(١٦٤)
باب تضمين الأُجَراء
من كتاب الإجارات ومن كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى (١)(١٦٧٣) قال الشافعي: الأُجَراءُ كُلُّهُم سواءٌ، وما تَلِفَ في أيْدِيهِم مِنْ غيرِ جِنايَتِهِم .. ففيه واحدٌ مِنْ قولَيْن: أحدُهما - الضمانُ؛ لأنّه أخَذَ الأجْرَ، والقولُ الآخَرُ (٢) - لا ضَمانَ إلّا بالعُدْوانِ.
قال المزني: قلت أنا (٣): هذا أوْلاهُما به؛ لأنّه قَطَعَ بأن لا ضَمانَ على الحَجّامِ يَأمُرُه الرجلُ أن يَحْجُمَه، أو يَخْتِنَ غُلامَه، أو يُبَيْطِرَ دابّتَه، وقد قال الشافعي: إذا ألْقَوْا عن هؤلاء الضَّمانَ لَزِمَهُم إلْقاؤُه عن الصُّنّاعِ، وقال: ما عَلِمْتُ أنّي سَألْتُ منهم أحَدًا ففَرَّقَ بينهما، ورُوِيَ عن عطاءٍ أنّه قال: «لا ضَمانَ على صانِعٍ، ولا على أجِيرٍ»، قال المزني: قلت أنا (٤): ولا أعْلَمُ أحَدًا مِنْ العلماءِ ضَمَّنَ الرّاعِيَ المنْفَرِدَ بالأجْرِ، ولا فَرْقَ عندي بَيْنَه في القياسِ وبَيْنَ المشْتَرَكِ، ولا ضَمَّنَ الأجِيرَ في الحانوتِ (٥) يَحْفَظُ ما فيه مِنْ
стр. 969
البَزِّ ويَبِيعُه، والصانعُ بالأجْرِ عندي (١) في القياسِ مثلُه (٢).
(١٦٧٤) قال الشافعي: وإذا اسْتَأجَرَ مَنْ يَخْبِزُ له خُبْزًا مَعْلُومًا، في تَنُّورٍ أو فُرْنٍ، فاحْتَرَقَ .. فإنْ كان خَبَزَه في حالٍ لا يُخْبَزُ في مِثْلِها؛ لاسْتِيقَادِ التَّنُّورِ؛ أو شِدَّةِ حُمُوِّهِ (٣)، أو تَرَكَه تَرْكًا لا يَجُوزُ في مِثْلِه .. فهو ضامنٌ، وإنْ كان ما فَعَلَ صَلاحًا لمثلِه .. لم يَضْمَنْ عند مَنْ لم يُضَمِّن الأجيرَ.
(١٦٧٤) وإن اكْتَرَى دابّةً فضَرَبَها أو كَبَحَها باللِّجامِ (٤)، فماتتْ .. فإنْ كان ما فَعَلَ مِنْ ذلك ما تَفْعَلُ العامَّةُ فلا شيءَ عليه، وإنْ فَعَلَ ما لا تَفْعَلُه العامَّةُ ضَمِنَ.
(١٦٧٥) فأما الرُّوَّاضُ .. فإنّ شَأنَهم اسْتِصْلاحُ الدَّوابِّ، وحَمْلُها مِنْ السَّيْرِ والحَملِ عليها بالضَّرْبِ على أكْثَرَ ممّا يَفْعَلُ الرّاكِبُ غيرُهم، فإنْ فَعَلَ مِنْ ذلك ما يَراهُ الرُّوّاضُ صَلاحًا بلا إعْناتٍ (٥) بَيِّنٍ .. لم يَضْمَنْ، وإنْ فَعَلَ
стр. 970
خلافَ ذلك .. فهو مُتَعَدٍّ، فيَضْمَنُ (١).
(١٦٧٦) قال: والرّاعِي إذا فَعَلَ ما للرُّعاةِ فِعْلُه ممّا فيه صَلاحٌ .. لم يَضْمَنْ، وإنْ فَعَلَ خِلافَ ذلك .. ضَمِنَ.
قال المزني: قلت أنا (٢): هذا يَقْضِي (٣) لأحَدِ قَوْلَيْه بطَرْحِ الضَّمانِ كما وَصَفْتُ، وبالله التوفيق (٤).
(١٦٧٧) قال الشافعي: ولو أكْرَى حَمْلَ مَكِيلَةٍ وما زاد فبِحِسابِه .. فهو في المَكِيلَةِ جائزٌ، وفي الزيادةِ فاسدٌ، له أجْرُ مثلِه.
(١٦٧٨) ولو حَمَلَ له مَكِيلَةً فوُجِدَتْ زائدةً .. فله أجْرُ ما حَمَلَ مِنْ الزيادةِ، وإنْ كان الجَمّالُ هو الكَيّالَ فلا كِراءَ له في الزيادةِ، ولصاحبِه الخيارُ في أخْذِ الزيادةِ في مَوْضِعِه، أو يُضَمِّنُه قَمْحَه ببَلَدِه.
стр. 971
(١٦٧٩) ومُعَلِّمُ الكُتّابِ والآدَمِيِّينَ مُخالِفٌ لراعِي البهائمِ وصُنّاعِ الأعْمالِ؛ لأنّ الآدَمِيِّينَ يُؤدَّبُونَ بالكلامِ فيَتَعَلَّمُونَ، وليس هكذا تُؤدَّبُ البهائمُ، فإذا ضَرَبَ أحَدًا مِنْ الآدَمِيِّينَ لاسْتِصْلاحِ المضروبِ أو غيرِ اسْتِصْلاحِه فتَلِفَ .. كانت فيه دِيَتُه على عاقلتِه (١)، والكفّارَةُ في مالِه.
