(٥٤٩) قال: ومعنى قوله: «لا يُفَرَّقُ بين مجْتَمِعٍ، ولا يُجْمَعُ بين مُفْتَرِقٍ خشيةَ الصدقةِ» .. لا يُفَرَّقُ بين ثلاثةِ خلطاءَ في عشرين ومائة شاةٍ، وإنّما عليهم شاةٌ؛ لأنّها إذا فُرِّقَتْ كان فيها ثلاثُ شِياهٍ، ولا يجْمَعُ بين مُفْتَرِقٍ، رجلٌ له مائةُ شاةٍ وشاةٌ، ورجلٌ له مائةُ شاةٍ، فإذا تُرِكَتَا مُتَفَرِّقَتَيْنِ ففيها شاتان، وإذا جُمِعَتَا ففيها ثلاثُ شِياهٍ، فالخشْيَةُ خشيتان (١): خَشْيَةُ السّاعِي أن تَقِلَّ الصدقةُ، وخَشْيَةُ رَبِّ المالِ أن تَكْثُرَ الصدقةُ، فأمَرَ أن يُقَرَّ كلٌّ على حالِه.
(٥٥٠) قال الشافعي: ولو وَجَبَتْ عليهما شاةٌ، وعِدَّتُهما سواءٌ، فظَلَمَ السّاعِي فأخَذَ مِنْ غنم أحدِهما عن غنمِه وغنمِ الآخَرِ شاةً رُبَّى، فأراد المأخوذُ منه الشاةَ الرُّجوعَ على خَلِيطِه بنصف قيمة ما أخِذَ عن غنمَيْهِما .. لم يَكُنْ له أن يَرْجِعَ عليه إلا بقيمة نصف ما وَجَبَ عليه إن كانت جَذَعةً أو ثَنِيَّةً؛ لأنّ الزيادةَ ظلمٌ.
(٥٥١) قال: فلو كانتْ له أربعون شاةً، فأقامتْ في يَدِه أشْهُرًا، ثمّ باع نصفَها، ثمّ حال الحولُ عليها .. أخِذَ مِنْ نصيب الأوّلِ نصفُ شاةٍ لحولِه الأوَّلِ، فإذا حال حولُ الثاني أخِذَ منه نصفُ شاةٍ لحولِه.
(٥٥٢) ولو كانتْ له غنمٌ تَجِبُ فيها الزكاةُ، فخالطَه رجلٌ بغنمٍ تَجِبُ فيها الزكاةُ، ولم يكونا تبايعا .. زُكِّيَتْ ماشيةُ كُلِّ واحدٍ منهما على حولها، ولم يُزَكَّيَا زكاةَ الخلِيطَيْن في العام الذي اخْتَلَطا فيه، فإذا كان قابلٌ وهما خليطان كما هما .. زَكَّيا زكاةَ الخليطَيْن؛ لأنه قد حال عليهما الحولُ مِنْ يوم اخْتَلَطا، فإن كانتْ ماشيتاهما (٢)، وحولُ أحدهما في المحرَّم، وحولُ
стр. 584
الآخر في صَفَر .. أخِذَ منهما نصفُ شاةٍ في المحرَّم، ونصفُ شاةٍ في صَفَر.
(٥٥٣) ولو كان بين رجلين أربعون شاةً، ولأحدهما ببلدٍ آخَرَ أربعون شاةً (١) .. أخَذَ المصَدِّقُ مِنْ الشريكَيْن شاةً، ثلاثةُ أرْباعِها عَنْ صاحبِ الأربعين الغائبة، ورُبْعُها عن الذي له عشرون؛ لأنّي أضُمُّ مالَ كلِّ رجلٍ إلى مالِه (٢).
стр. 585
(٦٠)
باب مَنْ تجب عليه الصدقة
(٥٥٤) قال الشافعي: وتجِبُ الصدقةُ على كلِّ مالِكٍ تامِّ المِلْكِ مِنْ الأحرار، وإنْ كان صغيرًا، أو مَعْتُوهًا، أو امرأةً، لا فرق بينهم في ذلك؛ كما يجِبُ في مال كلِّ واحدٍ منهم ما لَزِمَ مالَه بوَجْهٍ مِنْ الوجوه: جنايةٍ، أو ميراثٍ، أو نفقةٍ على والدٍ أو ولدٍ زَمِنٍ محتاجٍ، وسواءٌ ذلك في الماشية والزَّرْعِ وزكاةِ الفطر، ورُوِيَ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ابْتَغُوا في مالِ اليتيم - أو قال: في أموال اليتامى - لا تأكُلْها الزكاةُ»، وعن عُمرَ وابن عُمرَ وعائشةَ: أنّ الزكاةَ في أموالِ اليتامى.
(٥٥٥) قال: فأمّا مالُ المكاتَب فخارجٌ مِنْ مِلْك مولاه إلا بالعَجْز، ومِلْكُه غيرُ تامٍّ عليه، فإنْ عَتَقَ فكأنّه اسْتَفادَ مِنْ ساعتِه، وإنْ عَجَزَ فكأنّ مولاه اسْتَفادَ مِنْ ساعتِه.
стр. 586
(٦١)
باب الوقت الذي تجب فيه الصدقة، وأين يأخذها المصدق
(٥٥٦) قال الشافعي: وأحِبُّ (١) أن يَبْعَث الوالي المصَدِّقَ، فيُوَافيَ أهلَ الصدقةِ مع حُلولِ الحولِ، فيَأخُذَ صدقاتِهم.
(٥٥٧) وأحِبُّ ذلك في المحَرَّم، وكذا رَأيْتُ السُّعاةَ عندنا، كان المحرَّمُ شِتاءً أو صَيْفًا.
(٥٥٨) قال: ويأخُذُها على مِياه أهلِ الماشية، وعلى رَبِّ الماشيةِ أن يُورِدَها الماءَ لتُؤخَذَ صدقتُها عليه.
(٥٥٩) وإذا جَزَأت الماشيةُ عن الماء (٢) .. فعلى المصَدِّقِ أن يأخُذَها في بيوتِ أهلِها وأفْنِيَتِهم، وليس عليه أن يَتْبَعَها راعيةً ويُحْضِرَها إلى مَضْيَقٍ تخْرُجُ منه واحدةً واحدةً فيَعُدُّها كذلك حتى يَأتي على عِدَّتِها.
стр. 587
(٦٢)
باب تعجيل الصدقة
(٥٦٠) قال الشافعي: أخبرنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي رافع، أنّ رسولَ الله ﷺ اسْتَسْلَفَ مِنْ رجلٍ بَكْرًا (١)، فجاءتْه إبلٌ مِنْ الصدقةِ (٢)، قال أبو رافع (٣): «فأمَرَني أنْ أقْضِيَه إياه».
