(٨٤٤) وإنْ لَبَّى يُرِيدُ الإحرامَ ولم يَنْوِ حَجًّا ولا عمرةً .. فله الخيارُ، أيَّهما شاء.
(٨٤٥) وإنْ لَبَّى بأحدِهما فنَسِيَهُ .. فهو قارنٌ (١).
(٨٤٦) ويَرْفَعُ صَوْتَه بالتّلْبِيَةِ؛ لقولِ النّبيِّ ﷺ : «أتاني جبريلُ ﵇ فأمَرَني أن آمُرَ أصحابي أو مَنْ مَعي أن يَرْفَعُوا أصواتَهم بالتلبية».
(٨٤٧) قال: ويُلَبِّي المحرمُ قائمًا وقاعدًا، وراكبًا ونازلًا، وجُنُبًا ومُتَطَهِّرًا، وعلى كلِّ حالٍ، رافعًا صَوْتَه، في جميعِ مساجِدِ الجماعاتِ (٢)، وفي كُلِّ مَوْضِعٍ، وكان السلفُ يَسْتَحِبُّون التلبيةَ عند اضْطِمامِ الرِّفاقِ (٣)، وعند الإشْرافِ والهُبُوطِ، وخَلْفَ الصلواتِ، وفي اسْتِقْبالِ اللَّيْلِ والنهارِ، وبالأسحارِ، ونُحِبُّه على كلِّ حالٍ (٤).
стр. 689
(٨٤٨) قال الشافعي: والتلبيةُ أن يقول: «لَبَّيْكَ اللّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لك لَبَّيْكَ، إنَّ (١) الحمدَ والنعمةَ لك والملكَ، لا شَريكَ لك»؛ لأنّها تَلْبِيَةُ رسولِ الله ﷺ ، ولا يَضِيقُ أن يَزِيدَ عليها، وأخْتارُ أن أفْرِدَ تَلْبِيَةَ رسولِ الله ﷺ ، لا يُقَصِّرُ عنها ولا يُجاوِزُها، إلّا أن يَرَى شيئًا يُعْجِبُه، فيقولُ: «لَبَّيْكَ إنّ العَيْشَ عيشُ الآخرة»، فإنّه لا يُرْوَى عنه مِنْ وَجْهٍ يَثْبُتُ أنّه زاد غيرَ هذا.
(٨٤٩) فإذا فَرَغَ مِنْ التَّلْبِيَةِ صَلَّى على النبيِّ ﷺ ، وسَأل اللهَ رِضاهُ والجنةَ، واسْتَعاذ برحمتِه مِنْ النارِ (٢)؛ فإنّه يُرْوَى عن رسول الله ﷺ .
(٨٥٠) قال: والمرأةُ في ذلك كالرجلِ، إلّا ما أُمِرَتْ به مِنْ السَّتْرِ، فأسْتَر لها أنْ تَخْفِضَ صوتَها بالتلبية.
(٨٥١) ولها (٣) أنْ تَلْبَسَ القميصَ والقَباءَ والدِّرْعَ والخِمارَ والسَّراويلَ والخُفَّيْن والقُفَّازَيْن.
(٨٥٢) وحُرْمُها في وجْهِها، فلا تُخَمِّرُه، وتُسْدِلُ عليه الثوبَ (٤)، وتُجافِيه عَنْه لا (٥) تَمَسُّه، وتُخَمِّرُ رأسَها، فإن خَمَّرَتْ وجْهَها عامِدةً افْتَدَتْ.
(٨٥٣) وأحَبُّ إليّ أنْ تَخْتَضِبَ للإحرام قَبْل أنْ تُحْرِمَ، ورُوِي عن
стр. 690
عبدالله بن عبيدة وعبدالله بن دينار قالا: «مِنْ السنةِ أنْ تَمْسَحَ المرأةُ بيَدَيْها شَيْئًا (١) مِنْ حِنَّاءٍ، ولا تُحْرِمُ وهي غُفْلٌ (٢)».
(٨٥٤) وأُحِبُّ لها أنْ تَطُوفَ لَيْلًا، ولا رَمَلَ عليها، ولكن تَطُوفُ على هَيْنَتِها (٣).
стр. 691
(١٠٢)
باب ما يجتنبه المحرم من الطيب ولبس الثياب وأخذ الشعر
وما عليه من الفدية في فعل ذلك (١)(٨٥٥) قال الشافعي: ولا يَلْبَسُ المحرمُ قميصًا ولا عِمامةً ولا بُرْنُسًا ولا خُفَّيْن، إلّا أن لا يَجِدَ نَعْلَيْن فليَلْبَسْ خُفَّيْن، ويَقْطَعْهما (٢) أسْفَلَ مِنْ الكَعْبَيْن، وإن لم يَجِدْ إزارًا لَبِسَ سَراويلَ؛ لأمْرِ رسولِ الله ﷺ بذلك كُلِّه.
(٨٥٦) ولا يَلْبَسُ ثَوْبًا مَسَّه زَعْفَرانٌ ولا وَرْسٌ ولا شيءٌ مِنْ الطيبِ.
(٨٥٧) ولا يُغَطِّي رأسَه، وله أن يُغَطِّيَ وجْهَه.
(٨٥٨) وإن احْتاج إلى تَغْطِيَة رأسِه ولُبْسِ ثوبٍ مخيطٍ أو خُفَّيْن، ففَعَل ذلك مِنْ شِدَّةِ بَرْدٍ أو حَرٍّ، وفَعَل ذلك كُلَّه في مكانِه .. كانتْ عليه فِدْيةٌ واحدةٌ، وإن فَرَّقَ ذلك شيئًا بعد شيءٍ .. كان عليه لكلِّ لُبْسَةٍ فِدْيةٌ (٣).
(٨٥٩) وإن احْتاج إلى حَلْقِ رأسِه فحَلَقَه .. فعليه فِدْيةٌ.
(٨٦٠) وإنْ تَطَيَّبَ ناسيًا .. فلا شيءَ عليه، وإنْ تَطَيَّبَ عامدًا .. فعليه الفديةُ، والفَرْقُ في المتَطَيِّبِ بين الجاهل والعالم: أنّ النبيَّ ﷺ أمَرَ الأعرابيَّ وقدْ أحْرَمَ وعليه خَلُوقٌ بنَزْعِ الجُبَّةِ وغَسْلِ الصُّفْرَةِ، ولم يَأمُرْه في الخبر بفديةٍ.
стр. 692
قال المزني (١): ليس (٢) في هذا دليلٌ أن ليس عليه فديةٌ إذْ (٣) لم تَكُنْ في الخبر، وهكذا رُوِي في الحديثِ عن النبيِّ ﷺ (٤) في الصائمِ يَقَعُ على امرأتِه، فقال له النبي ﷺ : «أعْتِقْ وافْعَلْ وافْعَلْ»، ولم يَذْكُر أنّ عليه القضاءَ، وأجْمَعُوا أنَّ عليه القضاءَ.
(٨٦١) قال الشافعي: وما شَمَّ مِنْ نَباتِ الأرْضِ ممّا لا يُتَّخَذُ طِيبًا، أو أكَلَ تُفّاحًا أو أتْرُجًّا، أو دَهَنَ جَسَدَه بغير طِيبٍ .. فلا فديةَ (٥).
(٨٦٢) وإن دَهَن رأسَه أو لحيتَه بدُهْنٍ غيرِ طيبٍ .. فعليه الفديةُ؛ لأنّه موضعُ الدُّهنِ وترجيلِ الشعرِ.
قال المزني: ويَدْهَنُ المحرمُ الشِّجاجَ بالزيتِ ومواضعَ ليس فيها شعرٌ مِنْ الرأسِ، ولا فديةَ عليه على قياس قوله (٦)، والقياسُ عندي: أنّه يجوز له الزيتُ بكلِّ حالٍ يَدْهُنُ به المحْرِمُ الشعرَ بغيرِ طيبٍ، ولا فديةَ (٧)؛ لأنه يأكُلُه، ولو كان فيه طِيبٌ ما أكلَه، فتَفَهَّمْه (٨).
