وجَعَل لهما الخِيارَ إذْ (١) باتا مَكانًا واحِدًا بَعْدَ البَيْعِ، وقال عطاءٌ: «يُخَيَّرُ بعد وُجوبِ البيع»، وقال شُرَيح: «شاهِدا عَدْلٍ أنّكما تَفَرَّقْتُما بعد رِضًا ببيعٍ (٢)، أو خَيَّرَ أحَدُكما صاحبَه بعد البيعِ»، قال الشافعي: وبهذا نأخُذُ، وهو قولُ الأكْثَرِ مِنْ أهْلِ الحِجازِ، والأكْثرِ مِنْ أهلِ الآثارِ بالبُلْدان.
(١٠٠٠) قال: وهما قَبْلَ التّساوُمِ (٣) غيرُ مُتَسَاوِمَيْن، ثُمّ يَكونان مُتَساوِمَيْن، ثُمّ يَكونان مُتَبايِعَيْن، ولو تَساوَما فقال رجلٌ: «امْرأتي طالقٌ إنْ كُنْتُما تَبايَعْتُما» كان صادِقًا، وإنّما جَعَل لهما النبيُّ ﷺ الخِيارَ بعد التَّبايُعِ ما لم يَفْتَرِقا، ولا تَفَرُّقَ بعدما صارا مُتَبايِعَيْن إلّا تَفَرُّقُ الأبْدان.
(١٠٠١) فكُلُّ مُتَبايِعَيْن في سِلْعَةٍ وعَيْنٍ وصَرْفٍ وغيرِه، فلكُلِّ واحدٍ منهما فَسْخُ البيعِ حتّى يَتَفَرَّقا تَفَرُّقَ الأبدانِ على ذلك، أو يَكُون بَيْعُهما عن خِيارٍ (٤).
стр. 739
(١٠٠٢) وإذا كان يَجِبُ بالتَّفَرُّقِ بعد البيع، فكذلك يَجِبُ إذا خَيَّر أحدُهما صاحبَه بعد البيع، وكذلك قال طاوس: «خَيَّر رسولُ الله ﷺ رجلًا بعد البيع، فقال الرجلُ: عَمْرَكَ اللهَ (١) ممّن أنت؟ فقال رسول الله ﷺ : امْرُؤٌ مِنْ قُرَيْشٍ»، قال: فكان طاوسٌ يَحْلِفُ: ما الخيارُ إلّا بعد البيع (٢).
(١٠٠٣) قال الشافعي: فإن اشْتَرَى جاريةً، فأعْتَقَها المشْتَرِي قبل التَّفَرُّقِ أو الخيارِ، واخْتار البائعُ نَقْضَ البيع .. كان له، وكان عِتْقُ المشْتَرِي باطلًا؛ لأنّه أعْتَقَ ما لم يَتِمَّ له مِلْكُه، وإنْ أعْتَقَها البائعُ .. كان جائزًا.
(١٠٠٤) قال: ولو عَجِلَ المشْتَرِي فوَطِئَها فأحْبَلَها قبل التّفَرُّقِ في غَفْلَةٍ مِنْ البائعِ، فاخْتار البائعُ فَسْخَ البيع .. كان على المشْتَرِي مَهْرُ مِثْلِها وقِيمةُ وَلَدِه منها يَوْمَ تَلِدُه، ولَحِقَه بالشُّبْهَة.
(١٠٠٥) وإنْ وَطِئَها (٣) البائعُ .. فهي أمَتُه، والوَطْءُ اخْتِيارٌ لِفَسْخِ البيع.
стр. 740
قال المزني: وهذا عندي دليلٌ على أنّه إذا قال لامرأتَيْن له: «إحْداكما طالقٌ» فكان (١) له الخيارُ، فإنْ وَطِئ إحْداهما .. أشْبَهَ أن يَكُون قد اخْتارَها فطَلُقَت الأخْرَى؛ كما جَعَل الوَطْءَ اخْتِيارًا لفَسْخِ البيع (٢).
(١٠٠٦) قال الشافعي: فإنْ مات أحدُهما قبل أن يَتَفَرَّقا، فالخيارُ لوارِثِه (٣).
(١٠٠٧) ولو كانتْ بَهِيمَةً فنُتِجَتْ قبل التَّفَرُّقِ ثُمّ تَفَرَّقا .. فوَلَدُها للمُشْتَرِي؛ لأنّ العَقْدَ وَقَعَ وهو حَمْلٌ.
(١٠٠٨) وكذلك كُلُّ خِيارٍ بشَرْطٍ جائزٍ في أصْلِ العَقْدِ، ولا بأسَ بنَقْدِ الثَّمَنِ في بَيْعِ الخِيارِ.
(١٠٠٩) قال: ولا يَجُوزُ شَرْطُ خِيارٍ أكْثَرَ مِنْ ثلاثٍ، ولولا الخبرُ عن رسولِ الله ﷺ في الخِيارِ ثلاثًا في المُصَرَّاةِ ولحَبّانِ بن مُنْقِذٍ فيما اشْتَرَى ثلاثًا .. ما جاز بعد التَّفَرُّقِ ساعةً، فلا يَكون للبائع الانْتِفاعُ بالثَّمَنِ، ولا للمُشْتَرِي الانْتِفاعُ بالجاريةِ، فلمّا أجازَه النبيُّ ﷺ على ما وَصَفْناه ثلاثًا اتَّبَعْناه ولم نُجاوِزْه، وذلك أنّ أمْرَه يُشْبِه أن يَكون «ثلاثًا» حَدًّا.
стр. 741
(١١٨)
باب الرِّبا وما لا يجوز بيع بعضه ببعض متفاضلًا ولا مؤجَّلًا والصرف (١)(١٠١٠) قال الشافعي: أخبرنا عبدُالوهاب بنُ عبدِالمجيد الثقفيُّ، عن أيُّوبَ، عن محمد بنِ سيرين، عن مسلمِ بنِ يَسارٍ ورجلٍ آخَرَ (٢)، عن عُبادَةَ بنِ الصّامِتِ، أنّ النبي ﷺ قال: «لا تَبِيعُوا الذهبَ بالذهبِ، ولا الوَرِقَ بالوَرِقِ، ولا البُرَّ بالبرِّ، ولا الشّعيرَ بالشّعيرِ، ولا التّمْرَ بالتّمْرِ، ولا المِلْحَ بالمِلْحِ، إلّا سَواءً بسَواءٍ، عَيْنًا بعَيْنٍ، يَدًا بيَدٍ، ولكن بِيعُوا الذّهبَ بالوَرِقِ والوَرِقَ بالذّهَبِ، والبُرَّ بالشّعيرِ والشّعيرَ بالبُرِّ، والتّمْرَ بالمِلْحِ والمِلْحَ بالتّمْرِ، يَدًا بيَدٍ، كَيْف شِئتُم»، وقال: ونَقَصَ أحَدُهما: التَّمْرَ أو المِلْحَ، وزاد الآخَرُ: «فمَنْ زاد أو ازْداد فقد أَرْبَى» (٣).
стр. 742
(١٠١١) قال: وهو (١) مُوافِقٌ للأحاديثِ عن رسولِ الله ﷺ في الصّرْفِ، وبه نأخُذُ (٢)، وبها تَرَكْنا قَوْلَ مَنْ رَوَى عن أسامةَ أنّ النبيَّ ﷺ قال: «إنّما الرِّبا في النَّسِيئة» (٣)؛ لأنّه مُجْمَلٌ، وكلُّ ذلك مُفَسَّرٌ، فيَحْتَمِلُ أن يكونَ النبيُّ ﷺ سُئِلَ عن الرِّبا في صِنْفَيْن (٤) مخْتَلِفَيْن: ذَهَبٍ بوَرِقٍ، أو تَمْرٍ بحِنْطَةٍ (٥)، فقال: «الرِّبا في النَّسِيئة»، فحَفِظَه، فأدَّى قَوْلَ النبيِّ ﷺ ولم يُؤدِّ المسْألةَ.
(١٠١٢) قال: ويَحْتَمِلُ قولُ عمرَ عن النبيِّ ﷺ : «الذهبُ بالوَرِقِ رِبًا، إلّا هاءَ وهاءَ» .. يُعْطِي بيَدٍ ويَأخُذُ بأخْرَى، فيَكونُ الأخْذُ مع الإعْطاءِ، ويَحْتَمِلُ أن لا يَتَفَرَّقَ المُتَبايِعانِ مِنْ مكانِهما حتّى يَتَقابَضا، فلمّا قال عمرُ لمالكِ بنِ أوْسٍ: «لا تُفارِقْه حتّى تُعْطِيَه وَرِقَه، أو تَرُدَّ إليه ذَهَبَه»، وهو رَوَى الحديثَ .. دَلّ على أنّ مَخْرَجَ «هاءَ وهاءَ» تقابُضُهما قبل أن يَتَفَرَّقا.
стр. 743
(١٠١٣) قال: والرِّبا مِنْ وجهين؛ أحدهما: في النَّقْدِ بالزِّيادة في الوَزْنِ والكَيْلِ (١)، والآخَرُ: يَكُونُ في الدَّيْنِ بزِيادَةِ الأجَلِ.
