← Фикх шафии

Фикх шафии · id 914

مختصر المزني - ت الداغستاني

المزني

Полный текст (1 788 стр.). Показаны 843–882 · переход к 848.

стр. 843

(١٣٠٥) ولو رَهَنَ عبدَه رجلين، وأقَرَّ لكلِّ واحدٍ منهما بقَبْضِه كلِّه بالرهنِ، وادَّعَى كلُّ واحدٍ منهما أنّ رَهْنَه وقَبْضَه كان قبل صاحبِه، وليس الرهنُ في يَدَي واحدٍ منهما، فصَدَّقَ الراهنُ أحدَهما .. فالقولُ قولُ الراهنِ ولا يمينَ عليه (١)، ولو أنْكَرَ أيُّهما أوَّلُ أحْلِفَ وكان الرهنُ مفسوخًا، وكذلك لو كان في أيديهما معًا، فإن كان في يَدَيْ أحدِهما، وصَدَّق الذي ليس في يَدَيْه .. ففيها قولان: أحدُهما - يُصَدَّقُ، والآخَرُ - لا يُصَدَّقُ؛ لأنّ الذي في يَدَيْه العبدُ يَمْلِكُ بالرهنِ مثلَ ما يَمْلِكُ المرتهنُ غيرُه. قال المزني: قلت أنا (٢): أصحُّهما عندي (٣) أنّه يُصَدَّقُ؛ لأنّه حَقٌّ مِنْ الحقوقِ، واجْتَمَعَ (٤) فيه إقرارُ المرتهنِ وربِّ الرهنِ، قال المزني: ثُمّ رأيتُ أنّ القولَ قولُ المرتهنِ الذي هو في يَدَيْه؛ لأنّ الراهنَ مُقِرٌّ له أنّه أقْبَضَه إيّاه في جملةِ قولِه، وله فضلُ يدِه على صاحبِه، فلا تُقْبَلُ دَعْوَى الراهنِ عليه، إلّا أن يُقِرَّ الذي في يَدَيه أنّ كلَّ واحدٍ منهما قد قَبَضَه، فيُعْلَمُ بذلك أنّ قَبْضَ صاحبِه قبله (٥).

стр. 844

(١٥١) باب الرهن يجمع الشيئين المختلفين من نبات الأرض وبناء وغيره (١٣٠٦) قال الشافعي: وإذا رَهَنَ أرضًا، ولم يَقُلْ ببنائِها وشجرِها .. فالأرضُ رهنٌ دون بنائِها وشجرِها (١)، ولو رَهَنَ شجرًا، وبين الشجرِ بياضٌ .. فالشجرُ رهنٌ دون البياضِ، ولا يَدْخُلُ في الرهنِ إلّا ما سَمّى. (١٣٠٧) وإذا رَهَنَ ثمرًا قد خَرَجَ مِنْ نَخْلِه قبلَ يَحِلُّ بيعُه ومعه النخلُ .. فهما رهنٌ؛ لأنّ الحقَّ لو حَلَّ جاز أن يُباعا، وكذلك إذا بَلَغَتْ هذه الثمرةُ قبل مَحِلِّ الحقِّ وبِيعَتْ .. خُيِّرَ الراهنُ بين أن يَكُونَ ثمنُها مرهونًا مع النخلِ أو قصاصًا، إلّا أن تَكُونَ هذه الثمرةُ تَيْبَسُ، فلا يَكُونُ له بيعُها إلّا بإذنِ الراهنِ (٢). (١٣٠٨) ولو رَهَنَه الثمرَ دون النخلِ، طَلْعًا، أو مُؤبَّرَةً، أو قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها .. لم يَجُز الرهنُ، إلّا أن يَتَشارَطا أنّ للمرتهنِ إذا حَلَّ حَقُّه قَطْعَها وبَيْعَها، فيجوزُ الرهنُ؛ لأنّ المعروفَ مِنْ الثمرِ أنّه يُتْرَكُ إلى أن يَصْلُحَ، ألا تَرَى أنّ رسولَ الله ﷺ نَهَى عن بيعِ الثمارِ حتّى يَبْدُوَ صَلاحُها؛ لمعرفةِ الناسِ أنّها تُتْرَكُ إلى بُدُوِّ صَلاحِها؟ وكذا الحكمُ في كلِّ ثَمَرَةٍ وزَرْعٍ قبل بُدُوِّ صَلاحِه، فما لم يَجُزْ بيعُه فلا يَجُوزُ رَهْنُه.

стр. 845

(١٣٠٩) وإنْ كان مِنْ الثمرِ شيءٌ يَخْرُجُ فرَهَنَه، وكان يَخْرُجُ بعده غيرُه منه، فلا يَتَمَيَّزُ الخارجُ الأوَّلُ المرهونُ مِنْ الآخِرِ .. لم يَجُزْ؛ لأنّ الرهنَ ليس بمعروفٍ، إلّا أن يَشْتَرِطا أن يُقْطَعَ في مُدَّةٍ قبل أن يَلْحَقَه الثاني، فيجوزُ الرهنُ، فإنْ تُرِكَ حتّى يَخْرُجَ بعده ثمرةٌ لا تَتَمَيَّزُ .. ففيها قولان: أحدهما - أنّه يَفْسُدُ الرهنُ كما يَفْسُدُ البيعُ، والثاني - لا يَفْسُدُ، والقولُ قولُ الراهنِ في قَدْرِ الثمرةِ المخْتَلِطَةِ مِنْ المرهونةِ؛ كما لو رَهَنَه حنطةً فاخْتَلَطَتْ بحنطةٍ للراهنِ، كان القولُ قولُه في قَدْرِ المرهونةِ مِنْ المخْتَلِطَةِ بها مع يَمينِه. قال المزني: قلت أنا (١): هذا أشْبَهُ بقولِه، وقد بَيَّنْتُه في هذا الكتابِ في «باب ثمر الحائط يباع أصله» [ف: ١٠٥٢]، قال المزني: قلت أنا (٢): ويَنْبَغِي أن يكونَ القولُ في الزيادةِ قولَ المرتهنِ؛ لأنّ الثمرةَ في يَدَيْه، والراهنُ مُدَّعٍ قدرَ الزيادةِ عليه، فالقولُ قولُ الذي هي في يَدَيْه مع يَمينِه في قياسِ قولِه عندي (٣)، وبالله التوفيق (٤). (١٣١٠) قال الشافعي: وإذا رَهَنَه ثَمَرَةً .. فعلى الراهنِ سَقْيُها وصَلاحُها وجِدادُها وتَشْمِيسُها؛ كما يَكُونُ عليه نَفَقَةُ العبدِ.

стр. 846

(١٣١١) وليس للراهنِ ولا للمرتهنِ قَطْعُها قبل أوانِها إلّا بأن يَرْضَيا به، فإذا بَلَغَتْ إبّانَها فأيُّهما أراد قَطْعَها جُبِرَ الآخَرُ على ذلك (١)؛ لأنّه مِنْ صَلاحِها. (١٣١٢) فإنْ أبَى الموضوعةُ على يَدَيْه أن يَتَطَوَّعَ بأن يَضَعَها في مَنْزِلِه إلّا بكِراءٍ .. قيل للراهنِ: عليك لها مَنْزِلٌ تُحْرَزُ فيه؛ لأنّ ذلك مِنْ صَلاحِها، فإنْ جِئتَ به، وإلّا اكْتُرِيَ عليك منها.

