعُوها متى نَزَعُوها.
(٤٤٧) وإنْ كانت ناحيةٌ جَدْبَةٌ وأخْرَى خِصْبَةٌ (٣) .. فحَسَنٌ أن يَسْتَسْقِيَ أهلُ الخِصْبَةِ لأهلِ الجَدْبَة وللمسلمين، ويسألوا الله الزيادةَ للمُخْصَبِين، فإنّ ما عند الله واسِعٌ.
стр. 538
(٤٤٨) ويَسْتَسْقِي حيث لا يُجَمَّعُ (١) مِنْ باديةٍ وقريةٍ، ويَفْعَلُه المسافرون؛ لأنه سنةٌ، وليس بإحالةِ فرضٍ (٢)، ويفعلون مثل ما يَفْعَل أهلُ الأمصار مِنْ صلاة وخطبة.
(٤٤٩) ويُجْزِئ أن يَسْتَسْقِي الإمامُ بغيرِ صلاةٍ، وخلفَ صلواتِه.
стр. 539
(٤٢)
باب الدعاء في الاستسقاء
(٤٥٠) قال الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد، قال: حدثني خالد بن رباح، عن المطَّلِب بن حَنْطَب، أنّ النبيّ ﷺ كان يقول: «اللهمّ سُقْيَا رحمةٍ، لا (١) سُقْيَا عذابٍ، ولا مَحْقٍ، ولا بَلاءٍ، ولا هَدْمٍ، ولا غَرَقٍ (٢)، اللهم على الظِّراب ومَنابِت الشجر (٣)، اللهم حَوالَيْنا ولا علينا»، ورُوِي عن سالم، عن أبيه، أنّ رسول الله ﷺ كان إذا استسقى قال: «اللهم اسْقِنا غَيْثًا مُغِيثًا هَنِيئًا مَرِيئًا مَرِيعًا غَدَقًا مُجَلَّلًا عامًّا طَبَقًا سَحًّا دائمًا (٤)، اللهم اسقنا
стр. 540
الغيث ولا تجعلنا مِنْ القانطين، اللهم إنّ بالعباد والبلاد والبهائم والخلق من اللأواءِ والجَهْدِ والضَّنْكِ ما لا نَشْكُو إلا إليك (١)، اللهم أنْبِتْ لنا الزَّرْعَ، وأدِرْ لنا الضَّرْعَ، واسْقِنا مِنْ بَرَكاتِ السماء، وأنْبِتْ لنا مِنْ بركات الأرض (٢)، اللهم ارفع عنا الجَهْدَ والجوعَ والعُرْيَ، واكْشِف عنّا مِنْ البلاء ما لا يَكْشِفُه غيرُك، اللهم إنا نَسْتَغْفِرُك إنّك كُنْتَ غفّارًا، فأرْسِل السماءَ علينا مِدْرارًا (٣)»، قال الشافعي: فأحِبُّ أن يُفْعَلَ هذا كلُّه، ولا وَقْتَ في الدعاء لا يُجاوزُ.
стр. 541
(٤٣)
باب تارك الصلاة (١)(٤٥١) قال الشافعي: يُقالُ لمن تَرَك الصلاةَ حتّى يَخْرُج وَقْتُها بلا عُذْرٍ: لا يَعْمَلُها (٢) غيْرُك، فإنْ صَلَّيْتَ وإلّا اسْتَتَبْناك، فإنْ تُبْتَ وإلّا قَتَلْناك؛ كما يَكْفُرُ فنَقُول: إنْ آمَنْتَ وإلّا قَتَلْناك، وقد قيل: يُسْتَتاب ثلاثًا، فإنْ صَلَّى فيها وإلَّا قُتِلَ، وذلك إن شاء الله حَسَنٌ.
قال المزني: قلت أنا (٣): قد قال في «المرتد» [ف: ٣٢٠٢]: «إن لم يَتُبْ قُتِل، ولم يُنْتَظَر به ثلاثًا؛ لقول النبيّ ﷺ : مَنْ تَرَك (٤) دينَه فاضْرِبُوا عُنُقَه»، وقد جَعَل تاركَ الصلاةِ بلا عذرٍ كتاركِ الإيمانِ، فله حكمُه في قياس قولِه؛ لأنه عِنْدَه مِثْلُه، ولا يُنْتَظَرُ به ثلاثًا (٥).
(٤٤)
باب إغماض الميت (١)(٤٥٢) قال الشافعي: أوَّلُ ما يَبْدَأ به أولياءُ الميِّتِ: أن يَتَوَلّى أرْفَقُهم به إغماضَ عَيْنَيْه بأسهلِ ما يَقْدِرُ عليه (٢)، وأن يَشُدَّ لَحْيَه الأسفلَ بعِصابةٍ عريضةٍ ويَرْبِطَها مِنْ فوق رأسِه؛ لئلا يَسْتَرْخِيَ لَحْيُه الأسفلُ فيَنْفَتِحَ فُوهُ فلا يَنْطَبِق.