стр. 693
(٨٦٣) قال الشافعي: وما أكَلَ مِنْ خَبِيصٍ فيه زَعْفَرانٌ يَصْبَغُ اللسانَ .. فعليه الفديةُ، وإنْ كان مُسْتَهْلَكًا (١) .. فلا فديةَ فيه.
(٨٦٤) والعُصْفُرُ ليس مِنْ الطيبِ.
(٨٦٥) وإنْ مَسَّ طِيبًا يابسًا لا يَبْقَى له أثَرٌ وإنْ بَقِيَ له رِيحٌ .. فلا فِدْيةَ.
(٨٦٦) قال الشافعي: وله أن يَجْلِسَ عند العَطّارِ ويَشْتَرِيَ الطِّيبَ ما لم يَمَسَّهُ شيءٌ مِنْ جَسَدِه، ويَجْلِسُ عند الكعبةِ وهي تُجَمَّرُ (٢).
(٨٦٧) وإنْ مَسَّها ولا يَعْلَمُ أنّها رَطْبَةٌ، فعَلِقَ بيَدِه طِيبٌ .. غَسَلَه، وإنْ تَعَمَّد ذلك .. افْتَدَى.
(٨٦٨) وإنْ حَلَقَ وتَطَيَّبَ عامدًا .. فعليه فِدْيَتان.
(٨٦٩) وإنْ حَلَقَ شَعْرَةً .. فعليه مُدٌّ، وإنْ حَلَقَ شَعْرَتَيْن .. فمُدَّان، وإنْ حَلَقَ ثلاثَ شَعْراتٍ .. فدَمٌ (٣)، وإنْ كانتْ مُتَفَرِّقَةً .. ففي كلِّ شَعْرَةٍ مُدٌّ، وكذلك الأظفارُ، والعمدُ فيهما والخطأُ سواءٌ.
стр. 694
(٨٧٠) ويَحْلِقُ المحْرِمُ شَعْرَ المُحِلِّ، وليس للمُحِلِّ أن يَحْلِقَ شَعْرَ المحْرِمِ، فإنْ فَعَلَ بأمرِ المحْرِمِ .. فالفديةُ على المحْرِمِ، وإنْ فَعَلَ بغيرِ أمرِه مُكْرَهًا كان أو نائمًا .. رَجَعَ على الحلالِ بفديةٍ وتَصَدَّق بها، فإن لم يَصِلْ إليه .. فلا فديةَ عليه.
قال المزني: وأصَبْتُ في سَماعِي منه ثُمّ خَطَّ عليه: أنّه يَفْتَدِي ثُمّ يَرْجِعُ بالفديةِ على المُحِلِّ، وهذا أشْبَهُ بمعناه عندي (١).
(٨٧١) قال الشافعي: ولا بأسَ بالكُحْلِ ما لم يَكُنْ فيه طيبٌ (٢)، فإنْ كان فيه طيبٌ .. افْتَدَى.
(٨٧٢) ولا بأسَ بالاغْتِسالِ ودُخولِ الحمّامِ، اغْتَسَل النبيُّ ﷺ وهو مُحْرِمٌ، ودَخَل ابنُ عبّاسٍ حمّامَ الجُحْفَةِ وقال: «ما يَعْبَأ اللهُ بأوْساخِكُم شيئًا» (٣).
стр. 695
(٨٧٣) قال: ولا بأسَ أن يَقْطَعَ العِرْقَ ويَحْتَجِمَ ما لم يَقْطَعْ شَعْرًا؛ احْتَجَم النبيُّ ﷺ مُحْرِمًا.
(٨٧٤) قال: ولا يَنْكِحُ المحْرِمُ ولا يُنْكِحُ؛ لأنّ النبيَّ ﷺ نَهَى عن ذلك، فإن نَكَحَ أو أنْكَحَ فالنكاحُ فاسدٌ.
(٨٧٥) قال: ولا بأسَ أن يُراجِعَ امْرَأتَه إذا طَلَّقَها طَلْقَةً ما لم تَنْقَضِ العِدَّةُ.
(٨٧٦) ويَلْبَسُ المحْرِمُ المِنْطَقَةَ للنّفَقَةِ، ويَسْتَظِلُّ في المِحْمَلِ ونازِلًا بالأرضِ (١).
(١٠٣)
стр. 696
باب دخول مكة (١)(٨٧٧) قال الشافعي: وأحِبُّ للمُحْرِمِ أن يغْتَسِلَ مِنْ ذِي طُوًى لدُخولِ مكةَ، ويَدْخُلُ مِنْ ثَنِيَّةِ كَدَاءَ (٢)، وتَغْتَسِلُ المرأةُ الحائضُ (٣)؛ لأمْرِ رسولِ الله ﷺ أسماءَ بذلك، وقولِه للحائضِ: «افْعَلِي ما يَفْعَلُ الحاجُّ غيرَ أن لا تَطُوفِي بالبيتِ».
(٨٧٨) قال: وإذا رَأى البيتَ قال: «اللّهُمّ زِدْ هذا البيتَ تَشْرِيفًا وتعظيمًا وتكريمًا ومَهابةً، وزِدْ مَنْ شَرَّفَه وعَظَّمَه ممَّنْ حَجَّه واعْتَمَرَه تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا ومهابةً (٤)»، ويَقولُ: «اللّهُمّ أنت السّلامُ، ومنك
стр. 697
السّلامُ، فحَيِّنا ربَّنا بالسّلامِ» (١).
(٨٧٩) ويَفْتَتِحُ الطوافَ (٢) باسْتِلامِ الحَجَرِ (٣)، فيُقَبِّلُ الرُّكْنَ الأسْوَدَ، ويَسْتَلِمُ اليَمانِيَ بيَدِه ويُقَبِّلُها ولا يُقَبِّلُه؛ لأنّى لم أعْلَمْه رُوِيَ عن رسولِ الله ﷺ أنّه قَبَّل إلّا الحجرَ الأسْوَدَ واسْتَلَم اليمانيَ، وأنّه ﵇ لم يُعَرِّجْ على شيءٍ دون الطّوافِ.
(٨٨٠) قال: ولا يَبْتَدِئ بشيءٍ غيرِ الطوافِ، إلّا أن يَجِدَ الإمامَ في مَكْتوبَةٍ أو يَخافَ فَوْتَ فَرْضٍ أو رَكْعَتَي الفجرِ.
(٨٨١) قال: ويَقولُ عند ابْتِدائِه الطوافَ والاسْتِلامَ: «باسْمِ الله واللهُ أكْبَرُ، اللّهُمّ إيمانًا بك، وتَصْديقًا بكتابِك، ووفاءً بعَهْدِكَ، واتِّباعَ سُنَّةِ نبيِّك محمدٍ ﷺ ».
(٨٨٢) ويَضْطَبِعُ للطوافِ؛ لأنّ النبيَّ ﷺ اضْطَبَع حين طاف، ثُمّ عمرَ (٤) - قال: و «الاضْطِباعُ»: أن يشْتَمِلَ برِداءٍ على مَنْكِبِه الأيْسَرِ، مِنْ تحت
стр. 698
مَنْكِبِه الأيْمَنِ (١) - فيَكونُ مَنْكِبُه الأيْمَنُ مَكْشُوفًا حتّى يُكْمِلَ سَعْيَه (٢).
(٨٨٣) والاسْتِلامُ في كُلِّ وِتْرٍ أحَبُّ إليَّ منه في كُلِّ شَفْعٍ.
(٨٨٤) قال: ويَرْمُلُ ثلاثًا، ويَمْشِي أربعًا، ويَبْتَدِئ الطوافَ مِنْ الحَجَر الأسْودِ، فيَرْمُل ثلاثًا؛ لأنّ النبيّ ﷺ رَمَلَ مِنْ الحَجَرِ الأسْوَدِ حتّى انْتَهَى إليه ثلاثًا.
