← Фикх шафии

Фикх шафии · id 914

مختصر المزني - ت الداغستاني

المزني

Полный текст (1 788 стр.). Показаны 898–937 · переход к 903.

стр. 898

(١٤٥٦) ولو قال: وَكَّلْتُكَ ببَيْعِ مَتاعِي وقَبَضْتَه منِّي، فأنْكَرَ ثُمّ أقَرَّ، أو قامتْ عليه البَيِّنَةُ (١) .. ضَمِنَ؛ لأنّه خَرَجَ بالجُحُودِ مِنْ الأمانةِ. (١٤٥٧) ولو قال: وَكَّلْتُكَ ببَيْعِ متاعي فبِعْتَه، فقال: مالك عِندي شيءٌ، فأقام البَيِّنَةَ عليه بذلك، فقال: صَدَقُوا، وقد دَفَعْتُ إليه ثَمَنَه .. فهو مُصَدَّقٌ؛ لأنّ مَنْ دَفَعَ شيئًا إلى أهلِه فليس هو عنده، ولم يُكَذِّبْ نفسَه، فهو على أصلِ أمانتِه وتصديقِه. (١٤٥٨) ولو أمَرَ الموَكِّلُ الوكيلَ أن يَدْفَعَ مالًا إلى رجلٍ، فادَّعَى أنّه دَفَعَه .. لم يُقْبَلْ منه إلّا ببَيِّنَةٍ، واحْتَجَّ الشافعيُّ في ذلك بقول الله جل وعز: ﴿فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم﴾ [النساء: ٦]، وبأنّ الذي زَعَمَ أنّه دَفَعَه إليه ليس هو الذي ائتَمَنَه على المالِ؛ كما أنّ اليتامى ليسوا الذين ائتَمَنُوه على المالِ، وقال جل ثناؤه (٢): ﴿فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم﴾، وبهذا فُرِّقَ بين قولِه لمن ائتَمَنَه: قد دَفَعْتُه إليك .. فيُقْبَلُ؛ لأنّه ائتَمَنَه، وبين قوله لمن لم يأتَمِنْه عليه: قد دَفَعْتُه إليك .. فلا يُقْبَلُ؛ لأنّه ليس الذي ائتَمَنَه. (١٤٥٩) قال المزني (٣): ولو جَعَلَ للوكيلِ فيما وَكَّلَه جُعْلًا، فقال للمُوَكِّلِ: جُعْلِي قِبَلَكَ وقد دَفَعْتُ إليك مالَكَ، فقال: بل خُنْتَنِي (٤) .. فالجُعْلُ مضمونٌ، لا تُبْرِئه منه دَعْواهُ الخيانَةَ عليه.

стр. 899

(١٤٦٠) ولو دَفَعَ إليه مالًا يَشْتَرِي (١) له به طَعامًا، فتَسَلَّفَه، ثُمّ اشْتَرَى له بمِثْلِه طعامًا .. فهو ضامنٌ للمالِ، والطعامُ له؛ لأنّه خَرَجَ مِنْ وَكالتِه بالتَّعَدِّي، واشْتَرَى بغيرِ ما أمرَه به. (١٤٦١) ولا يَجُوزُ للوكيلِ والوَصِيِّ أن يَشْتَرِيَ لنَفْسِه (٢). (١٤٦٢) ومَن باع بما لا يَتَغابَن الناسُ بمِثْلِه .. فبَيْعُه مَرْدُودٌ؛ لأنّ ذلك تَلَفٌ على صاحبِه، فهذا قولُ الشافعيّ ومعناه. (١٤٦٣) ولو قال: أمَرْتُك أنْ تَشْتَرِيَ هذه الجاريةَ بعشرةٍ فاشْتَرَيْتَها بعشرين، وقال الوكيلُ: بل أمَرْتَنِي بعشرين .. فالقولُ قولُ الآمِرِ مع يمينِه، وتكونُ الجاريةُ في الحكمِ للوكيلِ، والشافعيُّ يُحِبُّ في مثلِ هذا أن يَرْفُقَ الحاكمُ بالآمِرِ للمأمورِ، فيقولُ: إنْ كُنْتُ أمَرْتُه أن يَشْتَرِيَها بعشرين فقد بِعْتُه (٣) إيّاها بعشرين، ويقولُ الآخَرُ: قد قَبِلْتُ؛ ليَحِلَّ له الفَرْجُ ولمَنْ يَبْتاعُها منه. (١٤٦٤) قال المزني (٤): ولو أمَرَه أن يَشْتَرِيَ له جاريةً فاشْتَرَى غيرَها، أو أمَرَه أن يُزَوِّجَه جاريةً فزَوَّجَه غيرَها .. بَطَلَ النكاحُ، وكان الشِّراءُ للمُشْتَرِي، لا للآمِرِ. (١٤٦٥) ولو كان لرجلٍ على رجلٍ حَقٌّ، فقال له رجلٌ: وَكَّلَنِي فلانٌ بقَبْضِه منك، فصَدَّقَه ودَفَعَه، فتَلِفَ، وأنْكَرَ رَبُّ الحقِّ أن يَكونَ وَكَّلَه .. فله

стр. 900

الخيارُ، فإنْ أغْرَمَ الدافعَ .. لم يَرْجِع الدافعُ على القابضِ؛ لأنّه يَعْلَمُ أنّه وكيلٌ بريءٌ، وإنْ أغْرَمَ القابضَ لم يَكُنْ له أن يَرْجِعَ على الدافعِ؛ لأنّه يَعْلَمُ أنّه مظلومٌ بريءٌ. (١٤٦٦) وإنْ وَكَّلَه ببَيْعِ سِلْعةٍ، فباعها نَسِيئةً .. كان له نقضُ البيعِ بَعْدَ أن يَحْلِفَ ما وَكَّلَه إلّا بالنقدِ. (١٤٦٧) ولو وَكَّلَه بشِراءِ سِلْعةٍ، فأصابَ بها عَيْبًا .. كان له الرَّدُّ بالعَيْبِ، وليس عليه أن يَحْلِفَ ما رَضِيَ به الآمِرُ، وكذلك المقارِضُ، وهذا قولُ الشافعيِّ ومعناه، وبالله التوفيق. (١٤٦٨) ولو قال رجلٌ: لفلانٍ عليَّ دينٌ وقد وَكَّلَ هذا بِقَبْضِه .. لم يَقْضِ الشافعيُّ عليه بدَفْعِه؛ لأنّه مُقِرٌّ بتَوْكِيلِ غيرِه في مالٍ لا يَمْلِكُه، ويقولُ له: إنْ شِئتَ فادْفَعْ أو دَعْ، ولا أجْبِرُك على أنْ تَدْفَعَ (١). (١٤٦٩) قال: وللوكيلِ والمقارَضِ أن يَرُدّا ما اشْتَرَيا بالعيبِ، وليس للبائعِ أن يُحَلِّفَهُما ما رَضِيَ به رَبُّ المالِ، وقال: ألا تَرَى أنّهما لو تَعَدَّيا لم يَنْتَقِض البيعُ، ولَزِمَهما الثمنُ، وكانتِ التِّباعَةُ عليهما لرَبِّ المالِ.

стр. 901

[٢١] كتاب الإقرار

стр. 902

(١٥٧) باب الإقرار بالحقوق والمواهب والعارية (١) (١٤٧٠) قال الشافعي: ولا يَجُوزُ إلّا إقرارُ بالغٍ رشيدٍ، ومَن لم يَجُزْ بَيْعُه لم يَجُزْ إقْرارُه. (١٤٧١) فإذا قال الرجلُ: «لفلانٍ عليَّ شيءٌ»، ثُمّ جَحَدَ .. قيل له: أقِرَّ بما شِئتَ مما يَقَعُ عليه اسمُ «شيءٍ»، تمرةٍ أو فلسٍ، واحلفْ ما له قِبَلَكَ غيرُه، فإنْ أبي حَلَفَ المدَّعِي على ما ادَّعَى واسْتَحَقَّه مع نُكولِ صاحبِه. (١٤٧٢) وسواءٌ قال: «له عليَّ مالٌ» أو «مالٌ كثيرٌ» أو «عظيمٌ»، فإنّما عليه ما يَقَعُ عليه اسمُ «مالٍ»، فأمّا مَنْ ذَهَبَ إلى ما تَجِبُ فيه الزكاةُ .. فلا أعْلَمُه خبرًا ولا قياسًا، أرأيتَ إذا أغْرَمْتَ مسكينًا يَرَى الدرهمَ عظيمًا، أو خليفةً يَرَى ألفَ ألفٍ قليلًا، إذا أقَرَّ بمالٍ عظيمٍ مائتي درهمٍ، والعامةُ تَعْلَمُ أنّ ما يَقَعُ في القلبِ مِنْ مَخْرَجِ قَوْلَيْهما مُخْتَلِفٌ، فظلمتَ المقَرَّ له إذا لم تُعْطِه مِنْ خليفةٍ إلّا التافِهَ، وظلمتَ المسكينَ إذا أغْرَمْتَه أضعافَ العظيمِ؛ إذْ ليس عندك في ذلك إلّا مَحْمَلُ كلامِ الناسِ. (١٤٧٣) وسواءٌ قال: «له عليَّ دراهمُ كثيرةٌ» أو «عظيمةٌ»، أو لم يَقُلْها .. فهي ثلاثةٌ.