(٤٥٣) ويَرُدُّ ذراعَيْه حتّى يُلْصِقَهما بعَضُدَيْه ثم يَمُدُّهما ويَرُدُّهما إلى فَخِذَيْه، ويَفْعَل ذلك بمفاصلِ ركبتَيْه، ويَرُدّ فَخِذَيْه إلى بَطْنِه ثُمّ يَمُدُّهما، ويُلِينُ أصابعَه، حتّى يَتَبَاقَى لينُه على غاسلِه.
(٤٥٤) ويخْلَعُ عنه ثيابَه، ويُجْعَلُ على بطنِه سيفٌ أو حديدٌ (٣)، ويُسَجَّى بثوبٍ يُغَطَّى به جميعُ جسَدِه، ويُجْعَلُ على لوحٍ أو سَرِيرٍ.
стр. 544
(٤٥)
باب غسل الميت وغسل الزوجِ امرأتَه والمرأةِ زوجَها (١)(٤٥٥) قال الشافعي: ويُفْضَى (٢) بالميِّتِ إلى مُغْتَسَلِه، ويكون كالمنْحَدِر قليلًا، ثم يُعادُ تَلْيينُ مفاصلِه (٣)، ويُطْرَح عليه ما يُوَارِي ما بين رُكْبَتَيْه إلى سُرَّتِه.
(٤٥٦) ويُسْتَر موضعُه الذي يُغْسَل فيه، فلا يَراه أحدٌ إلّا غاسِلُه ومَن لا بُدَّ له مِنْ مَعُونتِه عليه، ويَغُضُّون أبصارَهم عنه إلّا فيما لا يُمكِن غيرُه ليَعْرِف الغاسلُ ما غَسَل وما بَقِي.
(٤٥٧) ويَتَّخِذ إناءين، إناءً يَغْرِف به مِنْ الماء المجموع، فيَصُبّ في الإناء الذي يَلي الميِّتَ، فما تَطايَر مِنْ غَسْل الميِّت إلى الإناء الذي يَلِيه لم يُصِب الآخَرَ.
(٤٥٨) وغيْرُ المسَخَّن مِنْ الماء أحَبُّ إليّ، إلّا أن يكون بَرْدٌ، أو بالميت ما لا يُنْقِيه إلّا المسَخَّنُ فيُغْسَلُ به.
(٤٥٩) ويُغْسَلُ في قميصٍ، ولا يَمَسُّ عورةَ الميِّتِ بيدِه، ويُعِدُّ خِرْقتَيْن نظيفتَيْن لذلك قبل غَسلِه، ويُلْقَى الميِّتُ على ظَهْرِه، ثمّ يَبْدَأ غاسِلُه فيُجْلِسُه
стр. 545
إجلاسًا رفيقًا، ويُمِرّ يدَه على بَطْنِه إمرارًا بليغًا - والماءُ يُصَبّ عليه ليَخْفَى شيءٌ إن خَرَج منه - وعلى يده إحدى الخرقتين حتى يُنْقِيَ ما هنالك، ثم يُلْقيها تُغْسَلُ (١)، ثم يأخُذ الأخْرَى، ثم يَبْدَأ فيُدْخِل إصبَعَه في فيه بين شَفَتَيْه - ولا يَفْغَرُ فاه (٢) - فيُمِرُّها على أسنانه بالماء، ويُدْخِل طَرَفَ إصبَعِه في مِنْخَرَيه بشيءٍ من ماءٍ فيُنْقِي شيئًا إن كان هنالك، ويُوَضِّئه وُضوءَه للصلاة، ويَغْسِل رأسَه ولحيَتَه حتّى يُنْقِيَهُما، ويُسَرِّحُهما تَسْريحًا رفيقًا (٣)، ثم يَغْسِلُه مِنْ صَفْحَة عُنُقِه اليُمْنى (٤) وشِقِّ صَدْرِه وجَنْبِه وفَخِذِه وساقِه، ثم يَعُودُ إلى شِقِّه الأيْسَر فيَصْنَع به مثلَ ذلك، ثم يُحَرِّفُه على جَنْبِه الأيْسَر فيَغْسِلُ ظَهْرَه وقَفاه وفَخِذَه وساقَه اليُمْنَى وهو يَراه متمكنًا، ثم يُحَرِّفُه على شِقِّه الأيْمَنِ فيَصْنَع به مثلَ ذلك، ويَغْسِلُ ما تحت قدَمَيْه وما بيْنَ فَخِذَيْه وألْيَتَيْه بالخرقة ويَسْتَقْصِي ذلك، ثم يَصُبُّ على جميعِه الماءَ القَراحَ (٥)، وأحِبُّ أن يكون فيه كافورٌ.
