← Фикх шафии

Фикх шафии · id 914

مختصر المزني - ت الداغستاني

المزني

Полный текст (1 788 стр.). Показаны 878–917 · переход к 883.

стр. 878

[١٧] كتاب الحوالة (١) مما سمعت من الشافعي وما تحريت من مذهبه فيها

стр. 879

(١٤٠٦) قال الشافعي: أخبرنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ، وإذا أُتْبِعَ أحدُكم على مَلِيءٍ فلْيَتْبَعْ» (١). (١٤٠٧) قال الشافعي: وفي هذا دَلالَةُ أنّ الحقَّ يُحوَّلُ على الْمُحالِ عليه، وبَرِئ منه المحيلُ، فلا يَرْجِعُ عليه أبدًا، كان المحالُ عليه غَنِيًّا أو فَقِيرًا، أفْلَسَ أو مات مُعْدِمًا، غُرَّ منه أو لم يُغَرَّ (٢). (١٤٠٨) قال: ولو كان كما قال محمدُ بن الحسن: إذا أفْلَسَ أو ماتَ مُفْلِسًا رَجَعَ على المحيلِ .. لَمَا ضَرَّ المحتالَ على مَنْ أحِيلَ؛ لأنّ حَقَّه ثابتٌ على المحيلِ، ولا يَخْلُو مِنْ أن يَكُونَ حَقُّه قد تَحَوَّلَ عنِّي فصار على

стр. 880

غَيْرِي، فلِمَ يَأخُذُنِي بما قد بَرِئتُ منه (١) لأنْ أفْلَسَ غَيْرِي؟ أو لا يَكُونُ حَقُّه تَحَوَّلَ عنِّي فلِمَ أبْرأني منه قَبْلَ أن يُفْلِسَ المحالُ عليه؟ (٢). (١٤٠٩) واحْتَجّ محمدُ بنُ الحسن بأنّ عثمانَ قال في الحوالة أو الكفالة: «يَرْجِعُ صاحبُها، لا تَوًى على مالِ مسلمٍ» (٣)، وهو عندي يَبْطُلُ مِنْ وجهين، ولو صَحَّ ما كان له فيه شيءٌ؛ لأنّه لا يَدْرِي قال ذلك في الحوالةِ أو الكفالةِ.

стр. 881

(١٥٦) باب (١) قال المزني: هذه مسائل تحريت فيها معانيَ جوابات الشافعي في الحوالة (٢) قال المزني: قلت أنا (٣): (١٤١٠) من ذلك: لو اشْتَرَى عبدًا بألفِ درهمٍ (٤)، ثُمّ أحالَ البائعَ بالألْفِ على رجلٍ له عليه دَيْنُ ألفِ درهمٍ، فاحْتالَ، ثُمّ إنَ المشتريَ وَجَدَ بالعبدِ عَيْبًا فرَدَّه .. بَطَلَت الحوالةُ، وإنْ رَدَّ العبدَ (٥) بعد أنْ قَبَضَ البائعُ ما احْتالَ به .. رَجَعَ المشتري على البائعِ، وكان المحالُ عليه منه بريئًا. قال المزني: يَنْبَغِي أن يُنْظَرَ في هذا، ولا يَنْبَغِي أن تَبْطُلَ الحوالةُ (٦).

стр. 882

(١٤١١) ولو كان البائعُ أحالَ على المشتري بهذه الألفِ رجلًا له عليه ألفُ درهمٍ، ثُمّ تَصادَقَ البائعُ والمشتري أنّ العبدَ الذي تَبايَعاه حُرُّ الأصلِ .. فإنّ الحوالةَ لا تَنْتَقِضُ؛ لأنّهما يُبْطِلان بقولِهما حَقًّا لغيرِهما، فإنْ صَدَّقَهما المحتالُ أو قامتْ بذلك بَيِّنَةٌ .. انْتَقَضَت الحوالةُ. (١٤١٢) ولو أحالَ رجلًا (١) على رجلٍ بألفِ درهمٍ وضَمِنَها له، ثُمّ اخْتَلَفا، فقال المحيلُ: أنت وَكِيلي فيها، وقال المحتالُ: بل أحَلْتَنِي بمالي

стр. 883

عليك (١)، وتَصادَقا على الحوالةِ والضمانِ .. فالقولُ قولُ المحيلِ، والمحتالُ مُدَّعٍ، ولو قال المحتالُ: أحَلْتَنِي عليه لأقْتَضِيَه لك (٢)، ولم تُحِلْنِي بمالي عليك .. فالقولُ قولُه مع يمينِه، والمحيلُ مُدَّعٍ للبراءةِ مما عليه، فعليه البَيِّنَةُ. (١٤١٣) ولو كان لرجلٍ على رجلٍ ألفُ درهمٍ، فأحاله المطلوبُ بها على رجلٍ له عليه ألفُ درهمٍ، ثُمّ أحالَه بها المحتالُ عليه على ثالثٍ له عليه ألفُ درهمٍ .. بَرِئ الأوّلان، وكانتْ للطالبِ على الثالثِ.

стр. 884

[١٨] كتاب الضمان (١) تحريت فيه (٢) مذهب الشافعي وقياس قوله

стр. 885

(١٤١٤) قال المزني: قال الله ﵎: ﴿قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم﴾ [يوسف: ٧٢]، وقال : ﴿سلهم أيهم بذلك زعيم﴾ [القلم: ٤٠]. (١٤١٥) ورُوِيَ عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «والزَّعِيمُ غارمٌ»، و «الزعيمُ» في اللغة: هو الكفيل (١). (١٤١٦) ورُوِيَ عن أبي سعيد الخدري، قال: «كنا مع النبي ﷺ في جِنازةٍ، فلمّا وُضِعَتْ قال النبيُّ ﷺ : هل على صاحبِكم مِنْ دينٍ؟ قالوا: نعم، درهمان، قال: صَلُّوا على صاحبِكم، قال عليٌّ: هما عَليَّ يا رسول الله، وأنا لهما ضامنٌ، فقام النبيُّ ﷺ فصَلَّى عليه، ثُمّ أقْبَلَ على عَلِيٍّ، فقال: جَزاك اللهُ عن الإسلامِ (٢) خيرًا، وفَكَّ رِهانَك كما فَكَكْتَ رِهانَ أخيك»، قال المزني: قلت أنا (٣): وفي ذلك دليلٌ أنّ الدينَ الذي كان على الميِّتِ لَزِمَ غيرَه بأنْ ضَمِنَه. (١٤١٧) ورَوَى الشافعيُّ في «قَسْمِ الصدقاتِ» أنّ رسولَ الله ﷺ قال: «لا تَحِلُّ الصَّدقةُ لِغَنِيٍّ إلا لثلاثةٍ»، ذكر منها «رجلٌ (٤) تَحَمَّلَ بحَمالَةٍ فحَلَّتْ

стр. 886

له الصدقةُ» (١)، قال المزني: قلت أنا (٢): فكانت الصدقةُ مُحَرَّمَةً قبل الحَمالةِ، فلمّا تَحَمَّلَ لَزِمَه الغُرْمُ بالحَمالَةِ، فخَرَجَ مِنْ معناه الأوَّل إلى أنْ حَلَّتْ له الصدقةُ. (١٤١٨) قال الشافعي: إذا ضَمِنَ رجلٌ عن رجلٍ حَقًّا .. فللمضمونِ له أن يَأخُذَ أيَّهما شاء، فإنْ ضَمِنَ بأمْرِه وغَرِمَ .. رَجَعَ بذلك عليه، وإنْ تَطَوَّعَ بالضمانِ .. لم يَرْجِعْ. (١٤١٩) قال المزني: قلت أنا (٣): وكذلك كلُّ ضامنٍ، في دَيْنٍ، وكَفالةٍ بدَيْنٍ، وأجْرَةٍ، ومَهْرٍ، وضَمانِ عُهْدَةٍ (٤)، وأرْشِ جُرْحٍ، ودِيَةِ نفسٍ، فإنْ أدّى ذلك الضامنُ عن المضمونِ عنه بأمْرِه .. رَجَعَ به عليه، وإنْ أدّاه بغيرِ أمرِه .. كان (٥) مُتَطَوِّعًا لا يَرْجِعُ به، فإنْ أُخِذَ الضامنُ بالحقِّ، وكان ضمانُه بأمرِ الذي هو عليه .. فله أخْذُه بخَلاصِه، وإنْ كان بغيرِ أمْرِه .. لم يَكُنْ له أخْذُه في قياسِ قولِه. (١٤٢٠) ولو ضَمِنَ عن الأوَّلِ بأمرِه (٦)، ثُمّ ضَمِنَ عن الضامنِ ضامنٌ بأمرِه .. فجائزٌ.

