(٧٦)
باب زكاة التجارة
(٦٦٨) قال الشافعي: أخبرنا سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن عبدالله بن أبي سلمة، عن أبي عمرو بن حِماسٍ، أن أباه حِماسًا قال: «مررت على عمر بن الخطاب وعلى عنقي أدَمَةٌ أحمِلُها، فقال: ألا تُؤدِّي زكاتَك يا حِماسُ؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، ما لي غيرُ هذه وأهُبٌ في القَرَظِ، فقال: ذاك مالٌ فَضَعْ. فوَضَعْتُها بين يدَيْه، فحَسَبَها، فوَجَدَها قد وَجَبَتْ فيها الزكاةُ، فأخَذَ منها الزكاةَ» (١).
(٦٦٩) قال الشافعي: وإذا اتَّجَرَ في مائتَيْ درهمٍ فصارت ثلثَمائةٍ قبل الحول، ثمّ حال عليها الحولُ .. زَكَّى المائتين لحولها، والمائةَ التي زادتْ لحولها، ولا يَضُمُّ ما رَبِحَ إليها؛ لأنه ليس منها، وإنما صَرَفَها في غيرِها، ثم باع ما صرَفَها فيه، ولا يُشْبِه أن يَمْلِكَ مائتي درهم ستة أشهر، ثم يَشْتَرِيَ بها عَرْضًا للتجارة (٢)، فيَحُولَ الحولُ والعَرْضُ في
стр. 619
يَدَيه (١)، فيُقَوَّمُ العَرْضُ بزيادتِه أو نَقْصِه؛ لأنَّ الزكاةَ حينئذٍ تَحَوَّلَتْ في العَرْضِ بنِيَّةِ التجارة، وصار العَرْضُ كالدراهمِ يُحْسَبُ عليها لحولها، فإذا نَضَّ (٢) ثمنُ العَرْضِ بعد الحول أُخِذَت الزكاةُ مِنْ ثَمَنِه بالغًا ما بَلَغ (٣).
стр. 620
(٦٧٠) قال: ولو اشْتَرَى عَرْضًا للتِّجارة بعَرْضٍ، فحال الحولُ على عَرْضِ التجارةِ .. قُوِّمَ بالأغْلَبِ مِنْ نَقْدِ بلَدِه، دَنانيرَ أو دَراهمَ، وإنّما قَوَّمْتُه بالأغْلَبِ؛ لأنّه اشْتَرَاه للتجارة بعَرْضٍ.
(٦٧١) قال: وتُخْرَجُ زكاتُه مِنْ الذي قُوِّمَ به (١).
(٦٧٢) قال: ولو كان في يدَيه عَرْضٌ للتجارة تَجِبُ في قيمتِه الزكاةُ أقام في يدَيه ستَّةَ أشْهُرٍ، ثم اشْتَرَى به عَرْضًا للتجارةِ فأقام في يدَيه ستَّةَ أشْهُرٍ .. فقد حال الحولُ على المالَيْن معًا، وقام أحدُهما مَقامَ صاحبِه، فيُقَوَّمُ العَرْضُ الذي في يدَيْه وتُخْرَجُ زكاتُه.
(٦٧٣) ولو اشْتَرَى عَرْضًا للتجارة بدنانيرَ، أو دراهمَ، أو بشيءٍ تَجِبُ فيه الصدقةُ مِنْ الماشية، وكان أفادَ (٢) ما اشْتَرَى به ذلك العَرْضَ مِنْ يومِه .. لم يُقَوَّم العَرْضُ حتّى يَحُولَ الحولُ مِنْ يوم أفاد ثمنَ العَرْضِ، ثم يُزَكِّيه بعد الحول، ولو أقام هذا العَرْضُ في يدَيْه ستَّةَ أشْهُرٍ، ثمّ باعه بدراهمَ أو دنانيرَ، فأقامتْ في يدَيْه ستَّةَ أشْهُرٍ .. زكّاها.
قال المزني: إذا كانتْ فائدتُه نَقْدًا .. فحَوْلُ العَرْضِ مِنْ حينِ أفاد النَّقْدَ؛ لأنّ معنى قيمة العَرْضِ للتجارة والنَّقْدِ في الزكاة رُبْعُ عُشْرٍ، وليس كذلك زكاةُ الماشية، ألا تَرَى أنّ في خَمْسٍ مِنْ الإبل السائمة بالحول شاةٌ، أفيُضَمُّ ما في حَوْلِه زكاةُ شاةٍ إلى ما في حَوْلِه زكاةُ رُبْعِ عُشْرٍ، ومِن قوله: «لو أبْدَلَ إبلًا ببقرٍ أو بقرًا بغنمٍ .. لم يَضُمَّها في حول؛ لأنّ معناهما في
стр. 621
الزكاةِ مختلفٌ» (١)، فكذلك لا يَنْبَغِي أن تُضَمَّ فائدةُ ماشيةٍ زكاتُها شاةٌ أو تَبِيعٌ أو ابنةُ مخاضٍ إلى حَوْلِ عَرْضٍ زكاتُه رُبْعُ عُشْرٍ، فحَوْلُ هذا العَرْضِ عندي (٢) مِنْ حين اشْتَرَاه، لا مِنْ حين أفاد الماشيةَ التي بها اشْتَراه (٣).
(٦٧٤) قال الشافعي: ولو كان اشْتَرَى العَرْضَ بمائتَيْ درهمٍ .. لم يُقَوَّمْ إلّا بدراهمَ، وإن كانت الدنانيرُ الأغْلَبَ مِنْ نَقْدِ البلد، ولو باعه بعد
стр. 622
الحول بدنانيرَ .. قُوِّمَت الدنانيرُ دراهمَ وزُكِّيَت الدنانيرُ بقيمة الدراهمِ؛ لأنّ أصلَ ما اشْتَرَى به العَرْضَ الدراهمُ، وكذلك لو اشْتَرَى بالدنانيرِ .. لم أقَوِّم العَرْضَ إلّا بالدنانيرِ، ولو باعه بدراهمَ وعَرْضٍ .. قُوِّمَ بالدنانيرِ.
(٦٧٥) ولو أقامتْ عنده مائةُ دينارٍ أحدَ عشَرَ شهرًا، ثمّ اشْتَرَى بها ألفَ درهمٍ أو مائةَ دينارٍ .. فلا زكاةَ في الدنانير الأخيرة ولا في الدراهم حتّى يَحُولَ عليها الحولُ مِنْ يومِ مَلَكَها؛ لأنّ الزكاةَ فيها بأنْفُسِها.
(٦٧٦) ولو اشْتَرَى عَرْضًا لغيرِ تجارةٍ .. فهو كما لو مَلَكَ بغير شِراءٍ، فإن نَوَى به التجارةَ .. فلا زكاةَ عليه.
(٦٧٧) ولو اشْتَرى شيئًا للتجارةِ ثمّ نَواه لِقِنْيَة (١) .. لم تَكُنْ عليه زكاةٌ، وأحِبُّ لو فَعَل، ولا يُشْبِه هذا السائمةَ إذا نَوَى عَلْفَها، فلا تَنْصَرِف عن السائمة حتّى يَعْلِفَها.