(٤٦٠) قال: وأقلُّ غُسْلِ الميِّتِ فيما أحِبُّ ثلاثًا، فإن لم يَبْلُغ الإنقاءَ فخمسًا؛ لأنّ النبيّ ﷺ قال لمَن غَسَّل ابنتَه: «اغْسِلنَها ثلاثًا أو خمسًا
стр. 546
أو أكثر إن رأيتن ذلك بماءٍ وسِدرٍ، واجْعَلْن في الآخِرَةِ كافورًا - أو: شيئًا مِنْ كافورٍ -»، قال: ويُجْعَلُ في كل ماءٍ قَراحٍ كافورٌ، وإن لم يُجْعَل إلّا في الآخِرَة أجزأه ذلك.
(٤٦١) ويَتَتَبَّع ما بين أظافيره بعُودٍ - ولا يجرح (١) - حتّى يُخْرِجَ ما تحتها مِنْ الوَسَخ.
(٤٦٢) وكلما صَبَّ عليه الماءَ القَراحَ بعد السِّدرِ حَسبَه غُسْلًا واحدًا، ويَتَعاهدُ مَسْحَ بطنِه في كلِّ غَسْلَةٍ، ويُقْعِدُه عند آخِر غُسْلِه، فإنْ خَرَج مِنه شيءٌ أنْقاه بالخرقة كما وَصَفْتُ وأعاد عليه غَسْلَه (٢)، ثم يُنَشَّفُ في ثوبٍ، ثم يُصَيَّرُ في أكفانه.
(٤٦٣) وإن غُسِلَ مرَّةً بالماء القَراح أجزأه.
(٤٦٤) ومِن أصحابنا مَنْ رَأى حلقَ الشَّعرِ وتقليمَ الأظفار، ومنهم مَنْ لم يَرَه.
قال المزني: وتَرْكُه أعْجَبُ إليّ؛ لأنّه يَصِيرُ إلى بِلًى عن قليلٍ، ونسْأل (٣) اللهَ خيرَ ذلك المصير (٤).
стр. 547
(٤٦٥) قال الشافعي: ولا يُقَرَّبُ المحْرِمُ طِيبًا في غُسلِه وحَنُوطِه (١)، ولا يُخَمَّرُ رأسُه (٢)؛ لقولِ النبيّ ﷺ : «كفِّنُوه في ثوبيه اللذَيْن مات فيهما، ولا تُخَمِّرُوا رأسَه»، ولقوله: «لا تُقَرِّبوه طيبًا؛ فإنّه يُبْعَث يوم القيامة مُلَبِّيًا»، وأنّ ابنًا لعثمانَ تُوُفِّيَ محْرِمًا فلم يُخَمِّر رأسَه، ولم يُقَرِّبْه طيبًا.
(٤٦٦) قال الشافعي: وأحِبُّ أن يكون قُرْبَ الميِّتِ مِجْمَرٌ لا يَنْقَطِعُ حتّى يَفْرُغَ مِنْ غَسْلِه، وإنْ رَأى مِنْ الميِّت شيئًا لا يَتَحَدَّثُ به؛ لِما عليه مِنْ سَتْرِ أخيه.
(٤٦٧) وأوْلاهم بغَسْلِه أوْلاهم بالصلاة عليه.
(٤٦٨) ويُغَسِّلُ الرجلُ امرأتَه، والمرأةُ زوجَها، غَسَّلَت أسماءُ زوجَها أبا بكر الصديق، وعليٌّ امرأتَه فاطمةَ بنتَ رسول الله ﷺ ، وقالت عائشة: «لو اسْتَقْبَلْنا مِنْ أمْرِنا ما اسْتَدْبَرْنا ما غَسَّل رسولَ الله ﷺ إلا نساؤُه».
(٤٦٩) قال: وليس للعدَّةِ معنًى يَحِلُّ لأحدهما فيها ما لا يَحِلُّ له من صاحبه.
(٤٧٠) ويُغَسِّلُ المسلمُ قرابتَه مِنْ المشركين، ويَتْبَع جنازتَه، ولا يُصَلِّي عليه؛ لأن النبيّ ﷺ أمَرَ عليًّا فغَسَّلَ أبا طالب.
стр. 548
(٤٦)
باب عدد الكفن وكيف الحَنُوط
(٤٧١) قال الشافعي: وأحَبُّ عَدَد الكفن إليَّ ثلاثةُ أثْوابٍ بِيضٍ رِياطٍ (١)، ليس فيها قميصٌ ولا عمامةٌ؛ لأنّ رسولَ الله ﷺ كُفِّن في ثلاثةِ أثْوابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ (٢)، ليس فيها قميصٌ ولا عمامةٌ.