(١٦٨٠) وكذلك إنْ عَزَّرَ الإمامُ رَجُلًا فمات .. فالدِّيَةُ على عاقلتِه، والكفّارةُ في مالِه، والتَّعْزِيرُ ليس بحَدٍّ يَجِبُ بكُلِّ حالٍ (٢)، وقد يَجُوزُ تَرْكُه، ولا يَأثَمُ مَنْ تَرَكَه، قد فُعِلَ غيرُ شيءٍ في عَهْدِ رسولِ الله ﷺ غيرُ حَدٍّ فلم يَضْرِبْ فيه، مِنْ ذلك الغُلُولُ وغيرُه، ولم يُؤتَ بحَدٍّ قَطُّ فعَفاه، وبَعَثَ عُمَرُ إلى امرأةٍ في شيءٍ بلَغَه عنها فأسْقَطَتْ، فقيل له: إنّك مُؤَدِّبٌ، فقال له عليٌّ: «إنْ كان اجْتَهَد فقد أخْطَأ، وإنْ كان لم يَجْتَهِدْ فقد غَشَّ، عليك الدِّيَةُ»، فقال عمرُ: «عَزَمْتُ عليك أن لا تَجْلِسَ حتّى تَضْرِبَها على قَوْمِك»، قال الشافعي: فبهذا قُلْنا: خَطَأُ الإمامِ على عاقلتِه دون بيتِ المالِ.
(١٦٨١) قال الشافعي: ولو اخْتَلَفا في ثَوْبٍ، فقال رَبُّه: أمَرْتُكَ أنْ تَقْطَعَه قَمِيصًا، وقال الخَيّاطُ: بل قَباءً .. قال الشافعيُّ بعد أنْ وَصَفَ قولَ ابنِ أبي ليلى: إنّ القولَ قولُ الخَيّاطِ؛ لاجْتِماعِهما على القطعِ. وقولُ أبي حنيفةَ: أنّ القولَ قولُ رَبِّ الثَّوْبِ؛ كما لو دَفَعَه إلى رجلٍ، فقال: رهنٌ، وقال رَبُّه: وديعةٌ .. قال الشافعي: ولعلَّ مِنْ حُجَّتِه أن يَقولَ: وإن اجْتَمَعا على أنّه أمَرَه بالقطعِ فلم يَعْمَلْ له عَمَلَه؛ كما لو اسْتَأجَرَه على حَمْلٍ
стр. 972
بإجارةٍ، فقال: قد حَمَلْتُه لم يَكُنْ له ذلك إلّا بإقرارِ صاحبِه، وهذا أشْبَه القولَيْن، وكلاهما مَدْخُولٌ.
قال المزني: القولُ ما شَبَّه الشافعيُّ بالحقِّ (١)؛ لأنّه لا خلافَ أعْلَمُه بينهم أنّ مَنْ أحْدَثَ حَدَثًا فيما لا يَمْلِكُه أنّه مأخوذٌ بحَدَثِه، وأنّ الدَّعْوَى لا تَنْفَعُه، فالخَيَّاطُ مُقِرٌّ بأنّ الثَّوْبَ لرَبِّه، وأنّه أحْدَثَ فيه حَدَثًا، وادَّعَى إذْنَه وإجارةً عليه، فإنْ أقامَ بَيِّنَةً على دَعْواه، وإلّا حَلَفَ صاحِبُه وضَمَّنَه ما أحْدَثَ في ثَوْبِه (٢).
(١٦٨٢) قال الشافعي: ولو اكْتَرَى دابّةً فحَبَسَها قَدْرَ المسِيرِ .. فلا شيءَ عليه، وإنْ حَبَسَها أكْثَرَ مِنْ قَدْرِ ذلك .. ضَمِنَ.
стр. 973
[٢٨]
كتاب المزارعة
مختصر من الجامع من كتاب المزارعة وكراء الأرض والشركة في الزرع وما دخل فيه من كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى ومسائل شتى سمعتها لفظًا (١)
стр. 974
(١٦٨٣) قال الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة، قال: سمعت عمرو بن دينار يقول: سمعت ابن عمر يقول: «كُنّا نُخابِرُ، ولا نَرَى بذلك بَأسًا، حتّى أخْبَرَنا رافعُ بن خَدِيجٍ أنّ رسولَ الله ﷺ نَهَى عنها (١)، فتَرَكْناها لقولِ رافعٍ».
(١٦٨٤) قال الشافعي: و «المُخابَرَةُ»: اسْتِكْراءُ الأرْضِ ببَعْضِ ما يَخْرُجُ منها، ودَلَّتْ سُنَّةُ رسولِ الله ﷺ في نَهْيِه عن المُخابَرَةِ على أن لا تَجُوزَ المزارَعَةُ بالثُّلُثِ (٢)، ولا على الرُّبُعِ، ولا جزءٍ مِنْ الأجزاءِ؛ لأنّه مَجْهُولٌ، ولا يَكُونُ الكراءُ إلّا مَعْلُومًا (٣).
(١٦٨٥) ويَجُوزُ كِراءُ الأرضِ بالذهبِ والوَرِقِ والعَرضِ وما نَبَتَ مِنْ الأرضِ، أو على صِفَةٍ نَسِيئَةً (٤)؛ كما يَجُوزُ كِراءُ المنازِلِ، وإجارةُ العبيدِ.
(١٦٨٦) قال: ولا يَجُوزُ الكِراءُ إلّا على سَنَةٍ مَعْرُوفَةٍ.
(١٦٨٧) وإذا تَكَارَى الرجلُ الأرْضَ ذاتَ الماءِ، مِنْ العَيْنِ، أو النَّهْرِ، أو النِّيلِ، أو عَثَرِيًّا، أو غَيْلًا، أو الآبارِ، على أن يَزْرَعَها غَلَّةَ شِتاءٍ وصَيْفٍ (٥)، فزَرَعَها إحْدَى الغَلَّتَيْنِ والماءُ قائمٌ، ثُمّ نَضَبَ الماءُ فذَهَبَ قبل
стр. 975
الغَلَّةِ الثّانِيَةِ، فأراد رَدَّ الأرْضِ لذَهابِ الماءِ .. فذلك له، ويَكُونُ عليه مِنْ الكِراءِ بحِصَّةِ ما زَرَعَ، إنْ كانت الثُّلُثَ أو أقَلَّ أو أكْثَرَ، وسَقَطَتْ عنه حِصَّةُ ما بَقِيَ (١)؛ لأنّه لا صَلاحَ للزَّرْعِ إلّا به (٢).
قال المزني: «الغِيل»: الماء المسْتَجْمِعُ بين الجبالِ، و «العَثَرِيّ»: أظُنُّه ماءَ السّماءِ (٣).