(٥٦١) قال الشافعي: والعلمُ يحِيطُ أنّه لا يَقْضِي مِنْ إبلِ الصدقةِ، والصدقةُ لا تَحِلُّ له إلّا وقد تَسَلَّف لأهلِها ما يَقْضِيه مِنْ مالهم، قال: وقال ﷺ في الحالف بالله: «فلْيَأتِ الذي هو خَيْرٌ، ولْيُكَفِّرْ عن يَمِينِه»، وعن بعضِ أصحابِ النبي ﷺ أنّه كان يحْلِفُ فيُكَفِّرُ ثمّ يحْنَثُ، وعن ابن عُمرَ أنّه كان يَبْعَثُ بصدقة الفطر إلى الذي تُجْمَعُ عنده قبل الفطر بيومَيْن، قال: فبهذا نأخذ.
قال المزني: ونَجْعَلُ في هذا الموضع ما هو أوْلَى به؛ مِنْ أنّ رسولَ الله ﷺ تَسَلَّف صدقةَ العباسِ قبل حُلُولها (٤).
стр. 588
(٥٦٢) قال الشافعي: فإنْ (١) تَسَلَّف الوالي لهم، فهَلَكَ منه قبل دَفْعِه إليهم وقد فَرَّطَ أو لم يُفَرِّط .. فهو ضامنٌ في مالِه؛ لأنّ فيهم أهلَ رُشْدٍ لا يُوَلّى عليهم، وليس كوَليّ اليتيمِ الذي يَأخُذ له ما لا صلاحَ له إلّا به.
(٥٦٣) قال الشافعي: ولو اسْتَسْلَف لرجلين بعيرًا، فأتْلَفاه، وماتا قبل الحول .. فله أن يَأخُذَه مِنْ أموالهما لأهلِ السُّهمان؛ لأنّهما لمّا لم يَبْلُغا الحولَ عَلِمْنا أنْ (٢) لا حقَّ لهما في صدقةٍ حَلَّتْ في حَوْلٍ لم يَبْلُغاه، ولو ماتا بعد الحولِ .. كانا قد اسْتَوْفَيا الصدقةَ، ولو أيْسَرَا قبل الحولِ .. فإن كان يُسْرُهما مما دَفَعَ إليْهما فإنّما بُورِك لهما في حَقِّهما، فلا يُؤخَذُ منهما، وإن كان يُسْرُهما مِنْ غير ما أخَذَا أخِذَ منهما ما دَفَعَ إليهما؛ لأنّ الحولَ لم يَأتِ إلّا وهما مِنْ غير أهلِ الصَّدَقةِ.
(٥٦٤) قال: ولو عَجَّلَ رَبُّ المالِ زكاةَ مائتَيْ درهمٍ قبلَ الحولِ، وهَلَك مالُه قبل الحول، ثم وُجِد (٣) عينُ مالِه عند المُعْطَى .. لم يَكُنْ له الرجوعُ به؛ لأنّه أعْطَى مِنْ مالِه مُتَطَوِّعًا لغير ثوابٍ، ولو مات المُعْطَى قبل الحولِ وفي يَدَيْ رَبِّ المالِ مائتا درهمٍ إلا خمسةَ دراهمَ .. فلا زكاةَ عليه، وما أعْطَى كما تَصَدَّق به أو أنْفَقَه في هذا المعنى.
(٥٦٥) قال: ولو كان لرجلٍ (٤) ما (٥) لا تَجِبُ في مثلِه الزكاةُ، فأخْرَج
стр. 589
خمسةَ دراهمَ، فقال: إنْ أفَدْتُ مائتَيْ درهمٍ فهذه مِنْ زكاتِها .. لم تجز عنه؛ لأنّه دَفَعَها بلا سَبَبِ مالٍ تَجِبُ في مثلِه الزكاةُ، فيَكُونُ قد عَجَّلَ شيئًا [ليس (١) عليه إنْ حال عليه فيه حولٌ.
(٥٦٦) وإذا عَجَّل شاتين مِنْ مائتَيْ شاةٍ، فحالَ الحولُ وقد زادتْ شاةٌ .. أَخَذَ منها شاةً ثالثةً (٢)، لا يُسْقِطُ تقديمُه الشاتين الحقَّ عليه في الشاةِ الثالثةِ؛ لأنّ الحقَّ إنّما يَجِبُ عليه بعد الحولِ؛ كما لو أَخَذَ منها شاتَيْن فحال الحولُ وليس فيها إلا شاةٌ .. رُدَّتْ (٣) عليه شاةٌ.
стр. 590
(٦٣)
باب النية في إخراج الصدقة
(٥٦٧) قال الشافعي: وإذا وَلِيَ الرجلُ (١) إخراجَ زكاةِ مالِه .. لم يُجْزِئه إلّا بنِيَّة أنّه فرضٌ.
(٥٦٨) ولا يُجْزِئه ذهبٌ عن وَرِقٍ، ولا وَرِقٌ عن ذهبٍ؛ لأنّه غيرُ ما وَجَب عليه.
(٥٦٩) ولو أخْرجَ عشرةَ دراهمَ، فقال: «إنْ كان مالي الغائبُ سالمًا فهذه مِنْ زكاتِه، أو نافلةٌ»، فكان مالُه سالمًا .. لم يُجْزِئه؛ لأنه لم يَقْصِد بالنية قَصْدَ فَرْضٍ خالصٍ، إنّما جَعَلَها مُشْتَرِكَةً بين فَرْضٍ ونافلةٍ، ولو قال: «عن مالي الغائبِ إنْ كان سالمًا، فإن لم يَكُنْ سالمًا فنافلةٌ» .. أجْزأت عنه؛ لأنّ إعطاءَه عن الغائب هكذا وإن لم يَقُلْه.
(٥٧٠) ولو أخْرَجَها ليَقْسِمَها وهي خمسةُ دراهمَ، فهَلَك مالُه .. كان له حَبْسُ الدراهم، ولو ضاعتْ منه التي أخْرَجَها على غيرِ تفريطٍ .. رَجَع إلى ما بَقِي مِنْ مالِه، فإنْ كان في مثلِه الزكاةُ [زكَّاهُ، وإلا فلا شيءَ عليه (٢).
(٥٧١) وإذا (٣) أخَذ الوالي مِنْ رجلٍ زكاةً بلا نيةٍ في دَفْعِها إليه .. أجْزأتْ عنه؛ كما يُجْزِئ في القَسْمِ لها أن يَقْسِمَها عنه وليُّه أو السلطانُ،
стр. 591
ولا يَقْسِمَها بنفسِه، وأحِبُّ أن يَتَوَلّى الرجلُ قَسْمَها عن نفسِه؛ ليكونَ على يَقينٍ مِنْ أدائِها عنه.
стр. 592
(٦٤)
باب ما يسقط الصدقة عن الماشية
(٥٧٢) قال الشافعي: يُرْوَى عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «في سائمةِ الغنم زكاةٌ»، وإذا كان هذا ثابتًا فلا زكاةَ في غير سائمةٍ، ورُوِي عن بعضِ أصحاب النبي ﷺ أن ليس في البقر والإبل العَوامِلِ صدقةٌ حتّى تَكُون سائمةً.
(٥٧٣) و «السائمةُ»: الراعية (١)، وذلك أن يجْتَمِع فيها أمران: أن لا تَكُون لها مُؤنةٌ في العلف، ويكونَ لها نماءُ الرعْيِ، فأما إنْ عُلِفَت .. فالعلفُ مُؤنة تُحِيطُ بفضْلِها.
