(٩٠٥) قال: ويَأخُذُ منها الحَصَى للرَّمْيِ، تكون قَدْرَ حَصَى الخَذْفِ (١)؛ لأنّ بقَدْرِها رَمَى رسولُ الله ﷺ ، ومِن حيْثُ أخَذَ .. أجْزَأه إذا وَقَعَ عليه اسْمُ حَجَرٍ، مَرْمَرٍ، أو بِرامٍ، أو كَذّان، أو فِهْرٍ (٢)، وإنْ كان كُحْلًا أو زِرْنِيخًا أو ما أشْبَهَه .. لم يُجْزِئه.
(٩٠٦) وإنْ رَمَى بما قد رُمِيَ به مرةً .. كَرِهْتُه وأجْزَأ عنه.
(٩٠٧) ولو رَمَى فوَقَعَتْ حَصاةٌ على مَحْمَلٍ ثُمّ اسْتَنَّتْ (٣) فوَقَعَتْ في مَوْضِعِ الحَصَى .. أجْزَأه، وإنْ وَقَعَتْ في ثَوْبِ رَجُلٍ فنَفَضَها .. لم يُجْزِئه.
(٩٠٨) فإذا أصْبَحَ صَلَّى الصُّبْحَ في أوَّلِ وَقْتِها، ثُمّ يَقِفُ على قُزَحَ حتّى يُسْفِرَ قبل طلوع الشّمسِ، ثُمّ يَدْفَعُ إلى مِنًى، فإذا صارَ في بَطْنِ مُحَسِّرٍ حَرَّكَ دابَّتَه قَدْرَ رَمْيَةٍ بحَجَرٍ.
(٩٠٩) فإذا أتَى مِنًى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَة (٤)
стр. 704
في (١) بَطْنِ الوادي بسَبْعِ حَصَياتٍ، ويَرْفَعُ (٢) كُلَّما رَمَى حتّى يُرَى بَياضُ ما تحت مَنْكِبِه، ويُكَبِّرُ مع كلِّ حَصاةٍ.
(٩١٠) وإنْ رَمَى قبلَ الفَجْرِ بعد نِصْفِ الليلِ أجْزَأ عنه؛ لأنّ رسولَ الله ﷺ أمَرَ أمَّ سَلمَةَ أنْ تُعَجِّلَ الإفاضَةَ (٣) وتُوافِيَ صلاةَ الصُّبْحِ بمَكَّةَ وكان يَوْمَها، فأحَبَّ أن تُوافِيَه ﷺ ، ولا يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ رَمَتْ إلّا قبل الفَجْرِ.
(٩١١) ثُمّ يَنْحَرُ الهَدْيَ إن كان معه، ثُمّ يَحْلِقُ أو يُقَصِّرُ، ويَأكُل مِنْ لحْمِ هَدْيِه، وقد حَلَّ مِنْ كلِّ شيءٍ إلّا النساءَ فقط.
(٩١٢) ولا يَقْطَعُ التّلْبِيَةَ حتّى يَرْمِيَ الجَمْرَةَ بأوّلِ حَصاةٍ؛ لأنّ النبيّ ﷺ لم يَزَلْ يُلَبِّي حتّى رَمَى الجَمْرَةَ، وعُمَرُ وابنُ عبّاسٍ وعطاءٌ وطاوسٌ ومجاهدٌ لم يَزالُوا يُلَبُّون حتّى رَمَوا الجمرةَ.
(٩١٣) قال: ويَتَطَيَّبُ إنْ شاء لحِلِّه قبْلَ أن يَطُوفَ بالبيتِ؛ لأنّ النبيَّ ﷺ تَطَيَّبَ لحِلِّه قبْلَ أن يَطُوفَ بالبيتِ.
(٩١٤) ويَخْطُبُ الإمامُ بعد الظُّهْرِ يومَ النّحْرِ، ويُعَلِّمُ الناسَ النّحْرَ والرّمْيَ والتّعْجِيلَ لمن أراد في يَوْمَيْن بعد النّحْرِ.
(٩١٥) ومَنْ حَلَقَ يومَ النحرِ قبْلَ أن يَذْبَحَ، أو نَحَرَ قبْلَ أن يَرْمِيَ، أو قَدَّمَ الإفاضةَ على الرَّمْيِ، أو قَدَّمَ نُسُكًا قبل نُسُكٍ مما يُعْمَلُ يومَ النّحْرِ ..
стр. 705
فلا حَرَجَ ولا فِدْيَةَ، واحْتَجَّ بأنّ النبيّ ﷺ ما سُئِلَ يومئذٍ عن شيءٍ قُدِّمَ ولا أخِّرَ إلّا قال: «افْعَلْ ولا حَرَجَ».
(٩١٦) ويَطُوفُ بالبيتِ طَوافَ الفَرْضِ، وهي الإفاضَةُ، وقد حَلَّ مِنْ كُلِّ شيءٍ؛ النساءِ وغيرِهن.
(٩١٧) ثُمّ يَرْمِي أيامَ مِنًى الثلاثةَ، في كلِّ يومٍ إذا زالت الشّمْسُ الجمرةَ الأُولَى بسبعِ حَصَياتٍ، والثانيةَ بسبعٍ، والثالثةَ بسبعٍ، وإنْ رَمَى بحصاتَيْن أو ثلاثٍ في مرّةٍ واحدةٍ .. فهو كواحدةٍ.
(٩١٨) وإن نَسِيَ مِنْ اليومِ الأوّلِ شيئًا مِنْ الرّمْيِ رماه في اليومِ الثاني، وما نَسِيَه في اليومِ الثاني .. رماه في اليومِ الثالثِ (١).
(٩١٩) قال: ولا بأسَ إذا رَمَى الرُّعاةُ الجمرةَ يومَ النّحرِ أن يَصْدُرُوا، ويَدَعُوا المبيتَ بمِنًى في لَيْلَتِهم، ويَدَعُوا الرّمْيَ مِنْ الغَدِ يومَ النّحرِ، ثُمّ يَأتُوا مِنْ بعدِ الغَدِ - وهو يومُ النَّفْرِ الأوّلُ (٢) - فيَرْمُوا لليومِ الماضِي، ثُمّ يَعُودُوا فيَسْتَأنِفُوا يومَهم ذلك.
(٩٢٠) ويَخْطُبُ الإمامُ بعد الظُّهْرِ يومَ الثالثِ مِنْ يومِ النّحْرِ وهو النَّفْرُ الأوّلُ، فيُوَدِّعُ الحاجَّ، ويُعَلِّمُهُم أنّ مَنْ أراد التّعْجِيلَ فذلك له، ويَأمُرُهُم أن يَخْتِمُوا حَجَّهُم بتقوى الله وطاعتِه واتباعِ أمْرِه.
стр. 706
(٩٢١) فمَن لم يَتَعَجَّلْ حتّى يُمْسِيَ .. رَمَى مِنْ الغَدِ، فإذا غَرَبَتْ الشّمسُ انْقَضَتْ أيّامُ مِنًى.
(٩٢٢) وإن تَدَارَكَ عليه رَمْيان (١) في أيّامِ مِنًى .. ابْتَدَأ الأوّلَ حتّى يَكْمُلَ، ثُمّ عاد فابْتَدَأ الآخِرَ، ولم يُجْزِئه أن يَرْمِيَ أرْبَعَ عَشْرَةَ حَصَاةً في مَقامٍ واحدٍ.
