← Фикх шафии

Фикх шафии · id 914

مختصر المزني - ت الداغستاني

المزني

Полный текст (1 788 стр.). Показаны 828–867 · переход к 833.

стр. 828

كان مُعْسِرًا بِيعَ في الرهنِ، ومتى رَجَعَ إليه عَتَقَ؛ لأنّه مُقِرٌّ أنّه حُرٌّ» (١). (١٢٥١) قال الشافعي: ولو جَنَى بعد الرهنِ، ثُمّ بَرِئَ مِنْ الجنايةِ بعَفْوٍ أو صُلْحٍ أو غيرِه .. فهو على حالِه رهنٌ؛ لأنّ أصْلَ الرهنِ كان صحيحًا. (١٢٥٢) ولو دَبَّرَه ثُمّ رَهَنَه .. كان الرهنُ مفسوخًا؛ لأنّه أثْبَتَ له عِتْقًا قد يَقَعُ قبلَ حُلُولِ الرهنِ، فلا يَسْقُطُ العِتْقُ، والرهنُ غيرُ جائزٍ، وليس له أن يَرْجِعَ في التَّدْبِيرِ إلّا بأن يُخْرِجَه مِنْ مِلْكِه، ولو قال له: (إنْ دَخَلْتَ الدارَ فأنت حُرٌّ)، ثُمّ رَهَنَه .. كان هكذا. قال المزني: قلت أنا (٢): قد قال الشافعي: «إنّ التدبيرَ وصيةٌ» (٣)، فلو أوْصَى به ثُمّ رَهَنَه أمَا كان جائزًا؟ فكذلك التدبيرُ في أصلِ قولِه، وقد قال في كتابه الجديدِ (٤) آخِرِ ما سَمِعْناه منه: «لو قال في المدَبَّرِ: (إنْ أدَّى بعد مَوْتِي كذا فهو حُرٌّ)، أو وَهَبَه هِبَةَ بَتاتٍ قُبِضَ أو لم يُقْبَضْ ورَجَعَ (٥) .. فهذا رُجوعٌ في التّدبِيرِ» (٦)، هذا نَصُّ قولِه، قال المزني: فقد (٧) أبْطَلَ تَدْبِيرَه بغير

стр. 829

إخراجٍ له مِنْ مِلْكِه كما إذا أوْصَى برَقَبَتِه (١)، وإذا رَهَنَه فقد أوْجَبَ للمرتهنِ حَقًّا فيه هو أوْلَى برَقَبَتِه منه، وليس لسَيِّدِه بَيْعُه للحَقِّ الذي عَقَدَه به، فكيف يَبْطُلُ التدبيرُ بقوله: (إنْ أدَّى كذا فهو حُرٌّ)؟ أو وَهَبَه ولو لم يَقْبِضْه (٢) الموهوبُ له حتّى رَجَعَ في هِبَتِه ومِلْكُه فيه بحالِه ولا حَقَّ فيه لغيرِه، ولا يَبْطُلُ تَدْبِيرُه بأن يُخْرِجَه مِنْ يَدِه إلى مَنْ هو أحَقُّ برَقَبَتِه منه وبَيْعِه وقَبْضِ ثَمَنِه في دَيْنِه ومَنْعِ سَيِّدِه مِنْ بَيْعِه؟ فهذا أقْيَسُ لقولِه، وقد شَرَحْتُ ذلك في «كتاب المدبَّر» (٣)، فتَفَهَّمْه (٤). (١٢٥٣) قال الشافعي: ولو رَهَنَه عَصِيرًا حُلْوًا .. كان جائزًا، فإنْ حال إلى أن يَصِيرَ خَلًّا أو مُزًّا (٥) أو شَيْئًا لا يُسْكِرُ كَثيرُه .. فالرهنُ بحالِه، فإنْ حال العصيرُ إلى أن يُسْكِرَ .. فالرهنُ مفسوخٌ؛ لأنّه صار حرامًا لا يَحِلُّ

стр. 830

بَيْعُه، كهو لو رَهَنَه عَبْدًا فماتَ العبدُ، فإنْ صار العصيرُ خمرًا ثُمّ صار خَلًّا مِنْ غيرِ صَنْعَةِ آدَمِيٍّ فهو رهنٌ. (١٢٥٤) ولو قال: رَهَنتُكَه (١) عَصيرًا فصار (٢) في يَدَيْك خمرًا، وقال المرتهنُ: رَهَنْتَنِيه خمرًا .. ففيها قولان: أحدُهما: أنّ القولَ قولُ الراهنِ؛ لأنّه يَحْدُثُ كما يَحْدُثُ العيبُ في البيعِ، ومَن قالَ هذا .. أراقَ الخمرَ ولا رهنَ له، والبيعُ لازمٌ. والثاني: أنّ القولَ قولُ المرتهنِ؛ لأنّه لم يُقِرَّ أنّه قَبَضَ منه شيئًا يَحِلُّ ارْتِهانُه بحالٍ، وليس كالعيبِ في العبدِ الذي يَحِلُّ مِلْكُه والعيبُ به، والمرتهنُ بالخيارِ في فسخِ البيعِ. قال المزني: قلت أنا (٣): هذا عندي (٤) أقْيَسُ؛ لأنّ الراهنَ مُدَّعٍ (٥). (١٢٥٥) قال الشافعي: ولا بأسَ أن يَرْهَنَ الجاريةَ ولها ولدٌ صغيرٌ؛ لأنّ هذا ليس بتَفْرِقَةٍ. (١٢٥٦) ولو ارْتَهَن نَخْلًا مُثْمِرًا .. فالثمرُ خارجٌ مِنْ الرهنِ، طَلْعًا كان أو بُسْرًا، إلّا أن يَشْتَرِطَه مع النخلِ؛ لأنّه عينٌ يُرَى. (١٢٥٧) وما هَلَك في يَدَي المرتهنِ مِنْ رهنٍ صحيحٍ وفاسدٍ .. فلا ضمانَ عليه. (١٢٥٨) وإذا رَهَنَه ما يَفْسُدُ مِنْ يومِه أو غَدِه أو مُدَّةٍ قصيرةٍ لا يُنْتَفَعُ به

стр. 831

يابسًا، مثل: البَقْلِ والبِطِّيخِ .. فإنْ كان الحقُّ حالًّا .. فجائزٌ ويُباعُ، وإنْ كان إلى أجلٍ يَفْسُدُ إليه .. كَرِهْتُه، قال الشافعي: ومَنَعَنِي مِنْ فَسْخِه أنّ للراهنِ بَيْعَه قبل مَحِلِّ الحقِّ على أن يُعْطَى صاحبُ الحقِّ حَقَّه بلا شرطٍ، فإنْ شَرَطَ أن لا يُباعَ إلى أن يَحِلَّ الحقُّ .. فالرهنُ مفسوخٌ (١). (١٢٥٩) ولو رَهَنَه أرضًا بلا نخلٍ فأخْرَجَتْ نخلًا .. فالنخلُ خارجٌ مِنْ الرهنِ، وليس عليه قَلْعُها؛ لأنّه لا ضررَ على الأرض منها حتّى يَحِلَّ الحقُّ، فإنْ بَلَغَتْ حقَّ المرتهنِ .. لم تُقْلَعْ، وإن لم تَبْلُغْ .. قُلِعَتْ (٢)، وإنْ فُلِّسَ (٣) بدُيُونِ الناسِ .. بِيعَت الأرضُ بالنخلِ، ثُمّ قُسِمَ الثمنُ على أرضٍ بيضاءَ بلا نخلٍ، وعلى ما بَلَغَتْ بالنخلِ، فأعْطِيَ المرتهنُ ثمنَ الأرضِ، والغرماءُ ثمنَ النخلِ. (١٢٦٠) قال: ولو رَهَنَه أرضًا ونخلًا، ثُمّ اخْتَلَفا، فقال الراهنُ: أحْدَثْتُ فيها نَخْلًا، وأنْكَرَ المرتهنُ، ولم تَكُنْ دَلالةٌ (٤)، وأمْكَنَ ما قال الراهنُ .. فالقولُ قولُه مع يَمِينِه، ثُمّ (٥) كالمسألة قَبْلَها. (١٢٦١) ولو شَرَطَ للمرتهنِ إذا حَلَّ الحقُّ أن يَبِيعَه .. لم يَجُزْ أن يَبِيعَ لنفسِه، إلّا بأن يَحْضُرَه ربُّ الرهنِ، فإن امْتَنَع أمَرَ الحاكمُ ببَيْعِه.