(١٠١٤) قال: وإنّما حَرَّمْنا غَيْرَ ما سَمَّى رسولُ الله ﷺ مِنْ المأكولِ المَكِيلِ أو الموْزُونِ؛ لأنّه في معنى ما سَمَّى، ولم يَجُزْ أن نَقِيسَ الوَزْنَ على الوَزْنِ مِنْ الذهبِ والوَرِقِ؛ لأنّهما غيرُ مَأكُولَيْنِ ومُبايِنان لِما سِواهما، وهكذا قال ابنُ المسيّب: «لا رِبا إلّا في ذَهَبٍ أو وَرِقٍ، أو ما يُكالُ أو يُوزَنُ مما يُؤكَلُ ويُشْرَبُ»، قال: وهذا صحيحٌ (٢)، ولو قِسْنا الوَزْنَ عليهما لَزِمَنا أن لا نُسْلِمَ دِينارًا في مَوْزونٍ مِنْ طعامٍ؛ كما لا يَجُوز أن نُسْلِمَ دينارًا في مَوْزُونٍ مِنْ وَرِقٍ، ولا أعْلَمُ بين المسلمين اختلافًا أنّ (٣) الدينارَ والدرهمَ يُسْلَمان في كُلِّ شيءٍ، ولا يُسْلَمُ أحدُهما في الآخَرِ، غيرَ أنّ مِنْ الناسِ مَنْ كَرِهَ أن يُسْلِمَ دينارًا أو دراهمَ في فُلوسٍ، وهو عندنا جائزٌ؛ لأنّه لا زكاةَ فيها ولا في تِبْرِها (٤)، ولأنّها (٥) ليستْ بثَمَنٍ للأشياء المتْلَفَةِ، وإنّما أنْظُرُ في التِّبْرِ إلى أصْلِه، والنُّحاسُ ما لا رِبا فيه، وقد أجاز عَدَدٌ - منهم إبراهيمُ النَّخَعي - السَّلَفَ في الفُلوسِ، قال: وكيف يكون مَضْرُوبُ الذَّهبِ دنانيرَ ومَضْروبُ الوَرِقِ دَراهمَ في معنى الذَّهبِ والوَرِقِ غيرَ مَضْروبَيْن، ولا يكون مَضْرُوبُ النُّحاسِ فُلوسًا في معنى النُّحاسِ غيرَ مَضْروبٍ؟!
стр. 744
(١٠١٥) قال الشافعي: ولا يَجُوز أن يُسْلِفَ شيئًا ممّا يُكالُ أو يُوزَنُ مِنْ المأكولِ والمشروبِ في شيءٍ منه، وإن اخْتَلَفَ الجِنْسان جازا مُتَفاضِلَيْن يَدًا بيَدٍ، قِياسًا على الذَّهَبِ الذي لا يَجُوزُ أن يُسْلَفَ في الفضة، والفضة التي لا تُسْلَفُ في الذهب.
(١٠١٦) وكلُّ ما خَرَجَ مِنْ المأكولِ والمشروبِ والذهبِ والفضةِ .. فلا بأسَ بعضُه ببعضٍ مُتَفاضِلًا وإلى أجَلٍ، وإنْ كان مِنْ صِنفٍ واحدٍ.
(١٠١٧) فلا بأسَ أن يُسْلِفَ بَعِيرًا في بَعِيرَيْن أرِيدَ بهما الذَّبْحُ أو لم يُرَدْ، ورِطْلَ نُحاسٍ بِرِطْلَيْن، وعَرْضًا بعَرْضَيْن، إذا دَفَعَ العاجلَ، ووَصَفَ الآجلَ.
(١٠١٨) وما أُكِلَ أو شُرِبَ ممّا لا يُكالُ ولا يُوزَنُ .. فلا يُباعُ منه يابسٌ برَطْبٍ؛ قياسًا عندي على ما يُكالُ ويُوزَنُ مما يُؤكَلُ أو يُشْرَبُ، وما يَبْقَى ويُدَّخَرُ، أو لا يَبْقَى ولا يُدَّخَرُ، وكان أوْلى بنا مِنْ (١) أن نَقِيسَه بما يُباعُ عَدَدًا مِنْ غيرِ المأكولِ مِنْ الثِّيابِ والخَشَبِ وغيرهما، ولا يَصْلُحُ على قياسِ هذا القولِ رُمّانَةٌ (٢) برُمّانَتَيْن عَدَدًا ولا وَزْنًا، ولا سَفَرْجَلَةٌ بسَفَرْجَلَتَيْن، ولا بِطِّيخَةٌ ببِطِّيخَتَيْن، في نحو ذلك، ويُباعُ جِنْسٌ منه بجِنْسٍ غيرِه مُتَفاضِلًا وجُزَافًا يَدًا بيَدٍ، ولا بأسَ برُمّانَةٍ بسَفَرْجَلَتَيْن؛ كما لا بأسَ بمُدِّ حِنْطَةٍ بمُدَّيْ تَمْرٍ في نحو ذلك.
(١٠١٩) وما كان مِنْ الأدْوِيَة هِلِيلَجِها وبِلِيلَجِها (٣) وإنْ كانتْ لا تُقْتاتُ فقد تُعَدُّ مأكولةً ومشروبةً، فهي بأن تُقاسَ على المأكولِ والمشروبِ للقُوتِ
стр. 745
- لأنّ جميعَها في معنى المأكولِ والمشروبِ لمنفعةِ البَدَنِ - أوْلى مِنْ أنْ تُقاسَ على ما خَرَجَ مِنْ المأكولِ والمشروبِ مِنْ الحيوانِ والثِّيابِ والخَشَبِ وغيرها.
(١٠٢٠) قال: وأصْلُ الحنطةِ والتَّمْرِ الكَيْلُ، فلا يَجُوزُ أن يُباعَ مِنْ الجِنْسِ الواحدِ بمِثْلِه وَزْنًا بوَزْنٍ ولا وَزْنًا بكَيْلٍ؛ لأنّ الصّاعَ يَكونُ وَزْنُه أرْطالًا وصاعٌ دُونَه أو أكْثَرُ منه، فلو كِيلَا كان صاعٌ بأكْثَرَ مِنْ صاعٍ كَيْلًا.
(١٠٢١) ولا يَجُوزُ بَيْعُ الدّقِيقِ بالحِنْطَةِ مِثْلًا بمِثْلٍ مِنْ قِبَلِ أنّه يَكونُ مُتَفاضِلًا في نحو ذلك.
(١٠٢٢) ولا بأسَ بخَلِّ العِنَبِ مِثْلًا بمِثْلٍ، فأمّا خَلُّ الزَّبِيبِ .. فلا خيرَ في بَعْضِه ببَعْضٍ مِثْلًا بمِثْلٍ مِنْ قِبَلِ أنّ الماءَ يَقِلُّ فيه ويَكْثُرُ، فإذا اخْتَلَفَتِ الأجْناسُ فلا بأسَ.
(١٠٢٣) ولا خيرَ في التَّحَرِّي فيما في بَعْضِه ببَعْضٍ رِبا.
(١٠٢٤) ولا خيرَ في مُدِّ عَجْوَةٍ ودرهمٍ بمُدَّيْ عَجْوَةٍ (١)، حتّى يَكونَ التّمْرُ بالتّمْرِ مِثْلًا بمِثْلٍ.
(١٠٢٥) وكلُّ زَيْتٍ ودُهْنِ لَوْزٍ وجَوْزٍ وبُزُورٍ لا يَجُوزُ مِنْ الجِنْسِ الواحدِ إلّا مِثْلًا بمِثْلٍ، فإذا اخْتَلَفَ الجِنْسانِ، فلا بأسَ به مُتَفاضِلًا يَدًا بيَدٍ.
(١٠٢٦) ولا يَجُوزُ مِنْ الجِنْسِ الواحدِ مَطْبُوخًا بِنِيءٍ منه بحالٍ إذا كان (٢) إنّما يُدَّخَرُ مَطْبُوخًا، ولا مَطْبُوخًا منه بمَطْبُوخٍ؛ لأنّ النارَ تَنْقُصُ مِنْ بَعْضٍ أكْثَرَ ممّا تَنْقُصُ مِنْ بَعْضٍ، وليس له غايةٌ يَنْتَهِي إليها كما تَكُونُ للتَّمْرِ غايةٌ في اليُبْسِ تَنْتَهِي إليها.
стр. 746
قال المزني: ما أرى لاشْتِراطِه - يعني: الشافعيَّ - «إذا كان إنّما يدَّخَر مطبوخًا» معنًى؛ لأنّ القياسَ أنّ ما ادُّخِرَ وما لم يُدَّخَر واحدٌ، والنارُ تَنْقُصُه (١).
