(١٥٥٩) قال الشافعي (١): أخبرنا مالك بن أنس، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة، أنّ النبيَّ ﷺ قال (٢): «الشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة» (٣)، قال المزني: ووَصَلَه مِنْ غيرِ حديثِ مالكٍ أيوبُ وأبو الزبير عن جابرٍ، عن النبيِّ ﷺ ، مثلَ معنى حديثِ مالكٍ.
(١٥٦٠) واحْتَجَّ مُحْتَجٌّ بما رُوِيَ عن أبي رافعٍ، أنّ النبي ﷺ قال: «الجار أحق بسَقَبِه (٤)»، قال: فأقول: للشريكِ الذي لم يُقاسِمْ وللمقاسِمِ شُفْعَةٌ، كان لصيقًا أو غيرَ لصيقٍ، إذا لم يَكُنْ بينه وبين الدارِ طريقٌ نافذةٌ.
قلت له: فلِمَ أعْطَيْتَ بَعْضًا دون بعضٍ، واسْمُ الجوارِ يَلْزَمُهمْ، فمَنَعْتَ مَنْ بينك وبينه ذراعٌ إذا كان نافذًا، وأعْطَيْتَ مَنْ بينك وبينه رَحْبَةٌ أكثرُ مِنْ ألفِ ذراعٍ إذا لم تكن نافذة؟
وقلت له: «الجار أحق بسقبه» لا يحتمل إلّا معنيَيْن: لكلِّ جارٍ، أو بعضِ الجيران دون بعضٍ، فلمّا ثَبَتَ عن النبيّ ﷺ : لا شُفْعَةَ فيما قُسِمَ .. دَلَّ على أنّ الشفعةَ للجارِ الذي لم يُقاسِمْ، دون الذي قاسَمَ، وحديثُكَ لا يُخالِفُ حديثَنا؛ لأنّه مُجْمَلٌ، وحديثُنا مُفَسَّرٌ، والمفَسَّرُ يُبَيِّنُ المجْمَلَ.
стр. 934
قال: وهل يَقَعُ اسْمُ الجِوارِ على الشَّرِيكِ؟ قلت: نعم، امْرَأتُك أقْرَبُ إليك أم شَريكُكَ؟ قال: بل امْرَأتي؛ لأنّها ضَجِيعِي (١)، قلت: فالعربُ تَقولُ لامرأةِ الرجلِ: جارَتُه، قال: وأين؟ قلت: قال الأعشى:
أجارَتَنا بِينِي فإنّكِ طالقةْ … ومَوْمُوقَةٌ ما كُنْتِ فينا ووامِقَةْ
أجارَتَنا بِينِي فإنّكِ طالقةْ … كذاك أمورُ الناسِ تَغْدُو وطارقةْ
وبِينِي فإنّ البَيْنَ خيرٌ مِنْ العصا … وإلّا تَزالي فوقَ رأسِكِ بارقةْ
حَبَسْتُكِ حتّى لامَنِي الناسُ كُلُّهم … وخِفْتُ بأن تأتي لَدَيَّ ببائقةْ
وذُوقِي فَتَى حَيٍّ فإنّيَ ذائقٌ … فتاةً لحيٍّ مثلَ ما أنتِ ذائقةْ
قال المزني: هذا البَيْتُ ليس هو عن الشافعيِّ، وإنّما نحنُ رَوَيْناه، وقال عروة: «نَزَلَ الطلاقُ مُوافِقًا لطلاقِ الأعْشَى» (٢).
стр. 935
قال الشافعي: وحديثُنا أثْبَتُ إسْنادًا ممّا رَوَى عبدُالملكِ عن عطاءٍ عن جابرٍ، وأثْبَتُها لَفْظًا، وأعْرَفُها في الفرقِ بين المُقاسِمِ وبين مَنْ لم يُقاسِمْ؛ لأنّه إذا باع مُشاعًا باع غيرَ مُتَجَزِّئٍ، فيَكُونُ شَرِيكُه أحَقَّ به؛ لأنَّ حَقَّه به شائعٌ فيه، وعليه في الداخلِ سُوءُ مُشارَكَةٍ، ومُؤنَةُ مُقاسَمَةٍ، وليس كذلك المقْسُومُ.
(١٥٦١) قال الشافعي: فلا شُفْعَةَ إلّا في مُشاعٍ (١).
(١٥٦٢) وللشَّفِيعِ الشُّفْعَةُ بالثمنِ الذي وَقَعَ به البيعُ.
(١٥٦٣) فإنْ عَلِمَ فطَلَبَ مكانَه .. فهي له، وإنْ أمْكَنَه فلم يَطْلُبْ .. بَطَلَتْ شُفْعَتُه، وإنْ عَلِمَ فأخَّرَ الطَّلَبَ .. فإنْ كان له عُذْرٌ مِنْ حَبْسٍ أو غيرِه فهو على شُفْعَتِه، وإلّا فلا شُفْعَةَ له، ولا يَقْطَعُها طُولُ غَيْبَتِه، وإنّما يَقْطَعُها أن يَعْلَمَ فيَتْرُكَ (٢).
(١٥٦٤) فإن اخْتَلَفا في الثمنِ .. فالقولُ قولُ المشتري مع يمينِه.
(١٥٦٥) وإن اشْتَراها بسلعةٍ .. فهي له بقيمةِ السلعةِ، وإنْ تَزَوَّجَ بها ..
стр. 936
فهي للشفيعِ بقيمةِ المهرِ، فإنْ طَلَّقَها قبل الدخولِ .. رَجَعَ عليها بنصفِ قيمةِ الشِّقصِ.
(١٥٦٦) وإن اشْتَراها بثمنٍ إلى أجَلٍ .. قيل للشفيعِ: إنْ شِئتَ فعَجِّل الثمنَ وتَعَجَّلِ الشفعةَ، وإنْ شِئتَ فدَعْ حتّى يَحِلَّ الأجَلُ.
(١٥٦٧) قال: ولو وَرِثَه رجلان، فمات أحدُهما وله ابنان، فباعَ أحدُهما نصيبَه، فأراد أخُوه الشُّفْعَةَ دون عَمِّه .. فكلاهما سواءٌ؛ لأنّهما فيها شريكان.
قال المزني: قلت أنا (١): هذا أصَحُّ مِنْ أحَدِ قولَيْه أنّ أخاه أحَقُّ بنصيبِه (٢)، قال المزني: قلت أنا (٣): وفي تَسْوِيَتِه بين الشَّفِيعَيْن على كَثْرَةِ ما للعَمِّ على الأخِ قضاءٌ لأحَدِ قولَيْه على الآخَرِ في أخذِ الشُّفَعاء بقَدْرِ الأنْصِباءِ، ولم يَخْتَلِفْ قولُه في المعْتِقَيْن نَصِيبَيْن مِنْ عَبْدٍ أحدُهما أكْثَرَ مِنْ الآخَرِ، في أنْ جَعَلَ عليهما قيمةَ الباقي منه بينهما سواءً إذا كانا مُوسِرَيْن (٤)، فقَضَى ذلك مِنْ قولِه على ما وَصَفْنا، وقد قال الشافعي: ولورثةِ الشَّفِيعِ أن يَأخُذُوا ما كان يَأخُذُ أبوهم بينهم على العددِ، امرأتُه وابنُه في ذلك سواءٌ، قال المزني: وهذا يُؤكِّدُ ما قلت أيضًا (٥).
(١٥٦٨) قال الشافعي: فإنْ حَضَرَ أحَدُ الشفعاء .. أخَذَ الكُلَّ بجميعِ
стр. 937
الثمنِ، فإنْ حَضَرَ الثاني .. أخَذَ منه النصفَ بنصفِ الثمنِ، فإنْ حَضَرَ الثالثُ .. أخَذَ منهما الثلثَ بثلثِ الثمنِ، حتّى يَكُونُوا سواءً، فإنْ كان الاثنان اقْتَسَما .. كان للثالثِ نَقْضُ قِسْمَتِهما، فإنْ سَلَّمَ بعضُهم .. لم يَكُنْ لبعضٍ إلّا أخْذُ الكلِّ أو التركُ.
(١٥٦٩) وكذلك لو أصابها هَدْمٌ مِنْ السماءِ، إمّا أخَذَ الكُلَّ بالثمنِ أو تَرَكَ (١).
(١٥٧٠) ولو قاسَمَ وبَنَى .. قيل للشفيعِ: إنْ شِئتَ فخُذْ بالثمنِ وقيمةِ البناءِ اليومَ أو دَعْ؛ لأنّه بَنَى غيرَ مُتَعَدٍّ، فلا يُهْدَمُ ما بَنَى.