(٤٧٢) قال: وتُجَمَّرُ بالعود حتى تَعْبَقَ بها (٣)، ثم يَبْسُط أحسنَها وأوسعَها، ثم الثانيةَ عليها، ثم التي تَلِي الميتَ، ويَذُرُّ فيما بينها الحَنوطَ (٤)، ثم يُحْمَل الميتُ فيُوضَع فوق العليا منها مُسْتَلْقِيًا.
(٤٧٣) ثم يَأخُذ شيئًا مِنْ قُطْنٍ مَنْزُوع الحَبِّ، فيَجْعَلُ فيها الحَنوطَ والكافورَ، ثم يُدْخِلُه بين ألْيَتَيْه إدخالًا بليغًا، ويُكْثِرُ؛ ليَرُدّ شيئًا إن جاء منه عند تحريكِه إذا حُمِل وزُعْزِع، وتُشَدُّ عليه خرقةٌ مشقوقةُ الطرف تَأخُذ ألْيَتَيْه وعانتَه، ثم يُشَدُّ عليه كما يُشَدُّ التُّبَّان الواسع.
стр. 549
قال المزني: قلت أنا (١): ولا أحِبُّ ما قال مِنْ إبلاغِ الحَشْوِ؛ لأنّ في ذلك قُبْحًا يَتَنَاوَل به حرمتَه، ولكن يُجْعَل كالموْزَةِ مِنْ القطن فيما بين ألْيَتَيْه، وسُفْرةُ قطن تحتها تُضمُّ إلى ألْيَتَيْه، والشِّدَادُ مِنْ فوق ذلك كالتُّبَّان يُشَدُّ عليه، فإنْ جاء منه شيءٌ مَنَعَه ذلك مِنْ أن يَظْهَر منه، فهذا أحْسَنُ في كرامتِه مِنْ انْتِهاك حُرمتِه (٢).
(٤٧٤) قال الشافعي: ويَأخُذ القطنَ فيَضَع عليه الحنوطَ والكافورَ، فيَضَعُه على فِيه ومِنْخَرَيْه وعينيه وأذنيه وموضعِ سُجودِه - وإنْ كانتْ به جِراحٌ نافِذَةٌ وَضَع عليها، ويُحَنِّطُ رأسَه ولحيتَه بالكافورِ - وعلى مساجِدِه.
(٤٧٥) ويُوضَع الميِّتُ مِنْ الكَفَن بالموضع الذي يَبْقَى مِنْ عند رجلَيْه منه أقلُّ مما يَبْقَى مِنْ عند رأسِه، ثم يَثْنِي عليه صَنِفَةَ الثوبِ (٣) الذي يَلِيه على شِقِّه الأيْمن، ثم يَثْنِي الصَّنِفَةَ الأخْرَى على شِقِّه الأيْسَر؛ كما يَشْتَمِل الحيُّ بالسّاج، ثم يَصْنَع بالأثواب كلِّها كذلك، ثم يَجْمَع ما عند رأسِه مِنْ الثياب جمْعَ العمامة، ثم يَرُدُّه على وجهه، ثم يَرُدّ ما على رجليه على ظهور رجليه إلى حيث بَلَغ، فإنْ خافوا أنْ تَنْتَشِر الأكفانُ عَقَدُوها عليه.
стр. 550
(٤٧٦) فإذا أدْخَلُوه القبرَ حَلُّوها، وأضْجَعُوه على جَنْبِه الأيمن، ووسَّدُوا رأسَه بلَبِنَةٍ، وأسْنَدُوه لئلا يَسْتَلْقِيَ على ظهرِه، وأدْنَوْه إلى اللحْدِ مِنْ مُقَدَّمِه لئلا يَنْكَبَّ على وجْهِه، وتُنْصَبُ اللَّبِنُ على اللَّحْد، وتُسَدُّ فُرَجُ اللَّبِن، ثم يُهالُ الترابُ عليه، و «الإهالة»: أن يَطْرَح مَنْ على شَفِير القبرِ الترابَ بيديه جميعًا، ثم يُهال بالمَسَاحِي (١).
(٤٧٧) ولا أحِبُّ أن يُزادَ (٢) في القبر أكثَرُ مِنْ تُرابِه؛ لئلّا يَرْتَفِعَ جِدًّا، ويُشْخَصُ عن وَجْهِ الأرْضِ قَدْرَ شِبْرٍ، ويُرَشُّ عليه الماءُ، ويُوضَع عليه الحصباءُ، ويُوضَع عند رأسِه صخرةٌ أو علامة مّا كانتْ.
(٤٧٨) فإذا فَرَغ مِنْ القَبْرِ فقد أكْمَل، ويَنْصَرِف مَنْ شاء، ومَن أراد أن يَنْصَرِف إذا وُورِي فذلك له واسِعٌ.