(١٠٢٧) ولا يُباعُ عَسَلُ نَحْلٍ بعَسَلِ نَحْلٍ إلّا مُصَفَّيَيْن مِنْ الشَّمْعِ؛ لأنّهما لو بِيعا وَزْنًا وفي أحدِهما شَمْعٌ - وهو غيرُ العَسَلِ - كان العَسَلُ بالعَسَلِ غيرَ مَعْلومٍ، وكذلك لو بِيعا كَيْلًا.
(١٠٢٨) ولا خيرَ في مُدِّ حِنْطَةٍ فيها قَصَلٌ أو زُؤَانٌ (٢) بمُدِّ حِنْطَةٍ لا شيءَ فيها مِنْ ذلك؛ لأنّها حِنْطةٌ بحِنْطَةٍ مُتَفاضِلَةً ومَجْهُولَةً، وكذلك كُلُّ ما اخْتَلَطَ به، إلّا أن يكون لا يَزِيدُ في كَيْلِه، مِثْلُ قَليلِ التُّرابِ الدَّقيقِ وما دُقَّ مِنْ تِبْنِه، وأما الوَزْنُ .. فلا خيرَ في مِثْلِ هذا.
стр. 747
(١٠٢٩) ولَبَنُ الغَنَمِ ماعِزِه وضَأنِيِّه صِنْفٌ، ولَبَنُ البَقَرِ عَرَبِيِّها وجَوامِيسِها صِنْفٌ، ولَبَنُ الإبلِ مَهْرِيِّها وعِرابِها صِنْفٌ، فإذا اخْتَلَفَ الصِّنْفان .. فلا بأسَ به مُتَفاضِلًا يَدًا بيَدٍ (١).
(١٠٣٠) ولا خيرَ في زُبْدِ غَنَمٍ بلَبَنِ غَنَمٍ؛ لأنّ الزُّبْدَ شيءٌ مِنْ اللَّبَنِ، ولا خيرَ في سَمْنِ غَنَمٍ بزُبْدِ غَنَمٍ، وإذا أخْرِجَ منه الزُّبْدُ فلا بأسَ أن يُباعَ بزُبْدٍ وسَمْنٍ.
(١٠٣١) ولا خيرَ في شاةٍ فيها لَبَنٌ يَقْدِرُ على حَلْبِه بلَبَنٍ (٢)، مِنْ قِبَلِ أنّ في الشّاةِ لَبَنًا لا أدْرِي كَمْ حِصَّتُه مِنْ اللَّبَنِ الذي اشْتُرِيَتْ به نَقْدًا، وإن كان نَسِيئَةً فهو أفْسَدُ للبَيْعِ، وقدْ جَعَلَ النبيُّ ﷺ للَبَنِ التَّصْرِيَةِ بَدَلًا، وإنّما اللَّبَنُ في الضَّرْعِ كالجَوْزِ واللَّوْزِ المَبِيعِ في قِشْرِه، يَسْتَخْرِجُه (٣) صاحبُه إذا شاء، وليس كالوَلَدِ لا يَقْدِرُ على اسْتِخْراجِه.
(١٠٣٢) وكلُّ ما لم يَجُز التَّفاضُلُ فيه فالقَسْمُ فيه كالبَيْعِ.
(١٠٣٣) ولا يَجُوزُ بَيْعُ تَمْرٍ برُطَبٍ بحالٍ؛ لقولِ رسولِ الله ﷺ : «أيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذا يَبِسَ (٤)؟» فنَهَى عنه، فنَظَرَ إلى المتَعَقِّبِ، فكذلك لا يَجُوزُ بَيْعُ رُطَبٍ برُطَبٍ؛ لأنّهما في المتَعَقِّبِ مَجْهُولا المِثْلِ تَمْرًا، وكذلك لا يَجُوزُ قَمْحٌ مَبْلُولٌ بقَمْحٍ جافٍّ.
(١٠٣٤) قال: وإذا كان مُتَبايِعَا الذهبِ بالوَرِقِ بأعْيانِهما إذا تَفَرَّقا قَبْلَ القَبْضِ .. كانا في مَعْنَى مَنْ لم يَتَبايَعْ .. دَلَّ ذلك على أنّ كُلَّ سِلْعَةٍ باعَها
стр. 748
فهَلَكَتْ قَبْلَ القَبْضِ فمِن مالِ بائعِها؛ لأنّه كان عليه تَسْلِيمُها، فلمّا هَلَكَتْ لم يَكُنْ له أخْذُ ثَمَنِها.
(١٠٣٥) قال الشافعي: وإذا اشْتَرَى بالدِّينارِ دَراهمَ بأعْيانِها .. فليس لأحَدٍ منهما أن يُعْطِيَ غيرَ ما وَقَعَ عليه البَيْعُ، فإنْ وَجَدَ بالدينارِ أو بالدراهمِ عَيْبًا فهو بالخيارِ، إنْ شاء حَبَسَ الدينارَ بالدراهمِ، أو حَبَسَ الدراهمَ بالدينارِ، أو نَقَضَ البَيْعَ.
(١٠٣٦) وإذا تَبايَعا ذلك بغير عَيْنِ الدينارِ والدراهمِ وتَقابَضا، ثُمّ وَجَدَ بالدينارِ أو ببَعْضِ الدراهمِ عَيْبًا قَبْلَ أن يَتَفَرَّقا .. أبْدَلَ كلُّ واحدٍ منهما صاحبَه المعِيبَ، وإنْ كان بعد التَّفَرُّقِ .. ففيه أقاويلُ: أحدها - أنه كالجواب في العين، والثاني - أنْ يُبْدَلَ المعِيبُ؛ لأنّه بيعُ صِفَةٍ أجازها المسلمون إذا قُبِضَتْ قبل التَّفَرُّقِ، ويُشْبِهُ أن يكونَ مِنْ حُجَّتِه: كما لو اشْتَرَى سَلَمًا بصِفَةٍ ثُمّ قَبَضَه فأصاب به عَيْبًا أخَذَ صاحبَه بمِثْلِه، وبيوعُ الصفاتِ غيرُ بيوعِ الأعْيانِ، ومَن أجاز بعضَ الصَّفْقَةِ (١) رَدَّ المعِيبَ مِنْ الدراهمِ بحِصَّتِه مِنْ الدينار.
قال المزني: إذا كان بَيْعُ العينِ والصفاتِ مِنْ الدينارِ بالدراهمِ فيما يَجُوزُ بالقبضِ قبل الافْتِراقِ سواءً، وفيما يَفْسُدُ به البيعُ مِنْ الافْتِراقِ قبل القبضِ سواءً .. لَزِمَ أن يكونا في حُكْمِ العَيْبِ بعد القبض سواءً، وقد قال الشافعي: «يَرُدُّ الدراهمَ بحِصَّتِه مِنْ الدينارِ» (٢).
стр. 749
(١٠٣٧) قال الشافعي: ولو رَاطَلَ (١) مائةَ دينارٍ عُتُقٍ مَرْوانِيَّةٍ ومائةَ دينارٍ مِنْ ضَرْبٍ مَكْرُوهٍ بمائتَيْ دينارٍ مِنْ ضَرْبٍ وَسَطٍ خيرٍ مِنْ المكروهِ ودونَ المرْوانِيَّةِ .. لم يَجُزْ؛ لأنّي لم أرَ بين أحَدٍ ممّنْ لَقِيتُ مِنْ أهْلِ العلمِ اخْتِلافًا في أنّ ما جَمَعَتْه الصَّفْقَةُ مِنْ عَبْدٍ ودارٍ، أنّ الثَّمَنَ مَقْسُومٌ على كلِّ واحدٍ منهما بقَدْرِ قِيمَتِه مِنْ الثَّمَنِ، فكان قِيمَةُ الجَيِّدِ مِنْ الذَّهبِ أكْثَرَ مِنْ الرَّدِيءِ، والوَسَطِ أقَلَّ مِنْ الجَيِّدِ، ونَهَى النبيُّ ﷺ عن الذهبِ بالذهبِ إلّا مِثْلًا بمِثْلٍ.
(١٠٣٩) ولا بأسَ أن يَشْتَرِيَ الدراهمَ مِنْ الصَّرَّافِ، ويَبِيعَها منه، إذا قَبَضَها منه بأقَلَّ مِنْ الثّمَنِ أو أكْثَرَ، وعادةٌ وغيرُ عادةٍ سواءٌ (٢).
стр. 750
(١١٩)
باب بيع اللحم باللحم
(١٠٤٠) قال الشافعي: اللَّحْمُ كلُّه صِنْفٌ (١)، وَحْشِيُّه وإنْسِيُّه وطائرُه، لا (٢) يَحِلُّ فيه البيعُ حتّى يكونَ يابِسًا وَزْنًا بوَزْنٍ.
وقال في موضعٍ آخَرَ: «فيها قولان»، فخرَّجهما، ثُمّ قال في آخِرِه: «ومَن قال: اللُّحْمانُ صِنْفٌ واحدٌ .. لَزِمَه إذا حَدَّه بجِماع (اللَّحْم) أن يَقُولَه في جماع (الثَّمَر)، فيَجْعَلَ الزَّبِيبَ والتَّمْرَ وغيرَهما مِنْ الثِّمارِ صِنْفًا واحدًا، وهذا ما لا يجوز لأحدٍ أن يَقُولَه».