стр. 903

(١٤٧٤) ولو قال: «له عليَّ ألفٌ ودرهمٌ» ولم يُسَمِّ الألفَ .. قيل له: أعْطِه أيَّ ألفٍ شِئتَ فُلوسًا أو غيرَها، واحْلِفْ أنّ الألفَ التي أقْرَرْتَ بها هي هذه، وكذلك لو أقَرَّ بألفٍ وعبدٍ، أو ألفٍ ودارٍ، لم تُجْعَل الألفُ الأولى عبيدًا ولا دُورًا. (١٤٧٥) وإذا قال: «له عليَّ ألفٌ إلّا درهمٌ» .. قيل له: أَقِرَّ له بأيِّ ألفٍ شِئتَ إذا كان الدرهمُ مُسْتَثْنًى منها ويَبْقَى بعده شيءٌ قَلَّ أو كَثُرَ. (١٤٧٦) وكذلك لو قال: «له عليَّ ألفٌ إلّا كُرُّ حنطةٍ» أو «إلّا عبدًا» .. أجْبَرْتُه على أن يُبْقِيَ بعد الاستثناءِ شيئًا قَلَّ أو كَثُرَ (١). (١٤٧٧) وإنْ أقَرَّ بثَوْبٍ في مِنْدِيلٍ، أو تمرٍ في جِرابٍ .. فالوِعاءُ للمُقِرِّ. (١٤٧٨) وإنْ قال: «له قِبَلِي كذا كذا» .. أقَرَّ بما شاء واحدًا، ولو قال: «كذا وكذا» .. أقَرَّ بما شاء اثنين (٢). (١٤٧٩) وإنْ قال: «كذا وكذا درهمًا» .. أعْطاه درهمين؛ لأنّ «كذا»

стр. 904

يَقَعُ على درهمٍ، ثُمّ قال في موضعٍ آخَرَ: إنْ قال: «كذا وكذا درهمًا» .. قيل له: أعْطِه درهمًا أو أكثَرَ (١)، مِنْ قِبَلِ أنّ «كذا» يَقَعُ على أقَلَّ مِنْ درهمٍ. قال المزني: وهذا خلافُ الأوّلِ، وهو أشْبَهُ بقولِه؛ لأنّ «كذا» يَقَعُ على أقَلَّ مِنْ درهمٍ (٢)، ولا يُعْطَى إلّا باليقينِ (٣). (١٤٨٠) قال الشافعي: والإقرارُ في الصحةِ والمرضِ سواءٌ، يَتَحاصُّون معًا. (١٤٨١) ولو أقَرَّ لوارثٍ، فلم يَمُتْ حتّى حَدَثَ وارثٌ يَحْجُبُه .. فالإقرارُ لازمٌ، وإن لم يَحْدُثْ وارثٌ .. فمَن أجاز الإقرارَ لوارثٍ أجازه، ومَن أباه .. رَدَّه (٤). (١٤٨٢) قال الشافعي: ولو أقَرّ لغيرِ وارثٍ فصار وارثًا .. بَطَلَ إقرارُه. (١٤٨٣) وإذا أقَرَّ أنّ ابنَ هذه الأمةِ وَلَدُه منها، ولا مالَ له غيرُها، ثُمّ مات .. فهو ابنُه، وهما حُرّانِ بمَوْتِه، لا يَبْطُلُ ذلك بحقِّ الغرماءِ الذي قد يكون مُؤجَّلًا، ويجوزُ إبطالُه بعد ثُبوتِه، ولا يَجُوزُ إبطالُ حُرِّيَةٍ بعد ثُبوتِها.

стр. 905

(١٤٨٤) وإذا أقَرَّ الرجلُ للحَمْلِ بدَيْنٍ .. كان الإقرارُ باطلًا حتّى يقولَ: «كان لأبي هذا الحَمْلُ أو لجَدِّه عليَّ مالٌ وهو وارثُه»، فيكونُ إقرارًا له. قال المزني: «قلت أنا» (١): هذا عندي خلافُ قولِه في «كتاب الوكالة» [ف: ١٤٦٨] في رجلٍ يُقِرُّ أنّ فلانًا وكيلٌ لفلانٍ في قبضِ ما عليه أنّه لا يَقْضِي عليه بدَفْعِه؛ لأنّه مُقِرٌّ بالتوكيلِ في مالٍ لا يَمْلِكُه، ويقولُ له: إنْ شِئتَ فادْفَعْ أو دَعْ، فكذا هذا أقَرَّ بمالٍ لرجلٍ وأقَرَّ عليه أنّه ماتَ ووَرِثَه غيرُه، وهذا عندي بالحقِّ أوْلى، وهذا وذاك عندي (٢) سواءٌ، فيَلْزَمُه ما أقَرَّ به فيهما على نَفْسِه (٣)، فإنْ كان الذي ذَكَرَ أنّه مات حَيًّا وأنْكَرَ الذي له المالُ الوكالةَ رَجَعا عليه بما أتْلَفَ عليهما (٤).

стр. 906

(١٤٨٥) قال الشافعي: ولو قال: «هذا الرقيقُ له إلّا واحدًا» .. كان للمُقِرِّ أن يَأخُذَ منهم أيَّهم شاء. (١٤٨٦) ولو قال: «غَصَبْتُ هذه الدارَ مِنْ فُلانٍ، ومِلْكُها لفُلانٍ» .. فهي للذي أقَرَّ أنّه غَصَبَها منه، وهو شاهدٌ للثاني، ولا تَجُوزُ شهادتُه لأنّه غاصبٌ. (١٤٨٧) ولو قال: «غَصَبْتُها مِنْ فلانٍ، لا بل مِنْ فلانٍ» .. كانتْ للأوّلِ، ولا غُرْمَ عليه للثاني، وكان الثاني خَصْمًا للأوّلِ (١). (١٤٨٨) ولا يَجُوزُ إقرارُ العبدِ في المالِ، إلّا أن يَأذَنَ له سَيِّدُه في التّجارَةِ، فإن لم يَأذَنْ له سَيِّدُه فمتى عَتَقَ ومَلَكَ غَرِمَ، ويَجُوزُ إقْرارُه في القتلِ والقطعِ والحدِّ؛ لأنّ ذلك على نفسِه (٢). (١٤٨٩) ولو قال رجلٌ: «لفلانٍ عليَّ ألفٌ»، فأتاه بألفٍ، فقال: هذه

стр. 907

التي أقْرَرْتُ لك بها كانت لك عندي وديعةً، فقال: بل هي وديعةٌ وتلك أخْرَى .. فالقولُ قولُ المقِرِّ مع يَمِينِه؛ لأنّ مَنْ أوْدَعَ شيئًا فجائزٌ أن يَقولَ: «لفلانٍ عندي» و «لفلانٍ عليَّ»؛ لأنّه عليه ما لم يَهْلِكْ، وقد يُودَعُ فيَتَعَدَّى فيَكُونُ عليه دَيْنًا، فلا ألْزِمُه إلّا اليقينُ. (١٤٩٠) ولو قال: «له عندي ألفُ درهمٍ وديعةٌ» أو «مُضارَبَةٌ دَيْنًا» .. كانتْ دَيْنًا؛ لأنّه قد يَتَعَدَّى (١) فيها فتَكُونُ مَضْمُونةً عليه (٢). (١٤٩١) ولو قال: «دَفَعَها إليَّ أمانةً على أنّي ضامنٌ لها» .. لم يَكُنْ ضامنًا بشَرْطِ ضَمانِ ما أصْلُه أمانةٌ. (١٤٩٢) ولو قال: «له في هذا العبدِ ألفُ درهمٍ» .. سُئِلَ عن قولِه، فإنْ قال له: «نَقَدَ ألْفًا» .. قيل: فكَمْ لك منه؟ فما قال: إنّه له منه اشْتَراه به .. فهو كما قال مع يَمِينِه، ولا أنْظُرُ إلى قيمةِ العبدِ، قَلَّتْ أو كَثُرَتْ؛ لأنّهما يَغْبِنان ويُغْبَنان. (١٤٩٣) ولو قال: «له في ميراثِ أبي ألفُ درهمٍ» .. كان إقرارًا على أبيه بدَيْنٍ، ولو قال: «في ميراثي مِنْ أبِي» .. كانتْ هِبَةً، إلّا أن يُرِيدَ إقرارًا. (١٤٩٤) ولو قال: «له عندي ألفٌ عاريّةً» كانتْ مضمونةً. (١٤٩٥) ولو أقَرَّ بعبدٍ في يدِه لفلانٍ، وأقَرَّ العبدُ لغيرِه .. فالقولُ قولُ الذي هو في يدِه. (١٤٩٦) ولو أقَرَّ أنّ العبدَ الذي تَرَكَه أبُوه لفلانٍ، ثُمّ وَصَلَ أو لم يَصِلْ، دَفَعَه أو لم يَدْفَعْه، فقال: «لا، بل لفلانٍ آخَرَ» .. فهو للأوَّلِ،

