← Фикх шафии

Фикх шафии · id 914

مختصر المزني - ت الداغستاني

المزني

Полный текст (1 788 стр.). Показаны 808–847 · переход к 813.

стр. 808

(١١٧٩) قال الشافعي: فهكذا الدوابُّ يَصِفُها بنَتاجِها وجِنْسِها وألْوانِها وأسْنانِها. (١١٨٠) ويَصِفُ الثِّيابَ بالجِنْسِ، مِنْ كَتّانٍ، أو قُطْنٍ، ووَشْيٍ إسْكَنْدَرانيٍّ أو يَمانِيٍّ، ونَسْجِ بَلَدِه، وذَرْعِه مِنْ عَرْضٍ وطولٍ، وصَفاقةٍ ورِقَّةٍ (١)، وجَوْدَةٍ. (١١٨١) وهكذا النحاسُ، يَصِفُه أبْيَضَ أو شَبَهًا أو أحْمَرَ، ويَصِفُ الحديدَ ذَكَرًا أو أنْثَى (٢)، وبجِنْسٍ إن كان له في نحو ذلك. (١١٨٢) وإنْ كان في لحمٍ .. قال: لحمُ ماعزٍ ذكرٍ، خَصِيٍّ أو غيرِ خَصِيٍّ، أو لحمُ ماعزةٍ، ثَنِيَّةٍ أو ثَنِيٍّ أو جَدْيٍ، رَضِيعٍ (٣) أو فَطِيمٍ، وسَمِينٍ أو مُنْقٍ (٤)، مِنْ فَخِذٍ أو يَدٍ، ويَشْتَرِطُ الوزنَ في نحو ذلك، ويَقُول في لحم البعيرِ خاصةً: بعيرٌ رَاعٍ، مِنْ قِبَلِ اخْتلافِ الرّاعِي والمعلوفِ. (١١٨٣) قال: وأكْرَهُ اشْتِراطَ الأعْجَفِ (٥) والمشْوِيِّ والمطبوخِ.

стр. 809

(١١٨٤) ويَجُوزُ السّلَمُ في لحومِ الصّيْدِ إذا كانتْ ببلدٍ لا تُخْلِفُ. (١١٨٥) ويَقُولُ في السَّمْنِ: سَمْنُ ماعزٍ أو ضأنٍ أو بقرٍ، وإنْ كان منها شيءٌ يَخْتَلِفُ ببلدٍ سَمّاه. (١١٨٦) ويَصِفُ اللَّبَنَ كالسّمْنِ، فإنْ كان لَبَنَ إبلٍ قال: لبنُ عَوَادٍ أو أوارِكَ أو حَمْضِيَّةٍ (١)، ويقول: راعيةٌ أو معلوفةٌ؛ لاختلافِ ألبانِها في الثّمَنِ والصِّحَّةِ، ويقول: حَلِيبُ لَبَنِ يَوْمِه. (١١٨٧) ولا يُسْلِفُ في اللَّبَنِ المخِيضِ؛ لأنّ فيه ماءً، وهكذا كُلُّ مُخْتَلِطٍ بغيرِه لا يُعْرَفُ، أو مُصْلَحٍ بغيرِه. قال المزني: دَخَلَ في هذا البابِ (٢) الغالِيَةُ والأدْهانُ المرَبَّبَةُ ونحوها (٣). (١١٨٨) قال الشافعي: ولا خيرَ في أن يُسَمِّيَ لبنًا حامضًا؛ لأنّ زيادةَ حُمُوضَتِه زيادةُ نقصٍ. (١١٨٩) ويُوصَفُ اللِّبَأُ كاللَّبَنِ إلّا أنّه مَوْزُونٌ. (١١٩٠) ويَقُولُ في الصُّوفِ: صوفُ ضَأنِ بلدِ كذا؛ لاخْتِلافِه في البُلْدانِ، ويُسَمِّي لَوْنًا؛ لاخْتِلافِ ألوانِها، ويقول: جَيِّدًا، نَقِيًّا ومَغْسُولًا؛ لِما يَعْلَقُ به فيَثْقُلُ، ويُسَمِّي طِوالًا أو قِصارًا بوَزْنٍ، وإن اخْتَلَفَ صُوفُ فُحُولِها مِنْ غيرِها وَصَفَا ما (٤) لا يَخْتَلِفُ، وكذلك الوَبَرُ والشَّعْرُ.

стр. 810

(١١٩١) ويَقُولُ في الكُرْسُفِ: كُرْسُفُ بلدِ كذا، ويَقُولُ: جَيِّدٌ أبْيَضُ نَقِيٌّ أو أسْمَرُ (١)، وإن اخْتَلَفَ قَدِيمُه وحَدِيثُه .. سَمّاه، وإنْ كان يَكُونُ نَدِيًّا .. سَمّاه جَافًّا بوَزْنٍ (٢). (١١٩٢) ولا بأسَ أن يُسْلِفَ في الشّيءِ كَيْلًا وإنْ كان أصْلُه وَزْنًا. (١١٩٣) ويُسْلِفُ في لحمِ الطَّيْرِ بصِفَةٍ ووَزْنٍ، غير أنّه لا سِنَّ له (٣) فيُوصَفَ بصِغَرٍ أو كِبَرٍ (٤)، وما احْتَمَلَ أن يُباعَ مُبَعَّضًا وَصَفَ مَوْضِعَه، وكذلك الحيتان. (١١٩٤) وما ضُبِطَتْ صِفَتُه مِنْ خَشَبِ ساجٍ وعِيدَانِ قِسِيٍّ مِنْ طُولٍ ودَوْرٍ وعَرْضٍ (٥) .. جاز فيه السّلَمُ، وما لم يُمْكِنْ .. لم يَجُزْ. (١١٩٥) وكذلك حِجارةُ الأرْحاءِ والبُنْيانِ والآنِيَة. (١١٩٦) ويَجُوزُ السّلَفُ فيما لا يَنْقَطِعُ مِنْ العِطْرِ (٦) في أيْدِي الناسِ بوَزْنٍ وصِفَةٍ كغيرِه، فالعَنْبَرُ منه الأشْهَبُ والأخضرُ والأبيضُ، فلا يَجُوزُ حتّى يُسَمَّى، وإن سَمّيْتَه قِطْعَةً أو قِطَعًا صِحاحًا .. لم يَكُنْ له أن يُعْطِيَه مُفَتَّتًا. (١١٩٧) ومَتَاعُ الصَّيادِلَةِ كمَتاعِ العَطّارِين، ولا خيرَ في شِراءِ شيءٍ

стр. 811

خالطَه لُحُومُ الحيّاتِ مِنْ التِّرْياقِ (١)؛ لأنّ الحيّاتِ مُحَرَّماتٌ، ولا ما خالطَه لَبَنُ ما لا يُؤكَلُ لحمُه مِنْ غيرِ الآدَمِيِّين. (١١٩٨) ولو أقالَه بعضَ السَّلَمِ (٢)، وقَبَضَ بعضًا .. فجائزٌ، قال ابن عباس: «ذلك المعروفُ»، وأجازه عطاء. (١١٩٩) قال: وإذا أقاله فبَطَل عنه الطعامُ وصار عليه ذهبٌ .. تَبايَعا بعدُ بالذَّهَبِ ما شاءا وتَقابَضا قبل أن يَتَفَرَّقا مِنْ عَرَضٍ وغيرِه. (١٢٠٠) ولا يَجُوزُ في السّلَفِ الشَّرِكَةُ ولا التَّوْلِيَةُ؛ لأنّهما بَيْعٌ، والإقالةُ فَسْخُ بَيْعٍ (٣). (١٢٠١) ولو عَجَّلَ له قَبْلَ مَحِلِّه أدْنَى مِنْ حَقِّه .. أجَزْتُه، ولا أجْعَلُ للتُّهْمَةِ مَوْضِعًا.

стр. 812

(١٤٤) باب ما لا يجوز فيه السلف (١٢٠٢) قال الشافعي: ولا يَجُوزُ السّلَفُ في النَّبْلِ؛ لأنّه لا يُقْدَرُ على ذَرْعِ ثَخانَتِها لرِقَّتِها، ولا صِفَةَ ما فيها مِنْ رِيشٍ وعَقِبٍ وغيرِه، ولا في اللُّؤْلُؤِ، ولا الزَّبَرْجَدِ، ولا الياقوتِ، مِنْ قِبَلِ أن لو قلتُ: لُؤْلُؤَةٌ مُدَحْرَجَةٌ صافيةٌ صحيحةٌ مُسْتَطِيلَةٌ وَزْنُها كذا .. فقد تَكونُ الثَّقِيلَةُ الوَزْنِ أوْزَنَ شَيْءٍ وهي صَغِيرَةٌ وأخْرَى أخَفُّ منها وهي كبيرةٌ مُتَفاوِتَتَيْن في الثمن، ولا أضْبِطُ أن أصِفَها بالعِظَمِ. (١٢٠٣) قال: ولا يَجُوزُ السَّلَفُ في جَوْزٍ، ولا رانِجٍ، ولا قِثّاءٍ، ولا بِطِّيخٍ، ولا رُمّانٍ، ولا سَفَرْجَلٍ، عَدَدًا؛ لتَبايُنِها، إلّا أن تُضْبَطَ بكيلٍ أو وزنٍ، فتُوصَفَ بما يَجُوزُ. (١٢٠٤) قال: وأرَى الناسَ قد تَرَكُوا وَزْنَ الرُّؤوسِ؛ لِما فيها مِنْ الصُّوفِ وأطرافِ المشافِرِ والمناخِرِ وما أشْبَه ذلك؛ لأنّه لا يُؤكَلُ، فلو تَحامَل رجلٌ فأجاز السَّلَفَ فيه .. لم يَجُزْ إلّا مَوْزُونًا (١). (١٢٠٥) قال: ولا يَجُوزُ السَّلَفُ في جُلُودِ الغَنَمِ ولا جُلُودِ غيرِها، ولا إهابٍ مِنْ رَقٍّ؛ لأنّه لا يُمْكِنُ فيه الذَّرْعُ؛ لاخْتِلافِ خِلْقَتِه، ولا السَّلَفُ في خُفَّيْنِ ولا نَعْلَيْنِ، ولا السَّلَفُ في البُقُولِ حُزَمًا، حتّى يُسَمِّيَ وزنًا وجنسًا، وصغيرًا وكبيرًا، وأجلًا معلومًا.