(٥٧٤) وقد كانت النَّواضِحُ (٢) على عهد رسول الله ﷺ ثمّ خلفائِه، فلم أعْلَم أحدًا رَوَى أنّ رسولَ الله ﷺ أخَذَ منها صدقةً، ولا أحدًا مِنْ خلفائِه.
(٥٧٥) قال: وإنْ كانت العواملُ تَرْعَى مرّةً وتَتْرُك أخْرَى، أو كانتْ غنمًا تُعْلَف في حينٍ وتَرْعَى في آخر .. فلا يَبِينُ لي أنّ في شيءٍ منها صدقةً.
(٥٧٦) ورُوِيَ عن رسول الله ﷺ أنه قال (٣): «ليس على المسلمِ في
стр. 593
عبدِه ولا فرسِه صدقةٌ»، قال الشافعي: ولا صدقةَ في خيلٍ ولا في شيءٍ مِنْ الماشيةِ عدا الإبلَ والبقرَ والغنمَ، بدلالة سنة رسول الله ﷺ في ذلك (١).
(٥٧٧) قال المزني: قال قائلون في الإبلِ والبقرِ والغنمِ: المستعملةُ وغيرُ المستعملةِ، ومعلوفةٌ وغيرُ معلوفةٍ .. سواءٌ، والزكاةُ فيها؛ لأنّ النبيّ ﷺ فَرَض فيها الزكاةَ، وهو قولُ المدَنِيِّين (٢)، فيقالُ (٣) لهم وبالله التوفيق: وكذلك فَرَض رسولُ الله ﷺ الزكاةَ في الذهبِ والوَرِقِ؛ كما فَرَضَها في الإبلِ والبقرِ (٤)، فزَعَمْتُم أنّ ما اسْتُعْمِل مِنْ الذهبِ والوَرِقِ فلا زكاةَ فيه، وهي ذهبٌ ووَرِقٌ كما أنّ الماشيةَ إبلٌ وبقرٌ، فإذا أزَلْتُم الزكاةَ عمّا اسْتُعْمِل مِنْ الذهبِ والوَرِق، فأزِيلُوها عمّا اسْتُعْمِل مِنْ الإبلِ والبقرِ؛ لأنّ مَخْرَج قولِ رسولِ الله ﷺ في ذلك واحدٌ.
стр. 594
(٦٥)
باب المبادلة بالماشية والصداق منها
(٥٧٨) قال الشافعي: وإذا بادَل إبلًا بإبلٍ، أو غنمًا بغنمٍ، أو بقرًا ببقرٍ، أو صنفًا بصنفٍ غيرِها (١) .. فلا زكاةَ حتّى يحُولَ الحولُ على الثانية مِنْ يومِ مَلَكَها.
(٥٧٩) وأكْرَهُ الفرارَ مِنْ الصدقةِ، وإنّما تَجِبُ الصدقةُ بالمِلْك والحولِ، لا بالفرار.
(٥٨٠) قال: ولو رَدّ أحدُهما بعيبٍ قبل الحول .. اسْتَأْنَف بها الحولَ.
(٥٨١) ولو أقامتْ في يده حولًا، ثمّ أراد رَدَّها بالعيب .. لم يَكُنْ له رَدُّها ناقصةً عما أخَذَها عليه، ويَرْجِعُ بما نَقَصَها العيبُ مِنْ الثّمَن.
(٥٨٢) ولو كانت المبادلةُ فاسدةً .. زَكَّى كلُّ واحدٍ منهما؛ لأنّ مِلْكَه لم يَزُل.
(٥٨٣) ولو حالَ الحولُ عليها، ثمّ بادَلَ بها أو باعها .. ففيها قولان: أحدهما - أن مُبْتاعَها بالخيار بين أن يَرُدّ البيعَ بنقصِ الصدقةِ أو يجِيزَ البيعَ، ومَن قال بهذا .. قال: فإن أعْطَى ربُّ المالِ البائعُ المصدِّقَ ما وَجَب فيها مِنْ ماشيةٍ غيرِها فلا خِيارَ للمبتاع؛ لأنّه لم يَنْقُص مِنْ البيع شيءٌ، والقول الثاني - أنّ البيعَ فاسدٌ؛ لأنّه باع ما يَمْلِك وما لا يَمْلِك، فلا يجوز إلّا أن يُجَدِّدا بيعًا مُسْتَأْنَفًا (٢).
стр. 595
(٥٨٤) ولو أصْدَقَها أربعين شاةً بأعيانها، فقَبَضَتْها أو لم تَقْبِضْها وحال عليها الحولُ، فأخَذَتْ صدقتَها، ثمّ طَلَّقَها قبل الدخولِ (١) بها .. رَجَعَ عليها بنِصْفِ الغنمِ (٢)، وكانت الصدقةُ مِنْ حِصَّتِها مِنْ النصفِ، ولو أدَّتْ عنها مِنْ غيرها .. رَجَع عليها بنصْفِها؛ لأنّه لم يُؤخَذ منها شيءٌ، هذا إذا لم تَزِد ولم تَنْقُص وكانتْ بحالها يومَ أصْدَقَها أو يومَ قَبَضَتْها منه، ولو لم تُخْرِجْها بعد الحول حتّى أخَذَتْ نصْفَها فاسْتَهْلَكَتْه .. أَخَذَ مِنْ النصفِ الذي في يَدَيْ زوجِها شاةً، ورَجَع عليها بقيمتها.
стр. 596
(٦٦)
باب رهن الماشية
(٥٨٥) قال الشافعي: ولو رَهَنَه ماشيةً وَجَبَتْ فيها الزكاةُ .. أخِذَتْ منها، وما بَقِيَ فرهنٌ.
(٥٨٦) ولو باعه بيعًا على أن يَرْهَنَه إياها .. كان له فسخُ البيع؛ كمَن رَهَنَ شيئًا له وشيئًا ليس له.
(٥٨٧) ولو حال عليها حولٌ .. وَجَبَتْ فيها الصدقةُ، فإن كانتْ إبلًا فريضتُها الغنمُ .. بِيعَ منها فاشْتُرِيَت صدقتُها وكان ما بَقِيَ رهنًا، وما نَتَجَ منها خارجًا مِنْ الرهن، ولا يُباع ماخِضٌ منها حتّى تَضَع إلّا أن يشاء الراهنُ.
стр. 597
(٦٧)
باب زكاة الثمار
(٥٨٨) قال الشافعي: أخبرنا مالك بن أنس، عن محمد بن عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي صَعْصَعَة المازنيّ، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدريّ، أنّ رسول الله ﷺ قال: «ليس فيما دون خمسة أوْسُقٍ مِنْ التَّمْر صدقةٌ».
(٥٨٩) قال الشافعي: فبهذا نأخُذ (١)، و «الوَسْقُ»: ستُّون صاعًا بصاعِ النبيّ ﷺ ، و «الصاع»: أربعة أمْدادٍ بمُدّ النبيّ ﷺ ، بأبي هو وأمي (٢).