(١٦٨٨) ولو تَكاراها سَنَةً فزَرَعَها، فانْقَضَت السَّنَةُ والزَّرْعُ فيها لم يَبْلُغْ أن يُحْصَدَ .. فإنْ كانت السَّنَةُ يُمْكِنُه أن يَزْرَعَ فيها زَرْعًا يُحْصَدُ قَبْلَها فالكراءُ جائزٌ، وليس لرَبِّ الزَّرْعِ أن يُثْبِتَ زَرْعَه، وعليه أن يَنْقُلَه عن الأرضِ، إلّا أن يَشاءَ رَبُّ الأرضِ تَرْكَه.
(١٦٨٩) وإذا شَرَطَ أن يَزْرَعَها صِنْفًا مِنْ الزَّرْعِ يَسْتَحْصِدُ أو يَسْتَقْصِلُ قبل السنةِ، فأخَّرَه إلى وَقْتٍ مِنْ السنةِ، فانْقَضَت السنةُ قبل بُلُوغِه .. فكذلك أيضًا.
(١٦٩٠) وإذا تَكارَى لمُدَّةٍ أقَلَّ مِنْ سنةٍ، وشَرَطَ أن يَزْرَعَها شَيْئًا بعَيْنِه ويَتْرُكَه حتّى يُحْصَدَ، فكان يَعْلَمُ أنّه لا يُمْكِنُه أن يَسْتَحْصِدَ في مثلِ المُدَّةِ الّتِي
стр. 976
تَكاراها إليه (١) .. فالكراءُ فيه فاسدٌ، مِنْ قِبَلِ أنّي إنْ أثْبَتُّ بينهما شَرْطَهُما ولم أُثْبِتْ على رَبِّ الأرضِ أن يَبْقَى زَرْعُه فيها بعد انْقِضاءِ المُدَّةِ .. أبْطَلْتُ شَرْطَ الزّارِعِ أن يَتْرُكَه حتّى يَسْتَحْصِدَ، وإنْ أَثْبَتُّ له زَرْعَه حتّى يَسْتَحْصِدَ .. أبْطَلْتُ شَرْطَ رَبِّ الأرْضِ، فكان هذا كراءً فاسدًا، ولرَبِّ الأرضِ كِراءُ مِثْلِ أرْضِه إذا زَرَعَ، وعليه تَرْكُه حتّى يَسْتَحْصِدَ.
(١٦٩١) قال الشافعي: وإذا تَكارَى الأرْضَ التي لا ماءَ لها، إنّما تُسْقَى بنَطْفِ سَماءٍ (٢) أو بسَيْلٍ إنْ جاء .. فلا يَصِحُّ كِراؤُها، إلّا على أن يُكْرِيَه إيّاها أرْضًا بَيْضاءَ لا ماءَ لها، يَصْنَعُ بها المسْتَكْرِي ما شاء في سَنَتِه، إلّا أنّه لا يَبْنِي ولا يَغْرِسُ، فإذا وَقَعَ على هذا صَحَّ الكراءُ ولَزِمَه، زَرَعَ أو لم يَزْرَعْ، وإنْ أكْراه إيّاها على أن يَزْرَعَها، ولم يَقُلْ أرْضًا بَيْضاء لا ماءَ لها، وهما يَعْلَمان أنّها لا تُزْرَعُ إلّا بمَطَرٍ أو بسَيْلٍ يَحْدُثُ .. فالكراءُ فاسدٌ.
(١٦٩٢) قال: وإنْ كانت الأرضُ ذاتَ نَهْرٍ مِثلِ النِّيلِ وغيرِه ممّا يَعْلُو الأرضَ على أن يَزْرَعَها زَرْعًا لا يَصْلُحُ إلّا بأنْ تُرْوَى بالنِّيلِ، لا بِئرَ لها ولا مَشْرَبَ غيرُه .. فالكراءُ فاسدٌ.
(١٦٩٣) وإنْ تَكاراها والماءُ قائمٌ عليها، وقد يَنْحَسِرُ لا مَحالَةَ في وقتٍ يُمْكِنُ فيه الزَّرْعُ .. فالكراءُ جائزٌ، وإنْ كان قد يَنْحَسِرُ وقد لا يَنْحَسِرُ .. كَرِهْتُ الكراءَ إلّا بعد انْحِسارِه (٣).
стр. 977
(١٦٩٤) وإنْ غَرَّقَها بعد أن يَصِحَّ كِراؤُها نِيلٌ أو سَيْلٌ أو شيءٌ يُذْهِبُ الأرضَ، أو غُصِبَتْ .. انْتَقَضَ الكراءُ بينهما مِنْ يومِ تَلِفَت الأرضُ.
(١٦٩٥) فإنْ تَلِفَ بَعْضُها وبَقِيَ بعضٌ ولم يَزْرَعْ .. فرَبُّ الزَّرْعِ بالخيارِ، إنْ شاء أخَذَ ما بَقِيَ بحِصَّتِه مِنْ الكراءِ، وإنْ شاء رَدَّها؛ لأنّ الأرضَ لم تَسْلَمْ له كُلُّها، وإنْ كان زَرَعَ .. بَطَلَ عنه ما تَلِفَ، ولَزِمَه حِصَّةُ ما زَرَعَ مِنْ الكراءِ، وكذلك إذا جَمَعَت الصَّفْقَةُ مائةَ صاعٍ بثَمَنٍ معلومٍ، فتَلِفَ خمسون صاعًا .. فالمشتري بالخيارِ في أن يَأخُذَ الخمسين بحِصَّتِها مِنْ الثمنِ أو يَرُدَّ البيعَ؛ لأنّه لم يَسْلَمْ له كُلُّ ما اشْتَرَى، وكذلك إذا (١) اكْتَرَى دارًا فانْهَدَم بعضُها .. كان له أن يَحْبِسَ منها ما بَقِيَ بحِصَّتِه مِنْ الكراءِ، وهذا خِلافُ ما لا يَتَبَعَّضُ مِنْ عَبْدٍ اشْتَراه فلم يَقْبِضْه حتّى حَدَثَ به عَيْبٌ .. فله الخيارُ بين أخْذِه بجميعِ الثمنِ أو رَدِّه؛ لأنّه لم يَسْلَمْ له غيرَ مَعِيبٍ، والمسْكَنُ يَتَبَعَّضُ مِنْ المسْكَنِ، والدارُ والأرضُ كذلك (٢).