стр. 813

(١٤٥) باب التسعير (١٢٠٦) قال الشافعي: أخبرنا الدراوردي، عن داود بن صالح التَّمّار، عن القاسم بن محمد، عن عمر، أنّه مَرَّ بحاطِبٍ بسُوقِ (١) المصَلَّى وبَيْنَ يَدَيْه غِرارَتان فيهما زَبِيبٌ، فسَألَه عن سِعْرِهما، فسَعَّرَ له مُدَّيْن لكلِّ دِرْهمٍ، فقال له عمر: قد حُدِّثْتُ بِعِيرٍ مُقْبِلَةٍ مِنْ الطّائفِ تَحْمِلُ زَبِيبًا، وهم يَعْتَبِرُون بسِعْرِك، فإمّا أن تَرْفَعَ في السِّعْرِ، وإمّا أنْ تُدْخِلَ زَبِيبَك البيتَ فتَبِيعَه كيف شِئتَ، فلمّا رَجَعَ عمرُ حاسَبَ نَفْسَه، ثُمّ أتَى حاطبًا في دارِه، فقال له: إنّ الذي قُلْتُ ليس بعزيمةٍ مِنّي ولا قضاءٍ، إنّما هو شيءٌ أرَدْتُ به الخيرَ لأهْلِ البلدِ، فحيثُ شِئتَ فبِعْ، وكيف شِئتَ فبِعْ. (١٢٠٧) قال الشافعي: وهذا الحديثُ مُتَقَصًّى ليس بخلافٍ لِما رَوَى مالكٌ، ولكنّه رَوَى بعضَ الحديثِ أو رَواه مَنْ رواه عنه، وهذا أتَى بأوَّلِ الحديثِ وآخرِه، وبه أقولُ؛ لأنّ الناسَ مُسَلَّطُون على أمْوالِهم، ليس لأحدٍ أن يَأخُذَها ولا شيئًا منها بغيرِ طِيبِ أنْفُسِهم، إلّا في المواضعِ التي تَلْزَمُهم، وهذا ليس منها.

стр. 814

(١٤٦) باب امتناع ذي الحق من أخذه وما لا يلزمه قَبوله (١٢٠٨) قال الشافعي: وأصْلُ ما يُلْزِمُ المسْلِفَ قَبُولَ ما سَلَّفَ فيه: أن يأتِيَه به مِنْ جِنْسِه، فإنْ كان زائدًا يَصْلُحُ لِما يَصْلُحُ له ما سَلَّفَه فيه أجْبِرَ على قَبْضِه، وكانت الزيادةُ تَطَوُّعًا، وإن اخْتَلَفَ في شيءٍ مِنْ مَنْفَعَةٍ أو ثَمَنٍ .. كان له أن لا يَقْبَلَه. (١٢٠٩) وليس له إلّا أقَلُّ ما تَقَعُ عليه الصِّفةُ. (١٢١٠) فإن كانتْ حنطةً .. فعليه أن يُوَفِّيَه إيّاها نَقِيَّةً من التِّبْنِ والقُصْلِ والمدَرِ والزُّؤانِ والشَّعيرِ وغيرِه. (١٢١١) وليس عليه أن يَأخُذَ التمرَ إلّا جَافًّا. (١٢١٢) وإنْ كان لحمَ طائرٍ .. لم يَكُنْ عليه أن يَأخُذَ في الوَزْنِ الرّأسَ [والرِّجْلَيْن مِنْ دُونِ الفَخِذَيْنِ؛ لأنّه لا لحمَ عليهما. (١٢١٣) وإنْ كان لحمَ حِيتانٍ .. لم يَكُنْ عليه أن يَأخُذَ في الوَزْنِ الرَّأسَ (١) ولا الذَّنَبَ مِنْ حيثُ لا يَكُونُ عليه لحمٌ. (١٢١٤) وإنْ أعطاه مَكانَ كَيْلٍ وَزْنًا، أو مَكانَ وَزْنٍ كَيْلًا، أو مَكانَ جِنْسٍ غيرَه .. لم يَجُزْ بحالٍ؛ لأنّه بيعُ السَّلَمِ قَبْلَ أن يُسْتَوْفَى. (١٢١٥) وأصْلُ الكيلِ والوزنِ بالحجازِ، فكُلُّ ما وُزِنَ على عهدِ رسولِ الله ﷺ فأصْلُه الوَزْنُ، وما كِيلَ فأصْلُه الكيلُ، وما أحْدَثَ الناسُ رُدَّ إلى الأصلِ.

стр. 815

(١٢١٦) قال الشافعي: ولو جاءه بحَقِّه قبلَ مَحِلِّه .. فإنْ كان نُحاسًا أو تِبْرًا أو عَرَضًا غيرَ مأكولٍ ولا مشروبٍ ولا ذِي رُوحٍ .. أجْبَرْتُه على أخْذِه، وإنْ كان مأكولًا أو مشروبًا .. فقد يُرِيدُ أكْلَه وشُرْبَه جديدًا، وإنْ كان حيوانًا .. فلا غِنَى به عن العَلْفِ أو الرَّعْيِ، فلا نُجْبِرُه على أخْذِه قبلَ مَحِلِّه؛ لأنّه يَلْزَمُه فيه مُؤنَةٌ إلى أن يَنْتَهِيَ إلى وَقْتِه، فعلى هذا هذا البابُ كلُّه وقياسُه.

стр. 816

[١٣] كتاب الرهن (١)

стр. 817

(١٤٧) باب مختصر الرهون (١) من كتابين قديم وحديث (٢) (١٢١٧) قال الشافعي (٣): أذِنَ اللهُ جَلّ ثناؤه بالرَّهْنِ في الدَّيْنِ، والدَّيْنُ حَقٌّ، فكذلك كلُّ حَقٍّ لَزِمَ في حين الرَّهْنِ، وما تَقَدَّمَ الرَّهْنَ. (١٢١٨) وقال الله ﵎: ﴿فرهان مقبوضة﴾ [البقرة: ٢٨٣]، قال: فلا معنى للرَّهْنِ حتّى يَكُونَ مَقْبُوضًا مِنْ جائزِ الأمْرِ حين رَهَنَ وحين أقْبَضَ. (١٢١٩) وما جاز بَيْعُه جاز رَهْنُه وقَبْضُه (٤)، مِنْ مُشاعٍ وغيرِه. (١٢٢٠) ولو مات المرْتَهِنُ قبل القبضِ .. فللراهنِ تَسْلِيمُ الرَّهْنِ إلى وارِثِه، ومَنْعُه. (١٢٢١) ولو قال: (أرْهَنُكَ داري على أنْ تُدايِنَنِي)، فدايَنَه .. لم يَكُنْ رَهْنًا حتّى يَعْقِدَ الرَّهْنَ مع الحقّ أو بعده (٥).

стр. 818

(١٢٢٢) قال: ويجوزُ ارْتِهانُ الحاكمِ ووَليِّ المحْجُورِ عليه له، ورَهْنُهُما عليه في النَّظَرِ له، وذلك أن يَبِيعا فيُفْضِلا ويَرْتَهِنا (١)، فأما أن يُسْلِفا ويَرْتَهِنا .. فهما ضامنان؛ لأنّه لا فَضْلَ له في السَّلَف. (١٢٢٣) ومَنْ قُلْتُ: لا يجوزُ ارْتِهانُه إلّا فيما يُفْضِلُ؛ مِنْ وَلِيٍّ ليَتِيمٍ، أو أبٍ لابنٍ طفلٍ، أو مُكاتَبٍ، أو عبدٍ مأذونٍ له في التجارةِ .. فلا يجوزُ أن يَرْهَنَ شيئًا؛ لأنّ الرَّهْنَ أمانةٌ، والدَّيْنَ لازِمٌ، فالرَّهْنُ نَقْصٌ عليهم، فلا يجوزُ أن يَرْهَنُوا إلّا حيثُ يجوزُ أن يُودِعُوا أموالَهُم مِنْ الضرورةِ بالخوفِ إلى تَحْوِيلِ أموالهم، أو ما أشْبَه ذلك. (١٢٢٤) ولو كان لابنِه الطفلِ عليه حَقٌّ .. جاز أن يَرْتَهِنَ له (٢) مِنْ نَفْسِه؛ لأنّه يَقُومُ مَقامَه في القبضِ له. (١٢٢٥) قال: وإذا قَبَضَ الرَّهْنَ .. لم يَكُنْ لصاحبِه إخْراجُه مِنْ الرَّهْنِ، حتّى يَبْرَأ مما فيه مِنْ الحَقِّ. (١٢٢٦) ولو أكْرَى الرهنَ مِنْ صاحبِه، أو (٣) أعارَه إيّاه .. لم يَنْفَسِخ الرَّهْنُ. (١٢٢٧) ولو رَهَنَه وديعةً له في يَدِه وأذِنَ له بقَبْضِه، فجاءتْ عليه مُدَّةٌ يُمْكِنُه فيها أن يُقْبِضَه .. فهو قَبْضٌ (٤)؛ لأنّ قَبْضَهُ وديعةً غيرُ قَبْضِه رَهْنًا،