стр. 908

ولا غُرْمَ عليه للآخَرِ، ولا يُصَدَّقُ على إبطالِ إقرارِه في مالٍ قد قَطَعَه للأوَّلِ. (١٤٩٧) ولو شَهِدا على رجلٍ أنّه أعْتَقَ عبدَه فرُدّا، ثم اشْتَرَياه .. فإنْ صَدَّقَهما البائعُ رَدَّ الثمنَ، وكان له الولاءُ، وإنْ كَذَّبَهما عَتَقَ بإقرارِهما، والولاءُ موقوفٌ، فإنْ مات العبدُ وتَرَكَ مالًا .. كان موقوفًا حتّى يُصَدِّقَهما، فيَرُدَّ الثمنَ إليهما، والولاءُ له دُونهما. قال المزني: أصلُ قولِه أنَّ مَنْ له حَقٌّ مُنِعَه ثُمَّ قَدَرَ عليه أخَذَهُ، ولا يَخْلُو المشترِيان في قولهما في العتقِ مِنْ صِدْقٍ أو كَذِبٍ، فإنْ كانا صَدَقا .. فالثمنُ دَيْنٌ لهما على الجاحِدِ؛ لأنّه باع مَوْلًى له، وما تَرَكَ فهو لمولاه، ولهما أخْذُ الثمنِ منه، وإنْ كان قولُهما كَذِبًا .. فهو عبدُهما، وما تَرَكَ لهما، فاليقينُ أنّ لهما قَدْرَ الثمنِ مِنْ مال الميِّتِ إذا لم يَكُنْ له وارثٌ غيرُ بائعِه وتَرَكَ أكثرَ مِنْ الثمنِ، وإنْ كان ما تَرَكَ أقَلَّ مِنْ الثمنِ لم يَكُنْ لهما غيرُه (١). (١٤٩٨) قال الشافعي: ولو قال: «له عليَّ دراهمُ»، ثُمّ قال: «هي نَقْصٌ» أو «زَيْفٌ» .. لم يُصَدَّقْ، ولو قال: «مِنْ سِكَّةِ كذا وكذا (٢)» .. صُدِّقَ مع يَمِينِه، كان أدْنَى الدراهمِ أو أوْسَطَها، أو جائزةً بغير ذلك البلدِ أو غيرَ جائزةٍ؛ كما لو قال: «له علي ثوبٌ» أعْطَى أيَّ ثوبٍ أقَرَّ به، وإنْ كان ذلك لا يَلْبَسُه أهلُ بلدِه.

стр. 909

قال المزني: قلت أنا (١): في قولِه (٢): إذا قال: «له عليَّ دُرَيْهِمٌ» أو «دُرَيْهِماتٌ» فهي وازنةٌ .. قضاءٌ على قولِه: إذا قال: «له عليَّ دراهمُ»، فهي وازنةٌ، ولا يُشْبِهُ الثوبُ نَقْدَ البَلَدِ؛ كما لو اشْتَرَى بدرهمٍ سلعةً جاز؛ لمعرفتِهما بنقدِ البلدِ، وإن اشْتَراها بثوبٍ لم يَجُزْ؛ لجهلِهما بالثوبِ (٣). (١٤٩٩) قال الشافعي: ولو قال: «له عليَّ درهمٌ في دينارٍ» .. فإنْ أرادَ درهمًا ودينارًا، وإلّا فعليه درهمٌ (٤)، ولو قال: «له عليَّ درهمٌ ودرهمٌ» .. فهما درهمان، وإنْ قال: «درهمٌ فدرهمٌ» .. قيل: إنْ أرَدْتَ: فدرهمٌ لازمٌ .. فهو درهمٌ. (١٥٠٠) ولو قال: «عليَّ درهمٌ تحت درهمٍ» أو «فوق درهمٍ» .. فعليه درهمٌ؛ لأنّه يَجُوزُ أن يَقُولَ: فوق درهمٍ في الجَوْدَةِ، أو تحته في الرَّداءَةِ (٥)، وكذلك: «درهمٌ مع درهمٍ» و «درهمٌ معه دينارٌ»؛ لأنّه قد يَقُولُ: مع دينارٍ لي. (١٥٠١) ولو قال: «له عليَّ درهمٌ قبله درهمٌ» أو «بعده درهمٌ» .. فعليه درهمان.

стр. 910

(١٥٠٢) ولو قال (١): «له عليَّ قَفِيزٌ، لا (٢)، بل قَفِيزانِ» .. لم يَكُنْ عليه إلّا قَفِيزان، ولو قال: «له عليَّ دينارٌ فقَفِيزُ حنطةٍ» .. لم يكن عليه إلّا دينارٌ؛ لأنَّه يجوزُ أن يَقولَ: فقَفِيزُ حنطةٍ خيرٌ منه، ولو قال: «دينارٌ، لا، بل قَفِيزُ حنطةٍ» .. كان مُقِرًّا بهما، ثابتًا على القفيزِ، راجعًا عن الدينار (٣)، فلا يُقْبَلُ رجوعُه. (١٥٠٣) ولو أقَرَّ له يومَ السبتِ بدرهمٍ، وأقَرَّ له يومَ الأحَدِ بدرهمٍ .. فهو درهمٌ. (١٥٠٤) ولو قال: «له عليَّ ألفُ درهمٍ وديعةً» .. فكما قال؛ لأنّه وَصَلَ، ولو سَكَتَ ثُمّ قال مِنْ بعدُ: «هي وديعةٌ، وقد هَلَكَتْ» .. لم يُقْبَلْ منه؛ لأنّه حين أقَرَّ ضَمِنَ، ثُمّ ادّعَى الخروجَ، فلا يُصَدَّقُ. (١٥٠٥) ولو قال: «له مِنْ مالي ألفُ درهمٍ» .. سُئِلَ، فإن قال: هبةً .. فالقولُ قولُه (٤)، وإنْ مات قبل يُبَيِّنُ .. فلا يَلْزَمُه، إلّا أن يُقِرَّ وَرَثَتُه، ولو قال: «له مِنْ داري هذه نِصْفُها»، فإن قال: هبةً .. فالقولُ قولُه؛ لأنّه أضافها إلى نَفْسِه، فإنْ مات قبل يُبَيِّنُ .. لم يَلْزَمْه، إلّا أن يُقِرَّ وَرَثَتُه، ولو قال: «له مِنْ هذه الدارِ نِصْفُها» .. لَزِمَه ما أقَرَّ به. (١٥٠٦) ولو قال: «هذه الدارُ لك هِبَةَ عاريّةٍ» أو «هِبَةَ سُكْنَى» .. كان له أن يُخْرِجَهُ (٥) منها متى شاء.

стр. 911

(١٥٠٧) ولو أقَرَّ للمَيِّتِ بحَقٍّ وقال: هذا ابْنُه وهذه امْرَأتُه .. قُبِلَ منه. قال المزني: هذا خلافُ قولِه فيما مَضَى مِنْ الإقرارِ بالوَكَالَة (١) في المالِ [ف: ١٤٦٨]، وهذا عندي أصَحُّ (٢). (١٥٠٨) قال الشافعي: وإنْ قال: بِعْتُك جاريتي هذه وأوْلَدْتَها، فقال: بل زَوَّجْتَنِيها وهي أمَتُك .. فوَلَدُها حُرٌّ، والأمَةُ أمُّ وَلَدٍ بإقرارِ السَّيِّدِ، وإنّما ظَلَمَه بالثمنِ، ويَحْلِفُ (٣) ويَبْرَأ، فإنْ مات فميراثُه لوَلَدِه مِنْ الأمَةِ، ووَلاؤُها مَوْقُوفٌ. (١٥٠٩) وإذا قال: لا أقِرُّ ولا أنْكِرُ .. فإنْ لم يَحْلِفْ حَلَفَ صاحبُه مع نُكُولِه واسْتَحَقَّ. (١٥١٠) ولو قال: «وهَبْتُ لك هذه الدارَ وقَبَضْتَها»، ثُمّ قال: «لم تَكُنْ قَبَضْتَها» فاحْلِفْ، أحْلَفْتُه لقد قَبَضَها، فإنْ نَكَلَ رُدَّت اليمينُ على صاحبِه، ورَدَدْتُها إليه؛ لأنّه لا تَتِمُّ الهبةُ إلّا بالقبضِ عن رِضا الواهبِ. (١٥١١) ولو أقَرَّ أنّه باعَ عبدَه مِنْ نَفْسِه بألفٍ، فإنْ صَدَّقَه العبدُ .. عَتَقَ، والألفُ عليه، وإنْ أنْكَرَ .. فهو حُرٌّ، والسَّيِّدُ مُدَّعٍ للألفِ، وعلى المنْكِرِ اليمينُ. (١٥١٢) ولو أقَرَّ لرجلٍ بذِكْرِ حَقٍّ مِنْ بَيْعٍ، ثُمّ قال: لم أقْبِض المبيعَ .. أحْلَفْتُه ما قَبَضَ، ولا يَلْزَمُه الثمنُ إلّا بالقبضِ. (١٥١٣) ولو شَهِدَ على إقرارِه شاهدٌ بألفٍ، وآخَرُ بألْفَيْن .. فإنْ زَعَمَ الذي شَهِدَ بألفٍ أنّه شَكَّ في ألْفٍ (٤) وأثْبَتَ ألْفًا .. فقد ثَبَتَ له ألفٌ

