← Фикх шафии

Фикх шафии · id 914

مختصر المزني - ت الداغستاني

المزني

Полный текст (1 788 стр.). Показаны 548–587 · переход к 553.

стр. 548

(٤٦) باب عدد الكفن وكيف الحَنُوط (٤٧١) قال الشافعي: وأحَبُّ عَدَد الكفن إليَّ ثلاثةُ أثْوابٍ بِيضٍ رِياطٍ (١)، ليس فيها قميصٌ ولا عمامةٌ؛ لأنّ رسولَ الله ﷺ كُفِّن في ثلاثةِ أثْوابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ (٢)، ليس فيها قميصٌ ولا عمامةٌ. (٤٧٢) قال: وتُجَمَّرُ بالعود حتى تَعْبَقَ بها (٣)، ثم يَبْسُط أحسنَها وأوسعَها، ثم الثانيةَ عليها، ثم التي تَلِي الميتَ، ويَذُرُّ فيما بينها الحَنوطَ (٤)، ثم يُحْمَل الميتُ فيُوضَع فوق العليا منها مُسْتَلْقِيًا. (٤٧٣) ثم يَأخُذ شيئًا مِنْ قُطْنٍ مَنْزُوع الحَبِّ، فيَجْعَلُ فيها الحَنوطَ والكافورَ، ثم يُدْخِلُه بين ألْيَتَيْه إدخالًا بليغًا، ويُكْثِرُ؛ ليَرُدّ شيئًا إن جاء منه عند تحريكِه إذا حُمِل وزُعْزِع، وتُشَدُّ عليه خرقةٌ مشقوقةُ الطرف تَأخُذ ألْيَتَيْه وعانتَه، ثم يُشَدُّ عليه كما يُشَدُّ التُّبَّان الواسع.

стр. 549

قال المزني: قلت أنا (١): ولا أحِبُّ ما قال مِنْ إبلاغِ الحَشْوِ؛ لأنّ في ذلك قُبْحًا يَتَنَاوَل به حرمتَه، ولكن يُجْعَل كالموْزَةِ مِنْ القطن فيما بين ألْيَتَيْه، وسُفْرةُ قطن تحتها تُضمُّ إلى ألْيَتَيْه، والشِّدَادُ مِنْ فوق ذلك كالتُّبَّان يُشَدُّ عليه، فإنْ جاء منه شيءٌ مَنَعَه ذلك مِنْ أن يَظْهَر منه، فهذا أحْسَنُ في كرامتِه مِنْ انْتِهاك حُرمتِه (٢). (٤٧٤) قال الشافعي: ويَأخُذ القطنَ فيَضَع عليه الحنوطَ والكافورَ، فيَضَعُه على فِيه ومِنْخَرَيْه وعينيه وأذنيه وموضعِ سُجودِه - وإنْ كانتْ به جِراحٌ نافِذَةٌ وَضَع عليها، ويُحَنِّطُ رأسَه ولحيتَه بالكافورِ - وعلى مساجِدِه. (٤٧٥) ويُوضَع الميِّتُ مِنْ الكَفَن بالموضع الذي يَبْقَى مِنْ عند رجلَيْه منه أقلُّ مما يَبْقَى مِنْ عند رأسِه، ثم يَثْنِي عليه صَنِفَةَ الثوبِ (٣) الذي يَلِيه على شِقِّه الأيْمن، ثم يَثْنِي الصَّنِفَةَ الأخْرَى على شِقِّه الأيْسَر؛ كما يَشْتَمِل الحيُّ بالسّاج، ثم يَصْنَع بالأثواب كلِّها كذلك، ثم يَجْمَع ما عند رأسِه مِنْ الثياب جمْعَ العمامة، ثم يَرُدُّه على وجهه، ثم يَرُدّ ما على رجليه على ظهور رجليه إلى حيث بَلَغ، فإنْ خافوا أنْ تَنْتَشِر الأكفانُ عَقَدُوها عليه.

стр. 550

(٤٧٦) فإذا أدْخَلُوه القبرَ حَلُّوها، وأضْجَعُوه على جَنْبِه الأيمن، ووسَّدُوا رأسَه بلَبِنَةٍ، وأسْنَدُوه لئلا يَسْتَلْقِيَ على ظهرِه، وأدْنَوْه إلى اللحْدِ مِنْ مُقَدَّمِه لئلا يَنْكَبَّ على وجْهِه، وتُنْصَبُ اللَّبِنُ على اللَّحْد، وتُسَدُّ فُرَجُ اللَّبِن، ثم يُهالُ الترابُ عليه، و «الإهالة»: أن يَطْرَح مَنْ على شَفِير القبرِ الترابَ بيديه جميعًا، ثم يُهال بالمَسَاحِي (١). (٤٧٧) ولا أحِبُّ أن يُزادَ (٢) في القبر أكثَرُ مِنْ تُرابِه؛ لئلّا يَرْتَفِعَ جِدًّا، ويُشْخَصُ عن وَجْهِ الأرْضِ قَدْرَ شِبْرٍ، ويُرَشُّ عليه الماءُ، ويُوضَع عليه الحصباءُ، ويُوضَع عند رأسِه صخرةٌ أو علامة مّا كانتْ. (٤٧٨) فإذا فَرَغ مِنْ القَبْرِ فقد أكْمَل، ويَنْصَرِف مَنْ شاء، ومَن أراد أن يَنْصَرِف إذا وُورِي فذلك له واسِعٌ. (٤٧٩) قال: وبلغَنا عن رسول الله ﷺ أنه سَطَّح قبرَ ابْنِه إبراهيمَ، ووَضَع عليه حَصْباءَ مِنْ حصباء العَرْصَة (٣)، وأنه ﵇ رَشَّ على قبرِه، ورُوِي عن القاسمِ أنّه قال: «رأيتُ قبرَ النبيّ ﷺ وأبي بكر وعمرَ مُسَطَّحَةً». (٤٨٠) قال: ولا تُبْنَى القبورُ، ولا تُجَصَّصُ.

стр. 551

(٤٨١) قال: والمرأةُ في غُسْلِها كالرجل، وتُتَفَقَّدُ بأكثرَ مما يُتَفَقَّدُ به الرجلُ، وأن يُضَفَّرَ شعرُ رأسِها ثلاثةَ قُرُونٍ (١) فتُلْقَيْن خلْفَها؛ لأنّ النبيّ ﷺ أمَرَ أمَّ عَطِيَّة بذلك في ابْنَتِه وبأمرِه غَسَّلَتْها. (٤٨٢) [قال الشافعي (٢): وتُكَفَّنُ بخمسةِ أثْوابٍ: خمارٍ، وإزارٍ، وثلاثَةِ أثْوابٍ. قال المزني: وأحِبُّ أن يكون أحدُها دِرعًا؛ لِما رأيتُ فيه مِنْ قولِ العلماءِ، وقد قال به (٣) الشافعيُّ مَرَّةً معهم (٤)، ثم خَطّ عليه الشافعيُّ (٥). (٤٨٣) قال الشافعي: ومُؤنَةُ الميِّتِ مِنْ رأس مالِه، دُون وَرَثَتِه وغُرَمائِه، فإن اشْتَجَرُوا (٦) في الكَفَن فثلاثةُ أثوابٍ إن كان وَسَطًا، لا موسِرًا

стр. 552

ولا مُقِلًّا، ومِن الحنوطِ بالمعروف، لا سَرَفًا ولا تَقْصِيرًا (١). (٤٨٤) قال: ويُغَسَّل السِّقطُ ويُصَلَّى عليه إن اسْتَهَلَّ (٢)، وإن لم يَسْتَهِلّ غُسِّلَ وكُفِّنَ ودُفِنَ، والخرقَةُ التي تُوارِيه لُفافَةٌ تَكْفِيه.