قال المزني: قلت أنا (٢): هذا عندي (٣) غلطٌ، وكيف لا يَكونُ مُتَعَدِّيًا وقد بَنَى فيما للشفيعِ فيه شِرْكٌ مُشاعٌ، ولولا أنّ للشفيعِ فيه شِرْكًا ما كان شفيعًا، إذْ كان الشفيعُ إنّما يَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ لأنّه شَرِيكٌ في الدارِ أو العَرْصَةِ بحَقٍّ مُشاعٍ، فكَيْفَ يَقْسِمُ الدارَ وصاحبُ النَّصِيبِ - وهو الشفيعُ - غائبٌ، والقَسْمُ في ذلك فاسِدٌ، وبَنَى فيما ليس له، فكيف يَبْنِي غيرَ مُتَعَدٍّ، والمخْطِئُ في المالِ والعامدُ سواءٌ عند الشافعيّ، ألا تَرَى لو أنّ رَجُلًا اشْتَرَى عَرْصَةً بأمْرِ القاضي فبَناها، فاسْتَحَقَّها رجلٌ، أنّه يَأخُذُ عَرْصَتَه ويَهْدِمُ الباني بِناءَه ويَنْقُلُه في قولِ الشافعيّ؟ فالعامدُ والمخطئُ في بِناءِ ما لم يَمْلِكْ سواءٌ، وكيف لا يَكُونُ مُتَعَدِّيًا وقد بَنَى فيما للشفيعِ شِرْكٌ مُشاعٌ، ولولا أنّ للشفيعِ فيه شِرْكًا ما كان شَفِيعًا (٤)؟
стр. 938
(١٥٧١) قال الشافعي: ولو كان الشِّقْصُ في النَّخْلِ (١)، فزادَتْ .. كان له أخْذُها زائدةً.
(١٥٧٢) قال: ولا شُفْعَةَ في بِئرٍ لا بَياضَ لها؛ لا تَحْتَمِلُ القَسْمَ، فأمّا الطريقُ التي لا تُمْلَكُ فلا شُفْعَةَ فيها ولا بها، وأمّا عَرْصَةُ الدارِ تَكُونُ مُحْتَمِلَةً للقَسْمِ وللقومِ طريقٌ إلى مَنازِلِهم .. فإذا بِيعَ منها شيءٌ ففيه الشُّفْعَةُ.
(١٥٧٣) قال: ولوَلِيِّ اليَتِيمِ وأبِ الصَّبِيِّ أن يَأخُذَا بالشُّفْعَةِ لمن يَلِيَانِ إذا كانتْ غِبْطَةً، فإن لم يَفْعَلا .. فإذا وَلِيَا مالَهما أخَذَاها.
(١٥٧٤) ولو اشْتَرَى شِقْصًا على أنّهما جميعًا بالخيارِ .. فلا شُفْعَةَ حتّى يُسَلِّمَ البائعُ، وإن كان الخيارُ للمُشْتَرِي دون البائعِ .. فقد خَرَجَ مِنْ مِلْكِ البائعِ، وفيه الشفعةُ (٢).
(١٥٧٥) ولو كان مع الشِّقْصِ (٣) عَرْضٌ بثَمَنٍ واحدٍ .. فإنّه يَأخُذُ الشُّفْعَةَ بحِصَّتِها مِنْ الثمنِ.
(١٥٧٦) وعُهْدَةُ المشتري على البائعِ، وعُهْدَةُ الشفيعِ على المشتري.
стр. 939
(١٥٩)
باب (١)
قال المزني:
وهذه مسائل أجبت فيها على معنى قول الشافعي (٢)(١٥٧٧) قال المزني (٣): وإذا تَبَرَّأ البائعُ مِنْ عُيُوبِ الشُّفْعَةِ، ثُمّ أخَذَها الشفيعُ .. كان له الرَّدُّ على المشتري، فإن اسْتُحِقَّتْ مِنْ الشفيعِ رَجَعَ بالثمنِ على المشتري، ورَجَعَ المشتري على البائعِ.
(١٥٧٨) ولو كان المشتري اشْتَراها بدنانيرَ بأعْيانِها، ثُمّ أخَذَها الشفيعُ بوَزْنِها، فاسْتُحِقَّت الدنانيرُ الأُولَى .. فالشِّراءُ والشُّفْعَةُ باطلٌ؛ لأنّ الدنانيرَ بعَيْنِها تَقُومُ مَقامَ العَرْضِ بعَيْنِه في قولِه، ولو اسْتُحِقَّت الدنانيرُ الثانيةُ .. كان على الشفيعِ بَدَلُها.
(١٥٧٩) قال المزني: ولو حَطَّ البائعُ للمشتري بعد التَّفَرُّقِ .. فهي هِبَةٌ له، وليس للشفيعِ أن يَحُطَّ.
(١٥٨٠) قال المزني: وإذا ادَّعَى عليه أنّه اشْتَرَى شِقْصًا له فيه شُفْعَةٌ .. فعليه البَيِّنَةُ، وعلى المنْكِرِ اليمينُ، فإنْ نَكَلَ وحَلَفَ الشَّفِيعُ .. قَضَيْتُ له بالشُّفْعَةِ.
стр. 940
(١٥٨١) ولو أقام الشَّفِيعُ البَيِّنَةَ أنّه اشْتَراها مِنْ فلانٍ الغائبِ بألفِ درهمٍ، وأقام الذي ذلك في يدَيْه البَيِّنَةَ أنّ فلانًا أوْدَعَه إيّاها .. قَضَيْتُ له بالشُّفْعَةِ، لا يَمْنَعُ الشراءُ الوديعةَ.
(١٥٨٢) ولو أنّ رجلَيْن باعا مِنْ رجلٍ شِقْصًا، فقال الشفيعُ: أنا آخُذُ ما باع فلانٌ وأدَعُ حِصَّةَ فُلانٍ .. فذلك له في قياسِ قولِه، وكذلك لو اشْتَرَى رجلان مِنْ رجلٍ شِقْصًا كان للشفيعِ أن يَأخُذَ حِصَّةَ أيِّهما شاء.
(١٥٨٣) ولو زَعَمَ المشتري أنّه اشْتَراها بألفٍ، فأخَذَها الشفيعُ بألفٍ، ثُمّ أقام البائعُ البَيِّنَةَ أنّه باعه إيّاها بألفَيْن .. قُضِيَ له بألفَيْن على المشتري، ولا يَرْجِعُ المشتري على الشفيعِ؛ لأنّه مُقِرٌّ أنّه اسْتَوْفَى جميعَ حَقِّه.
(١٥٨٤) ولو كان الثمنُ (١) عبدًا، فأخَذَه الشفيعُ بقيمةِ العبدِ، ثُمّ أصاب البائعُ بالعبدِ عَيْبًا .. فله رَدُّه، ويَرْجِعُ البائعُ على المشتري بقيمةِ الشِّقْصِ، ولو اسْتُحِقَّ العبدُ بَطَلَت الشفعةُ، ورَجَعَ البائعُ فأخَذَ شِقْصَه.
(١٥٨٥) ولو صالحه مِنْ دَعْوَى على شِقْصٍ .. لم يَجُزْ في قولِ الشافعيِّ، إلّا أن يُقِرَّ المُدَّعَى عليه بالدَّعْوَى، فيَجُوزُ، وللشَّفِيعِ (٢) أخْذُ الشُّفْعَةِ بمثلِ الحَقِّ الذي وَقَعَ به الصُّلْحُ إنْ كان له مِثْلٌ، أو قيمةٍ إنْ لم يَكُنْ له مِثْلٌ.
(١٥٨٦) ولو أقام رجلان كُلُّ واحدٍ منهما بَيِّنَةً أنّه اشْتَرَى مِنْ هذه الدارِ شِقْصًا، وأراد أخْذَ شِقْصِ صاحبِه بشُفْعَتِه .. فإنْ وَقَّتَت البَيِّنَةُ فالذي سَبَقَ بالوقتِ له الشُّفْعَةُ، وإن لم تُؤَقِّتْ وَقْتًا بَطَلَت الشُّفْعَةُ؛ لأنّه يُمْكِنُ أن يكونا اشْتَريا مَعًا، وحَلَفَ كُلُّ واحدٍ منهما لصاحبِه على ما ادّعَى.
стр. 941
(١٥٨٧) ولو أنّ البائعَ قال: بِعْتُ مِنْ فلانٍ شِقْصِي بألفِ درهمٍ وأنّه قَبَضَ الشِّقْصَ، فأنْكَرَ ذلك فلانٌ، وادّعاه الشفيعُ .. فإنّ الشفيعَ يَدْفَعُ الألفَ إلى البائعِ ويَأخُذُ الشِّقْصَ.
