(٩٧٠) قال: وما قَتَلَ مِنْ الصيدِ لإنسانٍ .. فعليه جَزاؤُه للمساكينِ، وقِيمَتُه لصاحِبِه، ولو جاز إذا تَحَوَّلَتْ حالُ الصيدِ مِنْ التّوَحُّشِ إلى الاسْتِئْناسِ أن يَصِيرَ حكمُه (١) حكمَ الأنِيسِ .. جاز أن يُضَحِّيَ به ويَجْزِيَ به ما قَتَلَ مِنْ الصيدِ، وإذا تَوَحَّشَ الإنْسِيُّ مِنْ الإبلِ والبقرِ أن يَكُونَ صيدًا يَجْزِيه المحْرِمُ ولا يُضَحِّي به، ولكنْ كُلٌّ على أصلِه.
(٩٧١) وما أصابَ مِنْ الصيدِ فَداه إلى أن يَخْرُجَ مِنْ إحْرامِه، وخُرُوجُه مِنْ العمرةِ بالطوافِ والسَّعْيِ والحِلاقِ، وخُرُوجُه مِنْ الحجِّ خُرُوجان؛ فالأوَّلُ: الرَّمْيُ والحِلاقُ، وهكذا لو طافَ بعد عَرَفَةَ وحَلَقَ وإن لم يَرْمِ فقد خَرَجَ مِنْ الإحرامِ، فإنْ أصاب بعد ذلك صَيْدًا في الحِلِّ .. فليس عليه شيءٌ.
стр. 724
(١١٠)
باب جزاء الطير (١)(٩٧٢) قال الشافعي: والطائرُ صنفان: حَمَامٌ، وغيرُ حَمَامٍ.
(٩٧٣) فما كان منها حَمَامًا .. ففيه شاةٌ، اتِّباعًا لعمرَ وعثمانَ وابنِ عبَاس ونافع بن عبدالحارث وابنِ عمرَ وعاصمِ بنِ عمرَ وسعيدِ بن المسَيّبِ، وهذا إذا أصِيبَ بمكةَ أو أصابها المحْرِمُ، قال عطاء: «في القُمْرِيِّ والدُّبْسِيِّ شاةٌ».
(٩٧٤) قال: وكُلُّ ما عَبَّ وهَدَرَ .. فهو حَمامٌ (٢)، وفيه شاةٌ.
(٩٧٥) وما سِواهُ مِنْ الطَّيْرِ .. ففيه قِيمَتُه في المكانِ الذي أصِيبَ فيه (٣)، قال عمرُ لكَعْبٍ في جَرادَتَيْن: ما جَعَلْتَ في نَفْسِك؟ قال: درهمًا، فقال: «بَخٍ، درهمٌ خيرٌ مِنْ مائة جَرادَةٍ، وافْعَلْ ما جَعَلْتَ في نفسك»، وروي عنه أنه قال: «في جرادةٍ تمرةٌ»، وقال ابنُ عباس في جرادةٍ: «تَصَدَّقْ
стр. 725
بقَبْضَةِ طعامٍ، ولْتَأخُذَنَّ بقَبْضَةِ جَراداتٍ»، فدَلَّ ذلك أنّهما رأيا في ذلك القيمةَ، وأمَرَا بالاحتياطِ.
(٩٧٦) وما كان مِنْ بَيْضِ طَيْرٍ يُؤكَلُ .. ففي كُلِّ بَيْضَةٍ قِيمَتُه، وإن كان فيها فَرْخٌ .. فقيمتُها في الموضع الذي أصابها فيه، ولا يَأكُلُها مُحْرِمٌ؛ لأنّها مِنْ الصيدِ، وقد يكون منها صيدٌ.
(٩٧٧) قال: وإنْ نَتَفَ طَيْرًا .. فعليه بقَدْرِ ما نَقَصَ النّتْفُ، فإن تَلِفَ بعدُ .. فالاحتياطُ أن يَفْدِيَه، والقياسُ أنْ لا شيءَ عليه إذا كان ممْتَنِعًا حتّى يَعْلَمَ أنّه مات مِنْ نَتْفِه (١)، فإن كان غيرَ ممْتَنِعٍ .. حَبَسَه وألْقَطَه وسَقاه حتّى يَصِيرَ ممْتَنِعًا، وفَدَى ما نَقَصَ النّتْفُ منه.
(٩٧٨) وكذلك لو كَسَرَه فجَبَرَه فصار أعْرَجَ لا يَمْتَنِعُ .. فَداه كاملًا.
стр. 726
(١١١)
باب ما للمحرم قتله
(٩٧٩) قال الشافعي: وللمُحْرِمِ أن يَقْتُلَ الحَيَّةَ، والعَقْرَبَ، والفَأرَةَ، والحِدَأةَ (١)، والغُرابَ، والكلْبَ العَقُورَ، وما أشْبَهَ الكَلْبَ العَقُورَ، مثلَ: السَّبُعِ، والنَّمِرِ، والفَهْدِ، والذِّئبِ (٢)، صِغارُ ذلك وكِبارُه سواءٌ.
(٩٨٠) وليس في الرَّخَمَة (٣) والخَنافِسِ والقِرْدانِ والحَلَمِ (٤) وما لا يُؤكَلُ لحْمُه .. جزاءٌ؛ لأنّ هذا ليس مِنْ الصيدِ، وقال الله ﵎: ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما﴾ [المائدة: ٩٦]، فدَلَّ أنّ الصيدَ الذي حُرِّمَ عليهم ما كان لهم قبل الإحْرامِ حَلالًا؛ لأنّه لا يُشْبِهُ أن يَحْرُمَ في الإحرام خاصَّةً إلّا ما كان مُباحًا قَبْلَه.
стр. 727
(١١٢)
باب الإحصار (١)(٩٨١) قال الشافعي: قال الله ﵎: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: ١٩٦]، وأحْصِرَ رسولُ الله ﷺ بالحدَيْبِيَة فنَحَرَ البَدَنَةَ عن سَبْعةٍ، والبقرةَ عن سبعةٍ.
(٩٨٢) قال: وإذا أحْصِرَ بعَدُوٍّ كافرٍ أو مُسْلِمٍ، أو سُلْطانٍ يحْبِسُ في سِجْنٍ .. نَحَرَ هَدْيًا لإحْصارِه حيثُ أُحْصِرَ في حِلٍّ أو حَرَمٍ، ولا قضاءَ عليه، إلّا أن يكونَ واجبًا فيَقْضِي.
(٩٨٣) وإذا لم يَجِدْ هدْيًا يَشْتَرِيه، أو كان مُعْسِرًا .. ففيها قولان: أحدُهما - أن لا يَحِلَّ إلّا بهَدْيٍ، والآخَرُ - أنّه إذا لم يَقْدِرْ على شيءٍ حَلَّ، وأتَى به إذا قَدَرَ عليه، وقيل: إذا لم يَقْدِرْ أجْزَأه، وعليه إطعامٌ أو صيامٌ، فإن لم يَجِدْ ولم يَقْدِرْ .. فمتى قَدَرَ.
وقال في موضع آخر: «أشْبَهُها بالقياس إذا أُمِرَ بالرُّجُوع للخَوْفِ أن لا يُؤْمَرَ بالمُقامِ للصيامِ، والصومُ يُجْزِئه في كلِّ مكانٍ»، قال المزني: القياسُ عنده حقٌّ، وقد زَعَمَ أنّ هذا أشْبَهُ بالقياس، والصومُ عنده إذا لم يَجِد الهَدْيَ
стр. 728
أن تُقَوَّمَ الشاةُ دراهمَ، ثمّ الدراهمُ طعامًا، ثمّ يَصُومُ عن كُلِّ مُدٍّ يومًا (١).
(٩٨٤) ورُوِيَ عن ابن عبّاس أنّه قال: «لا حَصْرَ إلّا حَصْرُ العدوِّ، وذَهَبَ الحَصْرُ الآن»، وعن ابنِ عمرَ أنّه قال: «لا يُحِلُّ مُحْرِمٌ حَبَسَه (٢) بَلاءٌ حتّى يَطُوفَ بالبيت (٣)، إلّا مَنْ حَبَسَه عَدُوٌّ»، وقال: فيُقِيمُ على حرْمِه، فإنْ أدْرَكَ الحجَّ، وإلّا طاف وسَعَى، وعليه الحجُّ من قابِلٍ وما اسْتَيْسَرَ مِنْ الهدْيِ، فإنْ كان مُعْتَمِرًا أجْزَأه، لا وَقْتَ للعمرةِ يَفُوتُ (٤).