(٨٨٥) و «الرَّمَلُ»: هو الخَبَبُ، لا شِدَّةُ السّعْيِ (٣).
(٨٨٦) والدُّنُوُّ مِنْ البيتِ أحَبُّ إليَّ.
(٨٨٧) وإن لم يُمْكِنْه الرَّمَلُ فكان إنْ وَقَفَ وَجَدَ فُرْجَةً .. وَقَفَ ثُمّ رَمَلَ (٤)، وإن لم يُمْكِنْه أحْبَبْتُ أن يَصِيرَ في حاشِيَةِ في الطوافِ (٥)، إلّا أن
стр. 699
يَمْنَعَه (١) كَثْرَةُ النساءِ، فيَتَحَرَّكُ حَرَكَةَ مَشْيِه مُتَقارِبًا، ولا أحِبُّ أنْ يَثِبَ مِنْ الأرضِ.
(٨٨٨) وإنْ تَرَكَ الرَّمَلَ في الثّلاثِ لم يَقْضِ في الأربعِ، وإنْ تَرَكَ الاضْطِبَاعَ والرَّمَلَ والاسْتِلامَ .. فقد أساءَ ولا شيءَ عليه.
(٨٨٩) وكُلَّما حاذَى الحَجَرَ الأسْوَدَ كَبَّرَ، وقال في رَمَلِه: «اللَّهُمّ اجْعَلْه حَجًّا مَبْرُورًا، وسَعْيًا مَشْكُورًا» (٢)، ويَقولُ في سَعْيِه (٣): «اللَّهُمّ اغْفِرْ وارْحَمْ واعْفُ عمّا تَعْلَمُ، وأنت الأعَزُّ الأكرمُ، اللَّهُمّ آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرةِ حسنةً، وقِنا عذابَ النارِ»، ويَدْعُو فيما بين ذلك بما أحَبَّ مِنْ دِينٍ ودُنْيا.
(٨٩٠) ولا يُجْزِئ الطوافُ إلا بما تُجْزِئ به الصلاةُ مِنْ الطهارةِ مِنْ الحَدَثِ وغَسْلِ النَّجَسِ، فإنْ أحْدَثَ .. تَوَضَّأ وابْتَدَأ، وإنْ بَنَى على طَوافِه .. أجْزَأه (٤).
стр. 700
(٨٩١) وإنْ طافَ فسَلَكَ الحِجْرَ، أو على جِدارِ الحِجْرِ، أو على شاذَرْوانِ الكَعْبةِ .. لم يُعْتَدَّ به في الطوافِ.
قال المزني (١): «الشّاذَرْوانُ» عندي: تأزِيرُ البيتِ (٢) خارجًا عنه، وأحْسَبُه على أساسِ البيتِ؛ لأنّه لو كان مُبايِنًا لأساسِ البيتِ لأجْزَأه الطوافُ عليه.
(٨٩٢) قال الشافعي: وإنْ نَكَسَ الطوافَ .. لم يُجْزِئه بحالٍ.
(٨٩٣) قال: فإذا فَرَغَ صَلّى رَكْعَتَيْن خلف المَقامِ (٣)، يَقْرَأ في الأُولَى بأمِّ القرآن و ﴿قل يا أيها الكافرون﴾، وفي الأُخْرَى بأمِّ القرآن و ﴿قل هو الله أحد﴾.
(٨٩٤) ثُمّ يُعَوِّلُ إلى الرُّكْنِ فيَسْتَلِمُه، ثُمّ يَخْرُجُ مِنْ باب الصَّفا، فيَرْقَى عليها، فيُكَبِّرُ ويُهَلِّلُ ويَدْعُو اللهَ فيما بين ذلك بما أحَبَّ مِنْ دِينٍ ودُنْيا، ثُمّ يَنْزِلُ فيَمْشِي، حتّى إذا كان دون المِيلِ الأخْضَرِ المعَلَّقِ في رُكْنِ المسْجِدِ بنَحْوِ سِتَّةِ أذْرُعٍ يَسْعَى سَعْيًا شَدِيدًا، حتّى يُحاذِيَ المِيلَيْن الأخْضَرَيْن اللَّذَيْن بفِناءِ المسجدِ ودارِ العبّاسِ، ثُمّ يَمْشِي حتّى يَرْقَى على المَرْوَةِ، فيَصْنَعُ عليها كما صَنَعَ على الصَّفا، حتّى يُتِمَّ سَبْعًا، يَبْدَأ بالصَّفا ويَخْتِمُ بالمَرْوَةِ (٤).
стр. 701
(٨٩٥) فإنْ كان مُعْتَمِرًا وكان معه هَدْيٌ .. نَحَرَ وحَلَقَ أو قَصَّرَ، والحَلْقُ أفْضلُ، وقد فَرَغَ مِنْ العمرةِ.
(٨٩٦) ولا يَقْطَعُ المعْتَمِرُ التّلْبِيَةَ حتّى يَفْتَتِحَ الطّوافَ مُسْتَلِمًا أو غيرَ مُسْتَلِمٍ، وهو قولُ ابنِ عباسٍ.
(٨٩٧) قال: وليس على النساءِ حَلْقٌ، ولكنْ يُقَصِّرْنَ.
(٨٩٨) وإنْ كان حاجًّا أو قارِنًا أجْزَأه طوافٌ واحدٌ لحَجِّه وعُمْرَتِه (١)؛ لقَوْلِ النّبِيّ ﷺ لعائشةَ وكانت قارنًا (٢): «طوافُكِ يَكْفِيكِ لحَجِّكِ وعمرتِكِ»، غيرَ أنّ على القارنِ الهَدْيَ لقِرانِه، ويُقِيمُ على إحرامِه حتّى يُتِمَّ حَجَّه مع إمامِه.
(٨٩٩) قال: ويخْطُبُ الإمامُ يومَ السّابِعِ مِنْ ذي الحِجَّة بعد الظُّهْرِ بمكةَ، ويأمُرُهُم بالغُدُوِّ مِنْ الغَدِ إلى مِنًى ليُوَافيَ (٣) الظُّهْرَ بمِنًى، فيُصَلِّي بها مع الإمامِ الظُّهْرَ والعَصْرَ والمغْرِبَ والعِشاءَ الآخِرَةَ والصُّبْحَ مِنْ الغَدِ.
(٩٠٠) ثُمّ يَغْدُو إذا طَلَعَتْ الشَّمْسُ إلى عَرَفَةَ وهو على تَلْبِيَتِه، فإذا زالت الشَّمْسُ صَعِدَ الإمامُ فجَلَس على المنْبَرِ، فخَطَبَ الخُطْبَةَ الأُولَى، فإذا جَلَسَ أخَذَ المُؤَذِّنُون في الأذانِ، وأخَذَ هو في الكلامِ، وخَفَّفَ الكلامَ الآخِرَ حتّى يَنْزِلَ بقَدْرِ فَراغِ المُؤَذِّنِ مِنْ الأذانِ، ويقيم المُؤَذِّن ويُصَلِّي الظُّهْرَ، ثُمّ يُقِيمُ فيُصَلِّي العَصْرَ، ولا يَجْهَرُ بالقراءةِ.
(٩٠١) ثُمّ يَرْكَبُ فيَرُوحُ إلى الموْقِفِ عند الصَّخَراتِ، ثُمّ يَسْتَقْبِلُ القِبْلةَ بالدُّعاءِ، وحَيْثُما وَقَفَ الناسُ مِنْ عَرَفَةَ أجْزَأهُم؛ لأنّ النبيَّ ﷺ قال: «هذا
стр. 702
الموْقِفُ، وكُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ» (١).
(٩٠٢) وأحِبُّ للحاجِّ تَرْكَ صَوْمِ يومِ عَرَفَةَ؛ لأنّ النبيَّ ﷺ لم يَصُمْه، وأرَى أنّه أقْوَى على الدعاءِ، وأفْضَلُ الدُّعاءِ يومُ عَرَفَةَ (٢).