стр. 912

بشاهدَيْن، فإنْ أراد الألفَ الأخْرَى .. حَلَفَ مع شاهدِه وكانتْ له، ولو قال أحدُ الشاهدين: مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ، وقال الآخَرُ: مِنْ ثَمنِ ثِيابٍ .. فقد بَيَّنَا أنّ الألفَ غيرُ الألفِ، فلا يَأخُذُ إلّا بيمينٍ مع كُلِّ شاهدٍ منهما. (١٥١٤) ولو أقَرَّ أنّه كَفَلَ له بمالٍ على أنّه بالخيارِ، وأنْكَرَ المكْفُولُ له الخيارَ .. فمَنْ جَعَلَ الإقرارَ واحدًا .. أحْلَفَه على الخيارِ، وأبْرَأه؛ لأنّه لا يَجُوزُ بخيارٍ، ومَن زَعَمَ أنَّه يُبَعِّضُ إقرارَه .. ألْزَمَه ما يَضُرُّه، وأسْقَطَ ما ادَّعَى المَخْرَجَ به. قال المزني: قلت أنا (١): قولُه الذي لم يَخْتَلِفْ عندي: أنّ الإقرارَ واحدٌ، وكذا قال في المتبايعين إذا اخْتَلَفا في الخيارِ أنّ القولَ قولُ البائعِ مع يَمِينِه، وقد قال: إذا أقَرَّ بشيءٍ فوَصَفَه ووَصَلَه قُبِلَ قولُه، ولم أجْعَلْ قولًا واحدًا إلّا حُكْمًا واحدًا، ومَن قال: أجْعَلُه في الدراهمِ مُقِرًّا وفي الأجلِ مُدَّعِيًا .. لَزِمَه إذا أقَرَّ بدرهمٍ نَقْدُ البلدِ لَزِمَه (٢)، فإنْ وَصَلَ إقرارَه بأن يَقُولَ: «طَبَرِيٌّ» جَعَلَه مُدَّعِيًا؛ لأنّه ادّعَى نَقْصًا مِنْ وَزْنِ (٣) الدِّرهمِ ومِن عَيْنِه، ولَزِمَه لو قال: «له عليَّ ألفٌ إلّا عشرةٌ» أن يُلْزِمَه ألفًا، وله أقاويلُ كذا (٤). (١٥١٥) قال الشافعي: ولو ضَمِنَ له عُهْدَةَ دارٍ اشْتَراها وخَلاصَها (٥)،

стр. 913

واسْتُحِقَّتْ .. رَجَعَ بالثمنِ على الضامنِ إنْ شاء. (١٥١٦) ولو أقَرَّ أعْجَمِيٌّ بأعْجَمِيَّةٍ .. كان كالإقرارِ بالعَرَبِيَّةِ. (١٥١٧) ولو شَهِدُوا على إقرارِه، ولم يَقُولُوا: صَحِيحَ العَقْلِ .. فهو على الصحةِ حتّى يُعْلَمَ غيرُها.

стр. 914

(١٥٨) باب إقرار الوارث لوارث (١٥١٨) قال الشافعي: الذي أحْفَظُ مِنْ قَوْلِ المدَنِيِّين فيمَن تَرَكَ ابْنَيْن فأقَرَّ أحدُهما بأخٍ .. أنّ نَسَبَه لا يَلْحَقُ، ولا يَأخُذُ شَيْئًا؛ لأنّه أقَرَّ له بمَعْنًى إذا ثَبَتَ وَرِثَ ووُرِّثَ، فلمّا لم يَثْبُتْ بذلك عليه حَقٌّ لم يَثْبُتْ له، وهذا أصَحُّ ما قيل عندنا، والله أعلم، وذلك مِثْلُ أن يُقِرَّ أنّه باع دارًا مِنْ رجلٍ بألفٍ، فجَحَدَ المقَرُّ له البيعَ، فلم نُعْطِه الدارَ وإنْ أقَرَّ صاحِبُها له، وذلك أنّه لم يُقِرَّ أنّها مِلْكٌ له إلّا ومَمْلُوكٌ عليه بها شيءٌ، فلمّا سَقَطَ أن يَكُونَ مَمْلُوكًا عليه سَقَطَ الإقرارُ له. (١٥١٩) فإنْ أقَرَّ جميعُ الوَرَثَةِ ثَبَتَ نَسَبُه ووَرِثَ ووُرِّثَ، واحْتَجّ بحديثِ النبيّ ﷺ في ابنِ وَليدَةِ زَمْعَةَ وقولِه: «هو لك يا عبدُ بنَ زَمْعَةَ، الولدُ للفراش» (١). (١٥٢٠) وقال في المرأةِ (٢) تَقْدَمُ مِنْ أرضِ الرُّومِ ومعها وَلَدٌ، فيَدَّعِيه رجلٌ بأرضِ الإسلامِ أنَّه ابنُه، ولم يَكُنْ يَعْرِفُ أنّه خَرَجَ إلى أرضِ الرُّومِ .. أنّه يُلْحَقُ به.

стр. 915

(١٥٢١) وإذا كانتْ له (١) أمَتان لا زَوْجَ لواحدةٍ منهما، فوَلَدَتا وَلَدَيْن، فأقَرَّ السَّيِّدُ أنَّ أحدَهما ابْنُه، ولم يُبَيِّنْ، فمات .. أرَيْتُهما القافَةَ، فأيَّهما ألْحَقُوه به .. جَعَلْناه ابْنَه، ووَرَّثْناه منه، وجَعَلْنا أمَّه أمَّ وَلَدٍ، وأرْقَقْنا (٢) الآخَرَ وأمَّه، فإن لم يَكُنْ قافَةٌ .. لم نَجْعَلِ ابْنَه واحدًا منهما، وأقْرَعْنا بينهما، فأيُّهما خَرَجَ سَهْمُه أعْتَقْناه وأمَّه، وأرْقَقْنا الآخَرَ وأمَّه. (١٥٢٢) قال المزني: وسَمِعْتُ الشافعيَّ يَقُولُ: لو قال عند وَفاتِه لثلاثةِ أوْلادٍ لأمَتِه: «أحَدُ هؤلاء وَلَدِي» ولم يُبَيِّنْ، وله ابنٌ معروفٌ .. قال: يُقْرَعُ بينهم، فمَن خَرَجَ سَهْمُه .. عَتَقَ، ولم يَثْبُتْ له نَسَبٌ ولا ميراثٌ، وأمُّ الوَلَدِ تَعْتِقُ بأحَدِ الثلاثةِ. قال المزني: قلت أنا (٣): يَلْزَمُه على أصلِ قولِه المعروفِ (٤) أنْ يَجْعَلَ للابنِ المجهولِ مَوْرِثًا مَوْقُوفًا يُمْنَعُ منه الابنُ المعروفُ، وليسَ جَهْلُنا بأيِّهم الابنُ جَهْلًا بأنّ فيهم ابْنًا، وإذا عَلِمْنا أنّ فيهم ابْنًا فقد عَلِمْنا أنّ له مَوْرِثَ ابْنٍ، ولو كان جَهْلُنا بأيِّهم الابنُ جَهْلًا بأنّ فيهم ابْنًا (٥) لجَهِلْنا بذلك أنّ فيهم حُرًّا وبِيعُوا جميعًا، وأصلُ الشافعيِّ لو طَلَّقَ نِساءَه إلّا واحدةً ثلاثًا ثلاثًا ولم يُبَيِّنْ أنّه يُوقَفُ مَوْرِثُ واحدةٍ حتّى يَصْطَلِحْن، ولم يَجْعَلْ جَهْلَه بها جَهْلًا بمَوْرِثِها، وهذا وذاك في القياسِ عندي سواءٌ. قال المزني: وأقولُ أنا في الثلاثةِ الأولادِ: إنْ كان الأكبرُ هو الابنَ .. فهو حُرٌّ، والأوسطُ والأصغرُ حُرّانِ بأنّهما ابْنا أمِّ ولدٍ، وإنْ كان الأوسطُ هو

стр. 916

الابنَ فهو حُرٌّ، والأصغرُ حُرٌّ بأنّه ابنُ أمِّ وَلَدٍ، وإنْ كان الأصغرُ هو الابنَ فهو حُرٌّ بالبُنُوَّةِ، فالأصغرُ (١) على كلِّ حالٍ حُرٌّ لا شَكّ فيه، فكيف يَرِقُّ (٢) إذا وَقَعَت عليه القرعةُ بالرقِّ؟ ويُمْكِنُ حُرِّيَّةُ الأوسطِ في حالين، ويَرِقُّ في حالٍ، ويُمْكِنُ حُرِّيَّةُ الأكبرِ في حالٍ، ويَرِقُّ في حالين، ويُمْكِنُ أن يَكونا رَقِيقَيْن للابنِ المعروفِ (٣) وللابنِ المجهولِ نصفَيْن، ويُمْكِنُ أن يَكُونَ الابنُ هو الأكبر، فيَكُونَ الثلاثةُ أحرارًا، فالقياسُ عندي على معنى الشافعي: أنْ أعْطِيَ اليقينَ، وأقِفَ الشَّكَّ، فللابنِ المعروفِ نصفُ الميراثِ؛ لأنّه والذي أقَرَّ به الأبُ (٤) ابنان، فله النِّصْفُ، والنصفُ الآخَرُ موقوفٌ حتّى يُعْرَفَ أو يَصْطَلِحُوا فيه (٥)، والقياسُ على معناه في الوقفِ إذا لم أدْرِ أهما حُرّان أم عبدان أم عبدٌ وحُرٌّ أن يُوقَفا، ومَوْرِثُ ابنٍ حتّى يَصْطَلِحُوا (٦).

