(١٣٥٦) قال الشافعي: ولو جُنِيَ عليه عَمْدًا .. لم يَكُنْ عليه أخْذُ المالِ إلّا أن يَشاءَ (١).
(١٣٥٧) قال: وليس على المفْلِسِ أن يُؤاجِرَ، وذُو العُسْرَةِ مُنْظَرٌ إلى مَيْسَرَةٍ (٢).
(١٣٥٨) ويُتْرَكُ له مِنْ مالِه قَدْرُ ما لا غِنَى به عنه وأقَلُّ ما يَكْفِيه وأهْلَه يَوْمَه مِنْ الطعامِ والشرابِ، وإنْ كان لبيعِ مالِه حبسٌ أنفق منه عليه وعلى أهْلِه كُلَّ يومٍ أقَلَّ ما يَكْفِيهم مِنْ نَفَقَةٍ وكِسْوَةٍ، كان (٣) ذلك في شِتاءٍ أو صَيْفٍ، حتّى يَفْرُغَ مِنْ قَسْمِ مالِه بين غرمائِه (٤).
(١٣٥٩) وإنْ كانتْ ثِيابُه كُلُّها غَوالِيَ مُجاوِزَةَ القَدْرِ .. اشْتُرْيَ له مِنْ ثَمَنِها أقَلُّ ما يَلْبَسُ، أقْصَدُ: مَنْ هو في مِثْلِ حالِه، ومَن تَلْزَمُه مُؤنَتُه.
(١٣٦٠) وإنْ مات كُفِّنَ مِنْ رأسِ مالِه قبل الغرماءِ، وحُفِرَ قَبْرُه، ومِينَ بأقَلِّ ما يَكْفِيه (٥)، وكذلك مَنْ يَلْزَمُه أن يُكَفِّنَه، ثُمّ قُسِمَ الباقي بين غرمائِه.
стр. 864
(١٣٦١) ويُباعُ عليه مَسْكَنُه وخادِمُه؛ لأنّ مِنْ ذلك بُدًّا.
(١٣٦٢) وإنْ أقام شاهدًا على رجلٍ بحَقٍّ ولم يَحْلِفْ مع شاهدِه .. فليس للغرماءِ أن يَحْلِفُوا، ليس لهم إلّا ما تَمَّ مِلْكُه عليه دونهم.
стр. 865
(١٥٤)
باب العهدة في مال المفلس
(١٣٦٣) قال الشافعي: مَنْ بِيعَ عليه في دينٍ بعد مَوْتِه أو في حياتِه أو تَفْلِيسِه فكُلُّه سواءٌ، والعُهْدَةُ في مالِ الميِّتِ كهي في مالِ الحيِّ، لا اخْتِلافَ في ذلك عندي (١).
(١٣٦٤) ولو بِيعَتْ دارُه بألفٍ، وقَبَضَ أمينُ القاضِي الثمنَ، فهَلَكَ مِنْ يَدِه، واسْتُحِقَّت الدارُ .. فلا عُهْدَةَ على الغريمِ الذي بِيعَتْ له، وأحَقُّ الناسِ بالعُهْدَةِ: المبيعُ عليه، فإنْ وُجِدَ له مالٌ بِيعَ، ثُمّ رُدَّ على المشْتَرِي مالُه؛ لأنّه مأخوذٌ منه ببَيْعٍ لم يَسْلَمْ له، فإن لم يُوجَدْ له شيءٌ فلا ضَمانَ على القاضي ولا أمينِه، ويُقالُ للمشتري: أنت غريمٌ للمفلسِ أو للمَيِّتِ كغرمائِه سواءً (٢).
стр. 866
(١٥٥)
باب حبس المفلس
(١٣٦٥) قال الشافعي: وإذا ثَبَتَ عليه الدينُ .. بِيعَ ما ظَهَرَ له ودُفِعَ، ولم يُحْبَسْ، وإن لم يَظْهَرْ .. حُبِسَ، وبِيعَ ما قُدِرَ عليه مِنْ مالِه.
(١٣٦٦) فإنْ ذَكَرَ عُسْرَةً .. قَبِلْتُ منه البَيِّنةَ؛ لقول الله جل وعز: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ [البقرة: ٢٨٠]، وأحْلَفْتُه مع ذلك بالله، وأخَلِّيه، ومَنَعْتُ غرماءَه مِنْ لُزُومِه، حتّى تَقُومَ بَيِّنَةٌ أنْ قد أفاد مالًا (١).
(١٣٦٧) فإنْ شَهِدُوا أنّهم رَأوْا في يَدَيه مالًا .. سَألْتُه، فإنْ قال: مُضارَبَةً .. قَبِلْتُ منه مع يَمِينِه.
(١٣٦٨) ولا غايةَ لحَبْسِه أكْثَرُ مِنْ الكَشْفِ عنه، فمتى اسْتَقَرَّ عند الحاكمِ ما وَصَفْتُ لم يَكُنْ له حَبْسُه، ولا يُغْفِلُ المسألةَ عنه.
(١٣٦٩) وإذا أفاد مالًا .. فجائزٌ ما صَنَعَ فيه حتّى يُحْدِثَ له السلطانُ وَقْفًا آخَرَ؛ لأنّ الوَقْفَ الأوّلَ لم يَكُنْ لأنّه غيرُ رَشِيدٍ.
(١٣٧٠) وإذا أراد الذي عليه الدينُ إلى أجلٍ السفرَ، وأراد غريمُه مَنْعَه لبُعْدِ سَفَرِه وقُرْبِ أجَلِه أو يَأخُذَ منه كفيلًا .. مُنِعَ منه، وقيل: حَقُّكَ حيث وَضَعْتَه ورَضِيتَه (٢).
(١٣٧١) قال الشافعي: قال الله ﵎: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم﴾ [النساء: ٦] (١)، قال الشافعي: والبُلوغُ خمسَ عَشْرَةَ سنةً، إلّا أن يَحْتَلِمَ الغلامُ أو تَحِيضَ الجاريةُ قبل ذلك.
(١٣٧٢) وقال الله ﵎: ﴿فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل﴾ [البقرة: ٢٨٢] (٢)، فأثْبَتَ الولايةَ على السَّفِيهِ والضعيفِ والذي لا يَسْتَطِيعُ أن يُمِلَّ هو (٣)، وأمَرَ وَلِيَّه بالإملاءِ عنه؛ لأنّه أقامه فيما لا غِنَى به عنه في مالِه مُقامَه، وقيل: الذي لا يَسْتَطِيعُ أن يُمِلَّ يَحْتَمِلُ أن يَكونَ المغلوبَ على عَقْلِه، وهو أشْبَهُ معانيه به، والله أعلم.
(١٣٧٣) وإذْ أمَرَ اللهُ بدَفْعِ أموالِ اليَتامَى إليهم بأمرين .. لم تُدْفَعْ إليهم إلّا بهما، وهما البلوغُ والرُّشْدُ.
(١٣٧٤) قال الشافعي: و «الرشد» والله أعلم: الصلاحُ في الدينِ، حتّى تَكونَ الشهادةُ جائزةً، مع إصلاحِ المال.
