يَأكُلَ حيثُ لا يَراهُ أحَدٌ، وإن كانت امرأتُه حائضًا فطَهُرَتْ .. كان له أن يُجامِعَها، ولو تَرَكَ ذلك .. كان أحَبَّ إليَّ.
(٧٦٤) ولو أنّ مُقِيمًا نَوَى الصومَ قبل الفجرِ، ثُمّ خَرَجَ بعد الفجرِ مُسافِرًا .. لم يُفْطِرْ يَوْمَه؛ لأنّه دَخَلَ فيه مُقِيمًا.
قال المزنيّ: قلت أنا (١): قد رُوِيَ عن رسولِ الله ﷺ أنّه صام في مَخْرَجِه إلى مكةَ في رمضانَ حتّى بَلَغَ كُرَاعَ الغَمِيم وصام الناسُ معه، ثُمّ أفْطَرَ وأمَرَ مَنْ صام معه بالإفطارِ، ولو كان لا يَجُوزُ فِطْرُه ما فَعَل رسولُ الله ﷺ (٢)، قال المزني: رَأيْتُ الشافعيَّ يَذْهَبُ إلى أنّ الصومَ أحَبُّ إليه لمَن يقْوَى (٣).
(٧٦٥) قال الشافعي: ومَن رَأى الهلالَ وَحْدَه .. وَجَبَ عليه الصِّيامُ، فإنْ رَأى هلالَ شوّالٍ .. حَلَّ له أن يَأكُلَ حيثُ لا يَراه أحدٌ، ولا يُعَرِّضُ نفسَه للتُّهْمَة بتركِ فرضِ اللهِ والعُقُوبةِ مِنْ السلطانِ، قال: ولا أقْبَلُ على رُؤيَةِ الفِطْرِ إلّا عَدْلَيْن.
قال المزنيّ: هذا يَقْضِي لأحَدِ قَوْلَيْه أن لا يَقْبَلَ في الصومِ إلّا عَدْلَيْن (٤).
стр. 654
(٧٦٦) قال الشافعي: وإنْ صَحَّا قبل الزوالِ (١) .. أفْطَرَ وصَلَّى بهم الإمامُ صلاةَ العيدِ، وإنْ كان بعد الزّوَالِ .. فلا صلاةَ في يَوْمِه، وأحَبُّ إليَّ أن يصَلِّيَ العيدَ مِنْ الغدِ؛ لِما ذُكِرَ فيه وإن لم يَكُنْ ثابتًا.
قال المزني: قلت أنا (٢): وله قَوْلٌ آخَرُ: أنّه لا يُصَلِّي مِنْ الغدِ، وهو عِندي أقْيَسُ؛ لأنّه لو جاز أن يَقْضِي جاز في يَوْمِه، وإذا لم يَجُز القضاءُ في أقْرَبِ الوقتِ إليه كان مما بَعُدَ أبْعَدَ، ولو كان لأنّ ضُحَى غَدٍ مِثْلُ ضُحَى اليومِ لَزِمَ في ضُحَى يومٍ بعد شهرٍ؛ لأنّه مِثْلُ ضُحَى اليومِ (٣).
(٧٦٧) قال الشافعي: ومَن كان عليه صومٌ مِنْ شهرِ رمضانَ لسفرٍ أو مرضٍ، فلم يَقْضِه وهو يَقْدِرُ عليه حتّى دَخَلَ شهرُ رمضان آخَرُ .. كان عليه أن يَصُومَ الشهرَ، ثُمّ يَقْضِي مِنْ بعدِه الذي عليه، ويُكَفِّرُ لكلِّ يومٍ مُدًّا لمسكينٍ بمُدِّ النبيِّ ﷺ .
(٧٦٨) قال: فإنْ مات .. أَطْعَمَ عنه (٤)، وإن لم يُمْكِنْه القضاءُ حتّى
стр. 655
مات .. فلا كفّارةَ عليه (١).
(٧٦٩) قال: ومَن قَضَى مُتَفَرِّقًا .. أجْزَأه، ومُتَتابِعًا أحَبُّ إليَّ.
(٧٧٠) قال: ولا يُصامُ يومُ الفطرِ، ولا يومُ النحرِ، ولا أيامُ مِنًى، فَرْضًا، ولا تَطَوُّعًا.
(٧٧١) قال: وإن بَلَعَ حَصاةً أو ما ليس بطعامٍ، أو احْتَقَنَ، أو دَاوَى جُرْحَه حتّى يَصِلَ إلى جَوْفِه، أو اسْتَعَطَ حتّى يَصِلَ إلى جَوْفِ رأسِه .. فقد أفْطَرَ إذا كان ذاكِرًا، ولا شيءَ عليه إذا كان ناسيًا.
(٧٧٢) قال: وإن اسْتَنْشَقَ .. رَفَقَ، فإن اسْتَيْقَن أنّه وَصَلَ إلى الرأسِ أو الجوْفِ في المضمضة وهو عامِدٌ ذاكِرٌ لصَوْمِه .. أفْطَرَ.
وقال في «كتاب ابن أبي ليلى»: «لا يَلْزَمُه حتّى يُحْدِثَ ازْدِرادًا، فأمّا إن كان أراد المضمضةَ، فسَبَقَه لإدخالِ النَّفَسِ وإخْراجِه .. فلا يُعِيدُ، وهذا خطأٌ في مَعْنَى النِّسيانِ أو أخَفُّ منه»، قال المزني: قلت أنا (٢): إذا كان الآكِلُ لا يَشُكُّ في الليلِ فيُوَافِي الفجرَ مُفْطِرًا بإجماعٍ، وهو بالنّاسِي أشْبَهُ؛ لأنّ كلاهما لا يَعْلَمُ أنّه صائمٌ، والسابقُ إلى جَوْفِه الماءُ يَعْلَمُ أنّه صائمٌ .. فإذا أفْطَرَ في الأشْبَهِ بالنّاسِي كان الأبْعَدُ عندي (٣) أوْلَى بالفِطْرِ (٤).
стр. 656
(٧٧٣) قال الشافعي: وإن اشْتَبَهَت الشُّهُورُ على أسيرٍ، فتَحَرَّى شهرَ رمضانَ، فوَافَقَه أو ما بَعْدَه .. أجْزأه (١).
(٧٧٤) قال: وللصائمِ أن يَكْتَحِلَ، ويَنْزِلَ الحوضَ فَيَغْطِسَ فيه (٢)، ويحْتَجِمَ، كان ابنُ عمر يحْتَجِمُ صائمًا (٣).
(٧٧٥) قال: وأكْرَهُ العَلَكَ؛ لأنّه يحْلُبُ الفمَ.
(٧٧٦) قال الشافعي: وصومُ شهرِ رمضانَ واجِبٌ على كلِّ بالغٍ، مِنْ رجلٍ أو امرأةٍ أو عبدٍ، ومَن احْتَلَم مِنْ الغِلْمانِ أو أسْلَمَ مِنْ الكُفّارِ بعد أيّامٍ
стр. 657
مِنْ شهرِ رمضانَ .. فإنّهما يَسْتَقْبِلان الصومَ، ولا قضاءَ عليهما فيما مَضَى.