стр. 553

(٤٧) باب الشهيد ومن يصلَّى عليه ويُغسَّل (١) (٤٨٥) قال الشافعي: والشُّهداءُ الذين عاشوا وأكَلوا الطعامَ وبَقُوا (٢) مُدَّةً يَنْقَطِع فيها الحربُ وإن لم يَطْعَمُوا .. كغيرِهم مِنْ الموتى، والذين قَتَلَهم المشركون في المُعْتَرَك (٣) .. يُكَفَّنُون بثيابهم التي قُتِلوا فيها إن شاء أولياؤُهم، وتُنْزَعُ عنهم الخِفافُ والفِراءُ والجلودُ وما لم يكن مِنْ عامِّ لباسِ الناس، ولا يُغَسَّلُون، ولا يُصَلَّى عليهم، ورُوِي عن جابر بن عبدالله وأنس بن مالك؛ أنّ النبيّ ﷺ (٤) لم يُصَلِّ عليهم ولم يُغَسِّلْهم، وعمرُ شهيدٌ غيرَ أنّه [لما (٥) لم يُقْتَل في المعْتَرَك غُسِّلَ وصُلِّيَ عليه، والغسلُ والصلاةُ سُنَّةٌ لا يَخْرُج منها إلا مَنْ أخْرَجَه رسولُ الله ﷺ .

стр. 554

(٤٨) باب حمل الجِنازة (١) (٤٨٦) قال الشافعي: ورُوِي عن رسول الله ﷺ أنّه حَمَل في جِنازة سعد بن معاذ بين العمودَيْن، وعن سعد بن أبي وقّاص أنّه حَمَل سريرَ ابنِ عوفٍ بين العمودَيْن على كاهِلِه، وأنّ عثمانَ بن عفّان حَمَل بين عمودَيْ سريرٍ أمَّه فلم يُفارِقْه حتّى وُضِع، وعن أبي هريرةَ أنّه حَمَل بين عمودَيْ سريرٍ ابنَ أبي وقّاص، وأنّ ابنَ الزبير حَمَل بين عمودَيْ سريرٍ المِسْوَرَ، قال الشافعي: ووجهُ حملِها مِنْ الجوانب أن يَضَع ياسِرَةَ السرير المقدَّمَة (٢) على عاتقه الأيمن، ثم ياسِرَتَه المؤخَّرَة، ثم يامِنَةَ السرير المقدَّمَة على عاتقه الأيسر، ثم يامِنَتَه المؤخَّرَة، فإن كَثُر الناسُ أحْبَبْتُ أن يكون أكْثَرُ حملِه بين العمودَيْن، ومِن أين حَمَل فحَسَنٌ (٣).

стр. 555

(٤٩) باب المشي بالجنازة (١) (٤٨٧) قال الشافعي: والمشْيُ بالجنازة: الإسْراعُ، وهو فوق سَجِيَّة المشي، والمشْيُ أمامها أفضلُ؛ لأنّ النبيّ ﷺ وأبا بكر وعمرَ وعثمانَ كانوا يَمْشُون أمام الجنازة.

стр. 556

(٥٠) باب مَنْ أَوْلَى بالصلاة على الميت (٤٨٨) قال الشافعي: والوليُّ أحَقُّ بالصلاة من الوالِي؛ لأنّ هذا مِنْ الأمور الخاصَّة (١). (٤٨٩) وأحَقّ قرابتِه الأبُ، ثم الجدُّ مِنْ قِبَل الأبِ، ثمّ الولدُ وولدُ الولدِ، ثم الأخُ للأب والأم، ثم الأخُ للأب، ثم أقربُهم به عَصَبَةً. (٤٩٠) فإن اجْتَمَع له أولياءُ في دَرَجَةٍ فأحَبُّهم إليَّ أسَنُّهم، فإن لم يُحْمَد حالُه فأفْضلُهم وأفْقَهُهُم (٢)، فإن اسْتَوَوْا أُقْرِعَ بينهم. (٤٩١) والوليُّ الحرُّ أوْلى مِنْ الوليِّ المملوك (٣).

стр. 557

(٥١) باب صلاة الجنازة (١) (٤٩٢) قال الشافعي: ويُصَلّى على الجنائز في كلِّ وقتٍ. (٤٩٣) وإن اجْتَمَعَتْ جنائزُ الرجال والنساء والصبيان، وأرادوا المبادرةَ .. جعلوا النساءَ مما يَلِي القبلةَ، ثم الصبيانَ يَلُونَهم، ثم الرجالَ مما يَلِي الإمامَ. قال المزني: والخَنَاثَى في معناه يَلُون النساءَ، بينهنَّ وبين الصبيان؛ كما جَعَلَهُم في الصلاة بين الرجال والنساء (٢).

стр. 558

(٥٢) باب التكبير على الجنازة ومَن أَوْلى بإدخاله القبر (١) (٤٩٤) قال الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن عبدالله بن محمد بن عَقِيل، عن جابر بن عبدالله، أنّ رسول الله ﷺ كَبَّر أربعًا، وقرأ بأمّ القرآن بعد التكبيرة الأولى، ورُوِي عن ابن عباس أنّه قَرَأ بفاتحة الكتاب وجَهَر بها، وقال: «إنّما فعلتُ ذلك (٢) لتَعْلَموا أنّها سُنَّة». (٤٩٥) وعن ابن عمرَ أنّه كان يَرْفَع يدَيْه كلّما كَبَّر على الجنازة، وعن ابن المسيب وعروة مثله. (٤٩٦) قال: ويُكَبِّر المصلي على الميت، ويَرْفَع يدَيْه حَذْوَ منكبيه، ثم يَقْرَأ بفاتحة الكتاب، ثم يُكَبِّر الثانيةَ ويَرْفَع يديه كذلك، ثم يَحْمَد اللهَ ويُصَلِّي على النبيّ ﷺ ويدعو للمؤمنين والمؤمنات (٣)، ثم يُكَبِّر الثالثةَ ويَرْفَع يديه كذلك ويدعو للميت، فيقول: «اللهم عبدُك وابنُ عبدِك (٤)، خَرَج مِنْ رَوْحِ الدنيا وسَعَتِها ومحبوبها وأحبابِه فيها، إلى ظلمة القبر وما هو لاقِيه، كان يَشْهَد أن لا إله إلا أنت وأنّ محمدًا عبدُك ورسولُك وأنت أعلمُ به،