(١٥٨٨) وإذا كان للشِّقْصِ ثلاثةُ شُفَعاءَ، فشَهِدَ اثْنان على تَسْلِيمِ الثالثِ .. فإنْ كانا سَلَّمَا جازَتْ شَهادَتُهما؛ لأنّهما لا يَجُرّانِ إلى أنْفُسِهما، وإن لم يَكُونا سَلَّما لم تَجُزْ شَهادَتُهما؛ لأنّهما يَجُرّان إلى أنْفُسِهما ما سَلَّمَه صاحِبُهما.
(١٥٨٩) ولو ادَّعَى الشفيعُ على رجلٍ أنّه اشْتَرَى الشِّقْصَ الذي في يدَيْه مِنْ صاحِبِه الغائبِ ودَفَعَ إليه ثَمَنَه، وأقام عدلَيْن بذلك عليه .. أخَذَ شُفْعَتَه (١)، ونَفَذَ الحكمُ بالبيعِ على صاحبِه الغائبِ.
قال المزني (٢): وهذا قولُ الكُوفِيِّين، وهو عندي تَرْكُ أصْلِهِمْ (٣) في أن لا يُقْضَى على غائبٍ، وهذا غائبٌ قُضِي عليه بأنّه باع وقَبَضَ الثمنَ وبَرِئَ مِنه إليه المشتري، وبذلك أوْجَبُوا الشُّفْعَةَ للشَّفِيعِ.
(١٥٩٠) قال: ولو اشْتَرَى شِقْصًا وهو شَفِيعٌ، فجاء شَفِيعٌ آخَرُ، فقال له المشتري: خُذْها كُلَّها بالثمنِ أو دَعْ، وقال هو (٤): بل آخُذُ نِصْفَها .. كان ذلك له؛ لأنّه مِثْلُه، وليس له أن يُلْزِمَ شُفْعَتَه غيرَه.
(١٥٩١) ولو شَجَّه مُوضِحَةً عَمْدًا، فصالحَه منها على شِقْصٍ، وهما يَعْلَمان أرْشَ المُوضِحَةِ .. كان للشفيعِ أخْذُه بالأرْشِ.
стр. 942
(١٥٩٢) ولو اشْتَرَى ذِمِّيٌّ مِنْ ذِمِّيٍّ شِقْصًا بخَمْرٍ أو خنزيرٍ وتَقابَضا، ثُمّ قام الشفيعُ وكان نَصْرانِيًّا، أو نَصْرانِيًّا فأسْلَمَ، أو لم يَزَلْ مُسْلِمًا .. فسَواءٌ، ولا شُفْعَةَ (١) له في قياسِ قولِه؛ لأنّ الخمرَ والخنزيرَ لا قِيمةَ لهما عنده بحالٍ.
(١٥٩٣) والمسْلِمُ والذِّمِّيُّ في الشُّفْعَةِ سَواءٌ.
(١٥٩٤) ولا شُفْعَةَ في عبدٍ، ولا أمَةٍ، ولا دابّةٍ، ولا ما لا يَصْلُحُ فيه القَسْمُ.
قال المزني:
هذا كله قياس قول الشافعي ومعناه وبالله التوفيق
стр. 943
[٢٥]
كتاب القراض
مختصر القراض إملاء وما دخل في ذلك من «كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى» (١)
стр. 944
(١٥٩٥) قال الشافعي: ورُوِي عن عمرَ بنِ الخطابِ؛ أنّه صَيَّرَ رِبْحَ ابْنَيْه في المالِ الذي تَسَلَّفاه بالعراقِ فرَبِحا فيه بالمدينةِ فجَعَلَه قِراضًا عندما قال له رجلٌ مِنْ أصحابِه: لو جَعَلْتَه قِراضًا؟ ففَعَلَ، وأنّ عُمَرَ دَفَعَ مالًا قِراضًا على النصفِ (١).
(١٥٩٦) قال الشافعي: ولا يَجُوزُ القراضُ إلّا في الدنانيرِ والدراهمِ التي هي أثْمانُ الأشْياءِ وقِيَمُها.
(١٥٩٧) قال: وإنْ قارَضَه، وجَعَلَ معه رَبُّ المالِ غُلامَه، وشَرَطَ أنّ الرِّبْحَ بينه وبين العاملِ والغلامِ أثْلاثًا .. فهو جائزٌ، وكان لرَبِّ المالِ الثلثان، وللعاملِ الثلثُ.
стр. 945
(١٥٩٨) ولا يَجُوزُ أن يُقارِضَه إلى مُدَّةٍ مِنْ المُدَدِ، ولا يَشْتَرِطَ (١) أحدُهما درهمًا على صاحبِه وما بَقِيَ بينهما (٢)، أو يَشْتَرِطَ أن يُولِّيَه سِلْعَةً، أو على أن يَرْتَفِقَ أحدُهما في ذلك بشيءٍ دون صاحبِه، أو يَشْتَرِطَ أن لا يَشْتَرِيَ إلّا مِنْ فُلانٍ (٣)، أو لا يَشْتَرِيَ إلّا سِلْعَةً بعَيْنِها واحدةً، أو نَخْلًا أو دَوابَّ يَطْلُبُ ثَمَرَ النخلِ ونِتاجَ الدَّوابِّ ويَحْبِسُ رِقابَها، فإنْ فَعَلا .. فذلك كُلُّه فاسدٌ، فإنْ عَمِلَ .. فله أجْرُ مِثْلِه، والرِّبْحُ والمالُ لرَبِّه.
(١٥٩٩) قال: ولو اشْتَرَطَ أن يَشْتَرِيَ صِنْفًا موجودًا في الشتاءِ والصيفِ .. فجائزٌ.
(١٦٠٠) وإذا سافرَ كان له أن يَكْتَرِيَ مِنْ المالِ مَنْ يَكْفِيه بَعْضَ المؤونةِ مِنْ الأعمالِ التي لا يَعْمَلُها العامِلُ، وله النَّفَقَةُ بالمعروفِ (٤)، وإنْ خَرَجَ بمالٍ لنَفْسِه (٥) كانت النفقةُ على قَدْرِ المالَيْن بالحِصَصِ.
(١٦٠١) وما اشْتَرَى .. فله الرَّدُّ بالعيبِ، وكذلك الوكيلُ.
(١٦٠٢) وإن اشْتَرَى وباعَ بالدَّيْنِ .. فضامنٌ، إلّا أن يَأذَنَ له.
(١٦٠٣) وهو مُصَدَّقٌ في ذَهابِ المالِ مع يَمِينِه.
стр. 946
(١٦٠٤) قال: وإذا اشْتَرَى مَنْ يَعْتِقُ على رَبِّ المالِ بإذْنِه .. عَتَقَ، وإنْ كان بغيرِ إذْنِه .. فالمضارِبُ ضامنٌ، والعبدُ له، والمالكُ إنّما أمَرَه بشراءِ (١) مَنْ يَحِلُّ أن يَرْبَحَ في بَيْعِه.
(١٦٠٥) وكذلك العبدُ المأذونُ له في التجارةِ يَشْتَرِي أبا سَيِّدِه .. فالشراءُ مفسوخٌ؛ لأنّه مُخالِفٌ، ولا مالَ له.
وقال في «كتاب الدعوى والبينات»: «في شِراءِ العبدِ مَنْ يَعْتِقُ على مَوْلاه قولان: أحدُهما - يجوزُ، والآخر - لا يجوزُ»، وقال المزني: قياسُ قولِه الذي قَطَعَ به: أنّ البيعَ مفسوخٌ؛ لأنّه لا ذِمَّةَ له (٢).
(١٦٠٦) قال الشافعي: فإن اشْتَرَى المقارِضُ أبا نَفْسِه بمالِ رَبِّ المالِ، وفي المالِ فَضْلٌ، أو لا فَضْلَ فيه .. فسواءٌ، ولا يَعْتِقُ عليه؛ لأنّه إنّما يَقُومُ مَقامَ وَكِيلٍ اشْتَرَى لغيرِه (٣)، فبَيْعُه جائزٌ، ولا رِبْحَ للعاملِ إلّا بعد قَبْضِ رَبِّ المالِ مالَه، ولا يَسْتَوْفِيه رَبُّه إلّا وقد باع أباه، ولو كان يَمْلِكُ مِنْ الرِّبْحِ شيئًا قبل أن يَصِيرَ المالُ إلى رَبِّه كان مُشارِكًا له، ولو خَسِرَ حتّى لا يَبْقَى إلّا أقَلُّ مِنْ رَأسِ المالِ كان فيما بَقِيَ شَرِيكًا؛ لأنّ مَنْ مَلَكَ شيئًا زائدًا مَلَكَه ناقِصًا.
(١٦٠٧) قال: ومتى شاء رَبُّه .. أخَذَ مالَه، قبل العَمَلِ وبعده، ومتى شاء العاملُ أن يَخْرُجَ مِنْ القراضِ .. خَرَجَ منه.