(٧٧٧) قال: وأحِبُّ للصائمِ أن يُنَزِّهَ صيامَه عن اللَّفظِ (١) القَبِيحِ والمشاتَمةِ، وإن شُوتِمَ أن يَقُولَ: «إنّي صائمٌ»؛ للخبرِ في ذلك عن رسولِ الله ﷺ .
(٧٧٨) قال: وللشيخِ (٢) الكبيرِ الذي لا يَسْتَطِيعُ الصومَ ويَقْدِرُ على الكفّارةِ أن يَتَصَدَّقَ عن كلِّ يومٍ بمُدٍّ مِنْ حِنْطَةٍ (٣)، وروي عن ابن عباسٍ في قولِه جل وعز: «وعلى الذين يُطَوَّقُونه فدية طعام مسكين» قال: «المرأة الهِمُّ والشيخُ الكبيرُ الهِمُّ يُفْطِران ويُطْعِمان لكلِّ يومٍ مسكينًا» (٤)، قال الشافعي: وغيرُه مِنْ المفسرين يَقْرَؤُها: ﴿وعلى الذين يطيقونه﴾، وكذلك نَقْرَؤُها، ونَزْعُمُ أنّها نَزَلَتْ حين نَزَلَ فَرْضُ الصومِ ثُمّ نُسِخَ ذلك، قال: وآخِرُ الآيةِ يَدُلُّ على هذا المعنى؛ لأنّ اللهَ ﵎ قال: ﴿فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرًا﴾ زاد على مسكينٍ: ﴿فهو خير له﴾، ثُمّ قال: ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾ [البقرة: ١٨٤]، فلا يَأمُرُ بالصومِ مَنْ لا يُطِيقُه، ثُمّ بيَّن فقال: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ [البقرة: ١٨٥] (٥)، وإلى هذا نَذْهَبُ، وهو أشْبَهُ بظاهرِ القرآن.
стр. 658
قال المزني: هذا بَيِّنٌ في التنزيل، مُسْتَغْنًى فيه عن التأويل.
(٧٧٩) قال الشافعي: ولا أكْرَهُ في الصومِ السواكَ بالعودِ الرَّطْبِ وغيرِه، وأكْرَهُه بالعَشِيِّ لِما أحِبُّ مِنْ خُلُوفِ فَمِ الصائمِ (١).
стр. 659
(٨٦)
باب صيام التطوع والخروج منه قبل تمامه
(٧٨٠) قال الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن طلحة بن يحيى بن طلحة، عن عمته عائشة بنت طلحة، عن عائشة، أنها قالت: «دَخَلَ عليَّ رسولُ الله ﷺ فقلتُ: خَبَّأنا لك حَيْسًا (١)، فقال: أمَا إنّي كُنْتُ أريدُ الصومَ، ولكنْ قَرِّبِيه».
(٧٨١) قال الشافعي: وقد صام رسولُ الله ﷺ في سَفَرِه حتّى بَلَغَ كُراعَ الغَمِيم ثُمّ أفْطَرَ، ورَكَعَ عمرُ ركعةً ثُمّ انْصَرَفَ، فقيل له في ذلك، فقال: «إنّما هو تَطَوُّعٌ، فمَن شاء زاد، ومَن شاء نَقَصَ»، ومما يَثْبُتُ عن عَليٍّ مثلُ ذلك، وعن ابن عباسٍ وجابرٍ أنّهما كانا لا يَرَيانِ بالإفطارِ في صومِ التطوعِ بأسًا، وقال ابنُ عباسٍ في رجلٍ صَلَّى ركعةً ولم يُصَلِّ معها أخْرَى: «له أجْرُ ما احْتَسَب»، قال الشافعي: فمَن دَخَل في صومٍ أو صلاةٍ .. فأحَبَّ أن يَسْتَتِمَّ، وإن خَرَجَ قَبْل التَّمامِ .. لم يُعِدْ.
стр. 660
(٨٧)
باب النهي عن الوِصال
(٧٨٢) قال الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أنّ رسولَ الله ﷺ نَهَى عن الوِصالِ، فقيل: يا رسولَ الله، إنّك تُواصِلُ؟ قال: «إنّي لَسْتُ مثلَكُم، إنّي أطْعَمُ وأسْقَى».
(٧٨٣) قال الشافعي: وفَرَّق اللهُ بين رسولِه وبين خلقِه في أمورٍ أباحها له، حَظَرَها عليهم، وفي أمورٍ كَتَبَها عليه، خَفَّفَها عنهم.
стр. 661
(٨٨)
باب صوم يوم عرفة وعاشوراء (١)(٧٨٤) قال الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة، قال: أخبرنا داود بن شابور وغيرُه، عن أبي قَزَعَةَ، عن أبي الخليل، عن أبي حرملة، عن أبي قتادة، قال: قال رسول الله ﷺ : «صيامُ يومِ عَرَفَةَ كفّارةُ السنةِ والسنةِ التي تَلِيها، وصيامُ يومِ عاشوراءَ يُكَفِّرُ سنةً».
(٧٨٥) قال الشافعي: فأحِبُّ صيامَهما، إلّا أن يَكُون حاجًّا فأحِبُّ له تَرْكَ صومِ يومِ عَرَفَةَ؛ لأنّه حاجٌّ، مُضْحٍ (٢)، مسافِرٌ، ولتركِ النبيِّ ﷺ صومَه في الحجّ، وليَقْوَى (٣) بذلك على الدعاءِ، وأفْضَلُ الدعاءِ يومُ عَرَفَةَ (٤).
стр. 662
(٨٩)
باب الأيام التي نُهي عن صومها
(٧٨٦) قال الشافعي: وأنْهَى عن صومِ يومِ الفطرِ، ويومِ الأضْحَى، وأيّامِ التشريقِ؛ لنَهْيِ رسولِ الله ﷺ عنها، ولو صامها مُتَمَتِّعٌ لا يَجِدُ هَدْيًا .. لم يُجْزِ عنه عندنا.
قال المزني: قد كان قال: «يُجْزِئه»، ثُمّ رَجَعَ عنه (١).
стр. 663
(٩٠)
باب الجود والإفضال في شهر رمضان
(٧٨٧) قال الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ أنّه كان أجْوَدَ الناسِ بالخير، وكان أجْوَدَ ما يَكُونُ في شهرِ رمضانَ، وكان جبريلُ ﷺ يَلْقَاه كلَّ ليلةٍ في رمضانَ فيَعْرِضُ عليه النبيُّ ﷺ القرآنَ، فإذا لَقِيَه كان أجْوَدَ بالخيْرِ مِنْ الرِّيحِ المرْسَلَةِ.
(٧٨٨) قال الشافعي: فأحِبُّ للرّجلِ الزّيادةَ بالجودِ في شهرِ رمضانَ؛ اقْتِداءً به ﷺ ، ولحاجَةِ (١) الناسِ فيه إلى مَصالحِهِم، ولتَشاغُلِ كثيرٍ منهم بالصومِ والصلاةِ عن مَكاسِبِهم.