стр. 559

اللهم نَزَل بك وأنت خيرُ مَنْزُولٍ به، وأصْبَح فقيرًا إلى رحمتك وأنت غَنِيٌّ عن عذابه، وقد جئناك راغِبِين إليك شُفَعَاءَ له (١)، اللهمّ إنْ كان محْسِنًا فزِدْ في إحسانِه، وإن كان مسِيئًا فتجاوزْ عنه، ولَقِّه برحمتِك رِضاك، وقِهِ فتنةَ القبر وعذابَه، وأفْسِحْ له في قبرِه، وجافِ الأرضَ عن جَنْبَيْه (٢)، ولَقِّه برحمتِك الأمنَ مِنْ عذابِك حتّى تَبْعثَه إلى جنَّتِك يا أرْحمَ الراحمين»، ثم يُكَبِّرُ الرابعةَ، ثم يُسَلِّمُ عن يمينِه وعن شمالِه (٣)، ويُخْفِي القراءةَ والدعاءَ، ويَجْهَرُ بالتسليم (٤). (٤٩٧) قال: ومَن فاته بعضُ الصلاةِ افْتَتَح ولم يَنْتَظِر تكبيرَ الإمام، ثم يَقْضِي (٥) مكانَه. (٤٩٨) ومَن لم يُدْرِك صَلّى على القبْرِ، ورُوِي عن رسولِ الله ﷺ أنّه صَلّى على قَبْرٍ، وعن عمر وابن عمر وعائشة مثلُه. (٤٩٩) ولا يُدْخِلُ الميِّتَ قبْرَه إلّا الرجالُ ما كانوا موجودين، ويُدْخِلُه منهم أفْقَهُهم وأقربُهم به رَحِمًا، ويُدْخِل المرأةَ زوجُها وأقربُهم بها رَحِمًا،

стр. 560

ويَسْتُر عليها بثوبٍ إذا أُنْزِلَت القبرَ، قال: وأحِبُّ أن يكونوا وِتْرًا، ثلاثةً أو خمسةً. (٥٠٠) قال: ويُسَلُّ الميتُ سَلًّا مِنْ قِبَلِ رأسِه، ورُوِي عن ابن عباس أنّ رسولَ الله ﷺ سُلَّ مِنْ قِبَلِ رأسِه (١).

стр. 561

(٥٣) باب ما يقال إذا أُدخِلَ الميِّتُ قبرَه (٥٠١) قال الشافعي: فإذا أُدْخِلَ الميِّتُ قبرَه قال الذين يُدْخِلُونه: «بسم الله، وعلى مِلَّة رسولِ الله، اللهم أسْلَمَه إليك الأشِحَّاءُ؛ مِنْ وَلَدِه وأهلِه وقَرابتِه وإخوانِه، وفارق مَنْ كان يُحِبُّ قُربَه، وخَرَج مِنْ سَعَة الدنيا والحياة إلى ظلمة القبر وضِيقِه، ونَزَل بك وأنت خيرُ مَنْزُولٍ به، إنْ عاقبتَه فبذنبه (١)، وإن عَفَوْتَ فأهلُ العفوِ أنت، أنت غَنِيٌّ عن عذابِه، وهو فقيرٌ إلى رحمتِك، اللهم اشْكُر حسنتَه، واغْفِر سيئتَه، وأعِذْهُ مِنْ عذاب القبر، واجْمَع له برحمتك الأمْنَ مِنْ عذابِك، واكْفِه مِنْ (٢) كلِّ هَوْلٍ دون الجنة، اللهم اخْلُفْه في تَرِكَتِه في الغابِرين، وارْفَعْه في عِلِّيِّين، وعُد عليه بفَضْلِ رحمتِك يا أرْحَمَ الراحمين» (٣).

стр. 562

(٥٤) باب التعزية وما يُهَيَّأ لأهل الميت (٥٠٢) قال الشافعي: وأحِبُّ تَعْزِيَةَ أهْلِ الميِّتِ رَجاءَ الأجْرِ بتَعْزِيَتِهم (١)، وأن يُخَصَّ بها خِيارُهم وضُعَفاؤُهم عَنْ احْتِمال مُصِيبَتِهم. (٥٠٣) ويُعَزَّى المسلمُ بمَوْتِ أبيه (٢) النصرانيِّ، فيقول: «أعْظَمَ اللهُ أجْرَك، وأخْلَف (٣) عليك»، ويَقول في تعزية النصراني بقرابتِه: «أخْلَف اللهُ عليك، ولا نَقَصَ عَدَدَك». (٥٠٤) قال: وأحِبُّ لقرابة الميِّتِ وجيرانِه أن يَعْمَلُوا لأهْلِ الميِّت في يَوْمِهم وليلَتِهم طعامًا يَسَعُهُم؛ فإنّه سُنَّة وفعلُ أهلِ الخير.

стр. 563

(٥٥) باب البكاء على الميت (٥٠٥) قال الشافعي: وأرَخِّصُ في البكاءِ بلا نَدْبٍ ولا نِياحَةٍ؛ لما في النَّوْح (١) مِنْ تجديد الحزن، ومَنْع الصبر، وعظيم الإثم. (٥٠٦) ورَوَى حديثَ عمرَ أنّه قال: قال رسولُ الله ﷺ : «إنّ الميِّتَ ليُعَذَّبُ ببُكاءِ أهلِه عليه»، وذَكَر ذلك ابنُ عبّاس لعائشةَ، فقالت: «رَحِمَ اللهُ عمرَ، والله (٢) ما حَدَّثَ رسولُ الله ﷺ : إنّ اللهَ ليُعَذِّب الميِّتَ ببكاءِ أهلِه عليه، ولكنْ قال: «إنّ اللهَ يَزِيدُ الكافرَ عذابًا ببكاء أهله عليه»، قال: وقالت عائشة: «حسْبُكُم القرآنُ، ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ [الأنعام: ١٦٤]»، وقال ابن عباس عند ذلك: «اللهُ أضْحَكَ وأبْكَى»، قال الشافعي: ما روت عائشةُ عن رسول الله ﷺ أشْبَهُ بدلالة الكتاب ثم السنة، قال الله ﵎: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾، وقال: ﴿لتُجزى كل نفس بما تسعى﴾ [طه: ١٥]، وقال ﵇ لرجلٍ في ابْنِه: «أما إنّه لا يَجْنِي عليك، ولا تَجْنِي عليه»، وما زِيدَ في عذاب الكافر فباسْتِيجابه له، لا بذنب غيره. قال المزني: بَلَغَنِي أنّهم كانوا يُوصُون بالبكاءِ عليهم أو بالنياحة أو بهما، وهي معصيةٌ، ومَن أمَرَ بها فعُمِلَتْ بعده كانت له ذنبًا، فيَجُوز أن يُزَادَ بذنبِه عذابًا - كما قال الشافعي - لا بذنب غيره.