(٩٢٣) فإنْ أخّرَ ذلك حتّى تَنْقَضِيَ أيّامُ الرّمْيِ، وتَرَكَ حَصاةً .. فعليه مُدُّ طَعامٍ بمُدِّ النبيّ ﷺ لمسكينٍ، وإنْ كانتْ حَصاتَيْن (٢) .. فمُدّانِ لمسْكِينَيْنِ، وإن كانتْ ثلاثَ حَصَياتٍ .. فدَمٌ (٣).
(٩٢٤) وإنْ تَرَكَ المبيتَ (٤) ليلةً مِنْ لَيالي مِنًى .. فعليه مُدٌّ، وإنْ تَرَكَ لَيْلَتَيْن .. فعليه مُدّانِ، وإنْ تَرَكَ ثلاثَ لَيالٍ .. فدَمٌ (٥).
(٩٢٥) والدّمُ شاةٌ يَذْبَحُها لمساكينِ الحَرَمِ.
(٩٢٦) ولا رُخْصَةَ في تَرْكِ المبِيتِ بمِنًى إلّا لرُعاةِ الإبِلِ وأهلِ سِقايةِ
стр. 707
العبّاسِ دُون غيرِها، ولا رُخْصَةَ فيها إلّا لمَنْ وَلِيَ القِيامَ عليها منهم، وسَواءٌ مَنْ اسْتُعْمِلوا عليها منهم أو مِنْ غيرِهم؛ لأنّ النبيَّ ﷺ أرْخَصَ لأهلِ السِّقايةِ مِنْ أهلِ بَيْتِه أن يَبِيتُوا بمكةَ ليالي مِنًى.
(٩٢٧) ويَفْعَلُ الصّبيُّ (١) في كُلِّ أمْرِه ما يَفْعَلُ الكبيرُ، وما عَجَزَ عنه الصَّبِيُّ مِنْ الطّوافِ والسّعْيِ حُمِلَ وفُعِلَ ذلك به، ويَجْعَلُ الحَصَى في يَدِه ليَرْمِيَ، فإنْ عَجَزَ رُمِيَ عنه.
(٩٢٨) وليس على الحاجِّ بعد فَراغِه مِنْ الرَّمْيِ أيّامَ مِنًى إلّا وَداعُ البيتِ (٢)، فيُوَدِّعُ البيتَ، ثُمّ يَنْصَرِفُ إلى بَلَدِه، والوَداعُ: الطَّوافُ بالبيتِ، ويَرْكَعُ رَكْعَتَيْن بعدَه، فإن لم يَطُفْ وانْصَرَفَ .. فعليه دَمٌ لمساكينِ الحَرَمِ (٣).
(٩٢٩) وليس على الحائضِ وَداعٌ؛ لأنّ رسولَ الله ﷺ رَخَّصَ لها أنْ تَنْفِرَ بلا وَداعٍ.
(٩٣٠) وإذا أصابَ المحْرِمُ امْرَأتَه المحْرِمَةَ فغَيَّبَ الحَشَفَةَ ما بين أن يُحْرِمَ إلى أن يَرْمِيَ الجَمْرَةَ .. فقد أفْسَدَ حَجَّه، وسواءٌ وَطِئَ مَرَّةً أو مَرَّتَيْن؛ لأنّه فَسادٌ واحدٌ (٤)، وعليه الهَدْيُ
стр. 708
بَدَنَةٌ (١)، وحَجُّ قابلٍ بامْرأتِه، ويُجْزِئ عنهما هَدْيٌ واحدٌ (٢)، وما تَلَذَّذَ منها دُون الجِماعِ .. فشاةٌ تُجْزِئه.
(٩٣١) فإن لم يَجِد المفْسِدُ بَدَنَةً .. فبَقَرَةٌ، فإن لم يَجِدْ .. فسَبْعًا مِنْ الغَنَمِ، فإن لم يَجِدْ .. قُوِّمَت البَدَنَةُ دَراهِمَ بمَكَّةَ، والدّراهمُ طعامًا، فإن لم يَجِدْ .. صام عن كُلِّ مُدٍّ يومًا (٣).
(٩٣٢) وهكذا كُلُّ واجبٍ عليه فعَسُرَ به مما (٤) لم يَأتِ فيه (٥)
стр. 709
نَصُّ خَبَرٍ (١).
(٩٣٣) ولا يَكُونُ الطعامُ والهدْيُ إلّا بمكةَ أو مِنًى، والصومُ حيثُ شاء؛ لا مَنْفَعَةَ لأهْلِ الحَرَمِ في الصومِ.
(٩٣٤) ومَن وَطِئَ أهْلَهُ بعد رَمْيِ الجِمارِ .. فعليه بَدَنَةٌ، ويَتِمُّ حَجُّه.
قال المزني: قرأتُ عليه هذه المسألة، قلت أنا (٢): إن لم تَكُنْ البَدَنَةُ إجماعًا أو أصْلًا .. فالقياسُ شاةٌ؛ لأنّها هَدْيٌ عندي (٣).
(٩٣٥) قال الشافعي: ومَن أفْسَدَ العمرةَ .. فعليه القضاءُ مِنْ الميقاتِ الذي ابْتَدَأها منه، فإن قيل: فقد أمَرَ النبيُّ ﷺ عائشةَ أن تَقْضِيَ العمرةَ مِنْ التَّنْعِيمِ .. فليس كما قال، إنّما كانتْ قارنًا (٤)، وكانتْ عمرتُها شَيْئًا اسْتَحَبَّتْه، فأمَرَها (٥) النبيُّ ﷺ بها، لا أنّ عمرتَها كانتْ قضاءً؛ لقولِ رسولِ الله ﷺ لها: «طوافُكِ يَكْفِيكِ لحَجِّكِ وعمرتِك».
(٩٣٦) قال: ومَن أدْرَك عَرَفَةَ قبل الفجرِ مِنْ يومِ النحرِ .. فقد أدْرَكَ الحجَّ، واحْتَجّ في ذلك بقولِ النبيِّ ﷺ : «مَنْ أدْرَكَ عَرَفَةَ قبل الفجرِ مِنْ
стр. 710
يومِ النحرِ فقد أدْرَكَ الحجَّ» (١).
(٩٣٧) قال الشافعي: ومَن فاتَه ذلك .. فاته الحجُّ، فآمُرُه (٢) أن يُحِلَّ بطوافٍ وسَعْيٍ وحِلاقٍ (٣).
(٩٣٨) قال: وإن حَلَّ بعملِ عمرةٍ .. فليس أنّ حَجَّه صار عمرةً، وكيف يَصِيرُ عمرةً وقد ابْتَدَأه حَجًّا؟!
قال المزني: إذا كان عَمَلُه عنده عَمَلَ حَجٍّ لم يَخْرُجْ منه إلى عمرةٍ، فقياسُ قولِه أن يأتيَ بباقي الحجِّ، وهو المبيتُ بمِنًى والرَّمْيُ بها مع الطوافِ والسَّعْيِ، وتأوُّلُ قولِ عمرَ: «افْعَلْ ما يَفْعَلُ المعتمِرُ» إنّما أراد أنّ الطوافَ والسعيَ مِنْ عملِ العمرةِ (٤)، لا أنّها عمرةٌ (٥).
стр. 711
(٩٣٩) قال الشافعي: ولا يَدْخُلُ مكةَ إلّا بإحرامٍ في حجٍّ أو عمرةٍ (١)؛ لمباينتِها جميعَ البُلْدانِ، إلّا أنّ مِنْ أصحابِنا مَنْ رَخَّصَ للحَطّابِين ومَن مَدْخَلُه لمنافعِ أهلِها أو كَسْبِ نفسِه (٢)، قال الشافعي: ولعلّ حطّابِيهم عَبِيدٌ.