стр. 847

(١٥٢) باب ما يُفسِد الرهنَ من الشروط وما لا يُفسِدُ وغير ذلك (١) (١٣١٣) قال الشافعي: وإن اشْتَرَطَ المرتهنُ مِنْ منافعِ الرهنِ شيئًا .. فالشرطُ باطلٌ. (١٣١٤) ولو كانتْ له ألفٌ، فقال: زِدْني ألفًا على أنْ أرْهَنَك بهما معًا رهنًا يَعْرِفانِه .. كان الرهنُ مفسوخًا. (١٣١٥) ولو قال له: «بِعْنِي عبدَك (٢) بألفٍ على أنْ أعْطِيَك بها وبالألفِ التي لك عليَّ بلا رهنٍ داري رهنًا»، ففَعَلَ .. كان البيعُ والرهنُ فاسدًا (٣). (١٣١٦) ولو أسْلَفَه ألفًا على أن يَرْهَنَه بها رهنًا، وشَرَطَ المرتهنُ لنفسِه مَنْفَعَةَ الرهنِ (٤) .. فالشرطُ باطلٌ؛ لأنّ ذلك زيادةٌ في السلفِ، ولو كان اشْتَرَى منه على هذا الشرطِ .. فالبائعُ بالخيارِ في فسخِ البيعِ أو إثباتِه والرهنِ، ويَبْطُلُ الشرطُ (٥). قال المزني: قلت أنا (٦): أصلُ قولِ الشافعيِّ أنّ كلَّ بيعٍ فاسدٍ بشرطٍ وغيرِه أنّه لا يجوزُ، وإنْ أجِيزَ حتّى يُبْتَدَأَ بما يجوزُ (٧).

стр. 848

(١٣١٧) قال الشافعي: ولو شَرَطَ على المرتهنِ أن لا يُباعَ الرهنُ عند مَحِلِّ الحقِّ إلا بما يَرْضَى الراهنُ، أو حتّى يَبْلُغَ كذا، أو بعد مَحِلِّ الحقِّ بشهرٍ، أو نحوِ ذلك .. كان الرهنُ فاسدًا، حتّى لا يكونَ دون بَيْعِه حائلٌ عند مَحِلِّ الحقِّ. (١٣١٨) ولو رَهَنَه نخلًا على أنّ ما أثْمَرَتْ (١)، أو ماشيةً على أنّ ما نُتِجَتْ فهو داخلٌ في الرهنِ .. كان الرهنُ مِنْ النخلِ والماشيةِ رهنًا، ولم يَدْخُلْ معه ثمرُ الحائطِ ولا نِتاجُ الماشيةِ إذا كان الرهنُ بحقٍّ واجبٍ قبل الرهنِ (٢)، وهذا كرجلٍ رهنَ مِنْ رجلٍ دارًا على أن يَرْهَنَه أخْرَى، غيرَ أنّ البيعَ إنْ وَقَعَ على هذا الرهنِ فُسِخَ الرهنُ وكان البائعُ بالخيارِ؛ لأنّه لم يَتِمّ له ما اشْتَرَط. قال المزني: قلت أنا (٣): وقد قال في موضعٍ آخَرَ: «هذا جائزٌ في قولِ مَنْ أجاز أن يَرْهَنَه عبدَيْن فيُصِيبَ أحدَهما حُرًّا فيُجِيزَ الجائزَ ويَرُدَّ المردودَ، وفيها قولٌ آخَرُ: يَفْسُدُ كما يَفْسُدُ البيعُ إذا جَمَعَت الصفقةُ جائزًا وغيرَ جائزٍ»، قال المزني: قلت أنا (٤): ما قَطَعَ به وأثْبَتَه أوْلى، وجواباتُه

стр. 849

في هذا المعنى بالذي قَطَعَ به شبيهٌ، وقد قال [ف: ١٢٥٤]: «لو تَبايَعا على أن يَرْهَنَه هذا العصيرَ، فرَهَنَه إيّاه، فإذا هو مِنْ ساعتِه خمرٌ، فله الخيارُ في البيعِ؛ لأنّه لم يَتِمّ له الرهنُ». (١٣١٩) قال الشافعي: ولو دَفَعَ إليه حُقًّا فقال: (قد رَهَنْتُكَه بما فيه)، وقَبَضَه المرتهنُ ورَضِيَ .. كان الحُقُّ رهنًا، وما فيه خارجًا مِنْ الرهنِ إنْ كان فيه شيءٌ؛ لجَهْلِ المرتهنِ بما فيه، وأمّا الخريطةُ .. فلا يجوزُ الرهنُ فيها إلّا أن يَقُول: (دون ما فيها)، ويجوز في الحُقِّ؛ لأنّ الظاهرَ مِنْ الحُقِّ أنَّ له قيمةً، والظاهرَ مِنْ الخريطةِ أن لا قِيمةَ لها، وإنّما يُرادُ ما فيها. (١٣٢٠) ولو شَرَطَ على المرتهنِ أنّه ضامنٌ للرهنِ ودَفَعَه .. فالرهنُ فاسدٌ، وغيرُ مضمونٍ.

стр. 850

(١٥٣) باب الرهن غير مضمون (١٣٢١) قال الشافعي: أخبرنا محمد بن إسمعيل بن أبي فُدَيْك، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، أنّ رسولَ الله ﷺ قال: «لا يَغْلَقُ الرهنُ، الرهنُ مِنْ صاحبِه الذي رَهَنَه (١)، له غُنْمُه، وعليه غُرْمُه»، ووَصَلَه ابنُ المسيب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ مثله أو مثل معناه، من حديث ابن أبي أُنَيْسة (٢). (١٣٢٢) قال الشافعي: وفيه دليلٌ أنّه غيرُ مضمونٍ؛ إذ قال النبي ﷺ : «الرهن من صاحبه»، فمَن كان منه شيءٌ فضَمانُه منه، لا مِنْ غيرِه، ثم أكّدَه بقوله: «له غُنْمُه، وعليه غُرْمُه»، وغُنْمُه: سلامتُه وزيادتُه، وغُرْمُه: عَطَبُه ونَقْصُه (٣)، ألا تَرَى لو ارْتَهَن خاتمًا بدرهمٍ يَسْوَى درهمًا، فهلكَ الخاتمُ ..

стр. 851

فمَن قال: ذَهَبَ درهمُ المرتهنِ بالخاتمِ، زَعَمَ أنّ غُرْمَه على المرتهنِ؛ لأنّ درهمَه ذَهَبَ، وكان الراهنُ بريئًا مِنْ غُرْمِه؛ لأنّه قد أخَذَ ثَمَنَه مِنْ المرتهنِ، ولم يَغْرَم له شيئًا، وأحال ما جاء عن رسولِ الله ﷺ ، قال: وقوله ﷺ : «لا يغلق الرهن»؛ أي (١): لا يَسْتَحِقُّه المرتهنُ، بأن يَدَعَ الراهنُ قضاءَه حَقَّه عند مَحِلِّه (٢)، قال: ومِلْكُ الرهنِ لرَبِّه، والمرتهنُ غيرُ مُتَعَدٍّ بأخْذِه، ولا مُخاطِرٍ بارتهانِه؛ لأنّه لو كان إذا هَلَكَ بَطَلَ مالُه كان مُخاطِرًا بمالِه، وإنّما جَعَلَه اللهُ وَثيقةً له، ولكان خيرًا له تَرْكُ الارتهانِ، بأن يَكُونَ مالُه مضمونًا في جميعِ مالِ غَريمِه. (١٣٢٣) وما ظَهَرَ هلاكُه وخَفِيَ سواءٌ، لا يَضْمَنُ المرتهنُ ولا الموضوعُ على يَدَيْه مِنْ الرهنِ شيئًا، إلّا فيما يَضْمَنانِ فيه مِنْ الوديعةِ بالتَّعَدِّي، فإنْ قَضاهُ ما في الرهنِ ثُمَّ سَألَه الرهنَ فحَبَسَه عنه وهو يُمْكِنُه .. فهو ضامنٌ.