стр. 832

(١٢٦٢) قال: ولو كان الشرطُ للعدلِ .. جاز بَيْعُه ما لم يَفْسَخا أو أحدُهما وَكالَتَه، ولو باع بما يَتَغابَنُ الناسُ بمثلِه فلم يُفارِقْه حتّى جاء مَنْ يَزِيدُه .. قَبِلَ الزيادةَ، فإن لم يَفْعَلْ .. فبَيْعُه مردودٌ. (١٢٦٣) وإذا بِيعَ الرهنُ .. فثَمَنُه مِنْ الراهنِ (١) حتّى يُقْبِضَه المرتهنَ (٢). (١٢٦٤) ولو ماتَ الراهنُ، فأمَرَ الحاكمُ عَدْلًا فباعَ الرهنَ، وضاعَ الثمنُ مِنْ يَدَي العدلِ، واسْتُحِقَّ الرهنُ .. لم يَضْمَن الحاكمُ ولا العدلُ؛ لأنّه أمينٌ، وأخَذَ المسْتَحِقُّ متاعَه، والحقُّ والثمنُ في ذِمَّةِ الميِّتِ، والعُهْدَةُ عليه، كهي لو باع على نفسِه، وليس الذي بِيعَ له الرهنُ مِنْ العُهْدَةِ بسبيلٍ. (١٢٦٥) ولو باع العدلُ وقبضَ الثمنَ، فقال: ضاعَ .. فهو مُصَدَّقٌ. (١٢٦٦) وإنْ قال: دَفَعْتُه إلى المرتهنِ، وأنْكَرَ ذلك المرتهنُ .. فالقولُ قولُه، وعلى الدافعِ البينةُ. (١٢٦٧) ولو باع بدينٍ كان ضامنًا. (١٢٦٨) ولو قال له أحدُهما: بِعْ بدنانيرَ، والآخَرُ: بدراهمَ .. لم يَبِعْ بواحدٍ منهما؛ لحقِّ المرتهنِ في ثمنِ الرهنِ، وحقِّ الراهنِ في رقبتِه وثمنِه، وجاء الحاكمُ حتّى يأمرَه بالبيعِ بنقدِ البلدِ، ثُمّ يَصْرِفَه فيما الرهنُ به. (١٢٦٩) وإنْ تَغَيَّرَتْ حالُ العدلِ .. فأيُّهما دعا إلى إخراجِه كان ذلك له. (١٢٧٠) وإنْ أراد العدلُ رَدَّهُ وهما حاضران .. فذلك له، ولو دَفَعَه بغير أمْرِ الحاكمِ مِنْ غير مَحْضَرِهما .. ضَمِنَ، وإن كانا بَعِيدَي الغيبةِ ..

стр. 833

لم أرَ أن يُضْطَرَّ (١) على حَبْسِه، وإنّما هي وكالةٌ ليستْ له فيها منفعةٌ، وأخْرَجَه الحاكمُ إلى عَدْلٍ. (١٢٧١) ولو جَنَى المرهونُ على سَيِّدِه .. فله القصاصُ، فإنْ عفا .. فلا دَيْنَ له على عبدِه، وهو رهنٌ بحالِه، فإن جَنَى عَبْدُه المرهونُ على عبدٍ له آخَرَ مرهونٍ .. فله القصاصُ، فإنْ عفا على مالٍ فالمالُ مرهونٌ في يَدَيْ مُرْتَهِنِ العبدِ المجْنِيِّ عليه بحَقِّهِ الذي به أجَزْتُ لسَيِّدِ العبدِ أن يأخذَ الجنايةَ مِنْ عُنُقِ عبدِه الجاني، ولا يَمْنَعُ المرتهنُ السيِّدَ مِنْ العفوِ بلا مالٍ؛ لأنّه لا يَكونُ في العبدِ مالٌ حتّى يختارَه الوليُّ، وما فَضَلَ بعد الجنايةِ فهو رهنٌ. (١٢٧٢) وإقرارُ العبدِ المرهونِ بما فيه قصاصٌ جائزٌ بالبينةِ، وما ليس فيه قصاصٌ فإقرارُه باطلٌ. (١٢٧٣) وإذا جَنَى العبدُ في الرهنِ .. قيل لسيِّدِه: إنْ فَدَيْتَه بجميعِ الجنايةِ .. فأنت مُتَطَوِّعٌ، وهو رهنٌ، وإن لم تَفْعَلْ .. بِيعَ في جنايتِه، وإنْ تَطَوَّعَ بها المرتهنُ .. لم يَرْجِعْ بها على السيدِ، وإنْ فَداه بأمْرِه على أن يكونَ رهنًا به مع الحقِّ الأوَّلِ .. فجائز. قال المزني: قلت أنا (٢): هذا أوْلى مِنْ قولِه [ف: ١٢٤٧]: «لا يَجُوزُ أن يَزْدادَ حَقًّا في الرهنِ الواحدِ» (٣). (١٢٧٤) قال الشافعي: فإنْ كان السيدُ أمَرَ العبدَ بالجنايةِ .. فإنْ كان يَعْقِلُ بالِغًا فهو آثِمٌ ولا شيءَ عليه، وإنْ كان صَبِيًّا أو أعْجَمِيًّا فبِيعَ في

стр. 834

الجنايةِ .. كُلِّفَ السَّيِّدُ أن يَأتيَ بمثلِ قِيمَتِه يَكُونُ رَهْنًا مَكانَه. (١٢٧٥) ولو أذِنَ له، فرَهَنَه، فجَنَى، فبِيعَ في الجنايةِ .. فأشْبَهُ الأمْرَيْنِ أنّه غيرُ ضامنٍ، وليس كالمسْتَعِيرِ الذي مَنْفَعَتُه مشغولةٌ بخِدْمَةِ العبدِ عن مُعِيرِه، وللسيِّدِ في الرهنِ أن يَسْتَخْدِمَ عَبْدَه (١). (١٢٧٦) قال: والخصمُ فيما جُنِيَ على العبدِ سَيِّدُه، فإنْ أحَبَّ المرتهنُ حَضَرَ خُصُومَتَه، فإذا قُضِيَ له بشيءٍ أخَذَه رهنًا، ولو عفا المرتهنُ كان عَفْوُه باطلًا. (١٢٧٧) ولو رَهَنَه عبدًا بدنانيرَ، وعبدًا بحنطةٍ، فقَتَلَ أحدُهما صاحبَه .. كانت الجنايةُ هَدْرًا. (١٢٧٨) وأكْرَهُ أن يَرْهَنَ مِنْ مُشْرِكٍ مُصْحفًا أو عبدًا مسلمًا، وأجْبِرُه على أن يَضَعَهُما على يَدَيْ مسلمٍ، ولا بأسَ برَهْنِه ما سِواهما، رَهَنَ النبيُّ ﷺ دِرْعَه عند أبي الشَّحْمِ اليهوديِّ (٢).

стр. 835

(١٤٨) باب الرهن والحميل في البيع واختلاف الراهن والمرتهن وغير ذلك (١٢٧٩) قال الشافعي: ومعقولٌ إذا (١) أذِنَ اللهُ بالرهنِ أنّه زيادةُ وَثِيقَةٍ لصاحبِ الحقِّ، وأنّه ليس بالحقِّ بعَيْنِه ولا جُزْءًا مِنْ عَدَدِه (٢).

стр. 836

(١٢٨٠) فلو باع رجلًا (١) شيئًا على أن يَرْهَنَه به مِنْ مالِه ما يَعْرِفانِه، يَضَعانِه على يَدَي عَدْلٍ، أو على يَدَي المرتهنِ .. كان البيعُ جائزًا، ولم يَكُنْ الرهنُ تامًّا حتّى يَقْبِضَه المرتهنُ، ولو امْتَنَع الراهنُ أن يُقْبِضَه الرهنَ لم نُجْبِرْه، والبائعُ بالخيارِ في إتمامِ البيعِ بلا رهنٍ أو رَدِّه؛ لأنّه لم يَرْضَ بذِمَّتِه دون الرهنِ، وكذلك لو باعه على أن يُعْطِيَه حَمِيلًا بعَيْنِه فلم يَتَحَمَّلْ له فله رَدُّ البيعِ، وليس للمشتري رَدُّ البيعِ؛ لأنّه لم يَدْخُل عليه نقصٌ يكونُ له به الخيارُ، ولو كانا جَهِلا الرهنَ أو الحميلَ .. فالبيعُ فاسدٌ. قال المزني: قلت أنا (٢): هذا عندي غَلَطٌ، الرهنُ فاسدٌ للجهلِ به، والبيعُ جائزٌ لعِلْمِهما به، وللبائعِ الخيارُ، إنْ شاء أتَمَّ البيعَ بلا رهنٍ، وإنْ شاء فَسَخَ لبُطلانِ الوثيقةِ، في معنى قولِه، وبالله التوفيق (٣). (١٢٨١) قال الشافعي: ولو قال: أرْهَنُكَ أحدَ عَبِيدِي (٤) .. كان فاسدًا، لا يَجُوزُ إلّا مَعْلومًا يَعْرِفانِه جميعًا بعَيْنِه.