(٦٧٨) ولو كان يَمْلِكُ أقلَّ مما تَجِبُ في مثلِه الزكاةُ .. زَكَّى ثمنَ العَرْضِ مِنْ يومِ مَلَكَ العَرْضَ؛ لأنّ الزكاةَ تَحَوَّلَتْ فيه بعَيْنِه، ألا تَرَى لو اشْتَرَاه بعشرين دينارًا وكانتْ قيمتُه يومَ يَحُولُ الحولُ أقلَّ، سَقَطَت عنه الزكاةُ؛ لأنّها تَحَوَّلَتْ فيه وفي ثمنِه إذا بِيعَ، لا فيما اشْتَرَى به؟
(٦٧٩) قال: ولا تَمْنَعُ زكاةُ التجارةِ في الرقيقِ زكاةَ الفِطْرِ إذا كانوا مسلمِين، ألا تَرَى أنّ زكاةَ الفطرِ على عددِ الأحرارِ الذين ليسوا بمالٍ، إنّما هي طُهُورٌ لمَن لَزِمَه اسمُ الإيمان؟
стр. 623
قال المزني: قال الكوفيون: إذا كان رقيقُ التجارة فلا زكاةَ للفطرِ، وإذا كان الزرعُ بخَراجٍ فلا زكاةَ، وهي العشورُ (١).
(٦٨٠) قال الشافعي: ولو اشْتَرَى نخلًا [أو زرعًا (٢) للتجارة أو وَرِثَها .. زَكَّى زكاةَ النخلِ والزرعِ، ولو كان مكانَ النخلِ غِراسٌ لا زكاةَ فيها .. زكّاها زكاةَ التجارة.
(٦٨١) والخُلَطاءُ في الذهبِ والوَرِقِ كالخلطاءِ في الماشيةِ والحرثِ - على ما وَصَفْتُ (٣) - سواءٌ.
стр. 624
(٧٧)
باب زكاة مال القِراض
(٦٨٢) قال الشافعي: وإذا دَفَعَ الرجلُ ألفَ درهمٍ قِراضًا على النصفِ، فاشْتَرَى بها سِلْعَةً، وحال الحولُ عليها وهي تَسْوَى ألفَيْن .. ففيها قولان: أحدهما - أنه يُزَكِّي كُلَّها؛ لأنَّها مِلْكٌ لرَبِّ المالِ أبَدًا حتّى يُسَلَّمَ إليه رأسُ مالِه، وكذلك لو كان العاملُ نَصْرَانِيًّا، فإذا سُلِّم له رأسُ مالِه اقْتَسَما الربحَ، وهذا أشْبَهُ، والله أعلم، والقول الثاني - أنّ الزكاةَ على رَبِّ المالِ في الألفِ والخمسمائة، ووُقِفَتْ زكاةُ خمسمائةٍ، فإنْ حال عليها الحولُ مِنْ يومِ صارتْ للعاملِ زكَّاها إنْ كانَ مسلمًا، وإنْ لم يَبْلُغ ربحُه إلّا مائةَ درهمٍ زكَّاها؛ لأنَّه خليطٌ بها (١).
(٦٨٣) ولو كان ربُّ المالِ نَصْرانِيًّا والعاملُ مسلمًا .. فلا ربحَ لمسْلِمٍ حتّى يُسَلِّمَ إلى النصرانيِّ رأسَ مالِه في القولِ الأوّل، ثم يَسْتَقْبِلُ برِبْحِه حولًا، وفي القولِ الثّاني: يُحْصِي ذلك، فإن سَلِمَ له رِبْحُه أدَّى زكاتَه؛ كما يُؤدِّي ما مَرَّ عليه مِنْ السِّنِينَ مُنْذُ كانَ له في المال فَضْلٌ.
قال المزني: أوْلى بقولِه عندي أن لا يَكُونَ على العاملِ زكاةٌ حتّى يَحْصُل رأسُ المالِ؛ لأنّ هذا معناه في القراضِ؛ لأنَّه يَقُول: «لو كان له شِرْكٌ في المالِ ثمّ نَقَصَ قدْرُ الرِّبْحِ كان له في الباقي شِرْكٌ»، فلا رِبْحَ له عندي في معناه (٢) إلّا بعد أداءِ رأسِ المال (٣).
стр. 625
(٧٨)
باب الدين مع الصدقة وزكاة اللقطة وكراء الدور والغنيمة (١)(٦٨٣) قال الشافعي: وإذا كانتْ له مائتا درهمٍ وعليه مِثْلُها، فاسْتُعْدِيَ عليه السلطانُ قَبْل الحولِ، ولم يَقْضِ عليه بالدَّيْن حتّى حال الحولُ .. أخْرَجَ زكاتَها، ثمّ قَضَى غرماءَه بَقِيَّتَها، ولو قَضَى عليه بالدَّيْن، وجَعَل لهم مالَه حَيْثُ وَجَدُوه قَبْل الحولِ، ثمّ حال الحولُ قَبْل يَقْبِضُه (٢) الغُرَماءُ .. لم يَكُنْ عليه زكاةٌ؛ لأنّه صار لهم دُونَه قبل الحول (٣).
(٦٨٤) وهكذا في الزَّرْعِ والثَّمَرِ والماشيةِ التي صدقتُها منها؛ كالمرْتَهِن للشيء فيَكُون للمُرْتَهِنِ ما لَه فيه، وللغرماءِ ما فَضَل عنه (٤).
(٦٨٥) قال: وكلُّ مالٍ رُهِنَ فحال عليه الحولُ أخْرِجَ منه الزكاةُ قبل الدين.
قال المزني: وقد قال في كتاب «اختلافه وابن أبي ليلى» (٥): «إذا
стр. 626
كانتْ له مائتا درهمٍ وعليه مثلُها .. فلا زكاةَ عليه»، والأوَّلُ مِنْ قولِه مشهورٌ (١).
(٦٨٦) قال الشافعي: وإنْ كان له دَيْنٌ يَقْدِرُ على أخْذِه .. كانَ عليه (٢) تَعْجِيلُ زكاتِه كالوَدِيعةِ (٣).
(٦٨٧) ولو جُحِدَ مالُه، أو غُصِبَه، أو غَرِقَ، فأقام زَمانًا ثُمّ قَدَرَ عليه .. فلا يجُوزُ إلّا واحدٌ مِنْ قولَيْن: أن لا يَكُونَ عليه زكاةٌ حتّى يحُولَ عليه الحولُ مِنْ يومِ قَبَضَهُ؛ لأنّه مغلوبٌ عليه، أو يَكُونُ عليه الزكاةُ؛ لأنّ مِلْكَهُ لم يَزُلْ عنه لما مَضَى مِنْ السِّنِين، فإنْ قَبَضَ مِنْ ذلك ما في مثلِه الزكاةُ .. زَكَّى (٤) لما مَضَى، وإن لم يَكُنْ في مثلِه الزكاةُ فكان له مالٌ .. ضَمَّه إليه، وإلّا .. حَسَبَه، فإذا قَبَضَ ما إذا جُمِعَ إليه ثَبَتَ فيه الزكاةُ زَكَّى لما مَضَى.
قال: وإذا عَرَّفَ لُقَطَةً سنةً، ثمّ حال عليها أحوالٌ ولم يُزَكِّها، ثمّ جاء صاحبُها .. فلا زكاةَ على الذي وَجَدَها؛ لأنّه لم يَكُنْ لها مالِكًا قَطّ حتّى جاء صاحبُها، والقولُ فيها كما وَصَفْتُ في أنّ عليه الزكاةَ لما مَضَى؛ لأنّها مالُه، وفي (٥) سُقوطِ الزكاةِ عنه في مُقامِها في يدِ الملْتَقِطِ بعد السنةِ لأنّه أبِيحَ له أكْلُها.
стр. 627
قال المزني: أشْبَهُ الأمْرَيْن بقولِه عندي أن يكونَ عليه الزكاةُ؛ لقولِه: «إنّ مِلْكَه لم يَزُلْ عنه»، وقال في «باب صدقات الغنم» [ف: ٥٣٨]: «لو ضَلَّتْ غنمُه أو غُصِبَها أحوالًا فوَجَدَها .. زكّاها لأحوالها»، فقَضَى ما لم يَخْتَلِف مِنْ قَوْلِه في هذا لأحَدِ قَوْلَيْه في أنّ عليه الزكاةَ؛ كما قَطَعَ في ضَوالِّ الغنمِ، وبالله التوفيق (١).