стр. 852

[١٤] كتاب التفليس (١) مختصر من كتابي التفليس من كبير ومختصر وما دخل فيهما من الإملاء على مسائل مالك (٢)

стр. 853

(١٣٢٤) قال الشافعي (١): أخبرنا ابن أبي فُدَيْك، عن ابن أبي ذئب، قال: حدثني أبو المعْتَمِر بن عمرو بن نافع، عن خَلْدَةَ - أو: ابن خلدة - الزُّرَقي - الشك من المزني (٢) - عن أبي هريرة أنّه رَأى رجلًا أفْلَسَ، فقال: «هذا الذي قَضَى فيه رسولُ الله ﷺ : أيُّما رجلٍ ماتَ أو أفْلَسَ فصاحبُ المتاعِ أحَقُّ بمَتاعِه إذا وَجَدَه بعَيْنِه». (١٣٢٥) قال الشافعي: وفي ذلك بيانُ أنّه جَعَلَ له نَقْضَ البيعِ الأوّلِ إنْ شاء إذا مات أو أفْلَسَ، قال الشافعي: يُقالُ لمَنْ قَبِلَ الحديثَ في المفلسِ في الحياةِ دون الموتِ (٣): قد حَكَمَ النبيُ ﷺ بالشُّفْعَةِ على الحيِّ، فحَكَمْتُمْ بها على وَرَثَتِه، فكيف لم تَحْكُمُوا في المفلسِ في مَوْتِه على ورثتِه كما حَكَمْتُم عليه في حياتِه؟ فقد جَعَلْتُم للورثةِ أكْثَرَ ممّا للموروثِ الذي عنه مَلَكُوا، وأكثرُ حالِ الوارثِ أن لا يَكُونَ له إلّا ما للميِّتِ، قال الشافعي: فلا أجْعَلُ للغرماءِ مَنْعَهُ بدفعِ الثمنِ، ولا لورثةِ الميِّتِ، وقد جَعَلَه النبيُّ ﷺ أحَقَّ به منهم. قال المزني: قلت أنا (٤): وقال في «الحبس» [ف: ١٧٣٤]: «إذا هَلَكَ أهْلُه رَجَع إلى أقْرَبِ الناسِ بالمُحَبِّسِ» (٥)، فقد جَعَلَ لأقْرَبِ الناسِ بالمُحَبِّسِ

стр. 854

في حياتِه ما لم يَجْعَلْ للمُحَبِّسِ، وهذا عندي غيرُ جائزٍ (١). (١٣٢٦) قال الشافعي: فإنْ تَغَيَّرَت السلعةُ بنَقْصٍ في بَدَنِها (٢) بعَوَرٍ أو غيرِه، أو زادتْ .. فسَواءٌ، إنْ شاء أخَذَها بجميعِ ثَمَنِها (٣)، وإنْ شاء تَرَكَها؛ كما تَنْقُصُ الشُّفْعَةُ بهَدْمٍ مِنْ السماءِ، إنْ شاء أخَذَها بجميعِ الثمنِ، وإنْ شاء تَرَكَها (٤).

стр. 855

(١٣٢٧) قال: ولو باعَه نَخْلًا فيه ثَمَرٌ أو طَلْعٌ قد أبِّرَ اسْتَثْناه المشتري وقَبَضَهُ (١)، وأكَلَ الثمرَ أو أصابتْه جائحةٌ، ثُمّ فُلِّسَ أو مات .. فإنّه يَأخُذُ عينَ مالِه، ويَكُونُ أسْوَةَ الغرماءِ في حِصَّةِ الثّمَرِ يَوْمَ قَبْضِه، لا يومَ أكْلِه، ولا يومَ أصابَتْه الجائحةُ. (١٣٢٨) قال: ولو باعها مع ثمرٍ فيها قد اخْضَرَّ، ثُمّ فُلِّسَ، والثمرُ رطبٌ أو تمرٌ، أو باعه زَرْعًا مع أرضٍ خَرَجَ أو لم يَخْرُجْ (٢)، ثم أصابه مُدْرِكًا .. أخَذَه كُلَّه.

стр. 856

(١٣٢٩) ولو باعه حائطًا لا ثمرَ فيه، أو أرضًا لا زَرْعَ فيها، ثُمّ أفْلَسَ المشتري .. فإنْ كان الثمرُ قد أبِّرَ، والأرضُ قد زُرِعَتْ، كانَ له الخيارُ في النخلِ والأرضِ، وتُبْقَى الثمارُ إلى الجِدادِ، والزَّرْعُ إلى الحصادِ، إنْ أراد الغرماءُ تأخيرَ ذلك، وإنْ شاء ضَرَبَ مع الغرماءِ، وإنْ أراد الغرماءُ بيعَ الثمرِ قبل الجِدادِ والزرعِ بَقْلًا، فذلك لهم (١). (١٣٣٠) وكذلك لو باعه أمةً فوَلَدَتْ ثم أفْلَسَ .. كانتْ له الأمةُ إنْ شاءَ، والولدُ للغرماءِ، وإنْ كانتْ حُبْلى كانتْ له حُبْلى؛ لأنّ النبيَّ ﷺ جَعَلَ الإبارَ كالوِلادِ (٢)، وإذا لم تُؤبَّرْ كالحاملِ لم تَلِدْ (٣). (١٣٣١) قال: ولو باعه نَخْلًا لا ثَمَرَ فيها، ثُمّ أثْمَرَتْ فلم تُؤبَّرْ حتّى أفْلَسَ، فلم يَخْتَر البائعُ حتّى أُبِّرَتْ .. كانَ له النّخْلُ دون الثمرةِ؛ لأنّه لا يَمْلِكُ عينَ مالِه إلّا بالتفليسِ والاختيارِ، وكذلك كلُّ ما كان يَخْرُجُ مِنْ

стр. 857

ثَمَرِ الشجرِ في أكْمامٍ فتَنْشَقُّ، كالكُرْسُفِ وما أشْبَهه، فإذا انْشَقَّ فمثلُ النخلِ تُؤبَّرُ، وإذا لم تَنْشَقَّ فمثلُ النخلِ لم تُؤبَّرْ. (١٣٣٢) ولو قال البائعُ: اخْتَرْتُ عينَ مالي قَبل الإبَارِ، وأنْكَرَ المفلسُ .. فالقولُ قولُه مع يَمِينِه، وعلى البائعِ البَيِّنةُ، وإنْ صَدَّقَه الغرماءُ لم أجْعَلْ لهم مِنْ الثمرِ شَيْئًا؛ لأنّهم أقَرُّوا به للبائعِ، وأجْعَلُه لغريمٍ سِوَى مَنْ صَدَّقَ البائعَ، ويُحاصُّهُم فيما بَقِي، إلّا أن يَشْهَدَ مِنْ الغرماءِ عدلان فيَجُوزا (١)، وإنْ صَدَّقَه المفلسُ، وكَذَّبَه الغرماءُ .. فمَنْ أجازَ إقرارَه أجازَه، ومَن لم يُجِزْه لم يُجِزْه، وأُحْلِفَ له الغرماءُ الذين يَدْفَعُونه. (١٣٣٣) وإنْ وَجَدَ بعضَ مالِه .. كان له بِحِصَّتِه، ويَضْرِبُ مع الغرماءِ في بَقِيَّتِه. (١٣٣٤) ولو كانتْ دارًا فبُنِيَتْ، أو أرْضًا فغُرِسَتْ .. خَيَّرْتُه بين أن يُعْطِيَ العمارةَ ويَكُونَ ذلك له، أو يكونَ له الأرضُ، والعمارةُ تُباعُ للغرماءِ، إلّا أن يَشاءَ المفلسُ والغرماءُ أن يَقْلَعُوا ويَضْمَنُوا ما نَقَصَ القلعُ فيكونَ لهم. وقال في موضع آخر: إن لم يَأخذ العمارةَ وأبى الغرماءُ أن يَقْلَعُوها .. لم يَكُنْ له إلّا الثمنُ يُحاصُّ به الغرماءَ. قال المزني: قلت أنا (٢): الأوَّلُ بقولِه أشْبَهُ وأوْلَى؛ لأنّه يجعل الثوبَ إذا صُبِغَ لبائعِه يَكُونُ به شريكًا، وكذلك الأرضُ تُغْرَسُ لبائعها يكون بها شريكًا (٣).