стр. 837

(١٢٨٢) ولو أصاب المرتهنُ بعد القبضِ بالرهنِ عيبًا، فقال: قد كان به قبل القبضِ فأنا أفْسَخُ البيعَ، وقال الراهنُ: بل حَدَثَ بعد القبضِ .. فالقولُ قولُ الراهنِ مع يَمِينِه إذا كان مِثْلُه يَحْدُثُ. (١٢٨٣) ولو قُتِلَ العبدُ (١) برِدَّةٍ، أو قُطِعَ بسَرِقَةٍ قبل القبضِ .. كان له فَسْخُ البيعِ. قال المزني: قلت أنا (٢): في هذا دليلٌ أنّ البيعَ وإنْ جَهِلا الرهنَ أو الحميلَ غيرُ فاسدٍ، وإنّما له الخيارُ في فَسْخِ البيعِ أو إثباتِه؛ لجَهْلِه بالرهنِ والحميلِ، وبالله التوفيق. قال الشافعي: وإنْ كان حَدَثَ ذلك بعد القبضِ .. لم يَكُنْ له فَسْخُ البيعِ. (١٢٨٤) ولو ماتَ في يَدَيْه، وقدْ دُلِّسَ له فيه بعيبٍ قبل أن يَخْتارَ فَسْخَ البيعِ .. لم يَكُنْ له أن يَخْتارَ؛ لما فات مِنْ الرهنِ. (١٢٨٥) ولو لم يَشْتَرِطا رهنًا في البيعِ، فتَطَوَّعَ المشْتَرِي فرَهَنَه .. فلا سبيلَ له إلى إخْراجِه مِنْ الرهنِ، وبَقِيَ مِنْ الحقِّ شيءٌ. (١٢٨٦) ولو اشْتَرَطا أن يَكُونَ المبيعُ نَفْسُه رَهْنًا .. فالبيعُ مفسوخٌ مِنْ قِبَلِ أنّه لم يُمَلِّكْه المبيعَ إلّا بأن يَكُونَ مَحْبُوسًا عن (٣) المشتري. (١٢٨٧) ولو قال الذي عليه الحقُّ: أرْهَنُكَ على أنْ تَزِيدَني في الأجلِ، ففَعَلا .. فالرهنُ مفسوخٌ، والحقُّ الأوَّلُ بحالِه، ويَرُدُّ ما زاده. (١٢٨٨) وإذا أقَرَّ أنّ الموضوعَ على يَدَيْه قَبَضَ الرهنَ .. جَعَلْتُه رهنًا، ولم أقبلْ قولَ العدلِ: لم أقْبِضْه.

стр. 838

(١٢٨٩) وأيُّهما ماتَ .. قام وارِثُه مَقامَه. (١٢٩٠) قال المزني: قلت أنا (١): وجملةُ قولِه في اخْتِلافِ الراهِنِ والمرتهنِ: أنّ القولَ قولُ الراهنِ في الحقِّ، والقولَ قولُ المرتهنِ في الرهنِ (٢)، فيما يُشْبِهُ ولا يُشْبِهُ، ويُحَلَّفُ كلُّ واحدٍ منهما على دَعْوَى صاحبِه (٣). (١٢٩١) قال الشافعي: ولو قال رجلٌ لرجلين: رَهَنْتُماني عبدَكما هذا

стр. 839

بمائةٍ وقَبَضْتُه منكما (١)، فصَدَّقَه أحدُهما، وكَذَّبَه الآخَرُ .. كان نِصْفُه رَهْنًا بخمسين، ونِصْفُه خارجًا مِنْ الرَّهنِ، فإنْ شَهِدَ شريكُ صاحبِ نصفِ العبدِ عليه بدَعْوَى المرتهنِ وكان عدلًا .. حَلَفَ المرتهنُ معه وكان نَصِيبُه منه رهنًا بخمسين، ولا معنى في شهادتِه نَرُدُّها به. (١٢٩٢) وإذا كانتْ له على رجلٍ ألفان، إحداهما برهنٍ، والأخْرَى بغيرِ رهنٍ، فقضاه ألفًا، ثُمّ اخْتَلفا، فقال القاضي: هي التي في الرهنِ، وقال المرتهنُ: هي التي بلا رهنٍ .. فالقولُ قولُ القاضي مع يَمِينِه. (١٢٩٣) ولو قال: رَهَنْتُه هذه الدارَ التي في يَدَيْه بألفٍ ولم أدْفَعْها إليه فغَصَبَنِيها، أو تَكاراها مِنِّي رجلٌ فأنْزَلَه فيها، أو تَكاراها هو مِنِّي فنَزَلها، ولم أسَلِّمْها رهنًا .. فالقولُ قولُه مع يَمِينِه.

стр. 840

(١٤٩) باب الزيادة في الرهن وما يحدث منه (١) (١٢٩٤) قال الشافعي (٢): وقد رُوي عن أبي هريرة (٣)، عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «الرهنُ محلوبٌ ومركوبٌ»، قال الشافعي: ومعنى هذا القولِ أنّ مَنْ رَهَنَ ذاتَ ظَهْرٍ ودَرٍّ لم يُمْنَع الراهنُ مِنْ ظَهْرِها ودَرِّها، وأصلُ المعرفةِ بهذا الباب: أنّ للمرتهنِ حَقًّا في رَقَبةِ الرهنِ دون غيرِه، وما يَحْدُثُ ممّا يَتَمَيَّزُ منه غيرُه، قال: وكذلك سُكْنَى الدُّور وزُرُوعُ الأرَضِين (٤) وغيرُها. (١٢٩٥) فللراهنِ أن يَسْتَخْدِمَ في الرهنِ عَبِيدَه، ويَرْكَبَ دَوَابَّه، ويُؤاجِرَها، ويَحْلِبَ دَرَّها، ويَجُزَّ صُوفَها، وتَأوِي بالليلِ إلى مُرْتَهِنِها (٥)، أو إلى يَدَي الموضوعةِ على يَدَيْه (٦). (١٢٩٦) وكلُّ وَلَدِ أمَةٍ، ونَتاجِ ماشيةٍ، وثَمَرِ شَجَرَةٍ ونَخْلَةٍ .. فذلك كلُّه خارجٌ مِنْ الرهنِ، يُسَلَّمُ للراهنِ.

стр. 841

(١٢٩٧) وعليه مَؤُونَةُ رُهُونِه، ومَن مات مِنْ رَقيقِه فعليه كَفَنُه. (١٢٩٨) والفرقُ بين الأمةِ تُعْتَقُ أو تُباعُ فيَتْبَعُها وَلَدُها وبين الرهنِ .. أنّه إذا أعْتَقَ أو باعَ زال مِلْكُه، وحَدَثَ الولَدُ في غيرِ مِلْكِه، وإذا رَهَنَ فلم يَزُلْ مِلْكُه، وحَدَثَ الولدُ في مِلْكِه، إلّا أنّه مَحُولٌ دُونَه بحقٍّ حُبِسَ به لغيرِه، وكما (١) يُؤاجِرُها فتَكونُ مُحَبَّسَةً بحقِّ غيرِه، وإنْ وَلَدَتْ لم يَدْخُلْ وَلَدُها في ذلك معها، والرهنُ كالضَّمِينِ لا يَلْزَمُ إلّا مَنْ أدْخَلَ نَفْسَه فيه، وولدُ الأمةِ لم يَدْخُلْ في الرهنِ قَطُّ. (١٢٩٩) وأكْرَهُ رهنَ الأمةِ، إلّا أنْ تُوضَعَ على يَدَي امْرأةٍ ثِقَةٍ، وليس لسَيِّدِها أخْذُها للخدمةِ خَوْفًا أن يُحْبِلَها. (١٣٠٠) وما كانتْ مِنْ زيادةٍ لا تَتَمَيَّزُ منها، مثلُ: الجاريةِ تَكْبُرُ، والثمرةِ تَعْظُمُ، ونحوِ ذلك .. فهو غيرُ مُتَمَيِّزٍ منها، وهي رهنٌ كلُّها. (١٣٠١) ولو كان الرهنُ ماشيةً فأراد الراهنُ أن يُنْزِيَ عليها، أو عبدًا صغيرًا فأراد أن يَخْتِنَه، أو احتاجَ إلى شُرْبِ دواءٍ أو فَتْحِ عِرْقٍ، أو الدابةُ إلى تَوْدِيجٍ أو تَبْزِيغٍ (٢) .. فليس للمرتهنِ أن يَمْنَعَه ممّا فيه للرهنِ مَنْفَعَةٌ، ويَمْنَعُه ممّا فيه مَضَرَّةٌ.