стр. 917

(١٥٢٣) قال الشافعي: وتَجُوزُ الشهادةُ أنّهم لا يَعْرِفُون له وارِثًا غيرَ فلانٍ إذا كانوا مِنْ أهلِ المعرفةِ الباطنةِ، وإنْ قالوا: بَلَغَنا أنَّ له وارثًا غيرَه لم يُقْسَمِ الميراثُ حتّى يُعْلَمَ كم هُمْ، فإنْ تَطاوَل ذلك دَعا الوارث بكفيلٍ بالميراثِ ولا نُجْبِرُه. (١٥٢٤) ولو قالوا: لا وارثَ له غيرُه .. قُبِلْتُ على معنى: لا نَعْلَمُ، فإنْ كان ذلك منهم على الإحاطةِ كان خطأً، ولم أرُدَّهُم به؛ لأنّه يَؤُولُ بهم إلى العلمِ.

стр. 918

[٢٢] كتاب العاريّة (١)

стр. 919

(١٥٢٥) قال الشافعي: وكلُّ العارِيَّة مضمونةٌ على المسْتَعِيرِ (١) وإنْ تَلِفَتْ مِنْ غيرِ فعلِه؛ اسْتعارَ رسولُ الله ﷺ مِنْ صفوانَ سِلاحَه، فقال له النبيُّ ﵇: «عاريَّةٌ مضمونةٌ مُؤدّاةٌ». (١٥٢٦) وقال مَنْ لا يُضَمِّنُ العاريَّةَ: فإنْ قلنا: إذا اشْتَرَطَ المستعيرُ الضمانَ ضَمِنَ؟ قلتُ: إذًا تَتْرُكُ قولَك، قال: وأين؟ قلت: ما تَقُولُ (٢) في الوديعةِ إذا اشْتَرَطَ المسْتَوْدِعُ أو المضارِبُ الضمانَ، أهو ضامنٌ؟ قال: لا يكونُ ضامنًا، قلتُ: فإنْ شَرَطَ على المسْتَسْلِفِ أنّه غيرُ ضامنٍ، أيَبْرَأ؟ قال: لا، قلتُ: وتَرُدُّ (٣) ما ليس بمضمونٍ إلى أصلِه، وما كان مضمونًا إلى أصلِه، وتُبْطِلُ الشرطَ فيهما؟ قال: نعم، قلتُ: فكذلك يَنْبَغِي أنْ تَقُولَ في العاريّةِ، وكذلك شَرَطَ النبيُّ ﷺ (٤)، ولا يَشْتَرِطُ أنّها مضمونةٌ لما لا يُضْمَنُ، قال: فلِمَ شَرَطَ؟ قلتُ: لجَهالَةِ صفوانَ به؛ لأنّه كان مُشْرِكًا لا يَعْرِفُ الحكمَ، ولو عَرَفَه ما ضَرَّه شَرْطُه له (٥)، قال: فهل قال هذا أحدٌ؟ قلتُ: في هذا كِفايةٌ، وقد قال (٦) أبو هريرة وابن عباس: إنّ العاريَّةَ مضمونةٌ.

стр. 920

(١٥٢٧) قال الشافعي: ولو قال رَبُّ الدابّةِ: أكْرَيْتُكَها إلى موضعِ كذا بكذا، وقال الراكبُ: بل عاريَّةٌ .. فالقولُ قولُ الراكبِ مع يمينِه، ولو قال: أعَرْتَنِيها، وقال رَبُّها: غَصَبْتَنِيها .. كان القولُ قولَ المستعيرِ. قال المزني: هذا عندي خلافُ أصلِه؛ لأنّه يَجْعَلُ مَنْ سَكَنَ دارَ رجلٍ كمّن تَعَدَّى على سلعتِه فأتْلَفَها، فله قيمةُ السَّكَنِ، وقولُه: «مَنْ أتْلَفَ شيئًا ضَمِنَ، ومَن ادَّعَى البراءةَ لم يَبْرَأ»، فهذا مُقِرٌّ بأخْذِ سَكَنٍ ورُكُوبِ دابَّةٍ، ومُدَّعٍ البراءةَ، فعليه البَيِّنَةُ، وعلى المنكِرِ رَبِّ الدابَّةِ والدارِ اليمينُ، ويَأخُذُ القيمةَ (١). (١٥٢٨) قال الشافعي: ومَن تَعَدَّى في وديعةٍ، ثُمّ رَدَّها إلى مَوْضِعِها الذي كانتْ فيه .. ضَمِنَ؛ لأنّه خَرَجَ مِنْ الأمانةِ، ولم يُحْدِثْ له رَبُّ المالِ اسْتِئمانًا، فلا يَبْرَأ حتّى يَدْفَعَها إليه. (١٥٢٩) قال الشافعي: وإذا أعاره بُقْعَةً يَبْنِي فيها بِناءً .. لم يَكُنْ لصاحبِ البُقْعَةِ أن يُخْرِجَه حتّى يُعْطِيَه قيمةَ بنائِه قائمًا يومَ يُخْرِجُه، ولو وَقَّتَ له وَقْتًا، وكذلك لو أذِنَ له في البناءِ مُطْلَقًا، ولكنْ لو قال: فإن انْقَضَى

стр. 921

الوقتُ كان عليك أنْ تَنْقُضَ بِناءَك .. كان ذلك عليه؛ لأنّه لم يَغُرَّه، إنّما غَرَّ نفسَه (١).

стр. 922

[٢٣] كتاب الغصب (١)

стр. 923

(١٥٣٠) قال الشافعي: وإذا شَقّ رجلٌ لرجلٍ ثَوْبًا شَقًّا صغيرًا أو كبيرًا يَأخُذُ ما بين طَرَفَيْه طُولًا وعَرْضًا، أو كَسَرَ له شَيْئًا كَسْرًا صغيرًا أو كَبِيرًا (١)، أو رَضَّضَه (٢)، أو جَنَى له على مملوكٍ فأعْماه، أو شَجَّه مُوضِحَةً .. فذلك كُلُّه سواءٌ، ويُقَوَّمُ المتاعُ كُلُّه، والحيوانُ غيرُ الرَّقَيقِ صَحِيحًا ومَكْسُورًا، أو صَحِيحًا ومَجْرُوحًا قد بَرِئَ من جُرْحِه، ثُمّ يُعْطَى مالِكُ ذلك ما بين القيمتين، ويكون ما بَقِيَ بعد الجنايةِ لصاحبِه، نَفَعَه أو لم يَنْفَعْه، فأمّا ما جَنَى عليه مِنْ العبيدِ .. فيُقَوَّمُ صحيحًا قبل الجناية، ثُمّ يُنْظَرُ إلى الجنايةِ، فيُعْطَى أرْشُها مِنْ قيمةِ العبدِ صَحِيحًا؛ كما يُعْطَى الحُرُّ مِنْ أرشِ الجناية مِنْ دِيَتِه، بالغًا ذلك ما بَلَغَ، وإن كانتْ قِيَمًا؛ كما يَأخُذُ الحُرُّ دِياتٍ. (١٥٣١) قال: وكيف غَلِطَ مَنْ زَعَمَ: إنْ جَنَى على عَبْدِي فلم يُفْسِدْه أخَذْتُه وقيمةَ ما نَقَصَه، فإنْ زاد الجاني معصيةً لله تعالى فأفْسَدَه .. سَقَطَ حَقِّي إلّا أن أسَلِّمَه يَمْلِكُه، فيَسْقُطُ حَقِّي بالفسادِ حين عَظُمَ، ويَثْبُتُ حين صَغُرَ، ومَلَكَ عليَّ حين عَصَى فأفْسَدَ، ولم يَمْلِكْ بَعْضًا ببَعْضِ ما أفْسَدَ، وهذا القولُ خِلافٌ لأصْلِ حُكْمِ اللهِ جل ذِكرُه بين المسلمين في أنّ المالِكِين على مِلْكِهم، لا يُمْلَكُ عليهم إلّا برِضاهُم، وخلافُ المعقولِ والقياسِ. (١٥٣٢) قال: ولو غَصَبَ جاريةً تُساوِي مائةً، فزادتْ في يَدِه بتَعْلِيمٍ منه وبسِنٍّ واغْتِذاءٍ مِنْ مالِه حتّى صارتْ تُساوِي ألفًا، ثُمّ نَقَصَتْ حتّى صارتْ تُساوِي مائةً .. فإنّه يَأخُذُها وتِسْعَمائةٍ معها؛ كما تَكُونُ له لو غَصَبَه