قال المزني: فإذا كان تَصْيِيرُ اللُّحْمانِ صِنْفًا واحدًا قياسَ قولٍ (٣) لا يَجُوزُ بحالٍ، وأنّ ذلك ليس على الأسماء الجامِعَة، وأنّها على الأصنافِ والأسماءِ الخاصَّةِ .. فقد قَطَعَ بأنّ اللُّحمانَ أصنافٌ، قال المزني: وقد قَطَعَ قبل هذا الباب [ف: ١٠٢٩] بأنّ ألْبانَ البَقَرِ والغَنَمِ والإبِلِ أصنافٌ (٤) مخْتَلِفَةٌ، فلُحُومُها التي هي أصْلُ الألْبانِ بالاخْتِلافِ أوْلى، وقال في «الإملاء على مسائل مالك المجموعة»: «وإذا اخْتَلَفَتْ أجْناسُ الحِيتانِ (٥)، فلا بأسَ بعضُها ببعضٍ مُتَفاضِلًا، وكذلك لحومُ الطَّيْرِ إذا اخْتَلَفَتْ أجناسُها»، قال المزني: وفي ذلك كِفايَةٌ لِما وَصَفْنا، وبالله التوفيق (٦).
стр. 751
(١٢٠)
باب بيع اللحم بالحيوان
مِنْ كُتُبٍ
(١٠٤١) قال الشافعي: أخبرنا مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن ابن المسيب؛ أنّ رسولَ الله ﷺ نَهَى عن بيع اللّحْمِ بالحيوان.
(١٠٤٢) وعن ابن عباس أنّ جَزُورًا نُحِرَتْ على عَهْدِ أبي بكر الصديق، فجاء رجلٌ بعَناقٍ، فقال: أعْطُونِي جُزْءًا بهذه العَناقِ، فقال أبو بكر: لا يَصْلُحُ هذا، وكان القاسمُ بنُ محمّدٍ، وابنُ المسيب، وعروةُ بنُ الزبير، وأبو بكر بن عبدالرحمن يحَرِّمُون بيعَ اللَّحْمِ بالحيوان عاجلًا وآجلًا، يُعظِّمُون (١) ذلك، ولا يُرَخِّصُون فيه.
(١٠٤٣) قال: وبهذا نأخُذ، كان اللَّحْمُ مخْتَلِفًا أو غيرَ مخْتَلِفٍ، ولا نَعْلَمُ أحدًا مِنْ أصحابِ النبيّ ﷺ خالفَ في ذلك أبا بكرٍ، وإرْسالُ ابنِ المسيب عندنا حَسَنٌ.
قال المزني: إذا (٢) لم يَثْبُت الحديثُ عن رسول الله ﷺ .. فالقياسُ عندي أنّه جائزٌ، وذلك أنّه إذا كان فصيلٌ بجَزُورٍ قائمَيْنِ جائزًا،
стр. 752
ولا يَجُوزان (١) مَذْبُوحَيْن - لأنّهما طعامان - إلّا مِثْلًا بمِثْلٍ (٢)، فهذا لحمٌ وهذا حيوانٌ، وهما مختلفان، فلا بأسَ به في القياسِ إنْ كان فيه قولٌ مُتَقَدِّمٌ ممّن يَكُونُ بقولِه اخْتِلافٌ، إلّا أن يَكُون الحديثُ عن رسول الله ﷺ ثابتًا، فنأخذُ به، ونَدَعُ القياسَ (٣).
стр. 753
(١٢١)
باب ثمر الحائط يباع أصله
مِنْ كُتُبٍ
(١٠٤٤) قال الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، أنّ رسول الله ﷺ قال: «مَنْ باع نخلًا بعد أن يُؤبَّرَ (١) .. فثَمَرَتُها للبائع، إلّا أن يَشْتَرِطَ المبْتاعُ».
(١٠٤٥) قال الشافعي: فإذا جَعَل رسولُ الله ﷺ الإبارَ حَدًّا لمِلْكِ البائعِ .. فقد جَعَل ما قَبْلَه حَدًّا لمِلْكِ المشْتَرِي.
(١٠٤٦) وأقَلُّ الإبَارِ أن يُؤبَّرَ شيءٌ (٢) مِنْ حائطِه، وإن لم يُؤبَّر الذي إلى جَنْبِه، فيَكُونُ في معنى ما أبِّرَ كُلُّه، ولو تَشَقَّقَ طَلْعُ إناثِه أو شيءٌ منه .. فهو في معنى ما أبِّرَ كلُّه.
(١٠٤٧) وإنْ كان فيها فُحُولُ نَخْلٍ بعد أن تُؤبَّرَ الإناثُ فثَمَرُها للبائع،
стр. 754
فهي قبل الإبَارِ وبعده في البيع (١) في معنى ما لم يُخْتَلَفْ فيه مِنْ أنّ كلَّ ذاتِ حَمْلٍ مِنْ بَنِي آدمَ ومِن البهائمِ بِيعَتْ، فحَمْلُها تَبَعٌ لها كعُضْوٍ منها لأنّه لم يُزايِلْها، فإنْ بِيعَتْ بعد أنْ وَلَدَتْ .. فالولدُ للبائعِ إلّا أن يَشْتَرِطَ المبتاعُ.
(١٠٤٨) والكُرْسُفُ (٢) إذا بِيعَ أصْلُه كالنَّخْلِ، إذا خَرَجَ جَوْزُه ولم يَتَشَقَّقْ فهو للمشتري، وإذا تَشَقَّقَ فهو للبائع.
(١٠٤٩) وتُخالِفُ الثِّمارُ مِنْ الأعنابِ وغيرِها النَّخْلَ، فتَكُونُ كلُّ (٣) ثَمَرَةٍ خَرَجَتْ بارزةً تُرَى في أوَّلِ ما تَخْرُج كما تُرَى في آخِرِه، فهو في معنى ثَمَرِ النَّخْلِ بارزًا مِنْ الطّلْعِ، فإذا باعه شَجَرًا مُثْمِرًا فهو للبائع إلّا أن يَشْتَرِطَه المبتاعُ؛ لأنّ الثَّمَرَ فارَقَ أن يَكُونَ مُسْتَوْدَعًا في الشَّجَرِ كما يَكُونُ الحمْلُ مُسْتَوْدَعًا في الأمَةِ.
(١٠٥٠) ومَعْقُولٌ إذا كانت الثَّمَرَةُ للبائع، أنّ على المشتري تَرْكَها في شَجَرِها إلى أنْ تَبْلُغَ الجِدادَ، أو القِطافَ، أو اللِّقاطَ مِنْ الشَّجَرِ (٤).
(١٠٥١) فإذا كان لا يُصْلِحُها إلّا السَّقْيُ، فعلى المشتري تَخْلِيَةُ البائعِ وما يَكْفِي مِنْ السَّقْيِ، وإنَّما له مِنْ الماءِ ما فيه صَلاحُ ثَمَرِه.
(١٠٥٢) فإذا (٥) كانت الشَّجَرَةُ ممّا تَكُونُ فيه الثَّمَرَةُ ظاهِرَةً، ثُمّ تَخْرُجُ
стр. 755
منها قبل مَبْلَغِ (١) الخارِجَةِ ثَمَرَةَ غيرِها .. فإنْ تَمَيَّزَ فلِلْبائعِ الثَّمَرَةُ الخارِجَةُ، وللمشتري الحادِثَةُ (٢)، وإنْ كان لا يَتَمَيَّزُ ففيها قولان: أحدهما - لا يجوز البيعُ، إلّا أن يُسلِّمَ البائعُ الثَّمَرَةَ كُلَّها فيَكُونَ قد زاده حَقًّا له، أو يَتْرُكَه المشتري للبائع فيَعْفُوَ له عن حَقِّه، والقول الثاني - أنّ البيعَ مَفْسُوخٌ.
وقدْ قال (٣) في هذا الكتابِ وفي «الإملاء على مسائل مالك»: «مَفْسُوخٌ»، وهكذا قال في بَيْعِ الباذِنْجان في شَجَرِه والخِرْبِزِ (٤)، وهكذا قال فيمَن باع قُرْطًا جَزَّهُ (٥) عند بُلوغِ الجِزَازِ فتَرَكَه المشتري حتّى زاد كان البائع بالخيار في أن يَدَعَ له الفَضْلَ الذي له بلا ثَمَنٍ أو يَنْقُضَ البيعَ؛ كما لو باعه حِنْطَةً فانْثالَتْ عليها حِنْطَةٌ أخْرَى (٦) فله الخيارُ في أن يُسَلِّمَ له الزّيادَةَ أو يَفْسَخَ لاخْتِلاطِ ما باع بما لم يَبعْ.