стр. 887

(١٤٢١) فإنْ قَبَضَ الطالبُ حَقَّه مِنْ الذي عليه أصلُ المال، أو أحاله به .. بَرِئُوا جميعًا، ولو قَبَضَه مِنْ الضامنِ الأوَّلِ .. رَجَعَ به على الذي عليه الأصلُ، وبَرِئَ منه الضامنُ الآخِرُ، وإنْ قَبَضَه مِنْ الضامنِ الآخِرِ (١) .. رَجَعَ به على الضامنِ الأوَّلِ، ورَجَعَ الأوَّلُ على الذي عليه الأصلُ. (١٤٢٢) ولو كانت المسألةُ على حالها (٢)، فأبْرَأ الطالبُ الضامِنَيْنِ جميعًا .. بَرِئا، ولا يَبْرَأ الذي عليه الأصلُ؛ لأنّ الضمانَ عند الشافعيِّ ليس بحَوالةٍ، ولكنَّ الحقَّ على أصْلِه، والضامنُ مأخوذٌ به. (١٤٢٣) قال المزني: قلت أنا (٣): ولو كان له على رَجُلَينِ ألفُ درهمٍ، وكلُّ واحدٍ منهما كفيلٌ ضامنٌ عن صاحبِه بأمرِه، فدَفَعَها أحدُهما .. رَجَعَ بنِصفها على صاحبِه، وإنْ أبْرَأ الطالبُ أحدَهما مِنْ الألفِ .. سَقَطَ عنه نصفُها الذي عليه، وبَرِئَ مِنْ ضَمانِ نِصْفِها الذي على صاحبِه، ولم يَبْرَأ صاحبُه مِنْ نِصْفِها الذي عليه. (١٤٢٤) ولو أقام رجلٌ البَيِّنَةَ أنّه باع مِنْ هذا الرجلِ ومِن رجلٍ غائبٍ عبدًا وقَبَضَاه منه بألفِ درهمٍ، وكلُّ واحدٍ منهما كفيلٌ ضامنٌ لذلك عن صاحبِه بأمرِه .. قُضِيَ عليه وعلى الغائبِ بذلك، وغَرِمَ الحاضرُ جميعَ الثمنِ، ورَجَعَ بالنصفِ على الغائبِ. قال المزني: قلت أنا (٤): وهذا مما يُجامِعُنا عليه مَنْ أنْكَرَ القضاءَ على الغائبِ.

стр. 888

(١٤٢٥) ولو ضَمِنَ عن رجلٍ بأمْرِه ألفَ درهمٍ عليه لرجلٍ، فدَفَعَها بمَحْضَرِه، ثُمّ أنْكَرَ الطالبُ أن يَكُونَ قَبَضَ شَيْئًا .. حَلَفَ، وبَرِئَ، وقُضِيَ على الذي عليه الدينُ بدَفْعِ الألفِ إلى الطالبِ، وبدفعِ الألفِ إلى الضامنِ؛ لأنّه دَفَعَها بأمْرِه، وصارتْ له دَيْنًا عليه، فلا يُذْهِبُ حَقَّه ظُلْمُ الطالبِ له، ولو أنَّ الطالبَ طَلَبَ الضامنَ، فقال: لم تَدْفَعْ إليَّ شَيْئًا .. قُضِيَ عليه بدَفْعِها ثانيةً، ولم يَرْجِعْ على الآمرِ إلّا بالألفِ التي ضَمِنَها عنه؛ لأنّه يُقِرُّ أنّ الثانيةَ ظُلْمٌ مِنْ الطالبِ له، فلا يَرْجِعُ على غيرِ مَنْ ظَلَمَه. (١٤٢٦) ولو ضَمِنَ لرجلٍ ما قُضِيَ به له على آخَرَ، أو ما يَشْهَدُ به فلانٌ عليه .. قال الشافعي: لا يَجُوزُ هذا، وهذه مخاطرةٌ. (١٤٢٧) قال الشافعي: ولو ضَمِنَ دَيْنَ مَيِّتٍ بعدما يَعْرِفُه ويَعْرِفُ لمن هو .. فالضَّمانُ لازمٌ، وتَرَكَ الميِّتُ شيئًا أو لم يَتْرُكْه (١). (١٤٢٨) ولا تَجُوزُ كَفالةُ العبدِ المأذونِ له في التجارةِ (٢)؛ لأنّ هذا اسْتِهْلاكٌ. (١٤٢٩) ولو ضَمِنَ عن مُكاتَبٍ، أو مالًا في يَدَي وَصِيٍّ أو مُقارِضٍ، أو ضَمِنَ ذلك أحدٌ منهم عن نفسه .. فالضمانُ في ذلك كُلِّه باطلٌ. (١٤٣٠) وضَمانُ المرأة كالرجل. (١٤٣١) ولا يَجُوزُ ضَمانُ مَنْ لم يَبْلُغْ، ولا مجنونٍ، ولا مُبَرْسَمٍ يَهْذِي، ولا مُغْمًى عليه، ولا أخْرَسَ لا يَعْقِلُ، وإنْ كان يَعْقِلُ الإشارةَ أو الكتابَ فضَمِنَ .. لَزِمَه. (١٤٣٢) وضَعَّفَ الشافعيُّ كَفالةَ الوَجْهِ في موضعٍ، وأجازها في موضعٍ

стр. 889

آخَرَ (١)، إلّا في الحدودِ (٢).

стр. 890

[١٩] باب الشركة تحريت فيها مذهب الشافعي

стр. 891

(١٤٣٣) قال المزني: الشّرِكَةُ مِنْ وُجُوهٍ (١): منها: الغنيمةُ، أزال اللهُ مِلْكَ المشركين عن خَيْبَرَ فمَلَّكَها رَسُولَه ﷺ والمؤمنين، فكانوا فيها شُرَكاءَ، فقَسَّمَها رسولُ الله ﷺ خمسةَ أجْزاءٍ، ثُمّ أقْرَعَ بينها، فأخْرَجَ منها خُمسَ الله لأهلِه، وأربعةَ أخماسٍ لأهْلِها، قال المزني: وفي ذلك دليلٌ على قَسْمِ الأموالِ، والضَّرْبِ عليها بالسهامِ. ومنها: المواريثُ، ومنها: الشَّرِكَةُ في الهباتِ والصدقاتِ في قولِه، ومنها: التجاراتُ، وفي ذلك كُلِّه القَسْمُ إذا كان مما يُقْسَمُ وطَلَبَه الشَّرِيكُ. ومنها: الشَّرِكَةُ في الصدقاتِ المحرماتِ في قولِه، وهي الأحْباسُ،