(٦٨٨) قال الشافعي: ولو أكْرَى دارًا أرْبَعَ سِنِينَ بمائةِ دِينارٍ .. فالكِراءُ حالٌّ، إلّا أن يَشْتَرِطَ أجَلًا، فإذا حال الحولُ زكَّى خمسةً وعشرين دينارًا، وفي الحولِ الثاني خمسين دينارًا لسنتين، إلّا قَدْرَ زكاةِ الخمسةِ والعشرين، وفي الحولِ الثالثِ خمسةً وسبعين دينارًا لثلاثِ سِنِين، إلّا قَدْرَ زكاةِ السنتين الأوَّلَتَيْن (٢)، وفي الحولِ الرابعِ يُزَكِّي مائةَ دينارٍ لأربعِ سِنِين، إلّا قَدْرَ زكاةِ ما مَضَى (٣).
стр. 628
(٦٨٩) ولو قَبَضَ المكْرِي المالَ، ثمّ انْهَدَمَت الدارُ .. انْفَسَخَ الكِراءُ، ولم يَكُنْ عليه زكاةٌ إلّا فيما سَلِمَ له، ولا يُشْبِهُ صَداقَ المرْأةِ؛ لأنّها مَلَكَتْه قبل الدخولِ (١) على الكَمالِ، فإنْ (٢) طَلَّق انْتَقَضَ النصفُ، والإجارةُ لا يُمْلَكُ منها شيءٌ بكمالِه إلّا بسَلامَةِ مَنْفَعَةِ المستأجِرِ، ومُدَّةٍ تَكُونُ لها حِصَّةٌ مِنْ الإجارةِ.
قال المزني: هذا خلافُ أصْلِه في «كتاب الإجارات» [ف: ١٦٥٥]؛ لأنّه يَجْعَلُها حالَّةً يَمْلِكُها المكْرِي إذا سَلَّمَ ما أكْرَى كثَمَنِ السِّلْعَةِ إلّا أن يَشْتَرِطَ أجَلًا، وقولُه ههُنا أشْبَهُ عندي (٣) بأقاويلِ العلماءِ في المِلْكِ، لا على ما عَبَّرَ في الزكاةِ، فإنَّ ذلك غَلَطٌ لا شَكَّ فيه (٤).
(٦٩٠) قال الشافعي: ولو غَنِمُوا فلم يَقْسِمْه الوالي حتّى حال الحولُ .. فقد أساء إن لم يَكُنْ له عُذْرٌ، ولا زكاةَ في فضةٍ منها ولا ذهبٍ حتّى يَسْتَقْبِلَ بها حَوْلًا بعد القَسْمِ؛ لأنّه لا مِلْكَ لأحدٍ فيه بعَيْنِه، وإنّ للإمامِ أن يَمْنَعَهُم قَسْمَه إلى أن يُمْكِنَه، ولأنّ فيها خُمْسًا، وإذا عُزِلَ سَهْمُ النبيِّ ﷺ منها لما يَنُوبُ المسلمِينَ فلا زكاةَ فيه؛ لأنّه ليس لمالكٍ بعَيْنِه.
стр. 629
(٧٩)
باب البيع في المال الذي فيه الزكاة بالخيار وغيره
وبيع المُصَدِّق ما قَبَضَ منه (١)(٦٩١) قال الشافعي: ولو باع بَيْعًا صحيحًا، على أنّه بالخيارِ أو المشْتَرِي أو هما، قَبَضَ أو لم يَقْبِضْ، فحالَ الحولُ مِنْ يومِ مَلَكَ البائعُ .. وَجَبَتْ عليه فيه الزكاةُ؛ لأنّه لم يَتِمَّ خُرُوجُه (٢) مِنْ مِلْكِه حتّى حال الحولُ، ولمشْتَرِيه الرَّدُّ بالتّغْيِيرِ الّذِي دَخَل فيه بالزكاةِ.
قال المزني: وقد قال في «باب زكاة الفطر» [ف: ٧١٤]: «إنّ المِلْكَ يَتِمُّ بخِيارهما، أو بخِيارِ (٣) المشْتَرِي»، وفي «الشفعة» [ف: ١٥٧٤]: «إنّ المِلْكَ يَتِمُّ بخِيار المشْتَرِي وَحْدَه»، قال المزني: الأوَّلُ إذا كانا جميعًا بالخيارِ عندي أشْبَهُ بأصْلِه (٤)؛ لأنّ قولَه لم يخْتَلِف في رجلٍ حَلَفَ بعِتْقِ عَبْدِه أن لا يَبِيعَه فباعه أنّه عَتِيقٌ، والسُّنَّةُ عنده: أنّ المتبايعَيْن جميعًا بالخيارِ ما لم يَتَفَرَّقا تَفَرُّقَ الأبْدَانِ (٥)، فلولا أنّه مَلَكَه ما عَتَقَ عَبْدُه (٦).
стр. 630
(٦٩٢) قال الشافعي: ومَن مَلَك ثَمَرَةَ نَخْلٍ مِلْكًا صحيحًا قبل تُرَى (١) فيه الصُّفْرَةُ أو الحُمْرَةُ .. فالزكاةُ على مالِكِها الآخِرِ (٢)، يُزَكِّيها حين تُزْهِي.
(٦٩٣) ولو اشْتَرَى الثَّمَرَةَ بعدما يَبْدُو صلاحُها .. فالعُشْرُ فيها، والبيعُ فيها مفسوخٌ؛ كما لو باعه عبدَيْن أحدُهما له، والآخَرُ ليس له.
(٦٩٤) ولو اشْتَراها قبل بُدُوِّ صلاحِها على أن يَجُدَّها .. أُخِذَ بجَدِّها (٣)، فإن بَدا صلاحُها .. فُسِخَ البيعُ؛ لأنّه لا يجُوز أن يَقْطَعَ فيَمْنَعَ الزكاةَ، ولا يُجْبَرُ رَبُّ النخلِ على تَرْكِها وقد اشْتَرَط قَطْعَها، ولو رَضِيا التركَ ..
стр. 631
فالزكاةُ على المشْتَرِي، ولو رَضِيَ البائعُ التركَ وأبَى المشْتَرِي .. ففيها قولان: أحدُهما - أن يُجْبَرَ على التركِ، والثاني - أن يُفْسَخَ البيعُ (١)؛ لأنّهما اشْتَرَطا القطعَ، ثمّ بَطَل بوجوبِ الزكاةِ.
قال المزني: فأشْبَهُ هذَيْن القولَيْن بقولِه: أن يُفْسَخَ البيعُ، قياسًا على فَسْخِ المسألَةِ قبلها (٢).
(٦٩٥) قال الشافعي: ولو اسْتَهْلَك رجلٌ ثَمَرَةً وقد خُرِصَتْ عليه .. أخِذَ بثَمَنِ عُشْرِ وَسَطِها، والقولُ في ذلك قولُه مع يَمِينِه.
(٦٩٦) ولو باع المصَدِّقُ شَيْئًا .. فعليه أن يَأتِيَ بمِثْلِه ويَقْسِمَه (٣) على أهْلِه، لا يجْزِئ غيرُه، وأفْسَخُ بيعَه إذا قَدَرْتُ عليه.
(٦٩٧) وأكْرَهُ للرّجُلِ شِراءَ صدقتِه إذا وَصَلَتْ إلى أهلِها، ولا أفْسَخُه.