(١٣٧٥) وإنّما يُعْرَفُ صَلاحُ الحالِ (٤) بأن يُخْتَبَرَ اليتيمان، والاختبارُ
стр. 869
يَخْتَلِفُ بقَدْرِ حالِ المخْتَبَرِ (١)، فمنهم مَنْ يُبْتَذَلُ فيُخالِطُ الناسَ بالشراءِ والبيعِ قبلَ البلوغِ وبعدَه، فيَقْرُبُ اخْتِبارُه، ومنهم مَنْ يُصانُ عن الأسواقِ، فاخْتِبارُه أبْعَدُ، فيُخْتَبَرُ في نَفَقَتِه، فإنْ أحْسَنَ إنفاقَها على نَفْسِه وشراءَ ما يَحْتاجُ إليه، أو يُدْفَعُ إليه اليسيرُ، فإذا أحْسَنَ تَدْبِيرَه وتَوْفِيرَه، ولم يُخْدَعْ عنه .. دُفِعَ إليه مالُه.
(١٣٧٦) واخْتِبارُ المرأةِ مع عِلْمِ صَلاحِها لقِلَّةِ مُخالَطَتِها في البيعِ والشراءِ أبْعَدُ، فتَخْتَبِرُها النساءُ وذَوُو المحارِمِ بمثل ما وَصَفْتُ، فإذا أونِسَ منها الرُّشْدُ دُفِعَ إليها مالُها، تَزَوَّجَتْ أم لم تَتَزَوَّجْ؛ كما يُدْفَعُ إلى الغلامِ مالُه (٢) نَكَحَ أو لم يَنْكِحْ؛ لأنّ اللهَ ﵎ سَوَّى بينهما في دَفْعِ أموالهما إليهما بالبلوغِ والرُّشْدِ، ولم يَذْكُرْ تَزْوِيجًا.
(١٣٧٧) واحْتَجَّ الشافعيُّ في الحَجْرِ بعثمانَ وعليٍّ والزبيرِ.
(١٣٧٨) قال الشافعي: وإذا كانَ واجبًا أن يُحْجَرَ على مَنْ قاربَ البلوغَ وقد عَقَلَ نَظَرًا له وإبقاءً لمالِه، فكان بعد البلوغِ أشَدَّ تَضْيِيعًا لمالِه وأكثرَ إتْلافًا له .. فلِمَ لا يَجِبُ الحَجْرُ عليه، والمعنى الذي أُمِرْنَا بالحَجْرِ عليه به فيه؟
(١٣٧٩) وإذا حَجَرَ الإمامُ عليه لسَفَهِه وإفسادِه مالَه .. أشْهَدَ على ذلك، فمَنْ بايعَه بعد الحَجْرِ فهو المتْلِفُ لمالِه.
(١٣٨٠) ومتى (٣) أطْلَقَ عنه الحَجْرَ، ثُمّ عاد إلى حالِ الحَجْرِ .. حَجَرَ عليه، ومتى رَجَعَ بعد الحَجْرِ إلى حالِ الإطلاقِ .. أطْلَقَ عنه.
стр. 870
(١٣٨١) فإن قيل: فلِمَ أجَزْتَ طلاقَه وهو إتلافٌ؟ .. قيل: ليس بإتلافٍ (١)، ألا تَرَى أنّه يَمُوتُ فلا تُورَثُ عنه امرأتُه، ولا يَحِلُّ فيها هِبَتُه ولا بَيْعُه، ويُورَثُ عنه عبدُه، ويُباعُ عليه فيُمْلَكُ ثمنُه، والعبدُ مالٌ بكلِّ حالٍ، والمرأةُ ليستْ بمالٍ؟ أوَلا تَرَى أنّ العبدَ يُؤذَنُ له في التجارةِ والنكاحِ، فيَكُونَ له الطلاقُ والإمساكُ دون سَيِّدِه، ولمالكِه أخذُ مالِه كُلِّه دونه؟
стр. 871
[١٦]
كتاب الصلح
إملاء على كتاب أبي يوسف وما دخل فيه من كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى والشافعي (١)
стр. 872
(١٣٨٢) قال الشافعي: ورُوِي عن عمر بن الخطاب أنّه قال: «الصُّلْحُ جائزٌ بين المسلمين، إلا صُلْحًا أحَلَّ حرامًا، أو حَرَّم حلالًا».
(١٣٨٣) قال الشافعي: فما جاز في البيعِ جاز في الصلحِ، وما بَطَلَ فيه بَطَلَ في الصلحِ، فإنْ صالَحَ رجلٌ أخاه مِنْ مُوَرِّثِه .. فإنْ عَرَّفا ما صالحه عليه بشيءٍ يَجُوزُ في البيعِ جاز.
(١٣٨٤) ولو ادّعَى على رجلٍ حَقًّا، فصالحه مِنْ دَعْواه وهو مُنْكِرٌ .. فالصلحُ باطلٌ، ويَرْجِعُ المدّعِي على دَعْواه، ويَأخُذُ مِنه صاحبُه ما أعطاه.
(١٣٨٥) ولو صالح عنه رجلٌ يُقِرُّ عنه بشيءٍ .. جاز الصلحُ، وليس للذي أعْطَى عنه أن يَرْجِعَ عليه؛ لأنّه تَطَوَّعَ به.
(١٣٨٦) ولو أشْرَعَ جَناحًا على طريقٍ نافذةٍ، فصالحه رجلٌ (١) على ذلك .. لم يَجُزْ، ونُظِرَ، فإنْ كان لا يَضُرُّ تُرِكَ، وإنْ ضَرَّ قُطِعَ.
(١٣٨٧) ولو أنّ رجلين ادّعَيا دارًا في يَدَيْ رجلٍ، فقالا: وَرِثْناها عن أبينا، فأقَرَّ لأحدِهما بنِصْفِها، فصالحه مِنْ ذلك الذي أقَرَّ له به على شيءٍ، كان لأخيه أن يَدْخُلَ معه فيه.
قال المزني: قلت أنا (٢): يَنْبَغِي في قياسِ قولِه أن يَبْطُلَ الصلحُ في حَقِّ أخيه (٣)؛ لأنّه صار لأخيه بإقرارِه قبل أن يُصالِحَ عليه، إلّا أن يكونَ صالَحَ بأمرِه، فيَجُوزُ عليه.
(١٣٨٨) قال الشافعي: ولو كانت المسألةُ بحالها، وادّعَى كلُّ واحدٍ
стр. 873
منهما نِصْفَها، فأقَرَّ لأحدِهما بالنصفِ، وجَحَدَ الآخَرَ .. لم يَكُنْ للآخَرِ في ذلك حَقٌّ، وكان على خُصُومَتِه، ولو كان أقَرَّ لأحدِهما بجميعِ الدارِ .. فإنْ كان لم يُقِرَّ للآخَرِ بأنّ له النِّصْفَ فله الكُلُّ، وإنْ كان أقَرَّ أنّ له النِّصْفَ ولأخيه النِّصْفَ كان لأخيه أن يَرْجِعَ بالنصفِ عليه.
(١٣٨٩) وإنْ صالحه على دارٍ أقَرَّ بها له بعبدٍ قَبَضَه، فاسْتَحَقَّ العبدَ، رَجَعَ إلى الدارِ فأخَذَها منه.
(١٣٩٠) ولو صالحه على أن يَسْكُنَها الذي هي في يَدَيْه وَقْتًا .. فهي عاريّةٌ، إنْ شاء أخْرَجَه منها.
(١٣٩١) ولو صالحه منها على خِدْمةِ عبدٍ بعينِه سَنةً، فباعَه الموْلَى .. كان للمُشْتَرِي الخيارُ في أن يُجِيزَ البيعَ، وتَكُونَ الخدمةُ على العبدِ للمُصالَحِ، أو يَرُدَّ البيعَ، ولو مات العبدُ .. جاز مِنْ الصلحِ بقَدْرِ ما اسْتَخْدَم، وبَطَلَ منه بقَدْرِ ما بَقِي.