(٩٠٣) فإذا غَرَبَتْ الشَّمسُ دَفَعَ الإمامُ وعليه الوَقارُ والسَّكِينةُ، فإذا (٣) وَجَدَ فُرْجَةً أسْرَعَ، فإذا أتى المزْدَلِفَةَ (٤) جَمَعَ مع الإمامِ المغْرِبَ والعِشاءَ بإقامَتَيْن؛ لأنّ النبيَّ ﷺ صَلّاهما بها ولم يُنادِ في واحدةٍ منهما إلّا بإقامةٍ، ولا يُسَبِّحُ بينهما ولا على إثْرِ واحدةٍ منهما.
(٩٠٤) ويَبِيتُ بها، فإن لم يَبِتْ بها فعليه دمُ شاةٍ، وإنْ خَرَج منها بعد نِصْفِ اللّيْلِ فلا فديةَ، قال ابنُ عباس: «كُنْتُ فيمَن قَدَّمَ رسولُ الله ﷺ مع (٥) ضَعَفَةِ أهْلِه»؛ يعني: مِنْ مُزْدَلِفَةَ إلى مِنًى.
стр. 703
(٩٠٥) قال: ويَأخُذُ منها الحَصَى للرَّمْيِ، تكون قَدْرَ حَصَى الخَذْفِ (١)؛ لأنّ بقَدْرِها رَمَى رسولُ الله ﷺ ، ومِن حيْثُ أخَذَ .. أجْزَأه إذا وَقَعَ عليه اسْمُ حَجَرٍ، مَرْمَرٍ، أو بِرامٍ، أو كَذّان، أو فِهْرٍ (٢)، وإنْ كان كُحْلًا أو زِرْنِيخًا أو ما أشْبَهَه .. لم يُجْزِئه.
(٩٠٦) وإنْ رَمَى بما قد رُمِيَ به مرةً .. كَرِهْتُه وأجْزَأ عنه.
(٩٠٧) ولو رَمَى فوَقَعَتْ حَصاةٌ على مَحْمَلٍ ثُمّ اسْتَنَّتْ (٣) فوَقَعَتْ في مَوْضِعِ الحَصَى .. أجْزَأه، وإنْ وَقَعَتْ في ثَوْبِ رَجُلٍ فنَفَضَها .. لم يُجْزِئه.
(٩٠٨) فإذا أصْبَحَ صَلَّى الصُّبْحَ في أوَّلِ وَقْتِها، ثُمّ يَقِفُ على قُزَحَ حتّى يُسْفِرَ قبل طلوع الشّمسِ، ثُمّ يَدْفَعُ إلى مِنًى، فإذا صارَ في بَطْنِ مُحَسِّرٍ حَرَّكَ دابَّتَه قَدْرَ رَمْيَةٍ بحَجَرٍ.
(٩٠٩) فإذا أتَى مِنًى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَة (٤)
стр. 704
في (١) بَطْنِ الوادي بسَبْعِ حَصَياتٍ، ويَرْفَعُ (٢) كُلَّما رَمَى حتّى يُرَى بَياضُ ما تحت مَنْكِبِه، ويُكَبِّرُ مع كلِّ حَصاةٍ.
(٩١٠) وإنْ رَمَى قبلَ الفَجْرِ بعد نِصْفِ الليلِ أجْزَأ عنه؛ لأنّ رسولَ الله ﷺ أمَرَ أمَّ سَلمَةَ أنْ تُعَجِّلَ الإفاضَةَ (٣) وتُوافِيَ صلاةَ الصُّبْحِ بمَكَّةَ وكان يَوْمَها، فأحَبَّ أن تُوافِيَه ﷺ ، ولا يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ رَمَتْ إلّا قبل الفَجْرِ.
(٩١١) ثُمّ يَنْحَرُ الهَدْيَ إن كان معه، ثُمّ يَحْلِقُ أو يُقَصِّرُ، ويَأكُل مِنْ لحْمِ هَدْيِه، وقد حَلَّ مِنْ كلِّ شيءٍ إلّا النساءَ فقط.
(٩١٢) ولا يَقْطَعُ التّلْبِيَةَ حتّى يَرْمِيَ الجَمْرَةَ بأوّلِ حَصاةٍ؛ لأنّ النبيّ ﷺ لم يَزَلْ يُلَبِّي حتّى رَمَى الجَمْرَةَ، وعُمَرُ وابنُ عبّاسٍ وعطاءٌ وطاوسٌ ومجاهدٌ لم يَزالُوا يُلَبُّون حتّى رَمَوا الجمرةَ.
(٩١٣) قال: ويَتَطَيَّبُ إنْ شاء لحِلِّه قبْلَ أن يَطُوفَ بالبيتِ؛ لأنّ النبيَّ ﷺ تَطَيَّبَ لحِلِّه قبْلَ أن يَطُوفَ بالبيتِ.
(٩١٤) ويَخْطُبُ الإمامُ بعد الظُّهْرِ يومَ النّحْرِ، ويُعَلِّمُ الناسَ النّحْرَ والرّمْيَ والتّعْجِيلَ لمن أراد في يَوْمَيْن بعد النّحْرِ.
(٩١٥) ومَنْ حَلَقَ يومَ النحرِ قبْلَ أن يَذْبَحَ، أو نَحَرَ قبْلَ أن يَرْمِيَ، أو قَدَّمَ الإفاضةَ على الرَّمْيِ، أو قَدَّمَ نُسُكًا قبل نُسُكٍ مما يُعْمَلُ يومَ النّحْرِ ..
стр. 705
فلا حَرَجَ ولا فِدْيَةَ، واحْتَجَّ بأنّ النبيّ ﷺ ما سُئِلَ يومئذٍ عن شيءٍ قُدِّمَ ولا أخِّرَ إلّا قال: «افْعَلْ ولا حَرَجَ».
(٩١٦) ويَطُوفُ بالبيتِ طَوافَ الفَرْضِ، وهي الإفاضَةُ، وقد حَلَّ مِنْ كُلِّ شيءٍ؛ النساءِ وغيرِهن.
(٩١٧) ثُمّ يَرْمِي أيامَ مِنًى الثلاثةَ، في كلِّ يومٍ إذا زالت الشّمْسُ الجمرةَ الأُولَى بسبعِ حَصَياتٍ، والثانيةَ بسبعٍ، والثالثةَ بسبعٍ، وإنْ رَمَى بحصاتَيْن أو ثلاثٍ في مرّةٍ واحدةٍ .. فهو كواحدةٍ.
(٩١٨) وإن نَسِيَ مِنْ اليومِ الأوّلِ شيئًا مِنْ الرّمْيِ رماه في اليومِ الثاني، وما نَسِيَه في اليومِ الثاني .. رماه في اليومِ الثالثِ (١).
(٩١٩) قال: ولا بأسَ إذا رَمَى الرُّعاةُ الجمرةَ يومَ النّحرِ أن يَصْدُرُوا، ويَدَعُوا المبيتَ بمِنًى في لَيْلَتِهم، ويَدَعُوا الرّمْيَ مِنْ الغَدِ يومَ النّحرِ، ثُمّ يَأتُوا مِنْ بعدِ الغَدِ - وهو يومُ النَّفْرِ الأوّلُ (٢) - فيَرْمُوا لليومِ الماضِي، ثُمّ يَعُودُوا فيَسْتَأنِفُوا يومَهم ذلك.
(٩٢٠) ويَخْطُبُ الإمامُ بعد الظُّهْرِ يومَ الثالثِ مِنْ يومِ النّحْرِ وهو النَّفْرُ الأوّلُ، فيُوَدِّعُ الحاجَّ، ويُعَلِّمُهُم أنّ مَنْ أراد التّعْجِيلَ فذلك له، ويَأمُرُهُم أن يَخْتِمُوا حَجَّهُم بتقوى الله وطاعتِه واتباعِ أمْرِه.
стр. 706
(٩٢١) فمَن لم يَتَعَجَّلْ حتّى يُمْسِيَ .. رَمَى مِنْ الغَدِ، فإذا غَرَبَتْ الشّمسُ انْقَضَتْ أيّامُ مِنًى.