стр. 632
(٨٠)
باب زكاة المَعْدِن (١)(٦٩٨) قال الشافعي: ولا زكاةَ في شيءٍ مما يَخْرُج مِنْ المعادِنِ إلّا ذهبٍ أو وَرِقٍ (٢)، وإذا أخْرِجَ منها ذَهبٌ أو وَرِقٌ (٣) فكان غيرَ مُتَمَيِّزٍ حتّى يُعالَجَ بالنارِ أو الطَّحْنِ أو التحصيلِ (٤) .. فلا زكاةَ فيه حتّى يَصِيرَ ذهبًا أو وَرِقًا، فإنْ دَفَعَ منه شيئًا قبل أن يُحَصَّلَ ذَهبًا أو وَرِقًا .. فالمصَدِّقُ ضامنٌ، والقولُ فيه قولُه مع يَمِينِه إن اسْتَهْلَكَه.
(٦٩٩) ولا يجوز بيعُ ترابِ المعادِن بحالٍ؛ لأنّه ذهبٌ أو وَرِقٌ مخْتَلِطٌ بغيرِه.
(٧٠٠) قال: وذهَبَ بعضُ أهْلِ ناحيتِنا إلى أنّ في المعادِنِ الزكاةَ، وغيرُهم ذَهَبَ إلى أنّ المعادِنَ رِكازٌ (٥)، فيها الخمسُ (٦).
стр. 633
(٧٠١) قال: وما قيل: فيه الزكاةُ .. فلا زكاةَ فيه حتّى يَبْلُغَ الذهبُ منه عشرين مثقالًا، والوَرِقُ منه خمس أواقٍ.
(٧٠٢) قال: ويَضُمُّ ما أصاب في الأيام المتتابعة، فإنْ كان المعْدِنُ غيرَ حاقِدٍ (١)، فقَطَعَ العملَ فيه، ثم اسْتَأنَفَه .. لم يَضُمّ، كَثُر القطعُ له أو قَلَّ، والقطعُ: تركُ العملِ لغير تَعَذُّرِ أداةٍ أو عِلَّةِ مَرَضٍ (٢) أو هَرَبِ عبيدٍ، لا وقْتَ فيه إلّا ما وَصَفْتُ، ولو تابع فحَقَدَ ولم يَقْطَع العملَ فيه .. ضَمَّ ما أصاب منه بالعملِ الآخِر إلى الأوّل.
(٧٠٤) قال المزني: وقد قال في موضع آخر: «والذي أنا فيه واقفٌ: الركازُ في المعْدِن والتِّبْرِ المخلوقِ في الأرض»، قال المزني: إذا لم يَثْبُتْ له أصْلٌ .. فأوْلَى به أن يجْعَلَه فائدةً تُزَكَّى (٣) لحولِه، قال المزني: وقد أخبرني بذلك عنه مَنْ أثِقُ به، وهو القياسُ عندي، وبالله التوفيق (٤).
стр. 634
(٨١)
باب ما يقول المُصدِّق إذا أخذ الصدقة لمن يأخذها منه
(٧٠٥) قال الشافعي: قال الله ﵎ لنبيه ﷺ : ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم﴾ [التوبة: ١٠٣]، قال الشافعي: والصلاةُ عليهم: الدعاءُ لهم عند أخْذِ الصدقةِ منهم، قال: فحَقٌّ على الوالي إذا أخَذَ صدقةَ امْرِئٍ أن يَدْعُوَ له، وأحِبُّ أن يقول: «أجَرَكَ اللهُ فيما أعْطَيْتَ، وجَعَلَه طَهُورًا، وبارك لك فيما أبْقَيْتَ».
стр. 635
(٨٢)
باب من تلزمه زكاة الفطر
(٧٠٦) قال الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر: «أنّ رسول الله ﷺ فَرَضَ زكاةَ الفطرِ مِنْ رمضانَ على الناسِ: صاعًا مِنْ تمرٍ، أو صاعًا مِنْ شعيرٍ، على كلِّ حُرٍّ وعبدٍ، ذَكَرٍ وأنثى، مِنْ المسلمين»، ورُوِي عنه ﷺ مِنْ حديث آخَرَ، أنّه قال: «ممَّن تَمُونُون» (١).
(٧٠٧) قال الشافعي: فلم يَفْرِضْها إلّا على المسلمين، والعبيدُ لا مالَ لهم، فإنّما فَرْضُها على سيِّدِهم، وهم والمرأةُ ممَّن يَمُون، فكلُّ مَنْ لَزِمَتْه مُؤنَةُ أحَدٍ حتّى لا يكونَ له تَرْكُها أدَّى زكاةَ الفطر عنه، وذلك مَنْ أجْبَرْناه على نَفَقَتِه؛ مِنْ وَلَدِه الصغارِ، والكبارِ الزَّمْنَى الفقراءِ، وآبائِه وأمهاتِه الزَّمْنَى الفقراءِ، وزوجتِه وخادمٍ لها.
(٧٠٨) ويُؤدِّي عن عبيدِه الحضورِ والغُيَّبِ، وإن لم يَرْجُ رَجْعتَهم، إذا عَلِم حياتَهم.
وقال في موضعٍ آخَرَ مِنْ هذا الكتاب: «وإن لم يَعْلَم حياتَهم، واحْتَجّ في ذلك بابنِ عُمَر أنّه كان يُؤدِّي عن غِلْمانِه بوادي القُرَى»، قال المزني: قلت أنا (٢): وهذا مِنْ قولِه أوْلَى (٣).
стр. 636
(٧٠٩) قال الشافعي: ويُزَكِّي عمَّن كان مَرْهُونًا أو مَعْضُوبًا (١)، ورقيقُ رقيقِه ورقيقُ التجارةِ والخدمةِ .. سَواءٌ.
قال المزني: «المعْضُوبُ»: الذي لا منفعةَ فيه؛ كأنه زَمِنٌ فاسدُ البدن (٢).
(٧١٠) قال الشافعي: وإنْ كان فيمن يَمُونُ كافرٌ .. لم يُزَكِّ عنه؛ لأنّه لا يَطْهُر بالزكاةِ إلّا مسلمٌ.
(٧١١) وإنْ كان وَلَدُه في وِلايَتِه لهم أموالٌ .. زَكَّى منها عنهم، إلّا أن يَتَطَوَّع فيُجْزِئ (٣) عنهم، فإنْ تَطَوَّع حُرٌّ ممن يَمُون فأخْرَجَها عن نفسِه أجْزَأه.
(٧١٢) وإنّما يَجِبُ عليه أن يُزَكِّيَ عمّن كان عِنْده منهم في شيءٍ مِنْ نهارِ آخِرِ يومٍ مِنْ شهرِ رمضانَ، وغابَت الشّمْسُ ليلةَ هِلالِ (٤) شَوّال، فيُزَكِّي
стр. 637
عنه، وإن مات مِنْ ليلتِه، وإنْ وُلِدَ له بعدما غَرَبَتْ الشّمْسُ وَلَدٌ، أو مَلَك عبدًا .. فلا زكاةَ عليه في عامِه ذلك (١).
(٧١٣) وإن كان عبدٌ بينه وبين آخَرَ .. فعلى كلِّ واحِدٍ منهما بقَدْرِ ما يَمْلِك، ولو كان له نصفُه ونصفُه حُرٌّ .. فعليه في نصفِه نصفُ زكاتِه، فإن كان للعبدِ ما يَقُوتُه ليلةَ الفطرِ ويومَه أدَّى النصفَ عن نصفِه الحرِّ؛ لأنه مالِكٌ لِمَا اكْتَسَب في يومِه.