(١٦٩٦) وإنْ مَرَّ بالأرضِ ماءٌ، فأفْسَدَ زَرْعَه، أو أصابه حَرِيقٌ أو جَرادٌ أو غيرُ ذلك .. فهذا كُلُّه جائحَةٌ على الزَّرْعِ، لا على الأرضِ؛ كما لو اكْتَرَى منه دارًا للبَزِّ فاحْتَرَقَ البَزُّ.
стр. 978
(١٦٩٧) ولو (١) اكْتَراها ليَزْرَعَها قَمْحًا .. فله أن يَزْرَعَها ما لا يَضُرُّ بالأرضِ إلّا ضِرارَ القَمْحِ (٢)، وإنْ كان يَضُرُّ بها، مثلَ: عُرُوقٍ تَبْقَى فيها .. فليس ذلك له، فإنْ فَعَلَ فهو مُتَعَدٍّ، ورَبُّ الأرضِ بالخيارِ، إنْ شاء أخَذَ الكراءَ وما نَقَصَت الأرضُ عمّا يَنْقُصُها زَرْعُ القَمْحِ، أو يَأخُذُ منه كِراءَ مثلِها.
قال المزني: يُشْبِهُ أن يَكُونَ الأوَّلُ أوْلى به (٣)؛ لأنّه أخَذَ ما اكْتَرَى وزادَ على المُكْرِي ضَرَرًا، كرجلٍ اكْتَرَى مَنْزِلًا يُدْخِلُ فيه ما يَحْمِلُ سَقْفُه، فجَعَلَ فيه أكْثَرَ فأضَرَّ ذلك بالمنزلِ، فقد اسْتَوْفَى سُكْناه وعليه قِيمَةُ ضَرَرِه، وكذلك لو اكْتَرَى مَنْزِلًا سُفْلًا فجَعَلَ فيه القَصّارِينَ والحَدّادِينَ فتَقَلَّعَ البِناءُ، فقد اسْتَوْفَى سُكْناه، وعليه بالتَّعَدِّي ما نَقَصَ المنْزِلُ (٤).
(١٦٩٨) قال الشافعي: فإنْ قال: ازْرَعْها ما شِئتَ .. فلا يُمْنَعُ مِنْ زَرْعِ ما شاء، وإنْ أراد الغِراسَ .. فهو غيرُ الزَّرْعِ، وإنْ قال: ازْرَعْها واغْرِسْها (٥) ما شِئتَ .. فالكراءُ جائزٌ.
стр. 979
قال المزني: أشْبَهُ بقولِه أن لا يَجُوزَ؛ لأنّه لا يَدْرِي يَغْرِسُ أكْثَرَ الأرضِ فيَكُونُ الضَّرَرُ على صاحبِها، أو لا يَغْرِسُ فتَسْلَمُ أرْضُه مِنْ النُّقْصانِ بالغَرْسِ، فهذا في معنى المجهولِ وما لا يَجُوزُ في معنى قولِه، وبالله التوفيق (١).
(١٦٩٩) قال الشافعي: وإن انْقَضَتْ سِنُوهُ .. لم يَكُنْ لرَبِّ الأرضِ أن يَقْلَعَ غِرَاسَه حتّى يُعْطِيَه قيمتَه وقيمةَ ثَمَرَتِه إنْ كانتْ فيه يومَ يَقْلَعُه، ولرَبِّ الغِراسِ إنْ شاء أن يَقْلَعَه على أنّ عليه ما نَقَصَ الأرضَ الغراسُ؛ كالبناءِ إذا كان بإذنِ مالكِ الأرضِ مُطْلَقًا.
قال المزني: القياسُ عندي وبالله التوفيق: أنّه إذا حَدَّ له أجَلًا يَغْرِسُ فيه فانْقَضَى الأجَلُ، أو أذِنَ له ببناءٍ في عَرْصَةٍ له سِنينَ فانْقَضَى الأجَلُ .. أنّ الأرْضَ والعَرْصَةَ مَرْدُودَتان؛ لأنّه لم يَغُرَّه، فعليه رَدُّ ما ليس له فيه حَقٌّ على أهلِه، ولا يُجْبَرُ صاحبُ الأرضِ على شراءِ غراسٍ ولا بناءٍ إلّا أن يَشاءَ (٢)، والله ﵎ يَقُولُ: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ [النساء: ٢٩]، وهذا قد مَنَعَ مالَه إلّا أن يَشْتَرِي ما لا يَرْضَى شِراءَه، فأيْنَ «عن تَراضٍ»؟ (٣).
стр. 980
(١٧٠٠) قال الشافعي: وما اكْتَرَى فاسِدًا فقَبَضَها ولم يَزْرَعْ ولم يَسْكُن حتّى انْقَضَت السنةُ .. فعليه كِراءُ المثلِ (١).
(١٧٠١) وإذا اكْتَرَى دارًا سنةً، فغَصَبَها رجلٌ .. لم يَكُنْ عليه كِراءٌ؛ لأنّه لم يَسْلَمْ له ما اكْتَرَى.
(١٧٠٢) وإذا اكْتَرَى أرْضًا مِنْ أرضِ العُشْرِ أو الخَراجِ .. فعليه فيما أخْرَجَت الصدقةُ، خاطب اللهُ ﵎ المؤمنين، فقال: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام: ١٤١]، وهذا مالُ مُسْلِمٍ، وحَصادُ مُسْلمٍ، فالزكاةُ فيه واجبةٌ.
(١٧٠٣) ولو اخْتَلَفا في اكْتِراءِ الدابةِ إلى موضعٍ، أو في كِرائِها، أو في إجارةِ الأرضِ .. تَحَالَفا، فإنْ كان قبل الرُّكُوبِ والزَّرْعِ .. تَحالَفا وتَرادَّا، وإنْ كان بعد ذلك .. كان عليه كِراءُ المثلِ.
(١٧٠٤) ولو قال رَبُّ الأرضِ: بكراءٍ، وقال المزارعُ: عاريّةٌ .. فالقولُ قولُ رَبِّ الأرضِ مع يمينِه، ويَقْلَعُ الزارعُ زَرْعَه، وعلى الزارعِ كِراءُ مِثْلِه إلى يومِ قَلْعِ زَرْعِه، وسواءٌ كان في إبّانِ الزَّرْعِ أو غيرِه.