(٤٧٩) قال: وبلغَنا عن رسول الله ﷺ أنه سَطَّح قبرَ ابْنِه إبراهيمَ، ووَضَع عليه حَصْباءَ مِنْ حصباء العَرْصَة (٣)، وأنه ﵇ رَشَّ على قبرِه، ورُوِي عن القاسمِ أنّه قال: «رأيتُ قبرَ النبيّ ﷺ وأبي بكر وعمرَ مُسَطَّحَةً».
(٤٨٠) قال: ولا تُبْنَى القبورُ، ولا تُجَصَّصُ.
стр. 551
(٤٨١) قال: والمرأةُ في غُسْلِها كالرجل، وتُتَفَقَّدُ بأكثرَ مما يُتَفَقَّدُ به الرجلُ، وأن يُضَفَّرَ شعرُ رأسِها ثلاثةَ قُرُونٍ (١) فتُلْقَيْن خلْفَها؛ لأنّ النبيّ ﷺ أمَرَ أمَّ عَطِيَّة بذلك في ابْنَتِه وبأمرِه غَسَّلَتْها.
(٤٨٢) [قال الشافعي (٢): وتُكَفَّنُ بخمسةِ أثْوابٍ: خمارٍ، وإزارٍ، وثلاثَةِ أثْوابٍ.
قال المزني: وأحِبُّ أن يكون أحدُها دِرعًا؛ لِما رأيتُ فيه مِنْ قولِ العلماءِ، وقد قال به (٣) الشافعيُّ مَرَّةً معهم (٤)، ثم خَطّ عليه الشافعيُّ (٥).
(٤٨٣) قال الشافعي: ومُؤنَةُ الميِّتِ مِنْ رأس مالِه، دُون وَرَثَتِه وغُرَمائِه، فإن اشْتَجَرُوا (٦) في الكَفَن فثلاثةُ أثوابٍ إن كان وَسَطًا، لا موسِرًا
стр. 552
ولا مُقِلًّا، ومِن الحنوطِ بالمعروف، لا سَرَفًا ولا تَقْصِيرًا (١).
(٤٨٤) قال: ويُغَسَّل السِّقطُ ويُصَلَّى عليه إن اسْتَهَلَّ (٢)، وإن لم يَسْتَهِلّ غُسِّلَ وكُفِّنَ ودُفِنَ، والخرقَةُ التي تُوارِيه لُفافَةٌ تَكْفِيه.
стр. 553
(٤٧)
باب الشهيد ومن يصلَّى عليه ويُغسَّل (١)(٤٨٥) قال الشافعي: والشُّهداءُ الذين عاشوا وأكَلوا الطعامَ وبَقُوا (٢) مُدَّةً يَنْقَطِع فيها الحربُ وإن لم يَطْعَمُوا .. كغيرِهم مِنْ الموتى، والذين قَتَلَهم المشركون في المُعْتَرَك (٣) .. يُكَفَّنُون بثيابهم التي قُتِلوا فيها إن شاء أولياؤُهم، وتُنْزَعُ عنهم الخِفافُ والفِراءُ والجلودُ وما لم يكن مِنْ عامِّ لباسِ الناس، ولا يُغَسَّلُون، ولا يُصَلَّى عليهم، ورُوِي عن جابر بن عبدالله وأنس بن مالك؛ أنّ النبيّ ﷺ (٤) لم يُصَلِّ عليهم ولم يُغَسِّلْهم، وعمرُ شهيدٌ غيرَ أنّه [لما (٥) لم يُقْتَل في المعْتَرَك غُسِّلَ وصُلِّيَ عليه، والغسلُ والصلاةُ سُنَّةٌ لا يَخْرُج منها إلا مَنْ أخْرَجَه رسولُ الله ﷺ .
стр. 554
(٤٨)
باب حمل الجِنازة (١)(٤٨٦) قال الشافعي: ورُوِي عن رسول الله ﷺ أنّه حَمَل في جِنازة سعد بن معاذ بين العمودَيْن، وعن سعد بن أبي وقّاص أنّه حَمَل سريرَ ابنِ عوفٍ بين العمودَيْن على كاهِلِه، وأنّ عثمانَ بن عفّان حَمَل بين عمودَيْ سريرٍ أمَّه فلم يُفارِقْه حتّى وُضِع، وعن أبي هريرةَ أنّه حَمَل بين عمودَيْ سريرٍ ابنَ أبي وقّاص، وأنّ ابنَ الزبير حَمَل بين عمودَيْ سريرٍ المِسْوَرَ، قال الشافعي: ووجهُ حملِها مِنْ الجوانب أن يَضَع ياسِرَةَ السرير المقدَّمَة (٢) على عاتقه الأيمن، ثم ياسِرَتَه المؤخَّرَة، ثم يامِنَةَ السرير المقدَّمَة على عاتقه الأيسر، ثم يامِنَتَه المؤخَّرَة، فإن كَثُر الناسُ أحْبَبْتُ أن يكون أكْثَرُ حملِه بين العمودَيْن، ومِن أين حَمَل فحَسَنٌ (٣).