(٧١٤) قال: وإنْ باع عبدًا على أنّ له الخيارَ، فأهَلَّ شَوّالٌ ولم يخْتَرْ إنفاذَ البيعِ، ثم أنْفَذَه .. فزكاةُ الفطر على البائع، وإن كان الخيارُ للمشْتَرِي .. فزكاةُ الفطرِ على المشتري (٢)، والمِلْكُ له، وهو كمُخْتارِ الرَّدِّ بالعيبِ، وإن كان الخيارُ لهما جميعًا .. فزكاةُ الفطرِ على المشتري.
قال المزني: قلت أنا (٣): هذا غَلَطٌ في أصْلِ قولِه؛ لأنّه يَقُولُ في رجلٍ قال (٤): عبدي حُرٌّ إنْ بعتُه، فباعَه: إنّه يَعْتِق؛ لأنّ المِلْكَ لم يَتِمَّ للمشتري؛ لأنّهما جميعًا بالخيارِ ما لم يَتَفَرَّقا تَفَرُّقَ الأبدانِ، فهما في خيارِ التَّفَرُّق كهما في خيارِ الشّرْطِ لوقتٍ، لا فرقَ في القياسِ بينهما (٥).
стр. 638
(٧١٥) قال الشافعي: ولو مات حين أهَلَّ شَوّالٌ وله رَقِيقٌ .. فزكاةُ الفطرِ عنه وعنهم في مالِه مُبَدَّأَةٌ على الدَّيْنِ وغيرِه مِنْ مَوارِيثَ (١) ووَصَايَا (٢)، ولو وَرِثُوا رَقِيقًا ثمّ أهَلَّ شَوّالٌ .. فعليهم زكاتُهم بقَدْرِ مَوارِيثِهم، ولو مات قبل شَوّالٍ وعليه دَيْنٌ .. زَكَّى عنهم الورثةُ؛ لأنّهم في مِلْكِهم.
(٧١٦) ولو أوْصَى لرجلٍ بعبدٍ يخْرُجُ مِنْ الثلثِ فمات، ثم أهَلّ شَوّالٌ .. أوْقَفْنا زكاتَه، فإن قَبِلَ فهي عليه؛ لأنّه خَرَج إلى مِلْكِه، وإن رَدَّ فهي على الوارثِ؛ لأنّه لم يخْرُجْ مِنْ مِلْكِه، وإن مات الموصَى له فورثتُه يَقُومون مَقامَه، فإن قَبِلُوا فزكاةُ الفطرِ في مالِ أبيهم؛ لأنّهم بمِلْكِه مَلَكُوه (٣).
(٧١٧) ومَن دَخَل عليه شَوّالٌ وعنده قُوتُه وقوتُ مَنْ يَقُوتُ يومَه وما يُؤدِّي به زكاةَ الفطرِ عنه وعنهم .. أدّاها، وإن لم يَكُنْ عنده بعد القوتِ ليومٍ إلّا ما يُؤدِّي عن بعضِهم .. أدّى عن بعضِهم، وإن لم يَكُنْ عنده إلا قوتُ يومٍ .. فلا شيءَ عليه، فإن كان ممَّن يَقُوتُ وَاجِدًا لزكاةِ الفطرِ .. لم أرَخِّصْ له في تَرْكِ أدائِها عن نفسِه، ولا يَبِينُ لي أن تَجِبَ عليه؛ لأنّها مَفْرُوضةٌ على غيرِه.
(٧١٨) ولا بأسَ أن يأخذَها بعد أدائها إذا كان محتاجًا، وغيرَها مِنْ الصدقاتِ المفروضاتِ والتطوُّعِ.
стр. 639
(٧١٩) وإن زَوَّجَ أمتَه عبدًا أو مكاتبًا .. فعليه أن يُؤدِّيَ عنها، فإن زَوَّجَها حُرًّا .. فعلى الحُرِّ الزكاةُ عن امْرَأتِه، فإن كان محتاجًا .. فعلى سيِّدِها، فإن لم يُدْخِلْها عليه أو مَنَعَها منه .. فعلى السّيِّدِ.
стр. 640
(٨٣)
باب مَكِيلة زكاة الفطر
(٧٢٠) قال الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر: «أنّ رسولَ الله ﷺ فَرَضَ زكاةَ الفطرِ مِنْ رمضانَ على الناسِ، صاعًا مِنْ تمرٍ، أو صاعًا مِنْ شعيرٍ».
(٧٢١) قال الشافعي: وبَيَّنَ في سنتِه ﷺ أنّ زكاةَ الفطرِ مِنْ الثُّفْل (١)، مما يَقْتاتُ الرجلُ وما فيه الزكاةُ (٢).
(٧٢٢) قال: وأيُّ قوتٍ كان الأغلبَ على الرجلِ أدَّى منه زكاةَ الفطرِ، إنْ كان حنطةً، أو ذُرَةً، أو عَلَسًا، أو شعيرًا، أو تمرًا، أو زبيبًا، وما أدَّى مِنْ هذا أدَّى صاعًا بصاعِ النبيّ ﷺ .
(٧٢٣) قال: ولا تُقَوَّمُ الزكاةُ، ولو قُوِّمَتْ كان لو أدّى ثَمَنَ صاعِ زَبِيبِ ضُرُوعٍ (٣) أدَّى ثَمَنَ آصُعِ حنطةٍ.
стр. 641
(٧٢٤) قال: ولا يُؤدِّي إلا الحَبَّ نفسَه (١)، ولا يُؤدِّي دقيقًا، ولا سَوِيقًا، ولا قِيمةً.
(٧٢٥) وأحَبُّ إليَّ لأهلِ البادِيةِ أن لا يُؤدُّوا أقِطًا (٢)؛ لأنّه وإنْ كان لهم قُوتًا فالفَثُّ قوتٌ، وقد يَقْتاتُ بالحَنْظَلِ (٣)، والذي لا أشُكُّ فيه أنّهم يُؤدُّون مِنْ أقْرَبِ قُوتِ البُلْدان لهم، إلّا أن يَقْتاتُوا ثَمَرَةً لا زكاةَ فيها، فيُؤدُّون مِنْ ثَمَرَةٍ فيها زكاةٌ.
(٧٢٦) قال: ولو أدَّوْا أقِطًا لم يَبِنْ لي أن أرَى عليهم إعادةً.
قال المزني: قياسُ ما مَضَى [ف: ٧٢٥] أن يَرَى عليهم إعادةً؛ لأنّه لم يجْعَلْها فيما يُقْتات إذا لم يَكُنْ ثَمَرَةً فيها زكاةٌ، أو يُجِيزُ القوتَ وإن لم يَكُنْ فيه زكاةٌ (٤).
(٧٢٧) قال الشافعي: ولا يجوزُ أن يخْرِجَ الرجلُ نصفَ صاعِ حنطةٍ ونصفَ صاعِ شَعيرٍ، إلّا مِنْ صنفٍ واحدٍ، عن واحدٍ (٥).
(٧٢٨) وإن كان قوتُه حنطةً لم يَكُنْ له أن يُخْرِجَ شعيرًا.
стр. 642
(٧٢٩) ولا يخْرِجُه مِنْ مُسَوِّسٍ (١) ولا مَعِيبٍ (٢)، فإن كان قَديمًا لم يَتَغَيَّرْ طَعْمُه ولا لَوْنُه .. أجزأه.
(٧٣٠) وإن كان قُوتُه حُبوبًا مختلفةً .. فأخْتارُ له خيرَها، ومِن أين أخْرَجَه (٣) .. أجزأه.
(٧٣١) ويَقْسِمُها على مَنْ تُقْسَم عليه زكاةُ المالِ، وأحَبُّ إليّ ذُو (٤) رَحِمِه إذا كان لا تَلْزَمُه نفقتُه بحالٍ.