قال المزني: هذا أشْبَهُ بمَذْهَبِه إذا لم يَكُنْ قَبَضَ؛ لأنّ التّسْلِيمَ عليه مَضْمُونٌ بالثَّمَنِ ما دام في يَدَيْه، ولا يُكَلَّفُ ما لا سبيلَ له إليه، قال المزني: قلت أنا (٧): فإذا كان بعد القَبْضِ لم يَضُرّ البيعَ شَيْئًا لتَمامِه، وهذا المخْتَلِطُ
стр. 756
لهما يَتَراضَيَان فيه بما شاءا؛ إذْ كلُّ واحدٍ منهما (١) يَقُولُ: (لا أدْرِي ما لي منه (٢)، وإن تَداعَيا فالقولُ عندي (٣) قولُ الّذِي كانت الثَّمَرَةُ في يَدَيْه، والآخَرُ مُدَّعٍ عليه (٤).
стр. 757
(١٠٥٣) قال الشافعي: وكلُّ أرْضٍ بِيعَتْ .. فللمُشْتَرِي جميعُ ما فيها مِنْ بِناءٍ وأصْلٍ، والأصْلُ: ما له ثَمَرَةٌ بعد ثَمَرَةٍ مِنْ كلِّ شَجَرٍ وزَرْعٍ مُثْمِرٍ (١).
(١٠٥٤) وإن كان فيها زَرْعٌ فهو للبائع، يُتْرَكُ حتّى يُحْصَدَ، وإنْ كان زَرْعًا يُجَزُّ مِرارًا فللبائع جِزَّةٌ واحدةٌ، وما بَقِيَ فكالأصلِ، وإنْ كان فيها حَبٌّ قد بَذَرَه .. فالمشتري بالخيار، إنْ أحَبَّ نَقَضَ البيعَ، أو تَرَكَ البِذْرَ حتّى يَبْلُغَ فيُحْصَدَ.
(١٠٥٥) وإنْ كانتْ فيها حِجارَةٌ مُسْتَوْدَعَةٌ .. فعلى البائع نَقْلُها وتَسْوِيَةُ الأرضِ على حالها، لا يَتْرُكُها حُفَرًا.
(١٠٥٦) ولو كان غَرَسَ عليها شَجَرًا .. فإنْ كانتْ تَضُرُّ بعُروقِ الشَّجَرِ فللمشتري الخيارُ، وإن كان لا تَضُرُّ بها ويَضُرُّها إذا أراد قَلْعَها .. قيل
стр. 758
للبائع: أنت بالخيار، إنْ سَلَّمْتَها فالبيعُ جائزٌ، وإن أبَيْتَ قيل للمشتري: أنت بالخيار في الرَّدِّ، أو يَقْلَعُه ويكون عليه قيمةُ ما أفْسَدَ عليك.
стр. 759
(١٢٢)
باب الوقت الذي يحل فيه بيع الثمار ورد الجائحة (١)
من كتب
(١٠٥٧) قال الشافعي: أخبرنا مالك، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك، أنّ رسولَ الله ﷺ نَهَى عن بَيْعِ الثِّمار حتّى تُزْهِيَ، قيل: يا رسول الله، وما (تُزْهِي)؟ قال: «حتّى تَحْمَرَّ» (٢)، ورَوَى عنه ﷺ ابنُ عمر: «حتّى يَبْدُو صَلاحُها»، ورَوَى غيرُه: «حتّى تَنْجُوَ مِنْ العاهةِ».
(١٠٥٨) قال الشافعي: فبهذا نأخُذُ، وفي قولِه: «إذا مَنَع الله الثَّمَرَةَ فبِمَ يأخُذُ أحدُكم مالَ أخيه؟!» .. دليلٌ أنّه إنّما نَهَى عن بَيْعِ الثَّمَرَةِ التي تُتْرَكُ حتّى تَبْلُغَ غايةَ إبّانِها، لا أنّه نَهَى عمّا يُقْطَعُ منها، وذلك أنّ ما يُقْطَعُ منها لا آفةَ تَأتِي عليه تَمْنَعُه، إنما يُمْنَعُ ما تُرِكَ مُدَّةً تَكونُ في مِثْلِها الآفةُ كالبَلَحِ، وكلُّ ما دون البُسْرِ يَحِلُّ بَيْعُه على أن يُقْطَعَ مكانَه.
(١٠٥٩) وإذا أذِن ﷺ في بَيْعِه إذا صارَ أحْمَرَ أو أصْفَرَ، فقد أذِنَ فيه إذا بَدا فيه النُّضْجُ واسْتُطِيعَ أكْلُه، خارجًا مِنْ أن يَكُونَ كلُّه بَلَحًا، وصار
стр. 760
عامَّتُه في تلك الحال يَمْتَنِعُ في الظاهرِ مِنْ العاهةِ لغِلَظِ نَواتِه في عامَّتِه وبُسْرِه (١)، قال: وكذلك كلُّ ثَمَرَةٍ مِنْ أصْلٍ يُرَى فيها أوَّلُ النُّضْجِ، لا كِمامَ عليها.
(١٠٦٠) وللخِرْبِزِ نُضْجٌ كنُضْجِ الرُّطَبِ، فإذا رُئِي ذلك فيه حَلَّ بَيْعُ خِرْبِزِه، والقِثّاءُ يُؤكَلُ صِغارًا طَيِّبًا، فبُدُوُّ صلاحِه أن يَتَناهَى عِظَمُه أو عِظَمُ بعضِه، ثمّ يُتْرَكُ حتّى يَتلاحَقَ صِغارُه بكبارِه.
(١٠٦١) ولا وجْهَ لمنْ قال: يَجُوزُ إذا بَدا صلاحُهما ويكونُ لمشْتَرِيهِما ما ثَبَتَ أصْلُهما أن يأخُذَ كلَّ ما خَرَجَ منهما، وهذا محرم، وكيف لم يَجُزْ بيعُ القِثّاءِ والخِرْبِزِ حتّى يَبْدُوَ صَلاحُهما؛ كما لا يَحِلُّ بيعُ الثَّمَرِ حتّى يَبْدُوَ صَلاحُه، ويَحِلُّ ما لم يُرَ ولم يُخْلَقْ منهما؟! ولو جاز لبُدُوِّ صَلاحِهما شِراءُ ما لم يُخْلَقْ .. لجاز لبُدُوِّ صَلاحِ ثَمَرِ النّخْلِ شِراءُ ما لم يَحْمِل النّخْلُ سِنِين، وقد نَهَى رسولُ الله ﷺ عن بَيْعِ السِّنِين.
(١٠٦٢) قال الشافعي: وكلُّ ثَمَرَةٍ وزَرْعٍ دُونها حائلٌ مِنْ قِشْرٍ أو كِمامٍ، وكانتْ إذا صارتْ إلى ما يُكِنُّها أخْرَجُوها مِنْ قِشْرِها وكِمامِها بلا فَسادٍ عليها إذا ادّخَرُوها (٢) .. فالذي أخْتارُ فيها: أن لا يَجُوزَ بَيْعُها في شَجَرِها ولا مَوْضُوعةً بالأرضِ للحائلِ.
قال المزني: وقاسَ ذلك على شِراء لحْمِ شاةٍ مَذْبُوحةٍ عليها جِلْدُها للحائلِ دون لحْمِها.
(١٠٦٣) قال الشافعي: ولم أجِدْ أحَدًا مِنْ أهلِ العِلْمِ يَأخُذُ عُشْرَ الحبوبِ في أكْمامِها، ولا يُجِيزُ بيعَ (٣) الحِنْطَةِ بالحِنْطَةِ في سُنْبُلِها، فإن قال
стр. 761
قائل: أجِيزُ بيعَ الحنطةِ في سُنْبُلِها .. لَزِمَه أن يُجِيزَه في تِبْنِها، وفِضَّةٍ في تُرابٍ بالتُّرابِ (١).
(١٠٦٤) قال: وعلى الجَوْزِ قِشْرَتان، واحدةٌ فَوْقَ القِشْرَةِ التي يَرْفَعُها الناسُ عليها (٢)، فلا يَجُوزُ بَيْعُه وعليه القِشْرَةُ العُلْيا؛ لأنّه يَصْلُحُ أن يُرْفَعَ بدون العُلْيا، وكذلك الرّانَجُ (٣) وما كانتْ عليه قِشْرَتان.
(١٠٦٥) ولا يَجُوزُ أن يَسْتَثْنِيَ مِنْ التَّمْرِ مُدًّا؛ لأنّه لا يُدْرَى كَمْ المُدُّ مِنْ الحائطِ، أسَهْمٌ مِنْ ألْفِ سَهْمٍ، أو مائةُ سَهْمٍ، أو أقَلُّ أو أكْثَرُ؟ فهذا مجهولٌ، ولو اسْتَثْنَى رُبُعَه أو نَخْلاتٍ بعَيْنِها .. فجائزٌ (٤).
(١٠٦٦) وإن باع ثَمَرَ حائطِه وفيه الزّكاةُ .. ففيه قولان: أحدهما - أن يَكونَ للمشْتَرِي الخيارُ (٥) في أن يأخُذَ ما جاوَزَ الصدقةَ بحِصَّتِه مِنْ الثَّمَنِ أو الرَّدِّ، والثاني - إن شاء أخَذَ الفَضْلَ عن الصَّدَقةِ بجَميعِ الثَّمَنِ أو الرَّدَّ، وللسُّلطانِ أخْذُ العُشْرِ مِنْ الثَّمَرَةِ.