قال المزني: هذا خلافُ قوله في «كتاب العاريّة» في راكبِ الدابةِ يَقُولُ: أعَرْتَنِيها، ويَقُولُ: بل أكْرَيْتُكَها .. أنّ القولَ قولُ الرّاكِبِ مع يمينِه، وخلافُ قولِه في الغَسّالِ يَقُولُ صاحبُ الثَّوْبِ: بغيرِ أجْرَةٍ، ويَقُولُ الغَسّالُ:
стр. 981
بأجرةٍ .. أنّ القولَ قولُ صاحبِ الثوبِ، وأوْلى بقولِه الذي قَطَعَ به في «كتاب المزارعة»، وقد بَيَّنْتُه في «كتاب العارية» [ف: ١٥٢٧].
стр. 982
[٢٩]
كتاب إحياء المَوات (١)
من كتاب وضعه بخطه لا أَعلَمُه سُمِعَ منه (٢)
стр. 983
(١٧٠٥) قال الشافعي: بِلادُ المسلمين شيئان: عامرٌ، ومَواتٌ (١).
فالعامرُ لأهلِه، وكلُّ ما صَلَحَ به العامرُ مِنْ طريقٍ، وفِناءٍ، ومَسِيلِ ماءٍ، وغيرِه .. فهو كالعامرِ في أن لا يُمْلَكَ على أهلِه إلّا بإذنِهم.
والموات شيئان: مَواتٌ قد كان عامرًا لأهلِه معروفًا في الإسلامِ، ثُمّ ذَهَبَتْ عِمارَتُه فصار مَواتًا، فذلك كالعامرِ لأهلِه، لا يُمْلَكُ إلّا بإذنِهم، والمواتُ الثاني: ما لم يَمْلِكْه أحَدٌ في الإسلام يُعْرَفُ، ولا عِمارَةَ مِلكٍ في الجاهليَّةِ، إذا لم يَمْلِكْ (٢)، فذلك المواتُ الذي قال رسولُ الله ﷺ : «مَنْ أحْيا مَواتًا فهو له»، وعَطِيَّتُه ﵇ عامَّةً لمَن أحْيا المواتَ أثْبَتُ مِنْ عَطِيَّةِ مَنْ بعده مِنْ سلطانٍ وغيرِه.
(١٧٠٦) وسواءٌ كان إلى جَنْبِ قريةٍ عامرةٍ أو نَهْرٍ أو حيثُ كان، وقد
стр. 984
أقْطَعَ النبيُّ ﷺ الدُّورَ (١)، فقال حَيٌّ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ يُقال لهم: بنو عبد بن زُهْرَةَ (٢): نَكِّبْ عنّا ابنَ أمِّ عَبْدٍ، فقال لهم النبيُّ ﷺ : «فلِمَ ابْتَعَثَنِي اللهُ إذنْ، إنّ الله لا يُقَدِّسُ أمَّةً لا يُؤخَذُ (٣) للضَّعِيفِ فيهم حَقُّه»، وفي ذلك دَلالةٌ على أنّ النبيَّ ﷺ أقْطَعَ بالمدينة بين ظَهْرانَيْ عِمارَةِ الأنصارِ مِنْ المنازلِ والنخلِ، وأنّ ذلك لأهلِ العامرِ (٤)، ودَلالةٌ على أنّ ما قارب العامرَ يَكُونُ منه مَواتٌ.
(١٧٠٧) والمواتُ الذي للسلطانِ أن يُقْطِعَه مَنْ يَعْمُرُه خاصَّةً، وأن يَحْمِيَ منه ما رَأى أن يَحْمِيَه عامًّا لمنافعِ المسلمين (٥).
(١٧٠٨) والذي عَرَفْنا نَصًّا ودَلالَةً فيما حَمَى رسولُ الله ﷺ : أنّه حَمَى النَّقِيعَ (٦)، وهو بَلَدٌ ليس بالواسعِ الذي إذا حُمِيَ ضاقَت البلادُ على أهلِ المواشي حَوْلَه (٧) وأضَرَّ بهم، فكانوا يَجِدُون فيما سِواه مِنْ البلادِ سَعَةً لأنْفُسِهم ومَواشِيهِم، وأنّه قليلٌ مِنْ كثيرٍ مُجاوِزٍ للقَدْرِ (٨)، وفيه صَلاحٌ لعامَّةِ
стр. 985
المسلمين، بأن تَكونَ الخيلُ المعَدَّةُ لسبيلِ الله، وما فَضَلَ مِنْ سُهْمانِ أهلِ الصَّدَقاتِ، وما فَضَلَ مِنْ النَّعَمِ التي تُؤخَذُ مِنْ الجزيةِ تَرْعَى جميعُها فيه، فأمّا الخيلُ .. فقُوَّةٌ لجميعِ المسلمين ومَسْلَكُ سَبِيلِها أنّها لأهلِ الفَيْءِ المجاهدين، وأمّا النَّعَمُ التي تَفْضُلُ عن سُهْمان أهْلِ الصَّدَقاتِ .. فيُعادُ بها على أهلِها، وأمّا نَعَمُ الجزيةِ .. فقُوَّةٌ لأهلِ الفَيْءِ مِنْ المسلمين، فلا يَبْقَى مُسْلِمٌ إلّا دَخَلَ عليه مِنْ هذا خَصْلَةُ صَلاحٍ في دِينِه ونَفْسِه، أو مَنْ يَلْزَمُه أمْرُه مِنْ قريبٍ أو عامَّةٍ مِنْ مُسْتَحِقِّي المسلمين، فكان ما حَمَى عن خاصَّتِهم أعْظَمَ مَنْفَعَةً لعامَّتِهم مِنْ أهلِ دِينِهم، وقُوَّةً على مَنْ خالفَ دِينَ الله مِنْ عَدُوِّهِم.