(٧٣٢) وإن طَرَحَها عند مَنْ تُجْمَعُ عنده أجْزَأه إن شاء الله، سألَ رجلٌ سالمًا، فقال: ألم يَكُنْ ابنُ عمرَ يَدْفَعُها إلى السلطانِ؟ قال: «بلى، ولكنْ أرَى أن لا يَدْفَعَها إليه» (٥).
стр. 643
(٨٤)
باب الاختيار في صدقة التطوع
(٧٣٣) قال الشافعي: أخبرنا أنس بن عياض، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي هريرة أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول: «خيرُ الصدقةِ عن ظَهْرِ غِنًى، ولْيَبْدَأْ أحدُكم بمَن يَعُولُ» (١).
(٧٣٤) قال: فهكذا أحِبُّ أن يَبْدَأ بنَفْسِه ثمّ بمَن يَعُولُ؛ لأنّ نفقَةَ مَنْ يَعُولُ فرضٌ، والفرضُ أوْلَى به مِنْ التَّنَفُّلِ، ثمّ قرابتِه، ثمّ مَنْ شاء، ورُوِي أنّ امرأةَ ابنِ مسعودٍ كانتْ صَناعًا وليس له مالٌ، فقالتْ: لقد شَغَلْتَنِي أنت وولدُك عن الصدقةِ، فسألتْ رسولَ الله ﷺ ، فقال: «لكِ في ذلك أجران، فأنْفِقِي عليهم».
(٨٥)
باب النية في الصوم (١)(٧٣٥) قال الشافعي: ولا يجْزِئ أحَدًا (٢) صيامُ فرضٍ مِنْ شهرِ رمضانَ، ولا نَذْرٍ، ولا كفّارةٍ إلّا أن ينْوِيَ الصيامَ قبل الفجرِ، فأما في التطوع .. فلا بأسَ إنْ أصْبَح ولم يَطْعَم شيئًا أن ينْوِيَ الصومَ قبل الزوالِ (٣)، واحْتَجّ في ذلك بأنّ رسولَ الله ﷺ كان يَدْخُل على أزواجِه فيقولُ: «هلْ مِنْ غَداءٍ؟»، فإن قالوا: لا، قال: «إنّي صائمٌ».
(٧٣٦) قال: ولا يَجِبُ (٤) صومُ شهرِ رمضانَ حتى يَسْتَيْقِنَ أنّ الهلالَ قد كان (٥)، أو يَسْتَكْمِلَ شعبانَ ثلاثين يومًا فيَعْلَمَ أنّ الحاديَ والثلاثين مِنْ رمضانَ (٦)؛ لقول النبي ﷺ : «لا تَصُومُوا حتّى تَرَوْه، فإن
стр. 646
غُمَّ عليكم فأكْمِلُوا العِدَّةَ ثلاثين» (١).
(٧٣٧) وكان ابنُ عمر يَتَقَدَّمُ الصيامَ بيومٍ (٢).
стр. 647
(٧٣٨) وإنْ شَهِدَ شاهدان أنّ الهلالَ رُئِيَ قبل الزوالِ أو بعده .. فهو لليلةِ المسْتَقْبلَة، ووَجَب الصيامُ، وإنْ شَهِدَ على رُؤيَتِه عَدْلٌ وَحْدَه رَأيْتُ أنْ أقْبَلَه (١)؛ للأثَرِ فيه، والاحتياطِ، ورواه عن عَلِيٍّ، وقال عليٌّ: «لَأنْ أصُومَ يومًا مِنْ شعبانَ .. أحَبُّ إليَّ مِنْ أنْ أفْطِرَ يومًا مِنْ رمضانَ»، قال: والقياسُ أن لا يُقْبَلَ على مَغِيبٍ إلّا شاهدان.
(٧٣٩) قال: وعليه في كلِّ ليلةٍ نيةُ الصيامِ للغدِ.
(٧٤٠) ومَن أصْبَحَ جُنُبًا مِنْ جماعٍ أو احْتِلامٍ .. اغْتَسَل وأتَمَّ صَوْمَه؛ لأنّ النبيَّ ﷺ كان يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جماعٍ ثم يَصُوم.
(٧٤١) قال: وإن كان يَرَى الفجرَ لم يَجِبْ وقد وَجَبَ، أو يَرَى الليلَ قد وَجَبَ ولم يَجِبْ .. أعاد (٢).
(٧٤٢) وإنْ طَلَع الفجرُ وفي فيه طعامٌ .. لَفَظَه، فإن ازْدَرَدَه (٣) .. أفْسَدَ صَوْمَه، وإنْ كان مُجَامِعًا .. أخْرَجَه مَكانَه، فإنْ مَكَثَ شيئًا، أو تَحَرَّك لغير إخْراجِه .. أفْسَدَ وقَضَى وكَفَّر (٤).
(٧٤٣) وإنْ كان بين أسْنانِه ما يَجْرِي به الرِّيقُ .. فلا قضاءَ عليه (٥).
стр. 648
قال المزني: أقْرَبُ ما يَحْضُرُني للشافعيِّ فيما يَجْرِي به الرِّيقُ: أنّه لا يُفْطِرُه ما غَلَبَ الناسَ مِنْ الغُبارِ في الطريقِ، وغَرْبَلَةِ الدقيقِ، وهَدْمِ الرجلِ الدارَ (١)، وما يَتَطايَرُ مِنْ ذلك في العُيونِ والأنوفِ والأفْواهِ (٢)، [فلمّا كان ذلك يَصِلُ إلى الحَلْقِ حتّى يقْتَحِمَه فيَدْخُلَ في فيه (٣)، فيشبه ما قال الشافعي من قلة ما يجري به الريق (٤).
(٧٤٤) قال الشافعي: وإنْ تَقَيَّأ عامدًا .. أفْطَرَ، وإن ذَرَعَه القَيْءُ (٥) .. لم يُفْطِر، واحْتَجّ في القَيْءِ بابنِ عمر.
قال المزنيّ: قد رُوِّيناه عن النبيّ ﷺ .
(٧٤٥) وإنْ أصْبَحَ لا يَرَى أنّ يَوْمَه مِنْ رمضانَ، ولم يَطْعَمْ، ثُمّ اسْتَبانَ ذلك له .. فعليه صِيامُه وإعادَتُه.
стр. 649
(٧٤٦) وإن نوَى أن يَصُومَ غدًا، فإنْ كان أوَّلَ الشهرِ .. فهو فرضٌ، وإلّا .. فهو تَطَوُّعٌ، فإنْ بان أنّه مِنْ رمضانَ .. لم يُجْزِه؛ لأنّه لم يَصُمْه على أنّه فرضٌ، وإنّما صامه على الشَّكِّ.
(٧٤٧) ولو عَقَدَ رجلٌ على أنّ غدًا عنده مِنْ رمضانَ في يَوْمِ شَكٍّ، ثُمّ بان أنّه مِنْ رمضانَ .. أجْزَأه.
(٧٤٨) وإنْ أكَلَ شاكًّا في الفجرِ .. فلا شيءَ عليه.
(٧٤٩) ومَن وَطِئَ امْرَأتَه فأوْلَجَ عامِدًا .. فعَلَيْهِما (١) القضاءُ، والكفّارةُ عليه (٢)، واحدةٌ عنه وعنها، وإنْ كان ناسِيًا .. فلا قضاءَ عليه؛ للخبر عن رسولِ الله ﷺ في أكْلِ النّاسِي.