стр. 892

ولا وَجْهَ لقَسْمِها في رِقابِها؛ لارْتِفاعِ المِلْكِ عنها، فإنْ تَراضَوْا مِنْ السُّكْنَى سَنَةً بسَنَةٍ .. فلا بأسَ. (١٤٣٤) والذي يُشْبِهُ قولَ الشافعيِّ: أنّه لا تَجُوزُ الشَّرِكَةُ في العَرْضِ (١)، ولا فيما يَرْجِعُ في حالِ المفاصلةِ إلى القيمةِ؛ لتَغَيُّرِ القِيَمِ، ولا أن يُخْرِجَ أحدُهما عَرْضًا والآخَرُ دنانيرَ، ولا تَجُوزُ إلّا بمالٍ واحدٍ بالدنانيرِ أو بالدراهمِ. (١٤٣٥) فإنْ أرادا أن يَشْتَرِكا، ولم يُمْكِنْهما إلّا عَرْضٌ .. فإنّ المَخْرَجَ في ذلك عندي (٢): أنْ يَبِيعَ أحدُهما نصفَ عَرْضِه بنصفِ عَرْضِ صاحبِه، ويَتَقابَضان، فيَصِيرُ جميعُ العَرْضَيْن بينهما نِصْفَيْن، ويَكونان فيه شَريكَيْن، إنْ باعا، أو حَبَسا، أو عارضا، لا فضلَ في ذلك لأحدٍ منهما. (١٤٣٦) وشَرِكَةُ المفاوضة عند الشافعي لا تَجُوزُ بحالٍ. (١٤٣٧) والشَّرِكَةُ الصَّحِيحةُ: أن يُخْرِجَ كلُّ واحدٍ منهما دنانيرَ مثلَ دنانيرِ صاحبِه، ويَخْلِطاها، فيَكُونا فيها شَريكَيْن، فإن اشْتَرَيا .. فلا يَجُوزُ أن يبيعَ (٣) أحدُهما دون صاحبِه، فإنْ جَعَلَ كلُّ واحدٍ منهما لصاحبِه أن يَتَّجِرَ في ذلك كُلِّه بما رَأى مِنْ أنواعِ التِّجاراتِ .. قام في ذلك مَقامَ صاحبِه، فإنْ رَبِحا أو خَسِرا .. فلهما وعليهما نِصْفَيْن. (١٤٣٨) ومَتَى فَسَخَ أحدُهما الشَّرِكَةَ .. انْفَسَخَتْ، ولم يَكُنْ (٤) لصاحبِه أن يَشْتَرِيَ ولا يَبِيعَ حتّى يَقْتَسِما.

стр. 893

(١٤٣٩) وإنْ مات أحدُهما .. انْفَسَخَت الشَّرِكَةُ، وقاسَم وَصِيُّ الميِّتِ شَرِيكَه، فإنْ كان الوارثُ بالغًا رشيدًا فأحَبَّ أن يُقِيمَ على شَرِكَتِه كأبيه .. فجائزٌ. (١٤٤٠) ولو اشْتَرَيا عبدًا وقَبَضَاه، فأصابا به عَيْبًا، فأراد أحدُهما الإمساكَ، والآخَرُ الرَّدَّ .. قال الشافعي: فذلك جائزٌ؛ لأنَّ مَعْقُولًا أنّ كلَّ واحدٍ منهما اشْتَرَى نِصْفَه بنصفِ الثمنِ. (١٤٤١) ولو اشْتَرَى أحدُهما بما لا يَتَغابَن الناسُ بمثلِه .. كان ما اشْتَرَى له دون صاحبِه، ولو أجازه شريكُه ما جازَ؛ لأنّ شِراءَه كان على غيرِ ما يَجُوزُ عليه. (١٤٤٢) وأيُّهما ادّعَى في يَدَيْ صاحبِه مِنْ شَرِكَتِهما شَيْئًا .. فهو مُدَّعٍ، وعليه البَيِّنَةُ، وعلى صاحبِه اليمينُ، وأيُّهما ادَّعَى خِيانَةَ صاحبِه .. فعليه البَيِّنَةُ، وأيُّهما زَعَمَ أنّ المالَ قد تَلِفَ .. فهو أمينٌ وعليه اليمينُ (١). (١٤٤٣) فإذا كان العبدُ بين رجلين، فأمَرَ أحدُهما صاحبَه ببَيْعِه، فباعه مِنْ رجلٍ بألفِ درهمٍ، فأقَرَّ الشريكُ الذي لم يَبِعْ أنّ البائعَ قَبَضَ الثمنَ، وأنْكَرَ ذلك البائعُ، وادّعاه المشتَرِي .. فإنَّ المشتريَ يَبْرَأ مِنْ نصفِ الثمنِ، وهو حِصَّةُ المقِرِّ، ويَأخُذُ البائعُ نصفَ الثمنِ مِنْ المشتري فيَسْلَمُ له، ويَحْلِفُ لشريكِه ما قَبَضَ ما ادَّعَى، فإنْ نَكَلَ .. حَلَفَ صاحبُه واسْتَحَقّ الدَّعْوَى. (١٤٤٤) ولو كان الشريكُ الذي باع هو الذي أقَرَّ بأنَّ شريكَه الذي لم يَبِعْ قَبَضَ مِنْ المشتري جميعَ الثمنِ، وأنْكَرَ ذلك الذي لم يَبِعْ، وادّعَى ذلك المشتري .. فإنّ المشتريَ يَبْرَأ مِنْ نصفِ الثمنِ بإقرارِ البائعِ أنّ شريكَه قد قَبَضَ الثمنَ؛ لأنّه في ذلك أمينٌ، ويَرْجِعُ البائعُ على المشتري بالنصفِ

стр. 894

الباقي فيُشارِكُه فيه صاحبُه؛ لأنّه لا يُصَدَّقُ على حِصَّةٍ مِنْ الشَّرِكَةِ تَسْلَمُ له، إنّما يُصَدَّقُ في أن لا يَضْمَنَ شَيْئًا لصاحبِه، فأمّا أنّه يَكونُ في يَدَيْه بعضُ مالٍ بينهما فيَدَّعِي على شَريكِه مُقاسَمَةً يَمْلِكُ بها هذا البعضَ خاصَّةً .. فلا يَجُوزُ، ويَحْلِفُ لشريكِه، فإنْ نَكَلَ .. حَلَفَ شريكُه واسْتَحَقَّ دَعْواه. (١٤٤٥) وإذا كان العبدُ بين رجلين، فغَصَبَ رجلٌ حِصَّةَ أحدِهما، ثُمّ إنّ الغاصبَ والشريكَ الآخَرَ باعا العبدَ مِنْ رجلٍ .. فالبيعُ جائزٌ في نصيبِ الشريكِ البائعِ، ولا يَجُوزُ بيعُ الغاصبِ، ولو أجازه المغصوبُ .. لم يَجُزْ إلّا بتَجْدِيدِ بيعٍ في معنى قولِ الشافعيّ عندي (١)، وبالله التوفيق.

стр. 895

[٢٠] كتاب الوكالة (١) تحرّيت (٢) فيها مذهب الشافعي مع ما وجدت له منها

стр. 896

(١٤٤٦) قال المزني (١): قال الله ﵎: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم﴾ [النساء: ٦]، فأمَرَ بحِفْظِ أمْوالِهم حتّى يُؤنَسَ منهم الرُّشْدُ، وهو عند الشافعيّ: أن يَكُونَ بعد البلوغِ مُصْلِحًا لمالِه عَدْلًا في دِينِه، وقال الله ﵎: ﴿فإن كان الذي عليه الحق سفيهًا أو ضعيفًا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ووَلِيُّه عند الشافعي: القَيِّمُ بمالِه (٢)، قال المزني (٣): فإذا جاز أن يَقُومَ بمالِه بتَوْصِيَةِ أبيه بذلك إليه وأبُوه غيرُ مالِكٍ .. كان أن يَقُومَ فيه بتَوْكِيلِ مالِكِه أجْوَزَ، وقدْ وَكَّلَ عليُّ بنُ أبي طالبٍ عَقِيلًا، قال المزني: وذُكِرَ عنه أنّه قال: «هذا عَقِيلٌ ما قُضِيَ عليه فعَلَيَّ، وما قُضِيَ له فَلِي»، قال الشافعي: ولا أحْسِبُه كان تَوْكِيلُه (٤) إلّا عند عمر بن الخطاب، ولعلّ (٥) عند أبي بكرٍ الصديق، ووَكَّلَ أيضًا عبدَالله بنَ جَعْفَرٍ عند عثمانَ بنِ عفّان وعَلِيٌّ حاضرٌ، فقَبِلَ ذلك عثمانُ ﵃. (١٤٤٧) قال المزني (٦): فللناسِ أن يُوَكِّلُوا في أموالهم، وطلبِ حُقوقِهم، وخُصوماتِهم، ويُوصُوا بتَرِكاتِهم. (١٤٤٨) ولا ضَمانَ على الوُكَلاءِ، ولا الأوْصِيَاءِ، ولا المُودَعِينَ، ولا المُقارَضِين، إلّا أن يَتَعَدَّوْا فيَضْمَنُوا. (١٤٤٩) والتَّوْكِيلُ مِنْ كُلِّ مُوَكِّلٍ، مِنْ رجلٍ وامرأةٍ، تَخْرُجُ