(١٣٩٢) وإذا تَداعَى رجلان جِدارًا بين دارَيْهِما .. فإنْ كان مُتَّصِلًا ببِناءِ أحدِهما اتِّصالَ البُنْيانِ الذي لا يَحْدُثُ مِثْلُه إلّا مِنْ أوّلِ البُنْيانِ، جَعَلْتُه له، دون المنْقَطِعِ منه، وإنْ كان يَحْدُثُ مِثْلُه بعد كَمالِ بُنْيانِه - مثلَ: نَزْعِ طُوبَةٍ وإدخالِ أخْرَى - أحْلَفْتُهما وجَعَلْتُه بينهما، وإنْ كان غيرَ مَوْصولٍ بواحدٍ مِنْ بِنائِهما، أو مُتَّصِلًا ببِنائِهما جميعًا .. جَعَلْتُه بينهما بعد أن أُحْلِفَ كُلَّ واحدٍ منهما، ولا أنْظُرُ إلى مَنْ إليه الدَّواخِلُ، ولا الخَوارِجُ، ولا أنْصافُ اللَّبِنِ، ولا مَعاقِدُ القُمُطِ (١)؛ لأنّه ليس في شيءٍ مِنْ هذا دَلالَةٌ.
стр. 874
(١٣٩٣) ولو كان لأحدِهما عليه جُذُوعٌ، ولا شيءَ للآخَرِ عليه .. أحْلَفْتُهما، وأقْرَرْتُ الجُذُوعَ بحالها، وجَعَلْتُ الجِدارَ بينهما نِصْفَيْن؛ لأنّ الرجلَ قد يَرْتَفِقُ بجدارِ الرجلِ بالجُذُوعِ بأمرِه وغيرِ أمرِه.
(١٣٩٤) ولم أجْعَلْ لواحدٍ منهما أن يَفْتَحَ فيه كُوَّةً، ولا يَبْنِيَ عليه بِناءً، إلّا بإذنِ صاحبِه، وقَسَمْتُه بينهما إنْ شاءا، إنْ كان عَرْضُه ذراعًا .. أعطَيْتُه شِبْرًا في طولِ الجدارِ، ثُمّ قُلْتُ له: إنْ شئتَ أنْ تَزِيدَ مِنْ عَرْصَةِ دارِك أو بيتِك شِبْرًا آخَرَ ليكونَ لكَ جِدارًا خالصًا فذلك لك.
(١٣٩٥) ولو هَدَماه ثُمّ اصْطَلَحا على أن يَكونَ لأحدِهما ثُلُثُه، وللآخَرِ ثُلُثاه، على أن يَحْمِلَ كلُّ واحدٍ منهما ما شاء عليه إذا بَناه .. فالصلحُ فاسدٌ، وإنْ شاءا أو أحدُهما .. قَسَمْتُ أرْضَه بينهما نِصْفَيْن.
(١٣٩٦) وإذا كان البيتُ السُّفْلُ في يَدَي رجلٍ، والعُلْوُ في يَدَي آخَرَ، فتَداعَيا سَقْفَه (١) .. فهو بينهما نِصْفَيْن؛ لأنّه سَقْفٌ للسُّفْلِ نافعٌ له، وسَطْحٌ للعُلْوِ أرْضٌ له.
(١٣٩٧) فإنْ سَقَطَ .. لم يُجْبَرْ صاحبُ السُّفْلِ على البناءِ (٢)، فإنْ
стр. 875
تَطَوَّعَ صاحبُ العُلْوِ بأن يَبْنِيَ السُّفْلَ كما كان ثُمّ يَبْنِي عُلْوَهُ كما كان .. فذلك له، وليس له مَنْعُ صاحبِ السُّفْلِ مِنْ سَكَنِه، ونَُقْضِ الجدرانِ له (١)، ومَتَى شاء أن يَهْدِمَها هَدَمَها، وكذلك الشُّرَكاءُ في نَهْرٍ أو بِئرٍ، لا يُجْبَرُ أحدُهم على الإصلاحِ لضَرَرٍ ولا غيرِه، ولا يُمْنَعُ المنْفَعَةَ، فإنْ أصْلَحَ غيرُه فله عينُ مالِه، مَتَى شاءَ نَزَعَه.
وقال في «كتاب الدعوى على كتاب أبي حنيفة»: «فإذا أفادَ صاحبُ السُّفْلِ مالًا أخَذَ منه قِيمةَ ما أنْفَقَ في السُّفْلِ»، قال المزني: قلت أنا (٢): الأوّلُ أوْلَى بقولِه؛ لأنّ البانيَ مُتَطَوِّعٌ، فليس له أخْذُه مِنْ غَيْرِه، إلّا أن يُراضِيَه عليه (٣).
(١٣٩٨) قال الشافعي: وإذا كانتْ لرجلٍ نَخْلَةٌ أو شَجَرَةٌ، فاسْتَعْلَتْ وانْتَشَرَتْ أغصانُها على دارِ رجلٍ .. فعليه قَطْعُ ما شَرَعَ في دارِ غيرِه، فإنْ صالحه على تَرْكِه فليس بجائزٍ (٤).
стр. 876
(١٣٩٩) قال: ولو صالحه على دراهم بدنانير، أو على دنانير بدراهم .. لم يَجُزْ إلّا بالقبضِ، فإنْ قَبَضَ بعضًا وبَقِيَ بعضٌ .. جاز فيما قَبَضَ، وانْتَقَضَ فيما لم يَقْبِضْ، إذا رَضِي بذلك المُصالِحُ القابضُ (١).
(١٤٠٠) وإذا أقَرَّ أحدُ الوَرَثَةِ في دارٍ في أيْدِيهِم بحقٍّ لرجلٍ، ثُمّ صالحه منه على شيءٍ بعَيْنِه .. فالصلحُ جائزٌ، والوارثُ المُقِرُّ مُتَطَوِّعٌ، لا يَرْجِعُ على إخْوَتِه بشيءٍ.
(١٤٠١) قال: ولو ادّعَى رجلٌ على رجلٍ بَيْتًا في يدَيْه، فاصْطَلَحا بعد الإقرارِ على أن يكون لأحدِهما سَطْحُه والبناءُ على جُدْرانِه بِناءً مَعْلومًا .. فجائزٌ.
قال المزني: قلت أنا (٢): «لا يجوز» أقْيَسُ على قولِه في إبطالِه (٣) أن يُعْطِيَ رجلًا مالًا على أن يُشْرِعَ في بِنائِه حُقًّا، فكذلك لا يَجُوزُ الصلحُ على أن يَبْنِي على جُدْرانِه بناءً (٤).
(١٤٠٢) قال الشافعي: ولو اشْتَرَى عُلْوَ بَيْتٍ على أن يَبْنِيَ على جُدْرانِه، ويَسْكُنَ على سَطْحِه .. أجَزْتُ ذلك إذا سَمَّيَا مُنْتَهَى البُنْيانِ؛ لأنّه ليس كالأرضِ في احْتِمالِ ما يُبْنَى عليها.
قال المزني: هذا عندي (٥) غيرُ مَنْعِه في «كتاب أدبِ القاضي» أن
стр. 877
يَقْتَسِما دارًا على أن يَكُونَ لأحدِهما السُّفْلُ، وللآخَرِ العُلْوُ حتّى يَكُونَ السُّفْلُ وعُلْوُه لواحدٍ (١).