стр. 842

(١٥٠) باب رهن الرجلين بالشيء الواحد من الرجل الواحد ورهن الشيء الواحد من الرجلين (١٣٠٢) قال الشافعي: وإذا رَهَناه معًا عبدًا بمائةٍ وقَبَضَ المرتهنُ .. فجائزٌ، فإنْ أبْرَأ أحدَهما مما عليه .. فنِصْفُه خارجٌ مِنْ الرهنِ، ولو رَهَنَه مِنْ رجلين بمائةٍ وقَبَضاه .. فنِصْفُه مرهونٌ لكلِّ واحدٍ منهما بخمسين، فإنْ أبْرَأه أحدُهما أو قَبَضَ منه نِصْفَ المائةٍ .. فنِصْفُه خارجٌ مِنْ الرهنِ. (١٣٠٣) ولو كان الرهنُ ممّا يُكالُ .. كان للذي افْتَكَّ نِصْفَه أن يُقاسِمَ المرتهنَ بإذنِ شَرِيكِه. (١٣٠٤) ولا يَجُوزُ أن يَأذَنَ رجلٌ لرجلٍ في أن يَرْهَنَ عبدَه إلّا بشيءٍ معلومٍ، وإلى أجلٍ معلومٍ، فإنْ رَهَنَه بأكثرَ .. لم يَجُزْ مِنْ الرهنِ شيءٌ، ولو رَهَنَه بما أذِنَ له ثُمّ أراد أخْذَه بافْتِكاكِه وكان الحقُّ حالًّا .. كان ذلك له، وبِيعَ في مالِه حتّى يُوَفِّيَ الغريمَ حَقَّه، وإن لم يُرِدْ ذلك الغريمُ .. أسْلَمَ عَبْدَه المرهونَ، وإنْ كان أذِنَ له إلى أجلٍ معلومٍ (١) .. لم يَكُنْ له أن يَأخُذَهُ بافْتِكاكِه إلّا إلى مَحِلِّه (٢).

стр. 843

(١٣٠٥) ولو رَهَنَ عبدَه رجلين، وأقَرَّ لكلِّ واحدٍ منهما بقَبْضِه كلِّه بالرهنِ، وادَّعَى كلُّ واحدٍ منهما أنّ رَهْنَه وقَبْضَه كان قبل صاحبِه، وليس الرهنُ في يَدَي واحدٍ منهما، فصَدَّقَ الراهنُ أحدَهما .. فالقولُ قولُ الراهنِ ولا يمينَ عليه (١)، ولو أنْكَرَ أيُّهما أوَّلُ أحْلِفَ وكان الرهنُ مفسوخًا، وكذلك لو كان في أيديهما معًا، فإن كان في يَدَيْ أحدِهما، وصَدَّق الذي ليس في يَدَيْه .. ففيها قولان: أحدُهما - يُصَدَّقُ، والآخَرُ - لا يُصَدَّقُ؛ لأنّ الذي في يَدَيْه العبدُ يَمْلِكُ بالرهنِ مثلَ ما يَمْلِكُ المرتهنُ غيرُه. قال المزني: قلت أنا (٢): أصحُّهما عندي (٣) أنّه يُصَدَّقُ؛ لأنّه حَقٌّ مِنْ الحقوقِ، واجْتَمَعَ (٤) فيه إقرارُ المرتهنِ وربِّ الرهنِ، قال المزني: ثُمّ رأيتُ أنّ القولَ قولُ المرتهنِ الذي هو في يَدَيْه؛ لأنّ الراهنَ مُقِرٌّ له أنّه أقْبَضَه إيّاه في جملةِ قولِه، وله فضلُ يدِه على صاحبِه، فلا تُقْبَلُ دَعْوَى الراهنِ عليه، إلّا أن يُقِرَّ الذي في يَدَيه أنّ كلَّ واحدٍ منهما قد قَبَضَه، فيُعْلَمُ بذلك أنّ قَبْضَ صاحبِه قبله (٥).

стр. 844

(١٥١) باب الرهن يجمع الشيئين المختلفين من نبات الأرض وبناء وغيره (١٣٠٦) قال الشافعي: وإذا رَهَنَ أرضًا، ولم يَقُلْ ببنائِها وشجرِها .. فالأرضُ رهنٌ دون بنائِها وشجرِها (١)، ولو رَهَنَ شجرًا، وبين الشجرِ بياضٌ .. فالشجرُ رهنٌ دون البياضِ، ولا يَدْخُلُ في الرهنِ إلّا ما سَمّى. (١٣٠٧) وإذا رَهَنَ ثمرًا قد خَرَجَ مِنْ نَخْلِه قبلَ يَحِلُّ بيعُه ومعه النخلُ .. فهما رهنٌ؛ لأنّ الحقَّ لو حَلَّ جاز أن يُباعا، وكذلك إذا بَلَغَتْ هذه الثمرةُ قبل مَحِلِّ الحقِّ وبِيعَتْ .. خُيِّرَ الراهنُ بين أن يَكُونَ ثمنُها مرهونًا مع النخلِ أو قصاصًا، إلّا أن تَكُونَ هذه الثمرةُ تَيْبَسُ، فلا يَكُونُ له بيعُها إلّا بإذنِ الراهنِ (٢). (١٣٠٨) ولو رَهَنَه الثمرَ دون النخلِ، طَلْعًا، أو مُؤبَّرَةً، أو قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها .. لم يَجُز الرهنُ، إلّا أن يَتَشارَطا أنّ للمرتهنِ إذا حَلَّ حَقُّه قَطْعَها وبَيْعَها، فيجوزُ الرهنُ؛ لأنّ المعروفَ مِنْ الثمرِ أنّه يُتْرَكُ إلى أن يَصْلُحَ، ألا تَرَى أنّ رسولَ الله ﷺ نَهَى عن بيعِ الثمارِ حتّى يَبْدُوَ صَلاحُها؛ لمعرفةِ الناسِ أنّها تُتْرَكُ إلى بُدُوِّ صَلاحِها؟ وكذا الحكمُ في كلِّ ثَمَرَةٍ وزَرْعٍ قبل بُدُوِّ صَلاحِه، فما لم يَجُزْ بيعُه فلا يَجُوزُ رَهْنُه.

стр. 845

(١٣٠٩) وإنْ كان مِنْ الثمرِ شيءٌ يَخْرُجُ فرَهَنَه، وكان يَخْرُجُ بعده غيرُه منه، فلا يَتَمَيَّزُ الخارجُ الأوَّلُ المرهونُ مِنْ الآخِرِ .. لم يَجُزْ؛ لأنّ الرهنَ ليس بمعروفٍ، إلّا أن يَشْتَرِطا أن يُقْطَعَ في مُدَّةٍ قبل أن يَلْحَقَه الثاني، فيجوزُ الرهنُ، فإنْ تُرِكَ حتّى يَخْرُجَ بعده ثمرةٌ لا تَتَمَيَّزُ .. ففيها قولان: أحدهما - أنّه يَفْسُدُ الرهنُ كما يَفْسُدُ البيعُ، والثاني - لا يَفْسُدُ، والقولُ قولُ الراهنِ في قَدْرِ الثمرةِ المخْتَلِطَةِ مِنْ المرهونةِ؛ كما لو رَهَنَه حنطةً فاخْتَلَطَتْ بحنطةٍ للراهنِ، كان القولُ قولُه في قَدْرِ المرهونةِ مِنْ المخْتَلِطَةِ بها مع يَمينِه. قال المزني: قلت أنا (١): هذا أشْبَهُ بقولِه، وقد بَيَّنْتُه في هذا الكتابِ في «باب ثمر الحائط يباع أصله» [ف: ١٠٥٢]، قال المزني: قلت أنا (٢): ويَنْبَغِي أن يكونَ القولُ في الزيادةِ قولَ المرتهنِ؛ لأنّ الثمرةَ في يَدَيْه، والراهنُ مُدَّعٍ قدرَ الزيادةِ عليه، فالقولُ قولُ الذي هي في يَدَيْه مع يَمينِه في قياسِ قولِه عندي (٣)، وبالله التوفيق (٤). (١٣١٠) قال الشافعي: وإذا رَهَنَه ثَمَرَةً .. فعلى الراهنِ سَقْيُها وصَلاحُها وجِدادُها وتَشْمِيسُها؛ كما يَكُونُ عليه نَفَقَةُ العبدِ.