(٥٩٠) والخليطان في أصْل النَّخْلِ يُصَدِّقان صدقةَ الواحدِ.
(٥٩١) فإن وَرِثُوا نخلًا فاقْتَسَمُوها (٣) بعدما حَلَّ بَيْعُ ثَمَرِها، وكان في جماعتها خمسةُ أوْسُقٍ .. فعليهم الصدقةُ؛ لأنّ أوّلَ (٤) وُجوبِها كان وهم شركاءُ، ولو اقْتَسَمُوها قَبْل يَحِلُّ (٥) بيعُ ثَمَرِها .. فلا زكاةَ على أحدٍ منهم حتّى تَبْلُغَ حِصَّتُه خمسةَ أوسقٍ.
قال المزني: هذا عندي غيرُ جائزٍ في أصلِه؛ لأنّ القَسْمَ عنده كالبيع، ولا يجوز قَسْمُ الثمر جُزافًا وإن كان معه نخلٌ؛ كما لا يجوز عنده عَرَضٌ بعَرَضٍ، مع كلِّ عَرَضٍ ذَهَبٌ، تَبَعٌ له أو غيرُ تَبَعٍ (٦).
стр. 598
(٥٩٢) قال الشافعي: وثَمَرُ النخلِ يخْتَلِفُ، فثَمَرُ النخلِ يُجَدُّ (١) بتِهامَةَ وهي بنَجْدٍ بُسْرٌ وبَلَحٌ (٢)، قال: فيُضَمُّ بعضُ ذلك إلى بعضٍ؛ لأنّها ثَمَرُ عامٍ واحدٍ ولو كان بينهما الشَّهْرُ والشَّهْران، فإذا أثْمَرَتْ في عامٍ قابلٍ لم يُضَمَّ.
(٥٩٣) وإذا كان آخِرُ إطلاعِ ثَمَرٍ أطْلَعَتْ قَبْل تُجَدُّ (٣)، فالإطْلاعَةُ التي (٤) بعد بلوغ الآخِرَةِ كإطْلاعِ تلك النَّخْلِ عامًا آخَرَ .. لا تُضَمّ الإطْلاعَةُ (٥) إلى العام قَبْلها (٦).
стр. 599
(٥٩٤) قال: ويُتْرَكُ لصاحب الحائط جَيِّدُ التمرِ مِنْ البُرْدِيّ والكَبِيس، ولا يؤخذ الجُعْرورُ ولا مُصْران الفأرة ولا عِذْق ابن حُبَيْق، ويُؤخَذُ وَسَطٌ مِنْ التّمْرِ، إلا أن يكون تَمْرُه بُرْدِيًّا كُلُّه فيُؤخَذُ منه، أو جُعْرُورًا كُلُّه أُخِذَ منه (١).
(٥٩٥) قال: وإنْ كان له نَخْلٌ مخْتَلِفٌ (٢)، واحد يحْمِلُ في وَقْتٍ، والآخَرُ (٣) في وَقْتٍ أو في سنةٍ حِمْلَيْنِ .. فهما مخْتَلِفان.
стр. 600
(٦٨)
باب كيف تؤخَذَ صدقة النخل والعنب بالخَرْص (١)(٥٩٦) قال الشافعي: أخبرنا عبدالله بن نافع، عن محمد بن صالح التَّمَّار، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن عَتَّاب بن أُسَيْد، أنّ رسول الله ﷺ قال في زكاة الكَرْم: «يُخْرَصُ كما يُخْرَصُ النّخْلُ، ثمّ تُؤدَّى زكاتُه زَبِيبًا؛ كما تُؤدَّى زَكاةُ النخلِ تمْرًا» (٢).
(٥٩٧) قال: واحْتَجَّ بأنّ النبيَّ ﷺ قال لليهود حين افْتَتَح خَيْبَرَ: «أقِرُّكُم (٣) ما أقَرَّكُم اللهُ، على أنّ التَّمْرَ بَيْنَنَا وبَيْنَكُم»، فكان يَبْعَثُ عبدَالله بنَ رَوَاحَةَ فيَخْرُصُ عليهم، ثمّ يقول: «إنْ شِئتُم فلَكُم، وإنْ شِئتُم فلي» (٤)، فكانوا يَأخُذُونه.
(٥٩٨) قال الشافعي: ووَقْتُ الخَرْصِ: إذا حَلَّ البيعُ، وذلك حين تُرَى في الحائطِ الحُمْرَةُ والصُّفْرَةُ، وكذلك حين يَتَمَوَّهُ العِنَبُ (٥) ويُوجَدُ فيه ما يُؤكَل منه.
стр. 601
(٥٩٩) ويَأتِي الخارصُ النخلةَ فيُطِيفُ بها حتّى يَرَى كلَّ ما فيها، ثمّ يقول: خَرْصُها رُطَبًا كذا، ويَنْقُص إذا صار (١) تمْرًا كذا، فيُثْبِتُها على كَيْلِها تمْرًا، ويَصْنَعُ ذلك بجَمِيع الحائط (٢)، وهكذا العنبُ، ثم يُخَلِّي بيْن أهْلِه وبَيْنَه (٣).
(٦٠٠) فإذا صار تمرًا أو زَبِيبًا أَخَذَ العُشْرَ على خَرْصِه.
(٦٠١) فإنْ ذَكَر أهْلُه أنّه أصابَتْه جائحةٌ أذْهَبَتْه أو شَيْئًا منه .. صُدِّقُوا، فإن اتُّهِمُوا أحْلِفوا.
(٦٠٢) فإنْ قال (٤): قد أحْصَيْتُ مَكِيلَةَ ما أخَذْتُ، وهو كذا، وما بَقِيَ كذا، وهذا خَطَأٌ في الخَرْصِ .. صُدِّقَ؛ لأنّها زكاةٌ هو فيها أمينٌ.
(٦٠٣) وإنْ قال: سُرِقَ بعدما صَيَّرْتُه في الجَرِين (٥) .. فإنْ كان بعدما
стр. 602
يَبِسَ وأمْكَنَه أن يُؤدِّيَ إلى الوالي أو إلى أهْل السُّهْمان .. فقد ضَمِنَ ما أمْكَنَه (١) فَفَرَّطَ، وإن لم يُمْكِنْه فلا ضَمانَ (٢).
(٦٠٤) وإن اسْتَهْلَكَه رُطَبًا أو بُسْرًا بعد الخَرْص .. ضَمِنَ مَكِيلَةَ خَرْصِه (٣).
(٦٠٥) وإنْ أصاب حائطَه عَطَشٌ، فعَلِم أنّه إنْ تَرَكَ الثَّمَرَة أضَرَّ بالنّخْل، وإنْ قَطَعَها بعد أن تُخْرَصَ بَطَل عنه كثيرٌ مِنْ ثَمَنِها .. كان له قَطْعُها، ويُؤخَذُ ثَمَنُ عُشْرِها، أو عُشْرُها مقطوعةً.