стр. 564

[٩] كتاب الزكاة (١)

стр. 565

(٥٦) باب كيف فَرضُ الإبلِ السائمة (١) (٥٠٧) قال الشافعي: أخبرنا القاسم بن عبدالله بن عمر، عن المثنَّى بن أنس - أو: ابن فلان بن أنس، شك الشافعي (٢) - عن أنس بن

стр. 566

مالك، قال: «هذه الصدقة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ على المسلمين، التي أمَرَ الله بها، فمَن سُئِلَها على وجهها فليُعْطِها (١)، ومَن سُئِل فوقها فلا يُعْطِه (٢). في أربعٍ وعشرين مِنْ الإبل فما دونها الغنمُ، في كلِّ خَمْسٍ شاةٌ، فإذا بلغتْ خمسًا وعشرين إلى خمسٍ وثلاثين ففيها بنت مخاض، فإن لم تكن فيها بنت مخاض فابنُ لبونٍ ذكرٌ، فإذا بلغتْ ستًّا وثلاثين إلى خمسٍ وأربعين ففيها بنت لبون، فإذا بلغتْ ستًّا وأربعين إلى ستين ففيها حِقَّة طَرُوقَةُ الجمل (٣)، فإذا بلغتْ إحدى وستين إلى خمس وسبعين ففيها جَذَعَة، فإذا بلغت ستًّا وسبعين إلى تسعين ففيها ابنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى

стр. 567

عشرين ومائة ففيها حِقَّتان طَرُوقَتا الجمل، فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنتُ لبون، وفي كل خمسين حِقَّةٌ. ومَن بلغتْ صدقتُه جَذَعَةً، وليستْ عنده جَذَعَةٌ، وعنده حِقَّةٌ .. فإنّها تُقْبَل منه، ويجْعَل معها شاتين إن اسْتَيْسَرتا (١) عليه أو عشرين درهمًا، فإذا بلغتْ عليه الحِقّةَ، وليستْ عنده حِقّةٌ، وعنده جَذَعَةٌ (٢) .. فإنها تُقْبَلُ مِنه الجذعةُ، ويُعْطِيه المصَدِّق عشرين درهمًا أو شاتين». قال الشافعي: وحديثُ أنس بن مالك ثابت مِنْ جهة حَمّاد بن سلمة وغيره عن رسول الله ﷺ ، ورُوي عن ابن عمر أن هذه نسخة كتاب عمر في الصدقة التي كان يَأخُذ عليها، فحَكَى هذا المعنى مِنْ أوّلِه إلى قوله: «ففي كلِّ أربعين بنت لبون، وفي كلِّ خمسين حِقّة». قال الشافعي: وبهذا كله نأخُذ. (٥٠٨) قال الشافعي: ولا تجِبُ الزكاةُ إلّا بالحول. (٥٠٩) وليس فيما دون خمسٍ مِنْ الإبل شيءٌ، ولا فيما بَيْن الفريضتَيْن شيءٌ. (٥١٠) وإن وَجَبَتْ عليه ابنةُ مخاض، فلم تكن عنده .. فابنُ لبون ذكر، فإن جاء بابن لبون ذكرٍ وابنةِ مخاضٍ .. لم يكن له أن يأخذ ابنَ لبون ذكر وبنتُ مخاضٍ موجودةٌ. (٥١١) وإبانتُه «في كلِّ أربعين بنتُ لبونٍ، وفي كلِّ خمسين حِقّةٌ» .. أن تكون الإبلُ مائةً وإحدى وعشرين، فيكونُ فيها ثلاثُ بناتِ لبونٍ، وليس

стр. 568

في زيادتها شيءٌ حتّى تُكمِّلَ مائةً وثلاثين، فإذا كَمّلَتْها ففيها حِقّةٌ وابنتا لبون، وليس في زيادتها شيءٌ حتى تُكمِّلَ مائةً وأربعين، فإذا كَمَّلَتْها ففيها حقتان وبنت لبون، ولا شيءَ في زيادتها (١) حتى تُكمِّل مائةً وخمسين، فإذا كَمَّلَتْها ففيها ثلاثُ حِقاق، ولا شيءَ في زيادتها حتى تُكمِّل مائةً وستين، فإذا كَمَّلَتْها ففيها أربع بنات لبون، وليس في زيادتها شيءٌ حتى تُكمِّل مائةً وسبعين، فإذا كَمَّلَتْها ففيها حِقّةٌ وثلاث بنات لبون، وليس في زيادتها شيءٌ حتى تَبْلُغ مائةً وثمانين، فإذا بَلَغَتْها ففيها حِقّتان وابنتا لبون، وليس في زيادتها شيءٌ حتى تَبْلُغ مائةً وتسعين، فإذا بَلَغَتْها ففيها ثلاثُ حِقاق وبنت لبون، ولا شيءَ في زيادتها حتى تَبْلُغ مائتين، فإذا بَلَغَتْها .. فإن كانتْ أربعُ حِقاقٍ منها خيرًا مِنْ خمسِ بنات لبون أخَذَها المصَدِّقُ، وإن كانتْ خمسُ بنات لبون خيرًا أخَذَها، لا يَحِلُّ له غيرُ ذلك. (٥١٢) فإن أخَذَ مِنْ رَبّ المال الصِّنْفَ الأدْنَى .. كان حقًّا عليه أن يُخْرِجَ الفضلَ فيُعْطِيَه أهلَ السُّهْمان. (٥١٣) فإن وَجَد أحدَ الصِّنْفَين ولم يَجِد الآخرَ .. أخَذَ الذي وَجَد ولا يُفَرِّقُ الفريضَةَ. (٥١٤) وإنْ كان الفرضانِ مَعِيبَيْن بمَرَضٍ أو هُيامٍ أو جَرَبٍ أو غيرِ ذلك (٢)، وسائرُ الإبلِ صِحاحٌ .. قيل له: إن جِئْتَ بِصِحاحٍ، وإلّا أخَذْنا

стр. 569

منك السِّنَّ التي هي أعْلَى ورَدَدْنا، أو السِّنَّ التي هي أسْفَل وأخَذْنا، والخيارُ في الشاتين أو العشرين درهمًا إلى الذي أعْطَى (١)، ولا يخْتَار الساعي إلّا ما هو خيرٌ لأهل السُّهمان، وكذلك إنْ كانت أعْلَى بسَنَتَيْن أو أسْفَلَ فالخيارُ بين أربعِ شياهٍ أو أربعين درهمًا. (٥١٥) ولا يَأخُذ مريضًا وفي الإبلِ عَدَدٌ صحاحٌ (٢)، وإن كانتْ كلُّها مَعِيبَةً لم يُكَلِّفْه صحيحةً مِنْ غيرِها، ويَأخُذ خَيْرَ المعيبِ (٣). (٥١٦) وإنْ (٤) وَجَبَتْ عليه جَذَعَةٌ .. لم يكن لنا أن نَأخُذ مِنه ماخِضًا إلّا أن يَتَطَوَّع (٥).