стр. 858

(١٣٣٥) قال الشافعي: ولو كانا عبدَيْن بمائةٍ، فقَبَضَ نصفَ الثمنِ، وبَقِي أحدُ العبدَيْن، وهما سواءٌ .. كان له نصفُ الثمنِ، والنصفُ الذي قَبَضَ ثمنُ الهالكِ؛ كما لو رَهَنَهما بمائةٍ، فقَبَضَ تسعينَ وهَلَكَ أحدُهما، كان الآخَرُ رهنًا بالعشَرةِ (١). قال المزني: قلت أنا (٢): أصلُ قولِه أن ليس الرهنُ مِنْ البيعِ بسَبِيلٍ؛ لأنّ الرهنَ معنًى واحدٌ بمعنًى واحدٍ ما بَقِيَ مِنْ الحقِّ شيءٌ، ولو بَقِيَ مِنْ ثَمَنِ السلعةِ في التّفليسِ درهمٌ لم يَرْجِعْ في قولِه مِنْ السلعةِ إلّا بقدرِ الدرهمِ (٣). (١٣٣٦) قال الشافعي: ولو أكْراه أرضًا ففُلِّسَ (٤) والزرعُ بَقْلٌ في أرضِه .. كان لصاحبِ الأرضِ أن يُحاصَّ الغرماءَ بقَدْرِ ما أقامت الأرضُ في يدَيْه إلى أن أفْلَسَ، ويَقْلَعُ الزرعَ عن أرضِه، إلّا أن يَتَطَوَّعَ المفلسُ

стр. 859

والغرماءُ بأن يَدْفَعُوا إليه إجارةَ مثلِ الأرضِ إلى أن يَسْتَحْصِدَ الزرعُ؛ لأنّ الزارعَ كان غيرَ مُتَعَدٍّ، وإنْ كان لا يَسْتَغْنِي عن السَّقْيِ .. قيلَ للغرماءِ: إنْ تَطَوَّعْتُم بأن تُنْفِقُوا عليه حتّى يَسْتَحْصِدَ فتَأخُذُوا نفقتَكم مع مالِكم بأن يَرْضاه صاحبُ الزرعِ، وإن لم تَشاؤوا وشِئتُم البيعَ فبِيعوه بحالِه. (١٣٣٧) قال الشافعي: ولو باعه زيتًا فخَلَطَه بمثلِه أو أرْدَأ .. فله أن يَأخُذَ متاعَه بالكيلِ أو الوزنِ، وإنْ خَلَطَه بأجْوَدَ .. ففيها قولان: أحدُهما: لا سبيلَ له إليه؛ لأنّه لا يَصِلُ إلى مالِه إلّا زائدًا بمالِ غريمِه، وهو أصَحُّ، وبه أقولُ، ولا يُشْبِهُ الثوبَ يُصْبَغُ، ولا السَّوِيقَ يُلَتُّ؛ لأن ذا عينُ مالِه فيه زيادةٌ، والذائبُ إذا اخْتَلَطَ انْقَلَبَ (١)، حتّى لا يُوجَدَ عينُ مالِه (٢). والقول الثاني: أن يُنْظَرَ إلى قيمةِ زَيْتِه والمخلوطِ به مُتَمَيِّزَيْن، ثُمّ يَكونُ شريكًا بقدرِ قيمةِ زَيْتِه، ويَضْرِبُ (٣) مع الغرماءِ بدَيْنِه. قال المزني: قلت أنا (٤): هذا أشْبَهُ بقولِه؛ لأنّه جَعَلَ زَيْتَه إذا خُلِطَ بأرْدَأ وهو لا يَتَمَيَّزُ عينَ مالِه؛ كما جَعَلَ الثوبَ يُصْبَغُ ولا يُمْكِنُ (٥) فيه التمييزُ عينَ مالِه، فلمّا قَدَرَ على قَسْمِ الزيتِ بكيلٍ أو وزنٍ بلا ظلمٍ قَسَمَه، ولمّا لم يَقْدِرْ على قَسْمِ الثوبِ والصِّبْغِ أشْرَكَهُما فيه بالقيمةِ، فكذلك لا يَمْنَعُ

стр. 860

خلطُ زَيْتِه بأجودَ منه مِنْ أن يَكُونَ عينُ مالِه فيه، وفي قَسْمِه ظلمٌ، وهما شريكان بالقيمة (١). (١٣٣٨) قال الشافعي: فإن كان حنطةً فطَحَنَها .. ففيها قولان: أحدُهما وبه أقولُ: يأخُذُها ويُعْطِي قيمةَ الطحنِ؛ لأنّه زائدٌ على مالِه، وكذلك الثوبُ يَصْبُغُه أو يُقَصِّرُه يَأخُذُه، وللغرماءِ زيادَتُه، فإنْ قَصَّرَه بأجرةِ درهمٍ فزاد خمسةَ دراهمَ .. كان القَصّارُ شريكًا فيه بدرهمٍ، والغرماءُ بأربعةٍ، شركاءُ بها، وبِيعَ لهم، وإن كانتْ أجْرَتُه خمسةَ دراهمَ وزاد درهمًا .. كان شريكًا في الثوبِ بدرهمٍ، وضَرَبَ مع الغرماءِ بأربعةٍ، وبهذا أقولُ. والقولُ الآخَرُ: أنّ القصّارَ غريمٌ بأجْرَةِ القِصارَة؛ لأنّها أثرٌ، لا عينٌ. قال المزني: قلت أنا (٢): هذا أشْبَهُ بقولِه، وإنّما البياضُ في الثوبِ عن القِصَارَةِ كالسِّمَنِ عن الطعامِ والعلفِ، وكِبَرِ الوَدِيِّ عن السَّقْيِ، وهو لا يَجْعَلُ الزيادةَ للبائعِ في ذلك عينَ مالٍ، فكذلك زيادةُ القِصارَةِ ليستْ عينَ مالٍ، وقد قال في الأجير يَبِيعُ في حانوتٍ، أو يَرْعَى غَنَمًا، أو يَرُوضُ دَوابَّ فالأجيرُ أسْوَةُ الغرماءِ، فهذه الزياداتُ عن هذه الصِّناعاتِ التي هي آثارٌ ليستْ بأعيانِ مالٍ .. حُكْمُها عندي في القياسِ واحدٌ، إلّا أن تَخُصَّ السُّنَّةُ منها شيئًا، فيُتْرَكُ لها القياسُ (٣). (١٣٣٩) قال الشافعي: ولو تَبايعا بالخيارِ ثلاثًا ففُلِّسَا أو أحدُهما .. فلكلِّ واحدٍ منهما إجازةُ البيعِ ورَدُّه دون الغرماءِ؛ لأنّه ليس ببيعٍ مُسْتَحْدَثٍ.