(٩٤٠) ومَنْ دَخَلَها بغيرِ إحْرامٍ فلا قضاءَ عليه (٣).
стр. 712
(١٠٤)
باب فَوْت الحج بلا إحصار (١)(٩٤١) قال الشافعي: أخبرنا أنس بن عِياضٍ، عن موسى بن عُقْبة، عن نافعٍ، عن ابن عمر أنّه قال: «مَنْ لم يُدْرِكْ عَرَفَةَ قبل الفجرِ فقد فاته الحجُّ، فلْيَأتِ البيتَ فلْيَطُفْ به، ويَسْعَى بين الصفا والمروةِ، ثُمّ لْيَحْلِقْ أو يُقَصِّرْ إنْ شاء، وإنْ كان معه هَدْيٌ فلْيَنْحَرْه قبل أن يَحْلِقَ، ويَرْجِعُ إلى أهلِه، فإذا أدْرَكَ الحجَّ قابلًا فلْيَحْجُجْ ولْيُهْدِ».
(٩٤١) ورُوِيَ هذا (٢) عن عُمَرَ أنّه قال لأبي أيُّوبَ وقد فاته الحجُّ: «اصْنَعْ ما يَصْنَعُ المعْتَمِرُ ثُمّ قد حَلَلْتَ، فإذا أدْرَكْتَ الحجَّ قابلًا فاحْجُجْ وأهْدِ ما اسْتَيْسَرَ مِنْ الهَدْيِ»، وقال عمرُ أيضًا لهبّار بن الأسْوَدِ مثلَ معنى ذلك وزاد: «فإن لم تَجِدْ هَدْيًا فصِيامُ ثلاثةِ أيّامٍ في الحجِّ وسَبْعَةٍ إذا رَجَعَ»، قال الشافعي: فبهذا كله نأخذ، قال: وفي حديث عمرَ دَلالةٌ أنّه اسْتَعْمَلَ أبا أيُّوبَ عَمَلَ المعْتَمِرِ، لا أنّ إحرامَه صار عمرةً (٣).
стр. 713
(١٠٥)
باب حج الصبي يبلغ، والمملوك يعتق، والذمي يُسلِم
(٩٤٢) قال الشافعي: وإذا بَلَغَ غُلامٌ، أو أُعْتِقَ عَبْدٌ، أو أسْلَمَ ذِمِّيٌّ وقد أحْرَمُوا، ثُمَّ وافَوْا عَرَفَةَ قبل طُلوعِ الفجرِ مِنْ يومِ النّحْرِ .. فقد أدْرَكُوا الحَجَّ، وعليهم دَمٌ.
وقال في موضع آخر: «إنّه لا يَبِينُ لي أنّ الغلامَ والعبدَ عليهما في ذلك دَمٌ، وأُوْجِبُه على الكافرِ؛ لأنَّ إحْرامَه قبل عَرَفَةَ وهو كافرٌ ليس بإحرامٍ، والإسْلامُ يَجُبُّ (١)»، قال المزني: فإذا لم يَبِنْ عنده أنّ على العبدِ والصبيِّ دمًا وهما مُسْلِمان .. فالكافرُ أحَقُّ أن لا يَكُونَ عليه دَمٌ؛ لأنّ إحْرامَه مع الكُفرِ ليس بإحْرامٍ، والإسلامُ يَجُبُّ ما كان قَبْلَه، وإنّما وَجَبَ عليه الحجُّ مع الإسلامِ بعَرَفاتٍ، فكأنّها مَنْزِلُه، أو كرجلٍ صار إلى عَرَفَةَ لا يُرِيدُ حَجًّا ثُمّ أحْرَمَ، وكمَن جاوز الميقاتَ لا يُرِيدُ حَجًّا ثُمّ أحْرَمَ، فلا دمَ عليه، وكذلك يَقُولُ (٢).
(٩٤٣) قال الشافعي: ولو أفْسَدَ العبدُ حَجَّه قبل عَرَفَةَ ثُمّ أعْتِقَ، والمُراهِقُ (٣) بوَطْءٍ قبل عَرَفَةَ ثُمّ احْتَلَمَ ..
стр. 714
أتمّا (١)، ولم يُجْزِ عنهما مِنْ حَجَّةِ الإسلامِ؛ لأنّه رُوِيَ عن رسول الله ﷺ أنّ امرأةً رَفَعَتْ إليه مِنْ مِحَفَّتِها (٢) صَبِيًّا، فقالتْ: يا رسولَ الله، ألهذا حَجٌّ؟ قال: «نعم، ولك أجْرٌ»، قال: وإذا جَعَل له حَجًّا فالحاجُّ إذا جامَعَ أفْسَدَ حَجَّه.
قال المزني: قلت أنا (٣): وكذلك في مَعْناه عندي (٤) يُعِيدُ ويُهْدِي؛ يَعْنِي: العبد (٥).
(٩٤٤) قال الشافعي: وإذا أحْرَمَ العَبْدُ بغير إذْنِ سَيِّدِه .. أحْبَبْتُ أن يَدَعَه، فإن لم يَفْعَلْ .. فله حَبْسُه، وفيه قولان: أحدهما - تُقَوَّمُ الشاةُ دراهمَ، والدراهمُ طعامًا، ثُمّ يَصُومُ عن كل مُدٍّ يومًا، ثُمّ يُحِلُّ، والآخر - لا شيءَ عليه حتّى يُعْتَقَ، فيكونُ عليه شاةٌ.
قال المزني: أوْلى بقولِه وأشْبَهُ عندي (٦) بمَذْهَبِه أن يُحِلَّ، ولا يُظْلَمُ مَوْلاه بغَيْبَتِه ومَنْعِ خِدْمَتِه، فإذا أُعْتِقَ أراقَ دَمًا، في معناه (٧).
(٩٤٥) قال الشافعي: ولو أذِنَ له أن يَتَمَتَّعَ فأعْطاه دَمًا لتَمَتُّعِه .. لم
стр. 715
يُجْزِئ عنه إلّا الصومُ ما كان مملوكًا (١)، ويُجْزِئ أن يُعْطَى عنه مَيِّتًا كما يُعْطَى عن مَيِّتٍ قضاءً؛ لأنّ النبيّ ﷺ أمَرَ سَعْدًا أن يَتَصَدَّقَ عن أمِّه بعد مَوْتِها.
стр. 716
(١٠٦)
باب من أَهلَّ بحَجَّتين أو عمرتين
(٩٤٦) قال الشافعي: ومَن أهَلَّ بحَجَّتَيْن معًا، أو بحَجٍّ ثُمّ أدْخَلَ عليه حَجًّا آخَرَ، أو بعُمْرَتَيْن معًا، أو بعمرةٍ ثُمّ أدْخَلَ عليها أخْرَى .. فهو حَجٌّ واحدٌ وعمرةٌ واحدةٌ، ولا قضاءَ عليه ولا فديةَ.
قال المزني: لا يَخْلُو مِنْ أن يَكُون في حَجَّتَيْن أو حَجَّةٍ، فإذا أجْمَعُوا أنّه لا يَعْمَلُ عَمَلَ حَجَّتَيْن في حالٍ، ولا عُمْرَتَيْن ولا صَوْمَيْن في حالٍ .. دَلَّ على أنّه لا معنَى إلّا لواحدةٍ منهما، وبَطَلَت الأخْرَى.