стр. 570

(٥١٧) ولو كانتْ إبلُه مَعِيبةً، وفريضتُها شاةً، وكانتْ أكثرَ ثَمَنًا مِنْ بَعِيرٍ منها .. قيل: لك الخيارُ في أنْ تُعْطِيَ بَعِيرًا منها تَطَوُّعًا مَكَانَها، أو شاةً مِنْ غَنَمِك تَجُوزُ أضْحِيَّةً، فإنْ كانتْ غَنَمُه مِعْزَى فثَنِيَّةٌ، أو ضَأنًا فجَذَعَةٌ، ولا أنْظُر إلى الأغْلَبِ في البلد؛ لأنّه إنّما قيل: إنّ عليه شاةً مِنْ شاءِ بَلَدِه تَجُوزُ في صَدَقَةِ الغنم. (٥١٨) وإذا كانتْ إبلُه كِرَامًا (١) لم نَأخُذ منه الصدقةَ دونها؛ كما لو كانت لِئامًا لم يكن لنا أن نَأخُذ منها كِرامًا. (٥١٩) وإذا عَدَّ عليه الساعي (٢) فلم يَأخُذ منه حتّى نَقَصَتْ .. فلا شيءَ عليه، وإن فَرَّطَ في دَفْعِها (٣) .. فعليه الضَّمانُ، وما هَلَكَ أو نَقَصَ في يَدَي السّاعي .. فهو أمينٌ (٤).

стр. 571

(٥٧) باب صدقة البقر السائمة (١) (٥٢٠) قال الشافعي: أخبرنا مالك، عن حميد بن قيس، عن طاوس: أنّ مُعاذًا أخَذَ مِنْ ثلاثين بقرةً تَبِيعًا، ومِن أربعين بقرةً مُسِنَّةً. (٥٢١) [قال الشافعي: ورُوِي أنّ النبيّ ﷺ أمَرَ مُعاذًا أن يَأخُذ مِنْ ثلاثين بقرةً تبيعًا، ومِن أربعين مُسِنَّةً نَصًّا (٢)، قال الشافعي: وهذا (٣) ما لا أعْلَمُ فيه بين أحدٍ مِنْ أهلِ العلم لَقِيتُه خلافًا. (٥٢٢) ورُوِيَ عن طاوس: أن مُعاذًا كان يَأخُذ مِنْ ثلاثين بقرةً تَبِيعًا، ومِن أربعين بقرةً مُسِنَّةً، وأنّه أُتِيَ بدونِ ذلك فأبَى أن يَأخُذ منه شيئًا، وقال: «لم أسْمَعْ فيه شيئًا مِنْ رسولِ الله ﷺ حتّى ألْقاه فأسألَه»، فتوفي رسول الله ﷺ قبل أن (٤) يَقْدَمَ مُعاذٌ، وأنّ مُعاذًا أُتِيَ بوَقَسِ أو وَقَصِ

стр. 572

البقر (١)، فقال: «لم يَأمُرْني فيه النبيُّ ﷺ بشيءٍ»، قال الشافعي: «الوَقَسُ (٢)»: ما لم يَبْلُغ الفريضة (٣)، قال: فبهذا كله نأخذ، ليس فيما بين الفريضتين شيء. (٥٢٣) وإذا وَجَبَتْ عليه إحدى السِّنَّيْن وهما في بَقَرِهِ أخَذَ الأفضلَ، وإذا وَجَدَ إحداهما لم يُكَلِّفْه الأخرى. (٥٢٤) ولا يَأخُذ المعِيبَ وفيها صحيحٌ؛ كما قلتُ في الإبل.

стр. 573

(٥٨) باب صدقة الغنم السائمة (١) (٥٢٥) قال الشافعي: ثابتٌ عن رسول الله ﷺ في صدقة الغنم معنى ما أذْكُرُ إن شاء الله، وهو أن ليس في الغنم صدقةٌ حتّى تَبْلُغ أربعين، فإذا بَلَغَتْها ففيها شاةٌ، ولا شيءَ في زيادتها حتّى تَبْلُغ مائةً وإحدى وعشرين، فإذا بَلَغَتْها ففيها شاتان، وليس في زيادتها شيءٌ حتّى تَبْلُغ مائتي شاةٍ وشاةً (٢)،

стр. 574

فإذا بَلَغَتْها ففيها ثلاثُ شياهٍ، ولا (١) شيءَ في زيادتها حتّى تَبْلُغ أربعَمائةٍ، فإذا بَلَغَتْها ففيها أربعُ شياهٍ، ثُمّ في كلِّ مائةٍ شاةٌ، وما نَقَصَ عن مائةٍ فلا شيءَ فيها. (٥٢٦) وتعَدُّ عليهم بالسَّخْلَة، قال عمر بن الخطاب لساعيه: «اعْتَدَّ عليهم بالسَّخْلَة يَرُوح بها الرّاعِي، ولا تأخُذْها، ولا تأخُذ الأكولةَ، ولا الرُّبَّى، ولا الماخِضَ، ولا فَحْلَ الغنم، وخُذ الجَذَعَة والثَّنِيَّة، وذلك عَدْلٌ بين غِذاء (٢) المال وخياره»، قال الشافعي: و «الرُّبَّى»: التي يتبعها ولدها (٣)، و «الماخض»: الحامل (٤)، و «الأكولة»: السمينة تُعَدُّ للذبح (٥). (٥٢٧) قال الشافعي: وبَلَغَنا أنّ رسولَ الله ﷺ قال لمعاذ: «إياك وكَرائمَ أموالهم»، قال الشافعي: فبهذا نأخذ، ولما لم يخْتَلِف أهلُ العلم فيما عَلِمْتُ مع ما وَصَفْتُ في أن لا يُؤْخَذَ أقلُّ مِنْ جَذَعَةٍ أو ثَنِيَّةٍ إذا كانتْ في غَنَمِه، أو أعلى منها .. دَلَّ على أنّهم أرادوا ما يَجُوز أُضْحِيَّة، ولا يُؤْخَذُ أعْلى إلّا أن يَتَطَوَّع.