стр. 819

ولو كان في المسجِدِ والوديعةُ في بَيْتِه .. لم يَكُنْ قَبْضًا حتّى يَصِيرَ إلى مَنْزِلِه وهي فيه (١). (١٢٢٨) ولا يَكونُ القبضُ إلّا ما حَضَرَه المرْتَهِنُ أو وَكِيلُه، لا حائلَ دُونَه. (١٢٢٩) والإقرارُ بقَبْضِ الرَّهْنِ جائزٌ، إلّا فيما لا يُمْكِنُ في مِثْلِه. (١٢٣٠) فإنْ أراد الراهنُ أنْ أحَلِّفَ المرْتَهِنَ أنّه قَبَضَ ما كان أقَرَّ له بقَبِضِه .. أحْلَفْتُه. (١٢٣١) والقبضُ في العبدِ والثوبِ وما تَحَوَّلُ .. أن يَأخُذَه مُرْتَهِنُه مِنْ يَدَيْ راهِنِه، وقَبْضُ ما لا تَحَوَّلُ مِنْ أرضٍ ودارٍ .. أن يُسَلَّمَ لا حائلَ دُونَه، وكذلك الشِّقْصُ وشِقْصُ السَّيْفِ أن يُحَوَّلَ حتّى يَضَعَه الراهنُ والمرْتَهِنُ على يَدَيْ عَدْلٍ أو يَدَي الشَّرِيكِ. (١٢٣٢) ولو كان في يَدَي المرْتَهِنِ بغَصْبٍ للراهنِ، فرَهَنَه إيّاه قَبْلَ يَقْبِضُه (٢) منه وأذِنَ له في قَبْضِه، فقَبَضَه .. كان رهنًا، وكان مَضْمُونًا على الغاصبِ بالغَصْبِ حتّى يَدْفَعَه إلى المغْصُوبِ منه (٣) أو يُبْرِئَه مِنْ ضَمانِ الغَصْبِ.

стр. 820

قال المزني: قلت أنا (١): يُشْبِهُ أصلُ قَوْلِه - إذْ جَعَلَ قَبْضَ الغَصْبِ في الرهنِ جائزًا كما يجْعَلُ قَبْضَه في البيعِ جائزًا (٢) - أن لا يَجْعَلَ الغاصبَ في الرهنِ ضامنًا؛ إذ الرَّهْنُ عنده غيرُ مَضْمُونٍ (٣). (١٢٣٣) قال الشافعي: ولو رَهَنَه دارَيْن، فقَبَضَ إحداهما، ولم يَقْبِض الأخْرَى .. كانت المقبوضةُ رَهْنًا دون الأخْرَى بجميع الحقِّ، ولو أصابها هَدْمٌ بعد القبضِ .. كانتْ رهنًا بحالها، وما سَقَطَ مِنْ خَشَبِها وطُوبِها (٤). (١٢٣٤) ولو رَهَنَه جاريةً قد وَطِئَها قبل القبضِ، فظَهَرَ بها حَمْلٌ أقَرَّ به .. فهي خارجةٌ مِنْ الرّهنِ، ولو اغْتَصَبَها بعد القبضِ فوَطِئَها .. فهي بحالها، فإن افْتَضَّها .. فعليه ما نَقَصَها، يَكُونُ رَهْنًا معها أو قِصاصًا مِنْ الحقّ، فإنْ أحْبَلَها ولم يكن له مالٌ غيرُها .. لم تُبَع ما كانتْ حاملًا، فإذا وَلَدَتْ بِيعَتْ دُون وَلَدِها، وعليه ما نَقَصَها الولادةُ، وإنْ ماتتْ مِنْ ذلك .. فعليه قِيمَتُها، تَكونُ رَهْنًا أو قِصاصًا (٥)، قال: ولا يَكونُ إحْبالُه لها أكْثَرَ مِنْ عِتْقِها ولا مالَ له، فأبْطِلُ العِتْقَ وتُباعُ، قال المزني: يَعْنِي: إذا كان مُعْسِرًا (٦).

стр. 821

قال الشافعي: فإن كانتْ تَسْوَى ألْفًا، والحقُّ مائةٌ .. بِيعَ منها بقَدْرِ المائةِ، والباقي لسَيِّدِها، ولا يَطَؤها، وتَعْتِقُ بمَوْتِه في قَوْلِ مَنْ يُعْتِقُها. قال المزني: قلت أنا (١): قد قَطَعَ بعِتْقِها في «كتاب عِتْقِ أمّهاتِ الأولادِ» [ف: ٤٠٥٧] (٢). (١٢٣٥) قال الشافعي: ولو بِيعَتْ أمُّ الوَلَدِ بما وَصَفْتُ، ثُمّ مَلَكَها سَيِّدُها .. فهي أمُّ وَلَدِه بذلك الوَلَدِ. قال المزني: قلت أنا: أشْبَهُ بقَوْلِه أن لا تَصِيرَ له به أمَّ وَلَدٍ؛ لأنّ قَوْلَه: «إنّ العَقْدَ إذا لم يَجُزْ في وَقْتِه .. لم يَجُزْ بَعْدَه حتّى يُبْتَدَأ بما يَجُوزُ»، وقد قال: «لا يَكُونُ إحْبالُه لها أكْثَرَ مِنْ عِتْقِها، ولو أعْتَقَها أبْطَلْتُ عِتْقَها (٣)» .. قال المزني: قلت أنا (٤): فهي في معنى مَنْ أعْتَقَها مَنْ لا يَجُوزُ عِتْقُه فيها، فهي رقيقٌ بحالها، فكيفَ تَعْتِقُ أو تَصِيرُ أمَّ وَلَدٍ بحادِثٍ

стр. 822

مِنْ شِراءٍ (١)، وهي في معنى مَنْ أعْتَقَها مَحْجُورٌ عليه (٢) ثُمّ أطْلِقَ عنه الحَجْرُ، فهو لا يَجْعَلُها حُرَّةً عليه بهذا أبدًا؟ (٣). (١٢٣٦) قال الشافعي: ولو أحْبَلَها أو أعْتَقَها بإذنِ المرْتَهِنِ .. خَرَجَتْ مِنْ الرهنِ، ولو اخْتَلَفا، فقال الراهنُ: أعْتَقْتُها بإذْنِك، وأنْكَر المرْتَهِنُ .. فالقولُ قولُه مع يَمِينِه، وهي رهنٌ، ولو أقَرّ المرْتَهِنُ أنّه أذِنَ له بوَطْئِها، وزَعَمَ أنّ هذا الولدَ مِنْ زَوْجٍ لها، وادّعاه الراهنُ .. فهو ابْنُه، وهي أمُّ وَلَدٍ له، ولا يُصَدَّقُ المرْتَهِنُ (٤)، قال الشافعي: وهذا إذا كان الراهنُ مُعْسِرًا، وأمّا إذا كان مُوسِرًا .. فتُؤخَذُ منه قيمةُ الجاريةِ في العِتْقِ والولادةِ، وتَكُونُ مَكانَها أو قِصاصًا (٥).

стр. 823

قال المزني: أصْلُ قولِ الشافعيِّ أنّه إنْ أعْتَقَها أو أحْبَلَها وهي رَهْنٌ .. فسواءٌ، فإنْ كانَ مُوسِرًا .. أخِذَتْ منه القيمةُ وكانتْ رَهْنًا مَكانَها أو قِصاصًا، وإنْ كان مُعْسِرًا .. لم يَكُنْ له إبطالُ الرهنِ بالعِتْقِ ولا بالإحْبالِ، وبِيعَتْ في الرهنِ، فلمّا جَعَلَها الشافعيُّ أمَّ وَلَدٍ له لأنّه أحْبَلَها بإذنِ المرْتَهِنِ ولم تُبَعْ كأنّه (١) أحْبَلَها وليستْ برهنٍ، فكذلك إذا كان مُوسِرًا لم تَكُنْ عليه قيمةٌ؛ لأنّه أحْبَلَها بإذنِ المرْتَهِنِ، ولا تُباعُ، كأنّه أعْتَقَها وليستْ برهنٍ، فتَفَهَّمْ (٢). (١٢٣٧) قال الشافعي: ولو وَطِئَها المرْتَهِنُ .. حُدَّ، ووَلَدُه منها رقيقٌ، لا يَلْحَقُه، ولا مَهْرَ، إلّا أن يَكُونَ أكْرَهَها، فعليه مهرُ مِثْلِها، ولا أقْبَلُ منه دَعْواهُ الجَهالَةَ، إلّا أن يَكُونَ أسْلَمَ حَدِيثًا أو بباديةٍ نائيةٍ وما أشْبَهه. (١٢٣٨) ولو كان رَبُّها أذِنَ له في وَطْئِها وكان يَجْهَلُ .. دُرِئَ عنه الحدُّ، ولَحِقَ به الوَلَدُ، وكان حُرًّا، وعليه قِيمَتُه يومَ سَقَطَ، وفي المهرِ قولان: أحدُهما - عليه (٣)، والآخَرُ - لا غُرْمَ عليه؛ لأنّه أباحها له (٤). (١٢٣٩) ومتى مَلَكَها كانتْ أمَّ وَلَدٍ له. قال المزني: قلت أنا (٥): قد مَضَى في مثل هذا جَوابِي: لا يَنْبَغِي أنْ