стр. 846

(١٣١١) وليس للراهنِ ولا للمرتهنِ قَطْعُها قبل أوانِها إلّا بأن يَرْضَيا به، فإذا بَلَغَتْ إبّانَها فأيُّهما أراد قَطْعَها جُبِرَ الآخَرُ على ذلك (١)؛ لأنّه مِنْ صَلاحِها. (١٣١٢) فإنْ أبَى الموضوعةُ على يَدَيْه أن يَتَطَوَّعَ بأن يَضَعَها في مَنْزِلِه إلّا بكِراءٍ .. قيل للراهنِ: عليك لها مَنْزِلٌ تُحْرَزُ فيه؛ لأنّ ذلك مِنْ صَلاحِها، فإنْ جِئتَ به، وإلّا اكْتُرِيَ عليك منها.

стр. 847

(١٥٢) باب ما يُفسِد الرهنَ من الشروط وما لا يُفسِدُ وغير ذلك (١) (١٣١٣) قال الشافعي: وإن اشْتَرَطَ المرتهنُ مِنْ منافعِ الرهنِ شيئًا .. فالشرطُ باطلٌ. (١٣١٤) ولو كانتْ له ألفٌ، فقال: زِدْني ألفًا على أنْ أرْهَنَك بهما معًا رهنًا يَعْرِفانِه .. كان الرهنُ مفسوخًا. (١٣١٥) ولو قال له: «بِعْنِي عبدَك (٢) بألفٍ على أنْ أعْطِيَك بها وبالألفِ التي لك عليَّ بلا رهنٍ داري رهنًا»، ففَعَلَ .. كان البيعُ والرهنُ فاسدًا (٣). (١٣١٦) ولو أسْلَفَه ألفًا على أن يَرْهَنَه بها رهنًا، وشَرَطَ المرتهنُ لنفسِه مَنْفَعَةَ الرهنِ (٤) .. فالشرطُ باطلٌ؛ لأنّ ذلك زيادةٌ في السلفِ، ولو كان اشْتَرَى منه على هذا الشرطِ .. فالبائعُ بالخيارِ في فسخِ البيعِ أو إثباتِه والرهنِ، ويَبْطُلُ الشرطُ (٥). قال المزني: قلت أنا (٦): أصلُ قولِ الشافعيِّ أنّ كلَّ بيعٍ فاسدٍ بشرطٍ وغيرِه أنّه لا يجوزُ، وإنْ أجِيزَ حتّى يُبْتَدَأَ بما يجوزُ (٧).

стр. 848

(١٣١٧) قال الشافعي: ولو شَرَطَ على المرتهنِ أن لا يُباعَ الرهنُ عند مَحِلِّ الحقِّ إلا بما يَرْضَى الراهنُ، أو حتّى يَبْلُغَ كذا، أو بعد مَحِلِّ الحقِّ بشهرٍ، أو نحوِ ذلك .. كان الرهنُ فاسدًا، حتّى لا يكونَ دون بَيْعِه حائلٌ عند مَحِلِّ الحقِّ. (١٣١٨) ولو رَهَنَه نخلًا على أنّ ما أثْمَرَتْ (١)، أو ماشيةً على أنّ ما نُتِجَتْ فهو داخلٌ في الرهنِ .. كان الرهنُ مِنْ النخلِ والماشيةِ رهنًا، ولم يَدْخُلْ معه ثمرُ الحائطِ ولا نِتاجُ الماشيةِ إذا كان الرهنُ بحقٍّ واجبٍ قبل الرهنِ (٢)، وهذا كرجلٍ رهنَ مِنْ رجلٍ دارًا على أن يَرْهَنَه أخْرَى، غيرَ أنّ البيعَ إنْ وَقَعَ على هذا الرهنِ فُسِخَ الرهنُ وكان البائعُ بالخيارِ؛ لأنّه لم يَتِمّ له ما اشْتَرَط. قال المزني: قلت أنا (٣): وقد قال في موضعٍ آخَرَ: «هذا جائزٌ في قولِ مَنْ أجاز أن يَرْهَنَه عبدَيْن فيُصِيبَ أحدَهما حُرًّا فيُجِيزَ الجائزَ ويَرُدَّ المردودَ، وفيها قولٌ آخَرُ: يَفْسُدُ كما يَفْسُدُ البيعُ إذا جَمَعَت الصفقةُ جائزًا وغيرَ جائزٍ»، قال المزني: قلت أنا (٤): ما قَطَعَ به وأثْبَتَه أوْلى، وجواباتُه

стр. 849

في هذا المعنى بالذي قَطَعَ به شبيهٌ، وقد قال [ف: ١٢٥٤]: «لو تَبايَعا على أن يَرْهَنَه هذا العصيرَ، فرَهَنَه إيّاه، فإذا هو مِنْ ساعتِه خمرٌ، فله الخيارُ في البيعِ؛ لأنّه لم يَتِمّ له الرهنُ». (١٣١٩) قال الشافعي: ولو دَفَعَ إليه حُقًّا فقال: (قد رَهَنْتُكَه بما فيه)، وقَبَضَه المرتهنُ ورَضِيَ .. كان الحُقُّ رهنًا، وما فيه خارجًا مِنْ الرهنِ إنْ كان فيه شيءٌ؛ لجَهْلِ المرتهنِ بما فيه، وأمّا الخريطةُ .. فلا يجوزُ الرهنُ فيها إلّا أن يَقُول: (دون ما فيها)، ويجوز في الحُقِّ؛ لأنّ الظاهرَ مِنْ الحُقِّ أنَّ له قيمةً، والظاهرَ مِنْ الخريطةِ أن لا قِيمةَ لها، وإنّما يُرادُ ما فيها. (١٣٢٠) ولو شَرَطَ على المرتهنِ أنّه ضامنٌ للرهنِ ودَفَعَه .. فالرهنُ فاسدٌ، وغيرُ مضمونٍ.

стр. 850

(١٥٣) باب الرهن غير مضمون (١٣٢١) قال الشافعي: أخبرنا محمد بن إسمعيل بن أبي فُدَيْك، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، أنّ رسولَ الله ﷺ قال: «لا يَغْلَقُ الرهنُ، الرهنُ مِنْ صاحبِه الذي رَهَنَه (١)، له غُنْمُه، وعليه غُرْمُه»، ووَصَلَه ابنُ المسيب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ مثله أو مثل معناه، من حديث ابن أبي أُنَيْسة (٢). (١٣٢٢) قال الشافعي: وفيه دليلٌ أنّه غيرُ مضمونٍ؛ إذ قال النبي ﷺ : «الرهن من صاحبه»، فمَن كان منه شيءٌ فضَمانُه منه، لا مِنْ غيرِه، ثم أكّدَه بقوله: «له غُنْمُه، وعليه غُرْمُه»، وغُنْمُه: سلامتُه وزيادتُه، وغُرْمُه: عَطَبُه ونَقْصُه (٣)، ألا تَرَى لو ارْتَهَن خاتمًا بدرهمٍ يَسْوَى درهمًا، فهلكَ الخاتمُ ..

стр. 851

فمَن قال: ذَهَبَ درهمُ المرتهنِ بالخاتمِ، زَعَمَ أنّ غُرْمَه على المرتهنِ؛ لأنّ درهمَه ذَهَبَ، وكان الراهنُ بريئًا مِنْ غُرْمِه؛ لأنّه قد أخَذَ ثَمَنَه مِنْ المرتهنِ، ولم يَغْرَم له شيئًا، وأحال ما جاء عن رسولِ الله ﷺ ، قال: وقوله ﷺ : «لا يغلق الرهن»؛ أي (١): لا يَسْتَحِقُّه المرتهنُ، بأن يَدَعَ الراهنُ قضاءَه حَقَّه عند مَحِلِّه (٢)، قال: ومِلْكُ الرهنِ لرَبِّه، والمرتهنُ غيرُ مُتَعَدٍّ بأخْذِه، ولا مُخاطِرٍ بارتهانِه؛ لأنّه لو كان إذا هَلَكَ بَطَلَ مالُه كان مُخاطِرًا بمالِه، وإنّما جَعَلَه اللهُ وَثيقةً له، ولكان خيرًا له تَرْكُ الارتهانِ، بأن يَكُونَ مالُه مضمونًا في جميعِ مالِ غَريمِه. (١٣٢٣) وما ظَهَرَ هلاكُه وخَفِيَ سواءٌ، لا يَضْمَنُ المرتهنُ ولا الموضوعُ على يَدَيْه مِنْ الرهنِ شيئًا، إلّا فيما يَضْمَنانِ فيه مِنْ الوديعةِ بالتَّعَدِّي، فإنْ قَضاهُ ما في الرهنِ ثُمَّ سَألَه الرهنَ فحَبَسَه عنه وهو يُمْكِنُه .. فهو ضامنٌ.