(١٧٠٩) وقد حَمَى عمرُ بن الخطاب على هذا المعنى بعد رسولِ الله ﷺ ، ووَلَّى عليه مَوْلًى له يُقالُ له: هُنَيٌّ، فقال: «يا هُنَيُّ، ضُمَّ جَناحَك للنّاسِ، واتَّقِ دَعْوَةَ المظلومِ؛ فإنّ دَعْوَةَ المظلومِ مُجابَةٌ، وأدْخِلْ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ والغُنَيْمَةِ (١)، وإيّايَ ونَعَمَ ابنِ عفَّانَ ونَعَمَ ابنِ عَوْفٍ؛ فإنّهما إنْ تَهْلِكْ ماشِيَتُهما يَرْجِعَا إلى نَخْلٍ وزَرْعٍ، وإنّ رَبَّ الغُنَيْمَةِ يَأتِينِي بعِيالِه فيَقُولُ: يا أميرَ المؤمنين، يا أميرَ المؤمنين! أفَتارِكُهُم أنا لا أبا لَكَ؟ فالكلأ أهْوَنُ عليَّ مِنْ الدينارِ والدراهمِ».
قال المزني: هذا والله الكلامُ النَّقِيُّ، الذي مَنْ سَمِعَه يَظُنُّ أنّه يَقْدِرُ عليه، وإذا أرادَه أعْوَزَه (٢).
стр. 986
(١٧١٠) قال الشافعي: وليس للإمامِ أن يَحْمِيَ مِنْ الأرضِ إلّا أقَلَّها الذي لا يَبِينُ ضَرَرُه على مَنْ حَماه عليه.
(١٧١١) وقال النبي ﷺ : «لا حِمَى إلّا للهِ ورسولِه»، قال: وكان الرجلُ العزيزُ مِنْ العربِ إذا انْتَجَعَ بَلَدًا مُخْصِبًا، أوْفَى بكَلْبٍ على جَبَلٍ إنْ كان به أو نَشَزٍ إن لم يَكُنْ، ثُمّ اسْتَعْوَى كَلْبًا ووَقَفَ له مَنْ يَسْمَعُ مُنْتَهَى صَوْتِه بالعُواءِ، فحَيْثُ انْتَهَى صَوْتُه حَماهُ مِنْ كُلِّ ناحِيَةٍ لنَفْسِه، ويَرْعَى مع العامَّةِ فيما سِواه، ويَمْنَعُ هذا مِنْ غَيْرِه لضَعْفَى سائمَتِه وما أراد معها، فنَرَى أنَّ قَوْلَ رسولِ الله ﷺ : «لا حِمَى إلّا لله ورسولِه»: لا حِمَى على هذا المعنى الخاصِّ، وأنَّ قولَه: «لله» كُلُّ مَحْمِيٍّ وغيرِه (١)، ورسُولُه إنّما يَحْمِي إنْ شاء اللهُ (٢) لصَلاحِ عامَّةِ المسلمين، لا لِما يَحْمِي له غَيْرُه مِنْ خاصَّةِ
стр. 987
نَفْسِه، وذلك أنَّه ﷺ لم يَمْلِكْ مالًا إلّا ما لا غِنَى به وبعِيالِه عنه ومَصْلَحَتِهم، حتَّى صَيَّرَ ما مَلَّكَه اللهُ مِنْ خُمُسِ الخُمُسِ ومالَه إذا حَبَسَ قُوتَ سَنَتِه مَرْدُودًا في مَصْلَحَتِهم في الكُراعِ (١) والسِّلاحِ عُدَّةً في سبيلِ اللهِ (٢)، وإنَّ نَفْسَه ومالَه كان مُفَرَّغًا لطاعةِ الله ﵎، [فصَلّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، وجَزاه خَيْرَ ما جَزَى نَبِيًّا عن أمَّتِه (٣).
قال المزني: ما رَأيْتُ مِنْ العلماءِ مَنْ يُوجِبُ للنبيِّ ﷺ في كُتُبِه ما يُوجِبُه الشافعيُّ لحُسْنِ ذِكْرِه رسولَ الله ﷺ ، فرَحْمَةُ الله عليه ورضوانُه] (٤).
(١٧١٢) قال: وليس لأحَدٍ أن يُعْطِيَ ولا يأخذَ مِنْ الذي حَماه رسولُ الله ﷺ ، فإنْ أُعْطِيَه فعَمَرَه نُقِضَتْ عِمارَتُه (٥).
стр. 988
(١٦٥)
باب ما يكون إحياء
(١٧١٣) قال الشافعي: والإحياءُ ما عَرَفَه الناسُ إحياءً لمثلِ المُحْيَا، إنْ كان مَسْكَنًا فبأنْ يَبْنِيَ بما يَكُونُ مِثْلُه بِناءً، وإنْ كان لِدَوابَّ فبأنْ يَحْظُرَه ببناءٍ (١)، وأقَلُّ عِمارَةِ الزَّرْعِ التي تُمْلَكُ بها الأرضُ أن يَجْمَعَ تُرابًا يُحِيطُ بما تَبِينُ به الأرضُ مِنْ غيرِها، ويَجْمَعَ حَرْثَها وزَرْعَها، وإنْ كان له ماءُ عينٍ أو بئرٍ حَفَرَها أو ساقَه مِنْ نَهْرٍ إليها فقد أحْياها، وله مَرافِقُها التي لا يَكُونُ صَلاحُها إلّا بها.
(١٧١٤) ومَن أقْطِعَ أرْضًا أو تَحَجَّرَها فلم يَعْمُرْها (٢) .. رَأيْتُ للسُّلْطانِ أن يَقُولَ له: إنْ أحْيَيْتَها، وإلّا خَلَّيْنا بينها وبين مَنْ يُحْيِيها، وإنْ تَأجَّلَه رَأيْتُ أن يَفْعَلَ.
стр. 989
(١٦٦)
باب ما يجوز أن يُقطَعَ وما لا يجوز
(١٧١٥) قال الشافعي: ما لا يَمْلِكُه أحَدٌ مِنْ النّاسِ يُعْرَفُ صِنْفانِ: أحَدُهما - ما مَضَى، ولا (١) يَمْلِكُه إلّا بما يَسْتَحْدِثُه فيه، والثاني - ما لا تُطْلَبُ المنْفَعَةُ فيه إلّا بشيءٍ يَجْعَلُ فيه غيرَه (٢)، وذلك المعادِنُ الظاهِرَةُ والباطنةُ مِنْ الذهبِ والتِّبْرِ والكُحْلِ والكِبْريتِ والملحِ وغيرِه (٣).