قال المزني: هذا خِلافُ قَوْلِه فيمَن اشْتَرَى ما فيه الزكاةُ؛ أنَّه يَجْعَلُ أحدَ القولين أنّ البيعَ فيه باطلٌ، ولم يَقُلْه ههنا (٦).
стр. 762
(١٠٦٧) قال الشافعي: ولا يَرْجِعُ مَنْ اشْتَرَى الثَّمَرَةَ وسُلِّمَتْ إليه بالجائحة على البائعِ، ولو لم يَكُنْ سُفيانُ وَهَّنَ حديثَه في الجائحة لصِرْتُ إليه؛ فإنّي سَمِعْتُه منه ولا يَذْكُرُ حائجةً، ثُمّ ذَكَرَها وقال: «كان كلامٌ قَبْلَ وَضْعِ الجوائح لم أحْفَظْه» (١)، ولو صِرْتُ إلى ذلك لوَضَعْتُ كلَّ قَليلٍ وكثيرٍ أصِيبَ مِنْ السماءِ بغير جِنايةِ أحدٍ، فأمّا أن يُوضَعَ الثُّلُثُ فصاعِدًا ولا يُوضَعَ ما دونه .. فهذا لا خبرٌ ولا قياسٌ ولا معقولٌ (٢).
стр. 763
(١٢٣)
باب المُزابَنة والمُحاقَلة
(١٠٦٨) قال الشافعي: أخبرنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، عن جابر بن عبدالله قال: «نَهَى رسولُ الله ﷺ عن المُحاقَلَة والمُزابَنَة، والمُحاقَلَةُ: أن يَبِيعَ الرّجلُ الزَّرْعَ بمائةِ فَرْقِ حنطةٍ، والمُزابَنَةُ: أن يَبِيعَ التَّمْرَ في رُؤُوسِ النَّخْلِ بمائةِ فَرْقِ تمرٍ»، قال الشافعي: وعن ابن جريج قال: «قُلْتُ لعطاءٍ: ما المُحاقَلَةُ؟ قال: المُحاقَلَةُ في الحَرْثِ كهيئةِ المُزابَنَةِ في النَّخْلِ سواءً، بيعُ الزَّرْعِ بالقَمْحِ، قال ابنُ جريج: فقلتُ لعطاءٍ: أفَسَّرَ لكم جابرٌ المُحاقَلَةَ كما أخْبَرْتَنِي؟ قال: نعم» (١).
(١٠٦٩) قال الشافعي: وبهذا نَقُولُ إلّا في العَرَايا، وجِماعُ المُزابَنَةِ: أن يَنْظُرَ كلَّ ما عَقَدَ بَيْعَه وفي الفَضْلِ في بَعْضِه على بَعْضٍ يَدًا بيَدٍ رِبًا، فلا يَجُوزُ منه شيءٌ يُعْرَفُ بشيءٍ منه جُزافًا، ولا جُزافًا بجُزافٍ مِنْ صِنْفِه.
(١٠٧٠) فأمّا أن يَقُولَ: أضْمَنُ لك صُبْرَتَكَ هذه بعشرين صاعًا، فما زادَ فلِي، وما نَقَصَ فعليَّ تَمامُها .. فهذا مِنْ القِمارِ والمُخاطَرَةِ، وليس مِنْ المُزابَنَة.
стр. 764
(١٢٤)
باب بيع العَرايا (١)(١٠٧١) قال الشافعي: أخبرنا مالك بن أنس، عن داود بن الحصين، عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد، عن أبي هريرة، أنّ رسولَ الله ﷺ أرْخَصَ في بيعِ العَرَايا فيما دون خمسةِ أوْسُقٍ - أو: في خمسةِ أوْسُقٍ -»، الشَّكُّ مِنْ داود.
(١٠٧٢) وقال ابنُ عمر: «نَهَى رسولُ الله ﷺ عن بَيعِ الثَّمَرِ بالتَّمْرِ، إلّا أنّه أرْخَصَ في بيعِ العَرايا».
(١٠٧٣) قال المزني: ورَوَى الشافعيُّ حَديثًا فيه: «قلتُ لمحمودِ بنِ لَبيدٍ - أو: قالَ محمودُ بنُ لَبِيدٍ لرجلٍ مِنْ أصحابِ النبيِّ ﷺ إمّا زيدُ بنِ ثابتٍ وإمّا غيرُه: ما عَراياكُم هذه؟ فقال (٢) - وسَمَّى رجالًا مُحْتاجِين مِنْ الأنصار -: شَكَوْا إلى رسولِ الله ﷺ أنّ الرُّطَبَ يَأتِي ولا نَقْدَ بأيْدِيهِم يَبْتاعُونَ به رُطَبًا يَأكُلُونَه مع الناس، وعندهم فُضُولٌ مِنْ قُوتِهم مِنْ التَّمْرِ،
стр. 765
فرَخَّصَ لهم أن يَبْتاعُوا العَرايا بخَرْصِهَا مِنْ التَّمْرِ الذي في أيْدِيهم يَأكُلُونَها رُطَبًا»، قال الشافعي: وحديثُ سُفيانَ يَدُلُّ على مِثْلِ هذا.
(١٠٧٤) قال الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن بَشِير بن يَسار، عن سَهْل بن أبي حَثْمَةَ، أنّ رسولَ الله ﷺ نَهَى عن بيعِ الثَّمَرِ بالتَّمْرِ، إلّا أنّه أرْخَصَ في العَرايا أنْ تُباعَ بخَرْصِها مِنْ التَّمْرِ يَأكُلُها أهْلُها رُطَبًا.
(١٠٧٥) قال المزني: قلت أنا (١): اخْتَلَفَ ما وَصَفَ الشافعيُّ في العَرايا، وكَرِهْتُ الإكْثارَ، فأصَحُّ ذلك عندي: ما جاء به الخبرُ، وما قالَ في كتاب «اختلاف الأحاديث» وفي «الإملاء» أنّ قَوْمًا شَكَوْا إلى رسولِ الله ﷺ أنّه لا نَقْدَ عندهم، ولهم تَمْرٌ مِنْ فَضْلِ قُوتِهم (٢)، فأرْخَصَ لهم فيها (٣).
(١٠٧٦) قال الشافعي: وأحَبُّ إليَّ (٤) أنْ تَكُونَ العَرِيَّةُ أقَلَّ مِنْ خمسةِ أوْسُقٍ، ولا أفْسَخُه في الخمسةِ، وأفْسَخُه في أكْثَرَ.
قال المزني: يَلْزَمُه في أصْلِه (٥) أن يَفْسَخَ البيعَ في خمسةِ أوْسُقٍ؛ لأنّها شَكٌّ، وأصْلُ بيعِ الثَّمَرِ في رُؤوسِ النَّخْلِ بالتَّمْرِ حرامٌ بيقينٍ، فلا يَحِلُّ منه إلّا ما أرْخَصَ فيه النبيُّ ﷺ بيقينٍ، فأقل مِنْ خمسةٍ يقينٌ على ما جاء به الخبرُ، وليس الخمسةُ بيقينٍ، فلا يَبْطُل اليقينُ بالشَّكِّ (٦).
стр. 766
(١٠٧٧) قال الشافعي: ولا يَبْتاعُ الذي يَشْتَرِي العَرِيَّةَ بالتَّمْرِ إلّا أن تُخْرَصَ العَرِيَّةُ كما يُخْرَصُ للعُشْرِ، فيقالُ: فيها الآن رُطَبًا كذا، وإذا يَبِسَ كان كذا، فيَدْفَعُ مِنْ التَّمْرِ مَكِيلَةَ خَرْصِها تَمْرًا، ويَقْبِضُ النَّخْلَةَ بثَمَرِها قبْلَ أن يَتَفَرَّقا، فإنْ تَفَرَّقا قبل دَفْعِه فَسَدَ البيعُ.
(١٠٧٨) قال الشافعي: ويَبِيعُ صاحبُ الحائطِ لكلِّ مَنْ رُخِّصَ له، وإنْ أتَى على جميعِ حائطِه.
(١٠٧٩) والعَرايا مِنْ العِنَبِ كهِيَ مِنْ التَّمْرِ لا يَخْتَلِفان؛ لأنَّ رسولَ الله ﷺ سَنَّ الخَرْصَ في ثَمرَتِهما، وأن لا حائلَ دُون الإحاطَةِ بهما.
стр. 767
(١٢٥)
باب بيع الطعام قبل أن يستوفى
(١٠٨٠) قال الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أنّ رسولَ الله ﷺ قال: «مَنْ ابْتاعَ طَعامًا فلا يَبِعْه حتّى يَسْتَوْفِيَه».
(١٠٨١) وقال ابنُ عباس: «أمّا الذي نَهَى عنه رسولُ الله ﷺ فهو الطعامُ أن يُباعَ حتّى يُكْتالَ، وقال ابنُ عبّاس برَأيِه: ولا أحْسِبُ كلَّ شيءٍ إلّا مِثْلَه».