стр. 824

تَكُونَ أمَّ وَلَدٍ له أبَدًا (١). (١٢٤٠) قال الشافعي: ولو كان الرَّهْنُ إلى أجَلٍ، فأذِنَ للرّاهِنِ في بَيْعِ الرَّهْنِ، فباعَه .. فجائزٌ، ولا يَأخُذُ المرْتَهِنُ مِنْ ثَمَنِه شَيْئًا ولا مَكانَه رَهْنًا؛ لأنّه أذِنَ له ولم يَجِبْ له البيعُ، وإنْ رَجَعَ في الإذنِ قبل البيعِ .. فالبيعُ مفسوخٌ، وهو رهنٌ بحاله. (١٢٤١) ولو قال: أذِنْتُ لك على أنْ تُعْطِيَنِي ثَمَنَه، وأنْكَرَ الرّاهِنُ الشّرْطَ .. فالقولُ قولُ المرْتَهِنِ مع يَمِينِه، والبيعُ مفسوخٌ. (١٢٤٢) ولو أذِنَ له أن يَبِيعَه على أن يُعْطِيَه ثَمَنَه .. لم يَكُنْ له بَيْعُه؛ لأنّه لم يَأذَنْ له إلّا على أن يُعَجِّلَ له حَقَّه قبل مَحِلِّه، والبيعُ مفسوخٌ (٢). قال المزني: قلت أنا (٣): أشْبَهُ بقولِ الشافعيِّ في هذا المعنى أن لا يَفْسَخَ الشرطُ البيعَ؛ لأنّ عَقْدَ البيعِ لم يَكُنْ فيه شرطٌ، ألا تَرَى أنّ مِنْ قولِه: «لو أمَرْتُ رجلًا يَبِيعُ ثَوْبِي على أنّ له عُشْرَ ثَمَنِه، فباعَه .. أنّ البيعَ جائزٌ، لا يَفْسَخُه فسادُ الشّرطِ في الثّمنِ»، فكذا إذا باع الراهنُ بإذْنِ المرْتَهِنِ فلا يَفْسَخُه فسادُ الشّرطِ في الثمنِ (٤)، قال المزني: قلت أنا (٥): ويَنْبَغِي إذا

стр. 825

نَفَذَ البيعُ على هذا أن يَكُونَ الثمنُ مكانَ الرهنِ، أو يَتَقاصَّان (١). (١٢٤٣) قال الشافعي: ولو كان الرَّهْنُ بحَقٍّ حالٍّ، فأذِنَ له، فباعَ، ولم يَشْتَرِطْ شَيْئًا .. كانَ عليه أن يُعْطِيَه ثَمَنَه؛ لأنّه وَجَبَ له بَيْعُه وأخْذُ حَقِّه مِنْ ثَمَنِه. (١٢٤٤) قال: ولو رَهَنَه أرْضًا مِنْ أرضِ الخَراجِ (٢) .. فالرهنُ مفسوخٌ؛ لأنّها غيرُ مملوكةٍ، قال: فإنْ كانَ فيها غِراسٌ أو بِناءٌ للراهنِ .. فهو رهنٌ، وإنْ أدّى عنها الخراجَ .. فهو مُتَطَوِّعٌ لا يَرْجِعُ به، إلّا أن يَكُونَ دَفَعَه بأمْرِه، فيَرْجِعُ به؛ كرجلٍ اكْتَرَى أرْضًا مِنْ رجلٍ اكْتَراها (٣) فدَفَعَ المكْتَرِي الثاني كِراءَها عن الأوَّلِ، فهو مُتَطَوِّعٌ. (١٢٤٥) ولو اشْتَرَى عَبْدًا بالخيارِ ثلاثًا، فرَهَنَه قَبْلَها .. فالرهنُ جائزٌ، وهو قطعٌ لخيارِه، وإيجابٌ للبيعِ في العبدِ، وإنْ كان الخيارُ للبائعِ، أو للبائعِ والمشتري، فرَهَنَه قبلَ الثّلاثِ، فتَمَّ له مِلْكُه بعد الثّلاثِ .. فالرهنُ مفسوخٌ؛ لأنّه انْعَقَدَ ومِلْكُه على العبدِ غيرُ تامٍّ. (١٢٤٦) ويَجُوزُ رَهْنُ العبدِ المرْتَدِّ والقاتلِ، فإنْ قُتِلَ بَطَل الرَّهْنُ. (١٢٤٧) ولو أسْلَفَه ألْفًا برهنٍ، ثُمّ سَألَه الرّاهِنُ أن يَزِيدَ ألْفًا ويَجْعَلَ الرَّهْنَ الأوّلَ رَهْنًا بها وبالألْفِ الأولَى، ففَعَلَ .. لم يَجُزِ الآخِرُ؛ لأنّه كان رَهْنًا كلُّه بالألْفِ الأولَى؛ كما لو تَكارَى دارًا سَنَةً بعَشْرَةٍ، ثُمّ اكْتَراها تلك

стр. 826

السّنَةَ بعَيْنِها بعِشرين، لم يَكُنْ الكِراءُ الثاني إلّا بَعْدَ فَسْخِ الأوّلِ. قال المزني: قلت أنا (١): وأجازَه في القديم، وهو أقْيَسُ؛ لأنّه أجازَ في الحقِّ الواحدِ بالرهنِ الواحدِ أن يَزِيدَه في الحقِّ رهنًا، فكذلك يجوزُ أن يَزِيدَهُ في الرّهنِ حَقًّا (٢). (١٢٤٨) قال الشافعي: ولو أشْهَدَ المرتهنُ أنّ هذا الرّهنَ في يَدِهِ بألْفَيْن .. جازت الشهادةُ في الحكمِ، فإنْ تَصادَقا .. فهو ما قالا. (١٢٤٩) قال الشافعي: ولو رَهَنَ عَبْدًا قد صارتْ في عُنُقِه جنايةٌ على آدَمِيٍّ أو في مالٍ .. فالرهنُ مفسوخٌ، ولو أبْطَلَ رَبُّ الجنايةِ حَقَّه؛ لأنّه كانَ أوْلَى به بحقٍّ له في عُنُقِه، ولو كانت الجنايةُ تَسْوَى دينارًا والعبدُ يَسْوَى ألفًا، وهذا أكبرُ مِنْ أن يكونَ رَهَنَه بحقٍّ ثُمّ رَهَنَه بعد الأوّلِ، فلا يجوزُ الرهنُ الثاني. (١٢٥٠) ولو ارْتَهَنَه، فقَبَضَه، ثُمّ أقَرّ الراهنُ أنّه جَنَى قبل الرهنِ جنايةً ادّعاها رَبُّها .. ففيها قولان: أحدُهما - أنّ القولَ قولُ الراهنِ؛ لأنّه أقَرّ بحقٍّ في عُنُقِ عَبْدِه، ولا تَبْرَأ ذِمَّتُه مِنْ دَينِ المرتهنِ، وقيل: يَحْلِفُ المرْتَهِنُ ما عَلِمَ، فإذا حَلَفَ .. كان القولُ في إقرارِ الراهنِ بأنّ عَبْدَه جَنَى قبل يَرْهَنُه واحدًا مِنْ قولين: أحدُهما - أنّ العبدَ رهنٌ (٣)، ولا يُؤخَذُ مِنْ مالِه شيءٌ، وإنْ كان مُوسِرًا؛ لأنّه إنّما أقَرَّ في شيءٍ واحدٍ بحَقَّيْنِ لرَجُلَيْنِ، أحدُهما مِنْ

стр. 827

قِبَلِ الجنايةِ، والآخَرُ مِنْ قِبَلِ الرهنِ، فإذا فُكَّ مِنْ الرهنِ (١) وهو له .. فالجنايةُ في رَقَبَتِه بإقرارِ سَيِّدِه، إنْ كانتْ خَطأً أو عَمْدًا لا قصاصَ فيها، وإن كانتْ عَمْدًا فيها قصاصٌ .. لم يُقْبَلْ قوْلُه على العبدِ إذا لم يُقِرَّ بها، والقول الثاني - أنّه إنْ كان مُوسِرًا .. أخِذَ مِنْ السيدِ الأقَلُّ مِنْ قيمةِ العبدِ أو الجنايةِ فدُفِعَ إلى المجْنِي عليه؛ لأنّه يُقِرُّ بأنَّ في عُنُقِ عَبْدِه حَقًّا أتْلَفَه على المجْنِي عليه برَهْنِه إيّاه، فكان كمَن أعْتَقَ عَبْدَه وقد جَنَى وهو مُوسِرٌ (٢) أو قَتَلَه، فيَضْمَنُ الأقَلَّ مِنْ قِيمتِه أو أرْشِ الجنايةِ (٣)، وهو رهنٌ بحالِه، وإنّما أتْلَفَ على المجْنِي عليه لا على المرتهنِ، وإنْ كان مُعْسِرًا .. فهو رهنٌ بحالِه، فمتى خَرَجَ مِنْ الرهنِ وهو في مِلْكِه .. فالجنايةُ في عُنُقِه، وإنْ خَرَجَ مِنْ الرهنِ ببيعٍ .. ففي ذِمَّةِ سَيِّدِه الأقَلُّ مِنْ قِيمتِه، أو أرْشُ جِنايتِه. قال المزني: قلت أنا (٤): وهذا أصحُّها وأشْبَهُها بقولِه (٥)؛ لأنّه والعلماءَ مُجْمِعَةٌ أنّ مَنْ أقَرَّ بما يَضُرُّه .. لَزِمَه، ومَنْ أقَرَّ بما يَبْطُلُ به حَقُّ غيرِه .. لم يَجُزْ على غيرِه، ومَن أتْلَفَ شيئًا لغيرِه فيه حَقٌّ .. فهو ضامنٌ بعُدْوانِه، وقد قال الشافعي: «إن لم يَحْلِف المرتهنُ على عِلْمِه كان المجْنِي عليه أوْلَى به منه»، وقد قال الشافعي بهذا المعنى: «لو أقَرَّ أنّه أعْتَقَه .. لم يَضُرَّ المرْتَهِنَ، فإنْ كان مُوسِرًا أخَذْتُ منه قيمتَه فجَعَلْتُها (٦) رَهْنًا مَكانَه، وإنْ