(٩٢٢) وإن تَدَارَكَ عليه رَمْيان (١) في أيّامِ مِنًى .. ابْتَدَأ الأوّلَ حتّى يَكْمُلَ، ثُمّ عاد فابْتَدَأ الآخِرَ، ولم يُجْزِئه أن يَرْمِيَ أرْبَعَ عَشْرَةَ حَصَاةً في مَقامٍ واحدٍ.
(٩٢٣) فإنْ أخّرَ ذلك حتّى تَنْقَضِيَ أيّامُ الرّمْيِ، وتَرَكَ حَصاةً .. فعليه مُدُّ طَعامٍ بمُدِّ النبيّ ﷺ لمسكينٍ، وإنْ كانتْ حَصاتَيْن (٢) .. فمُدّانِ لمسْكِينَيْنِ، وإن كانتْ ثلاثَ حَصَياتٍ .. فدَمٌ (٣).
(٩٢٤) وإنْ تَرَكَ المبيتَ (٤) ليلةً مِنْ لَيالي مِنًى .. فعليه مُدٌّ، وإنْ تَرَكَ لَيْلَتَيْن .. فعليه مُدّانِ، وإنْ تَرَكَ ثلاثَ لَيالٍ .. فدَمٌ (٥).
(٩٢٥) والدّمُ شاةٌ يَذْبَحُها لمساكينِ الحَرَمِ.
(٩٢٦) ولا رُخْصَةَ في تَرْكِ المبِيتِ بمِنًى إلّا لرُعاةِ الإبِلِ وأهلِ سِقايةِ
стр. 707
العبّاسِ دُون غيرِها، ولا رُخْصَةَ فيها إلّا لمَنْ وَلِيَ القِيامَ عليها منهم، وسَواءٌ مَنْ اسْتُعْمِلوا عليها منهم أو مِنْ غيرِهم؛ لأنّ النبيَّ ﷺ أرْخَصَ لأهلِ السِّقايةِ مِنْ أهلِ بَيْتِه أن يَبِيتُوا بمكةَ ليالي مِنًى.
(٩٢٧) ويَفْعَلُ الصّبيُّ (١) في كُلِّ أمْرِه ما يَفْعَلُ الكبيرُ، وما عَجَزَ عنه الصَّبِيُّ مِنْ الطّوافِ والسّعْيِ حُمِلَ وفُعِلَ ذلك به، ويَجْعَلُ الحَصَى في يَدِه ليَرْمِيَ، فإنْ عَجَزَ رُمِيَ عنه.
(٩٢٨) وليس على الحاجِّ بعد فَراغِه مِنْ الرَّمْيِ أيّامَ مِنًى إلّا وَداعُ البيتِ (٢)، فيُوَدِّعُ البيتَ، ثُمّ يَنْصَرِفُ إلى بَلَدِه، والوَداعُ: الطَّوافُ بالبيتِ، ويَرْكَعُ رَكْعَتَيْن بعدَه، فإن لم يَطُفْ وانْصَرَفَ .. فعليه دَمٌ لمساكينِ الحَرَمِ (٣).
(٩٢٩) وليس على الحائضِ وَداعٌ؛ لأنّ رسولَ الله ﷺ رَخَّصَ لها أنْ تَنْفِرَ بلا وَداعٍ.
(٩٣٠) وإذا أصابَ المحْرِمُ امْرَأتَه المحْرِمَةَ فغَيَّبَ الحَشَفَةَ ما بين أن يُحْرِمَ إلى أن يَرْمِيَ الجَمْرَةَ .. فقد أفْسَدَ حَجَّه، وسواءٌ وَطِئَ مَرَّةً أو مَرَّتَيْن؛ لأنّه فَسادٌ واحدٌ (٤)، وعليه الهَدْيُ
стр. 708
بَدَنَةٌ (١)، وحَجُّ قابلٍ بامْرأتِه، ويُجْزِئ عنهما هَدْيٌ واحدٌ (٢)، وما تَلَذَّذَ منها دُون الجِماعِ .. فشاةٌ تُجْزِئه.
(٩٣١) فإن لم يَجِد المفْسِدُ بَدَنَةً .. فبَقَرَةٌ، فإن لم يَجِدْ .. فسَبْعًا مِنْ الغَنَمِ، فإن لم يَجِدْ .. قُوِّمَت البَدَنَةُ دَراهِمَ بمَكَّةَ، والدّراهمُ طعامًا، فإن لم يَجِدْ .. صام عن كُلِّ مُدٍّ يومًا (٣).
(٩٣٢) وهكذا كُلُّ واجبٍ عليه فعَسُرَ به مما (٤) لم يَأتِ فيه (٥)
стр. 709
نَصُّ خَبَرٍ (١).
(٩٣٣) ولا يَكُونُ الطعامُ والهدْيُ إلّا بمكةَ أو مِنًى، والصومُ حيثُ شاء؛ لا مَنْفَعَةَ لأهْلِ الحَرَمِ في الصومِ.
(٩٣٤) ومَن وَطِئَ أهْلَهُ بعد رَمْيِ الجِمارِ .. فعليه بَدَنَةٌ، ويَتِمُّ حَجُّه.
قال المزني: قرأتُ عليه هذه المسألة، قلت أنا (٢): إن لم تَكُنْ البَدَنَةُ إجماعًا أو أصْلًا .. فالقياسُ شاةٌ؛ لأنّها هَدْيٌ عندي (٣).
(٩٣٥) قال الشافعي: ومَن أفْسَدَ العمرةَ .. فعليه القضاءُ مِنْ الميقاتِ الذي ابْتَدَأها منه، فإن قيل: فقد أمَرَ النبيُّ ﷺ عائشةَ أن تَقْضِيَ العمرةَ مِنْ التَّنْعِيمِ .. فليس كما قال، إنّما كانتْ قارنًا (٤)، وكانتْ عمرتُها شَيْئًا اسْتَحَبَّتْه، فأمَرَها (٥) النبيُّ ﷺ بها، لا أنّ عمرتَها كانتْ قضاءً؛ لقولِ رسولِ الله ﷺ لها: «طوافُكِ يَكْفِيكِ لحَجِّكِ وعمرتِك».
(٩٣٦) قال: ومَن أدْرَك عَرَفَةَ قبل الفجرِ مِنْ يومِ النحرِ .. فقد أدْرَكَ الحجَّ، واحْتَجّ في ذلك بقولِ النبيِّ ﷺ : «مَنْ أدْرَكَ عَرَفَةَ قبل الفجرِ مِنْ
стр. 710
يومِ النحرِ فقد أدْرَكَ الحجَّ» (١).
(٩٣٧) قال الشافعي: ومَن فاتَه ذلك .. فاته الحجُّ، فآمُرُه (٢) أن يُحِلَّ بطوافٍ وسَعْيٍ وحِلاقٍ (٣).
(٩٣٨) قال: وإن حَلَّ بعملِ عمرةٍ .. فليس أنّ حَجَّه صار عمرةً، وكيف يَصِيرُ عمرةً وقد ابْتَدَأه حَجًّا؟!
قال المزني: إذا كان عَمَلُه عنده عَمَلَ حَجٍّ لم يَخْرُجْ منه إلى عمرةٍ، فقياسُ قولِه أن يأتيَ بباقي الحجِّ، وهو المبيتُ بمِنًى والرَّمْيُ بها مع الطوافِ والسَّعْيِ، وتأوُّلُ قولِ عمرَ: «افْعَلْ ما يَفْعَلُ المعتمِرُ» إنّما أراد أنّ الطوافَ والسعيَ مِنْ عملِ العمرةِ (٤)، لا أنّها عمرةٌ (٥).