стр. 861

(١٣٤٠) فإنْ أخَذَه دون صِفَتِه .. لم يَكُنْ ذلك له، إلّا أن يَرْضَى الغرماءُ. (١٣٤١) ولو سَلَّفَه فِضَّةً بعَيْنِها في طعامٍ، ثُمّ فُلِّسَ .. كان أحَقَّ بفِضَّتِه. (١٣٤٢) ولو أكْرَى دارًا، ثُمّ فُلِّسَ المُكْرِي .. فالكراءُ لصاحبِه، فإذا تَمَّ سُكْناه بِيعَتْ للغرماءِ. (١٣٤٣) ولو أكْراه سَنَةً ولم يَقْبِض الكراءَ، ثُمّ فُلِّسَ المكتري .. كان للمُكْرِي فَسْخُ الكراءِ. (١٣٤٤) ولو قَسَمَ الحاكمُ مالَه بين غرمائِه، ثُمّ قَدِمَ آخَرُون .. رَدَّه عليهم بالحِصَصِ (١). (١٣٤٥) فإذا أراد الحاكمُ بيعَ متاعِه (٢) أو رَهْنِه .. أحْضَرَه أو وَكِيلَه ليُحْصِيَ ثمنَ ذلك، فيَدْفَعَ منه حَقَّ الرهنِ مِنْ ساعتِه. (١٣٤٦) ويَنْبَغِي أن يَقولَ لغرماءِ المفلسِ: ارْتَضُوا بمَن يَكونُ على يدَيْه الثمنُ، وبمَن يُنادِي على مَتاعِه فيمَن يَزِيدُ، ولا يَقْبَلُ إلّا ثِقَةً. (١٣٤٧) وأحِبُّ أن يُرْزَقَ مَنْ وَلِيَ (٣) هذا مِنْ بيتِ المالِ، فإن لم يَكُنْ، ولم يَعْمَلْ إلّا بجُعْلٍ .. شارَطُوه، فإن لم يَتَّفِقُوا اجْتَهَدَ لهم، ولم يُعْطِ شيئًا وهو يَجِدُ ثِقَةً يَعْمَلُ بغير جُعْلٍ. (١٣٤٨) ويُباعُ في مَوْضِعِ سُوقِه وما فيه صَلاحُ ثمنِ المبيعِ. (١٣٤٩) ولا يَدْفَعُ إلى مَنْ اشْتَرَى شيئًا حتّى يَقْبِضَ الثمنَ.

стр. 862

(١٣٥٠) وما ضاعَ مِنْ الثمنِ فمِنْ مالِ المفلسِ. (١٣٥١) ويَبْدَأ في البيعِ بالحيوانِ، ويَتَأنَّى بالمساكنِ بقَدْرِ ما يَرَى أهلُ البَصَرِ بها أنّها قد بَلَغَتْ أثمانَها. (١٣٥٢) وإن وَجَدَ الإمامُ ثِقَةً يُسْلِفُه المالَ حالًّا لم يَجْعَلْه أمانةً. (١٣٥٣) ويَنْبَغِي إذا رُفِعَ إليه أن يُشْهِدَ أنّه وَقَفَ مالَه عنه (١)، وإذا فَعَلَ .. لم يَجُزْ له أن يَبِيعَ ولا يَهَبَ، وما فَعَلَ مِنْ هذا .. ففيه قولان: أحدُهما - أنّه مَوقوفٌ، فإنْ فَضَلَ جاز فيه ما فَعَلَ، والآخَرُ - أنّ ذلك باطلٌ. قال المزني: قلت أنا (٢): قد قطع في «المكاتب»: «إنْ كاتبَه بعد الوقفِ فأدَّى لم يَعْتِقْ» (٣). (١٣٥٤) قال الشافعي: وإنْ أقَرَّ بدينٍ زَعَمَ أنّه لَزِمَه قبل الوقفِ .. ففيه قولان: أحدُهما - أنّه جائزٌ كالمريضِ يَدْخُلُ مع غرمائِه، وبه أقولُ، والثاني - أنّ إقرارَه لازمٌ له في مالٍ إنْ حَدَثَ له أو يَفْضُلُ عن غرمائِه (٤). (١٣٥٥) وقد ذَهَبَ بعضُ المفْتِينَ إلى أنّ ديونَ المفلسِ إلى أجلٍ تَحلُّ حُلُولَها على الميِّتِ، وقد يَحْتَمِلُ أن يُؤخَّرَ المؤخَّرُ عنه؛ لأنّ له ذِمَّةً، قال: وقد يَمْلِكُ، والميِّتُ بَطَلَتْ ذِمَّتُه (٥)، ولا يَمْلِكُ بعد الموتِ. قال المزني: قلت أنا (٦): هذا أصَحُّ، وبه قال في «الإملاء» (٧).

стр. 863

(١٣٥٦) قال الشافعي: ولو جُنِيَ عليه عَمْدًا .. لم يَكُنْ عليه أخْذُ المالِ إلّا أن يَشاءَ (١). (١٣٥٧) قال: وليس على المفْلِسِ أن يُؤاجِرَ، وذُو العُسْرَةِ مُنْظَرٌ إلى مَيْسَرَةٍ (٢). (١٣٥٨) ويُتْرَكُ له مِنْ مالِه قَدْرُ ما لا غِنَى به عنه وأقَلُّ ما يَكْفِيه وأهْلَه يَوْمَه مِنْ الطعامِ والشرابِ، وإنْ كان لبيعِ مالِه حبسٌ أنفق منه عليه وعلى أهْلِه كُلَّ يومٍ أقَلَّ ما يَكْفِيهم مِنْ نَفَقَةٍ وكِسْوَةٍ، كان (٣) ذلك في شِتاءٍ أو صَيْفٍ، حتّى يَفْرُغَ مِنْ قَسْمِ مالِه بين غرمائِه (٤). (١٣٥٩) وإنْ كانتْ ثِيابُه كُلُّها غَوالِيَ مُجاوِزَةَ القَدْرِ .. اشْتُرْيَ له مِنْ ثَمَنِها أقَلُّ ما يَلْبَسُ، أقْصَدُ: مَنْ هو في مِثْلِ حالِه، ومَن تَلْزَمُه مُؤنَتُه. (١٣٦٠) وإنْ مات كُفِّنَ مِنْ رأسِ مالِه قبل الغرماءِ، وحُفِرَ قَبْرُه، ومِينَ بأقَلِّ ما يَكْفِيه (٥)، وكذلك مَنْ يَلْزَمُه أن يُكَفِّنَه، ثُمّ قُسِمَ الباقي بين غرمائِه.

стр. 864

(١٣٦١) ويُباعُ عليه مَسْكَنُه وخادِمُه؛ لأنّ مِنْ ذلك بُدًّا. (١٣٦٢) وإنْ أقام شاهدًا على رجلٍ بحَقٍّ ولم يَحْلِفْ مع شاهدِه .. فليس للغرماءِ أن يَحْلِفُوا، ليس لهم إلّا ما تَمَّ مِلْكُه عليه دونهم.

стр. 865

(١٥٤) باب العهدة في مال المفلس (١٣٦٣) قال الشافعي: مَنْ بِيعَ عليه في دينٍ بعد مَوْتِه أو في حياتِه أو تَفْلِيسِه فكُلُّه سواءٌ، والعُهْدَةُ في مالِ الميِّتِ كهي في مالِ الحيِّ، لا اخْتِلافَ في ذلك عندي (١). (١٣٦٤) ولو بِيعَتْ دارُه بألفٍ، وقَبَضَ أمينُ القاضِي الثمنَ، فهَلَكَ مِنْ يَدِه، واسْتُحِقَّت الدارُ .. فلا عُهْدَةَ على الغريمِ الذي بِيعَتْ له، وأحَقُّ الناسِ بالعُهْدَةِ: المبيعُ عليه، فإنْ وُجِدَ له مالٌ بِيعَ، ثُمّ رُدَّ على المشْتَرِي مالُه؛ لأنّه مأخوذٌ منه ببَيْعٍ لم يَسْلَمْ له، فإن لم يُوجَدْ له شيءٌ فلا ضَمانَ على القاضي ولا أمينِه، ويُقالُ للمشتري: أنت غريمٌ للمفلسِ أو للمَيِّتِ كغرمائِه سواءً (٢).