стр. 717
(١٠٧)
باب الإجارة على الحج، والوصية به
(٩٤٧) قال الشافعي: ولا يَجُوزُ أن يَسْتَأجِرَ الرّجُلُ مَنْ يَحُجُّ عنه إذا لم يَقْدِرْ على مَرْكَبٍ لضَعْفِه وكِبَرِه (١) إلّا بأن يَقُولَ: «يُحْرِمُ عنه مِنْ مَوْضِعِ كذا» (٢).
(٩٤٨) وإنْ وَقَّتَ له وَقْتًا فأحْرَمَ قبله .. فقد زادَه خيرًا (٣)، وإنْ تَجاوَزَه قبل أن يُحْرِمَ فرَجَعَ مُحْرِمًا .. أجْزَأه، وإن لم يَرْجِعْ .. فعليه دَمٌ مِنْ مالِه، ويَرُدُّ مِنْ الأجْرَةِ بقَدْرِ ما تَرَكَ (٤).
(٩٤٩) وما وَجَبَ عليه مِنْ شيءٍ يَفْعَلُه .. فمِن مالِه، دون مالِ المستأجِرِ، فإنْ أفْسَدَ حَجَّهُ .. أفْسَدَ إجارَتَه، وعليه الحَجُّ لِما أفْسَدَ عن
стр. 718
نَفْسِه (١)، ولو لم يُفْسِدْ .. فماتَ قبلَ أن يُتِمَّ الحَجَّ .. فله بقَدْرِ عَمَلِه (٢).
(٩٥٠) ولا يُحْرِمُ عن رجلٍ (٣) إلّا مَنْ قد حَجَّ مرَّةً.
(٩٥١) ولو أوْصَى أن يَحُجَّ عنه وارثٌ، ولم يُسَمِّ شيئًا .. أُحِجَّ عنه بأقَلِّ ما يُوجَدُ أحَدٌ يَحُجُّ به، فإن لم يَقْبَلْ .. أُحِجَّ عنه غيرُه.
(٩٥٢) ولو أوْصَى لرجُلٍ بمائةِ دينارٍ يَحُجُّ بها عنه، فما زاد على أجْرِ مِثْلِه فهو وَصِيَّةٌ، فإن امْتَنَع .. لم يَحُجَّ عنه أحدٌ إلّا بأقلِّ ما يُوجَدُ به مَنْ يَحُجُّ عنه.
стр. 719
(١٠٨)
باب قتل المحرم الصيدَ عمدًا أو خطأ
(٩٥٣) قال الشافعي: وعلى مَنْ قَتَلَ الصّيْدَ الجَزاءُ، عَمْدًا كانَ أو خَطَأً، والكفّارةُ فيهما سَواءٌ؛ لأنّ كُلًّا ممْنُوعٌ بحُرْمَةٍ، وكُلٌّ فيه الكفّارةُ.
[قال المزني (١): وقاسَ ما اخْتَلَفُوا مِنْ كفّارَةِ قَتْلِ المؤمِنِ عَمْدًا على ما أجْمَعُوا عليه مِنْ كفّارَةِ قَتْلِ الصّيْدِ عَمْدًا، قال: «والعامدُ أوْلى بالكفّارةِ في القياسِ مِنْ المُخْطِئ» (٢).
стр. 720
(١٠٩)
باب جزاء الصيد
(٩٥٤) قال الشافعي: قال الله ﵎: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ [المائدة: ٩٥].
(٩٥٥) قال الشافعي: و «النَّعَمُ»: الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ.
(٩٥٦) قال: وما أكِلَ مِنْ الصَّيْدِ صنفان: دَوابُّ، وطائرٌ.
(٩٥٧) فما أصاب المحْرِمُ مِنْ الدّوابِّ .. نُظِرَ إلى أقْرَبِ الأشْياءِ مِنْ المقتولِ شَبَهًا مِنْ النَّعَمِ ففُدِيَ به، وقد حَكَمَ عمرُ وعثمانُ وعليٌّ وعبدُالرحمنِ بنُ عوفٍ وابنُ عمرَ وابنُ عبّاسٍ وغيرُهم في بُلْدانٍ مخْتَلِفَةٍ، وأزمانٍ شَتَّى بالمِثْلِ مِنْ النَّعَمِ، فحَكَمَ حاكِمُهم في النّعامَةِ ببَدَنَةٍ وهي لا تَسْوَى بَدَنَةً، وفي حمارِ الوَحْشِ ببقرةٍ وهو لا يَسْوَى بَقَرَةً، وفي الضَّبُعِ بكَبْشٍ وهو لا يَسْوَى كَبْشًا (١)، وفي الغَزالِ بعَنْزٍ، وقدْ يَكُونُ أكْثَرَ مِنْ ثَمَنِها أضْعافًا ومِثْلَها أو دُونَها (٢)، وفي الأرْنَبِ بعَناقٍ (٣)، وفي اليَرْبُوعِ بجَفْرَةٍ (٤)، وهما لا يُساوِيان (٥) عَناقًا ولا جَفْرَةً، فدَلَّ ذلك على أنّهم نَظَرُوا إلى أقْرَبِ ما يُقْتَلُ مِنْ الصَّيْدِ شَبَهًا بالبدن مِنْ النَّعَم، لا بالقيمة، ولو حَكَمُوا بالقِيمَةِ لاخْتَلَفَتْ لاختلافِ الأسْعارِ وتبايُنِها في الأزْمانِ.
стр. 721
(٩٥٨) وكلُّ دابَّةٍ مِنْ الصّيدِ لم نُسَمِّها .. ففِداؤُها قِياسًا (١) على ما سَمَّيْنا فِداءَه منها، لا نَخْتَلِفُ.
(٩٥٩) ولا يَفْدِي إلّا مِنْ النَّعَمِ، وفي صِغارِ أوْلادِها صِغارُ أوْلادِ هذه.
(٩٦٠) وإذا أصابَ صَيْدًا أعْوَرَ أو مَكْسُورًا .. فَداه بمِثْلِه، والصّحيحُ أحَبُّ إليَّ، وهو قولُ عطاءٍ.
(٩٦١) قال: ويَفْدِي الذّكَرَ بالذَّكَرِ، والأنْثَى بالأنْثَى.
وقال في موضع آخَرَ: «ويَفْدِي بالإناثِ أحَبُّ إليَّ» (٢).
(٩٦٢) وإنْ جَرَحَ ظَبْيًا، فنَقَصَ مِنْ قِيمَتِه العُشْرُ .. فعليه عُشْرٌ مِنْ ثَمَنِ الشّاةِ (٣)، قال المزني: عليه عُشْرُ شاةٍ أوْلَى بأصْلِه (٤)، قال الشافعي: وكذلك إنْ كان النّقْصُ أقَلَّ أو أكْثَرَ.
стр. 722
(٩٦٣) وإذا (١) قَتَلَ الصّيْدَ .. فإنْ شاء جَزَاهُ بمِثْلِه، وإن لم يَشَأ قُوِّمَ المِثْلُ دراهمَ، ثُمّ الدراهمُ طَعامًا ثُمّ تَصَدَّقَ به، وإنْ شاء صام عن كُلِّ مُدٍّ يومًا (٢).
(٩٦٤) ولا يُجْزِئه أن يتَصَدَّقَ بشيءٍ مِنْ الجَزاءِ إلّا بمكّةَ أو بمِنًى، فأما الصومُ فحَيْثُ شاء؛ لأنّه لا مَنْفَعَةَ فيه لمساكينِ الحَرَمِ.