стр. 555
(٤٩)
باب المشي بالجنازة (١)(٤٨٧) قال الشافعي: والمشْيُ بالجنازة: الإسْراعُ، وهو فوق سَجِيَّة المشي، والمشْيُ أمامها أفضلُ؛ لأنّ النبيّ ﷺ وأبا بكر وعمرَ وعثمانَ كانوا يَمْشُون أمام الجنازة.
стр. 556
(٥٠)
باب مَنْ أَوْلَى بالصلاة على الميت
(٤٨٨) قال الشافعي: والوليُّ أحَقُّ بالصلاة من الوالِي؛ لأنّ هذا مِنْ الأمور الخاصَّة (١).
(٤٨٩) وأحَقّ قرابتِه الأبُ، ثم الجدُّ مِنْ قِبَل الأبِ، ثمّ الولدُ وولدُ الولدِ، ثم الأخُ للأب والأم، ثم الأخُ للأب، ثم أقربُهم به عَصَبَةً.
(٤٩٠) فإن اجْتَمَع له أولياءُ في دَرَجَةٍ فأحَبُّهم إليَّ أسَنُّهم، فإن لم يُحْمَد حالُه فأفْضلُهم وأفْقَهُهُم (٢)، فإن اسْتَوَوْا أُقْرِعَ بينهم.
(٤٩١) والوليُّ الحرُّ أوْلى مِنْ الوليِّ المملوك (٣).
стр. 557
(٥١)
باب صلاة الجنازة (١)(٤٩٢) قال الشافعي: ويُصَلّى على الجنائز في كلِّ وقتٍ.
(٤٩٣) وإن اجْتَمَعَتْ جنائزُ الرجال والنساء والصبيان، وأرادوا المبادرةَ .. جعلوا النساءَ مما يَلِي القبلةَ، ثم الصبيانَ يَلُونَهم، ثم الرجالَ مما يَلِي الإمامَ.
قال المزني: والخَنَاثَى في معناه يَلُون النساءَ، بينهنَّ وبين الصبيان؛ كما جَعَلَهُم في الصلاة بين الرجال والنساء (٢).
стр. 558
(٥٢)
باب التكبير على الجنازة ومَن أَوْلى بإدخاله القبر (١)(٤٩٤) قال الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن عبدالله بن محمد بن عَقِيل، عن جابر بن عبدالله، أنّ رسول الله ﷺ كَبَّر أربعًا، وقرأ بأمّ القرآن بعد التكبيرة الأولى، ورُوِي عن ابن عباس أنّه قَرَأ بفاتحة الكتاب وجَهَر بها، وقال: «إنّما فعلتُ ذلك (٢) لتَعْلَموا أنّها سُنَّة».
(٤٩٥) وعن ابن عمرَ أنّه كان يَرْفَع يدَيْه كلّما كَبَّر على الجنازة، وعن ابن المسيب وعروة مثله.
(٤٩٦) قال: ويُكَبِّر المصلي على الميت، ويَرْفَع يدَيْه حَذْوَ منكبيه، ثم يَقْرَأ بفاتحة الكتاب، ثم يُكَبِّر الثانيةَ ويَرْفَع يديه كذلك، ثم يَحْمَد اللهَ ويُصَلِّي على النبيّ ﷺ ويدعو للمؤمنين والمؤمنات (٣)، ثم يُكَبِّر الثالثةَ ويَرْفَع يديه كذلك ويدعو للميت، فيقول: «اللهم عبدُك وابنُ عبدِك (٤)، خَرَج مِنْ رَوْحِ الدنيا وسَعَتِها ومحبوبها وأحبابِه فيها، إلى ظلمة القبر وما هو لاقِيه، كان يَشْهَد أن لا إله إلا أنت وأنّ محمدًا عبدُك ورسولُك وأنت أعلمُ به،
стр. 559
اللهم نَزَل بك وأنت خيرُ مَنْزُولٍ به، وأصْبَح فقيرًا إلى رحمتك وأنت غَنِيٌّ عن عذابه، وقد جئناك راغِبِين إليك شُفَعَاءَ له (١)، اللهمّ إنْ كان محْسِنًا فزِدْ في إحسانِه، وإن كان مسِيئًا فتجاوزْ عنه، ولَقِّه برحمتِك رِضاك، وقِهِ فتنةَ القبر وعذابَه، وأفْسِحْ له في قبرِه، وجافِ الأرضَ عن جَنْبَيْه (٢)، ولَقِّه برحمتِك الأمنَ مِنْ عذابِك حتّى تَبْعثَه إلى جنَّتِك يا أرْحمَ الراحمين»، ثم يُكَبِّرُ الرابعةَ، ثم يُسَلِّمُ عن يمينِه وعن شمالِه (٣)، ويُخْفِي القراءةَ والدعاءَ، ويَجْهَرُ بالتسليم (٤).