стр. 897

أو لا تَخْرُجُ، بعُذْرٍ وغيرِ عُذْرٍ، حَضَرَ خَصْمٌ أو لم يَحْضُرْ .. جائزٌ، قال الشافعي: ليس الخصمُ مِنْ الوَكالةِ بسبيلٍ، وقد يُقْضَى للخَصْمِ على المُوَكِّلِ فيَكُونُ حَقًّا يَثْبُتُ له بالتَّوْكِيلِ. (١٤٥٠) قال المزني (١): فإنْ وَكَّلَه بخُصُومةٍ .. فإنْ شاء قَبِلَ، وإنْ شاء تَرَكَ، فإنْ قَبِلَ .. فإنْ شاء فَسَخَ، وإنْ شاء ثَبَتَ، فإنْ ثَبَتَ وأقَرَّ على مَنْ وَكَّلَه .. لم يَلْزَمْه إقْرارُه؛ لأنّه لم يُوَكِّلْه بالإقرارِ، ولا بالصُّلْحِ، ولا بالإبْراءِ، وكذلك قال الشافعي. (١٤٥١) قال الشافعي: فإنْ وَكَّلَه بطَلَبِ حَدٍّ له أو قِصاصٍ .. قُبِلَت الوكالةُ على تَثْبِيتِ البَيِّنَةِ، فإذا حَضَرَ الحَدُّ أو القصاصُ .. لم أحْدُدْ ولم أقْتَصَّ حتّى يَحْضُرَ المحدودُ له أو المقْتَصُّ له، مِنْ قِبَلِ أنّه قد يُقِرُّ له ويُكَذِّبُ البَيِّنَةَ، أو يَعْفُو، فيَبْطُلُ الحدُّ والقصاصُ. (١٤٥٢) قال الشافعي: وليس للوكيلِ أن يُوَكِّلَ، إلّا أن يَجْعَلَ ذلك إليه المُوَكِّلُ. (١٤٥٣) وإنْ وَكَّلَه ببَيْعِ متاعِه، فباعَه، فقال الوكيلُ: قد دَفَعْتُ إليك الثمنَ .. فالقولُ قولُه مع يَمِينِه (٢). (١٤٥٤) فإنْ طَلَبَ منه الثمنَ فمَنَعَه منه .. فقد ضَمِنَه، إلّا في حالٍ لا يُمْكِنُه فيه دَفْعُه، فإنِ أمْكَنَه فمَنَعَه ثُمّ جاء به ليُوصِلَه فتَلِفَ .. ضَمِنَه، ولو قال بعد ذلك: قد دَفَعْتُه إليكَ .. لم يُقْبَلْ منه. (١٤٥٥) ولو قال صاحبُه: قد طَلَبْتُه منك فمَنَعْتَنِي فأنتَ ضامنٌ .. فهو مُدَّعٍ أنَّ الأمانةَ تَحَوَّلَتْ مضمونةً (٣)، وعليه البَيِّنَةُ، وعلى المنْكِرِ اليمينُ.

стр. 898

(١٤٥٦) ولو قال: وَكَّلْتُكَ ببَيْعِ مَتاعِي وقَبَضْتَه منِّي، فأنْكَرَ ثُمّ أقَرَّ، أو قامتْ عليه البَيِّنَةُ (١) .. ضَمِنَ؛ لأنّه خَرَجَ بالجُحُودِ مِنْ الأمانةِ. (١٤٥٧) ولو قال: وَكَّلْتُكَ ببَيْعِ متاعي فبِعْتَه، فقال: مالك عِندي شيءٌ، فأقام البَيِّنَةَ عليه بذلك، فقال: صَدَقُوا، وقد دَفَعْتُ إليه ثَمَنَه .. فهو مُصَدَّقٌ؛ لأنّ مَنْ دَفَعَ شيئًا إلى أهلِه فليس هو عنده، ولم يُكَذِّبْ نفسَه، فهو على أصلِ أمانتِه وتصديقِه. (١٤٥٨) ولو أمَرَ الموَكِّلُ الوكيلَ أن يَدْفَعَ مالًا إلى رجلٍ، فادَّعَى أنّه دَفَعَه .. لم يُقْبَلْ منه إلّا ببَيِّنَةٍ، واحْتَجَّ الشافعيُّ في ذلك بقول الله جل وعز: ﴿فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم﴾ [النساء: ٦]، وبأنّ الذي زَعَمَ أنّه دَفَعَه إليه ليس هو الذي ائتَمَنَه على المالِ؛ كما أنّ اليتامى ليسوا الذين ائتَمَنُوه على المالِ، وقال جل ثناؤه (٢): ﴿فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم﴾، وبهذا فُرِّقَ بين قولِه لمن ائتَمَنَه: قد دَفَعْتُه إليك .. فيُقْبَلُ؛ لأنّه ائتَمَنَه، وبين قوله لمن لم يأتَمِنْه عليه: قد دَفَعْتُه إليك .. فلا يُقْبَلُ؛ لأنّه ليس الذي ائتَمَنَه. (١٤٥٩) قال المزني (٣): ولو جَعَلَ للوكيلِ فيما وَكَّلَه جُعْلًا، فقال للمُوَكِّلِ: جُعْلِي قِبَلَكَ وقد دَفَعْتُ إليك مالَكَ، فقال: بل خُنْتَنِي (٤) .. فالجُعْلُ مضمونٌ، لا تُبْرِئه منه دَعْواهُ الخيانَةَ عليه.

стр. 899

(١٤٦٠) ولو دَفَعَ إليه مالًا يَشْتَرِي (١) له به طَعامًا، فتَسَلَّفَه، ثُمّ اشْتَرَى له بمِثْلِه طعامًا .. فهو ضامنٌ للمالِ، والطعامُ له؛ لأنّه خَرَجَ مِنْ وَكالتِه بالتَّعَدِّي، واشْتَرَى بغيرِ ما أمرَه به. (١٤٦١) ولا يَجُوزُ للوكيلِ والوَصِيِّ أن يَشْتَرِيَ لنَفْسِه (٢). (١٤٦٢) ومَن باع بما لا يَتَغابَن الناسُ بمِثْلِه .. فبَيْعُه مَرْدُودٌ؛ لأنّ ذلك تَلَفٌ على صاحبِه، فهذا قولُ الشافعيّ ومعناه. (١٤٦٣) ولو قال: أمَرْتُك أنْ تَشْتَرِيَ هذه الجاريةَ بعشرةٍ فاشْتَرَيْتَها بعشرين، وقال الوكيلُ: بل أمَرْتَنِي بعشرين .. فالقولُ قولُ الآمِرِ مع يمينِه، وتكونُ الجاريةُ في الحكمِ للوكيلِ، والشافعيُّ يُحِبُّ في مثلِ هذا أن يَرْفُقَ الحاكمُ بالآمِرِ للمأمورِ، فيقولُ: إنْ كُنْتُ أمَرْتُه أن يَشْتَرِيَها بعشرين فقد بِعْتُه (٣) إيّاها بعشرين، ويقولُ الآخَرُ: قد قَبِلْتُ؛ ليَحِلَّ له الفَرْجُ ولمَنْ يَبْتاعُها منه. (١٤٦٤) قال المزني (٤): ولو أمَرَه أن يَشْتَرِيَ له جاريةً فاشْتَرَى غيرَها، أو أمَرَه أن يُزَوِّجَه جاريةً فزَوَّجَه غيرَها .. بَطَلَ النكاحُ، وكان الشِّراءُ للمُشْتَرِي، لا للآمِرِ. (١٤٦٥) ولو كان لرجلٍ على رجلٍ حَقٌّ، فقال له رجلٌ: وَكَّلَنِي فلانٌ بقَبْضِه منك، فصَدَّقَه ودَفَعَه، فتَلِفَ، وأنْكَرَ رَبُّ الحقِّ أن يَكونَ وَكَّلَه .. فله