(٩٦٥) وإنْ أكَلَ مِنْ لحْمِه .. فلا جزاءَ عليه إلّا في قَتْلِه أو جَرْحِه (٣).
(٩٦٦) ولو دَلَّ على صَيْدٍ كان مُسِيئًا ولا جزاءَ عليه؛ كما لو أمَرَ بقَتْلِ مُسْلِمٍ لم يُقْتَصَّ منه وكان مُسِيئًا.
(٩٦٧) ومَنْ قَطَعَ مِنْ شَجَرِ الحَرَمِ شَيْئًا .. جَزاه، حَلالًا كان أو حَرامًا (٤)، وفي الشّجَرَةِ الصّغِيرةِ شاةٌ، وفي الكبيرةِ بقرةٌ، وذَكَرُوا هذا عن ابنِ الزبير وعطاءٍ (٥).
(٩٦٨) وسَواءٌ ما قُتِلَ في الحَرَمِ أو في الإحْرامِ، مُفْرِدًا كان أو قارِنًا، فجزاءٌ واحدٌ.
(٩٦٩) ولو اشْتَرَكُوا في قَتْلِ صيدٍ .. لم يَكُنْ عليهم إلا جزاءٌ واحدٌ، وهو قولُ ابنِ عمرَ.
стр. 723
(٩٧٠) قال: وما قَتَلَ مِنْ الصيدِ لإنسانٍ .. فعليه جَزاؤُه للمساكينِ، وقِيمَتُه لصاحِبِه، ولو جاز إذا تَحَوَّلَتْ حالُ الصيدِ مِنْ التّوَحُّشِ إلى الاسْتِئْناسِ أن يَصِيرَ حكمُه (١) حكمَ الأنِيسِ .. جاز أن يُضَحِّيَ به ويَجْزِيَ به ما قَتَلَ مِنْ الصيدِ، وإذا تَوَحَّشَ الإنْسِيُّ مِنْ الإبلِ والبقرِ أن يَكُونَ صيدًا يَجْزِيه المحْرِمُ ولا يُضَحِّي به، ولكنْ كُلٌّ على أصلِه.
(٩٧١) وما أصابَ مِنْ الصيدِ فَداه إلى أن يَخْرُجَ مِنْ إحْرامِه، وخُرُوجُه مِنْ العمرةِ بالطوافِ والسَّعْيِ والحِلاقِ، وخُرُوجُه مِنْ الحجِّ خُرُوجان؛ فالأوَّلُ: الرَّمْيُ والحِلاقُ، وهكذا لو طافَ بعد عَرَفَةَ وحَلَقَ وإن لم يَرْمِ فقد خَرَجَ مِنْ الإحرامِ، فإنْ أصاب بعد ذلك صَيْدًا في الحِلِّ .. فليس عليه شيءٌ.
стр. 724
(١١٠)
باب جزاء الطير (١)(٩٧٢) قال الشافعي: والطائرُ صنفان: حَمَامٌ، وغيرُ حَمَامٍ.
(٩٧٣) فما كان منها حَمَامًا .. ففيه شاةٌ، اتِّباعًا لعمرَ وعثمانَ وابنِ عبَاس ونافع بن عبدالحارث وابنِ عمرَ وعاصمِ بنِ عمرَ وسعيدِ بن المسَيّبِ، وهذا إذا أصِيبَ بمكةَ أو أصابها المحْرِمُ، قال عطاء: «في القُمْرِيِّ والدُّبْسِيِّ شاةٌ».
(٩٧٤) قال: وكُلُّ ما عَبَّ وهَدَرَ .. فهو حَمامٌ (٢)، وفيه شاةٌ.
(٩٧٥) وما سِواهُ مِنْ الطَّيْرِ .. ففيه قِيمَتُه في المكانِ الذي أصِيبَ فيه (٣)، قال عمرُ لكَعْبٍ في جَرادَتَيْن: ما جَعَلْتَ في نَفْسِك؟ قال: درهمًا، فقال: «بَخٍ، درهمٌ خيرٌ مِنْ مائة جَرادَةٍ، وافْعَلْ ما جَعَلْتَ في نفسك»، وروي عنه أنه قال: «في جرادةٍ تمرةٌ»، وقال ابنُ عباس في جرادةٍ: «تَصَدَّقْ
стр. 725
بقَبْضَةِ طعامٍ، ولْتَأخُذَنَّ بقَبْضَةِ جَراداتٍ»، فدَلَّ ذلك أنّهما رأيا في ذلك القيمةَ، وأمَرَا بالاحتياطِ.
(٩٧٦) وما كان مِنْ بَيْضِ طَيْرٍ يُؤكَلُ .. ففي كُلِّ بَيْضَةٍ قِيمَتُه، وإن كان فيها فَرْخٌ .. فقيمتُها في الموضع الذي أصابها فيه، ولا يَأكُلُها مُحْرِمٌ؛ لأنّها مِنْ الصيدِ، وقد يكون منها صيدٌ.
(٩٧٧) قال: وإنْ نَتَفَ طَيْرًا .. فعليه بقَدْرِ ما نَقَصَ النّتْفُ، فإن تَلِفَ بعدُ .. فالاحتياطُ أن يَفْدِيَه، والقياسُ أنْ لا شيءَ عليه إذا كان ممْتَنِعًا حتّى يَعْلَمَ أنّه مات مِنْ نَتْفِه (١)، فإن كان غيرَ ممْتَنِعٍ .. حَبَسَه وألْقَطَه وسَقاه حتّى يَصِيرَ ممْتَنِعًا، وفَدَى ما نَقَصَ النّتْفُ منه.
(٩٧٨) وكذلك لو كَسَرَه فجَبَرَه فصار أعْرَجَ لا يَمْتَنِعُ .. فَداه كاملًا.
стр. 726
(١١١)
باب ما للمحرم قتله
(٩٧٩) قال الشافعي: وللمُحْرِمِ أن يَقْتُلَ الحَيَّةَ، والعَقْرَبَ، والفَأرَةَ، والحِدَأةَ (١)، والغُرابَ، والكلْبَ العَقُورَ، وما أشْبَهَ الكَلْبَ العَقُورَ، مثلَ: السَّبُعِ، والنَّمِرِ، والفَهْدِ، والذِّئبِ (٢)، صِغارُ ذلك وكِبارُه سواءٌ.
(٩٨٠) وليس في الرَّخَمَة (٣) والخَنافِسِ والقِرْدانِ والحَلَمِ (٤) وما لا يُؤكَلُ لحْمُه .. جزاءٌ؛ لأنّ هذا ليس مِنْ الصيدِ، وقال الله ﵎: ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما﴾ [المائدة: ٩٦]، فدَلَّ أنّ الصيدَ الذي حُرِّمَ عليهم ما كان لهم قبل الإحْرامِ حَلالًا؛ لأنّه لا يُشْبِهُ أن يَحْرُمَ في الإحرام خاصَّةً إلّا ما كان مُباحًا قَبْلَه.
стр. 727
(١١٢)
باب الإحصار (١)(٩٨١) قال الشافعي: قال الله ﵎: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: ١٩٦]، وأحْصِرَ رسولُ الله ﷺ بالحدَيْبِيَة فنَحَرَ البَدَنَةَ عن سَبْعةٍ، والبقرةَ عن سبعةٍ.
(٩٨٢) قال: وإذا أحْصِرَ بعَدُوٍّ كافرٍ أو مُسْلِمٍ، أو سُلْطانٍ يحْبِسُ في سِجْنٍ .. نَحَرَ هَدْيًا لإحْصارِه حيثُ أُحْصِرَ في حِلٍّ أو حَرَمٍ، ولا قضاءَ عليه، إلّا أن يكونَ واجبًا فيَقْضِي.