(١٦٠٨) وإنْ مات رَبُّ المالِ .. صار لوارِثِه، فإنْ رَضِيَ تَرَكَ المقارِضِ على قِراضِه، وإلّا فقد انْفَسَخَ قِراضُه، وإنْ مات العاملُ لم يَكُنْ
стр. 947
لوارِثِه أن يَعْمَلَ مكانَه، ويَبِيعَ ما كان في يَدِه مع ما كان مِنْ ثِيابٍ أو أداةٍ للسَّفَرِ وغيرِ ذلك ممّا قَلَّ أو كَثُرَ، فإنْ كان فيه فَضْلٌ كان لوارِثِه، وإنْ كان خُسْرانٌ كان ذلك في المالِ.
(١٦٠٩) وإنْ قارضَ العاملُ بالمالِ آخَرَ بغيرِ إذْنِ صاحبِه .. فهو ضامنٌ، فإنْ رَبِحَ .. فلصاحبِ المالِ شَطْرُ الرِّبْحِ، ثُمّ يَكُونُ للذِي عَمِلَ شَطْرُه مما يَبْقَى.
قال المزني: قلت أنا (١): هذا قولٌ قديمٌ، وأصْلُ قولِه الجديدِ المعروفُ: أنّ كُلَّ عَقْدٍ فاسدٍ (٢) لا يجوزُ وإنْ جُوِّزَ حتّى يُبْتَدَأَ بما يَصْلُحُ، قال المزني: فإن اشْتَرَى (٣) بعينِ المالِ .. فهو فاسدٌ (٤)، وإن اشْتَرَى بغيرِ العينِ .. فالشراءُ جائزٌ، والربحُ والخسرانُ للمقارِضِ الأوَّلِ، وعليه الضمانُ، وللعاملِ الثاني أجْرُ مِثْلِه في قياسِ قولِ الشافعيّ (٥).
(١٦١٠) قال الشافعي: وإنْ حال على سِلْعَةٍ في القراضِ حَوْلٌ وفيها رِبْحٌ .. ففيها قولان: أحدهما - أنّ الزكاةَ على رأسِ المالِ والربحِ وحِصَّةِ رِبْحِ صاحبِه، ولا زكاةَ على العاملِ؛ لأنّ رِبْحَه فائدةٌ، فإنْ حال الحَوْلُ مُنذُ يَوْمِ صار للمقارِضِ رِبْحٌ .. زَكّاه مع المالِ؛ لأنّه خليطٌ برِبْحِه، وإنْ رَجَعَت السِّلْعَةُ إلى رأسِ المالِ (٦) .. كان لرَبِّ المالِ، والقول الثاني - أنّها تُزَكّى
стр. 948
برِبْحِها في حَوْلِها؛ لأنّها لرَبِّ المالِ، ولا شيءَ للعاملِ في الرِّبْحِ إلّا بعد أن يُسَلَّمَ إلى رَبِّ المالِ مالُه.
قال المزني: قلت أنا (١): هذا أشْبَهُ بقولِه؛ لأنّه قال [ف: ١٦٠٦]: «لو اشْتَرَى العاملُ أباه وفي المالِ رِبْحٌ كان له بَيْعُه»، ولو مَلَكَ من أبيه شيئًا لعَتَقَ عليه، وهذا دليلٌ مِنْ قولِه على أحَدِ قولَيْه، وقد قال الشافعي: «لو كان له رِبْحٌ قبل دَفْعِ المالِ إلى رَبِّه لكان به شَرِيكًا، ولو خَسِرَ حتّى لا يَبْقَى إلّا قَدْرُ رأسِ المالِ كان فيما بَقِيَ شَرِيكًا؛ لأنّ مَنْ مَلَكَ شيئًا زائدًا مَلَكَه ناقصًا» (٢).
(١٦١١) قال الشافعي: ومتى شاء رَبُّ المالِ .. أخَذَ مالَه، ومتى أراد العاملُ الخروجَ مِنْ القراضِ .. فذلك له.
стр. 949
(١٦٠)
باب (١)
قال المزني:
وهذه مسائل أجبتُ فيها على معنى قوله وقياسه (٢) وبالله التوفيق
قال المزني (٣):
(١٦١٢) من ذلك (٤): لو دَفَعَ إليه ألفَ درهمٍ، فقال: خُذْها فاشْتَرِ بها هَرَوِيًّا - أو قال: مَرَوِيًّا (٥) - بالنصفِ .. كان فاسِدًا؛ لأنّه لم يُبَيِّنْ، فإن اشْتَرَى .. فجائزٌ، وله أجْرُ مِثْلِه، وإنْ باع .. فباطلٌ؛ لأنّ البيعَ بغيرِ أمْرِه.
(١٦١٣) وإنْ قال: خُذْها قِراضًا أو مُضارَبَةً على ما شَرَطَ فلانٌ مِنْ الربحِ لفلانٍ .. فإنْ عَلِما ذلك فجائزٌ، وإنْ جَهِلاه أو أحدُهما ففاسدٌ.
(١٦١٤) فإنْ قارَضَه بألفٍ على أنّ ثُلُثَ رِبْحِها للعاملِ، وما بَقِيَ مِنْ الرِّبْحِ فثُلُثُه لرَبِّ المالِ وثُلُثاهُ للعاملِ .. فجائزٌ؛ لأنّ الأجْزاءَ مَعْلُومَةٌ.
(١٦١٥) وإنْ قارَضَه على دنانيرَ فحَصَلَ في يدَيْه دراهمُ، أو على
стр. 950
دراهمَ فحَصَلَ في يدَيْه دنانيرُ .. فعليه بَيْعُ ما حَصَلَ حتّى يَصِيرَ مثلَ ما لرَبِّ المالِ في قياسِ قولِه.
(١٦١٦) وإنْ دَفَعَ مالًا قِراضًا في مَرَضِه وعليه دُيُونٌ، ثُمّ مات بعد أن اشْتَرَى وباعَ ورَبِحَ .. أخَذَ العاملُ رِبْحَه، واقْتَسَم الغرماءُ ما بَقِيَ مِنْ مالِه.
(١٦١٧) وإن اشْتَرَى عَبْدًا، فقال العاملُ: اشْتَرَيْتُه لنَفْسِي بمالي، وقال ربُّ المال: بل في القراضِ بمالي .. فالقولُ قولُ العاملِ مع يَمِينِه؛ لأنّه في يَدِه، والآخَرُ مُدَّعٍ، فعليه البينةُ، وإنْ قال العاملُ: اشْتَرَيْتُه مِنْ مالِ القراضِ، وقال رَبُّ المالِ: بل لنَفْسِك، وفيه خُسْرانٌ .. فالقولُ قولُ العاملِ مع يَمِينِه؛ لأنّه مُصَدَّقٌ فيما في يدَيْه.
(١٦١٨) ولو قال العاملُ: اشْتَرَيْتُ هذا العبدَ بجميعِ الألفِ القراضِ، ثُمّ اشْتَرَيْتُ هذا العبدَ الثاني بتلك الألفِ قبل أنْ أنْقُدَ .. كان الأوّلُ في القراضِ، والثاني للعاملِ، وعليه الثمنُ (١).
(١٦١٩) وإنْ نَهَى رَبُّ المالِ العاملَ أن يَشْتَرِيَ ويَبِيعَ وفي يَدِه عَرْضٌ اشْتَراه .. فله بَيْعُه، وإنْ كان في يَدِه عَيْنٌ فاشْتَرَى .. فهو مُتَعَدٍّ، والثمنُ في ذِمَّتِه، والرِّبْحُ له، والوَضِيعَةُ عليه (٢)، وإنْ كان اشْتَرَى بالمالِ بعَيْنِه .. فالشراءُ باطلٌ في قياسِ قولِه، ويَتَرادّان حتّى تَرْجِعَ السِّلْعَةُ إلى الأوَّلِ، فإنْ هَلَكَتْ فلصاحبِها قِيمَتُها على الأوّلِ، ويَرْجِعُ به الأوّلُ على الثاني، ويَتَرادّان الثَّمَنَ المدفوعَ.
(١٦٢٠) ولو قال العاملُ: رَبِحْتُ ألفًا، ثُمّ قال: غَلِطْتُ، أو خِفْتُ نَزْعَ المالِ منّي فكَذَبْتُ .. لَزِمَه إقرارُه، ولم يَنْفَعْه رُجوعُه في قياسِ قولِه.
стр. 951
(١٦٢١) ولو اشْتَرَى العاملُ أو باع بما لا يَتَغابَنُ الناسُ بمثلِه .. فباطلٌ، وهو للمالِ ضامنٌ.