стр. 900

الخيارُ، فإنْ أغْرَمَ الدافعَ .. لم يَرْجِع الدافعُ على القابضِ؛ لأنّه يَعْلَمُ أنّه وكيلٌ بريءٌ، وإنْ أغْرَمَ القابضَ لم يَكُنْ له أن يَرْجِعَ على الدافعِ؛ لأنّه يَعْلَمُ أنّه مظلومٌ بريءٌ. (١٤٦٦) وإنْ وَكَّلَه ببَيْعِ سِلْعةٍ، فباعها نَسِيئةً .. كان له نقضُ البيعِ بَعْدَ أن يَحْلِفَ ما وَكَّلَه إلّا بالنقدِ. (١٤٦٧) ولو وَكَّلَه بشِراءِ سِلْعةٍ، فأصابَ بها عَيْبًا .. كان له الرَّدُّ بالعَيْبِ، وليس عليه أن يَحْلِفَ ما رَضِيَ به الآمِرُ، وكذلك المقارِضُ، وهذا قولُ الشافعيِّ ومعناه، وبالله التوفيق. (١٤٦٨) ولو قال رجلٌ: لفلانٍ عليَّ دينٌ وقد وَكَّلَ هذا بِقَبْضِه .. لم يَقْضِ الشافعيُّ عليه بدَفْعِه؛ لأنّه مُقِرٌّ بتَوْكِيلِ غيرِه في مالٍ لا يَمْلِكُه، ويقولُ له: إنْ شِئتَ فادْفَعْ أو دَعْ، ولا أجْبِرُك على أنْ تَدْفَعَ (١). (١٤٦٩) قال: وللوكيلِ والمقارَضِ أن يَرُدّا ما اشْتَرَيا بالعيبِ، وليس للبائعِ أن يُحَلِّفَهُما ما رَضِيَ به رَبُّ المالِ، وقال: ألا تَرَى أنّهما لو تَعَدَّيا لم يَنْتَقِض البيعُ، ولَزِمَهما الثمنُ، وكانتِ التِّباعَةُ عليهما لرَبِّ المالِ.

стр. 901

[٢١] كتاب الإقرار

стр. 902

(١٥٧) باب الإقرار بالحقوق والمواهب والعارية (١) (١٤٧٠) قال الشافعي: ولا يَجُوزُ إلّا إقرارُ بالغٍ رشيدٍ، ومَن لم يَجُزْ بَيْعُه لم يَجُزْ إقْرارُه. (١٤٧١) فإذا قال الرجلُ: «لفلانٍ عليَّ شيءٌ»، ثُمّ جَحَدَ .. قيل له: أقِرَّ بما شِئتَ مما يَقَعُ عليه اسمُ «شيءٍ»، تمرةٍ أو فلسٍ، واحلفْ ما له قِبَلَكَ غيرُه، فإنْ أبي حَلَفَ المدَّعِي على ما ادَّعَى واسْتَحَقَّه مع نُكولِ صاحبِه. (١٤٧٢) وسواءٌ قال: «له عليَّ مالٌ» أو «مالٌ كثيرٌ» أو «عظيمٌ»، فإنّما عليه ما يَقَعُ عليه اسمُ «مالٍ»، فأمّا مَنْ ذَهَبَ إلى ما تَجِبُ فيه الزكاةُ .. فلا أعْلَمُه خبرًا ولا قياسًا، أرأيتَ إذا أغْرَمْتَ مسكينًا يَرَى الدرهمَ عظيمًا، أو خليفةً يَرَى ألفَ ألفٍ قليلًا، إذا أقَرَّ بمالٍ عظيمٍ مائتي درهمٍ، والعامةُ تَعْلَمُ أنّ ما يَقَعُ في القلبِ مِنْ مَخْرَجِ قَوْلَيْهما مُخْتَلِفٌ، فظلمتَ المقَرَّ له إذا لم تُعْطِه مِنْ خليفةٍ إلّا التافِهَ، وظلمتَ المسكينَ إذا أغْرَمْتَه أضعافَ العظيمِ؛ إذْ ليس عندك في ذلك إلّا مَحْمَلُ كلامِ الناسِ. (١٤٧٣) وسواءٌ قال: «له عليَّ دراهمُ كثيرةٌ» أو «عظيمةٌ»، أو لم يَقُلْها .. فهي ثلاثةٌ.

стр. 903

(١٤٧٤) ولو قال: «له عليَّ ألفٌ ودرهمٌ» ولم يُسَمِّ الألفَ .. قيل له: أعْطِه أيَّ ألفٍ شِئتَ فُلوسًا أو غيرَها، واحْلِفْ أنّ الألفَ التي أقْرَرْتَ بها هي هذه، وكذلك لو أقَرَّ بألفٍ وعبدٍ، أو ألفٍ ودارٍ، لم تُجْعَل الألفُ الأولى عبيدًا ولا دُورًا. (١٤٧٥) وإذا قال: «له عليَّ ألفٌ إلّا درهمٌ» .. قيل له: أَقِرَّ له بأيِّ ألفٍ شِئتَ إذا كان الدرهمُ مُسْتَثْنًى منها ويَبْقَى بعده شيءٌ قَلَّ أو كَثُرَ. (١٤٧٦) وكذلك لو قال: «له عليَّ ألفٌ إلّا كُرُّ حنطةٍ» أو «إلّا عبدًا» .. أجْبَرْتُه على أن يُبْقِيَ بعد الاستثناءِ شيئًا قَلَّ أو كَثُرَ (١). (١٤٧٧) وإنْ أقَرَّ بثَوْبٍ في مِنْدِيلٍ، أو تمرٍ في جِرابٍ .. فالوِعاءُ للمُقِرِّ. (١٤٧٨) وإنْ قال: «له قِبَلِي كذا كذا» .. أقَرَّ بما شاء واحدًا، ولو قال: «كذا وكذا» .. أقَرَّ بما شاء اثنين (٢). (١٤٧٩) وإنْ قال: «كذا وكذا درهمًا» .. أعْطاه درهمين؛ لأنّ «كذا»

стр. 904

يَقَعُ على درهمٍ، ثُمّ قال في موضعٍ آخَرَ: إنْ قال: «كذا وكذا درهمًا» .. قيل له: أعْطِه درهمًا أو أكثَرَ (١)، مِنْ قِبَلِ أنّ «كذا» يَقَعُ على أقَلَّ مِنْ درهمٍ. قال المزني: وهذا خلافُ الأوّلِ، وهو أشْبَهُ بقولِه؛ لأنّ «كذا» يَقَعُ على أقَلَّ مِنْ درهمٍ (٢)، ولا يُعْطَى إلّا باليقينِ (٣). (١٤٨٠) قال الشافعي: والإقرارُ في الصحةِ والمرضِ سواءٌ، يَتَحاصُّون معًا. (١٤٨١) ولو أقَرَّ لوارثٍ، فلم يَمُتْ حتّى حَدَثَ وارثٌ يَحْجُبُه .. فالإقرارُ لازمٌ، وإن لم يَحْدُثْ وارثٌ .. فمَن أجاز الإقرارَ لوارثٍ أجازه، ومَن أباه .. رَدَّه (٤). (١٤٨٢) قال الشافعي: ولو أقَرّ لغيرِ وارثٍ فصار وارثًا .. بَطَلَ إقرارُه. (١٤٨٣) وإذا أقَرَّ أنّ ابنَ هذه الأمةِ وَلَدُه منها، ولا مالَ له غيرُها، ثُمّ مات .. فهو ابنُه، وهما حُرّانِ بمَوْتِه، لا يَبْطُلُ ذلك بحقِّ الغرماءِ الذي قد يكون مُؤجَّلًا، ويجوزُ إبطالُه بعد ثُبوتِه، ولا يَجُوزُ إبطالُ حُرِّيَةٍ بعد ثُبوتِها.

стр. 905

(١٤٨٤) وإذا أقَرَّ الرجلُ للحَمْلِ بدَيْنٍ .. كان الإقرارُ باطلًا حتّى يقولَ: «كان لأبي هذا الحَمْلُ أو لجَدِّه عليَّ مالٌ وهو وارثُه»، فيكونُ إقرارًا له. قال المزني: «قلت أنا» (١): هذا عندي خلافُ قولِه في «كتاب الوكالة» [ف: ١٤٦٨] في رجلٍ يُقِرُّ أنّ فلانًا وكيلٌ لفلانٍ في قبضِ ما عليه أنّه لا يَقْضِي عليه بدَفْعِه؛ لأنّه مُقِرٌّ بالتوكيلِ في مالٍ لا يَمْلِكُه، ويقولُ له: إنْ شِئتَ فادْفَعْ أو دَعْ، فكذا هذا أقَرَّ بمالٍ لرجلٍ وأقَرَّ عليه أنّه ماتَ ووَرِثَه غيرُه، وهذا عندي بالحقِّ أوْلى، وهذا وذاك عندي (٢) سواءٌ، فيَلْزَمُه ما أقَرَّ به فيهما على نَفْسِه (٣)، فإنْ كان الذي ذَكَرَ أنّه مات حَيًّا وأنْكَرَ الذي له المالُ الوكالةَ رَجَعا عليه بما أتْلَفَ عليهما (٤).