(١٤٠٣) قال الشافعي: ولو كانتْ مَنازِلُ سُفْلٍ في يَدَيْ رجلٍ، والعلوُ في يَدَيْ آخَرَ، فتَداعَيا العَرْصَةَ .. فهي بينهما، ولو كانتْ فيها دَرَجٌ إلى عُلْوِها .. فهي لصاحبِ العُلْوِ، كانتْ مَعْقُودَةً أو غيرَ مَعْقُودَةٍ؛ لأنّها تُتَّخَذُ مَمَرًّا، وإن انْتُفِعَ بما تَحْتَها.
(١٤٠٤) ولو ادّعَى على رجلٍ زَرْعًا في أرضٍ، فصالحه مِنْ ذلك على دراهم .. فجائزٌ؛ لأنّ له أن يَبِيعَ زَرْعَه أخْضَرَ مِمَّنْ يَقْصِلُه (٢).
(١٤٠٥) ولو كان الزرعُ بين رجلين (٣)، فصالحه أحدُهما على نصفِ الزرعِ .. لم يَجُزْ مِنْ قِبَلِ أنّه لا يَجُوزُ أن يَقْسِمَ الزرعَ أخْضَرَ، ولا يُجْبَرُ شَرِيكُه على أن يَقْلَعَ منه شيئًا.
стр. 878
[١٧]
كتاب الحوالة (١)
مما سمعت من الشافعي وما تحريت من مذهبه فيها
стр. 879
(١٤٠٦) قال الشافعي: أخبرنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ، وإذا أُتْبِعَ أحدُكم على مَلِيءٍ فلْيَتْبَعْ» (١).
(١٤٠٧) قال الشافعي: وفي هذا دَلالَةُ أنّ الحقَّ يُحوَّلُ على الْمُحالِ عليه، وبَرِئ منه المحيلُ، فلا يَرْجِعُ عليه أبدًا، كان المحالُ عليه غَنِيًّا أو فَقِيرًا، أفْلَسَ أو مات مُعْدِمًا، غُرَّ منه أو لم يُغَرَّ (٢).
(١٤٠٨) قال: ولو كان كما قال محمدُ بن الحسن: إذا أفْلَسَ أو ماتَ مُفْلِسًا رَجَعَ على المحيلِ .. لَمَا ضَرَّ المحتالَ على مَنْ أحِيلَ؛ لأنّ حَقَّه ثابتٌ على المحيلِ، ولا يَخْلُو مِنْ أن يَكُونَ حَقُّه قد تَحَوَّلَ عنِّي فصار على
стр. 880
غَيْرِي، فلِمَ يَأخُذُنِي بما قد بَرِئتُ منه (١) لأنْ أفْلَسَ غَيْرِي؟ أو لا يَكُونُ حَقُّه تَحَوَّلَ عنِّي فلِمَ أبْرأني منه قَبْلَ أن يُفْلِسَ المحالُ عليه؟ (٢).
(١٤٠٩) واحْتَجّ محمدُ بنُ الحسن بأنّ عثمانَ قال في الحوالة أو الكفالة: «يَرْجِعُ صاحبُها، لا تَوًى على مالِ مسلمٍ» (٣)، وهو عندي يَبْطُلُ مِنْ وجهين، ولو صَحَّ ما كان له فيه شيءٌ؛ لأنّه لا يَدْرِي قال ذلك في الحوالةِ أو الكفالةِ.
стр. 881
(١٥٦)
باب (١)
قال المزني:
هذه مسائل تحريت فيها معانيَ جوابات الشافعي في الحوالة (٢)
قال المزني: قلت أنا (٣):
(١٤١٠) من ذلك: لو اشْتَرَى عبدًا بألفِ درهمٍ (٤)، ثُمّ أحالَ البائعَ بالألْفِ على رجلٍ له عليه دَيْنُ ألفِ درهمٍ، فاحْتالَ، ثُمّ إنَ المشتريَ وَجَدَ بالعبدِ عَيْبًا فرَدَّه .. بَطَلَت الحوالةُ، وإنْ رَدَّ العبدَ (٥) بعد أنْ قَبَضَ البائعُ ما احْتالَ به .. رَجَعَ المشتري على البائعِ، وكان المحالُ عليه منه بريئًا.
قال المزني: يَنْبَغِي أن يُنْظَرَ في هذا، ولا يَنْبَغِي أن تَبْطُلَ الحوالةُ (٦).
стр. 882
(١٤١١) ولو كان البائعُ أحالَ على المشتري بهذه الألفِ رجلًا له عليه ألفُ درهمٍ، ثُمّ تَصادَقَ البائعُ والمشتري أنّ العبدَ الذي تَبايَعاه حُرُّ الأصلِ .. فإنّ الحوالةَ لا تَنْتَقِضُ؛ لأنّهما يُبْطِلان بقولِهما حَقًّا لغيرِهما، فإنْ صَدَّقَهما المحتالُ أو قامتْ بذلك بَيِّنَةٌ .. انْتَقَضَت الحوالةُ.
(١٤١٢) ولو أحالَ رجلًا (١) على رجلٍ بألفِ درهمٍ وضَمِنَها له، ثُمّ اخْتَلَفا، فقال المحيلُ: أنت وَكِيلي فيها، وقال المحتالُ: بل أحَلْتَنِي بمالي
стр. 883
عليك (١)، وتَصادَقا على الحوالةِ والضمانِ .. فالقولُ قولُ المحيلِ، والمحتالُ مُدَّعٍ، ولو قال المحتالُ: أحَلْتَنِي عليه لأقْتَضِيَه لك (٢)، ولم تُحِلْنِي بمالي عليك .. فالقولُ قولُه مع يمينِه، والمحيلُ مُدَّعٍ للبراءةِ مما عليه، فعليه البَيِّنَةُ.
(١٤١٣) ولو كان لرجلٍ على رجلٍ ألفُ درهمٍ، فأحاله المطلوبُ بها على رجلٍ له عليه ألفُ درهمٍ، ثُمّ أحالَه بها المحتالُ عليه على ثالثٍ له عليه ألفُ درهمٍ .. بَرِئ الأوّلان، وكانتْ للطالبِ على الثالثِ.
стр. 884
[١٨]
كتاب الضمان (١)
تحريت فيه (٢) مذهب الشافعي وقياس قوله
стр. 885
(١٤١٤) قال المزني: قال الله ﵎: ﴿قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم﴾ [يوسف: ٧٢]، وقال : ﴿سلهم أيهم بذلك زعيم﴾ [القلم: ٤٠].
(١٤١٥) ورُوِيَ عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «والزَّعِيمُ غارمٌ»، و «الزعيمُ» في اللغة: هو الكفيل (١).
(١٤١٦) ورُوِيَ عن أبي سعيد الخدري، قال: «كنا مع النبي ﷺ في جِنازةٍ، فلمّا وُضِعَتْ قال النبيُّ ﷺ : هل على صاحبِكم مِنْ دينٍ؟ قالوا: نعم، درهمان، قال: صَلُّوا على صاحبِكم، قال عليٌّ: هما عَليَّ يا رسول الله، وأنا لهما ضامنٌ، فقام النبيُّ ﷺ فصَلَّى عليه، ثُمّ أقْبَلَ على عَلِيٍّ، فقال: جَزاك اللهُ عن الإسلامِ (٢) خيرًا، وفَكَّ رِهانَك كما فَكَكْتَ رِهانَ أخيك»، قال المزني: قلت أنا (٣): وفي ذلك دليلٌ أنّ الدينَ الذي كان على الميِّتِ لَزِمَ غيرَه بأنْ ضَمِنَه.