стр. 664
(٩١)
باب الاعتكاف وليلة القدر (١)(٧٨٩) قال الشافعي: أخبرنا مالك، عن ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبي سلمة بن عبدالرحمن (٢)، عن أبي سعيد الخدريّ أنّه قال: «كان رسولُ الله ﷺ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأوْسَطَ (٣) مِنْ شهرِ رمضانَ، فلمّا كانتْ ليلةُ إحْدَى وعشرين - وهي التي كان يَخْرُجُ في صَبِيحَتِها مِنْ اعْتِكافِه - قال ﷺ : مَنْ كان اعْتَكَفَ مَعِي فلْيَعْتَكِفِ العشرَ الأواخِرَ، قال: وأرِيتُ هذه الليلةَ ثُمّ أنْسِيتُها، قال: ورَأيْتُنِي أسْجُدُ في صَبِيحَتِها في ماءٍ وطينٍ، فالْتَمِسُوها في العشرِ الأواخِرِ، والْتَمِسُوها في كلِّ وِتْرٍ، فأمْطَرَت السماءُ مِنْ تلك الليلةِ، وكان المسجدُ على عَرِيشٍ، فوَكَفَ المسجدُ»، قال أبو سعيدٍ: «فأبْصَرتْ عَيْنايَ رسولَ الله ﷺ انْصَرَفَ علينا وعلى جَبْهَتِه وأنْفِه أثرُ الماءِ والطينِ في صَبِيحَةِ إحدى وعشرين».
(٧٩٠) قال الشافعي: وحديثُ النبيّ ﷺ يَدُلُّ على أنّها في العشرِ الأواخِرِ، والذي يُشْبِهُ أنْ تَكُونَ فيه ليلةُ إحْدَى أو ثلاثٍ وعشرين، ولا أحِبُّ تركَ طلبِها فيها كلِّها (٤).
стр. 665
(٧٩١) قال: ورُوِيَ عن عائشةَ أنّها قالتْ: «كان النبيُّ ﷺ إذا اعْتَكَفَ يُدْنِي إليَّ رأسَه فأرَجِّلُه، وكان لا يَدْخُلُ البيتَ إلّا لحاجةِ الإنسان»، وقالتْ: «فغَسَّلْتُه وأنا حائضٌ»، قال الشافعي: فلا بأسَ أن يُدْخِلَ المعْتَكِفُ رأسَه البيتَ ليُغْسَلَ ويُرَجَّلَ.
(٧٩٢) والاعتكافُ سنةٌ حسنةٌ، ويَجُوزُ بغير صومٍ، وفي يومِ الفطرِ ويومِ النحرِ وأيامِ التشريقِ (١).
قال المزني: قلت أنا (٢): لو كان الاعتكافُ يُوجِبُ الصومَ، وإنّما هو تَطَوُّعٌ .. لم يَجُزْ صومُ شهرِ رمضانَ عن تَطَوُّعٍ، وفي اعتكافِه ﷺ في رمضانَ دليلٌ أنّه لم يَصُمْ للاعتكافِ، فتَفَهَّمُوا رحمكم الله، ودليلٌ آخَرُ: لو كان الاعتكافُ لا يَجُوزُ إلّا مُقارِنًا للصومِ .. لخَرَجَ الصائمُ منه بالليل لخروجِه فيه مِنْ الصومِ، فلمّا لم يَخْرُجْ مِنْ الاعتكافِ بالليل وخَرَجَ فيه مِنْ الصومِ ثَبَتَ مُنْفَرِدًا بغير صومٍ، وقد أمَرَ رسولُ الله ﷺ عمرَ بنَ الخطابِ أن يَعْتَكِفَ ليلةً كانتْ عليه نَذْرًا في الجاهلية، ولا صيامَ فيها.
(٧٩٣) قال الشافعي: ومَن أرادَ أن يَعْتَكِفَ العشرَ الأواخرَ دَخَلَ قبل الغروبِ، فإذا أهَلَّ شوالٌ فقد أتَمَّ العشرَ.
(٧٩٤) قال: ولا بأسَ أن يَشْتَرِطَ في الاعتكافِ الذي أوْجَبَه بأن يَقُولَ: إنْ عَرَضَ لي عارضٌ خَرَجْتُ، ولا بأسَ أن يَعْتَكِفَ ولا يَنْوِيَ أيّامًا متى شاء خَرَجَ.
стр. 666
(٧٩٥) واعتكافُه في المسجدِ الجامعِ أحَبُّ إليَّ، فإن اعْتَكَفَ في غيره فمن الجمعةِ إلى الجمعةِ.
(٧٩٦) قال: ويَخْرُجُ للغائطِ والبولِ إلى مَنْزِلِه وإنْ بَعُدَ، ولا بأسَ أن يَسْألَ عن المريضِ إذا دَخَلَ مَنْزِلَه، وإن أكَلَ فيه فلا شيءَ عليه، ولا يُقِيمُ بعد فَراغِه.
(٧٩٧) ولا بأسَ أن يَشْتَرِي، ويَبِيعَ، ويَخِيطَ، ويُجالِسَ العلماءَ، ويُحَدِّثَ بما أحَبَّ ما لم يَكُنْ مَأثَمًا، ولا يُفْسِدُه سِبابٌ ولا جِدالٌ.
(٧٩٨) ولا يَعُودُ المرْضَى، ولا يَشْهَدُ الجنائزَ، إذا كان اعتكافُه واجبًا.
(٧٩٩) قال: ولا بأسَ إذا كان مُؤَذِّنًا أن يَصْعَدَ المنارَةَ وإن كانتْ خارجًا، وأكْرَهُ الأذانَ بالصلاةِ للوُلاةِ (١).
(٨٠٠) وإنْ كانتْ عليه شَهادَةٌ .. فعليه أن يُجِيبَ، فإن فَعَلَ خَرَجَ مِنْ اعتكافِه.
(٨٠١) وإنْ مَرِضَ أو أخْرَجَهُ السلطانُ واعتكافُه واجبٌ .. فإذا بَرِئَ أو خُلِّيَ بَنَى، فإنْ مَكَثَ بعد بُرْئِه شيئًا مِنْ غير عُذْرٍ .. ابْتَدَأ، وإنْ خَرَجَ لغيرِ حاجةٍ .. نُقِضَ اعتكافُه.
(٨٠٢) فإنْ نَذَرَ اعتكافًا بصومٍ فأفْطَرَ .. اسْتَأنَفَ.
стр. 667
(٨٠٣) وقال في باب ما جَمَعْتُ له من كتاب الصيام والسنن والآثار: «لا يُباشِرُ المعتكفُ، فإنْ فَعَلَ .. أفْسَدَ اعتكافَه»، وقال في موضع من مسائل في الاعتكاف: «لا يُفْسِدُ الاعتكافَ مِنْ الوطءِ إلّا ما يُوجِبُ الحدَّ»، قال المزني: هذا أشْبَهُ بقولِه؛ لأنّه مَنْهِيٌّ عن الجماعِ في الاعتكافِ والصومِ والحجِّ، فلمّا لم يَفْسُدْ عنده صومٌ ولا حجٌّ بمباشرةٍ دون ما يُوجِبُ الحدَّ أو الإنزالَ في الصوم .. كانت المباشرةُ في الاعتكافِ كذلك عندي في (١) القياسِ (٢).