стр. 729
(٩٨٥) والفَرْقُ بين المحْصَرِ بالعدوِّ والمرضِ: أنّ المحْصَرَ بالعدوِّ (١) خائفُ القتلِ إنْ أقامَ، وقد رُخِّصَ لمن لَقِيَ المشركِين أن يَتَحَرَّفَ لقتالٍ أو يَتَحَيَّزَ إلى فئةٍ، فيَنْتَقِلُ بالرجوعِ مِنْ خوفِ قتلٍ إلى أمْنٍ، والمريضُ حالُه واحدةٌ في التَّقَدُّمِ والرجوعِ، والإحلالُ رُخْصَةٌ، فلا تَعَدَّى بها مَوْضِعَها؛ كما أنّ المسحَ على الخُفَّيْن رُخْصَةٌ (٢)، فلم يُقَسْ عليه (٣) مَسْحُ عِمامةٍ ولا قُفّازَيْن، وإنْ جاز أن يُقاسَ حِلُّ المريضِ على حَصْرِ العَدُوِّ .. جاز أن يُقاسَ حِلُّ خاطئ الطريقِ ومُخْطِئ العددِ حتّى يَفُوتَه الحجُّ على حَصْرِ العدوِّ، وبالله التوفيق.
стр. 730
(١١٣)
باب حصر العبد يحرم بغير إذن سيده، والمرأة بغير إذن زوجها (١)(٩٨٦) قال الشافعي: إذا أحْرَمَ العَبْدُ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه، والمرأةُ بغيرِ إذْنِ زَوْجِها .. فهما في معنى الإحْصارِ، وللسَّيِّدِ والزَّوْجِ منعُهما، وهما في معنى العدوِّ في الإحْصارِ، وفي أكثرَ، بأنّ لهما مَنْعَهما، وليس ذلك للعدوِّ (٢)، ومُخالفانِ (٣) له في أنّهما غير خائفَيْن خوفَه.
стр. 731
(١١٤)
باب الأيام المعلومات والمعدودات
(٩٨٧) قال الشافعي: و «الأيّامُ المعلوماتُ»: العَشْرُ، وآخِرُها يومُ النَّحْرِ، و «المعدوداتُ»: ثلاثةُ أيّامٍ بعد النحرِ.
قال المزني: سمّاهنّ اللهُ باسْمَيْن مخْتَلِفَيْن، وأجْمَعُوا أنّ الاسْمَيْنِ لم يَقَعَا على أيّامٍ واحدةٍ، وإذا لم يَقَعا على أيّامٍ واحدةٍ .. فأشْبَهُ الأمْرَيْن أن تَكُونَ كُلُّ أيّامٍ منها غيرُ الأخْرَى؛ كما أنّ اسْمَ كُلِّ أيّامٍ منها غيرُ الآخَرِ، وهو ما قال الشافعيّ عندي.
قال المزني: فإن قيل: لو كانت المعلوماتُ العَشْرَ لكان النَّحْرُ في جميعِها، فلما لم يَجُزِ النحرُ في جميعِها بَطَلَ أن تَكُونَ المعلوماتُ فيها .. يُقالُ له: قال الله ﵎: ﴿سبع سماوات طباقا * وجعل القمر فيهن نورا﴾ [نوح: ١٥ - ١٦]، وليس القمرُ في جميعِها، وإنّما هو في أحدِها، أفيَبْطُلُ أن يَكُونَ القمرُ فيهنَّ نُورًا كما قال الله جل ذكره، وفي ذلك دليلٌ (١) لِما قال الشافعيّ؟ وبالله التوفيق.
стр. 732
(١١٥)
باب نذر الهَدْي (١)(٩٨٨) قال الشافعي: والهدْيُ من الإبلِ والبَقَرِ والغَنَمِ، فمَنْ نَذَرَ لله هَدْيًا فسَمَّى شيئًا .. فهو على ما سَمَّى، وإن لم يُسَمِّه .. فلا يُجْزِئه مِنْ الإبلِ والبقرِ والغنمِ إلا الثَّنِيُّ فصاعِدًا، ويُجْزِئه الذَّكَرُ والأنثى، ولا يُجْزِئه مِنْ الضّأنِ إلّا الجَذَعُ فصاعدًا (٢).
(٩٨٩) وليس له أن يَنْحَرَه دون الحَرَمِ، وهو مَحِلُّها؛ لقول الله تعالى: ﴿ثم محلها إلى البيت العتيق﴾ [الحج: ٣٣]، إلّا أن يُحْصَرَ فيَنْحَرَ حيث أُحْصِرَ؛ كما فَعَل النبيُّ ﷺ في الحدَيْبِيَة.
(٩٩٠) وإنْ كان الهدْيُ بَدَنَةً أو بَقَرَةً .. قَلَّدَها نَعْلَيْن، وأشْعَرَها، فضَرَبَ شِقَّها الأيْمَنَ مَوْضِعَ السَّنامِ بحَدِيدَةٍ حتّى يُدْمِيَها (٣)، وهي مُسْتَقْبِلَةٌ القبلةَ، وإنْ كانتْ شاةً .. قَلَّدَها خُرَبَ القِرَبِ (٤)، ولا يُشْعِرُها، وإنْ تَرَكَ التَّقْلِيدَ والإشعارَ .. أجْزَأه.
стр. 733
(٩٩١) قال: ويَجُوزُ أن يَشْتَرِكَ السَّبْعَةُ في البَدَنَةِ الواحدةِ، وفي البقرةِ كذلك، ورُوِيَ عن جابر بن عبدالله، قال: «نَحَرْنا مع رسولِ الله ﷺ بالحدَيْبِيَة البَدَنَةَ عن سَبْعةٍ، والبقرةَ عن سَبْعةٍ».
(٩٩٢) قال: وإن كان الهَدْيُ ناقةً فنُتِجَتْ .. سِيقَ معها فَصِيلُها.
(٩٩٣) وتُنْحَرُ الإبلُ قِيامًا، مَعْقُولَةً وغيرَ مَعْقُولَةٍ، فإن لم يُمْكِنْهُ .. نَحَرَها بارِكَةً، وتُذْبَحُ البَقَرُ والغَنَمُ، فإنْ ذَبَحَ الإبلَ ونَحَرَ البَقَرَ والغَنَمَ .. أجْزَأه ذلك، وكَرِهْتُه له.
(٩٩٤) فإنْ كان مُعْتَمِرًا .. نَحَرَه بعدما يَطُوفُ بالبيتِ ويَسْعَى بين الصّفا والمروةِ قبلَ أن يَحْلِقَ عند المروة، وحيثُ نَحَرَ مِنْ فِجاجِ مكةَ أجْزَأه، وإنْ كان حاجًّا .. نَحَرَه بعدما يَرْمِي جَمْرَةَ العَقَبَةِ قبل أن يَحْلِقَ، وحيثُ نَحَرَ مِنْ مِنًى أجْزَأه.
(٩٩٥) وما كان منها تَطَوُّعًا .. أكَلَ منها؛ لقول الله جل وعز: ﴿فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا﴾ [الحج: ٣٦] (١)، وأكَلَ رسولُ الله ﷺ مِنْ لحْمِ هَدْيِه وأطْعَمَ، وكان هَدْيُه تَطَوُّعًا، قال: وما عَطَبَ منها .. نَحَرَها وخَلَّى بينها وبين المساكين، ولا بَدَلَ عليه فيها، وما كان واجبًا مِنْ جزاءِ صيدٍ أو غيرِه .. فلا يَأكُلُ منها شيئًا، فإنْ أكَلَ فعليه بقَدْرِ ما أكَلَ لمساكين الحَرَمِ، وما عَطَبَ منها فعليه مكانَه.