(١٤١٧) ورَوَى الشافعيُّ في «قَسْمِ الصدقاتِ» أنّ رسولَ الله ﷺ قال: «لا تَحِلُّ الصَّدقةُ لِغَنِيٍّ إلا لثلاثةٍ»، ذكر منها «رجلٌ (٤) تَحَمَّلَ بحَمالَةٍ فحَلَّتْ
стр. 886
له الصدقةُ» (١)، قال المزني: قلت أنا (٢): فكانت الصدقةُ مُحَرَّمَةً قبل الحَمالةِ، فلمّا تَحَمَّلَ لَزِمَه الغُرْمُ بالحَمالَةِ، فخَرَجَ مِنْ معناه الأوَّل إلى أنْ حَلَّتْ له الصدقةُ.
(١٤١٨) قال الشافعي: إذا ضَمِنَ رجلٌ عن رجلٍ حَقًّا .. فللمضمونِ له أن يَأخُذَ أيَّهما شاء، فإنْ ضَمِنَ بأمْرِه وغَرِمَ .. رَجَعَ بذلك عليه، وإنْ تَطَوَّعَ بالضمانِ .. لم يَرْجِعْ.
(١٤١٩) قال المزني: قلت أنا (٣): وكذلك كلُّ ضامنٍ، في دَيْنٍ، وكَفالةٍ بدَيْنٍ، وأجْرَةٍ، ومَهْرٍ، وضَمانِ عُهْدَةٍ (٤)، وأرْشِ جُرْحٍ، ودِيَةِ نفسٍ، فإنْ أدّى ذلك الضامنُ عن المضمونِ عنه بأمْرِه .. رَجَعَ به عليه، وإنْ أدّاه بغيرِ أمرِه .. كان (٥) مُتَطَوِّعًا لا يَرْجِعُ به، فإنْ أُخِذَ الضامنُ بالحقِّ، وكان ضمانُه بأمرِ الذي هو عليه .. فله أخْذُه بخَلاصِه، وإنْ كان بغيرِ أمْرِه .. لم يَكُنْ له أخْذُه في قياسِ قولِه.
(١٤٢٠) ولو ضَمِنَ عن الأوَّلِ بأمرِه (٦)، ثُمّ ضَمِنَ عن الضامنِ ضامنٌ بأمرِه .. فجائزٌ.
стр. 887
(١٤٢١) فإنْ قَبَضَ الطالبُ حَقَّه مِنْ الذي عليه أصلُ المال، أو أحاله به .. بَرِئُوا جميعًا، ولو قَبَضَه مِنْ الضامنِ الأوَّلِ .. رَجَعَ به على الذي عليه الأصلُ، وبَرِئَ منه الضامنُ الآخِرُ، وإنْ قَبَضَه مِنْ الضامنِ الآخِرِ (١) .. رَجَعَ به على الضامنِ الأوَّلِ، ورَجَعَ الأوَّلُ على الذي عليه الأصلُ.
(١٤٢٢) ولو كانت المسألةُ على حالها (٢)، فأبْرَأ الطالبُ الضامِنَيْنِ جميعًا .. بَرِئا، ولا يَبْرَأ الذي عليه الأصلُ؛ لأنّ الضمانَ عند الشافعيِّ ليس بحَوالةٍ، ولكنَّ الحقَّ على أصْلِه، والضامنُ مأخوذٌ به.
(١٤٢٣) قال المزني: قلت أنا (٣): ولو كان له على رَجُلَينِ ألفُ درهمٍ، وكلُّ واحدٍ منهما كفيلٌ ضامنٌ عن صاحبِه بأمرِه، فدَفَعَها أحدُهما .. رَجَعَ بنِصفها على صاحبِه، وإنْ أبْرَأ الطالبُ أحدَهما مِنْ الألفِ .. سَقَطَ عنه نصفُها الذي عليه، وبَرِئَ مِنْ ضَمانِ نِصْفِها الذي على صاحبِه، ولم يَبْرَأ صاحبُه مِنْ نِصْفِها الذي عليه.
(١٤٢٤) ولو أقام رجلٌ البَيِّنَةَ أنّه باع مِنْ هذا الرجلِ ومِن رجلٍ غائبٍ عبدًا وقَبَضَاه منه بألفِ درهمٍ، وكلُّ واحدٍ منهما كفيلٌ ضامنٌ لذلك عن صاحبِه بأمرِه .. قُضِيَ عليه وعلى الغائبِ بذلك، وغَرِمَ الحاضرُ جميعَ الثمنِ، ورَجَعَ بالنصفِ على الغائبِ.
قال المزني: قلت أنا (٤): وهذا مما يُجامِعُنا عليه مَنْ أنْكَرَ القضاءَ على الغائبِ.
стр. 888
(١٤٢٥) ولو ضَمِنَ عن رجلٍ بأمْرِه ألفَ درهمٍ عليه لرجلٍ، فدَفَعَها بمَحْضَرِه، ثُمّ أنْكَرَ الطالبُ أن يَكُونَ قَبَضَ شَيْئًا .. حَلَفَ، وبَرِئَ، وقُضِيَ على الذي عليه الدينُ بدَفْعِ الألفِ إلى الطالبِ، وبدفعِ الألفِ إلى الضامنِ؛ لأنّه دَفَعَها بأمْرِه، وصارتْ له دَيْنًا عليه، فلا يُذْهِبُ حَقَّه ظُلْمُ الطالبِ له، ولو أنَّ الطالبَ طَلَبَ الضامنَ، فقال: لم تَدْفَعْ إليَّ شَيْئًا .. قُضِيَ عليه بدَفْعِها ثانيةً، ولم يَرْجِعْ على الآمرِ إلّا بالألفِ التي ضَمِنَها عنه؛ لأنّه يُقِرُّ أنّ الثانيةَ ظُلْمٌ مِنْ الطالبِ له، فلا يَرْجِعُ على غيرِ مَنْ ظَلَمَه.
(١٤٢٦) ولو ضَمِنَ لرجلٍ ما قُضِيَ به له على آخَرَ، أو ما يَشْهَدُ به فلانٌ عليه .. قال الشافعي: لا يَجُوزُ هذا، وهذه مخاطرةٌ.
(١٤٢٧) قال الشافعي: ولو ضَمِنَ دَيْنَ مَيِّتٍ بعدما يَعْرِفُه ويَعْرِفُ لمن هو .. فالضَّمانُ لازمٌ، وتَرَكَ الميِّتُ شيئًا أو لم يَتْرُكْه (١).
(١٤٢٨) ولا تَجُوزُ كَفالةُ العبدِ المأذونِ له في التجارةِ (٢)؛ لأنّ هذا اسْتِهْلاكٌ.
(١٤٢٩) ولو ضَمِنَ عن مُكاتَبٍ، أو مالًا في يَدَي وَصِيٍّ أو مُقارِضٍ، أو ضَمِنَ ذلك أحدٌ منهم عن نفسه .. فالضمانُ في ذلك كُلِّه باطلٌ.
(١٤٣٠) وضَمانُ المرأة كالرجل.
(١٤٣١) ولا يَجُوزُ ضَمانُ مَنْ لم يَبْلُغْ، ولا مجنونٍ، ولا مُبَرْسَمٍ يَهْذِي، ولا مُغْمًى عليه، ولا أخْرَسَ لا يَعْقِلُ، وإنْ كان يَعْقِلُ الإشارةَ أو الكتابَ فضَمِنَ .. لَزِمَه.