(٨٠٤) قال الشافعي: وإنْ جَعَلَ على نَفْسِه اعتكافَ شهرٍ، ولم يَقُلْ: مُتَتابِعًا .. أحْبَبْتُه مُتَتابعًا.
стр. 668
قال المزني: وفي ذلك دليلٌ أنّه يُجْزِئه مُتَفَرِّقًا.
(٨٠٥) قال الشافعي: وإنْ نَوَى يومًا، فدَخَلَ في نصفِ النّهارِ .. اعْتَكَفَ إلى مِثْلِه، وإنْ قال: لله عليَّ اعتكافُ يومٍ .. دَخَلَ فيه قبل الفجرِ إلى غروبِ الشمسِ، قال: وإنْ قال: يومين .. فإلى غروبِ الشمسِ مِنْ اليومِ الثاني، إلّا أن يكُونَ له نيةُ النهارِ دون الليلِ.
(٨٠٦) قال: ويَجُوزُ اعتكافُ ليلةٍ.
(٨٠٧) وإنْ قال: لله عليَّ أنْ أعْتَكِفَ يومَ يَقْدَمُ فلانٌ، فقَدِمَ أوّلَ (١) النهارِ .. اعْتَكَفَ ما بَقِيَ، فإنْ كان مريضًا أو محبوسًا .. فإذا قَدَرَ قَضاه.
قال المزني: يُشْبِهُ أن يَكُونَ إذ قَدِمَ في أوَّلِ النهارِ أن يَقْضِيَ بمِقْدارِ ما مَضَى مِنْ ذلك اليومِ مِنْ يومٍ آخَرَ حتّى يَكُونَ قد أكْمَلَ اعتكافَ يومٍ، وقد يَقْدَمُ في أوّلِ النهارِ لطلوعِ الشّمْسِ وقد مَضَى بعضُ يومٍ (٢)، فلا بدَّ مِنْ قضائِه حتّى يَتِمَّ يومُه، ولو اسْتَأنَفَ اعتكافَ يومٍ حتّى يَكُونَ اعتكافُه يومًا (٣) مَوْصُولًا .. كان أحَبَّ إليَّ (٤).
(٨٠٨) قال الشافعي: ولا بأسَ أن يَلْبَسَ المعْتَكِفُ والمعْتَكِفَةُ ويَأكُلا ويَتَطَيَّبا بما شاءا.
(٨٠٩) وإنْ هَلَكَ زوجُها .. خَرَجَتْ فاعْتَدَّتْ ثُمّ بَنَتْ.
стр. 669
(٨١٠) ولا بأسَ أن تُوضَعَ المائدةُ في المسجدِ، وغَسْلُ اليدينِ في الطَّسْتِ.
(٨١١) ولا بأسَ أن يُنْكِحَ نَفْسَه ويُنْكِحَ غيرَه.
(٨١٢) والمرأةُ والعبدُ والمسافر يَعْتَكِفُونَ حيث شاؤوا؛ لأنّه لا جُمُعَةَ عليهم.
(٩٢)
باب إثبات فرض الحج على من استطاع إليه سبيلًا (١)(٨١٣) قال الشافعي: فَرَضَ اللهُ جل ثناؤه الحجَّ على كُلِّ حُرٍّ بالغٍ استطاعَ إليه سَبِيلًا بدلالة الكتاب والسنة، ومَن حَجَّ مَرَّةً واحدةً في دَهْرِه فليس عليه غيرُها.
(٨١٤) والاستطاعةُ وجهان:
أحدهما: أن يكون مُسْتَطِيعًا بِبَدَنِه، واجِدًا مِنْ مالِه ما يُبَلِّغُه الحجَّ بزادٍ وراحلةٍ؛ لأنّه قيل: يا رسولَ الله ﷺ ، ما الاستطاعةُ؟ فقال ﷺ : «زادٌ وراحلةٌ».
والوجهُ الآخَرُ: أن يكونَ مَعْضُوبًا في بَدَنِه (٢)، لا يَقْدِرُ أن يثْبُتَ على مَرْكَبٍ بحالٍ، وهو قادرٌ على مَنْ يُطِيعُه إذا أمَرَهُ أن يحُجَّ عنه بطاعتِه له، أو مَنْ يسْتَأجِرُه، فيكونُ هذا ممَّن لَزِمَهُ فَرْضُ الحجِّ كما قَدَر.
ومعروفٌ مِنْ لسان العرب أن يَقُول الرجلُ: «أنا مُسْتَطِيعٌ لأنْ أبْنِيَ دارِي، وأخِيطَ ثَوْبي»؛ يعني: بالإجارةِ أو بمَن يُطِيعُنِي.
стр. 672
ورُوِي عن ابن عباسٍ أنّ امرأةً مِنْ خَثْعَم قالت: يا رسول الله، إنّ فَرِيضَةَ الله في الحجِّ على عبادِه (١) أدْرَكَتْ أبي شَيْخًا كبيرًا لا يَسْتَطِيعُ أن يَسْتَمْسِكَ على راحلتِه، فهل تَرَى أن أحُجَّ عنه؟ فقال ﷺ : «نعم»، فقالت: يا رسول الله، فهل يَنْفَعُه ذلك؟ فقال: «نعم؛ كما لو كان عليه دَيْنٌ فقَضَيْتِيه نَفَعَه»، قال الشافعي: فجعل النبي ﷺ قضاءَها الحجَّ عنه كقضائِها الدَّيْنَ عنه، فلا شيءَ أوْلَى أن يُجْمَعَ بينه مما جَمَعَ النبيُّ ﷺ بَيْنَه.
ورُوِيَ عن عطاءٍ، عن النبيِّ ﷺ أنّه سَمِعَ رَجُلًا يَقُول: لَبَّيْك عن فلانٍ (٢)، فقال النبيُّ ﷺ : «إنْ كُنْتَ حَجَجْتَ فلَبِّ عنه، وإلا فاحْجُجْ (٣)» (٤).
ورُوِي عن عليٍّ أنّه قال لشيخٍ كبيرٍ لم يَحُجَّ: «إنْ شِئتَ فجَهِّزْ رجلًا يَحُجُّ عنك».
стр. 673
(٩٣)
باب إمكان الحج وأنه من رأس المال
(٨١٥) قال الشافعي: وإذا اسْتَطاع الرجلُ فأمْكَنَهُ مَسِيرُ الناسِ مِنْ بَلَدِه .. فقد لَزِمَه الحجُّ، فإنْ مات .. قُضِيَ عنه (١)، وإن لم يُمْكِنْه لبُعْدِ دارِه ودُنُوِّ الحجِّ مِنه، ولم يَعِشْ حتّى يُمْكِنَه قابلٌ .. لم يَلْزَمْه (٢).