стр. 852

[١٤] كتاب التفليس (١) مختصر من كتابي التفليس من كبير ومختصر وما دخل فيهما من الإملاء على مسائل مالك (٢)

стр. 853

(١٣٢٤) قال الشافعي (١): أخبرنا ابن أبي فُدَيْك، عن ابن أبي ذئب، قال: حدثني أبو المعْتَمِر بن عمرو بن نافع، عن خَلْدَةَ - أو: ابن خلدة - الزُّرَقي - الشك من المزني (٢) - عن أبي هريرة أنّه رَأى رجلًا أفْلَسَ، فقال: «هذا الذي قَضَى فيه رسولُ الله ﷺ : أيُّما رجلٍ ماتَ أو أفْلَسَ فصاحبُ المتاعِ أحَقُّ بمَتاعِه إذا وَجَدَه بعَيْنِه». (١٣٢٥) قال الشافعي: وفي ذلك بيانُ أنّه جَعَلَ له نَقْضَ البيعِ الأوّلِ إنْ شاء إذا مات أو أفْلَسَ، قال الشافعي: يُقالُ لمَنْ قَبِلَ الحديثَ في المفلسِ في الحياةِ دون الموتِ (٣): قد حَكَمَ النبيُ ﷺ بالشُّفْعَةِ على الحيِّ، فحَكَمْتُمْ بها على وَرَثَتِه، فكيف لم تَحْكُمُوا في المفلسِ في مَوْتِه على ورثتِه كما حَكَمْتُم عليه في حياتِه؟ فقد جَعَلْتُم للورثةِ أكْثَرَ ممّا للموروثِ الذي عنه مَلَكُوا، وأكثرُ حالِ الوارثِ أن لا يَكُونَ له إلّا ما للميِّتِ، قال الشافعي: فلا أجْعَلُ للغرماءِ مَنْعَهُ بدفعِ الثمنِ، ولا لورثةِ الميِّتِ، وقد جَعَلَه النبيُّ ﷺ أحَقَّ به منهم. قال المزني: قلت أنا (٤): وقال في «الحبس» [ف: ١٧٣٤]: «إذا هَلَكَ أهْلُه رَجَع إلى أقْرَبِ الناسِ بالمُحَبِّسِ» (٥)، فقد جَعَلَ لأقْرَبِ الناسِ بالمُحَبِّسِ

стр. 854

في حياتِه ما لم يَجْعَلْ للمُحَبِّسِ، وهذا عندي غيرُ جائزٍ (١). (١٣٢٦) قال الشافعي: فإنْ تَغَيَّرَت السلعةُ بنَقْصٍ في بَدَنِها (٢) بعَوَرٍ أو غيرِه، أو زادتْ .. فسَواءٌ، إنْ شاء أخَذَها بجميعِ ثَمَنِها (٣)، وإنْ شاء تَرَكَها؛ كما تَنْقُصُ الشُّفْعَةُ بهَدْمٍ مِنْ السماءِ، إنْ شاء أخَذَها بجميعِ الثمنِ، وإنْ شاء تَرَكَها (٤).

стр. 855

(١٣٢٧) قال: ولو باعَه نَخْلًا فيه ثَمَرٌ أو طَلْعٌ قد أبِّرَ اسْتَثْناه المشتري وقَبَضَهُ (١)، وأكَلَ الثمرَ أو أصابتْه جائحةٌ، ثُمّ فُلِّسَ أو مات .. فإنّه يَأخُذُ عينَ مالِه، ويَكُونُ أسْوَةَ الغرماءِ في حِصَّةِ الثّمَرِ يَوْمَ قَبْضِه، لا يومَ أكْلِه، ولا يومَ أصابَتْه الجائحةُ. (١٣٢٨) قال: ولو باعها مع ثمرٍ فيها قد اخْضَرَّ، ثُمّ فُلِّسَ، والثمرُ رطبٌ أو تمرٌ، أو باعه زَرْعًا مع أرضٍ خَرَجَ أو لم يَخْرُجْ (٢)، ثم أصابه مُدْرِكًا .. أخَذَه كُلَّه.

стр. 856

(١٣٢٩) ولو باعه حائطًا لا ثمرَ فيه، أو أرضًا لا زَرْعَ فيها، ثُمّ أفْلَسَ المشتري .. فإنْ كان الثمرُ قد أبِّرَ، والأرضُ قد زُرِعَتْ، كانَ له الخيارُ في النخلِ والأرضِ، وتُبْقَى الثمارُ إلى الجِدادِ، والزَّرْعُ إلى الحصادِ، إنْ أراد الغرماءُ تأخيرَ ذلك، وإنْ شاء ضَرَبَ مع الغرماءِ، وإنْ أراد الغرماءُ بيعَ الثمرِ قبل الجِدادِ والزرعِ بَقْلًا، فذلك لهم (١). (١٣٣٠) وكذلك لو باعه أمةً فوَلَدَتْ ثم أفْلَسَ .. كانتْ له الأمةُ إنْ شاءَ، والولدُ للغرماءِ، وإنْ كانتْ حُبْلى كانتْ له حُبْلى؛ لأنّ النبيَّ ﷺ جَعَلَ الإبارَ كالوِلادِ (٢)، وإذا لم تُؤبَّرْ كالحاملِ لم تَلِدْ (٣). (١٣٣١) قال: ولو باعه نَخْلًا لا ثَمَرَ فيها، ثُمّ أثْمَرَتْ فلم تُؤبَّرْ حتّى أفْلَسَ، فلم يَخْتَر البائعُ حتّى أُبِّرَتْ .. كانَ له النّخْلُ دون الثمرةِ؛ لأنّه لا يَمْلِكُ عينَ مالِه إلّا بالتفليسِ والاختيارِ، وكذلك كلُّ ما كان يَخْرُجُ مِنْ

стр. 857

ثَمَرِ الشجرِ في أكْمامٍ فتَنْشَقُّ، كالكُرْسُفِ وما أشْبَهه، فإذا انْشَقَّ فمثلُ النخلِ تُؤبَّرُ، وإذا لم تَنْشَقَّ فمثلُ النخلِ لم تُؤبَّرْ. (١٣٣٢) ولو قال البائعُ: اخْتَرْتُ عينَ مالي قَبل الإبَارِ، وأنْكَرَ المفلسُ .. فالقولُ قولُه مع يَمِينِه، وعلى البائعِ البَيِّنةُ، وإنْ صَدَّقَه الغرماءُ لم أجْعَلْ لهم مِنْ الثمرِ شَيْئًا؛ لأنّهم أقَرُّوا به للبائعِ، وأجْعَلُه لغريمٍ سِوَى مَنْ صَدَّقَ البائعَ، ويُحاصُّهُم فيما بَقِي، إلّا أن يَشْهَدَ مِنْ الغرماءِ عدلان فيَجُوزا (١)، وإنْ صَدَّقَه المفلسُ، وكَذَّبَه الغرماءُ .. فمَنْ أجازَ إقرارَه أجازَه، ومَن لم يُجِزْه لم يُجِزْه، وأُحْلِفَ له الغرماءُ الذين يَدْفَعُونه. (١٣٣٣) وإنْ وَجَدَ بعضَ مالِه .. كان له بِحِصَّتِه، ويَضْرِبُ مع الغرماءِ في بَقِيَّتِه. (١٣٣٤) ولو كانتْ دارًا فبُنِيَتْ، أو أرْضًا فغُرِسَتْ .. خَيَّرْتُه بين أن يُعْطِيَ العمارةَ ويَكُونَ ذلك له، أو يكونَ له الأرضُ، والعمارةُ تُباعُ للغرماءِ، إلّا أن يَشاءَ المفلسُ والغرماءُ أن يَقْلَعُوا ويَضْمَنُوا ما نَقَصَ القلعُ فيكونَ لهم. وقال في موضع آخر: إن لم يَأخذ العمارةَ وأبى الغرماءُ أن يَقْلَعُوها .. لم يَكُنْ له إلّا الثمنُ يُحاصُّ به الغرماءَ. قال المزني: قلت أنا (٢): الأوَّلُ بقولِه أشْبَهُ وأوْلَى؛ لأنّه يجعل الثوبَ إذا صُبِغَ لبائعِه يَكُونُ به شريكًا، وكذلك الأرضُ تُغْرَسُ لبائعها يكون بها شريكًا (٣).