стр. 906

(١٤٨٥) قال الشافعي: ولو قال: «هذا الرقيقُ له إلّا واحدًا» .. كان للمُقِرِّ أن يَأخُذَ منهم أيَّهم شاء. (١٤٨٦) ولو قال: «غَصَبْتُ هذه الدارَ مِنْ فُلانٍ، ومِلْكُها لفُلانٍ» .. فهي للذي أقَرَّ أنّه غَصَبَها منه، وهو شاهدٌ للثاني، ولا تَجُوزُ شهادتُه لأنّه غاصبٌ. (١٤٨٧) ولو قال: «غَصَبْتُها مِنْ فلانٍ، لا بل مِنْ فلانٍ» .. كانتْ للأوّلِ، ولا غُرْمَ عليه للثاني، وكان الثاني خَصْمًا للأوّلِ (١). (١٤٨٨) ولا يَجُوزُ إقرارُ العبدِ في المالِ، إلّا أن يَأذَنَ له سَيِّدُه في التّجارَةِ، فإن لم يَأذَنْ له سَيِّدُه فمتى عَتَقَ ومَلَكَ غَرِمَ، ويَجُوزُ إقْرارُه في القتلِ والقطعِ والحدِّ؛ لأنّ ذلك على نفسِه (٢). (١٤٨٩) ولو قال رجلٌ: «لفلانٍ عليَّ ألفٌ»، فأتاه بألفٍ، فقال: هذه

стр. 907

التي أقْرَرْتُ لك بها كانت لك عندي وديعةً، فقال: بل هي وديعةٌ وتلك أخْرَى .. فالقولُ قولُ المقِرِّ مع يَمِينِه؛ لأنّ مَنْ أوْدَعَ شيئًا فجائزٌ أن يَقولَ: «لفلانٍ عندي» و «لفلانٍ عليَّ»؛ لأنّه عليه ما لم يَهْلِكْ، وقد يُودَعُ فيَتَعَدَّى فيَكُونُ عليه دَيْنًا، فلا ألْزِمُه إلّا اليقينُ. (١٤٩٠) ولو قال: «له عندي ألفُ درهمٍ وديعةٌ» أو «مُضارَبَةٌ دَيْنًا» .. كانتْ دَيْنًا؛ لأنّه قد يَتَعَدَّى (١) فيها فتَكُونُ مَضْمُونةً عليه (٢). (١٤٩١) ولو قال: «دَفَعَها إليَّ أمانةً على أنّي ضامنٌ لها» .. لم يَكُنْ ضامنًا بشَرْطِ ضَمانِ ما أصْلُه أمانةٌ. (١٤٩٢) ولو قال: «له في هذا العبدِ ألفُ درهمٍ» .. سُئِلَ عن قولِه، فإنْ قال له: «نَقَدَ ألْفًا» .. قيل: فكَمْ لك منه؟ فما قال: إنّه له منه اشْتَراه به .. فهو كما قال مع يَمِينِه، ولا أنْظُرُ إلى قيمةِ العبدِ، قَلَّتْ أو كَثُرَتْ؛ لأنّهما يَغْبِنان ويُغْبَنان. (١٤٩٣) ولو قال: «له في ميراثِ أبي ألفُ درهمٍ» .. كان إقرارًا على أبيه بدَيْنٍ، ولو قال: «في ميراثي مِنْ أبِي» .. كانتْ هِبَةً، إلّا أن يُرِيدَ إقرارًا. (١٤٩٤) ولو قال: «له عندي ألفٌ عاريّةً» كانتْ مضمونةً. (١٤٩٥) ولو أقَرَّ بعبدٍ في يدِه لفلانٍ، وأقَرَّ العبدُ لغيرِه .. فالقولُ قولُ الذي هو في يدِه. (١٤٩٦) ولو أقَرَّ أنّ العبدَ الذي تَرَكَه أبُوه لفلانٍ، ثُمّ وَصَلَ أو لم يَصِلْ، دَفَعَه أو لم يَدْفَعْه، فقال: «لا، بل لفلانٍ آخَرَ» .. فهو للأوَّلِ،

стр. 908

ولا غُرْمَ عليه للآخَرِ، ولا يُصَدَّقُ على إبطالِ إقرارِه في مالٍ قد قَطَعَه للأوَّلِ. (١٤٩٧) ولو شَهِدا على رجلٍ أنّه أعْتَقَ عبدَه فرُدّا، ثم اشْتَرَياه .. فإنْ صَدَّقَهما البائعُ رَدَّ الثمنَ، وكان له الولاءُ، وإنْ كَذَّبَهما عَتَقَ بإقرارِهما، والولاءُ موقوفٌ، فإنْ مات العبدُ وتَرَكَ مالًا .. كان موقوفًا حتّى يُصَدِّقَهما، فيَرُدَّ الثمنَ إليهما، والولاءُ له دُونهما. قال المزني: أصلُ قولِه أنَّ مَنْ له حَقٌّ مُنِعَه ثُمَّ قَدَرَ عليه أخَذَهُ، ولا يَخْلُو المشترِيان في قولهما في العتقِ مِنْ صِدْقٍ أو كَذِبٍ، فإنْ كانا صَدَقا .. فالثمنُ دَيْنٌ لهما على الجاحِدِ؛ لأنّه باع مَوْلًى له، وما تَرَكَ فهو لمولاه، ولهما أخْذُ الثمنِ منه، وإنْ كان قولُهما كَذِبًا .. فهو عبدُهما، وما تَرَكَ لهما، فاليقينُ أنّ لهما قَدْرَ الثمنِ مِنْ مال الميِّتِ إذا لم يَكُنْ له وارثٌ غيرُ بائعِه وتَرَكَ أكثرَ مِنْ الثمنِ، وإنْ كان ما تَرَكَ أقَلَّ مِنْ الثمنِ لم يَكُنْ لهما غيرُه (١). (١٤٩٨) قال الشافعي: ولو قال: «له عليَّ دراهمُ»، ثُمّ قال: «هي نَقْصٌ» أو «زَيْفٌ» .. لم يُصَدَّقْ، ولو قال: «مِنْ سِكَّةِ كذا وكذا (٢)» .. صُدِّقَ مع يَمِينِه، كان أدْنَى الدراهمِ أو أوْسَطَها، أو جائزةً بغير ذلك البلدِ أو غيرَ جائزةٍ؛ كما لو قال: «له علي ثوبٌ» أعْطَى أيَّ ثوبٍ أقَرَّ به، وإنْ كان ذلك لا يَلْبَسُه أهلُ بلدِه.

стр. 909

قال المزني: قلت أنا (١): في قولِه (٢): إذا قال: «له عليَّ دُرَيْهِمٌ» أو «دُرَيْهِماتٌ» فهي وازنةٌ .. قضاءٌ على قولِه: إذا قال: «له عليَّ دراهمُ»، فهي وازنةٌ، ولا يُشْبِهُ الثوبُ نَقْدَ البَلَدِ؛ كما لو اشْتَرَى بدرهمٍ سلعةً جاز؛ لمعرفتِهما بنقدِ البلدِ، وإن اشْتَراها بثوبٍ لم يَجُزْ؛ لجهلِهما بالثوبِ (٣). (١٤٩٩) قال الشافعي: ولو قال: «له عليَّ درهمٌ في دينارٍ» .. فإنْ أرادَ درهمًا ودينارًا، وإلّا فعليه درهمٌ (٤)، ولو قال: «له عليَّ درهمٌ ودرهمٌ» .. فهما درهمان، وإنْ قال: «درهمٌ فدرهمٌ» .. قيل: إنْ أرَدْتَ: فدرهمٌ لازمٌ .. فهو درهمٌ. (١٥٠٠) ولو قال: «عليَّ درهمٌ تحت درهمٍ» أو «فوق درهمٍ» .. فعليه درهمٌ؛ لأنّه يَجُوزُ أن يَقُولَ: فوق درهمٍ في الجَوْدَةِ، أو تحته في الرَّداءَةِ (٥)، وكذلك: «درهمٌ مع درهمٍ» و «درهمٌ معه دينارٌ»؛ لأنّه قد يَقُولُ: مع دينارٍ لي. (١٥٠١) ولو قال: «له عليَّ درهمٌ قبله درهمٌ» أو «بعده درهمٌ» .. فعليه درهمان.