(٩٨٣) وإذا لم يَجِدْ هدْيًا يَشْتَرِيه، أو كان مُعْسِرًا .. ففيها قولان: أحدُهما - أن لا يَحِلَّ إلّا بهَدْيٍ، والآخَرُ - أنّه إذا لم يَقْدِرْ على شيءٍ حَلَّ، وأتَى به إذا قَدَرَ عليه، وقيل: إذا لم يَقْدِرْ أجْزَأه، وعليه إطعامٌ أو صيامٌ، فإن لم يَجِدْ ولم يَقْدِرْ .. فمتى قَدَرَ.
وقال في موضع آخر: «أشْبَهُها بالقياس إذا أُمِرَ بالرُّجُوع للخَوْفِ أن لا يُؤْمَرَ بالمُقامِ للصيامِ، والصومُ يُجْزِئه في كلِّ مكانٍ»، قال المزني: القياسُ عنده حقٌّ، وقد زَعَمَ أنّ هذا أشْبَهُ بالقياس، والصومُ عنده إذا لم يَجِد الهَدْيَ
стр. 728
أن تُقَوَّمَ الشاةُ دراهمَ، ثمّ الدراهمُ طعامًا، ثمّ يَصُومُ عن كُلِّ مُدٍّ يومًا (١).
(٩٨٤) ورُوِيَ عن ابن عبّاس أنّه قال: «لا حَصْرَ إلّا حَصْرُ العدوِّ، وذَهَبَ الحَصْرُ الآن»، وعن ابنِ عمرَ أنّه قال: «لا يُحِلُّ مُحْرِمٌ حَبَسَه (٢) بَلاءٌ حتّى يَطُوفَ بالبيت (٣)، إلّا مَنْ حَبَسَه عَدُوٌّ»، وقال: فيُقِيمُ على حرْمِه، فإنْ أدْرَكَ الحجَّ، وإلّا طاف وسَعَى، وعليه الحجُّ من قابِلٍ وما اسْتَيْسَرَ مِنْ الهدْيِ، فإنْ كان مُعْتَمِرًا أجْزَأه، لا وَقْتَ للعمرةِ يَفُوتُ (٤).
стр. 729
(٩٨٥) والفَرْقُ بين المحْصَرِ بالعدوِّ والمرضِ: أنّ المحْصَرَ بالعدوِّ (١) خائفُ القتلِ إنْ أقامَ، وقد رُخِّصَ لمن لَقِيَ المشركِين أن يَتَحَرَّفَ لقتالٍ أو يَتَحَيَّزَ إلى فئةٍ، فيَنْتَقِلُ بالرجوعِ مِنْ خوفِ قتلٍ إلى أمْنٍ، والمريضُ حالُه واحدةٌ في التَّقَدُّمِ والرجوعِ، والإحلالُ رُخْصَةٌ، فلا تَعَدَّى بها مَوْضِعَها؛ كما أنّ المسحَ على الخُفَّيْن رُخْصَةٌ (٢)، فلم يُقَسْ عليه (٣) مَسْحُ عِمامةٍ ولا قُفّازَيْن، وإنْ جاز أن يُقاسَ حِلُّ المريضِ على حَصْرِ العَدُوِّ .. جاز أن يُقاسَ حِلُّ خاطئ الطريقِ ومُخْطِئ العددِ حتّى يَفُوتَه الحجُّ على حَصْرِ العدوِّ، وبالله التوفيق.
стр. 730
(١١٣)
باب حصر العبد يحرم بغير إذن سيده، والمرأة بغير إذن زوجها (١)(٩٨٦) قال الشافعي: إذا أحْرَمَ العَبْدُ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه، والمرأةُ بغيرِ إذْنِ زَوْجِها .. فهما في معنى الإحْصارِ، وللسَّيِّدِ والزَّوْجِ منعُهما، وهما في معنى العدوِّ في الإحْصارِ، وفي أكثرَ، بأنّ لهما مَنْعَهما، وليس ذلك للعدوِّ (٢)، ومُخالفانِ (٣) له في أنّهما غير خائفَيْن خوفَه.
стр. 731
(١١٤)
باب الأيام المعلومات والمعدودات
(٩٨٧) قال الشافعي: و «الأيّامُ المعلوماتُ»: العَشْرُ، وآخِرُها يومُ النَّحْرِ، و «المعدوداتُ»: ثلاثةُ أيّامٍ بعد النحرِ.
قال المزني: سمّاهنّ اللهُ باسْمَيْن مخْتَلِفَيْن، وأجْمَعُوا أنّ الاسْمَيْنِ لم يَقَعَا على أيّامٍ واحدةٍ، وإذا لم يَقَعا على أيّامٍ واحدةٍ .. فأشْبَهُ الأمْرَيْن أن تَكُونَ كُلُّ أيّامٍ منها غيرُ الأخْرَى؛ كما أنّ اسْمَ كُلِّ أيّامٍ منها غيرُ الآخَرِ، وهو ما قال الشافعيّ عندي.
قال المزني: فإن قيل: لو كانت المعلوماتُ العَشْرَ لكان النَّحْرُ في جميعِها، فلما لم يَجُزِ النحرُ في جميعِها بَطَلَ أن تَكُونَ المعلوماتُ فيها .. يُقالُ له: قال الله ﵎: ﴿سبع سماوات طباقا * وجعل القمر فيهن نورا﴾ [نوح: ١٥ - ١٦]، وليس القمرُ في جميعِها، وإنّما هو في أحدِها، أفيَبْطُلُ أن يَكُونَ القمرُ فيهنَّ نُورًا كما قال الله جل ذكره، وفي ذلك دليلٌ (١) لِما قال الشافعيّ؟ وبالله التوفيق.
стр. 732
(١١٥)
باب نذر الهَدْي (١)(٩٨٨) قال الشافعي: والهدْيُ من الإبلِ والبَقَرِ والغَنَمِ، فمَنْ نَذَرَ لله هَدْيًا فسَمَّى شيئًا .. فهو على ما سَمَّى، وإن لم يُسَمِّه .. فلا يُجْزِئه مِنْ الإبلِ والبقرِ والغنمِ إلا الثَّنِيُّ فصاعِدًا، ويُجْزِئه الذَّكَرُ والأنثى، ولا يُجْزِئه مِنْ الضّأنِ إلّا الجَذَعُ فصاعدًا (٢).
(٩٨٩) وليس له أن يَنْحَرَه دون الحَرَمِ، وهو مَحِلُّها؛ لقول الله تعالى: ﴿ثم محلها إلى البيت العتيق﴾ [الحج: ٣٣]، إلّا أن يُحْصَرَ فيَنْحَرَ حيث أُحْصِرَ؛ كما فَعَل النبيُّ ﷺ في الحدَيْبِيَة.
(٩٩٠) وإنْ كان الهدْيُ بَدَنَةً أو بَقَرَةً .. قَلَّدَها نَعْلَيْن، وأشْعَرَها، فضَرَبَ شِقَّها الأيْمَنَ مَوْضِعَ السَّنامِ بحَدِيدَةٍ حتّى يُدْمِيَها (٣)، وهي مُسْتَقْبِلَةٌ القبلةَ، وإنْ كانتْ شاةً .. قَلَّدَها خُرَبَ القِرَبِ (٤)، ولا يُشْعِرُها، وإنْ تَرَكَ التَّقْلِيدَ والإشعارَ .. أجْزَأه.