стр. 828

كان مُعْسِرًا بِيعَ في الرهنِ، ومتى رَجَعَ إليه عَتَقَ؛ لأنّه مُقِرٌّ أنّه حُرٌّ» (١). (١٢٥١) قال الشافعي: ولو جَنَى بعد الرهنِ، ثُمّ بَرِئَ مِنْ الجنايةِ بعَفْوٍ أو صُلْحٍ أو غيرِه .. فهو على حالِه رهنٌ؛ لأنّ أصْلَ الرهنِ كان صحيحًا. (١٢٥٢) ولو دَبَّرَه ثُمّ رَهَنَه .. كان الرهنُ مفسوخًا؛ لأنّه أثْبَتَ له عِتْقًا قد يَقَعُ قبلَ حُلُولِ الرهنِ، فلا يَسْقُطُ العِتْقُ، والرهنُ غيرُ جائزٍ، وليس له أن يَرْجِعَ في التَّدْبِيرِ إلّا بأن يُخْرِجَه مِنْ مِلْكِه، ولو قال له: (إنْ دَخَلْتَ الدارَ فأنت حُرٌّ)، ثُمّ رَهَنَه .. كان هكذا. قال المزني: قلت أنا (٢): قد قال الشافعي: «إنّ التدبيرَ وصيةٌ» (٣)، فلو أوْصَى به ثُمّ رَهَنَه أمَا كان جائزًا؟ فكذلك التدبيرُ في أصلِ قولِه، وقد قال في كتابه الجديدِ (٤) آخِرِ ما سَمِعْناه منه: «لو قال في المدَبَّرِ: (إنْ أدَّى بعد مَوْتِي كذا فهو حُرٌّ)، أو وَهَبَه هِبَةَ بَتاتٍ قُبِضَ أو لم يُقْبَضْ ورَجَعَ (٥) .. فهذا رُجوعٌ في التّدبِيرِ» (٦)، هذا نَصُّ قولِه، قال المزني: فقد (٧) أبْطَلَ تَدْبِيرَه بغير

стр. 829

إخراجٍ له مِنْ مِلْكِه كما إذا أوْصَى برَقَبَتِه (١)، وإذا رَهَنَه فقد أوْجَبَ للمرتهنِ حَقًّا فيه هو أوْلَى برَقَبَتِه منه، وليس لسَيِّدِه بَيْعُه للحَقِّ الذي عَقَدَه به، فكيف يَبْطُلُ التدبيرُ بقوله: (إنْ أدَّى كذا فهو حُرٌّ)؟ أو وَهَبَه ولو لم يَقْبِضْه (٢) الموهوبُ له حتّى رَجَعَ في هِبَتِه ومِلْكُه فيه بحالِه ولا حَقَّ فيه لغيرِه، ولا يَبْطُلُ تَدْبِيرُه بأن يُخْرِجَه مِنْ يَدِه إلى مَنْ هو أحَقُّ برَقَبَتِه منه وبَيْعِه وقَبْضِ ثَمَنِه في دَيْنِه ومَنْعِ سَيِّدِه مِنْ بَيْعِه؟ فهذا أقْيَسُ لقولِه، وقد شَرَحْتُ ذلك في «كتاب المدبَّر» (٣)، فتَفَهَّمْه (٤). (١٢٥٣) قال الشافعي: ولو رَهَنَه عَصِيرًا حُلْوًا .. كان جائزًا، فإنْ حال إلى أن يَصِيرَ خَلًّا أو مُزًّا (٥) أو شَيْئًا لا يُسْكِرُ كَثيرُه .. فالرهنُ بحالِه، فإنْ حال العصيرُ إلى أن يُسْكِرَ .. فالرهنُ مفسوخٌ؛ لأنّه صار حرامًا لا يَحِلُّ

стр. 830

بَيْعُه، كهو لو رَهَنَه عَبْدًا فماتَ العبدُ، فإنْ صار العصيرُ خمرًا ثُمّ صار خَلًّا مِنْ غيرِ صَنْعَةِ آدَمِيٍّ فهو رهنٌ. (١٢٥٤) ولو قال: رَهَنتُكَه (١) عَصيرًا فصار (٢) في يَدَيْك خمرًا، وقال المرتهنُ: رَهَنْتَنِيه خمرًا .. ففيها قولان: أحدُهما: أنّ القولَ قولُ الراهنِ؛ لأنّه يَحْدُثُ كما يَحْدُثُ العيبُ في البيعِ، ومَن قالَ هذا .. أراقَ الخمرَ ولا رهنَ له، والبيعُ لازمٌ. والثاني: أنّ القولَ قولُ المرتهنِ؛ لأنّه لم يُقِرَّ أنّه قَبَضَ منه شيئًا يَحِلُّ ارْتِهانُه بحالٍ، وليس كالعيبِ في العبدِ الذي يَحِلُّ مِلْكُه والعيبُ به، والمرتهنُ بالخيارِ في فسخِ البيعِ. قال المزني: قلت أنا (٣): هذا عندي (٤) أقْيَسُ؛ لأنّ الراهنَ مُدَّعٍ (٥). (١٢٥٥) قال الشافعي: ولا بأسَ أن يَرْهَنَ الجاريةَ ولها ولدٌ صغيرٌ؛ لأنّ هذا ليس بتَفْرِقَةٍ. (١٢٥٦) ولو ارْتَهَن نَخْلًا مُثْمِرًا .. فالثمرُ خارجٌ مِنْ الرهنِ، طَلْعًا كان أو بُسْرًا، إلّا أن يَشْتَرِطَه مع النخلِ؛ لأنّه عينٌ يُرَى. (١٢٥٧) وما هَلَك في يَدَي المرتهنِ مِنْ رهنٍ صحيحٍ وفاسدٍ .. فلا ضمانَ عليه. (١٢٥٨) وإذا رَهَنَه ما يَفْسُدُ مِنْ يومِه أو غَدِه أو مُدَّةٍ قصيرةٍ لا يُنْتَفَعُ به

стр. 831

يابسًا، مثل: البَقْلِ والبِطِّيخِ .. فإنْ كان الحقُّ حالًّا .. فجائزٌ ويُباعُ، وإنْ كان إلى أجلٍ يَفْسُدُ إليه .. كَرِهْتُه، قال الشافعي: ومَنَعَنِي مِنْ فَسْخِه أنّ للراهنِ بَيْعَه قبل مَحِلِّ الحقِّ على أن يُعْطَى صاحبُ الحقِّ حَقَّه بلا شرطٍ، فإنْ شَرَطَ أن لا يُباعَ إلى أن يَحِلَّ الحقُّ .. فالرهنُ مفسوخٌ (١). (١٢٥٩) ولو رَهَنَه أرضًا بلا نخلٍ فأخْرَجَتْ نخلًا .. فالنخلُ خارجٌ مِنْ الرهنِ، وليس عليه قَلْعُها؛ لأنّه لا ضررَ على الأرض منها حتّى يَحِلَّ الحقُّ، فإنْ بَلَغَتْ حقَّ المرتهنِ .. لم تُقْلَعْ، وإن لم تَبْلُغْ .. قُلِعَتْ (٢)، وإنْ فُلِّسَ (٣) بدُيُونِ الناسِ .. بِيعَت الأرضُ بالنخلِ، ثُمّ قُسِمَ الثمنُ على أرضٍ بيضاءَ بلا نخلٍ، وعلى ما بَلَغَتْ بالنخلِ، فأعْطِيَ المرتهنُ ثمنَ الأرضِ، والغرماءُ ثمنَ النخلِ. (١٢٦٠) قال: ولو رَهَنَه أرضًا ونخلًا، ثُمّ اخْتَلَفا، فقال الراهنُ: أحْدَثْتُ فيها نَخْلًا، وأنْكَرَ المرتهنُ، ولم تَكُنْ دَلالةٌ (٤)، وأمْكَنَ ما قال الراهنُ .. فالقولُ قولُه مع يَمِينِه، ثُمّ (٥) كالمسألة قَبْلَها. (١٢٦١) ولو شَرَطَ للمرتهنِ إذا حَلَّ الحقُّ أن يَبِيعَه .. لم يَجُزْ أن يَبِيعَ لنفسِه، إلّا بأن يَحْضُرَه ربُّ الرهنِ، فإن امْتَنَع أمَرَ الحاكمُ ببَيْعِه.