стр. 858

(١٣٣٥) قال الشافعي: ولو كانا عبدَيْن بمائةٍ، فقَبَضَ نصفَ الثمنِ، وبَقِي أحدُ العبدَيْن، وهما سواءٌ .. كان له نصفُ الثمنِ، والنصفُ الذي قَبَضَ ثمنُ الهالكِ؛ كما لو رَهَنَهما بمائةٍ، فقَبَضَ تسعينَ وهَلَكَ أحدُهما، كان الآخَرُ رهنًا بالعشَرةِ (١). قال المزني: قلت أنا (٢): أصلُ قولِه أن ليس الرهنُ مِنْ البيعِ بسَبِيلٍ؛ لأنّ الرهنَ معنًى واحدٌ بمعنًى واحدٍ ما بَقِيَ مِنْ الحقِّ شيءٌ، ولو بَقِيَ مِنْ ثَمَنِ السلعةِ في التّفليسِ درهمٌ لم يَرْجِعْ في قولِه مِنْ السلعةِ إلّا بقدرِ الدرهمِ (٣). (١٣٣٦) قال الشافعي: ولو أكْراه أرضًا ففُلِّسَ (٤) والزرعُ بَقْلٌ في أرضِه .. كان لصاحبِ الأرضِ أن يُحاصَّ الغرماءَ بقَدْرِ ما أقامت الأرضُ في يدَيْه إلى أن أفْلَسَ، ويَقْلَعُ الزرعَ عن أرضِه، إلّا أن يَتَطَوَّعَ المفلسُ

стр. 859

والغرماءُ بأن يَدْفَعُوا إليه إجارةَ مثلِ الأرضِ إلى أن يَسْتَحْصِدَ الزرعُ؛ لأنّ الزارعَ كان غيرَ مُتَعَدٍّ، وإنْ كان لا يَسْتَغْنِي عن السَّقْيِ .. قيلَ للغرماءِ: إنْ تَطَوَّعْتُم بأن تُنْفِقُوا عليه حتّى يَسْتَحْصِدَ فتَأخُذُوا نفقتَكم مع مالِكم بأن يَرْضاه صاحبُ الزرعِ، وإن لم تَشاؤوا وشِئتُم البيعَ فبِيعوه بحالِه. (١٣٣٧) قال الشافعي: ولو باعه زيتًا فخَلَطَه بمثلِه أو أرْدَأ .. فله أن يَأخُذَ متاعَه بالكيلِ أو الوزنِ، وإنْ خَلَطَه بأجْوَدَ .. ففيها قولان: أحدُهما: لا سبيلَ له إليه؛ لأنّه لا يَصِلُ إلى مالِه إلّا زائدًا بمالِ غريمِه، وهو أصَحُّ، وبه أقولُ، ولا يُشْبِهُ الثوبَ يُصْبَغُ، ولا السَّوِيقَ يُلَتُّ؛ لأن ذا عينُ مالِه فيه زيادةٌ، والذائبُ إذا اخْتَلَطَ انْقَلَبَ (١)، حتّى لا يُوجَدَ عينُ مالِه (٢). والقول الثاني: أن يُنْظَرَ إلى قيمةِ زَيْتِه والمخلوطِ به مُتَمَيِّزَيْن، ثُمّ يَكونُ شريكًا بقدرِ قيمةِ زَيْتِه، ويَضْرِبُ (٣) مع الغرماءِ بدَيْنِه. قال المزني: قلت أنا (٤): هذا أشْبَهُ بقولِه؛ لأنّه جَعَلَ زَيْتَه إذا خُلِطَ بأرْدَأ وهو لا يَتَمَيَّزُ عينَ مالِه؛ كما جَعَلَ الثوبَ يُصْبَغُ ولا يُمْكِنُ (٥) فيه التمييزُ عينَ مالِه، فلمّا قَدَرَ على قَسْمِ الزيتِ بكيلٍ أو وزنٍ بلا ظلمٍ قَسَمَه، ولمّا لم يَقْدِرْ على قَسْمِ الثوبِ والصِّبْغِ أشْرَكَهُما فيه بالقيمةِ، فكذلك لا يَمْنَعُ

стр. 860

خلطُ زَيْتِه بأجودَ منه مِنْ أن يَكُونَ عينُ مالِه فيه، وفي قَسْمِه ظلمٌ، وهما شريكان بالقيمة (١). (١٣٣٨) قال الشافعي: فإن كان حنطةً فطَحَنَها .. ففيها قولان: أحدُهما وبه أقولُ: يأخُذُها ويُعْطِي قيمةَ الطحنِ؛ لأنّه زائدٌ على مالِه، وكذلك الثوبُ يَصْبُغُه أو يُقَصِّرُه يَأخُذُه، وللغرماءِ زيادَتُه، فإنْ قَصَّرَه بأجرةِ درهمٍ فزاد خمسةَ دراهمَ .. كان القَصّارُ شريكًا فيه بدرهمٍ، والغرماءُ بأربعةٍ، شركاءُ بها، وبِيعَ لهم، وإن كانتْ أجْرَتُه خمسةَ دراهمَ وزاد درهمًا .. كان شريكًا في الثوبِ بدرهمٍ، وضَرَبَ مع الغرماءِ بأربعةٍ، وبهذا أقولُ. والقولُ الآخَرُ: أنّ القصّارَ غريمٌ بأجْرَةِ القِصارَة؛ لأنّها أثرٌ، لا عينٌ. قال المزني: قلت أنا (٢): هذا أشْبَهُ بقولِه، وإنّما البياضُ في الثوبِ عن القِصَارَةِ كالسِّمَنِ عن الطعامِ والعلفِ، وكِبَرِ الوَدِيِّ عن السَّقْيِ، وهو لا يَجْعَلُ الزيادةَ للبائعِ في ذلك عينَ مالٍ، فكذلك زيادةُ القِصارَةِ ليستْ عينَ مالٍ، وقد قال في الأجير يَبِيعُ في حانوتٍ، أو يَرْعَى غَنَمًا، أو يَرُوضُ دَوابَّ فالأجيرُ أسْوَةُ الغرماءِ، فهذه الزياداتُ عن هذه الصِّناعاتِ التي هي آثارٌ ليستْ بأعيانِ مالٍ .. حُكْمُها عندي في القياسِ واحدٌ، إلّا أن تَخُصَّ السُّنَّةُ منها شيئًا، فيُتْرَكُ لها القياسُ (٣). (١٣٣٩) قال الشافعي: ولو تَبايعا بالخيارِ ثلاثًا ففُلِّسَا أو أحدُهما .. فلكلِّ واحدٍ منهما إجازةُ البيعِ ورَدُّه دون الغرماءِ؛ لأنّه ليس ببيعٍ مُسْتَحْدَثٍ.

стр. 861

(١٣٤٠) فإنْ أخَذَه دون صِفَتِه .. لم يَكُنْ ذلك له، إلّا أن يَرْضَى الغرماءُ. (١٣٤١) ولو سَلَّفَه فِضَّةً بعَيْنِها في طعامٍ، ثُمّ فُلِّسَ .. كان أحَقَّ بفِضَّتِه. (١٣٤٢) ولو أكْرَى دارًا، ثُمّ فُلِّسَ المُكْرِي .. فالكراءُ لصاحبِه، فإذا تَمَّ سُكْناه بِيعَتْ للغرماءِ. (١٣٤٣) ولو أكْراه سَنَةً ولم يَقْبِض الكراءَ، ثُمّ فُلِّسَ المكتري .. كان للمُكْرِي فَسْخُ الكراءِ. (١٣٤٤) ولو قَسَمَ الحاكمُ مالَه بين غرمائِه، ثُمّ قَدِمَ آخَرُون .. رَدَّه عليهم بالحِصَصِ (١). (١٣٤٥) فإذا أراد الحاكمُ بيعَ متاعِه (٢) أو رَهْنِه .. أحْضَرَه أو وَكِيلَه ليُحْصِيَ ثمنَ ذلك، فيَدْفَعَ منه حَقَّ الرهنِ مِنْ ساعتِه. (١٣٤٦) ويَنْبَغِي أن يَقولَ لغرماءِ المفلسِ: ارْتَضُوا بمَن يَكونُ على يدَيْه الثمنُ، وبمَن يُنادِي على مَتاعِه فيمَن يَزِيدُ، ولا يَقْبَلُ إلّا ثِقَةً. (١٣٤٧) وأحِبُّ أن يُرْزَقَ مَنْ وَلِيَ (٣) هذا مِنْ بيتِ المالِ، فإن لم يَكُنْ، ولم يَعْمَلْ إلّا بجُعْلٍ .. شارَطُوه، فإن لم يَتَّفِقُوا اجْتَهَدَ لهم، ولم يُعْطِ شيئًا وهو يَجِدُ ثِقَةً يَعْمَلُ بغير جُعْلٍ. (١٣٤٨) ويُباعُ في مَوْضِعِ سُوقِه وما فيه صَلاحُ ثمنِ المبيعِ. (١٣٤٩) ولا يَدْفَعُ إلى مَنْ اشْتَرَى شيئًا حتّى يَقْبِضَ الثمنَ.