(٦٠٦) ومَنْ قَطَع مِنْ ثَمَرِ نَخْلِه قَبْل يَحِلُّ (٤) بيعُه .. لم يَكُنْ عليه فيه عُشْرٌ، وأكْرَهُ ذلك له إلا لِيَأكُله، أو يُطْعِمَه، أو يُخَفِّفَه عن نَخْلِه.
(٦٠٧) وإنْ أكَلَ رُطَبًا .. ضَمِن عُشْرَه تمرًا مِثْلَ وَسَطِه.
(٦٠٨) وإنْ كان لا يَكُونُ تمْرًا .. أعْلَمَ الوالي ليَأمُر مَنْ يَبِيعُ معه عُشْرَه رُطَبًا، فإن لم يَفْعَل خَرَصَه ليَصِيرَ عليه عُشْرُه، ثم صُدِّق رَبُّه فيما بَلَغَ رُطَبُه وأَخَذَ عُشْرَ ثَمَنِه، فإنْ أكَلَ أَخَذَ منه قيمةَ عُشْرِه رُطَبًا.
(٦٠٩) وما قُلْتُ في النّخل فكان في العِنَب فهو مثلُه.
(٦١٠) وقدْ رُوِيَ أنّ النبيّ ﷺ بَعَث مع ابنِ رواحةَ غيرَه، قال
стр. 603
الشافعي: وفي كلٍّ أحِبّ أن يكونَ خارصان أو أكثرُ، وقد قيل: يَجُوزُ خارصٌ واحدٌ؛ كما يجوزُ حاكمٌ واحدٌ (١).
(٦١١) ولا تُؤخَذُ صدقةُ شيءٍ مِنْ الشَّجَرِ غيرِ النَّخْلِ والعِنَبِ؛ فإنّ رسولَ الله ﷺ أخَذَ الصدقةَ منهما، وكلاهما قوتٌ.
(٦١٢) ولا شيءَ في الزيتون؛ لأنّه يُؤكَلُ أَدْمًا (٢)، ولا في الجَوْزِ ولا في اللَّوْزِ وغيرِه مما يكون أَدْمًا ويَيْبَسُ فيُدَّخَرُ؛ لأنّه فاكهةٌ، لا أنّه كان بالحجاز قُوتًا عَلِمْناه؛ ولأنّ الخبرَ في النخلِ والعنبِ خاصٌّ.
стр. 604
(٦٩)
باب صدقة الزرع
(٦١٣) قال الشافعي: في قول الله ﵎: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام: ١٤١] دَلالَةٌ على أنّه إنّما جَعَل الزكاةَ على الزَّرْع.
(٦١٤) قال: فما جَمَع أن يَزْرَعَه الآدميُّون ويَيْبَسَ ويُدَّخَرَ ويُقْتَاتَ مأكولًا، خُبْزًا وسَوِيقًا وطَبِيخًا (١) .. ففيه الصدقةُ، ورُوِي عن رسولِ الله ﷺ أنّه أخَذَ الصدقةَ مِنْ الحنطةِ والشعيرِ والذُّرَة، وهذا فيما يُزْرَع ويُقْتات، فيُؤخَذُ مِنْ العَلَس - وهو حِنْطَةٌ - والسُّلْتِ والقِطْنِيَّةِ كُلِّها إذا بَلَغَ الصِّنفُ الواحدُ خمسةَ أوْسُقٍ، والعَلَسُ والقَمْحُ صنفٌ واحدٌ (٢).
(٦١٥) ولا يُضَمُّ صِنفٌ مِنْ القِطْنِيَّةِ انْفَرَدَ باسْمٍ إلى صنفٍ، ولا شعيرٌ إلى حنطةٍ، ولا حَبَّةٌ عُرِفَتْ باسمٍ صحيحٍ (٣) مُنْفَرِدٍ إلى غيرِها، فإن قيل: فاسْمُ القِطْنِيَّةِ يَجْمَعُ العَدَسَ والحِمِّصَ .. قيل: ثمّ يَنْفَرِد كلُّ واحدٍ باسْمٍ دون صاحِبِه، وقد يَجْمَعُها اسْمُ الحبوب، فإن قيل: فقد أخَذَ عمرُ العُشْرَ مِنْ النَّبَطِ في القِطْنِيَّة .. قيل: وأخَذَ رسولُ الله ﷺ العُشْرَ مِنْ التمرِ والزبيبِ (٤)، وأخَذَ عمرُ مِنْ القِطْنِيَّةِ والزيتِ العشرَ، أفيُضَمُّ ذلك كلُّه؟!
стр. 605
(٦١٦) قال: ولا يَبِينُ أن يُؤخَذَ مِنْ الفَثِّ (١) وإنْ كان قُوتًا، ولا مِنْ حَبِّ الحَنْظَل، ولا مِنْ حَبِّ شَجَرَةٍ برِّيَّة؛ كما لا يُؤخَذُ مِنْ بَقَرِ الوَحْشِ ولا مِنْ الظِّبَاء صدقةٌ، ولا مِنْ الثُّفَاء (٢)، ولا الإسْبِيُوش (٣)، ولا مِنْ حُبُوب البُقول، وكذلك القِثَّاء والبِطِّيخ وحَبُّه، ولا مِنْ العُصْفُر، ولا مِنْ حَبِّ الفُجْل، ولا مِنْ السِّمْسِم، ولا مِنْ التُّرْمُس (٤)؛ لأنّي لا أعْلَمُه يُؤكَل إلا دواءً أو تَفَكُّهًا، ولا في الأبْزَار (٥).
(٦١٧) ولا تُؤخَذُ زكاةُ شيءٍ مما يَيْبَسُ حتّى يَيْبَسَ ويُدْرَسَ (٦)،
стр. 606
وزبيبُه وتمرُه فيَنْتَهي (١).
(٦١٨) وإنْ أخَذَه رَطْبًا كان عليه رَدُّه، أو رَدُّ قِيمَتِه إن لم يُوجَد، وأَخَذَه يابسًا، ولا أجِيزُ بيعَ بعضِه ببعضٍ رَطْبًا لاختلافِ نقصانِه، والعشرُ مقاسمةً كالبيع.
(٦١٩) ولو أخَذَه مِنْ عنبٍ لا يَصِير زبيبًا، أو مِنْ رُطَبٍ لا يَصِير تمرًا .. أمَرْتُه برَدِّه لما وَصَفْتُ، وكان شَرِيكًا فيه ببَيْعِه، ولو قَسَمَه عنبًا موازَنةً كَرِهْتُه له، ولم يَكُنْ عليه غُرْمٌ.
стр. 607
(٧٠)
باب الزرع في الأوقات
(٦٢٠) قال الشافعي: الذُّرَةُ تُزْرَعُ مرَّةً فتَخْرُج فتُحْصَد، ثم تَسْتَخْلِف (١) في بعضِ المواضع فتُحْصَدُ أخْرَى، فهو زَرْعٌ واحدٌ وإن تَأخَّرَتْ حَصْدَتُه الأخْرَى (٢)، وهكذا بَذْرُ اليوم وبَذْرُ بعدَ شهرٍ؛ لأنَه وقتٌ واحدٌ للزرعِ، وتَلاحُقُه فيه مُتَقارِبٌ.