стр. 734
[١٢]
كتاب البيوع (١)
من ثمانية كتب، فيها أربعة جديد، ومنها قديم، ومنها «إملاء على الموطأ»، ومنها على «مسائل مالك المجموعة»، ومنها «إملاء على مسائل أشهب»، وما دخل فيها من كتب السير (٢)
стр. 735
(١١٦)
باب ما أمر الله تعالى به ونهى عنه من المبايعات، وسنن النبي ﷺ فيها (١)(٩٩٦) قال الشافعي: قال الله ﵎: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراضٍ منكم﴾ [النساء: ٢٩] (٢)، فلمّا نَهَى رسولُ الله ﷺ عن بُيُوعٍ تَراضَى بها المُتبايِعان .. اسْتَدْلَلْنا أنّ الله تعالى أحَلَّ البيوعَ إلّا ما حَرَّم على لسانِ رسولِه ﷺ أو كان في مَعْناه.
(٩٩٧) فإذا عَقَدا بَيْعًا بما يَجُوزُ وافْتَرَقا عن تَراضٍ منهما به .. لم يَكُنْ لأحَدٍ منهما رَدُّه، إلّا بعَيْبٍ، أو بشَرْطِ خِيارٍ (٣).
стр. 736
قال المزني: وأجاز في «الإملاء» وفي «كتاب البيوع» الجديد والقديم (١)، وفي «الصداق» وفي «الصلح» خِيارَ الرُّؤيَةِ، وهذا كُلُّه غيرُ جائزٍ في مَعْناه (٢)، قال المزني: وهذا يَنْفِي خِيارَ الرُّؤيَةِ، وأوْلَى به؛ إذْ (٣) أصْلُ قَوْلِه ومَعْناه: البَيْعُ (٤) بَيْعان لا ثالثَ لهما: صِفَةٌ مَضْمونَةٌ، وعَيْنٌ مَعْرُوفَةٌ، وأنّه يَبْطُلُ بَيْعُ الثَّوْبِ يُرَى بَعْضُه (٥)؛ لجَهْلِه به، فكَيْف يُجِيزُ شِراءَ ما لم يَرَ شَيْئًا منه قَطّ ولا يَدْرِي ألَه ثَوْبٌ أم لا؟ حتّى يَجْعَلَ له خِيارَ الرُّؤية (٦).
стр. 737
(١١٧)
باب خيار المتبايعين ما لم يتفرقا
(٩٩٨) قال الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: «المتبايعان كلُّ واحدٍ منهما على صاحبِه بالخيارِ ما لم يَتَفَرَّقا، إلّا بَيْعَ الخيارِ».
(٩٩٩) قال الشافعي: وفي حديث ابن عمرَ (١): «كان إذا أراد أن يوجِبَ البَيْعَ مَشَى قَليلًا ثُمّ رَجَعَ»، وفي حديثِ أبي الوَضِيء، قال: «كُنّا في غَزاةٍ، فباع صاحبٌ لنا فَرَسًا مِنْ رجلٍ، فلمّا أرَدْنا الرَّحِيلَ خاصَمَه فيه إلى أبي بَرْزَةَ، فقال أبو بَرْزَةُ: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يَقولُ: البَيِّعان بالخِيارِ ما لم يَتَفَرَّقا» (٢)، قال: وفي الحديثِ ما لم يَحْضُرْ يَحْيَى بنَ حَسّانَ حِفْظُه، وقد سمعتُه مِنْ غَيْرِه أنّهما باتا لَيْلَةً ثُمّ غَدَوَا عليه، فقال: لا أراكُما تَفَرَّقْتُما،
стр. 738
وجَعَل لهما الخِيارَ إذْ (١) باتا مَكانًا واحِدًا بَعْدَ البَيْعِ، وقال عطاءٌ: «يُخَيَّرُ بعد وُجوبِ البيع»، وقال شُرَيح: «شاهِدا عَدْلٍ أنّكما تَفَرَّقْتُما بعد رِضًا ببيعٍ (٢)، أو خَيَّرَ أحَدُكما صاحبَه بعد البيعِ»، قال الشافعي: وبهذا نأخُذُ، وهو قولُ الأكْثَرِ مِنْ أهْلِ الحِجازِ، والأكْثرِ مِنْ أهلِ الآثارِ بالبُلْدان.
(١٠٠٠) قال: وهما قَبْلَ التّساوُمِ (٣) غيرُ مُتَسَاوِمَيْن، ثُمّ يَكونان مُتَساوِمَيْن، ثُمّ يَكونان مُتَبايِعَيْن، ولو تَساوَما فقال رجلٌ: «امْرأتي طالقٌ إنْ كُنْتُما تَبايَعْتُما» كان صادِقًا، وإنّما جَعَل لهما النبيُّ ﷺ الخِيارَ بعد التَّبايُعِ ما لم يَفْتَرِقا، ولا تَفَرُّقَ بعدما صارا مُتَبايِعَيْن إلّا تَفَرُّقُ الأبْدان.
(١٠٠١) فكُلُّ مُتَبايِعَيْن في سِلْعَةٍ وعَيْنٍ وصَرْفٍ وغيرِه، فلكُلِّ واحدٍ منهما فَسْخُ البيعِ حتّى يَتَفَرَّقا تَفَرُّقَ الأبدانِ على ذلك، أو يَكُون بَيْعُهما عن خِيارٍ (٤).
стр. 739
(١٠٠٢) وإذا كان يَجِبُ بالتَّفَرُّقِ بعد البيع، فكذلك يَجِبُ إذا خَيَّر أحدُهما صاحبَه بعد البيع، وكذلك قال طاوس: «خَيَّر رسولُ الله ﷺ رجلًا بعد البيع، فقال الرجلُ: عَمْرَكَ اللهَ (١) ممّن أنت؟ فقال رسول الله ﷺ : امْرُؤٌ مِنْ قُرَيْشٍ»، قال: فكان طاوسٌ يَحْلِفُ: ما الخيارُ إلّا بعد البيع (٢).
(١٠٠٣) قال الشافعي: فإن اشْتَرَى جاريةً، فأعْتَقَها المشْتَرِي قبل التَّفَرُّقِ أو الخيارِ، واخْتار البائعُ نَقْضَ البيع .. كان له، وكان عِتْقُ المشْتَرِي باطلًا؛ لأنّه أعْتَقَ ما لم يَتِمَّ له مِلْكُه، وإنْ أعْتَقَها البائعُ .. كان جائزًا.
(١٠٠٤) قال: ولو عَجِلَ المشْتَرِي فوَطِئَها فأحْبَلَها قبل التّفَرُّقِ في غَفْلَةٍ مِنْ البائعِ، فاخْتار البائعُ فَسْخَ البيع .. كان على المشْتَرِي مَهْرُ مِثْلِها وقِيمةُ وَلَدِه منها يَوْمَ تَلِدُه، ولَحِقَه بالشُّبْهَة.
(١٠٠٥) وإنْ وَطِئَها (٣) البائعُ .. فهي أمَتُه، والوَطْءُ اخْتِيارٌ لِفَسْخِ البيع.
стр. 740
قال المزني: وهذا عندي دليلٌ على أنّه إذا قال لامرأتَيْن له: «إحْداكما طالقٌ» فكان (١) له الخيارُ، فإنْ وَطِئ إحْداهما .. أشْبَهَ أن يَكُون قد اخْتارَها فطَلُقَت الأخْرَى؛ كما جَعَل الوَطْءَ اخْتِيارًا لفَسْخِ البيع (٢).
(١٠٠٦) قال الشافعي: فإنْ مات أحدُهما قبل أن يَتَفَرَّقا، فالخيارُ لوارِثِه (٣).
(١٠٠٧) ولو كانتْ بَهِيمَةً فنُتِجَتْ قبل التَّفَرُّقِ ثُمّ تَفَرَّقا .. فوَلَدُها للمُشْتَرِي؛ لأنّ العَقْدَ وَقَعَ وهو حَمْلٌ.
(١٠٠٨) وكذلك كُلُّ خِيارٍ بشَرْطٍ جائزٍ في أصْلِ العَقْدِ، ولا بأسَ بنَقْدِ الثَّمَنِ في بَيْعِ الخِيارِ.
(١٠٠٩) قال: ولا يَجُوزُ شَرْطُ خِيارٍ أكْثَرَ مِنْ ثلاثٍ، ولولا الخبرُ عن رسولِ الله ﷺ في الخِيارِ ثلاثًا في المُصَرَّاةِ ولحَبّانِ بن مُنْقِذٍ فيما اشْتَرَى ثلاثًا .. ما جاز بعد التَّفَرُّقِ ساعةً، فلا يَكون للبائع الانْتِفاعُ بالثَّمَنِ، ولا للمُشْتَرِي الانْتِفاعُ بالجاريةِ، فلمّا أجازَه النبيُّ ﷺ على ما وَصَفْناه ثلاثًا اتَّبَعْناه ولم نُجاوِزْه، وذلك أنّ أمْرَه يُشْبِه أن يَكون «ثلاثًا» حَدًّا.