(٨١٦) وإنْ كان عامُ جَدْبٍ أو عَطَشٍ ولم يَقْدِرْ على ما لا بُدّ مِنه، أو كان خوفُ عَدُوٍّ .. أشْبَهَ أن يكونَ غَيْرَ واجِدٍ للسبيلِ، ولم يَلْزَمْه.
(٨١٧) ولم يَبِنْ لي أنْ أوجِبَ عليه رُكوبَ البحرِ للحجِّ إذا قَدَر عليه (٣).
стр. 674
(٨١٨) ورُوِي عن عطاءٍ وطاوسٍ أنّهما قالا: «الحِجَّةُ الواجبةُ مِنْ رأسِ المال»، قال: وهو القياسُ، قال: فليَسْتَأجِرْ (١) عنه في الحجِّ والعمرةِ بأقَلِّ ما يُوجَدُ مِنْ مِيقاتِه.
(٨١٩) ولا يَحُجُّ عنه إلّا مَنْ أدَّى الفَرْضَ مَرَّةً، فإن لم يَكُنْ حَجَّ فهي عنه، ولا أجْرَةَ له، ورُوِي عن النبيّ ﷺ أنّه سَمِعَ رجلًا يُلَبِّي عن فلانٍ، فقال له: «إنْ كُنْتَ حَجَجْتَ فلَبِّ عنه، وإلّا فاحْجُجْ عن نفسك»، وعن ابن عباسٍ أنّه سَمِعَ رجلًا يَقولُ: لبَّيْكَ عن شُبْرُمَةَ، فقال: «ويحك، ومَن شُبْرُمَةُ؟»، فأخْبَرَه، فقال «احْجُجْ عن نفسك، ثمّ حُجَّ عن شُبْرُمَةَ».
(٨٢٠) قال: وكذلك لوْ أحْرَمَ تَطَوُّعًا وعليه حَجٌّ .. كان فَرْضَه، أو عُمْرَةً .. كانتْ فَرْضَه (٢).
стр. 675
(٩٤)
باب تأخير الحج
(٨٢١) قال الشافعي: أنْزِلَتْ فريضةُ الحجِّ بعد الهجرةِ، وأمَّرَ رسولُ الله ﷺ أبا بكرٍ على الحجِّ وتَخَلَّفَ ﷺ بالمدينة بعد مُنْصَرَفِه مِنْ تَبوكَ، لا مُحارِبًا ولا مشغولًا بشيءٍ، وتَخَلَّفَ أكثرُ المسلمين قادرين على الحجِّ وأزواجُ النبيّ ﷺ ، ولو كانوا (١) كمَنْ تَرَكَ الصلاةَ حتّى خَرَج وقتُها ما تَرَك رسول الله ﷺ الفَرْضَ ولا تَرَك المتَخَلِّفون عنه (٢)، ولم يَحُجَّ ﷺ بَعْدَ فَرْضِ الحجِّ إلّا حِجَّةَ الإسلام، وهي حِجَّةُ الوداعِ، ورُوِي عن جابر بن عبدالله أنّ النبيَّ ﷺ أقام بالمدينةِ تِسْعَ سنينَ لم يَحُجَّ ثُمّ حَجّ، قال الشافعي: فوقتُ الحجِّ ما بين أن يَجِبَ عليه إلى أن يَمُوتَ.
стр. 676
(٩٥)
باب وقت الحج والعمرة
(٨٢٢) قال الشافعي: قال الله ﵎: ﴿الحج أشهر معلومات﴾ الآية [البقرة: ١٩٧]، قال: وأشْهُرُ الحجِّ: شَوّالٌ وذو القَعْدَةِ وتِسْعٌ من ذي الحِجَّة (١)، وهو يومُ عَرَفَةَ (٢)، فمَن لم يُدْرِكْه إلى الفجر مِنْ يوم النحر .. فقد فاته الحجُّ.
(٨٢٣) ورُوِي أنّ جابرَ بنَ عبدالله سُئِل: أيُهِلُّ بالحجِّ قبل أشْهُرِ الحجِّ؟ قال: لا، وعن عطاء أنّه قيل له: أرأيْتَ رَجُلًا جاء مُهِلًّا بالحجِّ في رمضانَ كيف كنتَ قائلًا له (٣)؟ قال: «أقولُ له: اجْعَلْها عمرةً»، وعن عكرمة قال: «لا يَنْبَغِي لأحدٍ أن يُحْرِمَ بالحجِّ إلّا في أشْهُرِ الحجِّ، مِنْ أجْلِ قول الله ﵎: ﴿الحج أشهر معلومات﴾» (٤)، قال: فلا يجوز لأحدٍ أن يَحُجّ قبل أشْهُرِ الحجِّ، فإنْ فَعَل فإنّها تكون عمرةً؛ كمَن دَخَل في صلاةٍ قبل وَقْتِها فتَكون نافلةً (٥).
стр. 677
(٨٢٤) قال: ووقتُ العمرةِ متى شاء، ومَن قال: لا يَعْتَمِرُ في السّنةِ إلّا مَرَّةً .. خالفَ سُنَّةَ رسولِ الله ﷺ ؛ لأنّه أعْمَرَ عائشةَ في شهرٍ واحدٍ مِنْ سنةٍ واحدةٍ مرَّتَيْن، وخلافُ (١) فِعْلِ عائشةَ نفسِها وعليٍّ وابنِ عمرَ وأنسٍ.
стр. 678
(٩٦)
باب وجوب العمرة
(٨٢٥) قال الشافعي: قال الله ﵎: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة: ١٩٦]، فقَرَن العمرةَ به (١)، وأشْبَهُ بظاهرِ القرآنِ أنْ تكون العمرةُ واجبةً (٢)، واعْتَمَر النبيُّ ﷺ قَبْلَ الحجِّ (٣)، ومع ذلك قولُ ابنِ عبّاس: «والذي نفسي بيده إنّها لقَرِينَتُها في كتاب الله، ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾»، وعن عطاء قال: «ليس أحدٌ مِنْ خَلْقِ الله إلّا وعليه حَجَّةٌ وعمرةٌ واجبتان»، قال: وقاله غيرُه من مَكِّيِّينَا، وسَنَّ رسولُ الله ﷺ في قِرانِ العمرةِ مع الحجِّ هَدْيًا، ولو كانتْ نافلةً لأشْبَه (٤) أن لا تُقْرَنَ مع الحجِّ، وقال رسول الله ﷺ : «دَخَلَت العمرةُ في الحج إلى يوم القيامة»، ورُوِيَ أنّ في الكتابِ الذي كَتَبَه رسولُ الله ﷺ لعمْرِو بنِ حزمٍ أنّ العمرةَ هي الحجُّ الأصغرُ.
стр. 679
(٩٧)
باب ما يجزئ من العمرة إذا جمعت إلى غيرها (١)(٨٢٦) قال الشافعي: ويجزئه أن يَقْرِنَ الحجَّ مع العمرةِ ويُهَرِيقُ دمًا، والقارِنُ أخَفُّ حالًا مِنْ المتَمَتِّع (٢).