(٤٩٧) قال: ومَن فاته بعضُ الصلاةِ افْتَتَح ولم يَنْتَظِر تكبيرَ الإمام، ثم يَقْضِي (٥) مكانَه.
(٤٩٨) ومَن لم يُدْرِك صَلّى على القبْرِ، ورُوِي عن رسولِ الله ﷺ أنّه صَلّى على قَبْرٍ، وعن عمر وابن عمر وعائشة مثلُه.
(٤٩٩) ولا يُدْخِلُ الميِّتَ قبْرَه إلّا الرجالُ ما كانوا موجودين، ويُدْخِلُه منهم أفْقَهُهم وأقربُهم به رَحِمًا، ويُدْخِل المرأةَ زوجُها وأقربُهم بها رَحِمًا،
стр. 560
ويَسْتُر عليها بثوبٍ إذا أُنْزِلَت القبرَ، قال: وأحِبُّ أن يكونوا وِتْرًا، ثلاثةً أو خمسةً.
(٥٠٠) قال: ويُسَلُّ الميتُ سَلًّا مِنْ قِبَلِ رأسِه، ورُوِي عن ابن عباس أنّ رسولَ الله ﷺ سُلَّ مِنْ قِبَلِ رأسِه (١).
стр. 561
(٥٣)
باب ما يقال إذا أُدخِلَ الميِّتُ قبرَه
(٥٠١) قال الشافعي: فإذا أُدْخِلَ الميِّتُ قبرَه قال الذين يُدْخِلُونه: «بسم الله، وعلى مِلَّة رسولِ الله، اللهم أسْلَمَه إليك الأشِحَّاءُ؛ مِنْ وَلَدِه وأهلِه وقَرابتِه وإخوانِه، وفارق مَنْ كان يُحِبُّ قُربَه، وخَرَج مِنْ سَعَة الدنيا والحياة إلى ظلمة القبر وضِيقِه، ونَزَل بك وأنت خيرُ مَنْزُولٍ به، إنْ عاقبتَه فبذنبه (١)، وإن عَفَوْتَ فأهلُ العفوِ أنت، أنت غَنِيٌّ عن عذابِه، وهو فقيرٌ إلى رحمتِك، اللهم اشْكُر حسنتَه، واغْفِر سيئتَه، وأعِذْهُ مِنْ عذاب القبر، واجْمَع له برحمتك الأمْنَ مِنْ عذابِك، واكْفِه مِنْ (٢) كلِّ هَوْلٍ دون الجنة، اللهم اخْلُفْه في تَرِكَتِه في الغابِرين، وارْفَعْه في عِلِّيِّين، وعُد عليه بفَضْلِ رحمتِك يا أرْحَمَ الراحمين» (٣).
стр. 562
(٥٤)
باب التعزية وما يُهَيَّأ لأهل الميت
(٥٠٢) قال الشافعي: وأحِبُّ تَعْزِيَةَ أهْلِ الميِّتِ رَجاءَ الأجْرِ بتَعْزِيَتِهم (١)، وأن يُخَصَّ بها خِيارُهم وضُعَفاؤُهم عَنْ احْتِمال مُصِيبَتِهم.
(٥٠٣) ويُعَزَّى المسلمُ بمَوْتِ أبيه (٢) النصرانيِّ، فيقول: «أعْظَمَ اللهُ أجْرَك، وأخْلَف (٣) عليك»، ويَقول في تعزية النصراني بقرابتِه: «أخْلَف اللهُ عليك، ولا نَقَصَ عَدَدَك».
(٥٠٤) قال: وأحِبُّ لقرابة الميِّتِ وجيرانِه أن يَعْمَلُوا لأهْلِ الميِّت في يَوْمِهم وليلَتِهم طعامًا يَسَعُهُم؛ فإنّه سُنَّة وفعلُ أهلِ الخير.
стр. 563
(٥٥)
باب البكاء على الميت
(٥٠٥) قال الشافعي: وأرَخِّصُ في البكاءِ بلا نَدْبٍ ولا نِياحَةٍ؛ لما في النَّوْح (١) مِنْ تجديد الحزن، ومَنْع الصبر، وعظيم الإثم.