(٧٥٠) قال: والكفّارةُ: عِتْقُ رقبةٍ، فإن لم يَجِدْ فصِيامُ شَهْرَيْن مُتَتابِعَيْن، فإنْ أفْطَرَ فيهما ابْتَدَأهُما، فإن لم يَسْتَطِعْ فإطعامُ ستين مسكينًا، مُدًّا لكُلِّ مسكينٍ بمُدِّ النبيّ ﷺ (٣)، واحْتَجَّ بأنّ النبيّ ﷺ لمّا أخْبَرَه الواطِئُ أنّه لا يَجِدُ رقبةً، ولا يَسْتَطِيعُ صيامَ شهرين مُتَتابعَيْن، ولا يَجِدُ إطعامَ ستين مسكينًا .. أتَى بعَرَقٍ فيه تمْرٌ - قال سفيان: و «العَرَقُ»: المِكْتَلُ - فقال النبيّ ﷺ : «اذْهَبْ فتَصَدَّقْ به»، قال الشافعي: و «المِكْتَلُ»: خمسة عشر صاعًا، وهو ستون مُدًّا (٤).
стр. 650
(٧٥١) قال الشافعي: وإنْ دَخَلَ في الصومِ، ثُمّ وَجَدَ رقبةً .. فله أن يُتِمَّ صومَه.
(٧٥٢) وإنْ أكَلَ عامِدًا في صَوْمِ رمضانَ .. فعليه القضاءُ والعُقُوبَةُ، ولا كفّارةَ إلّا بجماعٍ في شهرِ رمضانَ.
(٧٥٣) قال: وإنْ تَلَذَّذَ بامْرَأتِه حتّى يُنْزِلَ .. فقد أفْطَرَ، ولا كفّارةَ، وإنْ أدْخَلَ في دُبُرِها حتّى يُغَيِّبَه، أو في بَهِيمَةٍ، أو تَلَوَّطَ، ذاكِرًا للصومِ .. فعليه القضاءُ والكفّارةُ.
(٧٥٤) والحاملُ والمُرْضِعُ إذا خافتا على وَلَدِهما .. أفْطَرَتا، وعليهما القضاءُ، وتَصَدَّقَتْ كلُّ واحدةٍ منهما عن كلِّ يومٍ على مسكينٍ بمُدٍّ مِنْ حِنْطَةٍ.
قال المزني: قلت أنا (١): كيف يُكَفِّرُ مَنْ أبِيحَ له الأكْلُ والإفطارُ، ولا يُكَفِّرُ مَنْ لم يُبَحْ له الأكْلُ فأكَلَ وأفْطَرَ! وفي القياسِ أنّ الحاملَ كالمريضِ، والمُرْضِعَ كالمسافرِ، وكلٌّ مُباحٌ له الفطرُ، فهو عندي (٢) في القياس سواءٌ، واحْتَجّ بالخبر: «مَنْ اسْتَقاء عامدًا فعليه القضاءُ ولا كفّارةَ» (٣)، قلت أنا (٤): ولم يجْعَلْ أحدٌ عليه مِنْ العلماء عَلِمْتُه فيه كفّارةً وقد أفْطَرَ عامِدًا، وكذا قالوا في الحَصاةِ يَبْتَلِعُها الصّائمُ (٥).
стр. 651
(٧٥٥) قال الشافعي: ومَن حَرَّكَت القُبْلَةُ شَهْوَتَه .. كَرِهْتُها له، فإنْ فَعَلَ .. لم يَنْتَقِضْ صومُه، وتَرْكُه أفضلُ، ورُوِيَ عن رسول الله ﷺ أنّه كان يُقَبِّلُ وهو صائمٌ، قالتْ عائشةُ: «وكان أمْلَكَكُم لإرْبِه بأبي هو وأمي» (١)، ورُوِيَ عن ابن عمر وابن عباس أنّهما كَرِهَاهَا للشّابِّ، ولم يَكْرَهَاهَا للشّيْخِ.
(٧٥٦) قال الشافعي: وإنْ وَطِئَ دون الفَرْجِ فأنْزَلَ .. أفْطَر ولم يُكَفِّرْ، وإنْ تَلَذَّذَ بالنظرِ فأنْزَلَ .. لم يُفْطِرْ.
(٧٥٧) وإذا أغْمِيَ على رجلٍ فمَضَى له يومٌ أو يومان مِنْ رمضانَ ولم يَكُنْ أكَلَ ولا شَرِب .. فعليه القضاءُ، فإنْ أفاق في بعضِ النهارِ .. فهو في يَوْمِه ذلك صائمٌ (٢)، وكذلك إنْ أصْبَحَ راقِدًا ثم اسْتَيْقَظَ (٣).
قال المزنيّ: إذا نَوَى مِنْ الليلِ ثُمّ أغْمِيَ عليه .. فهو عندي صائمٌ، أفاق أو لم يُفِقْ، واليومُ الثاني ليس بصائمٍ؛ لأنّه لم يَنْوِه في الليلِ، وإذا لم
стр. 652
يَنْوِ في الليلِ فأصْبَحَ مُفِيقًا فليس بصائمٍ (١).
(٧٥٨) قال الشافعي: وإذا حاضَت المرأةُ .. فلا صومَ عليها، فإذا طَهُرَتْ .. قَضَت الصومَ، ولم يَكُنْ عليها (٢) أن تُعِيدَ مِنْ الصلاةِ إلّا ما كان في وَقْتِها الذي هو وقْتُ العذرِ والضرورةِ؛ كما وَصَفْتُ لك في باب الصلاة.
(٧٥٩) قال: وأحِبُّ تَعْجِيلَ الفطرِ وتأخِيرَ السُّحُورِ، اتّباعًا لرسول الله ﷺ .
(٧٦٠) قال: وإذا سافر الرجلُ بالمرأةِ سَفَرًا يَكون ستةً وأربعين ميلًا بالهاشميّ .. كان لهما أن يُفْطِرا في شهرِ رمضانَ ويَأتِيَ أهْلَه، وإنْ صاما في سَفَرِهما .. أجْزَأهُما.
(٧٦١) وليس لأحَدٍ أن يَصُومَ في (٣) شهر رمضانَ دَيْنًا (٤) ولا قضاءً لغيره، فإنْ فَعَلَ .. لم يُجْزِه لرمضانَ ولا لغيرِه.
(٧٦٢) صام رسولُ الله ﷺ في السفرِ وأفْطَرَ، وقال لحمزة بن عمرو الأسلمي (٥): «إنْ شِئتَ فصُمْ، وإنْ شِئتَ فأفْطِرْ».
(٧٦٣) قال الشافعي: وإنْ قَدِمَ رجلٌ مِنْ سَفَرِه نَهارًا مُفْطِرًا .. كان له أن
стр. 653
يَأكُلَ حيثُ لا يَراهُ أحَدٌ، وإن كانت امرأتُه حائضًا فطَهُرَتْ .. كان له أن يُجامِعَها، ولو تَرَكَ ذلك .. كان أحَبَّ إليَّ.
(٧٦٤) ولو أنّ مُقِيمًا نَوَى الصومَ قبل الفجرِ، ثُمّ خَرَجَ بعد الفجرِ مُسافِرًا .. لم يُفْطِرْ يَوْمَه؛ لأنّه دَخَلَ فيه مُقِيمًا.
قال المزنيّ: قلت أنا (١): قد رُوِيَ عن رسولِ الله ﷺ أنّه صام في مَخْرَجِه إلى مكةَ في رمضانَ حتّى بَلَغَ كُرَاعَ الغَمِيم وصام الناسُ معه، ثُمّ أفْطَرَ وأمَرَ مَنْ صام معه بالإفطارِ، ولو كان لا يَجُوزُ فِطْرُه ما فَعَل رسولُ الله ﷺ (٢)، قال المزني: رَأيْتُ الشافعيَّ يَذْهَبُ إلى أنّ الصومَ أحَبُّ إليه لمَن يقْوَى (٣).