стр. 866

(١٥٥) باب حبس المفلس (١٣٦٥) قال الشافعي: وإذا ثَبَتَ عليه الدينُ .. بِيعَ ما ظَهَرَ له ودُفِعَ، ولم يُحْبَسْ، وإن لم يَظْهَرْ .. حُبِسَ، وبِيعَ ما قُدِرَ عليه مِنْ مالِه. (١٣٦٦) فإنْ ذَكَرَ عُسْرَةً .. قَبِلْتُ منه البَيِّنةَ؛ لقول الله جل وعز: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ [البقرة: ٢٨٠]، وأحْلَفْتُه مع ذلك بالله، وأخَلِّيه، ومَنَعْتُ غرماءَه مِنْ لُزُومِه، حتّى تَقُومَ بَيِّنَةٌ أنْ قد أفاد مالًا (١). (١٣٦٧) فإنْ شَهِدُوا أنّهم رَأوْا في يَدَيه مالًا .. سَألْتُه، فإنْ قال: مُضارَبَةً .. قَبِلْتُ منه مع يَمِينِه. (١٣٦٨) ولا غايةَ لحَبْسِه أكْثَرُ مِنْ الكَشْفِ عنه، فمتى اسْتَقَرَّ عند الحاكمِ ما وَصَفْتُ لم يَكُنْ له حَبْسُه، ولا يُغْفِلُ المسألةَ عنه. (١٣٦٩) وإذا أفاد مالًا .. فجائزٌ ما صَنَعَ فيه حتّى يُحْدِثَ له السلطانُ وَقْفًا آخَرَ؛ لأنّ الوَقْفَ الأوّلَ لم يَكُنْ لأنّه غيرُ رَشِيدٍ. (١٣٧٠) وإذا أراد الذي عليه الدينُ إلى أجلٍ السفرَ، وأراد غريمُه مَنْعَه لبُعْدِ سَفَرِه وقُرْبِ أجَلِه أو يَأخُذَ منه كفيلًا .. مُنِعَ منه، وقيل: حَقُّكَ حيث وَضَعْتَه ورَضِيتَه (٢).

стр. 867

[١٥] كتاب الحَجْر (١)

стр. 868

(١٣٧١) قال الشافعي: قال الله ﵎: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم﴾ [النساء: ٦] (١)، قال الشافعي: والبُلوغُ خمسَ عَشْرَةَ سنةً، إلّا أن يَحْتَلِمَ الغلامُ أو تَحِيضَ الجاريةُ قبل ذلك. (١٣٧٢) وقال الله ﵎: ﴿فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل﴾ [البقرة: ٢٨٢] (٢)، فأثْبَتَ الولايةَ على السَّفِيهِ والضعيفِ والذي لا يَسْتَطِيعُ أن يُمِلَّ هو (٣)، وأمَرَ وَلِيَّه بالإملاءِ عنه؛ لأنّه أقامه فيما لا غِنَى به عنه في مالِه مُقامَه، وقيل: الذي لا يَسْتَطِيعُ أن يُمِلَّ يَحْتَمِلُ أن يَكونَ المغلوبَ على عَقْلِه، وهو أشْبَهُ معانيه به، والله أعلم. (١٣٧٣) وإذْ أمَرَ اللهُ بدَفْعِ أموالِ اليَتامَى إليهم بأمرين .. لم تُدْفَعْ إليهم إلّا بهما، وهما البلوغُ والرُّشْدُ. (١٣٧٤) قال الشافعي: و «الرشد» والله أعلم: الصلاحُ في الدينِ، حتّى تَكونَ الشهادةُ جائزةً، مع إصلاحِ المال. (١٣٧٥) وإنّما يُعْرَفُ صَلاحُ الحالِ (٤) بأن يُخْتَبَرَ اليتيمان، والاختبارُ

стр. 869

يَخْتَلِفُ بقَدْرِ حالِ المخْتَبَرِ (١)، فمنهم مَنْ يُبْتَذَلُ فيُخالِطُ الناسَ بالشراءِ والبيعِ قبلَ البلوغِ وبعدَه، فيَقْرُبُ اخْتِبارُه، ومنهم مَنْ يُصانُ عن الأسواقِ، فاخْتِبارُه أبْعَدُ، فيُخْتَبَرُ في نَفَقَتِه، فإنْ أحْسَنَ إنفاقَها على نَفْسِه وشراءَ ما يَحْتاجُ إليه، أو يُدْفَعُ إليه اليسيرُ، فإذا أحْسَنَ تَدْبِيرَه وتَوْفِيرَه، ولم يُخْدَعْ عنه .. دُفِعَ إليه مالُه. (١٣٧٦) واخْتِبارُ المرأةِ مع عِلْمِ صَلاحِها لقِلَّةِ مُخالَطَتِها في البيعِ والشراءِ أبْعَدُ، فتَخْتَبِرُها النساءُ وذَوُو المحارِمِ بمثل ما وَصَفْتُ، فإذا أونِسَ منها الرُّشْدُ دُفِعَ إليها مالُها، تَزَوَّجَتْ أم لم تَتَزَوَّجْ؛ كما يُدْفَعُ إلى الغلامِ مالُه (٢) نَكَحَ أو لم يَنْكِحْ؛ لأنّ اللهَ ﵎ سَوَّى بينهما في دَفْعِ أموالهما إليهما بالبلوغِ والرُّشْدِ، ولم يَذْكُرْ تَزْوِيجًا. (١٣٧٧) واحْتَجَّ الشافعيُّ في الحَجْرِ بعثمانَ وعليٍّ والزبيرِ. (١٣٧٨) قال الشافعي: وإذا كانَ واجبًا أن يُحْجَرَ على مَنْ قاربَ البلوغَ وقد عَقَلَ نَظَرًا له وإبقاءً لمالِه، فكان بعد البلوغِ أشَدَّ تَضْيِيعًا لمالِه وأكثرَ إتْلافًا له .. فلِمَ لا يَجِبُ الحَجْرُ عليه، والمعنى الذي أُمِرْنَا بالحَجْرِ عليه به فيه؟ (١٣٧٩) وإذا حَجَرَ الإمامُ عليه لسَفَهِه وإفسادِه مالَه .. أشْهَدَ على ذلك، فمَنْ بايعَه بعد الحَجْرِ فهو المتْلِفُ لمالِه. (١٣٨٠) ومتى (٣) أطْلَقَ عنه الحَجْرَ، ثُمّ عاد إلى حالِ الحَجْرِ .. حَجَرَ عليه، ومتى رَجَعَ بعد الحَجْرِ إلى حالِ الإطلاقِ .. أطْلَقَ عنه.

стр. 870

(١٣٨١) فإن قيل: فلِمَ أجَزْتَ طلاقَه وهو إتلافٌ؟ .. قيل: ليس بإتلافٍ (١)، ألا تَرَى أنّه يَمُوتُ فلا تُورَثُ عنه امرأتُه، ولا يَحِلُّ فيها هِبَتُه ولا بَيْعُه، ويُورَثُ عنه عبدُه، ويُباعُ عليه فيُمْلَكُ ثمنُه، والعبدُ مالٌ بكلِّ حالٍ، والمرأةُ ليستْ بمالٍ؟ أوَلا تَرَى أنّ العبدَ يُؤذَنُ له في التجارةِ والنكاحِ، فيَكُونَ له الطلاقُ والإمساكُ دون سَيِّدِه، ولمالكِه أخذُ مالِه كُلِّه دونه؟

стр. 871

[١٦] كتاب الصلح إملاء على كتاب أبي يوسف وما دخل فيه من كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى والشافعي (١)