(١٠٨٢) قال الشافعي: وإذْ نَهَى رسولُ الله عن بيعِ الطعامِ حتّى يُقْبَضَ؛ لأنّ ضَمانَه مِنْ البائع، ولم يَتَكامَل للمُشْتَرِي فيه تَمامُ مِلْكٍ فيَجُوزَ به البيعُ .. فكذلك (١) قِسْنا عليه بيعَ العُرُوضِ قبل تُقْبَضُ؛ لأنّه بيعُ ما لم يُقْبَضْ، ورِبْحُ ما لم يُضْمَنْ.
(١٠٨٣) قال الشافعي: ومَن ابْتاعَه جُزافًا .. فقَبْضُه أن يَنْقُلَه مِنْ مَوْضِعِه، وقد رُوِيَ عن عمر أو ابنِ عمر: «أنّهم كانوا يَبْتاعُون (٢) الطعامَ جُزافًا، فيَبْعَثُ النبيُّ ﷺ مَنْ يَأمُرُهُم بانْتِقالِه مِنْ الموضِعِ الذي ابْتاعُوه فيه إلى مَوْضِعٍ غيرِه».
(١٠٨٤) ومَن وَرِثَ طَعامًا كان له بَيْعُه قبل أن يَقْبِضَه؛ لأنّه غيرُ مَضْمُونٍ على غيرِه.
(١٠٨٥) ولو أسْلَمَ في طَعامٍ وباعَ طَعامًا آخَرَ، فأحْضَرَ المشْتَرِي منه
стр. 768
اكْتِيالَه مِنْ بائعِه، وقال: أكْتالُه لك .. لم يَجُزْ؛ لأنّه بيعُ الطَّعامِ قبل أن يُقْبَضَ، فإنْ قال: أكْتالُه لنَفْسِي وخُذْه بالكيلِ الذي حَضَرْتَ .. لم يَجُزْ أيضًا؛ لأنّه باعَ كَيْلًا، فلا يَبْرَأ حتّى يَكِيلَه لمشْتَرِيه، ويَكُونَ له زِيادَتُه وعليه نُقْصانُه، وكذلك رَوَى الحسنُ عن النبيّ ﷺ أنّه نَهَى عن بيعِ الطَّعامِ حتّى تَجْرِيَ فيه الصّاعان (١).
(١٠٨٦) ولا يَقْبِضُ الذي له الطّعامُ مِنْ طَعامٍ يَشْتَرِيه لنَفْسِه؛ لأنّه لا يَكُونُ وَكيلًا لنَفْسِه، مُسْتَوْفِيًا لها، قابضًا منها.
(١٠٨٧) قال: ولو حَلَّ عليه طعامٌ، فأحالَ به على رجلٍ له عليه طعامٌ أسْلَفَه إيّاه .. لم يَجُزْ، مِنْ قِبَلِ أنّ أصْلَ ما كان له بيعٌ، وإحالتُه به بيعٌ منه له بالطعامِ الذي عليه بطعامٍ على غيرِه.
(١٠٨٨) ولو أعْطاه (٢) طعامًا، فصَدَّقَه في كَيْلِه .. لم يَجُزْ، فإنْ قَبَضَ فالقولُ قولُ القابضِ مع يَمِينِه فيما وَجَدَ.
(١٠٨٩) ولو كان الطعامُ سَلَفًا .. جاز أن يَأخُذَ به ما شاء يَدًا بيَدٍ.
стр. 769
(١٢٦)
باب بيع المُصَرّاة
من كتب
(١٠٩٠) قال الشافعي: أخبرنا مالك، عن أبي الزِّناد، عن الأعْرَجِ، عن أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا تُصَرُّوا الإبلَ والغنمَ للبيعِ، فمَن ابْتاعَها بعد ذلك فهو بخَيْرِ النَّظَرَيْن بعد أن يَحْلِبَها، إنْ رَضِيَها أمْسَكَها، وإنْ سَخِطَها رَدَّها وصاعًا مِنْ تَمْرٍ».
(١٠٩١) قال الشافعي: و «التَّصْرِيَةُ»: أنْ تُرْبَطَ أخْلافُ النّاقةِ أو الشاةِ، ثمّ تُتْرَكَ مِنْ الحِلابِ اليَوْمَيْنِ والثلاثةَ حتّى يَجْتَمِعَ لها لَبَنٌ (١)، فيَراه مُشْتَرِيها كَثِيرًا، فيَزِيدَ في ثَمَنِها لذلك، ثمّ إذا حَلَبَها بعد تلك الحَلْبَةِ حَلْبَةً أو اثْنَتَيْن عَرَفَ أنّ ذلك ليس بلَبَنِها (٢)، لنُقْصانِه كلَّ يومٍ عن أوّلِه، وهذا غُرُورٌ للمُشْتَرِي، والعلمُ يُحِيطُ أنّ ألْبانَ الإبلِ والغنمِ مخْتَلِفَةُ الكثرةِ والأثمانِ، فجَعَل النبيُّ ﷺ بَدَلَها ثَمَنًا واحدًا صاعًا مِنْ تَمْرٍ، قال: وكذلك البَقَرُ.
(١٠٩٢) فإنْ رَضِيَها المشْتَرِي، وحَلَبَها زَمانًا، ثمّ أصابَ بها عَيْبًا غيرَ
стр. 770
التَّصْرِيَة .. فله رَدُّها بالعيبِ، ويَرُدُّ صاعًا مِنْ تَمْرٍ ثَمَنَ لبنِ التَّصْرِيَةِ، ولا يَرُدُّ اللَّبَنَ الحادثَ في مِلْكِه؛ لأنّ النبيَّ ﷺ قَضَى أنّ الخَراجَ بالضَّمانِ (١).
стр. 771
(١٢٧)
باب الخراج بالضمان والرد بالعيب
وجناية المبيع وشراء العبد بشرط ماله وغير ذلك (١)
من كتب
(١٠٩٣) قال الشافعي: أخبرني مَنْ لا أتَّهِمُ، عن ابن أبي ذِئبٍ، عن مَخْلَد بن خُفافٍ، أنّه ابْتاعَ غُلامًا فاسْتَغَلّه، ثمّ أصابَ به عَيْبًا، فقَضَى له عُمَرُ بن عبدالعزيز برَدِّه وغَلَّتِه، فأخبر عروةُ عمرَ عن عائشةَ أنّ النبيَّ ﷺ قَضَى في مِثْلِ هذا أنّ الخَراجَ بالضَّمانِ (٢)، فرَدَّ عمرُ قَضَاه (٣)، وقَضَى لمَخْلَد بن خُفافٍ برَدِّ الخَراجِ.
(١٠٩٤) قال الشافعي: فبهذا نأخُذُ، فما حَدَثَ في مِلْكِ المشتري مِنْ غَلَّةٍ، ونَتاجِ ماشيةٍ (٤)، ووَلَدِ أمَةٍ، فكُلُّه في معنى الغَلَّةِ .. لا يَرُدُّ منه شَيْئًا، ويَرُدُّ الذي ابْتاعَه وحْدَه إن لم يَكُنْ ناقِصًا عمّا أخَذَه به.
(١٠٩٥) وإنْ كانتْ أمَةً ثَيِّبًا فوَطِئَها .. فالوَطْءُ أقَلُّ مِنْ الخِدْمَةِ، وإنْ
стр. 772
كانتْ بِكْرًا فافْتَضَّها .. لم يَكُنْ له أن يَرُدَّها ناقِصَةً؛ كما لم يَكُنْ عليه أن يَقْبَلَها ناقِصَةً، ويَرْجِعُ بما بين قِيمَتِها مَعِيبَةً وصَحِيحَةً مِنْ الثَّمَنِ.
(١٠٩٦) ولو أصابَ المُشْتَرِيَان صَفْقَةً واحِدَةً مِنْ رجلٍ بجارِيَةٍ عَيْبًا، فأراد أحدُهما الرَّدَّ، والآخَرُ الإمساكَ .. فذلك لهما؛ لأنّ مَوْجُودًا في شِراء (١) الاثنين أنّ كُلَّ واحدٍ منهما مُشْتَرٍ للنِّصْفِ بنِصْفِ الثَّمَن (٢).
(١٠٩٧) ولو اشْتَراها جَعْدَةً، فوَجَدَها سَبْطَةً .. فله الرَّدُّ.
(١٠٩٨) ولو كان باعَها أو بَعْضَها، ثُمّ عَلِمَ بالعَيْبِ .. لم يَكُنْ له أن يَرْجِعَ على البائع بشَيْءٍ، ولا مِنْ قِيمَةِ العَيْبِ، وإنّما له قِيمَةُ العَيْبِ إذا فاتَتْ بمَوْتٍ أو عِتْقٍ أو حَدَثٍ لا يَرْضَى البائعُ أن يَرُدَّ به إليه.