стр. 741
(١١٨)
باب الرِّبا وما لا يجوز بيع بعضه ببعض متفاضلًا ولا مؤجَّلًا والصرف (١)(١٠١٠) قال الشافعي: أخبرنا عبدُالوهاب بنُ عبدِالمجيد الثقفيُّ، عن أيُّوبَ، عن محمد بنِ سيرين، عن مسلمِ بنِ يَسارٍ ورجلٍ آخَرَ (٢)، عن عُبادَةَ بنِ الصّامِتِ، أنّ النبي ﷺ قال: «لا تَبِيعُوا الذهبَ بالذهبِ، ولا الوَرِقَ بالوَرِقِ، ولا البُرَّ بالبرِّ، ولا الشّعيرَ بالشّعيرِ، ولا التّمْرَ بالتّمْرِ، ولا المِلْحَ بالمِلْحِ، إلّا سَواءً بسَواءٍ، عَيْنًا بعَيْنٍ، يَدًا بيَدٍ، ولكن بِيعُوا الذّهبَ بالوَرِقِ والوَرِقَ بالذّهَبِ، والبُرَّ بالشّعيرِ والشّعيرَ بالبُرِّ، والتّمْرَ بالمِلْحِ والمِلْحَ بالتّمْرِ، يَدًا بيَدٍ، كَيْف شِئتُم»، وقال: ونَقَصَ أحَدُهما: التَّمْرَ أو المِلْحَ، وزاد الآخَرُ: «فمَنْ زاد أو ازْداد فقد أَرْبَى» (٣).
стр. 742
(١٠١١) قال: وهو (١) مُوافِقٌ للأحاديثِ عن رسولِ الله ﷺ في الصّرْفِ، وبه نأخُذُ (٢)، وبها تَرَكْنا قَوْلَ مَنْ رَوَى عن أسامةَ أنّ النبيَّ ﷺ قال: «إنّما الرِّبا في النَّسِيئة» (٣)؛ لأنّه مُجْمَلٌ، وكلُّ ذلك مُفَسَّرٌ، فيَحْتَمِلُ أن يكونَ النبيُّ ﷺ سُئِلَ عن الرِّبا في صِنْفَيْن (٤) مخْتَلِفَيْن: ذَهَبٍ بوَرِقٍ، أو تَمْرٍ بحِنْطَةٍ (٥)، فقال: «الرِّبا في النَّسِيئة»، فحَفِظَه، فأدَّى قَوْلَ النبيِّ ﷺ ولم يُؤدِّ المسْألةَ.
(١٠١٢) قال: ويَحْتَمِلُ قولُ عمرَ عن النبيِّ ﷺ : «الذهبُ بالوَرِقِ رِبًا، إلّا هاءَ وهاءَ» .. يُعْطِي بيَدٍ ويَأخُذُ بأخْرَى، فيَكونُ الأخْذُ مع الإعْطاءِ، ويَحْتَمِلُ أن لا يَتَفَرَّقَ المُتَبايِعانِ مِنْ مكانِهما حتّى يَتَقابَضا، فلمّا قال عمرُ لمالكِ بنِ أوْسٍ: «لا تُفارِقْه حتّى تُعْطِيَه وَرِقَه، أو تَرُدَّ إليه ذَهَبَه»، وهو رَوَى الحديثَ .. دَلّ على أنّ مَخْرَجَ «هاءَ وهاءَ» تقابُضُهما قبل أن يَتَفَرَّقا.
стр. 743
(١٠١٣) قال: والرِّبا مِنْ وجهين؛ أحدهما: في النَّقْدِ بالزِّيادة في الوَزْنِ والكَيْلِ (١)، والآخَرُ: يَكُونُ في الدَّيْنِ بزِيادَةِ الأجَلِ.
(١٠١٤) قال: وإنّما حَرَّمْنا غَيْرَ ما سَمَّى رسولُ الله ﷺ مِنْ المأكولِ المَكِيلِ أو الموْزُونِ؛ لأنّه في معنى ما سَمَّى، ولم يَجُزْ أن نَقِيسَ الوَزْنَ على الوَزْنِ مِنْ الذهبِ والوَرِقِ؛ لأنّهما غيرُ مَأكُولَيْنِ ومُبايِنان لِما سِواهما، وهكذا قال ابنُ المسيّب: «لا رِبا إلّا في ذَهَبٍ أو وَرِقٍ، أو ما يُكالُ أو يُوزَنُ مما يُؤكَلُ ويُشْرَبُ»، قال: وهذا صحيحٌ (٢)، ولو قِسْنا الوَزْنَ عليهما لَزِمَنا أن لا نُسْلِمَ دِينارًا في مَوْزونٍ مِنْ طعامٍ؛ كما لا يَجُوز أن نُسْلِمَ دينارًا في مَوْزُونٍ مِنْ وَرِقٍ، ولا أعْلَمُ بين المسلمين اختلافًا أنّ (٣) الدينارَ والدرهمَ يُسْلَمان في كُلِّ شيءٍ، ولا يُسْلَمُ أحدُهما في الآخَرِ، غيرَ أنّ مِنْ الناسِ مَنْ كَرِهَ أن يُسْلِمَ دينارًا أو دراهمَ في فُلوسٍ، وهو عندنا جائزٌ؛ لأنّه لا زكاةَ فيها ولا في تِبْرِها (٤)، ولأنّها (٥) ليستْ بثَمَنٍ للأشياء المتْلَفَةِ، وإنّما أنْظُرُ في التِّبْرِ إلى أصْلِه، والنُّحاسُ ما لا رِبا فيه، وقد أجاز عَدَدٌ - منهم إبراهيمُ النَّخَعي - السَّلَفَ في الفُلوسِ، قال: وكيف يكون مَضْرُوبُ الذَّهبِ دنانيرَ ومَضْروبُ الوَرِقِ دَراهمَ في معنى الذَّهبِ والوَرِقِ غيرَ مَضْروبَيْن، ولا يكون مَضْرُوبُ النُّحاسِ فُلوسًا في معنى النُّحاسِ غيرَ مَضْروبٍ؟!
стр. 744
(١٠١٥) قال الشافعي: ولا يَجُوز أن يُسْلِفَ شيئًا ممّا يُكالُ أو يُوزَنُ مِنْ المأكولِ والمشروبِ في شيءٍ منه، وإن اخْتَلَفَ الجِنْسان جازا مُتَفاضِلَيْن يَدًا بيَدٍ، قِياسًا على الذَّهَبِ الذي لا يَجُوزُ أن يُسْلَفَ في الفضة، والفضة التي لا تُسْلَفُ في الذهب.
(١٠١٦) وكلُّ ما خَرَجَ مِنْ المأكولِ والمشروبِ والذهبِ والفضةِ .. فلا بأسَ بعضُه ببعضٍ مُتَفاضِلًا وإلى أجَلٍ، وإنْ كان مِنْ صِنفٍ واحدٍ.
(١٠١٧) فلا بأسَ أن يُسْلِفَ بَعِيرًا في بَعِيرَيْن أرِيدَ بهما الذَّبْحُ أو لم يُرَدْ، ورِطْلَ نُحاسٍ بِرِطْلَيْن، وعَرْضًا بعَرْضَيْن، إذا دَفَعَ العاجلَ، ووَصَفَ الآجلَ.
(١٠١٨) وما أُكِلَ أو شُرِبَ ممّا لا يُكالُ ولا يُوزَنُ .. فلا يُباعُ منه يابسٌ برَطْبٍ؛ قياسًا عندي على ما يُكالُ ويُوزَنُ مما يُؤكَلُ أو يُشْرَبُ، وما يَبْقَى ويُدَّخَرُ، أو لا يَبْقَى ولا يُدَّخَرُ، وكان أوْلى بنا مِنْ (١) أن نَقِيسَه بما يُباعُ عَدَدًا مِنْ غيرِ المأكولِ مِنْ الثِّيابِ والخَشَبِ وغيرهما، ولا يَصْلُحُ على قياسِ هذا القولِ رُمّانَةٌ (٢) برُمّانَتَيْن عَدَدًا ولا وَزْنًا، ولا سَفَرْجَلَةٌ بسَفَرْجَلَتَيْن، ولا بِطِّيخَةٌ ببِطِّيخَتَيْن، في نحو ذلك، ويُباعُ جِنْسٌ منه بجِنْسٍ غيرِه مُتَفاضِلًا وجُزَافًا يَدًا بيَدٍ، ولا بأسَ برُمّانَةٍ بسَفَرْجَلَتَيْن؛ كما لا بأسَ بمُدِّ حِنْطَةٍ بمُدَّيْ تَمْرٍ في نحو ذلك.