стр. 910

(١٥٠٢) ولو قال (١): «له عليَّ قَفِيزٌ، لا (٢)، بل قَفِيزانِ» .. لم يَكُنْ عليه إلّا قَفِيزان، ولو قال: «له عليَّ دينارٌ فقَفِيزُ حنطةٍ» .. لم يكن عليه إلّا دينارٌ؛ لأنَّه يجوزُ أن يَقولَ: فقَفِيزُ حنطةٍ خيرٌ منه، ولو قال: «دينارٌ، لا، بل قَفِيزُ حنطةٍ» .. كان مُقِرًّا بهما، ثابتًا على القفيزِ، راجعًا عن الدينار (٣)، فلا يُقْبَلُ رجوعُه. (١٥٠٣) ولو أقَرَّ له يومَ السبتِ بدرهمٍ، وأقَرَّ له يومَ الأحَدِ بدرهمٍ .. فهو درهمٌ. (١٥٠٤) ولو قال: «له عليَّ ألفُ درهمٍ وديعةً» .. فكما قال؛ لأنّه وَصَلَ، ولو سَكَتَ ثُمّ قال مِنْ بعدُ: «هي وديعةٌ، وقد هَلَكَتْ» .. لم يُقْبَلْ منه؛ لأنّه حين أقَرَّ ضَمِنَ، ثُمّ ادّعَى الخروجَ، فلا يُصَدَّقُ. (١٥٠٥) ولو قال: «له مِنْ مالي ألفُ درهمٍ» .. سُئِلَ، فإن قال: هبةً .. فالقولُ قولُه (٤)، وإنْ مات قبل يُبَيِّنُ .. فلا يَلْزَمُه، إلّا أن يُقِرَّ وَرَثَتُه، ولو قال: «له مِنْ داري هذه نِصْفُها»، فإن قال: هبةً .. فالقولُ قولُه؛ لأنّه أضافها إلى نَفْسِه، فإنْ مات قبل يُبَيِّنُ .. لم يَلْزَمْه، إلّا أن يُقِرَّ وَرَثَتُه، ولو قال: «له مِنْ هذه الدارِ نِصْفُها» .. لَزِمَه ما أقَرَّ به. (١٥٠٦) ولو قال: «هذه الدارُ لك هِبَةَ عاريّةٍ» أو «هِبَةَ سُكْنَى» .. كان له أن يُخْرِجَهُ (٥) منها متى شاء.

стр. 911

(١٥٠٧) ولو أقَرَّ للمَيِّتِ بحَقٍّ وقال: هذا ابْنُه وهذه امْرَأتُه .. قُبِلَ منه. قال المزني: هذا خلافُ قولِه فيما مَضَى مِنْ الإقرارِ بالوَكَالَة (١) في المالِ [ف: ١٤٦٨]، وهذا عندي أصَحُّ (٢). (١٥٠٨) قال الشافعي: وإنْ قال: بِعْتُك جاريتي هذه وأوْلَدْتَها، فقال: بل زَوَّجْتَنِيها وهي أمَتُك .. فوَلَدُها حُرٌّ، والأمَةُ أمُّ وَلَدٍ بإقرارِ السَّيِّدِ، وإنّما ظَلَمَه بالثمنِ، ويَحْلِفُ (٣) ويَبْرَأ، فإنْ مات فميراثُه لوَلَدِه مِنْ الأمَةِ، ووَلاؤُها مَوْقُوفٌ. (١٥٠٩) وإذا قال: لا أقِرُّ ولا أنْكِرُ .. فإنْ لم يَحْلِفْ حَلَفَ صاحبُه مع نُكُولِه واسْتَحَقَّ. (١٥١٠) ولو قال: «وهَبْتُ لك هذه الدارَ وقَبَضْتَها»، ثُمّ قال: «لم تَكُنْ قَبَضْتَها» فاحْلِفْ، أحْلَفْتُه لقد قَبَضَها، فإنْ نَكَلَ رُدَّت اليمينُ على صاحبِه، ورَدَدْتُها إليه؛ لأنّه لا تَتِمُّ الهبةُ إلّا بالقبضِ عن رِضا الواهبِ. (١٥١١) ولو أقَرَّ أنّه باعَ عبدَه مِنْ نَفْسِه بألفٍ، فإنْ صَدَّقَه العبدُ .. عَتَقَ، والألفُ عليه، وإنْ أنْكَرَ .. فهو حُرٌّ، والسَّيِّدُ مُدَّعٍ للألفِ، وعلى المنْكِرِ اليمينُ. (١٥١٢) ولو أقَرَّ لرجلٍ بذِكْرِ حَقٍّ مِنْ بَيْعٍ، ثُمّ قال: لم أقْبِض المبيعَ .. أحْلَفْتُه ما قَبَضَ، ولا يَلْزَمُه الثمنُ إلّا بالقبضِ. (١٥١٣) ولو شَهِدَ على إقرارِه شاهدٌ بألفٍ، وآخَرُ بألْفَيْن .. فإنْ زَعَمَ الذي شَهِدَ بألفٍ أنّه شَكَّ في ألْفٍ (٤) وأثْبَتَ ألْفًا .. فقد ثَبَتَ له ألفٌ

стр. 912

بشاهدَيْن، فإنْ أراد الألفَ الأخْرَى .. حَلَفَ مع شاهدِه وكانتْ له، ولو قال أحدُ الشاهدين: مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ، وقال الآخَرُ: مِنْ ثَمنِ ثِيابٍ .. فقد بَيَّنَا أنّ الألفَ غيرُ الألفِ، فلا يَأخُذُ إلّا بيمينٍ مع كُلِّ شاهدٍ منهما. (١٥١٤) ولو أقَرَّ أنّه كَفَلَ له بمالٍ على أنّه بالخيارِ، وأنْكَرَ المكْفُولُ له الخيارَ .. فمَنْ جَعَلَ الإقرارَ واحدًا .. أحْلَفَه على الخيارِ، وأبْرَأه؛ لأنّه لا يَجُوزُ بخيارٍ، ومَن زَعَمَ أنَّه يُبَعِّضُ إقرارَه .. ألْزَمَه ما يَضُرُّه، وأسْقَطَ ما ادَّعَى المَخْرَجَ به. قال المزني: قلت أنا (١): قولُه الذي لم يَخْتَلِفْ عندي: أنّ الإقرارَ واحدٌ، وكذا قال في المتبايعين إذا اخْتَلَفا في الخيارِ أنّ القولَ قولُ البائعِ مع يَمِينِه، وقد قال: إذا أقَرَّ بشيءٍ فوَصَفَه ووَصَلَه قُبِلَ قولُه، ولم أجْعَلْ قولًا واحدًا إلّا حُكْمًا واحدًا، ومَن قال: أجْعَلُه في الدراهمِ مُقِرًّا وفي الأجلِ مُدَّعِيًا .. لَزِمَه إذا أقَرَّ بدرهمٍ نَقْدُ البلدِ لَزِمَه (٢)، فإنْ وَصَلَ إقرارَه بأن يَقُولَ: «طَبَرِيٌّ» جَعَلَه مُدَّعِيًا؛ لأنّه ادّعَى نَقْصًا مِنْ وَزْنِ (٣) الدِّرهمِ ومِن عَيْنِه، ولَزِمَه لو قال: «له عليَّ ألفٌ إلّا عشرةٌ» أن يُلْزِمَه ألفًا، وله أقاويلُ كذا (٤). (١٥١٥) قال الشافعي: ولو ضَمِنَ له عُهْدَةَ دارٍ اشْتَراها وخَلاصَها (٥)،

стр. 913

واسْتُحِقَّتْ .. رَجَعَ بالثمنِ على الضامنِ إنْ شاء. (١٥١٦) ولو أقَرَّ أعْجَمِيٌّ بأعْجَمِيَّةٍ .. كان كالإقرارِ بالعَرَبِيَّةِ. (١٥١٧) ولو شَهِدُوا على إقرارِه، ولم يَقُولُوا: صَحِيحَ العَقْلِ .. فهو على الصحةِ حتّى يُعْلَمَ غيرُها.