стр. 711
(٩٣٩) قال الشافعي: ولا يَدْخُلُ مكةَ إلّا بإحرامٍ في حجٍّ أو عمرةٍ (١)؛ لمباينتِها جميعَ البُلْدانِ، إلّا أنّ مِنْ أصحابِنا مَنْ رَخَّصَ للحَطّابِين ومَن مَدْخَلُه لمنافعِ أهلِها أو كَسْبِ نفسِه (٢)، قال الشافعي: ولعلّ حطّابِيهم عَبِيدٌ.
(٩٤٠) ومَنْ دَخَلَها بغيرِ إحْرامٍ فلا قضاءَ عليه (٣).
стр. 712
(١٠٤)
باب فَوْت الحج بلا إحصار (١)(٩٤١) قال الشافعي: أخبرنا أنس بن عِياضٍ، عن موسى بن عُقْبة، عن نافعٍ، عن ابن عمر أنّه قال: «مَنْ لم يُدْرِكْ عَرَفَةَ قبل الفجرِ فقد فاته الحجُّ، فلْيَأتِ البيتَ فلْيَطُفْ به، ويَسْعَى بين الصفا والمروةِ، ثُمّ لْيَحْلِقْ أو يُقَصِّرْ إنْ شاء، وإنْ كان معه هَدْيٌ فلْيَنْحَرْه قبل أن يَحْلِقَ، ويَرْجِعُ إلى أهلِه، فإذا أدْرَكَ الحجَّ قابلًا فلْيَحْجُجْ ولْيُهْدِ».
(٩٤١) ورُوِيَ هذا (٢) عن عُمَرَ أنّه قال لأبي أيُّوبَ وقد فاته الحجُّ: «اصْنَعْ ما يَصْنَعُ المعْتَمِرُ ثُمّ قد حَلَلْتَ، فإذا أدْرَكْتَ الحجَّ قابلًا فاحْجُجْ وأهْدِ ما اسْتَيْسَرَ مِنْ الهَدْيِ»، وقال عمرُ أيضًا لهبّار بن الأسْوَدِ مثلَ معنى ذلك وزاد: «فإن لم تَجِدْ هَدْيًا فصِيامُ ثلاثةِ أيّامٍ في الحجِّ وسَبْعَةٍ إذا رَجَعَ»، قال الشافعي: فبهذا كله نأخذ، قال: وفي حديث عمرَ دَلالةٌ أنّه اسْتَعْمَلَ أبا أيُّوبَ عَمَلَ المعْتَمِرِ، لا أنّ إحرامَه صار عمرةً (٣).
стр. 713
(١٠٥)
باب حج الصبي يبلغ، والمملوك يعتق، والذمي يُسلِم
(٩٤٢) قال الشافعي: وإذا بَلَغَ غُلامٌ، أو أُعْتِقَ عَبْدٌ، أو أسْلَمَ ذِمِّيٌّ وقد أحْرَمُوا، ثُمَّ وافَوْا عَرَفَةَ قبل طُلوعِ الفجرِ مِنْ يومِ النّحْرِ .. فقد أدْرَكُوا الحَجَّ، وعليهم دَمٌ.
وقال في موضع آخر: «إنّه لا يَبِينُ لي أنّ الغلامَ والعبدَ عليهما في ذلك دَمٌ، وأُوْجِبُه على الكافرِ؛ لأنَّ إحْرامَه قبل عَرَفَةَ وهو كافرٌ ليس بإحرامٍ، والإسْلامُ يَجُبُّ (١)»، قال المزني: فإذا لم يَبِنْ عنده أنّ على العبدِ والصبيِّ دمًا وهما مُسْلِمان .. فالكافرُ أحَقُّ أن لا يَكُونَ عليه دَمٌ؛ لأنّ إحْرامَه مع الكُفرِ ليس بإحْرامٍ، والإسلامُ يَجُبُّ ما كان قَبْلَه، وإنّما وَجَبَ عليه الحجُّ مع الإسلامِ بعَرَفاتٍ، فكأنّها مَنْزِلُه، أو كرجلٍ صار إلى عَرَفَةَ لا يُرِيدُ حَجًّا ثُمّ أحْرَمَ، وكمَن جاوز الميقاتَ لا يُرِيدُ حَجًّا ثُمّ أحْرَمَ، فلا دمَ عليه، وكذلك يَقُولُ (٢).
(٩٤٣) قال الشافعي: ولو أفْسَدَ العبدُ حَجَّه قبل عَرَفَةَ ثُمّ أعْتِقَ، والمُراهِقُ (٣) بوَطْءٍ قبل عَرَفَةَ ثُمّ احْتَلَمَ ..
стр. 714
أتمّا (١)، ولم يُجْزِ عنهما مِنْ حَجَّةِ الإسلامِ؛ لأنّه رُوِيَ عن رسول الله ﷺ أنّ امرأةً رَفَعَتْ إليه مِنْ مِحَفَّتِها (٢) صَبِيًّا، فقالتْ: يا رسولَ الله، ألهذا حَجٌّ؟ قال: «نعم، ولك أجْرٌ»، قال: وإذا جَعَل له حَجًّا فالحاجُّ إذا جامَعَ أفْسَدَ حَجَّه.
قال المزني: قلت أنا (٣): وكذلك في مَعْناه عندي (٤) يُعِيدُ ويُهْدِي؛ يَعْنِي: العبد (٥).
(٩٤٤) قال الشافعي: وإذا أحْرَمَ العَبْدُ بغير إذْنِ سَيِّدِه .. أحْبَبْتُ أن يَدَعَه، فإن لم يَفْعَلْ .. فله حَبْسُه، وفيه قولان: أحدهما - تُقَوَّمُ الشاةُ دراهمَ، والدراهمُ طعامًا، ثُمّ يَصُومُ عن كل مُدٍّ يومًا، ثُمّ يُحِلُّ، والآخر - لا شيءَ عليه حتّى يُعْتَقَ، فيكونُ عليه شاةٌ.
قال المزني: أوْلى بقولِه وأشْبَهُ عندي (٦) بمَذْهَبِه أن يُحِلَّ، ولا يُظْلَمُ مَوْلاه بغَيْبَتِه ومَنْعِ خِدْمَتِه، فإذا أُعْتِقَ أراقَ دَمًا، في معناه (٧).
(٩٤٥) قال الشافعي: ولو أذِنَ له أن يَتَمَتَّعَ فأعْطاه دَمًا لتَمَتُّعِه .. لم
стр. 715
يُجْزِئ عنه إلّا الصومُ ما كان مملوكًا (١)، ويُجْزِئ أن يُعْطَى عنه مَيِّتًا كما يُعْطَى عن مَيِّتٍ قضاءً؛ لأنّ النبيّ ﷺ أمَرَ سَعْدًا أن يَتَصَدَّقَ عن أمِّه بعد مَوْتِها.
стр. 716
(١٠٦)
باب من أَهلَّ بحَجَّتين أو عمرتين
(٩٤٦) قال الشافعي: ومَن أهَلَّ بحَجَّتَيْن معًا، أو بحَجٍّ ثُمّ أدْخَلَ عليه حَجًّا آخَرَ، أو بعُمْرَتَيْن معًا، أو بعمرةٍ ثُمّ أدْخَلَ عليها أخْرَى .. فهو حَجٌّ واحدٌ وعمرةٌ واحدةٌ، ولا قضاءَ عليه ولا فديةَ.
قال المزني: لا يَخْلُو مِنْ أن يَكُون في حَجَّتَيْن أو حَجَّةٍ، فإذا أجْمَعُوا أنّه لا يَعْمَلُ عَمَلَ حَجَّتَيْن في حالٍ، ولا عُمْرَتَيْن ولا صَوْمَيْن في حالٍ .. دَلَّ على أنّه لا معنَى إلّا لواحدةٍ منهما، وبَطَلَت الأخْرَى.
стр. 717
(١٠٧)
باب الإجارة على الحج، والوصية به
(٩٤٧) قال الشافعي: ولا يَجُوزُ أن يَسْتَأجِرَ الرّجُلُ مَنْ يَحُجُّ عنه إذا لم يَقْدِرْ على مَرْكَبٍ لضَعْفِه وكِبَرِه (١) إلّا بأن يَقُولَ: «يُحْرِمُ عنه مِنْ مَوْضِعِ كذا» (٢).