(١٦٢٢) ولو اشْتَرَى في القراضِ خَمْرًا أو خنزيرًا أو أمَّ وَلَدٍ، ودَفَعَ الثمنَ .. فالشراءُ باطلٌ، وهو للمالِ ضامنٌ في قياسِ قولِه.
стр. 952
[٢٦]
كتاب المساقاة
مجموعة من إملاء ومسائل شتى سمعتها لفظًا
стр. 953
(١٦٢٣) قال الشافعي: سَاقَى رسولُ الله ﷺ أهلَ خَيْبَرَ على أنّ نِصفَ الثمرِ لهم، فكان يَبْعَثُ ابنَ رواحةَ فيَخْرُصُ بَيْنَه وبينهم، ثم يَقولُ: «إنْ شِئتُم فلكم، وإن شِئتُم فلي».
(١٦٢٤) قال الشافعي: ومعنى قولِه: «إنْ شِئتُم فلكم، وإنْ شِئتُم فلي»: أن يَخْرُصَ النخلَ كأنّه خَرَصَها مائةَ وَسْقٍ وعَشَرَةَ أوْسُقٍ رُطَبًا، ثُمّ قَدَّرَ أنّها إذا صارتْ تمرًا نَقَصَتْ عَشَرةَ أوْسُقٍ، فصَحَّتْ فيها مائةُ وَسْقٍ تمرًا، فيَقُولُ: إنْ شِئتُم دَفَعْتُ إليكم النصفَ الذي ليس لكم، الذي أنا فيه قَيِّمٌ لأهلِه، على أنْ تَضْمَنُوا لي خمسين وَسْقًا تمرًا، مِنْ تمرٍ يُسَمِّيه ويَصِفُه، ولكم أنْ تَأكُلُوها وتَبِيعُوها رُطَبًا كيف شِئتُم، وإنْ شِئتُم فلي، أكُونُ هكذا مِثْلَكُم، تُسَلِّمُون إليَّ نِصْفَكُم، وأضْمَنُ لكم هذه المَكِيلَةَ.
(١٦٢٥) قال الشافعي: فإذا سَاقَى على النَّخْلِ أو العِنَبِ بجُزْءٍ مَعْلومٍ .. فهي المساقاةُ التي سَاقَى عليها رسولُ الله (١)، وإذا دَفَعَ إليه أرْضًا بيضاءَ على أن يَزْرَعَها المدْفُوعَةُ إليه، فما أخْرَجَ الله ﵎ منها مِنْ شيءٍ فله جُزْءٌ مَعْلُومٌ .. فهذه المُخابَرَةُ التي نَهَى عنها رسولُ الله ﷺ ، ولم نَرُدَّ إحْدَى سُنَّتَيْه بالأخْرَى (٢).
(١٦٢٦) فالمساقاةُ جائزةٌ بما وَصَفْتُ في النَّخْلِ والكَرْمِ دون غيرِهما؛
стр. 954
لأنّ رسولَ الله ﷺ أخَذَ صَدَقَتَهما بالخَرْصِ، وثَمَرَتُهما مُجْتَمِعٌ، بائنٌ مِنْ شَجَرِه، لا حائلَ دُونَه يَمْنَعُ إحاطَة النظرِ إليه، وثَمَرُ غيرِهما مُتَفَرِّقٌ بين أضْعافِ وَرَقِ شَجَرِه، لا يُحاطُ بالنَّظَرِ إليه، ولا تَجُوزُ المساقاةُ إلّا في النَّخْلِ والكَرْمِ (١).
(١٦٢٧) قال: وتَجُوزُ المساقاةُ سِنِينَ.
(١٦٢٨) وإذا سَاقاه على نَخْلٍ، فكان فيه بَياضٌ لا يُوصَلُ إلى عَمَلِه إلّا بالدُّخُولِ على النَّخْلِ، وكان لا يُوصَلُ إلى سَقْيِه إلّا بشِرْكِ النَّخْلِ في الماءِ، وكانَ غيرَ مُتَمَيِّزٍ .. جاز أن يُساقَى عليه مع النَّخْلِ، لا مُنْفَرِدًا وَحْدَه، ولولا الخبرُ فيه عن النبيّ ﷺ أنّه دَفَعَ إلى أهلِ خَيْبَرَ النَّخْلَ على أنّ لهم النصفَ مِنْ النَّخْلِ والزَّرْعِ وله النصفُ، فكان الزرعُ كما وَصَفْتُ بين ظَهْرانَي النَّخْلِ .. لم يَجُزْ ذلك.
(١٦٢٩) وليس للمُساقِي في النَّخْلِ أن يَزْرَعَ البياضَ إلّا بإذْنِ رَبِّه، فإنْ فَعَلَ فكمَن زَرَعَ أرْضَ غيرِه.
(١٦٣٠) ولا تَجُوزُ المساقاةُ إلّا على جُزْءٍ مَعْلُومٍ، قَلَّ ذلك أو كَثُرَ.
(١٦٣١) وإنْ سَاقاه على أنّ له ثَمَرَ نَخْلاتٍ بعَيْنِها مِنْ الحائطِ .. لم يَجُزْ، وكذلك لو اشْتَرَطَ أحدُهما على صاحبِه صاعًا مِنْ تمرٍ .. لم يَجُزْ، وكان له أجْرُ مِثْلِه فيما عَمِلَ.
(١٦٣٢) ولو دَخَلَ في النَّخْلِ على الإجارةِ، بأنّ عليه أن يَعْمَلَ ويَحْفَظَ بشيءٍ مِنْ التَّمْرِ قبل أن يَبْدُوَ صَلاحُه .. فالإجارةُ فاسدةٌ، وله أجْرُ مثلِه فيما عَمِلَ (٢).
стр. 955
(١٦٣٣) وكُلُّ ما كان مُسْتَزادًا (١) في الثمرة؛ مِنْ إصْلاحِ الماءِ وطَرِيقِه، وتَصْرِيفِ الجَرِيدِ، وإبارِ النخلِ، وقَطْعِ الحشيشِ المضِرِّ بالنخلِ، ونحوِه (٢) .. جاز شَرْطُه على العاملِ، فأما سَدُّ الحِظارِ (٣) .. فليس فيه مُسْتَزادٌ ولا صَلاحٌ في الثَّمَرَةِ، فلا يَجُوزُ شَرْطُه على العاملِ.
стр. 956
(١٦١)
باب الشرط في الرقيق (١)(١٦٣٤) قال الشافعي: ولا بأسَ أن يَشْتَرِطَ المُساقِي على رَبِّ النخلِ غِلْمانًا يَعْمَلُون معه، ولا يَسْتَعْمِلُهُم في غيرِه.
(١٦٣٥) قال: ونَفَقَةُ الرقيقِ على ما يَتَشارَطان عليه، وليس نَفَقَةُ الرقيقِ أكْثَرَ مِنْ أجْرَتِهم، فإذا جاز أن يَعْمَلُوا للمُساقِي بغيرِ أجْرَةٍ .. جاز أن يَعْمَلُوا له بغيرِ نَفَقَةٍ.
стр. 957
(١٦٢)
باب (١)
قال المزني: قلت أنا (٢):
وهذه مسائل أجبت فيها على معنى قوله وقياسه وبالله التوفيق (٣)
فمن ذلك:
(١٦٣٦) لو سَاقاه على نَخْلٍ سِنينَ مَعْلُومَةً على أن يَعْمَلا فيها جميعًا .. لم يَجُزْ في معنى قولِه، قياسًا على شَرْطِ المضارِبِ (٤) يَعْمَلان في المالِ جميعًا، فمعنى ذلك: أنّه أعانَه مَعُونَةً (٥) مَجْهُولَةَ الغايةِ بأجْرَةٍ مجهولةٍ.
(١٦٣٧) ولو سَاقاه على النصفِ، على أن يُساقِيَه في حائطٍ آخَرَ على الثلثِ .. لم يَجُزْ في قِياسِ قولِه، كالبَيْعَتَيْن في بَيْعَةٍ، وله في الفاسدِ أجْرُ مِثْلِه في عَمَلِه.
(١٦٣٨) فإنْ ساقاه أحدُهما نَصِيبَه على النصفِ، والآخَرُ نَصِيبَه على الثلثِ .. جازَ.
(١٦٣٩) ولو ساقاه على حائطٍ فيه أصْنافٌ، مِنْ دَقْلٍ وعَجْوَةٍ
стр. 958
وصَيْحانِيٍّ (١)، على أنّ له مِنْ الدَّقْلِ النصفَ، ومِن العَجْوَةِ الثُّلُثَ، ومِن الصَّيْحانِيِّ الرُّبُعُ، وهما يَعْرِفان كلَّ صِنْفٍ .. كان كثلاثة حَوائطَ معروفةٍ، وإنْ جَهِلا أو أحدُهما كُلَّ صِنْفٍ .. لم يَجُزْ.