(١٠١٩) وما كان مِنْ الأدْوِيَة هِلِيلَجِها وبِلِيلَجِها (٣) وإنْ كانتْ لا تُقْتاتُ فقد تُعَدُّ مأكولةً ومشروبةً، فهي بأن تُقاسَ على المأكولِ والمشروبِ للقُوتِ
стр. 745
- لأنّ جميعَها في معنى المأكولِ والمشروبِ لمنفعةِ البَدَنِ - أوْلى مِنْ أنْ تُقاسَ على ما خَرَجَ مِنْ المأكولِ والمشروبِ مِنْ الحيوانِ والثِّيابِ والخَشَبِ وغيرها.
(١٠٢٠) قال: وأصْلُ الحنطةِ والتَّمْرِ الكَيْلُ، فلا يَجُوزُ أن يُباعَ مِنْ الجِنْسِ الواحدِ بمِثْلِه وَزْنًا بوَزْنٍ ولا وَزْنًا بكَيْلٍ؛ لأنّ الصّاعَ يَكونُ وَزْنُه أرْطالًا وصاعٌ دُونَه أو أكْثَرُ منه، فلو كِيلَا كان صاعٌ بأكْثَرَ مِنْ صاعٍ كَيْلًا.
(١٠٢١) ولا يَجُوزُ بَيْعُ الدّقِيقِ بالحِنْطَةِ مِثْلًا بمِثْلٍ مِنْ قِبَلِ أنّه يَكونُ مُتَفاضِلًا في نحو ذلك.
(١٠٢٢) ولا بأسَ بخَلِّ العِنَبِ مِثْلًا بمِثْلٍ، فأمّا خَلُّ الزَّبِيبِ .. فلا خيرَ في بَعْضِه ببَعْضٍ مِثْلًا بمِثْلٍ مِنْ قِبَلِ أنّ الماءَ يَقِلُّ فيه ويَكْثُرُ، فإذا اخْتَلَفَتِ الأجْناسُ فلا بأسَ.
(١٠٢٣) ولا خيرَ في التَّحَرِّي فيما في بَعْضِه ببَعْضٍ رِبا.
(١٠٢٤) ولا خيرَ في مُدِّ عَجْوَةٍ ودرهمٍ بمُدَّيْ عَجْوَةٍ (١)، حتّى يَكونَ التّمْرُ بالتّمْرِ مِثْلًا بمِثْلٍ.
(١٠٢٥) وكلُّ زَيْتٍ ودُهْنِ لَوْزٍ وجَوْزٍ وبُزُورٍ لا يَجُوزُ مِنْ الجِنْسِ الواحدِ إلّا مِثْلًا بمِثْلٍ، فإذا اخْتَلَفَ الجِنْسانِ، فلا بأسَ به مُتَفاضِلًا يَدًا بيَدٍ.
(١٠٢٦) ولا يَجُوزُ مِنْ الجِنْسِ الواحدِ مَطْبُوخًا بِنِيءٍ منه بحالٍ إذا كان (٢) إنّما يُدَّخَرُ مَطْبُوخًا، ولا مَطْبُوخًا منه بمَطْبُوخٍ؛ لأنّ النارَ تَنْقُصُ مِنْ بَعْضٍ أكْثَرَ ممّا تَنْقُصُ مِنْ بَعْضٍ، وليس له غايةٌ يَنْتَهِي إليها كما تَكُونُ للتَّمْرِ غايةٌ في اليُبْسِ تَنْتَهِي إليها.
стр. 746
قال المزني: ما أرى لاشْتِراطِه - يعني: الشافعيَّ - «إذا كان إنّما يدَّخَر مطبوخًا» معنًى؛ لأنّ القياسَ أنّ ما ادُّخِرَ وما لم يُدَّخَر واحدٌ، والنارُ تَنْقُصُه (١).
(١٠٢٧) ولا يُباعُ عَسَلُ نَحْلٍ بعَسَلِ نَحْلٍ إلّا مُصَفَّيَيْن مِنْ الشَّمْعِ؛ لأنّهما لو بِيعا وَزْنًا وفي أحدِهما شَمْعٌ - وهو غيرُ العَسَلِ - كان العَسَلُ بالعَسَلِ غيرَ مَعْلومٍ، وكذلك لو بِيعا كَيْلًا.
(١٠٢٨) ولا خيرَ في مُدِّ حِنْطَةٍ فيها قَصَلٌ أو زُؤَانٌ (٢) بمُدِّ حِنْطَةٍ لا شيءَ فيها مِنْ ذلك؛ لأنّها حِنْطةٌ بحِنْطَةٍ مُتَفاضِلَةً ومَجْهُولَةً، وكذلك كُلُّ ما اخْتَلَطَ به، إلّا أن يكون لا يَزِيدُ في كَيْلِه، مِثْلُ قَليلِ التُّرابِ الدَّقيقِ وما دُقَّ مِنْ تِبْنِه، وأما الوَزْنُ .. فلا خيرَ في مِثْلِ هذا.
стр. 747
(١٠٢٩) ولَبَنُ الغَنَمِ ماعِزِه وضَأنِيِّه صِنْفٌ، ولَبَنُ البَقَرِ عَرَبِيِّها وجَوامِيسِها صِنْفٌ، ولَبَنُ الإبلِ مَهْرِيِّها وعِرابِها صِنْفٌ، فإذا اخْتَلَفَ الصِّنْفان .. فلا بأسَ به مُتَفاضِلًا يَدًا بيَدٍ (١).
(١٠٣٠) ولا خيرَ في زُبْدِ غَنَمٍ بلَبَنِ غَنَمٍ؛ لأنّ الزُّبْدَ شيءٌ مِنْ اللَّبَنِ، ولا خيرَ في سَمْنِ غَنَمٍ بزُبْدِ غَنَمٍ، وإذا أخْرِجَ منه الزُّبْدُ فلا بأسَ أن يُباعَ بزُبْدٍ وسَمْنٍ.
(١٠٣١) ولا خيرَ في شاةٍ فيها لَبَنٌ يَقْدِرُ على حَلْبِه بلَبَنٍ (٢)، مِنْ قِبَلِ أنّ في الشّاةِ لَبَنًا لا أدْرِي كَمْ حِصَّتُه مِنْ اللَّبَنِ الذي اشْتُرِيَتْ به نَقْدًا، وإن كان نَسِيئَةً فهو أفْسَدُ للبَيْعِ، وقدْ جَعَلَ النبيُّ ﷺ للَبَنِ التَّصْرِيَةِ بَدَلًا، وإنّما اللَّبَنُ في الضَّرْعِ كالجَوْزِ واللَّوْزِ المَبِيعِ في قِشْرِه، يَسْتَخْرِجُه (٣) صاحبُه إذا شاء، وليس كالوَلَدِ لا يَقْدِرُ على اسْتِخْراجِه.
(١٠٣٢) وكلُّ ما لم يَجُز التَّفاضُلُ فيه فالقَسْمُ فيه كالبَيْعِ.
(١٠٣٣) ولا يَجُوزُ بَيْعُ تَمْرٍ برُطَبٍ بحالٍ؛ لقولِ رسولِ الله ﷺ : «أيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذا يَبِسَ (٤)؟» فنَهَى عنه، فنَظَرَ إلى المتَعَقِّبِ، فكذلك لا يَجُوزُ بَيْعُ رُطَبٍ برُطَبٍ؛ لأنّهما في المتَعَقِّبِ مَجْهُولا المِثْلِ تَمْرًا، وكذلك لا يَجُوزُ قَمْحٌ مَبْلُولٌ بقَمْحٍ جافٍّ.