стр. 575

(٥٢٨) ويخْتارُ السّاعِي السِّنَّ التي وَجَبَتْ له إذا كانت الغنمُ واحدةً، فإن كانتْ كُلُّها فوق الثَّنِيَّة خُيِّر ربُّها، فإنْ شاء جاء بثَنِيَّةٍ إنْ كانت مِعْزى، أو بِجَذَعَة إن كانت ضَأنًا، إلّا أن يَتَطَوَّع فيُعْطِي منها (١)، إلّا أن يَكُون بها نَقْصٌ لا تَجُوز أضحيّةً. (٥٢٩) وإنْ كانتْ أكثرَ قِيمةً مِنْ السِّنِّ التي وَجَبَتْ عليه قُبِلَت منه إنْ جازَتْ أضحيّةً، إلّا أنْ يَكُون تَيْسًا فلا يُقْبَل بحالٍ؛ لأنّه ليس في فَرْضِ الغنم ذُكورٌ، وهكذا البقرُ إلّا أن يَجِبَ عليه (٢) فيها تَبِيعٌ، والبقرُ ثِيرَانٌ فيُعْطِي ثَوْرًا فيُقْبَلُ منه إذا كان خيرًا مِنْ تَبِيعٍ، وكذا (٣) قال في الإبل بهذا المعنى، لا نأخذ ذَكَرًا مكانَ أنْثَى إلّا أن تَكُون ماشيتُه كلُّها ذُكورًا. (٥٣٠) قال: ولا يُعْتَدّ بالسَّخْل على رَبِّ الماشيةِ، إلا أن تَكُون السَّخْلُ مِنْ غنمِه قبل الحَوْلِ، ويَكُون أصلُ الغنم أربعين فصاعِدًا، فإذا لم تَكُنْ الغنمُ مما فيه الصدقةُ فلا يُعْتَدّ بالسَّخْلِ حتّى تَتِمَّ بالسَّخْلِ أربعين، ثُمّ يَسْتَقْبِلُ بها الحولَ، والقولُ في ذلك قولُ رَبِّ الماشية. (٥٣١) قال: ولو كانتْ له أربعون، فأمْكَنَه أن يُصَدِّقَها، فلم يَفْعَل حتّى ماتَتْ أو بَعْضُها .. فعليه شاةٌ، ولو لم يُمْكِنْه حتّى ماتتْ منها شاةٌ .. فلا زكاةَ في الباقي؛ لأنّه (٤) أقلُّ مِنْ أربعين شاةً، ولو أخْرَجَها بعد حولها فلم يُمْكِنْه دفعُها إلى أهلِها أو الوالي حتّى هَلَكَتْ .. لم تُجْزِ عنه، فإن كان فيما بَقِي ما تجِبُ في مثلِه الزكاةُ .. زكّاه، وإلّا فلا شيءَ عليه.

стр. 576

(٥٣٢) وكلُّ فائدةٍ مِنْ غير نتاجها .. فهي لحولها، ولو نُتِجتْ أربعين قبل الحول (١)، ثمّ ماتت الأمهاتُ، ثم جاء المصدِّقُ وهي أربعون جَدْيًا أو بَهْمَةً أو بين جَدْيٍ وبَهْمَةٍ، أو كان هذا في إبلٍ فجاء المصدِّقُ وهي فِصَالٌ، أو في بَقَرٍ وهي عُجُولٌ .. أخَذَ مِنْ كلِّ صِنْفٍ مِنْ هذا، وأخَذَ مِنْ الإبل والغنم أنثى، ومِن البقر ذَكَرًا - وإن لم يَجِد إلّا واحدًا - إذا كانت البقرُ ثلاثين، وإنْ كانتْ أربعين فأنثى، وإذا كانت العجولُ إناثًا ووَجَبَ فيها تَبِيعٌ .. قيل: إنْ شِئْتَ فائْتِ بذَكَرٍ مثلِ أحدِها، وإنْ شِئْتَ أعْطَيْتَ منها أنثى وأنت مُتَطَوِّعٌ بالفضل. قال: واحْتَجّ الشافعيُّ في أنّه لما (٢) لم يُبْطِل عن الصِّغارِ الصدقةَ؛ لأنّ حكمَها حكمُ الأمهات مع الأمهات .. فكذلك إذا حال عليها حولُ الأمهات، ولم نُكَلِّفْه كبيرةً مِنْ قِبَل أنّه لما قيل لي: دَع الرُّبَّى والماخضَ وذاتَ الدَّرِّ وفحلَ الغنم، وخذ الجَذَعَةَ والثَّنِيَّةَ .. عَقَلْتُ أنّه قيل لي: دَعْ له خَيْرًا مما تأخُذ إذا كان عنده خَيْرٌ منه ودُونَه، وخُذ العَدْلَ بين الصغيرِ والكبيرِ وما يُشْبِه رُبعَ عُشرِ مالِه، فإذا كانت عنده أربعون تَسْوَى (٣) عِشْرِين دِرْهَمًا، وكلَّفْتُه شاةً تَسْوَى عشرين درهمًا فلم آخُذْ عَدْلًا، بل أخَذْتُ قيمةَ مالِه كلِّه، فلا آخُذُ صغيرًا وعِنده كبيرٌ، فإن لم يَكُنْ إلا صغيرٌ أخَذْتُ

стр. 577

الصغيرَ؛ كما آخُذُ الوَسَطَ (١) مِنْ التمرِ ولا آخُذُ الجُعْرُورَ، فإن لم يَكُنْ إلّا جُعْرُورٌ أخَذْتُ منه الجُعْرُورَ، ولم (٢) نَنْقُص مِنْ عَدَدِ الكيلِ، ولكنّا نَقَصْنا الجودةَ لمّا لم نَجِد الجيِّدَ، كذلك نَقَصْنَا مِنْ السِّنِّ إذا لم نَجِدْها ولم نَنْقُص مِنْ العددِ. (٥٣٣) قال: ولو كانتْ ضَأنًا ومِعْزى .. كانتْ سواءً، أو بَقَرًا جَوَامِيسَ وعِرَابًا ودَرْبانِيَّةً، وإبلًا مختلفة .. فالقياسُ أن نأخُذَ مِنْ كلٍّ بقَدْرِ حِصَّتِه (٣)، كان إبلُه خمسًا وعشرين، عَشْرٌ مَهْرِيَّة، وعشرٌ أرْحَبِيَّة، وخمسٌ مُجَيْدِيَّة .. فمَنْ قال: نأخُذُ مِنْ كُلٍّ بقَدْرٍ .. قال: نأخُذُ ابنةَ مخاضٍ بقيمةِ خُمسَيْ مَهْرِيَّة، وخُمسَيْ أرْحَبِيَّة، وخُمسِ مُجَيْدِيَّة (٤). (٥٣٤) قال الشافعي: ولو أدَّى في أحَدِ البَلَدَيْن عن أربعين شاةً مُتَفَرِّقةً .. كَرِهْتُ ذلك وأجْزَأه، وعلى صاحبِ البلدِ الآخرِ أن يُصَدِّقَه، فإن اتَّهَمَه أحْلَفه. (٥٣٥) ولو قال للمصدِّقِ: «هي وديعةٌ»، أو «لم يَحُل عليها الحولُ» .. صَدَّقَه، وإن اتَّهَمَه أحْلَفَه. (٥٣٦) ولو شَهِد شاهدان أنّ له هذه المائةَ بعَيْنِها مِنْ رأسِ الحولِ، فقال: «قد بِعْتُها ثُمّ اشْتَرَيْتُها» .. صُدِّق. (٥٣٧) ولو مَرَّت به سَنَةٌ وهي أربعون، فنُتِجَتْ شاةً، فحالتْ عليها سَنَةٌ ثانيةٌ وهي إحدى وأربعون، ثم نُتِجَتْ شاةً، فحالتْ عليها سنةٌ ثالثةٌ