стр. 872

(١٣٨٢) قال الشافعي: ورُوِي عن عمر بن الخطاب أنّه قال: «الصُّلْحُ جائزٌ بين المسلمين، إلا صُلْحًا أحَلَّ حرامًا، أو حَرَّم حلالًا». (١٣٨٣) قال الشافعي: فما جاز في البيعِ جاز في الصلحِ، وما بَطَلَ فيه بَطَلَ في الصلحِ، فإنْ صالَحَ رجلٌ أخاه مِنْ مُوَرِّثِه .. فإنْ عَرَّفا ما صالحه عليه بشيءٍ يَجُوزُ في البيعِ جاز. (١٣٨٤) ولو ادّعَى على رجلٍ حَقًّا، فصالحه مِنْ دَعْواه وهو مُنْكِرٌ .. فالصلحُ باطلٌ، ويَرْجِعُ المدّعِي على دَعْواه، ويَأخُذُ مِنه صاحبُه ما أعطاه. (١٣٨٥) ولو صالح عنه رجلٌ يُقِرُّ عنه بشيءٍ .. جاز الصلحُ، وليس للذي أعْطَى عنه أن يَرْجِعَ عليه؛ لأنّه تَطَوَّعَ به. (١٣٨٦) ولو أشْرَعَ جَناحًا على طريقٍ نافذةٍ، فصالحه رجلٌ (١) على ذلك .. لم يَجُزْ، ونُظِرَ، فإنْ كان لا يَضُرُّ تُرِكَ، وإنْ ضَرَّ قُطِعَ. (١٣٨٧) ولو أنّ رجلين ادّعَيا دارًا في يَدَيْ رجلٍ، فقالا: وَرِثْناها عن أبينا، فأقَرَّ لأحدِهما بنِصْفِها، فصالحه مِنْ ذلك الذي أقَرَّ له به على شيءٍ، كان لأخيه أن يَدْخُلَ معه فيه. قال المزني: قلت أنا (٢): يَنْبَغِي في قياسِ قولِه أن يَبْطُلَ الصلحُ في حَقِّ أخيه (٣)؛ لأنّه صار لأخيه بإقرارِه قبل أن يُصالِحَ عليه، إلّا أن يكونَ صالَحَ بأمرِه، فيَجُوزُ عليه. (١٣٨٨) قال الشافعي: ولو كانت المسألةُ بحالها، وادّعَى كلُّ واحدٍ

стр. 873

منهما نِصْفَها، فأقَرَّ لأحدِهما بالنصفِ، وجَحَدَ الآخَرَ .. لم يَكُنْ للآخَرِ في ذلك حَقٌّ، وكان على خُصُومَتِه، ولو كان أقَرَّ لأحدِهما بجميعِ الدارِ .. فإنْ كان لم يُقِرَّ للآخَرِ بأنّ له النِّصْفَ فله الكُلُّ، وإنْ كان أقَرَّ أنّ له النِّصْفَ ولأخيه النِّصْفَ كان لأخيه أن يَرْجِعَ بالنصفِ عليه. (١٣٨٩) وإنْ صالحه على دارٍ أقَرَّ بها له بعبدٍ قَبَضَه، فاسْتَحَقَّ العبدَ، رَجَعَ إلى الدارِ فأخَذَها منه. (١٣٩٠) ولو صالحه على أن يَسْكُنَها الذي هي في يَدَيْه وَقْتًا .. فهي عاريّةٌ، إنْ شاء أخْرَجَه منها. (١٣٩١) ولو صالحه منها على خِدْمةِ عبدٍ بعينِه سَنةً، فباعَه الموْلَى .. كان للمُشْتَرِي الخيارُ في أن يُجِيزَ البيعَ، وتَكُونَ الخدمةُ على العبدِ للمُصالَحِ، أو يَرُدَّ البيعَ، ولو مات العبدُ .. جاز مِنْ الصلحِ بقَدْرِ ما اسْتَخْدَم، وبَطَلَ منه بقَدْرِ ما بَقِي. (١٣٩٢) وإذا تَداعَى رجلان جِدارًا بين دارَيْهِما .. فإنْ كان مُتَّصِلًا ببِناءِ أحدِهما اتِّصالَ البُنْيانِ الذي لا يَحْدُثُ مِثْلُه إلّا مِنْ أوّلِ البُنْيانِ، جَعَلْتُه له، دون المنْقَطِعِ منه، وإنْ كان يَحْدُثُ مِثْلُه بعد كَمالِ بُنْيانِه - مثلَ: نَزْعِ طُوبَةٍ وإدخالِ أخْرَى - أحْلَفْتُهما وجَعَلْتُه بينهما، وإنْ كان غيرَ مَوْصولٍ بواحدٍ مِنْ بِنائِهما، أو مُتَّصِلًا ببِنائِهما جميعًا .. جَعَلْتُه بينهما بعد أن أُحْلِفَ كُلَّ واحدٍ منهما، ولا أنْظُرُ إلى مَنْ إليه الدَّواخِلُ، ولا الخَوارِجُ، ولا أنْصافُ اللَّبِنِ، ولا مَعاقِدُ القُمُطِ (١)؛ لأنّه ليس في شيءٍ مِنْ هذا دَلالَةٌ.

стр. 874

(١٣٩٣) ولو كان لأحدِهما عليه جُذُوعٌ، ولا شيءَ للآخَرِ عليه .. أحْلَفْتُهما، وأقْرَرْتُ الجُذُوعَ بحالها، وجَعَلْتُ الجِدارَ بينهما نِصْفَيْن؛ لأنّ الرجلَ قد يَرْتَفِقُ بجدارِ الرجلِ بالجُذُوعِ بأمرِه وغيرِ أمرِه. (١٣٩٤) ولم أجْعَلْ لواحدٍ منهما أن يَفْتَحَ فيه كُوَّةً، ولا يَبْنِيَ عليه بِناءً، إلّا بإذنِ صاحبِه، وقَسَمْتُه بينهما إنْ شاءا، إنْ كان عَرْضُه ذراعًا .. أعطَيْتُه شِبْرًا في طولِ الجدارِ، ثُمّ قُلْتُ له: إنْ شئتَ أنْ تَزِيدَ مِنْ عَرْصَةِ دارِك أو بيتِك شِبْرًا آخَرَ ليكونَ لكَ جِدارًا خالصًا فذلك لك. (١٣٩٥) ولو هَدَماه ثُمّ اصْطَلَحا على أن يَكونَ لأحدِهما ثُلُثُه، وللآخَرِ ثُلُثاه، على أن يَحْمِلَ كلُّ واحدٍ منهما ما شاء عليه إذا بَناه .. فالصلحُ فاسدٌ، وإنْ شاءا أو أحدُهما .. قَسَمْتُ أرْضَه بينهما نِصْفَيْن. (١٣٩٦) وإذا كان البيتُ السُّفْلُ في يَدَي رجلٍ، والعُلْوُ في يَدَي آخَرَ، فتَداعَيا سَقْفَه (١) .. فهو بينهما نِصْفَيْن؛ لأنّه سَقْفٌ للسُّفْلِ نافعٌ له، وسَطْحٌ للعُلْوِ أرْضٌ له. (١٣٩٧) فإنْ سَقَطَ .. لم يُجْبَرْ صاحبُ السُّفْلِ على البناءِ (٢)، فإنْ

стр. 875

تَطَوَّعَ صاحبُ العُلْوِ بأن يَبْنِيَ السُّفْلَ كما كان ثُمّ يَبْنِي عُلْوَهُ كما كان .. فذلك له، وليس له مَنْعُ صاحبِ السُّفْلِ مِنْ سَكَنِه، ونَُقْضِ الجدرانِ له (١)، ومَتَى شاء أن يَهْدِمَها هَدَمَها، وكذلك الشُّرَكاءُ في نَهْرٍ أو بِئرٍ، لا يُجْبَرُ أحدُهم على الإصلاحِ لضَرَرٍ ولا غيرِه، ولا يُمْنَعُ المنْفَعَةَ، فإنْ أصْلَحَ غيرُه فله عينُ مالِه، مَتَى شاءَ نَزَعَه. وقال في «كتاب الدعوى على كتاب أبي حنيفة»: «فإذا أفادَ صاحبُ السُّفْلِ مالًا أخَذَ منه قِيمةَ ما أنْفَقَ في السُّفْلِ»، قال المزني: قلت أنا (٢): الأوّلُ أوْلَى بقولِه؛ لأنّ البانيَ مُتَطَوِّعٌ، فليس له أخْذُه مِنْ غَيْرِه، إلّا أن يُراضِيَه عليه (٣). (١٣٩٨) قال الشافعي: وإذا كانتْ لرجلٍ نَخْلَةٌ أو شَجَرَةٌ، فاسْتَعْلَتْ وانْتَشَرَتْ أغصانُها على دارِ رجلٍ .. فعليه قَطْعُ ما شَرَعَ في دارِ غيرِه، فإنْ صالحه على تَرْكِه فليس بجائزٍ (٤).