(٥٠٦) ورَوَى حديثَ عمرَ أنّه قال: قال رسولُ الله ﷺ : «إنّ الميِّتَ ليُعَذَّبُ ببُكاءِ أهلِه عليه»، وذَكَر ذلك ابنُ عبّاس لعائشةَ، فقالت: «رَحِمَ اللهُ عمرَ، والله (٢) ما حَدَّثَ رسولُ الله ﷺ : إنّ اللهَ ليُعَذِّب الميِّتَ ببكاءِ أهلِه عليه، ولكنْ قال: «إنّ اللهَ يَزِيدُ الكافرَ عذابًا ببكاء أهله عليه»، قال: وقالت عائشة: «حسْبُكُم القرآنُ، ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ [الأنعام: ١٦٤]»، وقال ابن عباس عند ذلك: «اللهُ أضْحَكَ وأبْكَى»، قال الشافعي: ما روت عائشةُ عن رسول الله ﷺ أشْبَهُ بدلالة الكتاب ثم السنة، قال الله ﵎: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾، وقال: ﴿لتُجزى كل نفس بما تسعى﴾ [طه: ١٥]، وقال ﵇ لرجلٍ في ابْنِه: «أما إنّه لا يَجْنِي عليك، ولا تَجْنِي عليه»، وما زِيدَ في عذاب الكافر فباسْتِيجابه له، لا بذنب غيره.
قال المزني: بَلَغَنِي أنّهم كانوا يُوصُون بالبكاءِ عليهم أو بالنياحة أو بهما، وهي معصيةٌ، ومَن أمَرَ بها فعُمِلَتْ بعده كانت له ذنبًا، فيَجُوز أن يُزَادَ بذنبِه عذابًا - كما قال الشافعي - لا بذنب غيره.
(٥٦)
باب كيف فَرضُ الإبلِ السائمة (١)(٥٠٧) قال الشافعي: أخبرنا القاسم بن عبدالله بن عمر، عن المثنَّى بن أنس - أو: ابن فلان بن أنس، شك الشافعي (٢) - عن أنس بن
стр. 566
مالك، قال: «هذه الصدقة:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ على المسلمين، التي أمَرَ الله بها، فمَن سُئِلَها على وجهها فليُعْطِها (١)، ومَن سُئِل فوقها فلا يُعْطِه (٢).
في أربعٍ وعشرين مِنْ الإبل فما دونها الغنمُ، في كلِّ خَمْسٍ شاةٌ، فإذا بلغتْ خمسًا وعشرين إلى خمسٍ وثلاثين ففيها بنت مخاض، فإن لم تكن فيها بنت مخاض فابنُ لبونٍ ذكرٌ، فإذا بلغتْ ستًّا وثلاثين إلى خمسٍ وأربعين ففيها بنت لبون، فإذا بلغتْ ستًّا وأربعين إلى ستين ففيها حِقَّة طَرُوقَةُ الجمل (٣)، فإذا بلغتْ إحدى وستين إلى خمس وسبعين ففيها جَذَعَة، فإذا بلغت ستًّا وسبعين إلى تسعين ففيها ابنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى
стр. 567
عشرين ومائة ففيها حِقَّتان طَرُوقَتا الجمل، فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنتُ لبون، وفي كل خمسين حِقَّةٌ.
ومَن بلغتْ صدقتُه جَذَعَةً، وليستْ عنده جَذَعَةٌ، وعنده حِقَّةٌ .. فإنّها تُقْبَل منه، ويجْعَل معها شاتين إن اسْتَيْسَرتا (١) عليه أو عشرين درهمًا، فإذا بلغتْ عليه الحِقّةَ، وليستْ عنده حِقّةٌ، وعنده جَذَعَةٌ (٢) .. فإنها تُقْبَلُ مِنه الجذعةُ، ويُعْطِيه المصَدِّق عشرين درهمًا أو شاتين».
قال الشافعي: وحديثُ أنس بن مالك ثابت مِنْ جهة حَمّاد بن سلمة وغيره عن رسول الله ﷺ ، ورُوي عن ابن عمر أن هذه نسخة كتاب عمر في الصدقة التي كان يَأخُذ عليها، فحَكَى هذا المعنى مِنْ أوّلِه إلى قوله: «ففي كلِّ أربعين بنت لبون، وفي كلِّ خمسين حِقّة».
قال الشافعي: وبهذا كله نأخُذ.
(٥٠٨) قال الشافعي: ولا تجِبُ الزكاةُ إلّا بالحول.
(٥٠٩) وليس فيما دون خمسٍ مِنْ الإبل شيءٌ، ولا فيما بَيْن الفريضتَيْن شيءٌ.
(٥١٠) وإن وَجَبَتْ عليه ابنةُ مخاض، فلم تكن عنده .. فابنُ لبون ذكر، فإن جاء بابن لبون ذكرٍ وابنةِ مخاضٍ .. لم يكن له أن يأخذ ابنَ لبون ذكر وبنتُ مخاضٍ موجودةٌ.
(٥١١) وإبانتُه «في كلِّ أربعين بنتُ لبونٍ، وفي كلِّ خمسين حِقّةٌ» .. أن تكون الإبلُ مائةً وإحدى وعشرين، فيكونُ فيها ثلاثُ بناتِ لبونٍ، وليس