(١٤٣٢) وضَعَّفَ الشافعيُّ كَفالةَ الوَجْهِ في موضعٍ، وأجازها في موضعٍ
(١٤٣٣) قال المزني: الشّرِكَةُ مِنْ وُجُوهٍ (١):
منها: الغنيمةُ، أزال اللهُ مِلْكَ المشركين عن خَيْبَرَ فمَلَّكَها رَسُولَه ﷺ والمؤمنين، فكانوا فيها شُرَكاءَ، فقَسَّمَها رسولُ الله ﷺ خمسةَ أجْزاءٍ، ثُمّ أقْرَعَ بينها، فأخْرَجَ منها خُمسَ الله لأهلِه، وأربعةَ أخماسٍ لأهْلِها، قال المزني: وفي ذلك دليلٌ على قَسْمِ الأموالِ، والضَّرْبِ عليها بالسهامِ.
ومنها: المواريثُ، ومنها: الشَّرِكَةُ في الهباتِ والصدقاتِ في قولِه، ومنها: التجاراتُ، وفي ذلك كُلِّه القَسْمُ إذا كان مما يُقْسَمُ وطَلَبَه الشَّرِيكُ.
ومنها: الشَّرِكَةُ في الصدقاتِ المحرماتِ في قولِه، وهي الأحْباسُ،
стр. 892
ولا وَجْهَ لقَسْمِها في رِقابِها؛ لارْتِفاعِ المِلْكِ عنها، فإنْ تَراضَوْا مِنْ السُّكْنَى سَنَةً بسَنَةٍ .. فلا بأسَ.
(١٤٣٤) والذي يُشْبِهُ قولَ الشافعيِّ: أنّه لا تَجُوزُ الشَّرِكَةُ في العَرْضِ (١)، ولا فيما يَرْجِعُ في حالِ المفاصلةِ إلى القيمةِ؛ لتَغَيُّرِ القِيَمِ، ولا أن يُخْرِجَ أحدُهما عَرْضًا والآخَرُ دنانيرَ، ولا تَجُوزُ إلّا بمالٍ واحدٍ بالدنانيرِ أو بالدراهمِ.
(١٤٣٥) فإنْ أرادا أن يَشْتَرِكا، ولم يُمْكِنْهما إلّا عَرْضٌ .. فإنّ المَخْرَجَ في ذلك عندي (٢): أنْ يَبِيعَ أحدُهما نصفَ عَرْضِه بنصفِ عَرْضِ صاحبِه، ويَتَقابَضان، فيَصِيرُ جميعُ العَرْضَيْن بينهما نِصْفَيْن، ويَكونان فيه شَريكَيْن، إنْ باعا، أو حَبَسا، أو عارضا، لا فضلَ في ذلك لأحدٍ منهما.
(١٤٣٦) وشَرِكَةُ المفاوضة عند الشافعي لا تَجُوزُ بحالٍ.
(١٤٣٧) والشَّرِكَةُ الصَّحِيحةُ: أن يُخْرِجَ كلُّ واحدٍ منهما دنانيرَ مثلَ دنانيرِ صاحبِه، ويَخْلِطاها، فيَكُونا فيها شَريكَيْن، فإن اشْتَرَيا .. فلا يَجُوزُ أن يبيعَ (٣) أحدُهما دون صاحبِه، فإنْ جَعَلَ كلُّ واحدٍ منهما لصاحبِه أن يَتَّجِرَ في ذلك كُلِّه بما رَأى مِنْ أنواعِ التِّجاراتِ .. قام في ذلك مَقامَ صاحبِه، فإنْ رَبِحا أو خَسِرا .. فلهما وعليهما نِصْفَيْن.
(١٤٣٨) ومَتَى فَسَخَ أحدُهما الشَّرِكَةَ .. انْفَسَخَتْ، ولم يَكُنْ (٤) لصاحبِه أن يَشْتَرِيَ ولا يَبِيعَ حتّى يَقْتَسِما.
стр. 893
(١٤٣٩) وإنْ مات أحدُهما .. انْفَسَخَت الشَّرِكَةُ، وقاسَم وَصِيُّ الميِّتِ شَرِيكَه، فإنْ كان الوارثُ بالغًا رشيدًا فأحَبَّ أن يُقِيمَ على شَرِكَتِه كأبيه .. فجائزٌ.
(١٤٤٠) ولو اشْتَرَيا عبدًا وقَبَضَاه، فأصابا به عَيْبًا، فأراد أحدُهما الإمساكَ، والآخَرُ الرَّدَّ .. قال الشافعي: فذلك جائزٌ؛ لأنَّ مَعْقُولًا أنّ كلَّ واحدٍ منهما اشْتَرَى نِصْفَه بنصفِ الثمنِ.
(١٤٤١) ولو اشْتَرَى أحدُهما بما لا يَتَغابَن الناسُ بمثلِه .. كان ما اشْتَرَى له دون صاحبِه، ولو أجازه شريكُه ما جازَ؛ لأنّ شِراءَه كان على غيرِ ما يَجُوزُ عليه.
(١٤٤٢) وأيُّهما ادّعَى في يَدَيْ صاحبِه مِنْ شَرِكَتِهما شَيْئًا .. فهو مُدَّعٍ، وعليه البَيِّنَةُ، وعلى صاحبِه اليمينُ، وأيُّهما ادَّعَى خِيانَةَ صاحبِه .. فعليه البَيِّنَةُ، وأيُّهما زَعَمَ أنّ المالَ قد تَلِفَ .. فهو أمينٌ وعليه اليمينُ (١).
(١٤٤٣) فإذا كان العبدُ بين رجلين، فأمَرَ أحدُهما صاحبَه ببَيْعِه، فباعه مِنْ رجلٍ بألفِ درهمٍ، فأقَرَّ الشريكُ الذي لم يَبِعْ أنّ البائعَ قَبَضَ الثمنَ، وأنْكَرَ ذلك البائعُ، وادّعاه المشتَرِي .. فإنَّ المشتريَ يَبْرَأ مِنْ نصفِ الثمنِ، وهو حِصَّةُ المقِرِّ، ويَأخُذُ البائعُ نصفَ الثمنِ مِنْ المشتري فيَسْلَمُ له، ويَحْلِفُ لشريكِه ما قَبَضَ ما ادَّعَى، فإنْ نَكَلَ .. حَلَفَ صاحبُه واسْتَحَقّ الدَّعْوَى.
(١٤٤٤) ولو كان الشريكُ الذي باع هو الذي أقَرَّ بأنَّ شريكَه الذي لم يَبِعْ قَبَضَ مِنْ المشتري جميعَ الثمنِ، وأنْكَرَ ذلك الذي لم يَبِعْ، وادّعَى ذلك المشتري .. فإنّ المشتريَ يَبْرَأ مِنْ نصفِ الثمنِ بإقرارِ البائعِ أنّ شريكَه قد قَبَضَ الثمنَ؛ لأنّه في ذلك أمينٌ، ويَرْجِعُ البائعُ على المشتري بالنصفِ
стр. 894
الباقي فيُشارِكُه فيه صاحبُه؛ لأنّه لا يُصَدَّقُ على حِصَّةٍ مِنْ الشَّرِكَةِ تَسْلَمُ له، إنّما يُصَدَّقُ في أن لا يَضْمَنَ شَيْئًا لصاحبِه، فأمّا أنّه يَكونُ في يَدَيْه بعضُ مالٍ بينهما فيَدَّعِي على شَريكِه مُقاسَمَةً يَمْلِكُ بها هذا البعضَ خاصَّةً .. فلا يَجُوزُ، ويَحْلِفُ لشريكِه، فإنْ نَكَلَ .. حَلَفَ شريكُه واسْتَحَقَّ دَعْواه.