стр. 578

وهي اثنان وأربعون .. فعليه ثلاثُ شِياهٍ (١). (٥٣٨) ولو ضَلَّتْ غنمُه (٢) أو غُصِبَها أحْوالًا فوَجَدَها .. زكَّاها لأحوالها (٣). (٥٣٩) والإبلُ (٤) التي فَرِيضَتُها مِنْ الغنم .. فيها قولان: أحدهما -

стр. 579

أنّ الشاةَ (١) التي فيها في رِقابِها، يُباعُ مِنها بعيرٌ فتُؤخَذُ منه إن لم يَأتِ بها، وهذا أشْبَهُ القولين، والثاني - أنّ في خَمْسٍ مِنْ الإبلِ حالَ عليها ثلاثةُ (٢) أحوالٍ ثلاثَ شياهٍ، في كلِّ حولٍ شاةٌ. قال المزني: الأوّلُ أوْلى به؛ لأنّه يَقُول: في خمسٍ مِنْ الإبلِ لا يَسْوَى واحدُها بشاةٍ لعيوبها إنْ سَلَّمَ واحِدًا منها فليس عليه شاةٌ (٣). (٥٤٠) قال الشافعي: ولو ارْتَدَّ، فحال الحولُ على غنمِه .. أوْقَفْتُه، فإنْ تاب أخَذْتُ صدقتَها، وإنْ قُتِل كانتْ فَيْئًا، خمسُها لأهل الخمس، وأربعةُ أخماسِها لأهلِ الفيءِ (٤).

стр. 580

(٥٤١) ولو غَلَّ صدقَتَه (١) .. عُزِّرَ إن كان الإمامُ عَدْلًا، إلّا أن يَدَّعِيَ الجهالةَ، ولا يُعَزَّرُ إذا لم يَكُنْ الإمامُ عَدْلًا. (٥٤٢) ولو ضَرَبَتْ غنمَه فحولُ الظباءِ .. لم يَكُنْ حكمُ أولادِها كحكمِ الغنم؛ كما لم يَكُنْ للبغلِ في السُّهمان حكمُ الخيل.

стр. 581

(٥٩) باب صدقة الخُلَطاء (٥٤٣) قال الشافعي: جاء الحديثُ: «لا يُجْمَعُ بين مفْتَرِقٍ، ولا يُفرَّقُ بين مجْتَمِعٍ خَشْيةَ الصدقةِ، وما كان مِنْ الخَلِيطَيْن فإنّهما يَتَراجعان بينهما بالسَّوِيَّة». (٥٤٤) قال الشافعي: والذي لا أشُكّ فيه أنّ الشّرِيكَيْن لم يَقْتَسِما الماشيةَ .. خَلِيطان، وتَراجُعُهُما بالسَّوِيَّة .. أن يكونا خَلِيطَيْن في الإبلِ فيها الغنمُ، فتُوجَدُ الإبلُ في يَدَيْ أحدِهما، فتُؤخَذُ منه صدقتُها، فيَرْجِع على شَرِيكِه بالسَّوِيَّة (١). (٥٤٥) قال: وقد يكونُ الخليطان الرَّجُلَيْن يَتَخالطان بماشِيَتِهما، وإنْ عَرَفَ كلُّ واحدٍ منهما ماشيتَه، ولا يَكُونان خَلِيطَيْن حتّى يُرِيحا ويَسْرَحَا ويحْلِبَا ويَسْقِيَا معًا، وتَكُونَ فُحُولهما مختَلِطَةً، فإذا كانا هكذا صَدَّقا صدقةَ الواحدِ بكلِّ حالٍ، قال: ولا يكونان خَلِيطَيْن حتّى يحولَ عليهما الحولُ مِنْ يومِ اخْتَلَطا، ويَكونا مُسْلِمَيْن، فإنْ تَفَرَّقا في مُرَاحٍ، أو مَسْرَحٍ، أو سَقْيٍ، أو فُحُولٍ، قبل يَحُولُ الحَوْلُ .. فليسا خَلِيطَيْن، ويُصَدِّقان صدقةَ الاثْنَيْن، وهكذا إذا كانا شريكَيْن (٢).

стр. 582

(٥٤٦) قال الشافعي: ولما لم أعْلَم مخالِفًا إذا كان ثلاثةُ خلطاءَ، لو كانتْ لهم مائةٌ وعشرون شاةً، أخِذَتْ منهم واحدةٌ، وصَدَّقُوا صدقةَ الواحدِ، فنَقَصُوا المساكينَ شاتَيْن مِنْ مالِ الخلطاءِ الثلاثةِ الذين لو تَفَرَّقَ مالُهم كان فيه ثلاثُ شِياهٍ .. لم يَجُزْ إلّا أن يَقُولوا: لو كانتْ أربعون شاةً بين ثلاثةٍ .. كانتْ عليهم شاةٌ؛ لأنّهم صَدَّقُوا الخلطاءَ صدقةَ الواحِدِ (١). (٥٤٧) وبهذا أقولُ في الماشية كلِّها والزَّرْعِ والحائطِ، أرأيْتَ لو أنّ حائطًا صدَقَتُه مجَزَّأةٌ على مائة إنسانٍ ليس فيه إلّا عشرةُ أوْسُقٍ، أما كانتْ فيه صدقةُ الواحدِ؟ (٢). (٥٤٨) وما قلتُ في الخلطاء معنى الحديث نفسِه، ثمّ قولُ عطاءٍ وغيرِه مِنْ أهلِ العلم، ورُوِيَ عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: «سألتُ عطاءً عن الاثنين أو النَّفَر يكونُ لهم أربعون شاةً، فقال: عليهم شاةٌ»، الشافعي شك (٣).