(١٧١٦) وأصْلُ المعادِنِ صِنْفان: ما كان ظاهرًا، كالملحِ في الجبالِ يَنْتابُه الناسُ، فهذا لا يَصْلُحُ لأحدٍ أن يُقْطِعَه بحالٍ، والناسُ فيه شَرَعٌ، وهكذا النهرُ والماءُ الظاهرُ والنباتُ فيما لا يَمْلِكُه أحَدٌ، وقد سَألَ الأبْيَضُ بنُ حمّالٍ النبيَّ ﷺ أن يُقْطِعَه مِلْحَ مَأرِبَ، فأقْطَعَه إيّاه أو أراده، فقيل له: إنه كالماء العِدِّ، فقال: «فلا إذن» (٤)، قال: ومثلُ هذا كُلُّ عَينٍ ظاهرةٍ (٥)
стр. 990
لنِفْطٍ أو قِيرٍ أو كِبريتٍ أو مُومِيَا أو حِجارةٍ ظاهرةٍ في غيرِ مِلْكِ أحَدٍ، فهو كالماءِ والكلإِ، والناسُ فيه سواءٌ.
(١٧١٧) ولو كانتْ بُقْعَةٌ مِنْ الساحلِ يُرَى أنّه إنْ حُفِرَ تُرابٌ مِنْ أعْلاها، ثُمّ دَخَلَ عليها ماءٌ ظَهَرَ لها ملحٌ .. كان للسلطانِ أن يُقْطِعَها، وللرجلِ أن يَعْمُرَها بهذه الصفةِ فيَمْلِكَها.
стр. 991
(١٦٧)
باب تفريع القطائع وغيرها (١)(١٧١٨) قال الشافعي: القَطائعُ فِرْقان: أحدُهما - ما مَضَى، والثاني - إقطاعُ إرْفاقٍ لا تَمْليكٍ، مثلُ: المقاعِدِ بالأسواقِ التي هي طريقُ المسلمين (٢)، فمَن قَعَدَ في موضعٍ منها لبَيْعٍ .. كان له بقَدْرِ ما يَصْلُحُ له ما كان مُقِيمًا فيه، فإذا فارَقَه .. لم يَكُنْ له مَنْعُه مِنْ غيرِه؛ كأبْنِيَةِ العربِ وفساطيطِهم، فإذا انْتَجَعُوا لم يَمْلِكُوا بها حيثُ نَزَلُوا.
стр. 992
(١٦٨)
باب إقطاع المعادن وغيرها
(١٧١٩) قال الشافعي: وفي إقطاعِ المعادن قولان: أحدُهما - أنّه يُخالِفُ إقطاعَ الأرضِ (١)؛ لأنّ مَنْ أقْطَعَ أرْضًا فيها معادِنُ أو عَمِلَها وليستْ لأحَدٍ، سواءٌ ذهبًا كانتْ أو فِضَّةً أو نُحاسًا أو ما لا يَخْلُصُ إلّا بمُؤنَةٍ؛ لأنّه باطنٌ مُسْتَكِنٌّ، وبين ظَهْرانَيْ تُرابٍ أو حِجارةٍ، فكانتْ هذه كالمواتِ في أنّ له أنْ يُقْطِعَه إيّاها، ومُخالِفَةٌ للمواتِ في أحَدِ القَوْلَيْنِ، وإنّ المواتَ إذا أحْيِيَتْ مَرَّةً ثَبَتَ إحْياؤُها، وهذه في كُلِّ يَوْمٍ يُبْتَدأ إحْياؤُها لبُطونِ ما فيها (٢)، ولا يَنْبَغِي أن يُقْطِعَه مِنْ المعادنِ إلّا قَدْرَ ما يَحْتَمِلُ، على أنّه إنْ عَطَّلَه لم يَكُنْ له مَنْعُ مَنْ أخَذَه (٣)، ومِن حُجَّتِه في ذلك أنّ له بَيْعَ الأرضِ وليس له بيعُ المعادنِ، وأنّها كالبئرِ تُحْفَرُ بالباديةِ فتَكُونُ لحافِرِها، ولا يَكُونُ له مَنْعُ الماشيةِ فَضْلَ مائِها، وكالمنزلِ بالباديةِ هو أحَقُّ به، فإذا تَرَكَه لم يَمْنَعْ منه مَنْ نَزَلَه.
(١٧٢٠) ولو أقْطَعَ أرْضًا فأحْياها، ثُمّ ظَهَرَ فيها مَعْدِنٌ .. مَلَكَه مِلْكَ الأرْضِ في القولين معًا.
стр. 993
(١٧٢١) وكُلُّ مَعْدِنٍ عَمِلَ فيه جاهليٌّ، ثم أراد رجلٌ اسْتِقْطاعه .. ففيه أقاويلُ: أحدُها - أنّه كالبِئرِ الجاهليِّ والماءِ العِدِّ (١)، فلا يُمْنَعُ أحَدٌ العَمَلَ فيه إذا اسْتَبَقُوا إليه، فإنْ وَسِعَهُم عَمِلُوا معًا، وإنْ ضاق أقْرِعَ بينهم أيُّهُم يَبْدَأ، ثُمّ يَتْبَعُ الآخَرُ فالآخَرُ حتّى يَتَساوَوْا فيه (٢)، والثاني - للسلطانِ أن يُقْطِعَه على المعنى الأوَّلِ، يَعْمَلُ فيه، ولا يَمْنَعُه (٣) إذا تَرَكَه، والثالث - يُقْطِعُه فيَمْلِكُه مِلْكَ الأرضِ إذا أحْدَثَ فيها عِمارةً (٤).
(١٧٢٢) وكُلُّ ما وَصَفْتُ مِنْ إحياءِ المواتِ وإقطاعِ المعادنِ وغيرِها فإنّما عَنَيْتُه في عَفْوِ بلادِ العَرَبِ (٥)، الذي عامِرُه عُشْرٌ، وعَفْوُه مملوكٌ (٦).
(١٧٢٣) وكُلُّ ما ظُهِرَ عليه عَنْوَةً مِنْ بلادِ العَجَمِ فعامِرُه كُلُّه لمَنْ ظَهَرَ عليه مِنْ المسلمين على خمسةِ أسْهُمٍ، وما كان في قَسْمِ أحَدِهم مِنْ مَعْدِنٍ ظاهرٍ فهو له؛ كما يَقَعُ في قِسْمَةِ العامرِ بقيمتِه فيَكُونُ له، وكُلُّ ما كان في
стр. 994
بلادِ العَنْوَةِ ممّا عُمِرَ مرَّةً ثُمّ تُرِكَ فهو كالعامرِ القائمِ العِمارَةِ، مثل ما ظَهَرَتْ عليه الأنهارُ أو عُمِرَ بغير ذلك على نَطْفِ السماءِ أو بالرِّشاءِ (١)، وكُلُّ ما كان لم يُعْمَرْ قَطُّ مِنْ بلادِهم فهو كالمواتِ مِنْ بلادِ العربِ.