стр. 862

(١٣٥٠) وما ضاعَ مِنْ الثمنِ فمِنْ مالِ المفلسِ. (١٣٥١) ويَبْدَأ في البيعِ بالحيوانِ، ويَتَأنَّى بالمساكنِ بقَدْرِ ما يَرَى أهلُ البَصَرِ بها أنّها قد بَلَغَتْ أثمانَها. (١٣٥٢) وإن وَجَدَ الإمامُ ثِقَةً يُسْلِفُه المالَ حالًّا لم يَجْعَلْه أمانةً. (١٣٥٣) ويَنْبَغِي إذا رُفِعَ إليه أن يُشْهِدَ أنّه وَقَفَ مالَه عنه (١)، وإذا فَعَلَ .. لم يَجُزْ له أن يَبِيعَ ولا يَهَبَ، وما فَعَلَ مِنْ هذا .. ففيه قولان: أحدُهما - أنّه مَوقوفٌ، فإنْ فَضَلَ جاز فيه ما فَعَلَ، والآخَرُ - أنّ ذلك باطلٌ. قال المزني: قلت أنا (٢): قد قطع في «المكاتب»: «إنْ كاتبَه بعد الوقفِ فأدَّى لم يَعْتِقْ» (٣). (١٣٥٤) قال الشافعي: وإنْ أقَرَّ بدينٍ زَعَمَ أنّه لَزِمَه قبل الوقفِ .. ففيه قولان: أحدُهما - أنّه جائزٌ كالمريضِ يَدْخُلُ مع غرمائِه، وبه أقولُ، والثاني - أنّ إقرارَه لازمٌ له في مالٍ إنْ حَدَثَ له أو يَفْضُلُ عن غرمائِه (٤). (١٣٥٥) وقد ذَهَبَ بعضُ المفْتِينَ إلى أنّ ديونَ المفلسِ إلى أجلٍ تَحلُّ حُلُولَها على الميِّتِ، وقد يَحْتَمِلُ أن يُؤخَّرَ المؤخَّرُ عنه؛ لأنّ له ذِمَّةً، قال: وقد يَمْلِكُ، والميِّتُ بَطَلَتْ ذِمَّتُه (٥)، ولا يَمْلِكُ بعد الموتِ. قال المزني: قلت أنا (٦): هذا أصَحُّ، وبه قال في «الإملاء» (٧).

стр. 863

(١٣٥٦) قال الشافعي: ولو جُنِيَ عليه عَمْدًا .. لم يَكُنْ عليه أخْذُ المالِ إلّا أن يَشاءَ (١). (١٣٥٧) قال: وليس على المفْلِسِ أن يُؤاجِرَ، وذُو العُسْرَةِ مُنْظَرٌ إلى مَيْسَرَةٍ (٢). (١٣٥٨) ويُتْرَكُ له مِنْ مالِه قَدْرُ ما لا غِنَى به عنه وأقَلُّ ما يَكْفِيه وأهْلَه يَوْمَه مِنْ الطعامِ والشرابِ، وإنْ كان لبيعِ مالِه حبسٌ أنفق منه عليه وعلى أهْلِه كُلَّ يومٍ أقَلَّ ما يَكْفِيهم مِنْ نَفَقَةٍ وكِسْوَةٍ، كان (٣) ذلك في شِتاءٍ أو صَيْفٍ، حتّى يَفْرُغَ مِنْ قَسْمِ مالِه بين غرمائِه (٤). (١٣٥٩) وإنْ كانتْ ثِيابُه كُلُّها غَوالِيَ مُجاوِزَةَ القَدْرِ .. اشْتُرْيَ له مِنْ ثَمَنِها أقَلُّ ما يَلْبَسُ، أقْصَدُ: مَنْ هو في مِثْلِ حالِه، ومَن تَلْزَمُه مُؤنَتُه. (١٣٦٠) وإنْ مات كُفِّنَ مِنْ رأسِ مالِه قبل الغرماءِ، وحُفِرَ قَبْرُه، ومِينَ بأقَلِّ ما يَكْفِيه (٥)، وكذلك مَنْ يَلْزَمُه أن يُكَفِّنَه، ثُمّ قُسِمَ الباقي بين غرمائِه.

стр. 864

(١٣٦١) ويُباعُ عليه مَسْكَنُه وخادِمُه؛ لأنّ مِنْ ذلك بُدًّا. (١٣٦٢) وإنْ أقام شاهدًا على رجلٍ بحَقٍّ ولم يَحْلِفْ مع شاهدِه .. فليس للغرماءِ أن يَحْلِفُوا، ليس لهم إلّا ما تَمَّ مِلْكُه عليه دونهم.

стр. 865

(١٥٤) باب العهدة في مال المفلس (١٣٦٣) قال الشافعي: مَنْ بِيعَ عليه في دينٍ بعد مَوْتِه أو في حياتِه أو تَفْلِيسِه فكُلُّه سواءٌ، والعُهْدَةُ في مالِ الميِّتِ كهي في مالِ الحيِّ، لا اخْتِلافَ في ذلك عندي (١). (١٣٦٤) ولو بِيعَتْ دارُه بألفٍ، وقَبَضَ أمينُ القاضِي الثمنَ، فهَلَكَ مِنْ يَدِه، واسْتُحِقَّت الدارُ .. فلا عُهْدَةَ على الغريمِ الذي بِيعَتْ له، وأحَقُّ الناسِ بالعُهْدَةِ: المبيعُ عليه، فإنْ وُجِدَ له مالٌ بِيعَ، ثُمّ رُدَّ على المشْتَرِي مالُه؛ لأنّه مأخوذٌ منه ببَيْعٍ لم يَسْلَمْ له، فإن لم يُوجَدْ له شيءٌ فلا ضَمانَ على القاضي ولا أمينِه، ويُقالُ للمشتري: أنت غريمٌ للمفلسِ أو للمَيِّتِ كغرمائِه سواءً (٢).

стр. 866

(١٥٥) باب حبس المفلس (١٣٦٥) قال الشافعي: وإذا ثَبَتَ عليه الدينُ .. بِيعَ ما ظَهَرَ له ودُفِعَ، ولم يُحْبَسْ، وإن لم يَظْهَرْ .. حُبِسَ، وبِيعَ ما قُدِرَ عليه مِنْ مالِه. (١٣٦٦) فإنْ ذَكَرَ عُسْرَةً .. قَبِلْتُ منه البَيِّنةَ؛ لقول الله جل وعز: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ [البقرة: ٢٨٠]، وأحْلَفْتُه مع ذلك بالله، وأخَلِّيه، ومَنَعْتُ غرماءَه مِنْ لُزُومِه، حتّى تَقُومَ بَيِّنَةٌ أنْ قد أفاد مالًا (١). (١٣٦٧) فإنْ شَهِدُوا أنّهم رَأوْا في يَدَيه مالًا .. سَألْتُه، فإنْ قال: مُضارَبَةً .. قَبِلْتُ منه مع يَمِينِه. (١٣٦٨) ولا غايةَ لحَبْسِه أكْثَرُ مِنْ الكَشْفِ عنه، فمتى اسْتَقَرَّ عند الحاكمِ ما وَصَفْتُ لم يَكُنْ له حَبْسُه، ولا يُغْفِلُ المسألةَ عنه. (١٣٦٩) وإذا أفاد مالًا .. فجائزٌ ما صَنَعَ فيه حتّى يُحْدِثَ له السلطانُ وَقْفًا آخَرَ؛ لأنّ الوَقْفَ الأوّلَ لم يَكُنْ لأنّه غيرُ رَشِيدٍ. (١٣٧٠) وإذا أراد الذي عليه الدينُ إلى أجلٍ السفرَ، وأراد غريمُه مَنْعَه لبُعْدِ سَفَرِه وقُرْبِ أجَلِه أو يَأخُذَ منه كفيلًا .. مُنِعَ منه، وقيل: حَقُّكَ حيث وَضَعْتَه ورَضِيتَه (٢).

стр. 867

[١٥] كتاب الحَجْر (١)
следующие страницы →