(٩٤٨) وإنْ وَقَّتَ له وَقْتًا فأحْرَمَ قبله .. فقد زادَه خيرًا (٣)، وإنْ تَجاوَزَه قبل أن يُحْرِمَ فرَجَعَ مُحْرِمًا .. أجْزَأه، وإن لم يَرْجِعْ .. فعليه دَمٌ مِنْ مالِه، ويَرُدُّ مِنْ الأجْرَةِ بقَدْرِ ما تَرَكَ (٤).
(٩٤٩) وما وَجَبَ عليه مِنْ شيءٍ يَفْعَلُه .. فمِن مالِه، دون مالِ المستأجِرِ، فإنْ أفْسَدَ حَجَّهُ .. أفْسَدَ إجارَتَه، وعليه الحَجُّ لِما أفْسَدَ عن
стр. 718
نَفْسِه (١)، ولو لم يُفْسِدْ .. فماتَ قبلَ أن يُتِمَّ الحَجَّ .. فله بقَدْرِ عَمَلِه (٢).
(٩٥٠) ولا يُحْرِمُ عن رجلٍ (٣) إلّا مَنْ قد حَجَّ مرَّةً.
(٩٥١) ولو أوْصَى أن يَحُجَّ عنه وارثٌ، ولم يُسَمِّ شيئًا .. أُحِجَّ عنه بأقَلِّ ما يُوجَدُ أحَدٌ يَحُجُّ به، فإن لم يَقْبَلْ .. أُحِجَّ عنه غيرُه.
(٩٥٢) ولو أوْصَى لرجُلٍ بمائةِ دينارٍ يَحُجُّ بها عنه، فما زاد على أجْرِ مِثْلِه فهو وَصِيَّةٌ، فإن امْتَنَع .. لم يَحُجَّ عنه أحدٌ إلّا بأقلِّ ما يُوجَدُ به مَنْ يَحُجُّ عنه.
стр. 719
(١٠٨)
باب قتل المحرم الصيدَ عمدًا أو خطأ
(٩٥٣) قال الشافعي: وعلى مَنْ قَتَلَ الصّيْدَ الجَزاءُ، عَمْدًا كانَ أو خَطَأً، والكفّارةُ فيهما سَواءٌ؛ لأنّ كُلًّا ممْنُوعٌ بحُرْمَةٍ، وكُلٌّ فيه الكفّارةُ.
[قال المزني (١): وقاسَ ما اخْتَلَفُوا مِنْ كفّارَةِ قَتْلِ المؤمِنِ عَمْدًا على ما أجْمَعُوا عليه مِنْ كفّارَةِ قَتْلِ الصّيْدِ عَمْدًا، قال: «والعامدُ أوْلى بالكفّارةِ في القياسِ مِنْ المُخْطِئ» (٢).
стр. 720
(١٠٩)
باب جزاء الصيد
(٩٥٤) قال الشافعي: قال الله ﵎: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ [المائدة: ٩٥].
(٩٥٥) قال الشافعي: و «النَّعَمُ»: الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ.
(٩٥٦) قال: وما أكِلَ مِنْ الصَّيْدِ صنفان: دَوابُّ، وطائرٌ.
(٩٥٧) فما أصاب المحْرِمُ مِنْ الدّوابِّ .. نُظِرَ إلى أقْرَبِ الأشْياءِ مِنْ المقتولِ شَبَهًا مِنْ النَّعَمِ ففُدِيَ به، وقد حَكَمَ عمرُ وعثمانُ وعليٌّ وعبدُالرحمنِ بنُ عوفٍ وابنُ عمرَ وابنُ عبّاسٍ وغيرُهم في بُلْدانٍ مخْتَلِفَةٍ، وأزمانٍ شَتَّى بالمِثْلِ مِنْ النَّعَمِ، فحَكَمَ حاكِمُهم في النّعامَةِ ببَدَنَةٍ وهي لا تَسْوَى بَدَنَةً، وفي حمارِ الوَحْشِ ببقرةٍ وهو لا يَسْوَى بَقَرَةً، وفي الضَّبُعِ بكَبْشٍ وهو لا يَسْوَى كَبْشًا (١)، وفي الغَزالِ بعَنْزٍ، وقدْ يَكُونُ أكْثَرَ مِنْ ثَمَنِها أضْعافًا ومِثْلَها أو دُونَها (٢)، وفي الأرْنَبِ بعَناقٍ (٣)، وفي اليَرْبُوعِ بجَفْرَةٍ (٤)، وهما لا يُساوِيان (٥) عَناقًا ولا جَفْرَةً، فدَلَّ ذلك على أنّهم نَظَرُوا إلى أقْرَبِ ما يُقْتَلُ مِنْ الصَّيْدِ شَبَهًا بالبدن مِنْ النَّعَم، لا بالقيمة، ولو حَكَمُوا بالقِيمَةِ لاخْتَلَفَتْ لاختلافِ الأسْعارِ وتبايُنِها في الأزْمانِ.
стр. 721
(٩٥٨) وكلُّ دابَّةٍ مِنْ الصّيدِ لم نُسَمِّها .. ففِداؤُها قِياسًا (١) على ما سَمَّيْنا فِداءَه منها، لا نَخْتَلِفُ.
(٩٥٩) ولا يَفْدِي إلّا مِنْ النَّعَمِ، وفي صِغارِ أوْلادِها صِغارُ أوْلادِ هذه.
(٩٦٠) وإذا أصابَ صَيْدًا أعْوَرَ أو مَكْسُورًا .. فَداه بمِثْلِه، والصّحيحُ أحَبُّ إليَّ، وهو قولُ عطاءٍ.
(٩٦١) قال: ويَفْدِي الذّكَرَ بالذَّكَرِ، والأنْثَى بالأنْثَى.
وقال في موضع آخَرَ: «ويَفْدِي بالإناثِ أحَبُّ إليَّ» (٢).
(٩٦٢) وإنْ جَرَحَ ظَبْيًا، فنَقَصَ مِنْ قِيمَتِه العُشْرُ .. فعليه عُشْرٌ مِنْ ثَمَنِ الشّاةِ (٣)، قال المزني: عليه عُشْرُ شاةٍ أوْلَى بأصْلِه (٤)، قال الشافعي: وكذلك إنْ كان النّقْصُ أقَلَّ أو أكْثَرَ.
стр. 722
(٩٦٣) وإذا (١) قَتَلَ الصّيْدَ .. فإنْ شاء جَزَاهُ بمِثْلِه، وإن لم يَشَأ قُوِّمَ المِثْلُ دراهمَ، ثُمّ الدراهمُ طَعامًا ثُمّ تَصَدَّقَ به، وإنْ شاء صام عن كُلِّ مُدٍّ يومًا (٢).
(٩٦٤) ولا يُجْزِئه أن يتَصَدَّقَ بشيءٍ مِنْ الجَزاءِ إلّا بمكّةَ أو بمِنًى، فأما الصومُ فحَيْثُ شاء؛ لأنّه لا مَنْفَعَةَ فيه لمساكينِ الحَرَمِ.
(٩٦٥) وإنْ أكَلَ مِنْ لحْمِه .. فلا جزاءَ عليه إلّا في قَتْلِه أو جَرْحِه (٣).
(٩٦٦) ولو دَلَّ على صَيْدٍ كان مُسِيئًا ولا جزاءَ عليه؛ كما لو أمَرَ بقَتْلِ مُسْلِمٍ لم يُقْتَصَّ منه وكان مُسِيئًا.
(٩٦٧) ومَنْ قَطَعَ مِنْ شَجَرِ الحَرَمِ شَيْئًا .. جَزاه، حَلالًا كان أو حَرامًا (٤)، وفي الشّجَرَةِ الصّغِيرةِ شاةٌ، وفي الكبيرةِ بقرةٌ، وذَكَرُوا هذا عن ابنِ الزبير وعطاءٍ (٥).