(٨٢٧) وإن اعْتَمَر قبل الحجِّ ثُمّ أقام بمكةَ حتّى يُنْشِئ الحجَّ .. أنْشَأه مِنْ مكةَ، لا مِنْ الميقاتِ.
(٨٢٨) ولوْ أفْرَدَ الحجَّ فأراد العمرةَ بعد الحجِّ .. خَرَجَ مِنْ الحَرَمِ ثُمّ أهَلَّ مِنْ أين شاء، وسَقَطَ عنه بإحْرامِه بالحجِّ مِنْ الميقاتِ، فأحْرَم بها مِنْ أقْرَبِ المواضِعِ مِنْ ميقاتِها، ولا ميقاتَ لها دون الحِلِّ؛ كما يَسْقُطُ ميقاتُ الحجِّ إذا قَدَّمَ العمرةَ قبلَه لدُخُولِ أحدِهما في الآخَرِ، قال: وأحَبُّ إليَّ أن يعْتَمِرَ مِنْ الجِعْرَانَةِ (٣)؛ لأنّ النبيَّ ﷺ اعْتَمَرَ منها، فإنْ أخْطَأه ذلك فمِن
стр. 680
التَّنْعِيم؛ لأنّ النبيَّ ﷺ أعْمَرَ عائشةَ منها، وهي أقْرَبُ الحِلِّ إلى البَيْتِ، فإنْ أخْطَأه ذلك فمِن الحُدَيْبِيَة؛ لأنّ النبيَّ ﵇ صَلَّى بها وأراد المَدْخَلَ لعمرتِه منها.
стр. 681
(٩٨)
باب الاختيار في إفراد الحج والتمتع بالعمرة
(٨٢٩) قال الشافعي في «مختصر الحج» (١): وأحَبُّ إليّ أن يُفْرِدَ؛ لأنّ الثابتَ عندنا أنّ النبيّ ﷺ أفْرَدَ.
وقال في «اختلاف الحديث (٢)»: إنّ النبيّ ﷺ قال: «لو اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أمْرِي ما اسْتَدْبَرْتُ .. لما سُقْتُ الهدْيَ ولجَعَلْتُها عمرةً»، قال: ومَن قال: إنَّه أفْرَدَ الحجَّ .. يُشْبِهُ أن يكون قاله على ما يُعْرَفُ مِنْ أهْلِ العِلْمِ الذين أدْرَكَ - دون رسولِ الله ﷺ أنّ أحدًا لا يَكُون مُقِيمًا على حَجٍّ إلّا وقد ابْتَدَأ إحْرامَه بحَجٍّ (٣)، وأحْسَبُ عُرْوَةَ حين حَدَّث أنَّ رسولَ الله ﷺ أحْرَمَ بحَجٍّ ذَهَبَ إلى أنَّه سَمِعَ عائشةَ تَقُول: «فَفَعَلَ في حَجِّه» على هذا المعنى (٤).
وقال فيما اخْتَلَفَتْ فيه الأحاديثُ عن رسول الله ﷺ في مَخْرَجِه: ليس شيءٌ مِنْ الاختلافِ أيْسَرُ مِنْ هذا - وإنْ كان الغلطُ فيه قبيحًا (٥) - مِنْ جِهَةِ أنّه مباحٌ؛ لأنّ الكتابَ ثُمّ السنةَ ثُمّ ما لا أعْلَمُ فيه خلافًا يَدُلُّ على أنّ التمتعَ
стр. 682
بالعمرةِ إلى الحجِّ وإفرادَ الحجِّ والقرانَ واسعٌ كلُّه، وثَبَتَ أنّه خَرَجَ ﷺ يَنْتَظِرُ القضاءَ، فنَزَلَ عليه القضاءُ وهو فيما بين الصفا والمَرْوَة، فأمَرَ أصحابَه أنّ مَنْ كان مِنهم أهَلَّ ولم يَكُنْ معه هَدْيٌ أن يَجْعَلَها عمرةً، وقال: «لو اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أمْرِي ما اسْتَدْبَرْتُ ما سُقْتُ الهدْيَ، ولجَعَلْتُها عمرةً».
وقال: فإن قال قائلٌ: فمِن أين أثْبَتَّ حديثَ جابرٍ وعائشةَ وابنِ عمرَ وطاوسَ دون حديثِ مَنْ قال: قَرَنَ؟ .. قيل: لتَقَدُّم صُحْبَةِ جابرٍ للنبيِّ ﷺ وحُسْنِ سِياقِه لابْتِدَاءِ الحديثِ وآخِرِه، ولروايةِ عائشةَ عن النبيِّ ﷺ وفَضْلِ حِفْظِها عنه، وقُرْبِ ابنِ عُمرَ منه، ولأنّ مَنْ وَصَفَ انتظارَ النبيِّ ﷺ القضاءَ - إذْ لم يَحُجَّ مِنْ المدينة بعد نُزولِ فَرْضِ الحجِّ طَلَبَ الاختيارَ فيما وَسَّع اللهُ له مِنْ الحجِّ والعمرةِ - يُشْبِهُ أن يَكُونَ أحْفَظَ؛ لأنّه قد أتِي في المتلاعِنَيْن فانْتَظَر القضاءَ، فكذلك حُفِظَ عنه في الحجِّ: يَنْتَظِرُ القضاءَ.
قال المزني: إنْ ثَبَتَ حديثُ أنسٍ عن النبيّ ﷺ أنّه قَرَنَ حتّى يَكُونَ مُعارِضًا للأحاديث سواه .. فأصلُ قولِ الشافعيِّ أنّ العمرةَ فَرْضٌ، وأداءُ الفَرْضَيْنِ في وَقْتِ الحجِّ أفْضَلُ مِنْ أداءِ فَرْضٍ واحدٍ؛ لأنَّ ما كَثُرَ عَمَلُه لله ﵎ كان أكْثَرَ (١) في ثوابِ الله (٢).
стр. 683
(٩٩)
باب صوم المتمتع بالعمرة إلى الحج
(٨٣٠) قال الشافعي: فمَن (١) تَمَتَّعَ بالعمرةِ إلى الحجِّ، فإذا أهَلَّ بالحجِّ في شَوّالٍ أو ذي القَعْدَةِ أو ذي الحِجَّةِ .. صار مُتَمَتِّعًا، فإنّ له أن يَصُومَ حين يَدْخُل في الحجِّ، وهو قولُ عَمْرو بن دينار.
(٨٣١) قال: وعليه أن لا يَخْرُجَ مِنْ الحجِّ حتّى يَصُومَ إذا لم يَجِدْ هَدْيًا، وأن يَكُونَ آخِرُ ما لَه مِنْ الأيّامِ الثّلاثةِ في آخِرِ صيامِه يومَ عَرَفَةَ؛ لأنّه يَخْرُجُ بعد عَرَفَةَ مِنْ الحجِّ ويَكُونُ في يومٍ لا صومَ فيه يومِ النحرِ، ولا يُصامُ فيه ولا أيّامِ مِنًى؛ لنَهْيِ رسولِ الله ﷺ عنها، وأنّ مَنْ طاف فيها فقد حَلَّ، فلم يَجُزْ أنْ أقولَ: هذا في حَجٍّ وهو خارجٌ منه، وقدْ كُنْتُ أراهُ، وقد يَكُون مَنْ قال: «يَصُومُ أيّامَ مِنًى» ذَهَبَ عنه نَهْيُ رسولِ الله ﷺ عنها.