стр. 832

(١٢٦٢) قال: ولو كان الشرطُ للعدلِ .. جاز بَيْعُه ما لم يَفْسَخا أو أحدُهما وَكالَتَه، ولو باع بما يَتَغابَنُ الناسُ بمثلِه فلم يُفارِقْه حتّى جاء مَنْ يَزِيدُه .. قَبِلَ الزيادةَ، فإن لم يَفْعَلْ .. فبَيْعُه مردودٌ. (١٢٦٣) وإذا بِيعَ الرهنُ .. فثَمَنُه مِنْ الراهنِ (١) حتّى يُقْبِضَه المرتهنَ (٢). (١٢٦٤) ولو ماتَ الراهنُ، فأمَرَ الحاكمُ عَدْلًا فباعَ الرهنَ، وضاعَ الثمنُ مِنْ يَدَي العدلِ، واسْتُحِقَّ الرهنُ .. لم يَضْمَن الحاكمُ ولا العدلُ؛ لأنّه أمينٌ، وأخَذَ المسْتَحِقُّ متاعَه، والحقُّ والثمنُ في ذِمَّةِ الميِّتِ، والعُهْدَةُ عليه، كهي لو باع على نفسِه، وليس الذي بِيعَ له الرهنُ مِنْ العُهْدَةِ بسبيلٍ. (١٢٦٥) ولو باع العدلُ وقبضَ الثمنَ، فقال: ضاعَ .. فهو مُصَدَّقٌ. (١٢٦٦) وإنْ قال: دَفَعْتُه إلى المرتهنِ، وأنْكَرَ ذلك المرتهنُ .. فالقولُ قولُه، وعلى الدافعِ البينةُ. (١٢٦٧) ولو باع بدينٍ كان ضامنًا. (١٢٦٨) ولو قال له أحدُهما: بِعْ بدنانيرَ، والآخَرُ: بدراهمَ .. لم يَبِعْ بواحدٍ منهما؛ لحقِّ المرتهنِ في ثمنِ الرهنِ، وحقِّ الراهنِ في رقبتِه وثمنِه، وجاء الحاكمُ حتّى يأمرَه بالبيعِ بنقدِ البلدِ، ثُمّ يَصْرِفَه فيما الرهنُ به. (١٢٦٩) وإنْ تَغَيَّرَتْ حالُ العدلِ .. فأيُّهما دعا إلى إخراجِه كان ذلك له. (١٢٧٠) وإنْ أراد العدلُ رَدَّهُ وهما حاضران .. فذلك له، ولو دَفَعَه بغير أمْرِ الحاكمِ مِنْ غير مَحْضَرِهما .. ضَمِنَ، وإن كانا بَعِيدَي الغيبةِ ..

стр. 833

لم أرَ أن يُضْطَرَّ (١) على حَبْسِه، وإنّما هي وكالةٌ ليستْ له فيها منفعةٌ، وأخْرَجَه الحاكمُ إلى عَدْلٍ. (١٢٧١) ولو جَنَى المرهونُ على سَيِّدِه .. فله القصاصُ، فإنْ عفا .. فلا دَيْنَ له على عبدِه، وهو رهنٌ بحالِه، فإن جَنَى عَبْدُه المرهونُ على عبدٍ له آخَرَ مرهونٍ .. فله القصاصُ، فإنْ عفا على مالٍ فالمالُ مرهونٌ في يَدَيْ مُرْتَهِنِ العبدِ المجْنِيِّ عليه بحَقِّهِ الذي به أجَزْتُ لسَيِّدِ العبدِ أن يأخذَ الجنايةَ مِنْ عُنُقِ عبدِه الجاني، ولا يَمْنَعُ المرتهنُ السيِّدَ مِنْ العفوِ بلا مالٍ؛ لأنّه لا يَكونُ في العبدِ مالٌ حتّى يختارَه الوليُّ، وما فَضَلَ بعد الجنايةِ فهو رهنٌ. (١٢٧٢) وإقرارُ العبدِ المرهونِ بما فيه قصاصٌ جائزٌ بالبينةِ، وما ليس فيه قصاصٌ فإقرارُه باطلٌ. (١٢٧٣) وإذا جَنَى العبدُ في الرهنِ .. قيل لسيِّدِه: إنْ فَدَيْتَه بجميعِ الجنايةِ .. فأنت مُتَطَوِّعٌ، وهو رهنٌ، وإن لم تَفْعَلْ .. بِيعَ في جنايتِه، وإنْ تَطَوَّعَ بها المرتهنُ .. لم يَرْجِعْ بها على السيدِ، وإنْ فَداه بأمْرِه على أن يكونَ رهنًا به مع الحقِّ الأوَّلِ .. فجائز. قال المزني: قلت أنا (٢): هذا أوْلى مِنْ قولِه [ف: ١٢٤٧]: «لا يَجُوزُ أن يَزْدادَ حَقًّا في الرهنِ الواحدِ» (٣). (١٢٧٤) قال الشافعي: فإنْ كان السيدُ أمَرَ العبدَ بالجنايةِ .. فإنْ كان يَعْقِلُ بالِغًا فهو آثِمٌ ولا شيءَ عليه، وإنْ كان صَبِيًّا أو أعْجَمِيًّا فبِيعَ في

стр. 834

الجنايةِ .. كُلِّفَ السَّيِّدُ أن يَأتيَ بمثلِ قِيمَتِه يَكُونُ رَهْنًا مَكانَه. (١٢٧٥) ولو أذِنَ له، فرَهَنَه، فجَنَى، فبِيعَ في الجنايةِ .. فأشْبَهُ الأمْرَيْنِ أنّه غيرُ ضامنٍ، وليس كالمسْتَعِيرِ الذي مَنْفَعَتُه مشغولةٌ بخِدْمَةِ العبدِ عن مُعِيرِه، وللسيِّدِ في الرهنِ أن يَسْتَخْدِمَ عَبْدَه (١). (١٢٧٦) قال: والخصمُ فيما جُنِيَ على العبدِ سَيِّدُه، فإنْ أحَبَّ المرتهنُ حَضَرَ خُصُومَتَه، فإذا قُضِيَ له بشيءٍ أخَذَه رهنًا، ولو عفا المرتهنُ كان عَفْوُه باطلًا. (١٢٧٧) ولو رَهَنَه عبدًا بدنانيرَ، وعبدًا بحنطةٍ، فقَتَلَ أحدُهما صاحبَه .. كانت الجنايةُ هَدْرًا. (١٢٧٨) وأكْرَهُ أن يَرْهَنَ مِنْ مُشْرِكٍ مُصْحفًا أو عبدًا مسلمًا، وأجْبِرُه على أن يَضَعَهُما على يَدَيْ مسلمٍ، ولا بأسَ برَهْنِه ما سِواهما، رَهَنَ النبيُّ ﷺ دِرْعَه عند أبي الشَّحْمِ اليهوديِّ (٢).

стр. 835

(١٤٨) باب الرهن والحميل في البيع واختلاف الراهن والمرتهن وغير ذلك (١٢٧٩) قال الشافعي: ومعقولٌ إذا (١) أذِنَ اللهُ بالرهنِ أنّه زيادةُ وَثِيقَةٍ لصاحبِ الحقِّ، وأنّه ليس بالحقِّ بعَيْنِه ولا جُزْءًا مِنْ عَدَدِه (٢).

стр. 836

(١٢٨٠) فلو باع رجلًا (١) شيئًا على أن يَرْهَنَه به مِنْ مالِه ما يَعْرِفانِه، يَضَعانِه على يَدَي عَدْلٍ، أو على يَدَي المرتهنِ .. كان البيعُ جائزًا، ولم يَكُنْ الرهنُ تامًّا حتّى يَقْبِضَه المرتهنُ، ولو امْتَنَع الراهنُ أن يُقْبِضَه الرهنَ لم نُجْبِرْه، والبائعُ بالخيارِ في إتمامِ البيعِ بلا رهنٍ أو رَدِّه؛ لأنّه لم يَرْضَ بذِمَّتِه دون الرهنِ، وكذلك لو باعه على أن يُعْطِيَه حَمِيلًا بعَيْنِه فلم يَتَحَمَّلْ له فله رَدُّ البيعِ، وليس للمشتري رَدُّ البيعِ؛ لأنّه لم يَدْخُل عليه نقصٌ يكونُ له به الخيارُ، ولو كانا جَهِلا الرهنَ أو الحميلَ .. فالبيعُ فاسدٌ. قال المزني: قلت أنا (٢): هذا عندي غَلَطٌ، الرهنُ فاسدٌ للجهلِ به، والبيعُ جائزٌ لعِلْمِهما به، وللبائعِ الخيارُ، إنْ شاء أتَمَّ البيعَ بلا رهنٍ، وإنْ شاء فَسَخَ لبُطلانِ الوثيقةِ، في معنى قولِه، وبالله التوفيق (٣). (١٢٨١) قال الشافعي: ولو قال: أرْهَنُكَ أحدَ عَبِيدِي (٤) .. كان فاسدًا، لا يَجُوزُ إلّا مَعْلومًا يَعْرِفانِه جميعًا بعَيْنِه.