(١٠٣٤) قال: وإذا كان مُتَبايِعَا الذهبِ بالوَرِقِ بأعْيانِهما إذا تَفَرَّقا قَبْلَ القَبْضِ .. كانا في مَعْنَى مَنْ لم يَتَبايَعْ .. دَلَّ ذلك على أنّ كُلَّ سِلْعَةٍ باعَها
стр. 748
فهَلَكَتْ قَبْلَ القَبْضِ فمِن مالِ بائعِها؛ لأنّه كان عليه تَسْلِيمُها، فلمّا هَلَكَتْ لم يَكُنْ له أخْذُ ثَمَنِها.
(١٠٣٥) قال الشافعي: وإذا اشْتَرَى بالدِّينارِ دَراهمَ بأعْيانِها .. فليس لأحَدٍ منهما أن يُعْطِيَ غيرَ ما وَقَعَ عليه البَيْعُ، فإنْ وَجَدَ بالدينارِ أو بالدراهمِ عَيْبًا فهو بالخيارِ، إنْ شاء حَبَسَ الدينارَ بالدراهمِ، أو حَبَسَ الدراهمَ بالدينارِ، أو نَقَضَ البَيْعَ.
(١٠٣٦) وإذا تَبايَعا ذلك بغير عَيْنِ الدينارِ والدراهمِ وتَقابَضا، ثُمّ وَجَدَ بالدينارِ أو ببَعْضِ الدراهمِ عَيْبًا قَبْلَ أن يَتَفَرَّقا .. أبْدَلَ كلُّ واحدٍ منهما صاحبَه المعِيبَ، وإنْ كان بعد التَّفَرُّقِ .. ففيه أقاويلُ: أحدها - أنه كالجواب في العين، والثاني - أنْ يُبْدَلَ المعِيبُ؛ لأنّه بيعُ صِفَةٍ أجازها المسلمون إذا قُبِضَتْ قبل التَّفَرُّقِ، ويُشْبِهُ أن يكونَ مِنْ حُجَّتِه: كما لو اشْتَرَى سَلَمًا بصِفَةٍ ثُمّ قَبَضَه فأصاب به عَيْبًا أخَذَ صاحبَه بمِثْلِه، وبيوعُ الصفاتِ غيرُ بيوعِ الأعْيانِ، ومَن أجاز بعضَ الصَّفْقَةِ (١) رَدَّ المعِيبَ مِنْ الدراهمِ بحِصَّتِه مِنْ الدينار.
قال المزني: إذا كان بَيْعُ العينِ والصفاتِ مِنْ الدينارِ بالدراهمِ فيما يَجُوزُ بالقبضِ قبل الافْتِراقِ سواءً، وفيما يَفْسُدُ به البيعُ مِنْ الافْتِراقِ قبل القبضِ سواءً .. لَزِمَ أن يكونا في حُكْمِ العَيْبِ بعد القبض سواءً، وقد قال الشافعي: «يَرُدُّ الدراهمَ بحِصَّتِه مِنْ الدينارِ» (٢).
стр. 749
(١٠٣٧) قال الشافعي: ولو رَاطَلَ (١) مائةَ دينارٍ عُتُقٍ مَرْوانِيَّةٍ ومائةَ دينارٍ مِنْ ضَرْبٍ مَكْرُوهٍ بمائتَيْ دينارٍ مِنْ ضَرْبٍ وَسَطٍ خيرٍ مِنْ المكروهِ ودونَ المرْوانِيَّةِ .. لم يَجُزْ؛ لأنّي لم أرَ بين أحَدٍ ممّنْ لَقِيتُ مِنْ أهْلِ العلمِ اخْتِلافًا في أنّ ما جَمَعَتْه الصَّفْقَةُ مِنْ عَبْدٍ ودارٍ، أنّ الثَّمَنَ مَقْسُومٌ على كلِّ واحدٍ منهما بقَدْرِ قِيمَتِه مِنْ الثَّمَنِ، فكان قِيمَةُ الجَيِّدِ مِنْ الذَّهبِ أكْثَرَ مِنْ الرَّدِيءِ، والوَسَطِ أقَلَّ مِنْ الجَيِّدِ، ونَهَى النبيُّ ﷺ عن الذهبِ بالذهبِ إلّا مِثْلًا بمِثْلٍ.
(١٠٣٩) ولا بأسَ أن يَشْتَرِيَ الدراهمَ مِنْ الصَّرَّافِ، ويَبِيعَها منه، إذا قَبَضَها منه بأقَلَّ مِنْ الثّمَنِ أو أكْثَرَ، وعادةٌ وغيرُ عادةٍ سواءٌ (٢).
стр. 750
(١١٩)
باب بيع اللحم باللحم
(١٠٤٠) قال الشافعي: اللَّحْمُ كلُّه صِنْفٌ (١)، وَحْشِيُّه وإنْسِيُّه وطائرُه، لا (٢) يَحِلُّ فيه البيعُ حتّى يكونَ يابِسًا وَزْنًا بوَزْنٍ.
وقال في موضعٍ آخَرَ: «فيها قولان»، فخرَّجهما، ثُمّ قال في آخِرِه: «ومَن قال: اللُّحْمانُ صِنْفٌ واحدٌ .. لَزِمَه إذا حَدَّه بجِماع (اللَّحْم) أن يَقُولَه في جماع (الثَّمَر)، فيَجْعَلَ الزَّبِيبَ والتَّمْرَ وغيرَهما مِنْ الثِّمارِ صِنْفًا واحدًا، وهذا ما لا يجوز لأحدٍ أن يَقُولَه».
قال المزني: فإذا كان تَصْيِيرُ اللُّحْمانِ صِنْفًا واحدًا قياسَ قولٍ (٣) لا يَجُوزُ بحالٍ، وأنّ ذلك ليس على الأسماء الجامِعَة، وأنّها على الأصنافِ والأسماءِ الخاصَّةِ .. فقد قَطَعَ بأنّ اللُّحمانَ أصنافٌ، قال المزني: وقد قَطَعَ قبل هذا الباب [ف: ١٠٢٩] بأنّ ألْبانَ البَقَرِ والغَنَمِ والإبِلِ أصنافٌ (٤) مخْتَلِفَةٌ، فلُحُومُها التي هي أصْلُ الألْبانِ بالاخْتِلافِ أوْلى، وقال في «الإملاء على مسائل مالك المجموعة»: «وإذا اخْتَلَفَتْ أجْناسُ الحِيتانِ (٥)، فلا بأسَ بعضُها ببعضٍ مُتَفاضِلًا، وكذلك لحومُ الطَّيْرِ إذا اخْتَلَفَتْ أجناسُها»، قال المزني: وفي ذلك كِفايَةٌ لِما وَصَفْنا، وبالله التوفيق (٦).
стр. 751
(١٢٠)
باب بيع اللحم بالحيوان
مِنْ كُتُبٍ
(١٠٤١) قال الشافعي: أخبرنا مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن ابن المسيب؛ أنّ رسولَ الله ﷺ نَهَى عن بيع اللّحْمِ بالحيوان.
(١٠٤٢) وعن ابن عباس أنّ جَزُورًا نُحِرَتْ على عَهْدِ أبي بكر الصديق، فجاء رجلٌ بعَناقٍ، فقال: أعْطُونِي جُزْءًا بهذه العَناقِ، فقال أبو بكر: لا يَصْلُحُ هذا، وكان القاسمُ بنُ محمّدٍ، وابنُ المسيب، وعروةُ بنُ الزبير، وأبو بكر بن عبدالرحمن يحَرِّمُون بيعَ اللَّحْمِ بالحيوان عاجلًا وآجلًا، يُعظِّمُون (١) ذلك، ولا يُرَخِّصُون فيه.
(١٠٤٣) قال: وبهذا نأخُذ، كان اللَّحْمُ مخْتَلِفًا أو غيرَ مخْتَلِفٍ، ولا نَعْلَمُ أحدًا مِنْ أصحابِ النبيّ ﷺ خالفَ في ذلك أبا بكرٍ، وإرْسالُ ابنِ المسيب عندنا حَسَنٌ.