قال المزني: قلت أنا (٢): قولُه هذا أقْيَسُ؛ لأنّه لا خلافَ في أنّ النبيَّ ﷺ سَوَّى في نَهْيِه عنها وعن يومِ النحرِ، فإذا لم يَجُزْ صِيامُ يومِ النحرِ لنَهْيِ النبيِّ ﷺ ، فكذلك أيّامُ مِنًى لنَهْيِ النبيِّ ﷺ عنها (٣).
(٨٣٢) قال الشافعي: ويَصُومُ الأيَّامَ (٤) السبعةَ إذا رَجَعَ إلى
стр. 684
أهلِه (١)، فإن لم يَصُمْ حتّى ماتَ تُصُدِّقَ عنه عمّا أمْكَنَهُ فلم يَصُمْهُ عن كُلِّ يومٍ مُدًّا (٢) مِنْ حنطةٍ، فإن لم يَمُتْ ودَخَلَ في الصومِ ثُمَّ وَجَدَ الهَدْيَ .. فليس عليه هَدْيٌ، وإنْ أهْدَى فحَسَنٌ.
(٨٣٣) وحاضِرُو المسْجِدِ الحرامِ الذين لا مُتْعَةَ عليهم: مَنْ كان أهلُه دون ليلَتَيْن، وهو حينئذٍ دون أقْرَبِ المواقيتِ، ومَن سافر إليه صَلّى صلاةَ الحَضَرِ، ومِنه يَرْجِعُ مَنْ لم يَكُنْ آخِرُ عَهْدِه بالبَيْتِ حتّى يَطُوفَ، فإن جاوَزَ ذلك إلى أن يَصِيرَ مُسَافِرًا لم يَرْجِع (٣)، وأجْزَأه دمٌ.
стр. 685
(١٠٠)
باب مَواقيت الحج (١)(٨٣٤) قال الشافعي: مِيقاتُ أهْلِ المدينة: مِنْ ذي الحُلَيْفَةِ، وأهْلِ الشام والمغربِ ومِصْرَ وغيرِها: مِنْ الجُحْفَةِ، وأهْلِ تِهامَةِ اليَمَنِ: يَلَمْلَمُ، وأهْلِ نَجْدِ اليَمَنِ ونَجْدٍ: قَرْنٌ (٢)، وأهْلِ المشرقِ: ذاتُ عِرْقٍ، ولو أهَلُّوا مِنْ العَقِيقِ كان أحَبَّ إليَّ (٣).
(٨٣٥) والمواقيتُ لأهلِها ولكلِّ مَنْ يَمُرُّ بها ممَّنْ أراد حَجًّا أو عمرةً،
стр. 686
وأيُّهم مَرَّ بميقاتِ غيرِه ولم يَأتِ مِنْ بَلَدِه كان ميقاتُه ميقاتَ ذلك البلدِ الذي مَرَّ به.
(٨٣٦) والمواقيتُ في الحجِّ والعمرةِ والقرانِ سواءٌ.
(٨٣٧) ومَن سَلَكَ بَرًّا أو بَحْرًا تَأخَّى حتّى يُهِلَّ مِنْ حَذْوِ المواقيتِ أو مِنْ ورائِها (١).
(٨٣٨) ولو أتَى على ميقاتٍ لا يُرِيدُ حَجًّا ولا عمرةً فجَاوَزَه ثُمَّ بَدا له أن يُحْرِمَ .. أحْرَمَ منه (٢)، وذلك ميقاتُه.
(٨٣٩) ومَن كان أهْلُه دون الميقاتِ، فميقاتُه مِنْ حَيْثُ يُحْرِمُ مِنْ أهلِه لا (٣) يُجاوِزُه.
(٨٤٠) ورُوِي عن ابنِ عُمَرَ أنَّه أهَلَّ مِنْ الفُرْعِ، وهذا عندنا أنَّه مَرَّ بميقاتِه لا يُرِيدُ إحرامًا ثُمّ بَدا له فأهَلَّ منه، أو جاء إلى الفُرْعِ مِنْ مَكَّةَ أو غيرِها ثُمّ بَدا له (٤).
(٨٤١) ورُوِي عن رسولِ الله ﷺ أنّه لم يَكُنْ يُهِلُّ حتّى تَنْبَعِثَ به راحلتُه.
стр. 687
(١٠١)
باب الإحرام والتلبية
(٨٤٢) قال الشافعي: فإذا أراد الرجلُ الإحرامَ .. اغْتَسَلَ مِنْ ميقاتِه، وتَجَرَّدَ، ولَبِسَ إزارًا ورداءً أبْيَضَيْن، وتَطَيَّبَ لإحرامِه إن أحَبَّ قبل أن يُحْرِم، ثُمّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْن، ثم يَرْكَبُ، فإذا تَوَجَّهَتْ به راحلتُه لَبَّى (١)، ويَكْفِيه أن يَنْوِيَ حَجًّا أو عمرةً عند دخولِه فيه (٢)، ورُوِيَ أنّ رسولَ الله ﷺ أمَرَ بالغُسْلِ وتَطَيَّب لإحرامِه، وتَطَيَّب ابنُ عبّاس وسعدُ بنُ أبي وقاص.
(٨٤٣) قال: فإنْ لَبَّى بحجٍّ يُرِيدُ عمرةً .. فهي عمرةٌ، وإنْ لَبَّى بعمرةٍ يُرِيدُ حَجًّا .. فهو حجٌّ، وإن لم يُرِدْ حَجًّا ولا عمرةً (٣) .. فليس بشيءٍ (٤).
стр. 688
(٨٤٤) وإنْ لَبَّى يُرِيدُ الإحرامَ ولم يَنْوِ حَجًّا ولا عمرةً .. فله الخيارُ، أيَّهما شاء.
(٨٤٥) وإنْ لَبَّى بأحدِهما فنَسِيَهُ .. فهو قارنٌ (١).
(٨٤٦) ويَرْفَعُ صَوْتَه بالتّلْبِيَةِ؛ لقولِ النّبيِّ ﷺ : «أتاني جبريلُ ﵇ فأمَرَني أن آمُرَ أصحابي أو مَنْ مَعي أن يَرْفَعُوا أصواتَهم بالتلبية».
(٨٤٧) قال: ويُلَبِّي المحرمُ قائمًا وقاعدًا، وراكبًا ونازلًا، وجُنُبًا ومُتَطَهِّرًا، وعلى كلِّ حالٍ، رافعًا صَوْتَه، في جميعِ مساجِدِ الجماعاتِ (٢)، وفي كُلِّ مَوْضِعٍ، وكان السلفُ يَسْتَحِبُّون التلبيةَ عند اضْطِمامِ الرِّفاقِ (٣)، وعند الإشْرافِ والهُبُوطِ، وخَلْفَ الصلواتِ، وفي اسْتِقْبالِ اللَّيْلِ والنهارِ، وبالأسحارِ، ونُحِبُّه على كلِّ حالٍ (٤).