стр. 924

إيّاها وهي تُساوِي ألفًا فنَقَصَتْ تِسْعَمائةٍ، وكذلك هذا في البيعِ الفاسدِ، وفي وَلَدِها الذين وُلِدُوا في الغصبِ كالحكمِ في بَدَنِها (١). (١٥٣٣) ولو باعَها الغاصبُ، فأوْلَدَها المشتري، ثُمّ اسْتَحَقَّها المغصوبُ .. أخَذَ من المشتري مَهْرَها وقِيمَتَها إنْ كانتْ مَيِّتَةً، وأخَذَها إنْ كانتْ حَيَّةً، وأخَذَ منه قِيمةَ أوْلادِها يَوْمَ سَقَطُوا أحياءً، ولا يَرْجِعُ عليه بقيمةِ مَنْ سَقَطَ مَيْتًا، ويَرْجِعُ المشتري على الغاصبِ بجميعِ ما ضَمِنَه مِنْ قيمةِ الوَلَدِ؛ لأنّه غَرَّه، ولا أرُدُّه بالمهرِ؛ لأنّه كالشيءِ يُتْلِفُه، فلا يَرْجِعُ بغُرْمِه على غيرِه (٢). (١٥٣٤) قال: وإنْ كان الغاصبُ هو الذي أوْلَدَها .. أخَذَها وما نَقَصَها، ومهرَ مِثْلِها، وجَمِيعَ وَلَدِها، وقيمةَ مَنْ كان منهم مَيْتًا (٣)، وعليه الحَدُّ إن لم يَأتِ بشُبْهَةٍ. (١٥٣٥) فإنْ كان ثَوْبًا، فأبْلاه المشتري .. أخَذَه مِنْ المشتري، وما بين قِيمتِه صحيحًا يوم غَصَبَه وبين قِيمتِه وقد أبلاه، ويَرْجِعُ المشتري على الغاصبِ بالثمنِ الذي دَفَعَ.

стр. 925

(١٥٣٦) ولسْتُ أنْظُرُ في القيمةِ إلى تَغَيُّرِ الأسْواقِ، وإنّما أنْظُرُ إلى تَغَيُّرِ الأبْدانِ. (١٥٣٧) وإنْ كان المغصوبُ دابَّةً فشَغَلَها الغاصبُ أو لم يَشْغَلْها، أو دارًا فسَكَنَها أو أكْرَاها، أو لم يَسْكُنْها ولم يُكْرِها .. فعليه كراءُ مثل كراءِ ذلك (١) مِنْ حين أخَذَه حتّى يَرُدَّه، وليس الغَلَّةُ بالضمانِ إلّا للمالكِ الذي قَضَى له بها رسولُ الله ﷺ ، وأدْخَلَ الشافعيُّ على مَنْ قال: إنّ الغاصبَ إذا ضَمِنَ سَقَطَ الكِراءُ .. قَوْلَه: إذا اكْتَرَى قَمِيصًا فاتَّزَرَ به، أو بَيْتًا فنَصَبَ فيه رَحًى أنّه ضامنٌ، وعليه الكراءُ. (١٥٣٨) قال: ولو اسْتَكْرَه أمَةً أو حُرَّةً .. فعليه الحَدُّ والمَهْرُ، لا مَعْنَى للجماعِ إلّا في منزلتين: إحداهما: أن تَكُونَ هي زانيةً محْدُودَةً، فلا مَهْرَ لها، ومنزلةٌ تَكُونُ مُصابَةً بنكاحٍ، فلها مهرُها، ومنزلةٌ شبهةٌ بين النكاحِ الصحيحِ والزنا الصريحِ، فلمّا لم يَخْتَلِفُوا أنّها إذا أصِيبَتْ بنكاحٍ فاسدٍ أنّه لا حَدَّ عليها ولها المهرُ عِوَضًا من الجماعِ .. انْبَغَى أن يَحْكُمُوا لها إذا اسْتُكْرِهَتْ بمهرٍ عِوَضًا مِنْ الجماعِ؛ لأنّها لم تُبِحْ نَفْسَها، وأنّها أحْسَنُ حالًا مِنْ العاصيةِ بنكاحٍ فاسدٍ إذا كانتْ عالِمةً (٢)، قال الشافعي: وفي السَّرِقَةِ حُكْمان: أحدُهما لله جلّ وعزَّ، والآخَرُ للآدَمِيِّين، فإذا قُطِعَ لله

стр. 926

أخِذَ منه ما سَرَقَ للآدَمِيِّين، فإنْ لم يُوجَدْ فقِيمَتُه؛ لأنّي لا أجِدُ أحَدًا ضَمِنَ مالًا بعَيْنِه بغَصْبٍ أو عُدْوانٍ فيَفُوتَ إلّا ضَمِنَ قيمتَه، ولا أجِدُ مُوسِرًا في ذلك مخالفًا لمعْسِرٍ، وفي المغْتَصَبَة حُكْمان: أحدُهما لله تبارك اسْمُه، والآخَرُ للمُغْتَصَبَةِ بالمسِيسِ الذي العِوَضُ منه المهرُ، فأُثْبِتُ ذلك والحَدَّ على المغْتَصِبِ؛ كما أُثْبِتُ الحَدَّ والغُرْمَ على السارقِ. (١٥٣٩) قال: ولو غَصَبَ أرْضًا فغَرَسَها، قال رسولُ الله ﷺ : «ليس لعِرْقِ ظالمٍ حَقٌّ» (١) .. فعليه أن يَقْلَعَ غَرْسَه، ورَدَّ ما نَقَصَت الأرضَ. (١٥٤٠) قال الشافعي: ولو حَفَرَ فيها بِئرًا فأراد الغاصبُ دَفْنَها .. فذلك له وإن لم يَنْفَعْه، وكذلك لو زَوَّقَ دارًا كان له نَزْعُ التزويقِ حتّى يَرُدَّ ذلك بحالِه (٢)، وكذلك لو نَقَلَ عنها تُرابًا كان له أن يَرُدَّ ما نَقَلَ عنها، حتّى يُوَفِّيَه إيّاها بالحالِ التي أخَذَها. قال المزني: قلت أنا (٣): غيرُ هذا أشْبَهُ بقولِه؛ لأنّه يَقُولُ: «لو غَصَبَ غَزْلًا فنَسَجَه ثَوْبًا، أو نُقْرَةً فطَبَعَها دنانيرَ، أو طِينًا فضَرَبَه لَبِنًا .. فهذا أثَرٌ، لا عَيْنٌ، ومنفعتُه للمغصوبِ، لا حَقَّ في ذلك للغاصبِ»، فكذلك نَقْلُ الترابِ عن الأرضِ. والبئرُ إذا لم تُبْنَ بطُوبٍ أثَرٌ لا عَيْنٌ (٤)، ومنفعتُه

стр. 927

للمغصوبِ، ولا حَقَّ في ذلك للغاصبِ، مع أنّ هذا فسادٌ لنَفَقَتِه وإتعابٌ لبَدَنِه وأعوانِه بما فيه مَضَرَّةٌ على أخِيه، وما لا منفعةَ له فيه (١). (١٥٤١) قال الشافعي: ولو غَصَبَ جاريةً فهَلَكَتْ، فقال: ثَمَنُها عشرةٌ .. فالقولُ قولُه مع يمينِه. (١٥٤٢) وما كان له كَيْلٌ أو وَزْنٌ .. فعليه مثلُ كَيْلِه ووَزْنِه. (١٥٤٣) ولو كان ثَوْبًا فصَبَغَه فزاد في قيمتِه .. قيل للغاصبِ: إن شِئتَ فاسْتَخْرِج الصِّبْغَ على أنّك ضامنٌ لما نَقَصَ، وإن شِئتَ فأنتَ شريكٌ بما زاد الصِّبْغُ، فإنْ تَمَحَّقَ الصِّبْغُ (٢) فلم تَكُنْ له قيمةٌ .. قيل: ليس لك ههنا مالٌ يَزِيدُ، فإنْ شِئتَ فاسْتَخْرِجْه وأنتَ ضامنٌ نُقْصانَ الثوبِ، وإنْ شِئتَ فدَعْه، فإنْ كان يَنْقُصُ الثوبَ ضَمِنَ النقصانَ، وله أن يُخْرِجَ الصِّبْغَ على أن يَضْمَنَ ما نَقَصَ الثوبَ، وإنْ شاء تَرَكَ. قال المزني: قلت أنا (٣): هذا عندي (٤) نَظِيرُ ما مَضَى في نَقْلِ الترابِ ونحوِه [ف: ١٥٤٠] (٥). (١٥٤٤) قال الشافعي: ولو كان زَيْتًا فخَلَطَه بمثلِه أو خيرٍ منه .. فإنْ شاء أعْطاه مِنْ هذا مَكِيلَتَه، وإنْ شاء أعْطاه مِثْلَ زَيْتِه، وإنْ خَلَطَه بشَرٍّ منه