стр. 837

(١٢٨٢) ولو أصاب المرتهنُ بعد القبضِ بالرهنِ عيبًا، فقال: قد كان به قبل القبضِ فأنا أفْسَخُ البيعَ، وقال الراهنُ: بل حَدَثَ بعد القبضِ .. فالقولُ قولُ الراهنِ مع يَمِينِه إذا كان مِثْلُه يَحْدُثُ. (١٢٨٣) ولو قُتِلَ العبدُ (١) برِدَّةٍ، أو قُطِعَ بسَرِقَةٍ قبل القبضِ .. كان له فَسْخُ البيعِ. قال المزني: قلت أنا (٢): في هذا دليلٌ أنّ البيعَ وإنْ جَهِلا الرهنَ أو الحميلَ غيرُ فاسدٍ، وإنّما له الخيارُ في فَسْخِ البيعِ أو إثباتِه؛ لجَهْلِه بالرهنِ والحميلِ، وبالله التوفيق. قال الشافعي: وإنْ كان حَدَثَ ذلك بعد القبضِ .. لم يَكُنْ له فَسْخُ البيعِ. (١٢٨٤) ولو ماتَ في يَدَيْه، وقدْ دُلِّسَ له فيه بعيبٍ قبل أن يَخْتارَ فَسْخَ البيعِ .. لم يَكُنْ له أن يَخْتارَ؛ لما فات مِنْ الرهنِ. (١٢٨٥) ولو لم يَشْتَرِطا رهنًا في البيعِ، فتَطَوَّعَ المشْتَرِي فرَهَنَه .. فلا سبيلَ له إلى إخْراجِه مِنْ الرهنِ، وبَقِيَ مِنْ الحقِّ شيءٌ. (١٢٨٦) ولو اشْتَرَطا أن يَكُونَ المبيعُ نَفْسُه رَهْنًا .. فالبيعُ مفسوخٌ مِنْ قِبَلِ أنّه لم يُمَلِّكْه المبيعَ إلّا بأن يَكُونَ مَحْبُوسًا عن (٣) المشتري. (١٢٨٧) ولو قال الذي عليه الحقُّ: أرْهَنُكَ على أنْ تَزِيدَني في الأجلِ، ففَعَلا .. فالرهنُ مفسوخٌ، والحقُّ الأوَّلُ بحالِه، ويَرُدُّ ما زاده. (١٢٨٨) وإذا أقَرَّ أنّ الموضوعَ على يَدَيْه قَبَضَ الرهنَ .. جَعَلْتُه رهنًا، ولم أقبلْ قولَ العدلِ: لم أقْبِضْه.

стр. 838

(١٢٨٩) وأيُّهما ماتَ .. قام وارِثُه مَقامَه. (١٢٩٠) قال المزني: قلت أنا (١): وجملةُ قولِه في اخْتِلافِ الراهِنِ والمرتهنِ: أنّ القولَ قولُ الراهنِ في الحقِّ، والقولَ قولُ المرتهنِ في الرهنِ (٢)، فيما يُشْبِهُ ولا يُشْبِهُ، ويُحَلَّفُ كلُّ واحدٍ منهما على دَعْوَى صاحبِه (٣). (١٢٩١) قال الشافعي: ولو قال رجلٌ لرجلين: رَهَنْتُماني عبدَكما هذا

стр. 839

بمائةٍ وقَبَضْتُه منكما (١)، فصَدَّقَه أحدُهما، وكَذَّبَه الآخَرُ .. كان نِصْفُه رَهْنًا بخمسين، ونِصْفُه خارجًا مِنْ الرَّهنِ، فإنْ شَهِدَ شريكُ صاحبِ نصفِ العبدِ عليه بدَعْوَى المرتهنِ وكان عدلًا .. حَلَفَ المرتهنُ معه وكان نَصِيبُه منه رهنًا بخمسين، ولا معنى في شهادتِه نَرُدُّها به. (١٢٩٢) وإذا كانتْ له على رجلٍ ألفان، إحداهما برهنٍ، والأخْرَى بغيرِ رهنٍ، فقضاه ألفًا، ثُمّ اخْتَلفا، فقال القاضي: هي التي في الرهنِ، وقال المرتهنُ: هي التي بلا رهنٍ .. فالقولُ قولُ القاضي مع يَمِينِه. (١٢٩٣) ولو قال: رَهَنْتُه هذه الدارَ التي في يَدَيْه بألفٍ ولم أدْفَعْها إليه فغَصَبَنِيها، أو تَكاراها مِنِّي رجلٌ فأنْزَلَه فيها، أو تَكاراها هو مِنِّي فنَزَلها، ولم أسَلِّمْها رهنًا .. فالقولُ قولُه مع يَمِينِه.

стр. 840

(١٤٩) باب الزيادة في الرهن وما يحدث منه (١) (١٢٩٤) قال الشافعي (٢): وقد رُوي عن أبي هريرة (٣)، عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «الرهنُ محلوبٌ ومركوبٌ»، قال الشافعي: ومعنى هذا القولِ أنّ مَنْ رَهَنَ ذاتَ ظَهْرٍ ودَرٍّ لم يُمْنَع الراهنُ مِنْ ظَهْرِها ودَرِّها، وأصلُ المعرفةِ بهذا الباب: أنّ للمرتهنِ حَقًّا في رَقَبةِ الرهنِ دون غيرِه، وما يَحْدُثُ ممّا يَتَمَيَّزُ منه غيرُه، قال: وكذلك سُكْنَى الدُّور وزُرُوعُ الأرَضِين (٤) وغيرُها. (١٢٩٥) فللراهنِ أن يَسْتَخْدِمَ في الرهنِ عَبِيدَه، ويَرْكَبَ دَوَابَّه، ويُؤاجِرَها، ويَحْلِبَ دَرَّها، ويَجُزَّ صُوفَها، وتَأوِي بالليلِ إلى مُرْتَهِنِها (٥)، أو إلى يَدَي الموضوعةِ على يَدَيْه (٦). (١٢٩٦) وكلُّ وَلَدِ أمَةٍ، ونَتاجِ ماشيةٍ، وثَمَرِ شَجَرَةٍ ونَخْلَةٍ .. فذلك كلُّه خارجٌ مِنْ الرهنِ، يُسَلَّمُ للراهنِ.

стр. 841

(١٢٩٧) وعليه مَؤُونَةُ رُهُونِه، ومَن مات مِنْ رَقيقِه فعليه كَفَنُه. (١٢٩٨) والفرقُ بين الأمةِ تُعْتَقُ أو تُباعُ فيَتْبَعُها وَلَدُها وبين الرهنِ .. أنّه إذا أعْتَقَ أو باعَ زال مِلْكُه، وحَدَثَ الولَدُ في غيرِ مِلْكِه، وإذا رَهَنَ فلم يَزُلْ مِلْكُه، وحَدَثَ الولدُ في مِلْكِه، إلّا أنّه مَحُولٌ دُونَه بحقٍّ حُبِسَ به لغيرِه، وكما (١) يُؤاجِرُها فتَكونُ مُحَبَّسَةً بحقِّ غيرِه، وإنْ وَلَدَتْ لم يَدْخُلْ وَلَدُها في ذلك معها، والرهنُ كالضَّمِينِ لا يَلْزَمُ إلّا مَنْ أدْخَلَ نَفْسَه فيه، وولدُ الأمةِ لم يَدْخُلْ في الرهنِ قَطُّ. (١٢٩٩) وأكْرَهُ رهنَ الأمةِ، إلّا أنْ تُوضَعَ على يَدَي امْرأةٍ ثِقَةٍ، وليس لسَيِّدِها أخْذُها للخدمةِ خَوْفًا أن يُحْبِلَها. (١٣٠٠) وما كانتْ مِنْ زيادةٍ لا تَتَمَيَّزُ منها، مثلُ: الجاريةِ تَكْبُرُ، والثمرةِ تَعْظُمُ، ونحوِ ذلك .. فهو غيرُ مُتَمَيِّزٍ منها، وهي رهنٌ كلُّها. (١٣٠١) ولو كان الرهنُ ماشيةً فأراد الراهنُ أن يُنْزِيَ عليها، أو عبدًا صغيرًا فأراد أن يَخْتِنَه، أو احتاجَ إلى شُرْبِ دواءٍ أو فَتْحِ عِرْقٍ، أو الدابةُ إلى تَوْدِيجٍ أو تَبْزِيغٍ (٢) .. فليس للمرتهنِ أن يَمْنَعَه ممّا فيه للرهنِ مَنْفَعَةٌ، ويَمْنَعُه ممّا فيه مَضَرَّةٌ.

стр. 842

(١٥٠) باب رهن الرجلين بالشيء الواحد من الرجل الواحد ورهن الشيء الواحد من الرجلين (١٣٠٢) قال الشافعي: وإذا رَهَناه معًا عبدًا بمائةٍ وقَبَضَ المرتهنُ .. فجائزٌ، فإنْ أبْرَأ أحدَهما مما عليه .. فنِصْفُه خارجٌ مِنْ الرهنِ، ولو رَهَنَه مِنْ رجلين بمائةٍ وقَبَضاه .. فنِصْفُه مرهونٌ لكلِّ واحدٍ منهما بخمسين، فإنْ أبْرَأه أحدُهما أو قَبَضَ منه نِصْفَ المائةٍ .. فنِصْفُه خارجٌ مِنْ الرهنِ. (١٣٠٣) ولو كان الرهنُ ممّا يُكالُ .. كان للذي افْتَكَّ نِصْفَه أن يُقاسِمَ المرتهنَ بإذنِ شَرِيكِه. (١٣٠٤) ولا يَجُوزُ أن يَأذَنَ رجلٌ لرجلٍ في أن يَرْهَنَ عبدَه إلّا بشيءٍ معلومٍ، وإلى أجلٍ معلومٍ، فإنْ رَهَنَه بأكثرَ .. لم يَجُزْ مِنْ الرهنِ شيءٌ، ولو رَهَنَه بما أذِنَ له ثُمّ أراد أخْذَه بافْتِكاكِه وكان الحقُّ حالًّا .. كان ذلك له، وبِيعَ في مالِه حتّى يُوَفِّيَ الغريمَ حَقَّه، وإن لم يُرِدْ ذلك الغريمُ .. أسْلَمَ عَبْدَه المرهونَ، وإنْ كان أذِنَ له إلى أجلٍ معلومٍ (١) .. لم يَكُنْ له أن يَأخُذَهُ بافْتِكاكِه إلّا إلى مَحِلِّه (٢).