(١٦٤٠) ولو ساقاه على نَخْلٍ، على أنّ للعاملِ ثلثَ الثَّمَرِ، ولم يَقُولا غيرَ ذلك .. كان جائزًا، وما بعد الثلثِ فهو لرَبِّ النخلِ، وإن اشْتَرَطا أنّ لرَبِّ النخلِ ثلثَ الثمرِ، ولم يَقُولا غيرَ ذلك .. كان فاسدًا؛ لأنّ العاملَ لم يَعْلَمْ ما نَصِيبُه، والفرقُ بينهما: أنّ ثَمَرَ النخلِ لرَبِّها إلّا ما شَرَطَ منها للعاملِ، فلا حاجةَ بنا إلى المسألة بعد نَصِيبِ العاملِ: لمن الباقي؟ وإذا اشْتَرَطَ رَبُّ النخلِ لنفسِه الثلثَ ولم يُبَيِّنْ كَمْ نَصِيبُ العاملِ مِنْ الباقي، فنَصِيبُ العاملِ مجهولٌ، وإذا جُهِلَ النَّصِيبُ فَسَدَت المساقاةُ.
(١٦٤١) ولو كانت النخلُ بين رجلَيْن، فسَاقَى أحدُهما صاحبَه، على أنّ للعاملِ ثُلُثَي الثَّمَرِ مِنْ جميعِ النخلِ، وللآخَرِ الثلثَ .. كان جائزًا؛ لأنّ معناه: أنّه ساقَى شَرِيكَه (٢) في نِصْفِه على ثلثِ ثَمَرَتِه.
(١٦٤٢) ولو سَاقَى شَرِيكَه على أنّ للعاملِ الثلثَ، ولصاحبِه الثلثين .. لم يَجُزْ؛ كرجلين بينهما ألفُ درهمٍ، قارَضَ أحدُهما صاحبَه في نِصْفِه، فما رَزَقَ اللهُ في الألفِ مِنْ رِبحٍ فالثلثان للعاملِ، ولصاحبِه الثلثُ، فإنّما قارَضَه في نِصْفِه على ثلثِ رِبْحِه في نِصْفِه، ولو قارضَه على أنّ للعاملِ ثلثَ الربحِ، والثُّلُثَيْنِ لصاحبِه (٣) .. لم يَجُزْ؛ لأنّ معنى ذلك: أنْ عَقَدَ له العاملُ أن
стр. 959
يَخْدِمَه في نِصْفِه بغيرِ بَدَلٍ، ويَسْلَمَ له مع خِدْمَتِه مِنْ ربحِ نِصْفِه تمامُ ثُلُثَي الجميعِ بغيرِ عِوَضٍ، فإنْ عَمِلَ المُساقِي في هذا أو المقارِضُ .. فالربحُ بينهما نصفين (١)، ولا أجْرَةَ للعاملِ؛ لأنّه عَمِلَ على غيرِ بَدَلٍ.
(١٦٤٣) ولو سَاقَى أحدُهما صاحبَه نَخْلًا بينهما سَنَةً معروفةً، على أن يَعْمَلا فيها جميعًا، على أنّ لأحدِهما الثلثَ وللآخَرِ الثُّلُثَيْن .. لم يَكُنْ لمساقاتِهِما مَعْنًى، فإنْ عَمِلا فلأنفسِهما عَمِلا، والثمرُ بينهما.
(١٦٤٤) ولو سَاقَى رجلًا نَخْلًا مُساقاةً صحيحةً، فأثْمَرَتْ، ثُمّ هَرَبَ العاملُ .. اكْتَرَى عليه الحاكمُ في مالِه مَنْ يَقُومُ في النخلِ مَقامَه.
(١٦٤٥) وإنْ عُلِمَ منه سَرِقَةٌ للنخلِ وفَسادٌ .. مُنِعَ مِنْ ذلك، وتُكُورِيَ عليه (٢) مَنْ يَقُومُ مَقامَه (٣).
(١٦٤٦) فإنْ ماتَ .. قام وَرَثَتُه مَقامَه، فإنْ أنْفَقَ رَبُّ النخلِ .. كان مُتَطَوِّعًا، ويَسْتَوْفِي العاملُ شَرْطَه في قياسِ قولِه.
(١٦٤٧) ولو عَمِلَ فيها العاملُ، فأثْمَرَتْ، ثُمّ اسْتَحَقَّها رَبُّها .. أخَذَها وثَمَرَها، ولا حَقَّ عليه فيما عَمِلَ فيها العاملُ (٤)؛ لأنّها آثارٌ، لا عَيْنُ مالٍ، ورَجَعَ العاملُ على الدافعِ بقيمةِ ما عَمِلَ، فإن اقْتَسَما الثمرةَ فأكَلاها، ثُمّ اسْتَحَقَّها رَبُّها .. رَجَعَ على كُلِّ واحدٍ منهما بمَكِيلَةِ الثمرةِ، وإنْ شاء أخَذَها
стр. 960
مِنْ الدافعِ لها، ورَجَعَ الدافعُ على العاملِ بالمكيلةِ التي غَرِمَها، ورَجَعَ العاملُ على الذي اسْتَعْمَلَه بأجْرِ مثلِه.
(١٦٤٨) ولوْ ساقاه على أنّه إنْ سَقاها بماءِ سماءٍ أو نهرٍ فله الثلثُ، وإنْ سَقاها بالنَّضْحِ فله النصفُ .. كان فاسِدًا؛ لأنّ عَقْدَ المساقاةِ كانتْ والنصيبُ مجهولٌ، والعَمَلُ غيرُ معلومٍ؛ كما لو قارَضَه بمالٍ فما رَبِحَ في البَزِّ فله الثلثُ، وما رَبِحَ في القَمْحِ فله النصفُ، فإنْ عَمِلَ كان له أجْرُ مثلِ عملِه.
(١٦٤٩) وإن اشْتَرَطَ الداخلُ أنّ أجْرَةَ الأُجَراءِ مِنْ الثمرةِ .. فَسَدَت المساقاةُ.
(١٦٥٠) ولو ساقاه على وَدِيٍّ لوَقْتٍ يَعْلَمُ أنّها لا تُثْمِرُ إليه .. لم يَجُزْ.
(١٦٥١) وإن اخْتَلَفا بعد أنْ أثْمَرَت النخلُ على مساقاةٍ صَحِيحَةٍ، فقال رَبُّ النخلِ: على الثلثِ، وقال العاملُ: بل على النصفِ .. تَحالَفا وكان له أجْرُ مِثْلِه في قياسِ قولِه، كان أكْثَرَ ممّا أقَرَّ له به رَبُّ النخلِ أو أقَلَّ، فإنْ أقام كُلُّ واحدٍ منهما البَيِّنَةَ على ما ادَّعَى .. سَقَطَتا وتحالفا كذلك أيضًا.
(١٦٥٢) ولو دَفَعا نَخْلًا إلى رَجُلٍ مُساقاةً، فلمّا أثْمَرَتِ اخْتَلَفُوا، فقال العاملُ: شَرَطْتُما لي النِّصْفَ ولكما النِّصْفُ، وصَدَّقَه أحدُهما، وأنْكَرَ الآخَرُ .. كانتْ له مُقاسَمَةُ المُقِرِّ في نِصْفِه على ما أقَرَّ به، ويَتَحالَفُ هو والمنْكِرُ، وللعاملِ أجْرُ مِثْلِه في نِصْفِه.
(١٦٥٣) ولو شَرَطَ مِنْ نَصِيبِ أحدِهما بعَيْنِه النصفَ، ومِن نَصِيبِ الآخَرِ بعَيْنِه الثلثَ .. جاز، وإنْ جُهِلَ ذلك .. لم يَجُزْ وفُسِخَ، فإنْ عَمِلَ على ذلك .. فله أجْرُ مثلِه والثمرُ لرَبِّه في قياسِ قولِه.
стр. 961
[٢٧]
كتاب الإجارة (١)
مختصر من الجامع في الإجارة من ثلاثة كتب في الإجارات وما دخل فيها من سوى ذلك (٢)
стр. 962
(١٦٥٤) قال الشافعي: قال الله تعالى: ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾ [الطلاق: ٦]، وقد يَخْتَلِفُ الرَّضاعُ، فلمّا لم يُوجَدْ فيه إلّا هذا جازَتْ فيه الإجارةُ، وذَكَرَها اللهُ ﵎ في كتابِه، وعَمِلَ بها بعضُ أنبيائه، فذَكَرَ موسى وأُجْرَتَه نَفْسَه ثَمانِيَ حِجَجٍ مَلَكَ بها بُضْعَ امْرَأةٍ، وقيل: اسْتَأجَرَه على أن يَرْعَى له غَنَمًا (١)، فدَلَّ بذلك على تَجْوِيزِ الإجارةِ، ومَضَتْ بها السُّنَّةُ وعَمِلَ بها بَعْضُ الصحابة والتابعين (٢)، ولا اخْتِلافَ في ذلك بين أهْلِ العِلْمِ ببَلَدِنا وعَوَامِّ أهْلِ الأمْصارِ.