(١٤٤٥) وإذا كان العبدُ بين رجلين، فغَصَبَ رجلٌ حِصَّةَ أحدِهما، ثُمّ إنّ الغاصبَ والشريكَ الآخَرَ باعا العبدَ مِنْ رجلٍ .. فالبيعُ جائزٌ في نصيبِ الشريكِ البائعِ، ولا يَجُوزُ بيعُ الغاصبِ، ولو أجازه المغصوبُ .. لم يَجُزْ إلّا بتَجْدِيدِ بيعٍ في معنى قولِ الشافعيّ عندي (١)، وبالله التوفيق.
стр. 895
[٢٠]
كتاب الوكالة (١)
تحرّيت (٢) فيها مذهب الشافعي مع ما وجدت له منها
стр. 896
(١٤٤٦) قال المزني (١): قال الله ﵎: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم﴾ [النساء: ٦]، فأمَرَ بحِفْظِ أمْوالِهم حتّى يُؤنَسَ منهم الرُّشْدُ، وهو عند الشافعيّ: أن يَكُونَ بعد البلوغِ مُصْلِحًا لمالِه عَدْلًا في دِينِه، وقال الله ﵎: ﴿فإن كان الذي عليه الحق سفيهًا أو ضعيفًا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ووَلِيُّه عند الشافعي: القَيِّمُ بمالِه (٢)، قال المزني (٣): فإذا جاز أن يَقُومَ بمالِه بتَوْصِيَةِ أبيه بذلك إليه وأبُوه غيرُ مالِكٍ .. كان أن يَقُومَ فيه بتَوْكِيلِ مالِكِه أجْوَزَ، وقدْ وَكَّلَ عليُّ بنُ أبي طالبٍ عَقِيلًا، قال المزني: وذُكِرَ عنه أنّه قال: «هذا عَقِيلٌ ما قُضِيَ عليه فعَلَيَّ، وما قُضِيَ له فَلِي»، قال الشافعي: ولا أحْسِبُه كان تَوْكِيلُه (٤) إلّا عند عمر بن الخطاب، ولعلّ (٥) عند أبي بكرٍ الصديق، ووَكَّلَ أيضًا عبدَالله بنَ جَعْفَرٍ عند عثمانَ بنِ عفّان وعَلِيٌّ حاضرٌ، فقَبِلَ ذلك عثمانُ ﵃.
(١٤٤٧) قال المزني (٦): فللناسِ أن يُوَكِّلُوا في أموالهم، وطلبِ حُقوقِهم، وخُصوماتِهم، ويُوصُوا بتَرِكاتِهم.
(١٤٤٨) ولا ضَمانَ على الوُكَلاءِ، ولا الأوْصِيَاءِ، ولا المُودَعِينَ، ولا المُقارَضِين، إلّا أن يَتَعَدَّوْا فيَضْمَنُوا.
(١٤٤٩) والتَّوْكِيلُ مِنْ كُلِّ مُوَكِّلٍ، مِنْ رجلٍ وامرأةٍ، تَخْرُجُ
стр. 897
أو لا تَخْرُجُ، بعُذْرٍ وغيرِ عُذْرٍ، حَضَرَ خَصْمٌ أو لم يَحْضُرْ .. جائزٌ، قال الشافعي: ليس الخصمُ مِنْ الوَكالةِ بسبيلٍ، وقد يُقْضَى للخَصْمِ على المُوَكِّلِ فيَكُونُ حَقًّا يَثْبُتُ له بالتَّوْكِيلِ.
(١٤٥٠) قال المزني (١): فإنْ وَكَّلَه بخُصُومةٍ .. فإنْ شاء قَبِلَ، وإنْ شاء تَرَكَ، فإنْ قَبِلَ .. فإنْ شاء فَسَخَ، وإنْ شاء ثَبَتَ، فإنْ ثَبَتَ وأقَرَّ على مَنْ وَكَّلَه .. لم يَلْزَمْه إقْرارُه؛ لأنّه لم يُوَكِّلْه بالإقرارِ، ولا بالصُّلْحِ، ولا بالإبْراءِ، وكذلك قال الشافعي.
(١٤٥١) قال الشافعي: فإنْ وَكَّلَه بطَلَبِ حَدٍّ له أو قِصاصٍ .. قُبِلَت الوكالةُ على تَثْبِيتِ البَيِّنَةِ، فإذا حَضَرَ الحَدُّ أو القصاصُ .. لم أحْدُدْ ولم أقْتَصَّ حتّى يَحْضُرَ المحدودُ له أو المقْتَصُّ له، مِنْ قِبَلِ أنّه قد يُقِرُّ له ويُكَذِّبُ البَيِّنَةَ، أو يَعْفُو، فيَبْطُلُ الحدُّ والقصاصُ.
(١٤٥٢) قال الشافعي: وليس للوكيلِ أن يُوَكِّلَ، إلّا أن يَجْعَلَ ذلك إليه المُوَكِّلُ.
(١٤٥٣) وإنْ وَكَّلَه ببَيْعِ متاعِه، فباعَه، فقال الوكيلُ: قد دَفَعْتُ إليك الثمنَ .. فالقولُ قولُه مع يَمِينِه (٢).
(١٤٥٤) فإنْ طَلَبَ منه الثمنَ فمَنَعَه منه .. فقد ضَمِنَه، إلّا في حالٍ لا يُمْكِنُه فيه دَفْعُه، فإنِ أمْكَنَه فمَنَعَه ثُمّ جاء به ليُوصِلَه فتَلِفَ .. ضَمِنَه، ولو قال بعد ذلك: قد دَفَعْتُه إليكَ .. لم يُقْبَلْ منه.
(١٤٥٥) ولو قال صاحبُه: قد طَلَبْتُه منك فمَنَعْتَنِي فأنتَ ضامنٌ .. فهو مُدَّعٍ أنَّ الأمانةَ تَحَوَّلَتْ مضمونةً (٣)، وعليه البَيِّنَةُ، وعلى المنْكِرِ اليمينُ.
стр. 898
(١٤٥٦) ولو قال: وَكَّلْتُكَ ببَيْعِ مَتاعِي وقَبَضْتَه منِّي، فأنْكَرَ ثُمّ أقَرَّ، أو قامتْ عليه البَيِّنَةُ (١) .. ضَمِنَ؛ لأنّه خَرَجَ بالجُحُودِ مِنْ الأمانةِ.
(١٤٥٧) ولو قال: وَكَّلْتُكَ ببَيْعِ متاعي فبِعْتَه، فقال: مالك عِندي شيءٌ، فأقام البَيِّنَةَ عليه بذلك، فقال: صَدَقُوا، وقد دَفَعْتُ إليه ثَمَنَه .. فهو مُصَدَّقٌ؛ لأنّ مَنْ دَفَعَ شيئًا إلى أهلِه فليس هو عنده، ولم يُكَذِّبْ نفسَه، فهو على أصلِ أمانتِه وتصديقِه.
(١٤٥٨) ولو أمَرَ الموَكِّلُ الوكيلَ أن يَدْفَعَ مالًا إلى رجلٍ، فادَّعَى أنّه دَفَعَه .. لم يُقْبَلْ منه إلّا ببَيِّنَةٍ، واحْتَجَّ الشافعيُّ في ذلك بقول الله جل وعز: ﴿فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم﴾ [النساء: ٦]، وبأنّ الذي زَعَمَ أنّه دَفَعَه إليه ليس هو الذي ائتَمَنَه على المالِ؛ كما أنّ اليتامى ليسوا الذين ائتَمَنُوه على المالِ، وقال جل ثناؤه (٢): ﴿فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم﴾، وبهذا فُرِّقَ بين قولِه لمن ائتَمَنَه: قد دَفَعْتُه إليك .. فيُقْبَلُ؛ لأنّه ائتَمَنَه، وبين قوله لمن لم يأتَمِنْه عليه: قد دَفَعْتُه إليك .. فلا يُقْبَلُ؛ لأنّه ليس الذي ائتَمَنَه.