(٦٢١) قال: وإذا زَرَع في السنة ثلاثَ مرّاتٍ في أوقاتٍ مختلِفَةٍ: في خَرِيفٍ، ورَبِيعٍ، وصَيْفٍ .. ففيه أقاويلُ: منها - أنّه زَرْعٌ واحدٌ إذا زُرِعَ في سنةٍ، وإنْ أدْرَك بعضُه في غيرِها، ومنها - أن يُضَمَّ ما أدْرَكَ في سنةٍ واحدةٍ، وما أدْرَك في السنةِ الأخْرَى ضُمَّ إلى ما أدْرَك في الأخْرَى، ومنها - أنها مختلِفَةٌ لا تُضَمّ.
وقال في موضع آخر: «إذا كان الزَّرْعان وحَصَادُهما معًا في السنةِ .. فهما كالزرعِ الواحدِ، وإنْ كان بَذْرُ أحدِهما قبل السنة وحصادُ الآخَرِ متأخِّرٌ
стр. 608
عن السنةِ .. فهما زرعان لا يُضَمّان، ولا يُضَمُّ زرعُ سنةٍ إلى زرعِ سنةٍ غيرِها» (١).
стр. 609
(٧١)
باب قدر الصدقة فيما أخرجت الأرض
(٦٢٢) قال الشافعي: بَلَغَنا (١) أنّ رسولَ الله ﷺ قال قولًا معناه: «ما سُقِيَ بنَضْحٍ أو غَرْبٍ (٢) .. ففيه نصفُ العُشْرِ، وما سُقِيَ بغيرِه مِنْ عَيْنٍ أو سَماءٍ .. ففيه العُشْرُ»، ورُوِي عن ابن عمر معنى ذلك، ولا أعْلَم في ذلك مخالفًا، وبهذا أقولُ.
(٦٢٣) وإن سُقِي مِنْ هذا بنهرٍ أو سيلٍ أو ما يكونُ فيه العشرُ، فلم يَكْتَفِ به حتى سُقِي بالغَرْبِ .. فالقياسُ: أن يُنْظَر إلى ما عاش بالسَّقْيَيْن، فإنْ عاش بهما نِصْفَيْن ففيه ثلاثةُ أرْباع العشرِ، وإنْ عاشَ بالسيلِ أكثرَ زِيدَ فيه بقدرِ ذلك، وقد قيل: يُنْظَرُ أيُّهما عاش به أكثرَ فيَكُون صدقتُه به، والقياسُ ما وَصَفْتُ، والقولُ قولُ رَبِّ الزَّرْعِ مع يَمِينِه (٣).
(٦٢٤) وأخْذُ العُشْرِ: أن يُكالَ لِرَبِّ المالِ تسعةٌ، ويَأخُذَ المصَدِّق العاشرَ، وهكذا نصفُ العشرِ مع خَراجِ الأرضِ، وما زادَ مما قَلَّ أو كَثُرَ فبحسابه.
стр. 610
(٧٢)
باب صدقة الوَرِق (١)(٦٢٥) قال الشافعي: أخبرنا مالك، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، أنه قال: سمعت أبا سعيدٍ الخدريّ يقول: قال رسول الله ﷺ : «ليس فيما دون خمسِ أوَاقٍ مِنْ الوَرِق صدقةٌ».
(٦٢٦) قال: وبهذا نأخُذ، فإذا بَلَغ الوَرِقُ خمسَ أواقٍ، وذلك: مائتا درهمٍ بدراهمِ الإسلامِ (٢)، وكلُّ عَشَرَةِ دراهمَ مِنْ دراهمِ الإسلامِ وزْنُ سبعةِ مثاقيلِ ذَهَبٍ بمِثْقالِ الإسلامِ .. ففي الوَرِقِ صدقةٌ، ولو كانت مائتا درهمٍ تَنْقُصُ حَبَّةً أو أقلَّ، وتجُوزُ جَوَازَ الوَازِنَة، أو لها فَضْلٌ على الوَازِنَة غيرُها (٣) .. فلا زكاةَ فيها؛ كما لو كانتْ له أربعةُ أوْسُقِ بُرْدِيٍّ خيرٍ قِيمةً مِنْ مائة وَسْقِ غيرِه .. لم يَكُنْ فيها زكاةٌ.
(٦٢٧) ولو كانتْ له وَرِقٌ رَدِيئةٌ ووَرِقٌ جَيِّدةٌ .. أخَذَ مِنْ كلِّ واحدةٍ منهما بقدرِها.
(٦٢٨) وأكْرَهُ له الوَرِقَ المغْشُوشَ؛ لئلّا يَغُرَّ به أحدًا (٤).
стр. 611
(٦٢٩) ولو كانتْ له (١) فِضَّةٌ خَلَطَها بذَهَبٍ .. كان عليه أن يُدْخِلَها النارَ حتّى يَمِيزَ بينهما، فيُخْرِجَ الصدقةَ مِنْ كلِّ واحدٍ منهما.
(٦٣٠) ولو كانتْ له فضّةٌ مَلْطُوخَةٌ على لجامٍ، أو مُمَوَّهٌ بها سَقْفُ بَيْتٍ، وكانتْ تُميَّزُ فتَكُونُ شيئًا (٢) إنْ جُمِعَتْ بالنار .. فعليه إخْراجُ الصَّدقةِ عنها، وإلّا فهي مُسْتَهْلَكةٌ.
(٦٣١) وإذا كان في يَدَيْه أقلُّ مِنْ خمسِ أواقٍ، وما يُتِمُّ خمسَ أواقٍ دَيْنًا له أو غائبًا عنه .. أحْصَى الحاضِرَةَ، وانْتَظَر الغائبةَ، فإن اقْتَضَاها .. أدَّى رُبْعَ عُشْرِها.
(٦٣٢) وما زاد ولو قيراطٌ فبحسابٍ.
(٦٣٣) ولو ارْتَدّ ثمّ حال الحولُ .. ففيها قولان: أحدهما - أنّ فيه الزكاةَ (٣)، والثاني - يُوقَفُ، فإنْ أسْلَم ففيه الزكاةُ، لا (٤) يَسْقُطُ عنه الفرضُ بالردة، وإن قُتِلَ لم تَكُنْ فيه زكاةٌ، وبهذا أقولُ (٥).
قال المزني: الأوّلُ عندي أوْلَى به على معناه (٦).
стр. 612
(٦٣٤) قال المزني: وحرامٌ أن يُؤدِّيَ الرجلُ الزكاةَ مِنْ شَرِّ مالِه؛ لقول الله ﵎: ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه﴾ [البقرة: ٢٦٧]، يعني والله أعلم: لا تُعْطُوا في الزكاةِ ما خَبُثَ أن تأخُذُوه لأنفسِكم، وتَتْرُكوا الطَّيِّبَ عندكم (١).