(١٦٥٥) قال الشافعي: فالإجاراتُ صِنْفٌ مِنْ البيوعِ؛ لأنّها تَمْلِيكٌ مِنْ كُلِّ واحدٍ منهما لصاحبِه، وكذلك يَمْلِكُ المسْتأجِرُ المنفعةَ التي في العبدِ والدارِ والدابّةِ إلى المُدَّةِ التي اشْتَرَطَ، حتّى يَكُونَ أحَقَّ بها مِنْ مالِكِها، ويَمْلِكُ صاحبُها العِوَضَ، فهي مَنْفَعَةٌ مَعْقُولَةٌ مِنْ عَيْنٍ مَعْرُوفَةٍ، فهي كالعَيْنِ المبِيعَةِ، ولو كان حُكْمُها خِلافَ العَيْنِ كانتْ في حُكْمِ الدَّيْنِ، ولم يَجُزْ أن يَكْتَرِيَ بدَيْنٍ؛ لأنّه حينئذٍ يُكُونُ دَيْنًا بدَيْنٍ، وقد نَهَى رسولُ الله ﷺ عن الدَّيْنِ بالدَّيْنِ، قال الشافعي: فإذا دَفَعَ ما أكْرَى وَجَبَ له جَمِيعُ الكِراءِ؛ كما إذا دَفَعَ ما باع وَجَبَ له جَمِيعُ الثَّمَنِ، إلّا أن يَشْتَرِطَ أجَلًا (٣).
(١٦٥٦) فإنْ قَبَضَ العَبْدَ فاسْتَخْدَمَه، أو المسْكَنَ فسَكَنَه، ثُمّ هَلَكَ
стр. 963
العبدُ وانْهَدَمَ المسْكَنُ .. حُسِبَ قَدْرُ ما اسْتَخْدَمَ وسَكَنَ فكان له، ورُدَّ قَدْرُ ما بَقِيَ على المُكْتَرِي؛ كما لو اشْتَرَى سَفِينَةَ طعامٍ كُلَّ قَفِيزٍ بكذا، فاسْتَوْفَى بَعْضًا فاسْتَهْلَكَه، ثُمّ هَلَكَ الباقي كان عليه مِنْ الثَّمَنِ بقَدْرِ ما قَبَضَ، ورَدَّ قَدْرَ ما بَقِيَ (١).
(١٦٥٧) ولا تُفْسَخُ بمَوْتِ أحدِهما ما كانت الدارُ قائِمَةً، وليس الوارثُ بأكْثَرَ مِنْ الموروثِ، فإنْ قيل: فقد انْتَفَعَ المكْرِي بالثمنِ .. قيل: كما لو أسْلَمَ في رُطَبٍ لوقتٍ فانْقَطَعَ رَجَعَ بالثمنِ، ولو باع متاعًا غائبًا ببَلَدٍ ودَفَعَ الثمنَ فهَلَكَ المتاعُ رَجَعَ بالثمنِ، وقد انْتَفَعَ به البائعُ.
قال المزني: هذا تَجوِيزُ بيعِ الغائبِ، وأباه في مكانٍ آخَرَ (٢).
(١٦٥٨) قال الشافعي: وإن تَكارَى دابَّةً مِنْ مَكَّةَ إلى مَرٍّ، فتَعَدَّى بها إلى عُسْفانَ .. فعليه كِراؤُها إلى مَرٍّ، وكِراءُ مِثْلِها إلى عُسْفانَ، وعليه الضَّمانُ.
(١٦٥٩) وله أن يُؤاجِرَ دارَه وعبدَه ثلاثين سَنَةً (٣).
(١٦٣)
باب كراء الإبل
(١٦٦١) قال الشافعي: وكِراءُ الإبِلِ جائزٌ للمَحامِلِ والزَّوامِلِ والرِّحالِ، وكذلك الدَّوابُّ للسُّرُوجِ والأُكُفِ والحُمُولَةِ (١).
(١٦٦٢) ولا يَجُوزُ مِنْ ذلك مُغَيَّبٌ، حتّى يَرَى الرّاكِبِينَ وظَرْفَ المَحْمِلِ والوِطاءِ والظِّلِّ إنْ شَرَطَه؛ لأنّ ذلك يَخْتَلِفُ فيَتَبايَنُ، والحُمُولَةُ بوَزْنٍ مَعْلُومٍ أو كَيْلٍ مَعْلُومٍ، في ظُرُوفٍ تُرَى أو تَكُونُ إذا شُرِطَتْ عُرِفَتْ، مثلَ: غَرائِرَ جَبَلِيَّةٍ وما أشْبَه هذا.
(١٦٦٣) فإنْ ذَكَرا (٢) مَحْمِلًا أو مَرْكَبًا أو زامِلَةً بغيرِ رُؤيَةٍ ولا صِفَةٍ .. فهو مَفْسُوخٌ للجَهْلِ بذلك.
(١٦٦٤) وإنْ أكْراه مَحْمِلًا وأراه إيّاه وقال: معه مَعالِيقُ (٣)، أو قال:
стр. 966
معه ما يُصْلِحُه .. فالقياسُ أنّه فاسدٌ، ومِن الناس مَنْ يَقُولُ: له بقَدْرِ ما يَراه الناسُ وَسَطًا (١).
(١٦٦٥) وإنْ أكْراه إلى مَكَّةَ، فشَرَطَ سَيْرًا مَعْلُومًا .. فهو أصَحُّ، وإن لم يَشْتَرِطْ .. فالذي أحْفَظُ أنّ السَّيْرَ مَعْلُومٌ على المراحِلِ؛ لأنّها الأغْلَبُ مِنْ سَيْرِ الناسِ؛ كما أنّ له مِنْ الكِراءِ الأغْلَبَ مِنْ نَقْدِ البَلَدِ، وأيُّهُما أراد المُجاوَزَةَ أو التَّقْصِيرَ لم يَكُنْ له.
(١٦٦٦) فإنْ تَكارَى إبِلًا بأعْيانِها .. رَكِبَها، وإنْ ذَكَرَ حَمُولَةً مَضْمُونَةً لم (٢) تَكُنْ بأعْيانِها .. رَكِبَ ما يَحْمِلُه غيرَ مُضِرٍّ به.
(١٦٦٧) وعليه أن يُرْكِبَ المرأةَ ويُنْزِلَها عن البعيرِ بارِكًا؛ لأنّه رُكوبُ النساءِ، ويُنْزِلَ الرجلَ للصلاةِ، ويَنْتَظِرَه حتّى يُصَلِّيها، غيرَ مُعَجِّلٍ له، ولِما لا بُدَّ له مِنْ الوضوءِ.
(١٦٦٨) ولا يَجُوزُ أن يَتَكارَى بَعِيرًا بعَيْنِه إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ إلّا عند خُرُوجِه.
(١٦٦٩) وإنْ مات البعيرُ .. رَدَّ الجَمّالُ ممّا أخَذَ مِنْ الكِراءِ بحِسابِ ما بَقِيَ، وإنْ كانت الحَمُولَةُ مَضْمُونَةً .. كان عليه أن يَأتِيَ بإبِلٍ غيرِها.
(١٦٧٠) وإن اخْتَلَفا في الرِّحْلَةِ .. رَحَلَ لا مَكْبُوبًا، ولا مُسْتَلْقِيًا (٣).
стр. 967
(١٦٧١) والقياسُ: أن يُبْدِلَ ما يَفْنَى مِنْ الزّادِ، ولو قيل: المعروفُ أنّ الزّادَ يَنْقُصُ فلا يُبْدَلُ .. كان مَذْهَبًا.
قال المزني: الأوّلُ أقْيَسُهُما (١).
(١٦٧٢) قال الشافعي: وإنْ هَرَبَ الجَمّالُ .. فعلى الإمامِ أن يَكْتَرِيَ عليه مِنْ مالِه.
стр. 968
(١٦٤)
باب تضمين الأُجَراء
من كتاب الإجارات ومن كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى (١)(١٦٧٣) قال الشافعي: الأُجَراءُ كُلُّهُم سواءٌ، وما تَلِفَ في أيْدِيهِم مِنْ غيرِ جِنايَتِهِم .. ففيه واحدٌ مِنْ قولَيْن: أحدُهما - الضمانُ؛ لأنّه أخَذَ الأجْرَ، والقولُ الآخَرُ (٢) - لا ضَمانَ إلّا بالعُدْوانِ.