(٩٦٨) وسَواءٌ ما قُتِلَ في الحَرَمِ أو في الإحْرامِ، مُفْرِدًا كان أو قارِنًا، فجزاءٌ واحدٌ.
(٩٦٩) ولو اشْتَرَكُوا في قَتْلِ صيدٍ .. لم يَكُنْ عليهم إلا جزاءٌ واحدٌ، وهو قولُ ابنِ عمرَ.
стр. 723
(٩٧٠) قال: وما قَتَلَ مِنْ الصيدِ لإنسانٍ .. فعليه جَزاؤُه للمساكينِ، وقِيمَتُه لصاحِبِه، ولو جاز إذا تَحَوَّلَتْ حالُ الصيدِ مِنْ التّوَحُّشِ إلى الاسْتِئْناسِ أن يَصِيرَ حكمُه (١) حكمَ الأنِيسِ .. جاز أن يُضَحِّيَ به ويَجْزِيَ به ما قَتَلَ مِنْ الصيدِ، وإذا تَوَحَّشَ الإنْسِيُّ مِنْ الإبلِ والبقرِ أن يَكُونَ صيدًا يَجْزِيه المحْرِمُ ولا يُضَحِّي به، ولكنْ كُلٌّ على أصلِه.
(٩٧١) وما أصابَ مِنْ الصيدِ فَداه إلى أن يَخْرُجَ مِنْ إحْرامِه، وخُرُوجُه مِنْ العمرةِ بالطوافِ والسَّعْيِ والحِلاقِ، وخُرُوجُه مِنْ الحجِّ خُرُوجان؛ فالأوَّلُ: الرَّمْيُ والحِلاقُ، وهكذا لو طافَ بعد عَرَفَةَ وحَلَقَ وإن لم يَرْمِ فقد خَرَجَ مِنْ الإحرامِ، فإنْ أصاب بعد ذلك صَيْدًا في الحِلِّ .. فليس عليه شيءٌ.
стр. 724
(١١٠)
باب جزاء الطير (١)(٩٧٢) قال الشافعي: والطائرُ صنفان: حَمَامٌ، وغيرُ حَمَامٍ.
(٩٧٣) فما كان منها حَمَامًا .. ففيه شاةٌ، اتِّباعًا لعمرَ وعثمانَ وابنِ عبَاس ونافع بن عبدالحارث وابنِ عمرَ وعاصمِ بنِ عمرَ وسعيدِ بن المسَيّبِ، وهذا إذا أصِيبَ بمكةَ أو أصابها المحْرِمُ، قال عطاء: «في القُمْرِيِّ والدُّبْسِيِّ شاةٌ».
(٩٧٤) قال: وكُلُّ ما عَبَّ وهَدَرَ .. فهو حَمامٌ (٢)، وفيه شاةٌ.
(٩٧٥) وما سِواهُ مِنْ الطَّيْرِ .. ففيه قِيمَتُه في المكانِ الذي أصِيبَ فيه (٣)، قال عمرُ لكَعْبٍ في جَرادَتَيْن: ما جَعَلْتَ في نَفْسِك؟ قال: درهمًا، فقال: «بَخٍ، درهمٌ خيرٌ مِنْ مائة جَرادَةٍ، وافْعَلْ ما جَعَلْتَ في نفسك»، وروي عنه أنه قال: «في جرادةٍ تمرةٌ»، وقال ابنُ عباس في جرادةٍ: «تَصَدَّقْ
стр. 725
بقَبْضَةِ طعامٍ، ولْتَأخُذَنَّ بقَبْضَةِ جَراداتٍ»، فدَلَّ ذلك أنّهما رأيا في ذلك القيمةَ، وأمَرَا بالاحتياطِ.
(٩٧٦) وما كان مِنْ بَيْضِ طَيْرٍ يُؤكَلُ .. ففي كُلِّ بَيْضَةٍ قِيمَتُه، وإن كان فيها فَرْخٌ .. فقيمتُها في الموضع الذي أصابها فيه، ولا يَأكُلُها مُحْرِمٌ؛ لأنّها مِنْ الصيدِ، وقد يكون منها صيدٌ.
(٩٧٧) قال: وإنْ نَتَفَ طَيْرًا .. فعليه بقَدْرِ ما نَقَصَ النّتْفُ، فإن تَلِفَ بعدُ .. فالاحتياطُ أن يَفْدِيَه، والقياسُ أنْ لا شيءَ عليه إذا كان ممْتَنِعًا حتّى يَعْلَمَ أنّه مات مِنْ نَتْفِه (١)، فإن كان غيرَ ممْتَنِعٍ .. حَبَسَه وألْقَطَه وسَقاه حتّى يَصِيرَ ممْتَنِعًا، وفَدَى ما نَقَصَ النّتْفُ منه.
(٩٧٨) وكذلك لو كَسَرَه فجَبَرَه فصار أعْرَجَ لا يَمْتَنِعُ .. فَداه كاملًا.
стр. 726
(١١١)
باب ما للمحرم قتله
(٩٧٩) قال الشافعي: وللمُحْرِمِ أن يَقْتُلَ الحَيَّةَ، والعَقْرَبَ، والفَأرَةَ، والحِدَأةَ (١)، والغُرابَ، والكلْبَ العَقُورَ، وما أشْبَهَ الكَلْبَ العَقُورَ، مثلَ: السَّبُعِ، والنَّمِرِ، والفَهْدِ، والذِّئبِ (٢)، صِغارُ ذلك وكِبارُه سواءٌ.
(٩٨٠) وليس في الرَّخَمَة (٣) والخَنافِسِ والقِرْدانِ والحَلَمِ (٤) وما لا يُؤكَلُ لحْمُه .. جزاءٌ؛ لأنّ هذا ليس مِنْ الصيدِ، وقال الله ﵎: ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما﴾ [المائدة: ٩٦]، فدَلَّ أنّ الصيدَ الذي حُرِّمَ عليهم ما كان لهم قبل الإحْرامِ حَلالًا؛ لأنّه لا يُشْبِهُ أن يَحْرُمَ في الإحرام خاصَّةً إلّا ما كان مُباحًا قَبْلَه.
стр. 727
(١١٢)
باب الإحصار (١)(٩٨١) قال الشافعي: قال الله ﵎: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: ١٩٦]، وأحْصِرَ رسولُ الله ﷺ بالحدَيْبِيَة فنَحَرَ البَدَنَةَ عن سَبْعةٍ، والبقرةَ عن سبعةٍ.
(٩٨٢) قال: وإذا أحْصِرَ بعَدُوٍّ كافرٍ أو مُسْلِمٍ، أو سُلْطانٍ يحْبِسُ في سِجْنٍ .. نَحَرَ هَدْيًا لإحْصارِه حيثُ أُحْصِرَ في حِلٍّ أو حَرَمٍ، ولا قضاءَ عليه، إلّا أن يكونَ واجبًا فيَقْضِي.
(٩٨٣) وإذا لم يَجِدْ هدْيًا يَشْتَرِيه، أو كان مُعْسِرًا .. ففيها قولان: أحدُهما - أن لا يَحِلَّ إلّا بهَدْيٍ، والآخَرُ - أنّه إذا لم يَقْدِرْ على شيءٍ حَلَّ، وأتَى به إذا قَدَرَ عليه، وقيل: إذا لم يَقْدِرْ أجْزَأه، وعليه إطعامٌ أو صيامٌ، فإن لم يَجِدْ ولم يَقْدِرْ .. فمتى قَدَرَ.
وقال في موضع آخر: «أشْبَهُها بالقياس إذا أُمِرَ بالرُّجُوع للخَوْفِ أن لا يُؤْمَرَ بالمُقامِ للصيامِ، والصومُ يُجْزِئه في كلِّ مكانٍ»، قال المزني: القياسُ عنده حقٌّ، وقد زَعَمَ أنّ هذا أشْبَهُ بالقياس، والصومُ عنده إذا لم يَجِد الهَدْيَ