стр. 928

أو صَبَّه في بانٍ .. فعليه مِثْلُ زَيْتِه (١). (١٥٤٥) ولو أغْلاه على النارِ .. أخَذَه وما نَقَصَتْ مَكِيلَتَه أو قيمتَه (٢). (١٥٤٦) وكذلك لو خَلَطَ دَقيقًا بدقيقٍ فكالزيتِ، وإنْ كان قَمْحًا فعَفِنَ عنده .. رَدَّه وقيمةَ ما نَقَصَه. (١٥٤٧) وإنْ غَصَبَه ثَوْبًا وزَعْفَرانًا فصَبَغَه به .. فرَبُّه بالخيارِ، إنْ شاء أخَذَه، وإنْ شاء قَوَّمَه أبيضَ وزَعْفَرانَه صَحِيحًا، وضَمَّنَه قيمةَ ما نَقَصَ. (١٥٤٨) ولو كان لَوْحًا فأدْخَلَه في سَفِينةٍ، أو بَنَى عليه جِدارًا .. أخِذَ بقَلْعِه، أو خَيْطًا خاط به ثَوْبًا (٣)، فإنْ خاط به جُرْحَ إنسانٍ أو حَيْوانٍ .. ضَمِنَ الخيطَ ولم يُنْزَعْ. (١٥٤٩) ولو غَصَبَ طَعامًا فأطْعَمَه مَنْ أكَلَه، ثُمّ اسْتُحِقَّ .. كان للمُسْتَحِقِّ أخْذُ الغاصبِ به، فإنْ غَرِمَه فلا شيءَ للواهبِ على الموهوبِ له، وإنْ شاء أخَذَ الموهوبَ له، فإنْ غَرِمَه .. فقد قيل: يَرْجِعُ به على الواهبِ، وقيل: لا يَرْجِعُ به. قال المزني: قلت أنا (٤): أشْبَهُ بقولِه عندي (٥): إنّ هبةَ الغاصبِ لا مَعْنَى لها، وقد أتْلَفَ الموهوبُ له ما ليس له ولا للواهبِ، فعليه غُرْمُه،

стр. 929

ولا يَرْجِعُ به، فإنْ غَرِمَه الغاصبُ رَجَعَ به عليه، هذا عندي أشْبَهُ بأصلِه (١). (١٥٥٠) قال الشافعي: ولو حَلَّ دابّةً أو فَتَحَ قَفَصًا عن طائرٍ، فوَقَفا، ثُمّ ذَهَبا .. لم يَضْمَنْ؛ لأنّهما أحْدَثا الذهابَ. (١٥٥١) ولو حَلّ زِقًّا أو راوِيَةً فانْدَفَقا (٢) .. ضَمِنَ، إلّا أن يَكُونَ الزِّقُّ ثَبَتَ مُسْتَنِدًا فكان الحَلُّ لا يَدْفَعُ ما فيه، ثُمّ سَقَطَ بتَحْرِيكٍ (٣) أو غيرِه فلا يَضْمَنُ؛ لأنّ الحَلَّ قد كان ولا جِنايةَ فيه. (١٥٥٢) ولو غَصَبَه دارًا، فقال الغاصبُ: هي بالكوفةِ .. فالقولُ قولُه مع يمينِه. (١٥٥٣) ولو غَصَبَه دابّةً فضَاعَتْ، فأدَّى قيمتَها، ثُمّ ظَهَرَتْ .. رُدَّتْ عليه، ورَدَّ ما قَبَضَ مِنْ قيمتِها؛ لأنّه أخَذَ قيمتَها على أنّها فائتةٌ، فكأنّ الفَوْتَ قد بَطَلَ لمّا وُجِدَتْ، ولو كان هذا بيعًا ما جاز أن تُباعَ دابّةٌ غائبةٌ (٤)؛ كعينٍ جُنِيَ عليها فابْيَضَّتْ، أو على سِنِّ صَبِيٍّ فانْقَلَعَتْ، فأخَذَ

стр. 930

أرْشَها بعد أن أيِسَ (١) منها، ثُمّ ذَهَبَ البياضُ ونَبَتَت السِّنُّ، فلمّا عادا رَجَعَ حَقُّهما وبَطَلَ الأرْشُ بذلك فيهما. وقال في موضعٍ آخَرَ: «لو قال الغاصبُ: أنا اشْتَرَيْتُها منك وهي في يَدِي، وقد عَرَفَها (٢)، فباعَه إيّاها .. فالبيعُ جائزٌ»، قال المزني: مَنَعَ بَيْعَ الغائبِ في إحْدَى المسْألَتَيْنِ، وأجازَ في الأخْرَى (٣). (١٥٥٤) قال الشافعي: ولو باعَه عبدًا، وقَبَضَه المشتري، ثُمّ أقَرّ البائعُ أنّه غَصَبَه مِنْ رجلٍ .. فإنْ أقَرَّ المشتري .. نَقَضْنا البيعَ ورَدَدْناه إلى رَبِّه، وإن لم يُقِرَّ .. فلا يُصَدَّقُ على إبطالِ البيعِ، ويُصَدَّقُ على نَفْسِه، فيَضْمَنُ قيمتَه، فإنْ رَدَّه المشتري بعَيْبٍ .. كان عليه أن يُسَلِّمَه إلى رَبِّه المُقَرِّ له به. (١٥٥٥) ولو كان المشتري أعْتَقَه، ثُمّ أقَرَّ والبائعُ (٤) أنّه للمغصوبِ .. لم يُقْبَلْ قولُ واحدٍ منهما في رَدِّ العِتْقِ (٥)، وللمغصوبِ القيمةُ، إنْ شاء أخَذْناها له مِنْ المشتري المعْتِقِ، ويَرْجِعُ المشتري على الغاصبِ بما أخَذَ منه؛ لأنّه أقَرَّ أنَّه باعَه ما لا يَمْلِكُ (٦).

стр. 931

(١٥٥٦) وإنْ كَسَرَ لنصرانيٍّ صَلِيبًا .. فإنْ كان يَصْلُحُ لشَيْءٍ مِنْ المنافعِ مُفَصَّلًا فعليه ما بين قيمتِه مُفَصَّلًا ومَكْسُورًا، وإلّا فلا شيءَ عليه. (١٥٥٧) وإنْ أراقَ له خَمْرًا أو قَتَلَ له خنزيرًا فلا شيءَ عليه، ولا قيمةَ لمُحَرَّمٍ؛ لأنّه لا يَجْرِي عليه مِلْكٌ. (١٥٥٨) واحْتَجّ على مَنْ جَعَلَ قيمةً للخمرِ والخنزيرِ لأنّهما مالُه، فقال: أرأيتَ مجُوسِيًّا اشْتَرَى بين يَدَيْكَ غَنَمًا بألفٍ، ثُمّ وَقَذَها (١) كُلَّها ليَبِيعَها، فحَرَقَها مُسْلِمٌ أو مجوسيٌّ، فقال لك: هذا مالي، وهذه ذَكاتُه عندي، وحلالٌ في ديني، وفيه ربحٌ كثيرٌ، وأنتَ تُقِرُّني على بَيْعِه وأكْلِه، وتَأخُذُ مِنِّي الجزيةَ عليه، فخُذْ لي قيمتَه؟ قال: أقولُ ليس ذلك بالذي (٢) يُوجِبُ لك أنْ أكُونَ شريكًا لك في الحرامِ، ولا حَقَّ لك (٣)، قال (٤): فكيف حَكَمْتَ بقيمةِ الخمرِ والخنزيرِ وهما عندك حرامٌ؟

стр. 932

[٢٤] كتاب مختصر الشفعة (١) مِنْ الجامع مِنْ ثلاثةِ كتبٍ مُتَفَرِّقةٍ، مِنْ بين وَضْعٍ وإملاءٍ على موطأ مالكٍ، ومن «اختلاف الأحاديث»، ومما أجبتُ فيه على قياس قوله (٢)

стр. 933

(١٥٥٩) قال الشافعي (١): أخبرنا مالك بن أنس، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة، أنّ النبيَّ ﷺ قال (٢): «الشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة» (٣)، قال المزني: ووَصَلَه مِنْ غيرِ حديثِ مالكٍ أيوبُ وأبو الزبير عن جابرٍ، عن النبيِّ ﷺ ، مثلَ معنى حديثِ مالكٍ. (١٥٦٠) واحْتَجَّ مُحْتَجٌّ بما رُوِيَ عن أبي رافعٍ، أنّ النبي ﷺ قال: «الجار أحق بسَقَبِه (٤)»، قال: فأقول: للشريكِ الذي لم يُقاسِمْ وللمقاسِمِ شُفْعَةٌ، كان لصيقًا أو غيرَ لصيقٍ، إذا لم يَكُنْ بينه وبين الدارِ طريقٌ نافذةٌ. قلت له: فلِمَ أعْطَيْتَ بَعْضًا دون بعضٍ، واسْمُ الجوارِ يَلْزَمُهمْ، فمَنَعْتَ مَنْ بينك وبينه ذراعٌ إذا كان نافذًا، وأعْطَيْتَ مَنْ بينك وبينه رَحْبَةٌ أكثرُ مِنْ ألفِ ذراعٍ إذا لم تكن نافذة؟ وقلت له: «الجار أحق بسقبه» لا يحتمل إلّا معنيَيْن: لكلِّ جارٍ، أو بعضِ الجيران دون بعضٍ، فلمّا ثَبَتَ عن النبيّ ﷺ : لا شُفْعَةَ فيما قُسِمَ .. دَلَّ على أنّ الشفعةَ للجارِ الذي لم يُقاسِمْ، دون الذي قاسَمَ، وحديثُكَ لا يُخالِفُ حديثَنا؛ لأنّه مُجْمَلٌ، وحديثُنا مُفَسَّرٌ، والمفَسَّرُ يُبَيِّنُ المجْمَلَ.