стр. 733
(٩٩١) قال: ويَجُوزُ أن يَشْتَرِكَ السَّبْعَةُ في البَدَنَةِ الواحدةِ، وفي البقرةِ كذلك، ورُوِيَ عن جابر بن عبدالله، قال: «نَحَرْنا مع رسولِ الله ﷺ بالحدَيْبِيَة البَدَنَةَ عن سَبْعةٍ، والبقرةَ عن سَبْعةٍ».
(٩٩٢) قال: وإن كان الهَدْيُ ناقةً فنُتِجَتْ .. سِيقَ معها فَصِيلُها.
(٩٩٣) وتُنْحَرُ الإبلُ قِيامًا، مَعْقُولَةً وغيرَ مَعْقُولَةٍ، فإن لم يُمْكِنْهُ .. نَحَرَها بارِكَةً، وتُذْبَحُ البَقَرُ والغَنَمُ، فإنْ ذَبَحَ الإبلَ ونَحَرَ البَقَرَ والغَنَمَ .. أجْزَأه ذلك، وكَرِهْتُه له.
(٩٩٤) فإنْ كان مُعْتَمِرًا .. نَحَرَه بعدما يَطُوفُ بالبيتِ ويَسْعَى بين الصّفا والمروةِ قبلَ أن يَحْلِقَ عند المروة، وحيثُ نَحَرَ مِنْ فِجاجِ مكةَ أجْزَأه، وإنْ كان حاجًّا .. نَحَرَه بعدما يَرْمِي جَمْرَةَ العَقَبَةِ قبل أن يَحْلِقَ، وحيثُ نَحَرَ مِنْ مِنًى أجْزَأه.
(٩٩٥) وما كان منها تَطَوُّعًا .. أكَلَ منها؛ لقول الله جل وعز: ﴿فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا﴾ [الحج: ٣٦] (١)، وأكَلَ رسولُ الله ﷺ مِنْ لحْمِ هَدْيِه وأطْعَمَ، وكان هَدْيُه تَطَوُّعًا، قال: وما عَطَبَ منها .. نَحَرَها وخَلَّى بينها وبين المساكين، ولا بَدَلَ عليه فيها، وما كان واجبًا مِنْ جزاءِ صيدٍ أو غيرِه .. فلا يَأكُلُ منها شيئًا، فإنْ أكَلَ فعليه بقَدْرِ ما أكَلَ لمساكين الحَرَمِ، وما عَطَبَ منها فعليه مكانَه.
стр. 734
[١٢]
كتاب البيوع (١)
من ثمانية كتب، فيها أربعة جديد، ومنها قديم، ومنها «إملاء على الموطأ»، ومنها على «مسائل مالك المجموعة»، ومنها «إملاء على مسائل أشهب»، وما دخل فيها من كتب السير (٢)
стр. 735
(١١٦)
باب ما أمر الله تعالى به ونهى عنه من المبايعات، وسنن النبي ﷺ فيها (١)(٩٩٦) قال الشافعي: قال الله ﵎: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراضٍ منكم﴾ [النساء: ٢٩] (٢)، فلمّا نَهَى رسولُ الله ﷺ عن بُيُوعٍ تَراضَى بها المُتبايِعان .. اسْتَدْلَلْنا أنّ الله تعالى أحَلَّ البيوعَ إلّا ما حَرَّم على لسانِ رسولِه ﷺ أو كان في مَعْناه.
(٩٩٧) فإذا عَقَدا بَيْعًا بما يَجُوزُ وافْتَرَقا عن تَراضٍ منهما به .. لم يَكُنْ لأحَدٍ منهما رَدُّه، إلّا بعَيْبٍ، أو بشَرْطِ خِيارٍ (٣).
стр. 736
قال المزني: وأجاز في «الإملاء» وفي «كتاب البيوع» الجديد والقديم (١)، وفي «الصداق» وفي «الصلح» خِيارَ الرُّؤيَةِ، وهذا كُلُّه غيرُ جائزٍ في مَعْناه (٢)، قال المزني: وهذا يَنْفِي خِيارَ الرُّؤيَةِ، وأوْلَى به؛ إذْ (٣) أصْلُ قَوْلِه ومَعْناه: البَيْعُ (٤) بَيْعان لا ثالثَ لهما: صِفَةٌ مَضْمونَةٌ، وعَيْنٌ مَعْرُوفَةٌ، وأنّه يَبْطُلُ بَيْعُ الثَّوْبِ يُرَى بَعْضُه (٥)؛ لجَهْلِه به، فكَيْف يُجِيزُ شِراءَ ما لم يَرَ شَيْئًا منه قَطّ ولا يَدْرِي ألَه ثَوْبٌ أم لا؟ حتّى يَجْعَلَ له خِيارَ الرُّؤية (٦).
стр. 737
(١١٧)
باب خيار المتبايعين ما لم يتفرقا
(٩٩٨) قال الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: «المتبايعان كلُّ واحدٍ منهما على صاحبِه بالخيارِ ما لم يَتَفَرَّقا، إلّا بَيْعَ الخيارِ».
(٩٩٩) قال الشافعي: وفي حديث ابن عمرَ (١): «كان إذا أراد أن يوجِبَ البَيْعَ مَشَى قَليلًا ثُمّ رَجَعَ»، وفي حديثِ أبي الوَضِيء، قال: «كُنّا في غَزاةٍ، فباع صاحبٌ لنا فَرَسًا مِنْ رجلٍ، فلمّا أرَدْنا الرَّحِيلَ خاصَمَه فيه إلى أبي بَرْزَةَ، فقال أبو بَرْزَةُ: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يَقولُ: البَيِّعان بالخِيارِ ما لم يَتَفَرَّقا» (٢)، قال: وفي الحديثِ ما لم يَحْضُرْ يَحْيَى بنَ حَسّانَ حِفْظُه، وقد سمعتُه مِنْ غَيْرِه أنّهما باتا لَيْلَةً ثُمّ غَدَوَا عليه، فقال: لا أراكُما تَفَرَّقْتُما،
стр. 738
وجَعَل لهما الخِيارَ إذْ (١) باتا مَكانًا واحِدًا بَعْدَ البَيْعِ، وقال عطاءٌ: «يُخَيَّرُ بعد وُجوبِ البيع»، وقال شُرَيح: «شاهِدا عَدْلٍ أنّكما تَفَرَّقْتُما بعد رِضًا ببيعٍ (٢)، أو خَيَّرَ أحَدُكما صاحبَه بعد البيعِ»، قال الشافعي: وبهذا نأخُذُ، وهو قولُ الأكْثَرِ مِنْ أهْلِ الحِجازِ، والأكْثرِ مِنْ أهلِ الآثارِ بالبُلْدان.
(١٠٠٠) قال: وهما قَبْلَ التّساوُمِ (٣) غيرُ مُتَسَاوِمَيْن، ثُمّ يَكونان مُتَساوِمَيْن، ثُمّ يَكونان مُتَبايِعَيْن، ولو تَساوَما فقال رجلٌ: «امْرأتي طالقٌ إنْ كُنْتُما تَبايَعْتُما» كان صادِقًا، وإنّما جَعَل لهما النبيُّ ﷺ الخِيارَ بعد التَّبايُعِ ما لم يَفْتَرِقا، ولا تَفَرُّقَ بعدما صارا مُتَبايِعَيْن إلّا تَفَرُّقُ الأبْدان.