قال المزني: قلت أنا (٣): هذا أوْلاهُما به؛ لأنّه قَطَعَ بأن لا ضَمانَ على الحَجّامِ يَأمُرُه الرجلُ أن يَحْجُمَه، أو يَخْتِنَ غُلامَه، أو يُبَيْطِرَ دابّتَه، وقد قال الشافعي: إذا ألْقَوْا عن هؤلاء الضَّمانَ لَزِمَهُم إلْقاؤُه عن الصُّنّاعِ، وقال: ما عَلِمْتُ أنّي سَألْتُ منهم أحَدًا ففَرَّقَ بينهما، ورُوِيَ عن عطاءٍ أنّه قال: «لا ضَمانَ على صانِعٍ، ولا على أجِيرٍ»، قال المزني: قلت أنا (٤): ولا أعْلَمُ أحَدًا مِنْ العلماءِ ضَمَّنَ الرّاعِيَ المنْفَرِدَ بالأجْرِ، ولا فَرْقَ عندي بَيْنَه في القياسِ وبَيْنَ المشْتَرَكِ، ولا ضَمَّنَ الأجِيرَ في الحانوتِ (٥) يَحْفَظُ ما فيه مِنْ
стр. 969
البَزِّ ويَبِيعُه، والصانعُ بالأجْرِ عندي (١) في القياسِ مثلُه (٢).
(١٦٧٤) قال الشافعي: وإذا اسْتَأجَرَ مَنْ يَخْبِزُ له خُبْزًا مَعْلُومًا، في تَنُّورٍ أو فُرْنٍ، فاحْتَرَقَ .. فإنْ كان خَبَزَه في حالٍ لا يُخْبَزُ في مِثْلِها؛ لاسْتِيقَادِ التَّنُّورِ؛ أو شِدَّةِ حُمُوِّهِ (٣)، أو تَرَكَه تَرْكًا لا يَجُوزُ في مِثْلِه .. فهو ضامنٌ، وإنْ كان ما فَعَلَ صَلاحًا لمثلِه .. لم يَضْمَنْ عند مَنْ لم يُضَمِّن الأجيرَ.
(١٦٧٤) وإن اكْتَرَى دابّةً فضَرَبَها أو كَبَحَها باللِّجامِ (٤)، فماتتْ .. فإنْ كان ما فَعَلَ مِنْ ذلك ما تَفْعَلُ العامَّةُ فلا شيءَ عليه، وإنْ فَعَلَ ما لا تَفْعَلُه العامَّةُ ضَمِنَ.
(١٦٧٥) فأما الرُّوَّاضُ .. فإنّ شَأنَهم اسْتِصْلاحُ الدَّوابِّ، وحَمْلُها مِنْ السَّيْرِ والحَملِ عليها بالضَّرْبِ على أكْثَرَ ممّا يَفْعَلُ الرّاكِبُ غيرُهم، فإنْ فَعَلَ مِنْ ذلك ما يَراهُ الرُّوّاضُ صَلاحًا بلا إعْناتٍ (٥) بَيِّنٍ .. لم يَضْمَنْ، وإنْ فَعَلَ
стр. 970
خلافَ ذلك .. فهو مُتَعَدٍّ، فيَضْمَنُ (١).
(١٦٧٦) قال: والرّاعِي إذا فَعَلَ ما للرُّعاةِ فِعْلُه ممّا فيه صَلاحٌ .. لم يَضْمَنْ، وإنْ فَعَلَ خِلافَ ذلك .. ضَمِنَ.
قال المزني: قلت أنا (٢): هذا يَقْضِي (٣) لأحَدِ قَوْلَيْه بطَرْحِ الضَّمانِ كما وَصَفْتُ، وبالله التوفيق (٤).
(١٦٧٧) قال الشافعي: ولو أكْرَى حَمْلَ مَكِيلَةٍ وما زاد فبِحِسابِه .. فهو في المَكِيلَةِ جائزٌ، وفي الزيادةِ فاسدٌ، له أجْرُ مثلِه.
(١٦٧٨) ولو حَمَلَ له مَكِيلَةً فوُجِدَتْ زائدةً .. فله أجْرُ ما حَمَلَ مِنْ الزيادةِ، وإنْ كان الجَمّالُ هو الكَيّالَ فلا كِراءَ له في الزيادةِ، ولصاحبِه الخيارُ في أخْذِ الزيادةِ في مَوْضِعِه، أو يُضَمِّنُه قَمْحَه ببَلَدِه.
стр. 971
(١٦٧٩) ومُعَلِّمُ الكُتّابِ والآدَمِيِّينَ مُخالِفٌ لراعِي البهائمِ وصُنّاعِ الأعْمالِ؛ لأنّ الآدَمِيِّينَ يُؤدَّبُونَ بالكلامِ فيَتَعَلَّمُونَ، وليس هكذا تُؤدَّبُ البهائمُ، فإذا ضَرَبَ أحَدًا مِنْ الآدَمِيِّينَ لاسْتِصْلاحِ المضروبِ أو غيرِ اسْتِصْلاحِه فتَلِفَ .. كانت فيه دِيَتُه على عاقلتِه (١)، والكفّارَةُ في مالِه.
(١٦٨٠) وكذلك إنْ عَزَّرَ الإمامُ رَجُلًا فمات .. فالدِّيَةُ على عاقلتِه، والكفّارةُ في مالِه، والتَّعْزِيرُ ليس بحَدٍّ يَجِبُ بكُلِّ حالٍ (٢)، وقد يَجُوزُ تَرْكُه، ولا يَأثَمُ مَنْ تَرَكَه، قد فُعِلَ غيرُ شيءٍ في عَهْدِ رسولِ الله ﷺ غيرُ حَدٍّ فلم يَضْرِبْ فيه، مِنْ ذلك الغُلُولُ وغيرُه، ولم يُؤتَ بحَدٍّ قَطُّ فعَفاه، وبَعَثَ عُمَرُ إلى امرأةٍ في شيءٍ بلَغَه عنها فأسْقَطَتْ، فقيل له: إنّك مُؤَدِّبٌ، فقال له عليٌّ: «إنْ كان اجْتَهَد فقد أخْطَأ، وإنْ كان لم يَجْتَهِدْ فقد غَشَّ، عليك الدِّيَةُ»، فقال عمرُ: «عَزَمْتُ عليك أن لا تَجْلِسَ حتّى تَضْرِبَها على قَوْمِك»، قال الشافعي: فبهذا قُلْنا: خَطَأُ الإمامِ على عاقلتِه دون بيتِ المالِ.
(١٦٨١) قال الشافعي: ولو اخْتَلَفا في ثَوْبٍ، فقال رَبُّه: أمَرْتُكَ أنْ تَقْطَعَه قَمِيصًا، وقال الخَيّاطُ: بل قَباءً .. قال الشافعيُّ بعد أنْ وَصَفَ قولَ ابنِ أبي ليلى: إنّ القولَ قولُ الخَيّاطِ؛ لاجْتِماعِهما على القطعِ. وقولُ أبي حنيفةَ: أنّ القولَ قولُ رَبِّ الثَّوْبِ؛ كما لو دَفَعَه إلى رجلٍ، فقال: رهنٌ، وقال رَبُّه: وديعةٌ .. قال الشافعي: ولعلَّ مِنْ حُجَّتِه أن يَقولَ: وإن اجْتَمَعا على أنّه أمَرَه بالقطعِ فلم يَعْمَلْ له عَمَلَه؛ كما لو اسْتَأجَرَه على حَمْلٍ
стр. 972
بإجارةٍ، فقال: قد حَمَلْتُه لم يَكُنْ له ذلك إلّا بإقرارِ صاحبِه، وهذا أشْبَه القولَيْن، وكلاهما مَدْخُولٌ.
قال المزني: القولُ ما شَبَّه الشافعيُّ بالحقِّ (١)؛ لأنّه لا خلافَ أعْلَمُه بينهم أنّ مَنْ أحْدَثَ حَدَثًا فيما لا يَمْلِكُه أنّه مأخوذٌ بحَدَثِه، وأنّ الدَّعْوَى لا تَنْفَعُه، فالخَيَّاطُ مُقِرٌّ بأنّ الثَّوْبَ لرَبِّه، وأنّه أحْدَثَ فيه حَدَثًا، وادَّعَى إذْنَه وإجارةً عليه، فإنْ أقامَ بَيِّنَةً على دَعْواه، وإلّا حَلَفَ صاحِبُه وضَمَّنَه ما أحْدَثَ في ثَوْبِه (٢).
(١٦٨٢) قال الشافعي: ولو اكْتَرَى دابّةً فحَبَسَها قَدْرَ المسِيرِ .. فلا شيءَ عليه، وإنْ حَبَسَها أكْثَرَ مِنْ قَدْرِ ذلك .. ضَمِنَ.