стр. 934

قال: وهل يَقَعُ اسْمُ الجِوارِ على الشَّرِيكِ؟ قلت: نعم، امْرَأتُك أقْرَبُ إليك أم شَريكُكَ؟ قال: بل امْرَأتي؛ لأنّها ضَجِيعِي (١)، قلت: فالعربُ تَقولُ لامرأةِ الرجلِ: جارَتُه، قال: وأين؟ قلت: قال الأعشى: أجارَتَنا بِينِي فإنّكِ طالقةْ … ومَوْمُوقَةٌ ما كُنْتِ فينا ووامِقَةْ أجارَتَنا بِينِي فإنّكِ طالقةْ … كذاك أمورُ الناسِ تَغْدُو وطارقةْ وبِينِي فإنّ البَيْنَ خيرٌ مِنْ العصا … وإلّا تَزالي فوقَ رأسِكِ بارقةْ حَبَسْتُكِ حتّى لامَنِي الناسُ كُلُّهم … وخِفْتُ بأن تأتي لَدَيَّ ببائقةْ وذُوقِي فَتَى حَيٍّ فإنّيَ ذائقٌ … فتاةً لحيٍّ مثلَ ما أنتِ ذائقةْ قال المزني: هذا البَيْتُ ليس هو عن الشافعيِّ، وإنّما نحنُ رَوَيْناه، وقال عروة: «نَزَلَ الطلاقُ مُوافِقًا لطلاقِ الأعْشَى» (٢).

стр. 935

قال الشافعي: وحديثُنا أثْبَتُ إسْنادًا ممّا رَوَى عبدُالملكِ عن عطاءٍ عن جابرٍ، وأثْبَتُها لَفْظًا، وأعْرَفُها في الفرقِ بين المُقاسِمِ وبين مَنْ لم يُقاسِمْ؛ لأنّه إذا باع مُشاعًا باع غيرَ مُتَجَزِّئٍ، فيَكُونُ شَرِيكُه أحَقَّ به؛ لأنَّ حَقَّه به شائعٌ فيه، وعليه في الداخلِ سُوءُ مُشارَكَةٍ، ومُؤنَةُ مُقاسَمَةٍ، وليس كذلك المقْسُومُ. (١٥٦١) قال الشافعي: فلا شُفْعَةَ إلّا في مُشاعٍ (١). (١٥٦٢) وللشَّفِيعِ الشُّفْعَةُ بالثمنِ الذي وَقَعَ به البيعُ. (١٥٦٣) فإنْ عَلِمَ فطَلَبَ مكانَه .. فهي له، وإنْ أمْكَنَه فلم يَطْلُبْ .. بَطَلَتْ شُفْعَتُه، وإنْ عَلِمَ فأخَّرَ الطَّلَبَ .. فإنْ كان له عُذْرٌ مِنْ حَبْسٍ أو غيرِه فهو على شُفْعَتِه، وإلّا فلا شُفْعَةَ له، ولا يَقْطَعُها طُولُ غَيْبَتِه، وإنّما يَقْطَعُها أن يَعْلَمَ فيَتْرُكَ (٢). (١٥٦٤) فإن اخْتَلَفا في الثمنِ .. فالقولُ قولُ المشتري مع يمينِه. (١٥٦٥) وإن اشْتَراها بسلعةٍ .. فهي له بقيمةِ السلعةِ، وإنْ تَزَوَّجَ بها ..

стр. 936

فهي للشفيعِ بقيمةِ المهرِ، فإنْ طَلَّقَها قبل الدخولِ .. رَجَعَ عليها بنصفِ قيمةِ الشِّقصِ. (١٥٦٦) وإن اشْتَراها بثمنٍ إلى أجَلٍ .. قيل للشفيعِ: إنْ شِئتَ فعَجِّل الثمنَ وتَعَجَّلِ الشفعةَ، وإنْ شِئتَ فدَعْ حتّى يَحِلَّ الأجَلُ. (١٥٦٧) قال: ولو وَرِثَه رجلان، فمات أحدُهما وله ابنان، فباعَ أحدُهما نصيبَه، فأراد أخُوه الشُّفْعَةَ دون عَمِّه .. فكلاهما سواءٌ؛ لأنّهما فيها شريكان. قال المزني: قلت أنا (١): هذا أصَحُّ مِنْ أحَدِ قولَيْه أنّ أخاه أحَقُّ بنصيبِه (٢)، قال المزني: قلت أنا (٣): وفي تَسْوِيَتِه بين الشَّفِيعَيْن على كَثْرَةِ ما للعَمِّ على الأخِ قضاءٌ لأحَدِ قولَيْه على الآخَرِ في أخذِ الشُّفَعاء بقَدْرِ الأنْصِباءِ، ولم يَخْتَلِفْ قولُه في المعْتِقَيْن نَصِيبَيْن مِنْ عَبْدٍ أحدُهما أكْثَرَ مِنْ الآخَرِ، في أنْ جَعَلَ عليهما قيمةَ الباقي منه بينهما سواءً إذا كانا مُوسِرَيْن (٤)، فقَضَى ذلك مِنْ قولِه على ما وَصَفْنا، وقد قال الشافعي: ولورثةِ الشَّفِيعِ أن يَأخُذُوا ما كان يَأخُذُ أبوهم بينهم على العددِ، امرأتُه وابنُه في ذلك سواءٌ، قال المزني: وهذا يُؤكِّدُ ما قلت أيضًا (٥). (١٥٦٨) قال الشافعي: فإنْ حَضَرَ أحَدُ الشفعاء .. أخَذَ الكُلَّ بجميعِ

стр. 937

الثمنِ، فإنْ حَضَرَ الثاني .. أخَذَ منه النصفَ بنصفِ الثمنِ، فإنْ حَضَرَ الثالثُ .. أخَذَ منهما الثلثَ بثلثِ الثمنِ، حتّى يَكُونُوا سواءً، فإنْ كان الاثنان اقْتَسَما .. كان للثالثِ نَقْضُ قِسْمَتِهما، فإنْ سَلَّمَ بعضُهم .. لم يَكُنْ لبعضٍ إلّا أخْذُ الكلِّ أو التركُ. (١٥٦٩) وكذلك لو أصابها هَدْمٌ مِنْ السماءِ، إمّا أخَذَ الكُلَّ بالثمنِ أو تَرَكَ (١). (١٥٧٠) ولو قاسَمَ وبَنَى .. قيل للشفيعِ: إنْ شِئتَ فخُذْ بالثمنِ وقيمةِ البناءِ اليومَ أو دَعْ؛ لأنّه بَنَى غيرَ مُتَعَدٍّ، فلا يُهْدَمُ ما بَنَى. قال المزني: قلت أنا (٢): هذا عندي (٣) غلطٌ، وكيف لا يَكونُ مُتَعَدِّيًا وقد بَنَى فيما للشفيعِ فيه شِرْكٌ مُشاعٌ، ولولا أنّ للشفيعِ فيه شِرْكًا ما كان شفيعًا، إذْ كان الشفيعُ إنّما يَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ لأنّه شَرِيكٌ في الدارِ أو العَرْصَةِ بحَقٍّ مُشاعٍ، فكَيْفَ يَقْسِمُ الدارَ وصاحبُ النَّصِيبِ - وهو الشفيعُ - غائبٌ، والقَسْمُ في ذلك فاسِدٌ، وبَنَى فيما ليس له، فكيف يَبْنِي غيرَ مُتَعَدٍّ، والمخْطِئُ في المالِ والعامدُ سواءٌ عند الشافعيّ، ألا تَرَى لو أنّ رَجُلًا اشْتَرَى عَرْصَةً بأمْرِ القاضي فبَناها، فاسْتَحَقَّها رجلٌ، أنّه يَأخُذُ عَرْصَتَه ويَهْدِمُ الباني بِناءَه ويَنْقُلُه في قولِ الشافعيّ؟ فالعامدُ والمخطئُ في بِناءِ ما لم يَمْلِكْ سواءٌ، وكيف لا يَكُونُ مُتَعَدِّيًا وقد بَنَى فيما للشفيعِ شِرْكٌ مُشاعٌ، ولولا أنّ للشفيعِ فيه شِرْكًا ما كان شَفِيعًا (٤)؟
следующие страницы →