قال المزني: إذا (٢) لم يَثْبُت الحديثُ عن رسول الله ﷺ .. فالقياسُ عندي أنّه جائزٌ، وذلك أنّه إذا كان فصيلٌ بجَزُورٍ قائمَيْنِ جائزًا،
стр. 752
ولا يَجُوزان (١) مَذْبُوحَيْن - لأنّهما طعامان - إلّا مِثْلًا بمِثْلٍ (٢)، فهذا لحمٌ وهذا حيوانٌ، وهما مختلفان، فلا بأسَ به في القياسِ إنْ كان فيه قولٌ مُتَقَدِّمٌ ممّن يَكُونُ بقولِه اخْتِلافٌ، إلّا أن يَكُون الحديثُ عن رسول الله ﷺ ثابتًا، فنأخذُ به، ونَدَعُ القياسَ (٣).
стр. 753
(١٢١)
باب ثمر الحائط يباع أصله
مِنْ كُتُبٍ
(١٠٤٤) قال الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، أنّ رسول الله ﷺ قال: «مَنْ باع نخلًا بعد أن يُؤبَّرَ (١) .. فثَمَرَتُها للبائع، إلّا أن يَشْتَرِطَ المبْتاعُ».
(١٠٤٥) قال الشافعي: فإذا جَعَل رسولُ الله ﷺ الإبارَ حَدًّا لمِلْكِ البائعِ .. فقد جَعَل ما قَبْلَه حَدًّا لمِلْكِ المشْتَرِي.
(١٠٤٦) وأقَلُّ الإبَارِ أن يُؤبَّرَ شيءٌ (٢) مِنْ حائطِه، وإن لم يُؤبَّر الذي إلى جَنْبِه، فيَكُونُ في معنى ما أبِّرَ كُلُّه، ولو تَشَقَّقَ طَلْعُ إناثِه أو شيءٌ منه .. فهو في معنى ما أبِّرَ كلُّه.
(١٠٤٧) وإنْ كان فيها فُحُولُ نَخْلٍ بعد أن تُؤبَّرَ الإناثُ فثَمَرُها للبائع،
стр. 754
فهي قبل الإبَارِ وبعده في البيع (١) في معنى ما لم يُخْتَلَفْ فيه مِنْ أنّ كلَّ ذاتِ حَمْلٍ مِنْ بَنِي آدمَ ومِن البهائمِ بِيعَتْ، فحَمْلُها تَبَعٌ لها كعُضْوٍ منها لأنّه لم يُزايِلْها، فإنْ بِيعَتْ بعد أنْ وَلَدَتْ .. فالولدُ للبائعِ إلّا أن يَشْتَرِطَ المبتاعُ.
(١٠٤٨) والكُرْسُفُ (٢) إذا بِيعَ أصْلُه كالنَّخْلِ، إذا خَرَجَ جَوْزُه ولم يَتَشَقَّقْ فهو للمشتري، وإذا تَشَقَّقَ فهو للبائع.
(١٠٤٩) وتُخالِفُ الثِّمارُ مِنْ الأعنابِ وغيرِها النَّخْلَ، فتَكُونُ كلُّ (٣) ثَمَرَةٍ خَرَجَتْ بارزةً تُرَى في أوَّلِ ما تَخْرُج كما تُرَى في آخِرِه، فهو في معنى ثَمَرِ النَّخْلِ بارزًا مِنْ الطّلْعِ، فإذا باعه شَجَرًا مُثْمِرًا فهو للبائع إلّا أن يَشْتَرِطَه المبتاعُ؛ لأنّ الثَّمَرَ فارَقَ أن يَكُونَ مُسْتَوْدَعًا في الشَّجَرِ كما يَكُونُ الحمْلُ مُسْتَوْدَعًا في الأمَةِ.
(١٠٥٠) ومَعْقُولٌ إذا كانت الثَّمَرَةُ للبائع، أنّ على المشتري تَرْكَها في شَجَرِها إلى أنْ تَبْلُغَ الجِدادَ، أو القِطافَ، أو اللِّقاطَ مِنْ الشَّجَرِ (٤).
(١٠٥١) فإذا كان لا يُصْلِحُها إلّا السَّقْيُ، فعلى المشتري تَخْلِيَةُ البائعِ وما يَكْفِي مِنْ السَّقْيِ، وإنَّما له مِنْ الماءِ ما فيه صَلاحُ ثَمَرِه.
(١٠٥٢) فإذا (٥) كانت الشَّجَرَةُ ممّا تَكُونُ فيه الثَّمَرَةُ ظاهِرَةً، ثُمّ تَخْرُجُ
стр. 755
منها قبل مَبْلَغِ (١) الخارِجَةِ ثَمَرَةَ غيرِها .. فإنْ تَمَيَّزَ فلِلْبائعِ الثَّمَرَةُ الخارِجَةُ، وللمشتري الحادِثَةُ (٢)، وإنْ كان لا يَتَمَيَّزُ ففيها قولان: أحدهما - لا يجوز البيعُ، إلّا أن يُسلِّمَ البائعُ الثَّمَرَةَ كُلَّها فيَكُونَ قد زاده حَقًّا له، أو يَتْرُكَه المشتري للبائع فيَعْفُوَ له عن حَقِّه، والقول الثاني - أنّ البيعَ مَفْسُوخٌ.
وقدْ قال (٣) في هذا الكتابِ وفي «الإملاء على مسائل مالك»: «مَفْسُوخٌ»، وهكذا قال في بَيْعِ الباذِنْجان في شَجَرِه والخِرْبِزِ (٤)، وهكذا قال فيمَن باع قُرْطًا جَزَّهُ (٥) عند بُلوغِ الجِزَازِ فتَرَكَه المشتري حتّى زاد كان البائع بالخيار في أن يَدَعَ له الفَضْلَ الذي له بلا ثَمَنٍ أو يَنْقُضَ البيعَ؛ كما لو باعه حِنْطَةً فانْثالَتْ عليها حِنْطَةٌ أخْرَى (٦) فله الخيارُ في أن يُسَلِّمَ له الزّيادَةَ أو يَفْسَخَ لاخْتِلاطِ ما باع بما لم يَبعْ.
قال المزني: هذا أشْبَهُ بمَذْهَبِه إذا لم يَكُنْ قَبَضَ؛ لأنّ التّسْلِيمَ عليه مَضْمُونٌ بالثَّمَنِ ما دام في يَدَيْه، ولا يُكَلَّفُ ما لا سبيلَ له إليه، قال المزني: قلت أنا (٧): فإذا كان بعد القَبْضِ لم يَضُرّ البيعَ شَيْئًا لتَمامِه، وهذا المخْتَلِطُ
стр. 756
لهما يَتَراضَيَان فيه بما شاءا؛ إذْ كلُّ واحدٍ منهما (١) يَقُولُ: (لا أدْرِي ما لي منه (٢)، وإن تَداعَيا فالقولُ عندي (٣) قولُ الّذِي كانت الثَّمَرَةُ في يَدَيْه، والآخَرُ مُدَّعٍ عليه (٤).
стр. 757
(١٠٥٣) قال الشافعي: وكلُّ أرْضٍ بِيعَتْ .. فللمُشْتَرِي جميعُ ما فيها مِنْ بِناءٍ وأصْلٍ، والأصْلُ: ما له ثَمَرَةٌ بعد ثَمَرَةٍ مِنْ كلِّ شَجَرٍ وزَرْعٍ مُثْمِرٍ (١).
(١٠٥٤) وإن كان فيها زَرْعٌ فهو للبائع، يُتْرَكُ حتّى يُحْصَدَ، وإنْ كان زَرْعًا يُجَزُّ مِرارًا فللبائع جِزَّةٌ واحدةٌ، وما بَقِيَ فكالأصلِ، وإنْ كان فيها حَبٌّ قد بَذَرَه .. فالمشتري بالخيار، إنْ أحَبَّ نَقَضَ البيعَ، أو تَرَكَ البِذْرَ حتّى يَبْلُغَ فيُحْصَدَ.
(١٠٥٥) وإنْ كانتْ فيها حِجارَةٌ مُسْتَوْدَعَةٌ .. فعلى البائع نَقْلُها وتَسْوِيَةُ الأرضِ على حالها، لا يَتْرُكُها حُفَرًا.
(١٠٥٦) ولو كان غَرَسَ عليها شَجَرًا .. فإنْ كانتْ تَضُرُّ بعُروقِ الشَّجَرِ فللمشتري الخيارُ، وإن كان لا تَضُرُّ بها ويَضُرُّها إذا أراد قَلْعَها .. قيل
стр. 758
للبائع: أنت بالخيار، إنْ سَلَّمْتَها فالبيعُ جائزٌ، وإن أبَيْتَ قيل للمشتري: أنت بالخيار في الرَّدِّ، أو يَقْلَعُه ويكون عليه قيمةُ ما أفْسَدَ عليك.