(١٠٩٩) فإنْ حَدَثَ عِنْدَه عيبٌ .. كان له قِيمةُ العيبِ الأوّلِ، إلّا أن يَرْضَى البائعُ أن يَقْبَلَها ناقِصَةً، فيكونُ ذلك له، إلّا أن يشاءَ المشتري حَبْسَها ولا يَرْجِعَ بشيءٍ.
(١١٠٠) ولو اخْتَلَفا في العيبِ، ومِثْلُه يَحْدُثُ .. فالقَوْلُ قولُ البائعِ مع يَمِينِه على البَتِّ: لقدْ باعَه بَرِيًّا مِنْ هذا العيب.
قال المزني: يَنْبَغِي في أصلِ قَوْلِه أن يُحَلِّفَه لقد أقْبَضَه إيّاه وما به هَذا العَيْبُ، مِنْ قِبَلِ أنّه يُضَمِّنُ ما حَدَثَ عنده قبل دَفْعِه إلى المشتري، ويَجْعَلُ للمشتري رَدَّه بما حَدَثَ عند البائعِ، ولو لم يُحَلِّفْه إلّا على أنّه باعَه بَرِيًّا مِنْ هذا العيبِ أمْكَنَ أن يَكُونَ صادقًا وقد حَدَثَ العيبُ عنده قَبْلَ الدَّفْعِ، فنَكونُ
стр. 773
قد ظَلَمْنا المشتري؛ لأنّ له الرَّدَّ بما حَدَثَ بعد البيع في يَدِ البائعِ، فهذا يُبَيِّنُ لك ما وَصَفْنا أنّه لازمٌ في أصْلِه على ما وَصَفْنا مِنْ مَذْهَبِه.
قال المزني: يَحْلِفُ بالله ما بِعْتُكَ هذا العبدَ وأوْصَلْتُه إليك وبه هذا العيبُ؛ لأنّه قد يَبِيعُه إيّاه وهو بَرِيءٌ مِنْ العيب، ثُمّ يُصِيبُه بعَيْبٍ قَبْلَ أن يُوصِلَه إليه (١).
(١١٠١) قال المزني: وسمعتُ الشافعيَّ يَقولُ: كُلُّ ما اشْتَرَيْتَ ممّا يَكونُ مَأكُولُه في جَوْفِه فكَسَرْتَه فأصَبْتَه فاسِدًا، فلكَ رَدُّهُ وما بين قِيمَتِه فاسِدًا صَحِيحًا وقِيمتِه فاسِدًا مَكْسُورًا.
وقال في موضع آخر: «فيها قولان: أحدُهما - ليس له الرَّدُّ إلّا أن يشاءَ البائعُ، وللمشتري ما بين قِيمَتِه صَحِيحًا وفاسِدًا، إلّا أن لا يَكونَ له فاسِدًا قيمةٌ، فيَرْجِعُ بجميعِ الثَّمَنِ»، قال المزني: هذا أشْبَهُ بأصْلِه؛ لأنّه لا يَرُدُّ الرَّانَجَ مَكْسُورًا؛ كما لا يَرُدُّ الثَّوْبَ مَقْطُوعًا، إلّا أن يَشاءَ البائعُ (٢).
(١١٠٢) قال الشافعي: ولو باع عَبْدَه وقد جَنَى .. ففيها قولان: أحدُهما - أنّ البيعَ جائزٌ كما يَكونُ العِتْقُ جائزًا، وعلى السَّيِّدِ الأقَلُّ مِنْ قِيمتِه أو أرْشِ جِنايتِه، والثاني - أنّ البيعَ مَفْسُوخٌ، مِنْ قِبَلِ أنّ الجنايةَ في عُنُقِه كالرَّهْنِ، فيُرَدُّ البيعَ، ويُباعُ فيُعْطِي رَبَّ الجنايةِ جنايتَه، قال: وبهذا
стр. 774
أقولُ، إلّا أن يَتَطَوَّعَ السَّيِّدُ بدَفْعِ الجنايةِ أو قِيمةِ العَبْدِ إنْ كانتْ جِنايتُه أكْثَرَ كما يَكُونُ هذا في الرَّهْنِ.
قال المزني: قلت أنا (١): قولُه: «كما يَكُونُ العِتْقُ جائزًا» تَجْوِيزٌ منه للعِتْقِ، وقد سَوَّى في «الرَّهْنِ» بين إبطالِ البَيْعِ والعِتْقِ، فإذا جاز العِتْقُ في الجنايةِ .. فالبيعُ جائزٌ مِثْلَه (٢).
(١١٠٣) قال الشافعي: ومَن اشْتَرَى عَبْدًا وله مالٌ فمالُه للبائعِ، إلّا أن يَشْتَرِطَه المبْتاعُ، فيَكُونُ مَبِيعًا معه، فما جاز أن يَبِيعَه مِنْ مالِه .. جاز أن يَبِيعَه مِنْ مالِ عبدِه، وما حَرُمَ مِنْ ذلك .. حَرُمَ مِنْ هذا، فإن قال قائلٌ: قال النبيُّ ﷺ : «مَنْ باع عَبْدًا وله مالٌ .. فمالُه للبائعِ، إلّا أن يَشْتَرِطَه المبتاعُ» .. قال الشافعي: فدَلَّ على أنَّ مالَ العبدِ لمالِكِ العبدِ، والعبدُ
стр. 775
لا يَمْلِكُ شيئًا، ولو كان اشْتَرَطَ مالَه مَجْهُولًا، وقد يَكُونُ دَيْنًا واشْتَرَيْتَه بدَيْنٍ .. كان هذا بيعَ الغَرَرِ وشِراءَ الدَّيْنِ بالدَّيْنِ، فمَعْنَى قولِه: «إلّا أن يَشْتَرِطَه المبتاعُ» على مَعْنَى ما أحَلَّ؛ كما أباح اللهُ ورسولُه البيعَ مُطْلَقًا على ما يَحِلُّ، لا على ما يَحْرُمُ (١).
قال المزني: قلت أنا (٢): وقد كان قال: يَجُوزُ أن يَشْتَرِطَ مالَه وإنْ كان مَجْهُولًا؛ لأنّه تَبَعٌ له؛ كما يَكُونُ حَمْلُ الأمَةِ تَبَعًا لها، وحُقوقُ الدَّارِ تَبَعًا لها، ولا يَجُوزُ بَيْعُ الحَمْلِ دون أمِّهِ، ولا حُقوقِ الدّارِ دُونها، ثُمّ رَجَعَ عنه إلى ما قال في هذا الكتاب، قال المزني: والذي رَجَعَ إليه أصَحُّ (٣).
(١١٠٤) قال الشافعي: وحَرامٌ التَّدْلِيسُ (٤)، ولا يُنْقَضُ به البيعُ.
(١١٠٥) قال الشافعي: وأكَرَهُ بيعَ العَصِيرِ ممَّنْ يَعْصِرُ الخمرَ، والسَّيْفِ ممَّن يَعْصِي اللهَ به، ولا أنْقُضُ البيعَ.
стр. 776
(١٢٨)
باب بيع البراءة
(١١٠٦) قال الشافعي: وإذا باع الرجلُ شَيْئًا مِنْ الحيوان بالبَراءَةِ .. فالذي أذْهَبُ إليه قضاءُ عثمانَ بنِ عفّانَ، أنّه بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ لم يَعْلَمْه، ولا يَبْرَأ مِنْ عَيْبٍ عَلِمَه ولم يُسَمِّه له ويَقِفْه عليه، تَقْلِيدًا، وأنّ (١) الحيوانَ يُفارِقُ ما سِواهُ؛ لأنّه يَغْتَذِي بالصِّحَّةِ والسُّقْمِ (٢)، وتَحُولُ طَبائِعُه، وقَلَّما يَبْرَأ مِنْ عَيْبٍ يَخْفَى أو يَظْهَرُ (٣)، وأنَّ أصَحُّ في القِياسِ لولا ما وَصَفْنا مِنْ افْتِراقِ الحيوانِ وغيرِه أنْ لا يَبْرَأَ مِنْ عُيُوبٍ لم يَرَها ولو سَمّاها لاخْتِلافِها، أو يَبْرَأَ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ، والأوَّلُ أصَحُّ (٤).
стр. 777
(١٢٩)
باب الاستبراء في البيوع
(١١٠٧) قال الشافعي: وإذا باعه جاريَةً لم يَكُنْ لأحدٍ منهما فيها مُواضَعَةٌ (١)، فإذا دَفَعَ الثَّمَنَ لَزِمَ البائعَ التَّسْليمُ، ولا يُجْبَرُ واحدٌ منهما على إخْراجِ مِلْكِه مِنْ يَدِه إلى غَيْرِه، ولو كان لا يَلْزَمُ دَفْعُ الثَّمنِ حتّى تَحِيضَ وتَطْهُرَ كان البيعُ فاسِدًا؛ للجهلِ بوَقْتِ دَفْعِ الثمن، وفسادٌ آخَرُ: أنّ الجاريةَ لا مُشْتَراةٌ شِراءَ العَيْنِ فيكونَ لصاحِبِها أخْذُها، ولا على بَيْعِ الصِّفَةِ فيكونَ