(٧٦٥) قال الشافعي: ومَن رَأى الهلالَ وَحْدَه .. وَجَبَ عليه الصِّيامُ، فإنْ رَأى هلالَ شوّالٍ .. حَلَّ له أن يَأكُلَ حيثُ لا يَراه أحدٌ، ولا يُعَرِّضُ نفسَه للتُّهْمَة بتركِ فرضِ اللهِ والعُقُوبةِ مِنْ السلطانِ، قال: ولا أقْبَلُ على رُؤيَةِ الفِطْرِ إلّا عَدْلَيْن.
قال المزنيّ: هذا يَقْضِي لأحَدِ قَوْلَيْه أن لا يَقْبَلَ في الصومِ إلّا عَدْلَيْن (٤).
стр. 654
(٧٦٦) قال الشافعي: وإنْ صَحَّا قبل الزوالِ (١) .. أفْطَرَ وصَلَّى بهم الإمامُ صلاةَ العيدِ، وإنْ كان بعد الزّوَالِ .. فلا صلاةَ في يَوْمِه، وأحَبُّ إليَّ أن يصَلِّيَ العيدَ مِنْ الغدِ؛ لِما ذُكِرَ فيه وإن لم يَكُنْ ثابتًا.
قال المزني: قلت أنا (٢): وله قَوْلٌ آخَرُ: أنّه لا يُصَلِّي مِنْ الغدِ، وهو عِندي أقْيَسُ؛ لأنّه لو جاز أن يَقْضِي جاز في يَوْمِه، وإذا لم يَجُز القضاءُ في أقْرَبِ الوقتِ إليه كان مما بَعُدَ أبْعَدَ، ولو كان لأنّ ضُحَى غَدٍ مِثْلُ ضُحَى اليومِ لَزِمَ في ضُحَى يومٍ بعد شهرٍ؛ لأنّه مِثْلُ ضُحَى اليومِ (٣).
(٧٦٧) قال الشافعي: ومَن كان عليه صومٌ مِنْ شهرِ رمضانَ لسفرٍ أو مرضٍ، فلم يَقْضِه وهو يَقْدِرُ عليه حتّى دَخَلَ شهرُ رمضان آخَرُ .. كان عليه أن يَصُومَ الشهرَ، ثُمّ يَقْضِي مِنْ بعدِه الذي عليه، ويُكَفِّرُ لكلِّ يومٍ مُدًّا لمسكينٍ بمُدِّ النبيِّ ﷺ .
(٧٦٨) قال: فإنْ مات .. أَطْعَمَ عنه (٤)، وإن لم يُمْكِنْه القضاءُ حتّى
стр. 655
مات .. فلا كفّارةَ عليه (١).
(٧٦٩) قال: ومَن قَضَى مُتَفَرِّقًا .. أجْزَأه، ومُتَتابِعًا أحَبُّ إليَّ.
(٧٧٠) قال: ولا يُصامُ يومُ الفطرِ، ولا يومُ النحرِ، ولا أيامُ مِنًى، فَرْضًا، ولا تَطَوُّعًا.
(٧٧١) قال: وإن بَلَعَ حَصاةً أو ما ليس بطعامٍ، أو احْتَقَنَ، أو دَاوَى جُرْحَه حتّى يَصِلَ إلى جَوْفِه، أو اسْتَعَطَ حتّى يَصِلَ إلى جَوْفِ رأسِه .. فقد أفْطَرَ إذا كان ذاكِرًا، ولا شيءَ عليه إذا كان ناسيًا.
(٧٧٢) قال: وإن اسْتَنْشَقَ .. رَفَقَ، فإن اسْتَيْقَن أنّه وَصَلَ إلى الرأسِ أو الجوْفِ في المضمضة وهو عامِدٌ ذاكِرٌ لصَوْمِه .. أفْطَرَ.
وقال في «كتاب ابن أبي ليلى»: «لا يَلْزَمُه حتّى يُحْدِثَ ازْدِرادًا، فأمّا إن كان أراد المضمضةَ، فسَبَقَه لإدخالِ النَّفَسِ وإخْراجِه .. فلا يُعِيدُ، وهذا خطأٌ في مَعْنَى النِّسيانِ أو أخَفُّ منه»، قال المزني: قلت أنا (٢): إذا كان الآكِلُ لا يَشُكُّ في الليلِ فيُوَافِي الفجرَ مُفْطِرًا بإجماعٍ، وهو بالنّاسِي أشْبَهُ؛ لأنّ كلاهما لا يَعْلَمُ أنّه صائمٌ، والسابقُ إلى جَوْفِه الماءُ يَعْلَمُ أنّه صائمٌ .. فإذا أفْطَرَ في الأشْبَهِ بالنّاسِي كان الأبْعَدُ عندي (٣) أوْلَى بالفِطْرِ (٤).
стр. 656
(٧٧٣) قال الشافعي: وإن اشْتَبَهَت الشُّهُورُ على أسيرٍ، فتَحَرَّى شهرَ رمضانَ، فوَافَقَه أو ما بَعْدَه .. أجْزأه (١).
(٧٧٤) قال: وللصائمِ أن يَكْتَحِلَ، ويَنْزِلَ الحوضَ فَيَغْطِسَ فيه (٢)، ويحْتَجِمَ، كان ابنُ عمر يحْتَجِمُ صائمًا (٣).
(٧٧٥) قال: وأكْرَهُ العَلَكَ؛ لأنّه يحْلُبُ الفمَ.
(٧٧٦) قال الشافعي: وصومُ شهرِ رمضانَ واجِبٌ على كلِّ بالغٍ، مِنْ رجلٍ أو امرأةٍ أو عبدٍ، ومَن احْتَلَم مِنْ الغِلْمانِ أو أسْلَمَ مِنْ الكُفّارِ بعد أيّامٍ
стр. 657
مِنْ شهرِ رمضانَ .. فإنّهما يَسْتَقْبِلان الصومَ، ولا قضاءَ عليهما فيما مَضَى.
(٧٧٧) قال: وأحِبُّ للصائمِ أن يُنَزِّهَ صيامَه عن اللَّفظِ (١) القَبِيحِ والمشاتَمةِ، وإن شُوتِمَ أن يَقُولَ: «إنّي صائمٌ»؛ للخبرِ في ذلك عن رسولِ الله ﷺ .
(٧٧٨) قال: وللشيخِ (٢) الكبيرِ الذي لا يَسْتَطِيعُ الصومَ ويَقْدِرُ على الكفّارةِ أن يَتَصَدَّقَ عن كلِّ يومٍ بمُدٍّ مِنْ حِنْطَةٍ (٣)، وروي عن ابن عباسٍ في قولِه جل وعز: «وعلى الذين يُطَوَّقُونه فدية طعام مسكين» قال: «المرأة الهِمُّ والشيخُ الكبيرُ الهِمُّ يُفْطِران ويُطْعِمان لكلِّ يومٍ مسكينًا» (٤)، قال الشافعي: وغيرُه مِنْ المفسرين يَقْرَؤُها: ﴿وعلى الذين يطيقونه﴾، وكذلك نَقْرَؤُها، ونَزْعُمُ أنّها نَزَلَتْ حين نَزَلَ فَرْضُ الصومِ ثُمّ نُسِخَ ذلك، قال: وآخِرُ الآيةِ يَدُلُّ على هذا المعنى؛ لأنّ اللهَ ﵎ قال: ﴿فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرًا﴾ زاد على مسكينٍ: ﴿فهو خير له﴾، ثُمّ قال: ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾ [البقرة: ١٨٤]، فلا يَأمُرُ بالصومِ مَنْ لا يُطِيقُه، ثُمّ بيَّن فقال: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ [البقرة: ١٨٥] (٥)، وإلى هذا نَذْهَبُ، وهو أشْبَهُ بظاهرِ القرآن.