стр. 759
(١٢٢)
باب الوقت الذي يحل فيه بيع الثمار ورد الجائحة (١)
من كتب
(١٠٥٧) قال الشافعي: أخبرنا مالك، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك، أنّ رسولَ الله ﷺ نَهَى عن بَيْعِ الثِّمار حتّى تُزْهِيَ، قيل: يا رسول الله، وما (تُزْهِي)؟ قال: «حتّى تَحْمَرَّ» (٢)، ورَوَى عنه ﷺ ابنُ عمر: «حتّى يَبْدُو صَلاحُها»، ورَوَى غيرُه: «حتّى تَنْجُوَ مِنْ العاهةِ».
(١٠٥٨) قال الشافعي: فبهذا نأخُذُ، وفي قولِه: «إذا مَنَع الله الثَّمَرَةَ فبِمَ يأخُذُ أحدُكم مالَ أخيه؟!» .. دليلٌ أنّه إنّما نَهَى عن بَيْعِ الثَّمَرَةِ التي تُتْرَكُ حتّى تَبْلُغَ غايةَ إبّانِها، لا أنّه نَهَى عمّا يُقْطَعُ منها، وذلك أنّ ما يُقْطَعُ منها لا آفةَ تَأتِي عليه تَمْنَعُه، إنما يُمْنَعُ ما تُرِكَ مُدَّةً تَكونُ في مِثْلِها الآفةُ كالبَلَحِ، وكلُّ ما دون البُسْرِ يَحِلُّ بَيْعُه على أن يُقْطَعَ مكانَه.
(١٠٥٩) وإذا أذِن ﷺ في بَيْعِه إذا صارَ أحْمَرَ أو أصْفَرَ، فقد أذِنَ فيه إذا بَدا فيه النُّضْجُ واسْتُطِيعَ أكْلُه، خارجًا مِنْ أن يَكُونَ كلُّه بَلَحًا، وصار
стр. 760
عامَّتُه في تلك الحال يَمْتَنِعُ في الظاهرِ مِنْ العاهةِ لغِلَظِ نَواتِه في عامَّتِه وبُسْرِه (١)، قال: وكذلك كلُّ ثَمَرَةٍ مِنْ أصْلٍ يُرَى فيها أوَّلُ النُّضْجِ، لا كِمامَ عليها.
(١٠٦٠) وللخِرْبِزِ نُضْجٌ كنُضْجِ الرُّطَبِ، فإذا رُئِي ذلك فيه حَلَّ بَيْعُ خِرْبِزِه، والقِثّاءُ يُؤكَلُ صِغارًا طَيِّبًا، فبُدُوُّ صلاحِه أن يَتَناهَى عِظَمُه أو عِظَمُ بعضِه، ثمّ يُتْرَكُ حتّى يَتلاحَقَ صِغارُه بكبارِه.
(١٠٦١) ولا وجْهَ لمنْ قال: يَجُوزُ إذا بَدا صلاحُهما ويكونُ لمشْتَرِيهِما ما ثَبَتَ أصْلُهما أن يأخُذَ كلَّ ما خَرَجَ منهما، وهذا محرم، وكيف لم يَجُزْ بيعُ القِثّاءِ والخِرْبِزِ حتّى يَبْدُوَ صَلاحُهما؛ كما لا يَحِلُّ بيعُ الثَّمَرِ حتّى يَبْدُوَ صَلاحُه، ويَحِلُّ ما لم يُرَ ولم يُخْلَقْ منهما؟! ولو جاز لبُدُوِّ صَلاحِهما شِراءُ ما لم يُخْلَقْ .. لجاز لبُدُوِّ صَلاحِ ثَمَرِ النّخْلِ شِراءُ ما لم يَحْمِل النّخْلُ سِنِين، وقد نَهَى رسولُ الله ﷺ عن بَيْعِ السِّنِين.
(١٠٦٢) قال الشافعي: وكلُّ ثَمَرَةٍ وزَرْعٍ دُونها حائلٌ مِنْ قِشْرٍ أو كِمامٍ، وكانتْ إذا صارتْ إلى ما يُكِنُّها أخْرَجُوها مِنْ قِشْرِها وكِمامِها بلا فَسادٍ عليها إذا ادّخَرُوها (٢) .. فالذي أخْتارُ فيها: أن لا يَجُوزَ بَيْعُها في شَجَرِها ولا مَوْضُوعةً بالأرضِ للحائلِ.
قال المزني: وقاسَ ذلك على شِراء لحْمِ شاةٍ مَذْبُوحةٍ عليها جِلْدُها للحائلِ دون لحْمِها.
(١٠٦٣) قال الشافعي: ولم أجِدْ أحَدًا مِنْ أهلِ العِلْمِ يَأخُذُ عُشْرَ الحبوبِ في أكْمامِها، ولا يُجِيزُ بيعَ (٣) الحِنْطَةِ بالحِنْطَةِ في سُنْبُلِها، فإن قال
стр. 761
قائل: أجِيزُ بيعَ الحنطةِ في سُنْبُلِها .. لَزِمَه أن يُجِيزَه في تِبْنِها، وفِضَّةٍ في تُرابٍ بالتُّرابِ (١).
(١٠٦٤) قال: وعلى الجَوْزِ قِشْرَتان، واحدةٌ فَوْقَ القِشْرَةِ التي يَرْفَعُها الناسُ عليها (٢)، فلا يَجُوزُ بَيْعُه وعليه القِشْرَةُ العُلْيا؛ لأنّه يَصْلُحُ أن يُرْفَعَ بدون العُلْيا، وكذلك الرّانَجُ (٣) وما كانتْ عليه قِشْرَتان.
(١٠٦٥) ولا يَجُوزُ أن يَسْتَثْنِيَ مِنْ التَّمْرِ مُدًّا؛ لأنّه لا يُدْرَى كَمْ المُدُّ مِنْ الحائطِ، أسَهْمٌ مِنْ ألْفِ سَهْمٍ، أو مائةُ سَهْمٍ، أو أقَلُّ أو أكْثَرُ؟ فهذا مجهولٌ، ولو اسْتَثْنَى رُبُعَه أو نَخْلاتٍ بعَيْنِها .. فجائزٌ (٤).
(١٠٦٦) وإن باع ثَمَرَ حائطِه وفيه الزّكاةُ .. ففيه قولان: أحدهما - أن يَكونَ للمشْتَرِي الخيارُ (٥) في أن يأخُذَ ما جاوَزَ الصدقةَ بحِصَّتِه مِنْ الثَّمَنِ أو الرَّدِّ، والثاني - إن شاء أخَذَ الفَضْلَ عن الصَّدَقةِ بجَميعِ الثَّمَنِ أو الرَّدَّ، وللسُّلطانِ أخْذُ العُشْرِ مِنْ الثَّمَرَةِ.
قال المزني: هذا خِلافُ قَوْلِه فيمَن اشْتَرَى ما فيه الزكاةُ؛ أنَّه يَجْعَلُ أحدَ القولين أنّ البيعَ فيه باطلٌ، ولم يَقُلْه ههنا (٦).
стр. 762
(١٠٦٧) قال الشافعي: ولا يَرْجِعُ مَنْ اشْتَرَى الثَّمَرَةَ وسُلِّمَتْ إليه بالجائحة على البائعِ، ولو لم يَكُنْ سُفيانُ وَهَّنَ حديثَه في الجائحة لصِرْتُ إليه؛ فإنّي سَمِعْتُه منه ولا يَذْكُرُ حائجةً، ثُمّ ذَكَرَها وقال: «كان كلامٌ قَبْلَ وَضْعِ الجوائح لم أحْفَظْه» (١)، ولو صِرْتُ إلى ذلك لوَضَعْتُ كلَّ قَليلٍ وكثيرٍ أصِيبَ مِنْ السماءِ بغير جِنايةِ أحدٍ، فأمّا أن يُوضَعَ الثُّلُثُ فصاعِدًا ولا يُوضَعَ ما دونه .. فهذا لا خبرٌ ولا قياسٌ ولا معقولٌ (٢).