стр. 843

(١٣٠٥) ولو رَهَنَ عبدَه رجلين، وأقَرَّ لكلِّ واحدٍ منهما بقَبْضِه كلِّه بالرهنِ، وادَّعَى كلُّ واحدٍ منهما أنّ رَهْنَه وقَبْضَه كان قبل صاحبِه، وليس الرهنُ في يَدَي واحدٍ منهما، فصَدَّقَ الراهنُ أحدَهما .. فالقولُ قولُ الراهنِ ولا يمينَ عليه (١)، ولو أنْكَرَ أيُّهما أوَّلُ أحْلِفَ وكان الرهنُ مفسوخًا، وكذلك لو كان في أيديهما معًا، فإن كان في يَدَيْ أحدِهما، وصَدَّق الذي ليس في يَدَيْه .. ففيها قولان: أحدُهما - يُصَدَّقُ، والآخَرُ - لا يُصَدَّقُ؛ لأنّ الذي في يَدَيْه العبدُ يَمْلِكُ بالرهنِ مثلَ ما يَمْلِكُ المرتهنُ غيرُه. قال المزني: قلت أنا (٢): أصحُّهما عندي (٣) أنّه يُصَدَّقُ؛ لأنّه حَقٌّ مِنْ الحقوقِ، واجْتَمَعَ (٤) فيه إقرارُ المرتهنِ وربِّ الرهنِ، قال المزني: ثُمّ رأيتُ أنّ القولَ قولُ المرتهنِ الذي هو في يَدَيْه؛ لأنّ الراهنَ مُقِرٌّ له أنّه أقْبَضَه إيّاه في جملةِ قولِه، وله فضلُ يدِه على صاحبِه، فلا تُقْبَلُ دَعْوَى الراهنِ عليه، إلّا أن يُقِرَّ الذي في يَدَيه أنّ كلَّ واحدٍ منهما قد قَبَضَه، فيُعْلَمُ بذلك أنّ قَبْضَ صاحبِه قبله (٥).

стр. 844

(١٥١) باب الرهن يجمع الشيئين المختلفين من نبات الأرض وبناء وغيره (١٣٠٦) قال الشافعي: وإذا رَهَنَ أرضًا، ولم يَقُلْ ببنائِها وشجرِها .. فالأرضُ رهنٌ دون بنائِها وشجرِها (١)، ولو رَهَنَ شجرًا، وبين الشجرِ بياضٌ .. فالشجرُ رهنٌ دون البياضِ، ولا يَدْخُلُ في الرهنِ إلّا ما سَمّى. (١٣٠٧) وإذا رَهَنَ ثمرًا قد خَرَجَ مِنْ نَخْلِه قبلَ يَحِلُّ بيعُه ومعه النخلُ .. فهما رهنٌ؛ لأنّ الحقَّ لو حَلَّ جاز أن يُباعا، وكذلك إذا بَلَغَتْ هذه الثمرةُ قبل مَحِلِّ الحقِّ وبِيعَتْ .. خُيِّرَ الراهنُ بين أن يَكُونَ ثمنُها مرهونًا مع النخلِ أو قصاصًا، إلّا أن تَكُونَ هذه الثمرةُ تَيْبَسُ، فلا يَكُونُ له بيعُها إلّا بإذنِ الراهنِ (٢). (١٣٠٨) ولو رَهَنَه الثمرَ دون النخلِ، طَلْعًا، أو مُؤبَّرَةً، أو قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها .. لم يَجُز الرهنُ، إلّا أن يَتَشارَطا أنّ للمرتهنِ إذا حَلَّ حَقُّه قَطْعَها وبَيْعَها، فيجوزُ الرهنُ؛ لأنّ المعروفَ مِنْ الثمرِ أنّه يُتْرَكُ إلى أن يَصْلُحَ، ألا تَرَى أنّ رسولَ الله ﷺ نَهَى عن بيعِ الثمارِ حتّى يَبْدُوَ صَلاحُها؛ لمعرفةِ الناسِ أنّها تُتْرَكُ إلى بُدُوِّ صَلاحِها؟ وكذا الحكمُ في كلِّ ثَمَرَةٍ وزَرْعٍ قبل بُدُوِّ صَلاحِه، فما لم يَجُزْ بيعُه فلا يَجُوزُ رَهْنُه.

стр. 845

(١٣٠٩) وإنْ كان مِنْ الثمرِ شيءٌ يَخْرُجُ فرَهَنَه، وكان يَخْرُجُ بعده غيرُه منه، فلا يَتَمَيَّزُ الخارجُ الأوَّلُ المرهونُ مِنْ الآخِرِ .. لم يَجُزْ؛ لأنّ الرهنَ ليس بمعروفٍ، إلّا أن يَشْتَرِطا أن يُقْطَعَ في مُدَّةٍ قبل أن يَلْحَقَه الثاني، فيجوزُ الرهنُ، فإنْ تُرِكَ حتّى يَخْرُجَ بعده ثمرةٌ لا تَتَمَيَّزُ .. ففيها قولان: أحدهما - أنّه يَفْسُدُ الرهنُ كما يَفْسُدُ البيعُ، والثاني - لا يَفْسُدُ، والقولُ قولُ الراهنِ في قَدْرِ الثمرةِ المخْتَلِطَةِ مِنْ المرهونةِ؛ كما لو رَهَنَه حنطةً فاخْتَلَطَتْ بحنطةٍ للراهنِ، كان القولُ قولُه في قَدْرِ المرهونةِ مِنْ المخْتَلِطَةِ بها مع يَمينِه. قال المزني: قلت أنا (١): هذا أشْبَهُ بقولِه، وقد بَيَّنْتُه في هذا الكتابِ في «باب ثمر الحائط يباع أصله» [ف: ١٠٥٢]، قال المزني: قلت أنا (٢): ويَنْبَغِي أن يكونَ القولُ في الزيادةِ قولَ المرتهنِ؛ لأنّ الثمرةَ في يَدَيْه، والراهنُ مُدَّعٍ قدرَ الزيادةِ عليه، فالقولُ قولُ الذي هي في يَدَيْه مع يَمينِه في قياسِ قولِه عندي (٣)، وبالله التوفيق (٤). (١٣١٠) قال الشافعي: وإذا رَهَنَه ثَمَرَةً .. فعلى الراهنِ سَقْيُها وصَلاحُها وجِدادُها وتَشْمِيسُها؛ كما يَكُونُ عليه نَفَقَةُ العبدِ.

стр. 846

(١٣١١) وليس للراهنِ ولا للمرتهنِ قَطْعُها قبل أوانِها إلّا بأن يَرْضَيا به، فإذا بَلَغَتْ إبّانَها فأيُّهما أراد قَطْعَها جُبِرَ الآخَرُ على ذلك (١)؛ لأنّه مِنْ صَلاحِها. (١٣١٢) فإنْ أبَى الموضوعةُ على يَدَيْه أن يَتَطَوَّعَ بأن يَضَعَها في مَنْزِلِه إلّا بكِراءٍ .. قيل للراهنِ: عليك لها مَنْزِلٌ تُحْرَزُ فيه؛ لأنّ ذلك مِنْ صَلاحِها، فإنْ جِئتَ به، وإلّا اكْتُرِيَ عليك منها.

стр. 847

(١٥٢) باب ما يُفسِد الرهنَ من الشروط وما لا يُفسِدُ وغير ذلك (١) (١٣١٣) قال الشافعي: وإن اشْتَرَطَ المرتهنُ مِنْ منافعِ الرهنِ شيئًا .. فالشرطُ باطلٌ. (١٣١٤) ولو كانتْ له ألفٌ، فقال: زِدْني ألفًا على أنْ أرْهَنَك بهما معًا رهنًا يَعْرِفانِه .. كان الرهنُ مفسوخًا. (١٣١٥) ولو قال له: «بِعْنِي عبدَك (٢) بألفٍ على أنْ أعْطِيَك بها وبالألفِ التي لك عليَّ بلا رهنٍ داري رهنًا»، ففَعَلَ .. كان البيعُ والرهنُ فاسدًا (٣). (١٣١٦) ولو أسْلَفَه ألفًا على أن يَرْهَنَه بها رهنًا، وشَرَطَ المرتهنُ لنفسِه مَنْفَعَةَ الرهنِ (٤) .. فالشرطُ باطلٌ؛ لأنّ ذلك زيادةٌ في السلفِ، ولو كان اشْتَرَى منه على هذا الشرطِ .. فالبائعُ بالخيارِ في فسخِ البيعِ أو إثباتِه والرهنِ، ويَبْطُلُ الشرطُ (٥). قال المزني: قلت أنا (٦): أصلُ قولِ الشافعيِّ أنّ كلَّ بيعٍ فاسدٍ بشرطٍ وغيرِه أنّه لا يجوزُ، وإنْ أجِيزَ حتّى يُبْتَدَأَ بما يجوزُ (٧).
следующие страницы →