стр. 613
(٧٣)
باب زكاة الذهب وقدر ما لا تجب فيه الزكاة (١)(٦٣٥) قال الشافعي: ولا أعلَمُ اختلافًا في أن ليس في الذهبِ زكاةٌ حتّى يَبْلُغَ عشرين مِثْقالًا، جَيِّدًا كان أو رَديئًا، أو إناءً (٢)، أو تِبْرًا (٣).
(٦٣٦) فإنْ نَقَصَتْ حبَّةٌ أو أقلُّ .. لم يُؤخَذْ منها صدقةٌ، ولو كانتْ له معها خمسُ أواقٍ فضةً إلا قيراطًا أو أقلَّ .. لم تَكُنْ في واحدٍ منهما (٤) زكاةٌ، وإذا لم تُجْمَع التمرُ إلى الزبيبِ وهما يُخْرَصَان ويُعْشَرَان وهما حُلْوانِ معًا وأشدُّ تَقارُبًا في الثمن والخِلْقة والوزن مِنْ الذهبِ إلى الوَرِقِ .. فكيف يَجْمَع جامعٌ بين الذهبِ والفضةِ ولا يَجْمَع بين التمرِ والزبيبِ؟! ومَن فَعَل ذلك فقد خالف سنةَ رسولِ الله ﷺ ؛ لأنه قال: «ليس فيما دون خمسِ أواقٍ مِنْ الوَرِقِ صدقةٌ»، فأخَذَها في أقلَّ، فإن قال: ضَمَمْتُ إليها غيرَها .. قيل: فضُمَّ إليها بَقَرًا، فإن قال: ليستْ مِنْ جِنْسِها .. قيل: وكذلك فالذهبُ ليسَ مِنْ جِنسِ الوَرِقِ.
стр. 614
(٦٣٧) ولا تجِبُ على رجلٍ زكاةٌ في ذهبٍ حتّى يَكُونَ عشرين مِثْقالًا في أوّلِ الحوْلِ وآخِرِه، فإنْ نَقَصَتْ شيئًا ثمّ تمَّتْ عشرين مِثْقالًا .. فلا زكاةَ فيها حتّى يَسْتَقْبِلَ بها حَوْلًا مِنْ يَوْمِ تمَّتْ عشرين.
стр. 615
(٧٤)
باب زكاة الحُلِيِّ
(٦٣٨) قال الشافعي: أخبرنا مالك بن أنس، عن عبدالرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، أنها كانتْ تُحَلِّي بناتِ أخِيها أيتامًا في حِجْرِها فلا تُخْرِجُ منها الزكاةَ.
(٦٣٩) ورُوِي عن ابن عمرَ أنّه كان يُحَلِّي بناتِه وجَوارِيَه الذهبَ ثمّ لا يُخْرِجُ زكاتَه (١)، قال: ويُرْوَى عن عمرَ وعبدالله بن عمرو بن العاص، أنّ في الحليِّ الزكاةَ (٢)، قال الشافعي: وهذا مما أستخير الله فيه.
(٦٤٠) قال: فمَن قال: فيه الزكاةُ .. زكَّى خاتَمَه وحِلْيَةَ سَيْفِه ومُصْحَفَه، ومَن قال: لا زكاةَ فيه .. قال: لا زكاةَ في خاتَمٍ ولا حِلْيَةِ سيفٍ ولا مصحفٍ ولا مِنْطَقَةٍ إذا كان مِنْ وَرِقٍ، فإن اتَّخَذَه مِنْ ذَهَبٍ أو اتَّخَذَ لنفْسِه حُلِيَّ امرأةٍ .. ففيه الزكاةُ.
(٦٤١) وللمرأةِ أنْ تُحَلَّى ذهبًا ووَرِقًا، فلا (٣) أجْعَلُ في حُلِيِّها زكاةً.
(٦٤٢) قال: وإن اتَّخَذَ رجلٌ أو امرأةٌ إناءً مِنْ ذهبٍ أو وَرِقٍ .. زَكَّيَاه في القولين جميعًا؛ لأنه ليس لواحدٍ منهما اتِّخاذُه، فإنْ كان وَزْنُه ألْفًا وقِيمتُه مَصُوغًا ألفان (٤) .. فإنّما زكاتُه على وَزْنِه، لا على قيمتِه.
(٦٤٣) وإذا انْكَسَر حُلِيُّها .. فلا زكاةَ فيه.
стр. 616
(٦٤٤) ولو وَرِثَ رجلٌ حُلِيًّا أو اشْتَرَاه، فأعْطاه امرأةً مِنْ أهْلِه أو خَدَمِه هِبةً أو عاريةً، أو أرْصَدَه لذلك (١) .. لم تَكُنْ عليه زكاةٌ في قولِ مَنْ قال: لا زكاةَ فيه، إذا أرْصَدَه لِما يَصْلُح له، فإن أرْصَدَه لما لا يَصْلُح له .. فعليه الزكاةُ في القولين جميعًا.
(٦٦٥) قال المزني: وقد قال الشافعيُّ في غير «كتاب الزكاة» أن ليس في الحليِّ زكاةٌ، وهذا أشْبَهُ بأصلِه؛ لأنّ أصلَه أنّ في الماشيةِ زكاةً، وليس على المستعملِ منها زكاةٌ (٢)، فكذلك الذهبُ والوَرِقُ فيهما الزكاةُ، وليس في المستعملِ منهما زكاةٌ (٣).
стр. 617
(٧٥)
باب ما لا يكون فيه زكاة
(٦٦٦) قال الشافعي: وما كان من لُؤْلُؤٍ وزَبَرْجَدٍ وياقوتٍ ومَرْجانٍ وحِلْيَةِ بَحْرٍ .. فلا زكاةَ فيه، ولا في مِسكٍ ولا عَنْبَرٍ، قال ابن عباس في العنبرِ: «إنّما هو شيء دَسَرَه البحرُ (١)».
(٦٦٧) قال الشافعي: ولا زكاةَ في شيءٍ مما خالف الذهبَ والوَرِقَ والماشيةَ والحرْثَ على ما وَصَفْنا (٢).
стр. 618
(٧٦)
باب زكاة التجارة
(٦٦٨) قال الشافعي: أخبرنا سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن عبدالله بن أبي سلمة، عن أبي عمرو بن حِماسٍ، أن أباه حِماسًا قال: «مررت على عمر بن الخطاب وعلى عنقي أدَمَةٌ أحمِلُها، فقال: ألا تُؤدِّي زكاتَك يا حِماسُ؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، ما لي غيرُ هذه وأهُبٌ في القَرَظِ، فقال: ذاك مالٌ فَضَعْ. فوَضَعْتُها بين يدَيْه، فحَسَبَها، فوَجَدَها قد وَجَبَتْ فيها الزكاةُ، فأخَذَ منها الزكاةَ» (١).