стр. 689
(٨٤٨) قال الشافعي: والتلبيةُ أن يقول: «لَبَّيْكَ اللّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لك لَبَّيْكَ، إنَّ (١) الحمدَ والنعمةَ لك والملكَ، لا شَريكَ لك»؛ لأنّها تَلْبِيَةُ رسولِ الله ﷺ ، ولا يَضِيقُ أن يَزِيدَ عليها، وأخْتارُ أن أفْرِدَ تَلْبِيَةَ رسولِ الله ﷺ ، لا يُقَصِّرُ عنها ولا يُجاوِزُها، إلّا أن يَرَى شيئًا يُعْجِبُه، فيقولُ: «لَبَّيْكَ إنّ العَيْشَ عيشُ الآخرة»، فإنّه لا يُرْوَى عنه مِنْ وَجْهٍ يَثْبُتُ أنّه زاد غيرَ هذا.
(٨٤٩) فإذا فَرَغَ مِنْ التَّلْبِيَةِ صَلَّى على النبيِّ ﷺ ، وسَأل اللهَ رِضاهُ والجنةَ، واسْتَعاذ برحمتِه مِنْ النارِ (٢)؛ فإنّه يُرْوَى عن رسول الله ﷺ .
(٨٥٠) قال: والمرأةُ في ذلك كالرجلِ، إلّا ما أُمِرَتْ به مِنْ السَّتْرِ، فأسْتَر لها أنْ تَخْفِضَ صوتَها بالتلبية.
(٨٥١) ولها (٣) أنْ تَلْبَسَ القميصَ والقَباءَ والدِّرْعَ والخِمارَ والسَّراويلَ والخُفَّيْن والقُفَّازَيْن.
(٨٥٢) وحُرْمُها في وجْهِها، فلا تُخَمِّرُه، وتُسْدِلُ عليه الثوبَ (٤)، وتُجافِيه عَنْه لا (٥) تَمَسُّه، وتُخَمِّرُ رأسَها، فإن خَمَّرَتْ وجْهَها عامِدةً افْتَدَتْ.
(٨٥٣) وأحَبُّ إليّ أنْ تَخْتَضِبَ للإحرام قَبْل أنْ تُحْرِمَ، ورُوِي عن
стр. 690
عبدالله بن عبيدة وعبدالله بن دينار قالا: «مِنْ السنةِ أنْ تَمْسَحَ المرأةُ بيَدَيْها شَيْئًا (١) مِنْ حِنَّاءٍ، ولا تُحْرِمُ وهي غُفْلٌ (٢)».
(٨٥٤) وأُحِبُّ لها أنْ تَطُوفَ لَيْلًا، ولا رَمَلَ عليها، ولكن تَطُوفُ على هَيْنَتِها (٣).
стр. 691
(١٠٢)
باب ما يجتنبه المحرم من الطيب ولبس الثياب وأخذ الشعر
وما عليه من الفدية في فعل ذلك (١)(٨٥٥) قال الشافعي: ولا يَلْبَسُ المحرمُ قميصًا ولا عِمامةً ولا بُرْنُسًا ولا خُفَّيْن، إلّا أن لا يَجِدَ نَعْلَيْن فليَلْبَسْ خُفَّيْن، ويَقْطَعْهما (٢) أسْفَلَ مِنْ الكَعْبَيْن، وإن لم يَجِدْ إزارًا لَبِسَ سَراويلَ؛ لأمْرِ رسولِ الله ﷺ بذلك كُلِّه.
(٨٥٦) ولا يَلْبَسُ ثَوْبًا مَسَّه زَعْفَرانٌ ولا وَرْسٌ ولا شيءٌ مِنْ الطيبِ.
(٨٥٧) ولا يُغَطِّي رأسَه، وله أن يُغَطِّيَ وجْهَه.
(٨٥٨) وإن احْتاج إلى تَغْطِيَة رأسِه ولُبْسِ ثوبٍ مخيطٍ أو خُفَّيْن، ففَعَل ذلك مِنْ شِدَّةِ بَرْدٍ أو حَرٍّ، وفَعَل ذلك كُلَّه في مكانِه .. كانتْ عليه فِدْيةٌ واحدةٌ، وإن فَرَّقَ ذلك شيئًا بعد شيءٍ .. كان عليه لكلِّ لُبْسَةٍ فِدْيةٌ (٣).
(٨٥٩) وإن احْتاج إلى حَلْقِ رأسِه فحَلَقَه .. فعليه فِدْيةٌ.
(٨٦٠) وإنْ تَطَيَّبَ ناسيًا .. فلا شيءَ عليه، وإنْ تَطَيَّبَ عامدًا .. فعليه الفديةُ، والفَرْقُ في المتَطَيِّبِ بين الجاهل والعالم: أنّ النبيَّ ﷺ أمَرَ الأعرابيَّ وقدْ أحْرَمَ وعليه خَلُوقٌ بنَزْعِ الجُبَّةِ وغَسْلِ الصُّفْرَةِ، ولم يَأمُرْه في الخبر بفديةٍ.
стр. 692
قال المزني (١): ليس (٢) في هذا دليلٌ أن ليس عليه فديةٌ إذْ (٣) لم تَكُنْ في الخبر، وهكذا رُوِي في الحديثِ عن النبيِّ ﷺ (٤) في الصائمِ يَقَعُ على امرأتِه، فقال له النبي ﷺ : «أعْتِقْ وافْعَلْ وافْعَلْ»، ولم يَذْكُر أنّ عليه القضاءَ، وأجْمَعُوا أنَّ عليه القضاءَ.
(٨٦١) قال الشافعي: وما شَمَّ مِنْ نَباتِ الأرْضِ ممّا لا يُتَّخَذُ طِيبًا، أو أكَلَ تُفّاحًا أو أتْرُجًّا، أو دَهَنَ جَسَدَه بغير طِيبٍ .. فلا فديةَ (٥).
(٨٦٢) وإن دَهَن رأسَه أو لحيتَه بدُهْنٍ غيرِ طيبٍ .. فعليه الفديةُ؛ لأنّه موضعُ الدُّهنِ وترجيلِ الشعرِ.
قال المزني: ويَدْهَنُ المحرمُ الشِّجاجَ بالزيتِ ومواضعَ ليس فيها شعرٌ مِنْ الرأسِ، ولا فديةَ عليه على قياس قوله (٦)، والقياسُ عندي: أنّه يجوز له الزيتُ بكلِّ حالٍ يَدْهُنُ به المحْرِمُ الشعرَ بغيرِ طيبٍ، ولا فديةَ (٧)؛ لأنه يأكُلُه، ولو كان فيه طِيبٌ ما أكلَه، فتَفَهَّمْه (٨).