стр. 876

(١٣٩٩) قال: ولو صالحه على دراهم بدنانير، أو على دنانير بدراهم .. لم يَجُزْ إلّا بالقبضِ، فإنْ قَبَضَ بعضًا وبَقِيَ بعضٌ .. جاز فيما قَبَضَ، وانْتَقَضَ فيما لم يَقْبِضْ، إذا رَضِي بذلك المُصالِحُ القابضُ (١). (١٤٠٠) وإذا أقَرَّ أحدُ الوَرَثَةِ في دارٍ في أيْدِيهِم بحقٍّ لرجلٍ، ثُمّ صالحه منه على شيءٍ بعَيْنِه .. فالصلحُ جائزٌ، والوارثُ المُقِرُّ مُتَطَوِّعٌ، لا يَرْجِعُ على إخْوَتِه بشيءٍ. (١٤٠١) قال: ولو ادّعَى رجلٌ على رجلٍ بَيْتًا في يدَيْه، فاصْطَلَحا بعد الإقرارِ على أن يكون لأحدِهما سَطْحُه والبناءُ على جُدْرانِه بِناءً مَعْلومًا .. فجائزٌ. قال المزني: قلت أنا (٢): «لا يجوز» أقْيَسُ على قولِه في إبطالِه (٣) أن يُعْطِيَ رجلًا مالًا على أن يُشْرِعَ في بِنائِه حُقًّا، فكذلك لا يَجُوزُ الصلحُ على أن يَبْنِي على جُدْرانِه بناءً (٤). (١٤٠٢) قال الشافعي: ولو اشْتَرَى عُلْوَ بَيْتٍ على أن يَبْنِيَ على جُدْرانِه، ويَسْكُنَ على سَطْحِه .. أجَزْتُ ذلك إذا سَمَّيَا مُنْتَهَى البُنْيانِ؛ لأنّه ليس كالأرضِ في احْتِمالِ ما يُبْنَى عليها. قال المزني: هذا عندي (٥) غيرُ مَنْعِه في «كتاب أدبِ القاضي» أن

стр. 877

يَقْتَسِما دارًا على أن يَكُونَ لأحدِهما السُّفْلُ، وللآخَرِ العُلْوُ حتّى يَكُونَ السُّفْلُ وعُلْوُه لواحدٍ (١). (١٤٠٣) قال الشافعي: ولو كانتْ مَنازِلُ سُفْلٍ في يَدَيْ رجلٍ، والعلوُ في يَدَيْ آخَرَ، فتَداعَيا العَرْصَةَ .. فهي بينهما، ولو كانتْ فيها دَرَجٌ إلى عُلْوِها .. فهي لصاحبِ العُلْوِ، كانتْ مَعْقُودَةً أو غيرَ مَعْقُودَةٍ؛ لأنّها تُتَّخَذُ مَمَرًّا، وإن انْتُفِعَ بما تَحْتَها. (١٤٠٤) ولو ادّعَى على رجلٍ زَرْعًا في أرضٍ، فصالحه مِنْ ذلك على دراهم .. فجائزٌ؛ لأنّ له أن يَبِيعَ زَرْعَه أخْضَرَ مِمَّنْ يَقْصِلُه (٢). (١٤٠٥) ولو كان الزرعُ بين رجلين (٣)، فصالحه أحدُهما على نصفِ الزرعِ .. لم يَجُزْ مِنْ قِبَلِ أنّه لا يَجُوزُ أن يَقْسِمَ الزرعَ أخْضَرَ، ولا يُجْبَرُ شَرِيكُه على أن يَقْلَعَ منه شيئًا.

стр. 878

[١٧] كتاب الحوالة (١) مما سمعت من الشافعي وما تحريت من مذهبه فيها

стр. 879

(١٤٠٦) قال الشافعي: أخبرنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ، وإذا أُتْبِعَ أحدُكم على مَلِيءٍ فلْيَتْبَعْ» (١). (١٤٠٧) قال الشافعي: وفي هذا دَلالَةُ أنّ الحقَّ يُحوَّلُ على الْمُحالِ عليه، وبَرِئ منه المحيلُ، فلا يَرْجِعُ عليه أبدًا، كان المحالُ عليه غَنِيًّا أو فَقِيرًا، أفْلَسَ أو مات مُعْدِمًا، غُرَّ منه أو لم يُغَرَّ (٢). (١٤٠٨) قال: ولو كان كما قال محمدُ بن الحسن: إذا أفْلَسَ أو ماتَ مُفْلِسًا رَجَعَ على المحيلِ .. لَمَا ضَرَّ المحتالَ على مَنْ أحِيلَ؛ لأنّ حَقَّه ثابتٌ على المحيلِ، ولا يَخْلُو مِنْ أن يَكُونَ حَقُّه قد تَحَوَّلَ عنِّي فصار على

стр. 880

غَيْرِي، فلِمَ يَأخُذُنِي بما قد بَرِئتُ منه (١) لأنْ أفْلَسَ غَيْرِي؟ أو لا يَكُونُ حَقُّه تَحَوَّلَ عنِّي فلِمَ أبْرأني منه قَبْلَ أن يُفْلِسَ المحالُ عليه؟ (٢). (١٤٠٩) واحْتَجّ محمدُ بنُ الحسن بأنّ عثمانَ قال في الحوالة أو الكفالة: «يَرْجِعُ صاحبُها، لا تَوًى على مالِ مسلمٍ» (٣)، وهو عندي يَبْطُلُ مِنْ وجهين، ولو صَحَّ ما كان له فيه شيءٌ؛ لأنّه لا يَدْرِي قال ذلك في الحوالةِ أو الكفالةِ.

стр. 881

(١٥٦) باب (١) قال المزني: هذه مسائل تحريت فيها معانيَ جوابات الشافعي في الحوالة (٢) قال المزني: قلت أنا (٣): (١٤١٠) من ذلك: لو اشْتَرَى عبدًا بألفِ درهمٍ (٤)، ثُمّ أحالَ البائعَ بالألْفِ على رجلٍ له عليه دَيْنُ ألفِ درهمٍ، فاحْتالَ، ثُمّ إنَ المشتريَ وَجَدَ بالعبدِ عَيْبًا فرَدَّه .. بَطَلَت الحوالةُ، وإنْ رَدَّ العبدَ (٥) بعد أنْ قَبَضَ البائعُ ما احْتالَ به .. رَجَعَ المشتري على البائعِ، وكان المحالُ عليه منه بريئًا. قال المزني: يَنْبَغِي أن يُنْظَرَ في هذا، ولا يَنْبَغِي أن تَبْطُلَ الحوالةُ (٦).

стр. 882

(١٤١١) ولو كان البائعُ أحالَ على المشتري بهذه الألفِ رجلًا له عليه ألفُ درهمٍ، ثُمّ تَصادَقَ البائعُ والمشتري أنّ العبدَ الذي تَبايَعاه حُرُّ الأصلِ .. فإنّ الحوالةَ لا تَنْتَقِضُ؛ لأنّهما يُبْطِلان بقولِهما حَقًّا لغيرِهما، فإنْ صَدَّقَهما المحتالُ أو قامتْ بذلك بَيِّنَةٌ .. انْتَقَضَت الحوالةُ. (١٤١٢) ولو أحالَ رجلًا (١) على رجلٍ بألفِ درهمٍ وضَمِنَها له، ثُمّ اخْتَلَفا، فقال المحيلُ: أنت وَكِيلي فيها، وقال المحتالُ: بل أحَلْتَنِي بمالي
следующие страницы →