(١٤٥٩) قال المزني (٣): ولو جَعَلَ للوكيلِ فيما وَكَّلَه جُعْلًا، فقال للمُوَكِّلِ: جُعْلِي قِبَلَكَ وقد دَفَعْتُ إليك مالَكَ، فقال: بل خُنْتَنِي (٤) .. فالجُعْلُ مضمونٌ، لا تُبْرِئه منه دَعْواهُ الخيانَةَ عليه.
стр. 899
(١٤٦٠) ولو دَفَعَ إليه مالًا يَشْتَرِي (١) له به طَعامًا، فتَسَلَّفَه، ثُمّ اشْتَرَى له بمِثْلِه طعامًا .. فهو ضامنٌ للمالِ، والطعامُ له؛ لأنّه خَرَجَ مِنْ وَكالتِه بالتَّعَدِّي، واشْتَرَى بغيرِ ما أمرَه به.
(١٤٦١) ولا يَجُوزُ للوكيلِ والوَصِيِّ أن يَشْتَرِيَ لنَفْسِه (٢).
(١٤٦٢) ومَن باع بما لا يَتَغابَن الناسُ بمِثْلِه .. فبَيْعُه مَرْدُودٌ؛ لأنّ ذلك تَلَفٌ على صاحبِه، فهذا قولُ الشافعيّ ومعناه.
(١٤٦٣) ولو قال: أمَرْتُك أنْ تَشْتَرِيَ هذه الجاريةَ بعشرةٍ فاشْتَرَيْتَها بعشرين، وقال الوكيلُ: بل أمَرْتَنِي بعشرين .. فالقولُ قولُ الآمِرِ مع يمينِه، وتكونُ الجاريةُ في الحكمِ للوكيلِ، والشافعيُّ يُحِبُّ في مثلِ هذا أن يَرْفُقَ الحاكمُ بالآمِرِ للمأمورِ، فيقولُ: إنْ كُنْتُ أمَرْتُه أن يَشْتَرِيَها بعشرين فقد بِعْتُه (٣) إيّاها بعشرين، ويقولُ الآخَرُ: قد قَبِلْتُ؛ ليَحِلَّ له الفَرْجُ ولمَنْ يَبْتاعُها منه.
(١٤٦٤) قال المزني (٤): ولو أمَرَه أن يَشْتَرِيَ له جاريةً فاشْتَرَى غيرَها، أو أمَرَه أن يُزَوِّجَه جاريةً فزَوَّجَه غيرَها .. بَطَلَ النكاحُ، وكان الشِّراءُ للمُشْتَرِي، لا للآمِرِ.
(١٤٦٥) ولو كان لرجلٍ على رجلٍ حَقٌّ، فقال له رجلٌ: وَكَّلَنِي فلانٌ بقَبْضِه منك، فصَدَّقَه ودَفَعَه، فتَلِفَ، وأنْكَرَ رَبُّ الحقِّ أن يَكونَ وَكَّلَه .. فله
стр. 900
الخيارُ، فإنْ أغْرَمَ الدافعَ .. لم يَرْجِع الدافعُ على القابضِ؛ لأنّه يَعْلَمُ أنّه وكيلٌ بريءٌ، وإنْ أغْرَمَ القابضَ لم يَكُنْ له أن يَرْجِعَ على الدافعِ؛ لأنّه يَعْلَمُ أنّه مظلومٌ بريءٌ.
(١٤٦٦) وإنْ وَكَّلَه ببَيْعِ سِلْعةٍ، فباعها نَسِيئةً .. كان له نقضُ البيعِ بَعْدَ أن يَحْلِفَ ما وَكَّلَه إلّا بالنقدِ.
(١٤٦٧) ولو وَكَّلَه بشِراءِ سِلْعةٍ، فأصابَ بها عَيْبًا .. كان له الرَّدُّ بالعَيْبِ، وليس عليه أن يَحْلِفَ ما رَضِيَ به الآمِرُ، وكذلك المقارِضُ، وهذا قولُ الشافعيِّ ومعناه، وبالله التوفيق.
(١٤٦٨) ولو قال رجلٌ: لفلانٍ عليَّ دينٌ وقد وَكَّلَ هذا بِقَبْضِه .. لم يَقْضِ الشافعيُّ عليه بدَفْعِه؛ لأنّه مُقِرٌّ بتَوْكِيلِ غيرِه في مالٍ لا يَمْلِكُه، ويقولُ له: إنْ شِئتَ فادْفَعْ أو دَعْ، ولا أجْبِرُك على أنْ تَدْفَعَ (١).
(١٤٦٩) قال: وللوكيلِ والمقارَضِ أن يَرُدّا ما اشْتَرَيا بالعيبِ، وليس للبائعِ أن يُحَلِّفَهُما ما رَضِيَ به رَبُّ المالِ، وقال: ألا تَرَى أنّهما لو تَعَدَّيا لم يَنْتَقِض البيعُ، ولَزِمَهما الثمنُ، وكانتِ التِّباعَةُ عليهما لرَبِّ المالِ.
стр. 901
[٢١]
كتاب الإقرار
стр. 902
(١٥٧)
باب الإقرار بالحقوق والمواهب والعارية (١)(١٤٧٠) قال الشافعي: ولا يَجُوزُ إلّا إقرارُ بالغٍ رشيدٍ، ومَن لم يَجُزْ بَيْعُه لم يَجُزْ إقْرارُه.
(١٤٧١) فإذا قال الرجلُ: «لفلانٍ عليَّ شيءٌ»، ثُمّ جَحَدَ .. قيل له: أقِرَّ بما شِئتَ مما يَقَعُ عليه اسمُ «شيءٍ»، تمرةٍ أو فلسٍ، واحلفْ ما له قِبَلَكَ غيرُه، فإنْ أبي حَلَفَ المدَّعِي على ما ادَّعَى واسْتَحَقَّه مع نُكولِ صاحبِه.
(١٤٧٢) وسواءٌ قال: «له عليَّ مالٌ» أو «مالٌ كثيرٌ» أو «عظيمٌ»، فإنّما عليه ما يَقَعُ عليه اسمُ «مالٍ»، فأمّا مَنْ ذَهَبَ إلى ما تَجِبُ فيه الزكاةُ .. فلا أعْلَمُه خبرًا ولا قياسًا، أرأيتَ إذا أغْرَمْتَ مسكينًا يَرَى الدرهمَ عظيمًا، أو خليفةً يَرَى ألفَ ألفٍ قليلًا، إذا أقَرَّ بمالٍ عظيمٍ مائتي درهمٍ، والعامةُ تَعْلَمُ أنّ ما يَقَعُ في القلبِ مِنْ مَخْرَجِ قَوْلَيْهما مُخْتَلِفٌ، فظلمتَ المقَرَّ له إذا لم تُعْطِه مِنْ خليفةٍ إلّا التافِهَ، وظلمتَ المسكينَ إذا أغْرَمْتَه أضعافَ العظيمِ؛ إذْ ليس عندك في ذلك إلّا مَحْمَلُ كلامِ الناسِ.
(١٤٧٣) وسواءٌ قال: «له عليَّ دراهمُ كثيرةٌ» أو «عظيمةٌ»، أو لم يَقُلْها .. فهي ثلاثةٌ.