стр. 583

(٥٤٩) قال: ومعنى قوله: «لا يُفَرَّقُ بين مجْتَمِعٍ، ولا يُجْمَعُ بين مُفْتَرِقٍ خشيةَ الصدقةِ» .. لا يُفَرَّقُ بين ثلاثةِ خلطاءَ في عشرين ومائة شاةٍ، وإنّما عليهم شاةٌ؛ لأنّها إذا فُرِّقَتْ كان فيها ثلاثُ شِياهٍ، ولا يجْمَعُ بين مُفْتَرِقٍ، رجلٌ له مائةُ شاةٍ وشاةٌ، ورجلٌ له مائةُ شاةٍ، فإذا تُرِكَتَا مُتَفَرِّقَتَيْنِ ففيها شاتان، وإذا جُمِعَتَا ففيها ثلاثُ شِياهٍ، فالخشْيَةُ خشيتان (١): خَشْيَةُ السّاعِي أن تَقِلَّ الصدقةُ، وخَشْيَةُ رَبِّ المالِ أن تَكْثُرَ الصدقةُ، فأمَرَ أن يُقَرَّ كلٌّ على حالِه. (٥٥٠) قال الشافعي: ولو وَجَبَتْ عليهما شاةٌ، وعِدَّتُهما سواءٌ، فظَلَمَ السّاعِي فأخَذَ مِنْ غنم أحدِهما عن غنمِه وغنمِ الآخَرِ شاةً رُبَّى، فأراد المأخوذُ منه الشاةَ الرُّجوعَ على خَلِيطِه بنصف قيمة ما أخِذَ عن غنمَيْهِما .. لم يَكُنْ له أن يَرْجِعَ عليه إلا بقيمة نصف ما وَجَبَ عليه إن كانت جَذَعةً أو ثَنِيَّةً؛ لأنّ الزيادةَ ظلمٌ. (٥٥١) قال: فلو كانتْ له أربعون شاةً، فأقامتْ في يَدِه أشْهُرًا، ثمّ باع نصفَها، ثمّ حال الحولُ عليها .. أخِذَ مِنْ نصيب الأوّلِ نصفُ شاةٍ لحولِه الأوَّلِ، فإذا حال حولُ الثاني أخِذَ منه نصفُ شاةٍ لحولِه. (٥٥٢) ولو كانتْ له غنمٌ تَجِبُ فيها الزكاةُ، فخالطَه رجلٌ بغنمٍ تَجِبُ فيها الزكاةُ، ولم يكونا تبايعا .. زُكِّيَتْ ماشيةُ كُلِّ واحدٍ منهما على حولها، ولم يُزَكَّيَا زكاةَ الخلِيطَيْن في العام الذي اخْتَلَطا فيه، فإذا كان قابلٌ وهما خليطان كما هما .. زَكَّيا زكاةَ الخليطَيْن؛ لأنه قد حال عليهما الحولُ مِنْ يوم اخْتَلَطا، فإن كانتْ ماشيتاهما (٢)، وحولُ أحدهما في المحرَّم، وحولُ

стр. 584

الآخر في صَفَر .. أخِذَ منهما نصفُ شاةٍ في المحرَّم، ونصفُ شاةٍ في صَفَر. (٥٥٣) ولو كان بين رجلين أربعون شاةً، ولأحدهما ببلدٍ آخَرَ أربعون شاةً (١) .. أخَذَ المصَدِّقُ مِنْ الشريكَيْن شاةً، ثلاثةُ أرْباعِها عَنْ صاحبِ الأربعين الغائبة، ورُبْعُها عن الذي له عشرون؛ لأنّي أضُمُّ مالَ كلِّ رجلٍ إلى مالِه (٢).

стр. 585

(٦٠) باب مَنْ تجب عليه الصدقة (٥٥٤) قال الشافعي: وتجِبُ الصدقةُ على كلِّ مالِكٍ تامِّ المِلْكِ مِنْ الأحرار، وإنْ كان صغيرًا، أو مَعْتُوهًا، أو امرأةً، لا فرق بينهم في ذلك؛ كما يجِبُ في مال كلِّ واحدٍ منهم ما لَزِمَ مالَه بوَجْهٍ مِنْ الوجوه: جنايةٍ، أو ميراثٍ، أو نفقةٍ على والدٍ أو ولدٍ زَمِنٍ محتاجٍ، وسواءٌ ذلك في الماشية والزَّرْعِ وزكاةِ الفطر، ورُوِيَ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ابْتَغُوا في مالِ اليتيم - أو قال: في أموال اليتامى - لا تأكُلْها الزكاةُ»، وعن عُمرَ وابن عُمرَ وعائشةَ: أنّ الزكاةَ في أموالِ اليتامى. (٥٥٥) قال: فأمّا مالُ المكاتَب فخارجٌ مِنْ مِلْك مولاه إلا بالعَجْز، ومِلْكُه غيرُ تامٍّ عليه، فإنْ عَتَقَ فكأنّه اسْتَفادَ مِنْ ساعتِه، وإنْ عَجَزَ فكأنّ مولاه اسْتَفادَ مِنْ ساعتِه.

стр. 586

(٦١) باب الوقت الذي تجب فيه الصدقة، وأين يأخذها المصدق (٥٥٦) قال الشافعي: وأحِبُّ (١) أن يَبْعَث الوالي المصَدِّقَ، فيُوَافيَ أهلَ الصدقةِ مع حُلولِ الحولِ، فيَأخُذَ صدقاتِهم. (٥٥٧) وأحِبُّ ذلك في المحَرَّم، وكذا رَأيْتُ السُّعاةَ عندنا، كان المحرَّمُ شِتاءً أو صَيْفًا. (٥٥٨) قال: ويأخُذُها على مِياه أهلِ الماشية، وعلى رَبِّ الماشيةِ أن يُورِدَها الماءَ لتُؤخَذَ صدقتُها عليه. (٥٥٩) وإذا جَزَأت الماشيةُ عن الماء (٢) .. فعلى المصَدِّقِ أن يأخُذَها في بيوتِ أهلِها وأفْنِيَتِهم، وليس عليه أن يَتْبَعَها راعيةً ويُحْضِرَها إلى مَضْيَقٍ تخْرُجُ منه واحدةً واحدةً فيَعُدُّها كذلك حتى يَأتي على عِدَّتِها.

стр. 587

(٦٢) باب تعجيل الصدقة (٥٦٠) قال الشافعي: أخبرنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي رافع، أنّ رسولَ الله ﷺ اسْتَسْلَفَ مِنْ رجلٍ بَكْرًا (١)، فجاءتْه إبلٌ مِنْ الصدقةِ (٢)، قال أبو رافع (٣): «فأمَرَني أنْ أقْضِيَه إياه». (٥٦١) قال الشافعي: والعلمُ يحِيطُ أنّه لا يَقْضِي مِنْ إبلِ الصدقةِ، والصدقةُ لا تَحِلُّ له إلّا وقد تَسَلَّف لأهلِها ما يَقْضِيه مِنْ مالهم، قال: وقال ﷺ في الحالف بالله: «فلْيَأتِ الذي هو خَيْرٌ، ولْيُكَفِّرْ عن يَمِينِه»، وعن بعضِ أصحابِ النبي ﷺ أنّه كان يحْلِفُ فيُكَفِّرُ ثمّ يحْنَثُ، وعن ابن عُمرَ أنّه كان يَبْعَثُ بصدقة الفطر إلى الذي تُجْمَعُ عنده قبل الفطر بيومَيْن، قال: فبهذا نأخذ. قال المزني: ونَجْعَلُ في هذا الموضع ما هو أوْلَى به؛ مِنْ أنّ رسولَ الله ﷺ تَسَلَّف صدقةَ العباسِ قبل حُلُولها (٤).
следующие страницы →