(٦٦٩) قال الشافعي: وإذا اتَّجَرَ في مائتَيْ درهمٍ فصارت ثلثَمائةٍ قبل الحول، ثمّ حال عليها الحولُ .. زَكَّى المائتين لحولها، والمائةَ التي زادتْ لحولها، ولا يَضُمُّ ما رَبِحَ إليها؛ لأنه ليس منها، وإنما صَرَفَها في غيرِها، ثم باع ما صرَفَها فيه، ولا يُشْبِه أن يَمْلِكَ مائتي درهم ستة أشهر، ثم يَشْتَرِيَ بها عَرْضًا للتجارة (٢)، فيَحُولَ الحولُ والعَرْضُ في
стр. 619
يَدَيه (١)، فيُقَوَّمُ العَرْضُ بزيادتِه أو نَقْصِه؛ لأنَّ الزكاةَ حينئذٍ تَحَوَّلَتْ في العَرْضِ بنِيَّةِ التجارة، وصار العَرْضُ كالدراهمِ يُحْسَبُ عليها لحولها، فإذا نَضَّ (٢) ثمنُ العَرْضِ بعد الحول أُخِذَت الزكاةُ مِنْ ثَمَنِه بالغًا ما بَلَغ (٣).
стр. 620
(٦٧٠) قال: ولو اشْتَرَى عَرْضًا للتِّجارة بعَرْضٍ، فحال الحولُ على عَرْضِ التجارةِ .. قُوِّمَ بالأغْلَبِ مِنْ نَقْدِ بلَدِه، دَنانيرَ أو دَراهمَ، وإنّما قَوَّمْتُه بالأغْلَبِ؛ لأنّه اشْتَرَاه للتجارة بعَرْضٍ.
(٦٧١) قال: وتُخْرَجُ زكاتُه مِنْ الذي قُوِّمَ به (١).
(٦٧٢) قال: ولو كان في يدَيه عَرْضٌ للتجارة تَجِبُ في قيمتِه الزكاةُ أقام في يدَيه ستَّةَ أشْهُرٍ، ثم اشْتَرَى به عَرْضًا للتجارةِ فأقام في يدَيه ستَّةَ أشْهُرٍ .. فقد حال الحولُ على المالَيْن معًا، وقام أحدُهما مَقامَ صاحبِه، فيُقَوَّمُ العَرْضُ الذي في يدَيْه وتُخْرَجُ زكاتُه.
(٦٧٣) ولو اشْتَرَى عَرْضًا للتجارة بدنانيرَ، أو دراهمَ، أو بشيءٍ تَجِبُ فيه الصدقةُ مِنْ الماشية، وكان أفادَ (٢) ما اشْتَرَى به ذلك العَرْضَ مِنْ يومِه .. لم يُقَوَّم العَرْضُ حتّى يَحُولَ الحولُ مِنْ يوم أفاد ثمنَ العَرْضِ، ثم يُزَكِّيه بعد الحول، ولو أقام هذا العَرْضُ في يدَيْه ستَّةَ أشْهُرٍ، ثمّ باعه بدراهمَ أو دنانيرَ، فأقامتْ في يدَيْه ستَّةَ أشْهُرٍ .. زكّاها.
قال المزني: إذا كانتْ فائدتُه نَقْدًا .. فحَوْلُ العَرْضِ مِنْ حينِ أفاد النَّقْدَ؛ لأنّ معنى قيمة العَرْضِ للتجارة والنَّقْدِ في الزكاة رُبْعُ عُشْرٍ، وليس كذلك زكاةُ الماشية، ألا تَرَى أنّ في خَمْسٍ مِنْ الإبل السائمة بالحول شاةٌ، أفيُضَمُّ ما في حَوْلِه زكاةُ شاةٍ إلى ما في حَوْلِه زكاةُ رُبْعِ عُشْرٍ، ومِن قوله: «لو أبْدَلَ إبلًا ببقرٍ أو بقرًا بغنمٍ .. لم يَضُمَّها في حول؛ لأنّ معناهما في
стр. 621
الزكاةِ مختلفٌ» (١)، فكذلك لا يَنْبَغِي أن تُضَمَّ فائدةُ ماشيةٍ زكاتُها شاةٌ أو تَبِيعٌ أو ابنةُ مخاضٍ إلى حَوْلِ عَرْضٍ زكاتُه رُبْعُ عُشْرٍ، فحَوْلُ هذا العَرْضِ عندي (٢) مِنْ حين اشْتَرَاه، لا مِنْ حين أفاد الماشيةَ التي بها اشْتَراه (٣).
(٦٧٤) قال الشافعي: ولو كان اشْتَرَى العَرْضَ بمائتَيْ درهمٍ .. لم يُقَوَّمْ إلّا بدراهمَ، وإن كانت الدنانيرُ الأغْلَبَ مِنْ نَقْدِ البلد، ولو باعه بعد
стр. 622
الحول بدنانيرَ .. قُوِّمَت الدنانيرُ دراهمَ وزُكِّيَت الدنانيرُ بقيمة الدراهمِ؛ لأنّ أصلَ ما اشْتَرَى به العَرْضَ الدراهمُ، وكذلك لو اشْتَرَى بالدنانيرِ .. لم أقَوِّم العَرْضَ إلّا بالدنانيرِ، ولو باعه بدراهمَ وعَرْضٍ .. قُوِّمَ بالدنانيرِ.
(٦٧٥) ولو أقامتْ عنده مائةُ دينارٍ أحدَ عشَرَ شهرًا، ثمّ اشْتَرَى بها ألفَ درهمٍ أو مائةَ دينارٍ .. فلا زكاةَ في الدنانير الأخيرة ولا في الدراهم حتّى يَحُولَ عليها الحولُ مِنْ يومِ مَلَكَها؛ لأنّ الزكاةَ فيها بأنْفُسِها.
(٦٧٦) ولو اشْتَرَى عَرْضًا لغيرِ تجارةٍ .. فهو كما لو مَلَكَ بغير شِراءٍ، فإن نَوَى به التجارةَ .. فلا زكاةَ عليه.
(٦٧٧) ولو اشْتَرى شيئًا للتجارةِ ثمّ نَواه لِقِنْيَة (١) .. لم تَكُنْ عليه زكاةٌ، وأحِبُّ لو فَعَل، ولا يُشْبِه هذا السائمةَ إذا نَوَى عَلْفَها، فلا تَنْصَرِف عن السائمة حتّى يَعْلِفَها.
(٦٧٨) ولو كان يَمْلِكُ أقلَّ مما تَجِبُ في مثلِه الزكاةُ .. زَكَّى ثمنَ العَرْضِ مِنْ يومِ مَلَكَ العَرْضَ؛ لأنّ الزكاةَ تَحَوَّلَتْ فيه بعَيْنِه، ألا تَرَى لو اشْتَرَاه بعشرين دينارًا وكانتْ قيمتُه يومَ يَحُولُ الحولُ أقلَّ، سَقَطَت عنه الزكاةُ؛ لأنّها تَحَوَّلَتْ فيه وفي ثمنِه إذا بِيعَ، لا فيما اشْتَرَى به؟
(٦٧٩) قال: ولا تَمْنَعُ زكاةُ التجارةِ في الرقيقِ زكاةَ الفِطْرِ إذا كانوا مسلمِين، ألا تَرَى أنّ زكاةَ الفطرِ على عددِ الأحرارِ الذين ليسوا بمالٍ، إنّما هي طُهُورٌ لمَن لَزِمَه اسمُ الإيمان؟