(١٠٠١) فكُلُّ مُتَبايِعَيْن في سِلْعَةٍ وعَيْنٍ وصَرْفٍ وغيرِه، فلكُلِّ واحدٍ منهما فَسْخُ البيعِ حتّى يَتَفَرَّقا تَفَرُّقَ الأبدانِ على ذلك، أو يَكُون بَيْعُهما عن خِيارٍ (٤).
стр. 739
(١٠٠٢) وإذا كان يَجِبُ بالتَّفَرُّقِ بعد البيع، فكذلك يَجِبُ إذا خَيَّر أحدُهما صاحبَه بعد البيع، وكذلك قال طاوس: «خَيَّر رسولُ الله ﷺ رجلًا بعد البيع، فقال الرجلُ: عَمْرَكَ اللهَ (١) ممّن أنت؟ فقال رسول الله ﷺ : امْرُؤٌ مِنْ قُرَيْشٍ»، قال: فكان طاوسٌ يَحْلِفُ: ما الخيارُ إلّا بعد البيع (٢).
(١٠٠٣) قال الشافعي: فإن اشْتَرَى جاريةً، فأعْتَقَها المشْتَرِي قبل التَّفَرُّقِ أو الخيارِ، واخْتار البائعُ نَقْضَ البيع .. كان له، وكان عِتْقُ المشْتَرِي باطلًا؛ لأنّه أعْتَقَ ما لم يَتِمَّ له مِلْكُه، وإنْ أعْتَقَها البائعُ .. كان جائزًا.
(١٠٠٤) قال: ولو عَجِلَ المشْتَرِي فوَطِئَها فأحْبَلَها قبل التّفَرُّقِ في غَفْلَةٍ مِنْ البائعِ، فاخْتار البائعُ فَسْخَ البيع .. كان على المشْتَرِي مَهْرُ مِثْلِها وقِيمةُ وَلَدِه منها يَوْمَ تَلِدُه، ولَحِقَه بالشُّبْهَة.
(١٠٠٥) وإنْ وَطِئَها (٣) البائعُ .. فهي أمَتُه، والوَطْءُ اخْتِيارٌ لِفَسْخِ البيع.
стр. 740
قال المزني: وهذا عندي دليلٌ على أنّه إذا قال لامرأتَيْن له: «إحْداكما طالقٌ» فكان (١) له الخيارُ، فإنْ وَطِئ إحْداهما .. أشْبَهَ أن يَكُون قد اخْتارَها فطَلُقَت الأخْرَى؛ كما جَعَل الوَطْءَ اخْتِيارًا لفَسْخِ البيع (٢).
(١٠٠٦) قال الشافعي: فإنْ مات أحدُهما قبل أن يَتَفَرَّقا، فالخيارُ لوارِثِه (٣).
(١٠٠٧) ولو كانتْ بَهِيمَةً فنُتِجَتْ قبل التَّفَرُّقِ ثُمّ تَفَرَّقا .. فوَلَدُها للمُشْتَرِي؛ لأنّ العَقْدَ وَقَعَ وهو حَمْلٌ.
(١٠٠٨) وكذلك كُلُّ خِيارٍ بشَرْطٍ جائزٍ في أصْلِ العَقْدِ، ولا بأسَ بنَقْدِ الثَّمَنِ في بَيْعِ الخِيارِ.
(١٠٠٩) قال: ولا يَجُوزُ شَرْطُ خِيارٍ أكْثَرَ مِنْ ثلاثٍ، ولولا الخبرُ عن رسولِ الله ﷺ في الخِيارِ ثلاثًا في المُصَرَّاةِ ولحَبّانِ بن مُنْقِذٍ فيما اشْتَرَى ثلاثًا .. ما جاز بعد التَّفَرُّقِ ساعةً، فلا يَكون للبائع الانْتِفاعُ بالثَّمَنِ، ولا للمُشْتَرِي الانْتِفاعُ بالجاريةِ، فلمّا أجازَه النبيُّ ﷺ على ما وَصَفْناه ثلاثًا اتَّبَعْناه ولم نُجاوِزْه، وذلك أنّ أمْرَه يُشْبِه أن يَكون «ثلاثًا» حَدًّا.
стр. 741
(١١٨)
باب الرِّبا وما لا يجوز بيع بعضه ببعض متفاضلًا ولا مؤجَّلًا والصرف (١)(١٠١٠) قال الشافعي: أخبرنا عبدُالوهاب بنُ عبدِالمجيد الثقفيُّ، عن أيُّوبَ، عن محمد بنِ سيرين، عن مسلمِ بنِ يَسارٍ ورجلٍ آخَرَ (٢)، عن عُبادَةَ بنِ الصّامِتِ، أنّ النبي ﷺ قال: «لا تَبِيعُوا الذهبَ بالذهبِ، ولا الوَرِقَ بالوَرِقِ، ولا البُرَّ بالبرِّ، ولا الشّعيرَ بالشّعيرِ، ولا التّمْرَ بالتّمْرِ، ولا المِلْحَ بالمِلْحِ، إلّا سَواءً بسَواءٍ، عَيْنًا بعَيْنٍ، يَدًا بيَدٍ، ولكن بِيعُوا الذّهبَ بالوَرِقِ والوَرِقَ بالذّهَبِ، والبُرَّ بالشّعيرِ والشّعيرَ بالبُرِّ، والتّمْرَ بالمِلْحِ والمِلْحَ بالتّمْرِ، يَدًا بيَدٍ، كَيْف شِئتُم»، وقال: ونَقَصَ أحَدُهما: التَّمْرَ أو المِلْحَ، وزاد الآخَرُ: «فمَنْ زاد أو ازْداد فقد أَرْبَى» (٣).
стр. 742
(١٠١١) قال: وهو (١) مُوافِقٌ للأحاديثِ عن رسولِ الله ﷺ في الصّرْفِ، وبه نأخُذُ (٢)، وبها تَرَكْنا قَوْلَ مَنْ رَوَى عن أسامةَ أنّ النبيَّ ﷺ قال: «إنّما الرِّبا في النَّسِيئة» (٣)؛ لأنّه مُجْمَلٌ، وكلُّ ذلك مُفَسَّرٌ، فيَحْتَمِلُ أن يكونَ النبيُّ ﷺ سُئِلَ عن الرِّبا في صِنْفَيْن (٤) مخْتَلِفَيْن: ذَهَبٍ بوَرِقٍ، أو تَمْرٍ بحِنْطَةٍ (٥)، فقال: «الرِّبا في النَّسِيئة»، فحَفِظَه، فأدَّى قَوْلَ النبيِّ ﷺ ولم يُؤدِّ المسْألةَ.
(١٠١٢) قال: ويَحْتَمِلُ قولُ عمرَ عن النبيِّ ﷺ : «الذهبُ بالوَرِقِ رِبًا، إلّا هاءَ وهاءَ» .. يُعْطِي بيَدٍ ويَأخُذُ بأخْرَى، فيَكونُ الأخْذُ مع الإعْطاءِ، ويَحْتَمِلُ أن لا يَتَفَرَّقَ المُتَبايِعانِ مِنْ مكانِهما حتّى يَتَقابَضا، فلمّا قال عمرُ لمالكِ بنِ أوْسٍ: «لا تُفارِقْه حتّى تُعْطِيَه وَرِقَه، أو تَرُدَّ إليه ذَهَبَه»، وهو رَوَى الحديثَ .. دَلّ على أنّ مَخْرَجَ «هاءَ وهاءَ» تقابُضُهما قبل أن يَتَفَرَّقا.