стр. 914

(١٥٨) باب إقرار الوارث لوارث (١٥١٨) قال الشافعي: الذي أحْفَظُ مِنْ قَوْلِ المدَنِيِّين فيمَن تَرَكَ ابْنَيْن فأقَرَّ أحدُهما بأخٍ .. أنّ نَسَبَه لا يَلْحَقُ، ولا يَأخُذُ شَيْئًا؛ لأنّه أقَرَّ له بمَعْنًى إذا ثَبَتَ وَرِثَ ووُرِّثَ، فلمّا لم يَثْبُتْ بذلك عليه حَقٌّ لم يَثْبُتْ له، وهذا أصَحُّ ما قيل عندنا، والله أعلم، وذلك مِثْلُ أن يُقِرَّ أنّه باع دارًا مِنْ رجلٍ بألفٍ، فجَحَدَ المقَرُّ له البيعَ، فلم نُعْطِه الدارَ وإنْ أقَرَّ صاحِبُها له، وذلك أنّه لم يُقِرَّ أنّها مِلْكٌ له إلّا ومَمْلُوكٌ عليه بها شيءٌ، فلمّا سَقَطَ أن يَكُونَ مَمْلُوكًا عليه سَقَطَ الإقرارُ له. (١٥١٩) فإنْ أقَرَّ جميعُ الوَرَثَةِ ثَبَتَ نَسَبُه ووَرِثَ ووُرِّثَ، واحْتَجّ بحديثِ النبيّ ﷺ في ابنِ وَليدَةِ زَمْعَةَ وقولِه: «هو لك يا عبدُ بنَ زَمْعَةَ، الولدُ للفراش» (١). (١٥٢٠) وقال في المرأةِ (٢) تَقْدَمُ مِنْ أرضِ الرُّومِ ومعها وَلَدٌ، فيَدَّعِيه رجلٌ بأرضِ الإسلامِ أنَّه ابنُه، ولم يَكُنْ يَعْرِفُ أنّه خَرَجَ إلى أرضِ الرُّومِ .. أنّه يُلْحَقُ به.

стр. 915

(١٥٢١) وإذا كانتْ له (١) أمَتان لا زَوْجَ لواحدةٍ منهما، فوَلَدَتا وَلَدَيْن، فأقَرَّ السَّيِّدُ أنَّ أحدَهما ابْنُه، ولم يُبَيِّنْ، فمات .. أرَيْتُهما القافَةَ، فأيَّهما ألْحَقُوه به .. جَعَلْناه ابْنَه، ووَرَّثْناه منه، وجَعَلْنا أمَّه أمَّ وَلَدٍ، وأرْقَقْنا (٢) الآخَرَ وأمَّه، فإن لم يَكُنْ قافَةٌ .. لم نَجْعَلِ ابْنَه واحدًا منهما، وأقْرَعْنا بينهما، فأيُّهما خَرَجَ سَهْمُه أعْتَقْناه وأمَّه، وأرْقَقْنا الآخَرَ وأمَّه. (١٥٢٢) قال المزني: وسَمِعْتُ الشافعيَّ يَقُولُ: لو قال عند وَفاتِه لثلاثةِ أوْلادٍ لأمَتِه: «أحَدُ هؤلاء وَلَدِي» ولم يُبَيِّنْ، وله ابنٌ معروفٌ .. قال: يُقْرَعُ بينهم، فمَن خَرَجَ سَهْمُه .. عَتَقَ، ولم يَثْبُتْ له نَسَبٌ ولا ميراثٌ، وأمُّ الوَلَدِ تَعْتِقُ بأحَدِ الثلاثةِ. قال المزني: قلت أنا (٣): يَلْزَمُه على أصلِ قولِه المعروفِ (٤) أنْ يَجْعَلَ للابنِ المجهولِ مَوْرِثًا مَوْقُوفًا يُمْنَعُ منه الابنُ المعروفُ، وليسَ جَهْلُنا بأيِّهم الابنُ جَهْلًا بأنّ فيهم ابْنًا، وإذا عَلِمْنا أنّ فيهم ابْنًا فقد عَلِمْنا أنّ له مَوْرِثَ ابْنٍ، ولو كان جَهْلُنا بأيِّهم الابنُ جَهْلًا بأنّ فيهم ابْنًا (٥) لجَهِلْنا بذلك أنّ فيهم حُرًّا وبِيعُوا جميعًا، وأصلُ الشافعيِّ لو طَلَّقَ نِساءَه إلّا واحدةً ثلاثًا ثلاثًا ولم يُبَيِّنْ أنّه يُوقَفُ مَوْرِثُ واحدةٍ حتّى يَصْطَلِحْن، ولم يَجْعَلْ جَهْلَه بها جَهْلًا بمَوْرِثِها، وهذا وذاك في القياسِ عندي سواءٌ. قال المزني: وأقولُ أنا في الثلاثةِ الأولادِ: إنْ كان الأكبرُ هو الابنَ .. فهو حُرٌّ، والأوسطُ والأصغرُ حُرّانِ بأنّهما ابْنا أمِّ ولدٍ، وإنْ كان الأوسطُ هو

стр. 916

الابنَ فهو حُرٌّ، والأصغرُ حُرٌّ بأنّه ابنُ أمِّ وَلَدٍ، وإنْ كان الأصغرُ هو الابنَ فهو حُرٌّ بالبُنُوَّةِ، فالأصغرُ (١) على كلِّ حالٍ حُرٌّ لا شَكّ فيه، فكيف يَرِقُّ (٢) إذا وَقَعَت عليه القرعةُ بالرقِّ؟ ويُمْكِنُ حُرِّيَّةُ الأوسطِ في حالين، ويَرِقُّ في حالٍ، ويُمْكِنُ حُرِّيَّةُ الأكبرِ في حالٍ، ويَرِقُّ في حالين، ويُمْكِنُ أن يَكونا رَقِيقَيْن للابنِ المعروفِ (٣) وللابنِ المجهولِ نصفَيْن، ويُمْكِنُ أن يَكُونَ الابنُ هو الأكبر، فيَكُونَ الثلاثةُ أحرارًا، فالقياسُ عندي على معنى الشافعي: أنْ أعْطِيَ اليقينَ، وأقِفَ الشَّكَّ، فللابنِ المعروفِ نصفُ الميراثِ؛ لأنّه والذي أقَرَّ به الأبُ (٤) ابنان، فله النِّصْفُ، والنصفُ الآخَرُ موقوفٌ حتّى يُعْرَفَ أو يَصْطَلِحُوا فيه (٥)، والقياسُ على معناه في الوقفِ إذا لم أدْرِ أهما حُرّان أم عبدان أم عبدٌ وحُرٌّ أن يُوقَفا، ومَوْرِثُ ابنٍ حتّى يَصْطَلِحُوا (٦).

стр. 917

(١٥٢٣) قال الشافعي: وتَجُوزُ الشهادةُ أنّهم لا يَعْرِفُون له وارِثًا غيرَ فلانٍ إذا كانوا مِنْ أهلِ المعرفةِ الباطنةِ، وإنْ قالوا: بَلَغَنا أنَّ له وارثًا غيرَه لم يُقْسَمِ الميراثُ حتّى يُعْلَمَ كم هُمْ، فإنْ تَطاوَل ذلك دَعا الوارث بكفيلٍ بالميراثِ ولا نُجْبِرُه. (١٥٢٤) ولو قالوا: لا وارثَ له غيرُه .. قُبِلْتُ على معنى: لا نَعْلَمُ، فإنْ كان ذلك منهم على الإحاطةِ كان خطأً، ولم أرُدَّهُم به؛ لأنّه يَؤُولُ بهم إلى العلمِ.
следующие страницы →