(١٧٢٤) وما كان مِنْ بلادِ العَجَمِ صُلْحًا .. فما كان لهم فلا يُؤخَذُ منهم، غيرَ ما صُولِحُوا عليه، إلّا بإذْنِهم، وإنْ صُولِحُوا على أنّ للمسلمين الأرضَ، ويَكُونُوا أحرارًا، ثُمّ عاملهم المسلمون بعدُ .. فالأرضُ كُلُّها صُلْحٌ، وخُمُسُها لأهلِ الخُمُسِ، وأربعةُ أخْماسِها لجماعةِ أهْلِ الفَيْءِ، وما كان فيها مِنْ مَواتٍ .. فهو كالمواتِ غيرِه، وإنْ وَقَعَ الصلحُ على عامرِها ومَواتِها .. كان المواتُ مملوكًا لمن مَلَكَ العامرَ؛ كما يَجُوزُ بَيْعُ المواتِ مِنْ بلادِ المسلمين إذا حازَه رجلٌ.
(١٧٢٥) ومَن عَمِلَ في مَعْدِنٍ في أرضٍ مِلْكُها لغيرِه .. فما خَرَجَ منه فلمالكِها، وهو مُتَعَدٍّ بالعملِ، وإنْ عَمِلَه بإذْنِه أو على أنّه ما خَرَجَ مِنْ عَمَلِه فهو له .. فسواءٌ، وأكثرُ هذا أن يَكُونَ هِبَةً لا يَعْرِفُها الواهبُ ولا الموهوبةُ له، ولم يَكُنْ، ولم يُقْبَضْ، وللآذِنِ الخيارُ في أن يُتِمَّ ذلك أو يَرُدَّ، وليس كالدابَّةِ يَأذَنُ في رُكُوبِها؛ لأنّه عَرَفَ ما أعْطاه وقَبَضَه.
(١٧٢٦) قال: وقال رسول الله ﷺ : «مَنْ مَنَعَ فَضْلَ الماءِ ليَمْنَعَ به الكلأَ .. مَنَعَه اللهُ فَضْلَ رحمتِه يومَ القيامة»، قال الشافعي: وليس له مَنْعُ الماشيةِ مِنْ فَضْلِ مائِه، وله أن يَمْنَعَ ما يُسْقَى به الزَّرْعُ أو الشَّجَرُ إلّا بإذْنِه.
стр. 995
[٣٠]
كتاب العطايا والصدقات والحُبُس
وما دخل في ذلك من كتاب السائبة (١)
стр. 996
(١٧٢٧) قال الشافعي: يَجْمَعُ ما يُعْطِي الناسُ مِنْ أمْوالِهِم ثلاثةُ وُجُوهٍ، ثُمّ يَتَشَعَّبُ كُلُّ وَجْهٍ منها، ففي الحياةِ منها وجهان، وبعد الوفاةِ وَجْهٌ.
(١٧٢٨) فممّا في الحياةِ: الصدقاتُ، واحْتَجّ فيها بأنّ عُمَرَ بن الخطّابِ مَلَكَ مائةَ سَهْمٍ مِنْ خَيْبَرَ، فقال: يا رسولَ الله، لم أصِبْ مالًا مِثْلَه قَطّ، وقدْ أرَدْتُ أنْ أتَقَرَّبَ به إلى الله، فقال النبيّ ﷺ : «حَبِّس الأصْلَ، وسَبِّل الثمرةَ»، قال الشافعي: فلما أجاز رسولُ الله ﷺ أن يُحَبِّسَ أصْلَ المالِ ويُسَبِّلَ الثمرةَ، دَلَّ على إخْراجِه الأصْلَ مِنْ مِلْكِه إلى أن يَكُونَ محْبُوسًا، لا يَمْلِكُ مَنْ سُبِّلَ عليه ثَمَرُه بَيْعَ أصْلِه، فصار هذا المالُ مُبايِنًا لِما سِواهُ، ومُجامِعًا لأن يَخْرُجَ العَبْدُ مِنْ مِلْكِه بالعِتْقِ لله إلى غيرِ مالكٍ، فمَلَّكَه بذلك مَنْفَعَةَ نَفْسِه لا رَقَبَتَه؛ كما يَمْلِكُ المُحَبَّسُ عليه مَنْفَعَةَ المالِ لا رَقَبَتَه، ومُحَرَّمٌ على المحَبَّسِ أن يَمْلِكَ المالَ كما مُحَرَّمٌ على المعْتِقِ أن يَمْلِكَ العبدَ (١).
(١٧٢٩) قال الشافعي: ويَتِمُّ الحَبْسُ وإن لم يُقْبَضْ؛ لأنّ عمرَ هو المتَصَدِّقُ بأمرِ رسولِ الله ﷺ لم يَزَلْ يَلِي صَدَقَتَه - فيما بَلَغَنا - حتّى قَبَضَه اللهُ، ولم يَزَلْ عَلِيٌّ يَلِي صَدَقَتَه حتّى لَقِيَ اللهَ، ولم تَزَلْ فاطمةُ تَلِي صَدَقَتَها حتّى لَقِيَت اللهَ جل ذِكرُه.
ورَوَى الشافعيُّ حديثًا ذَكَرَه: أنّ فاطمةَ بنتَ رسولِ الله ﷺ تَصَدَّقَت بمالها على بَنِي هاشمٍ وبني المطَّلِبِ، وأنّ عليًّا تَصَدَّقَ عليهم وأدْخَلَ معهم
стр. 997
غيرَهم، قال الشافعي: وبَنُو هاشمٍ وبَنُو المطَّلِبِ مُحَرَّمٌ عليهم الصدقاتُ المفروضاتُ، ولقد حَفِظْنَا الصَّدقاتِ عن عَدَدٍ كَثِيرٍ مِنْ المهاجرين والأنصار، ولقد حَكَى لي عَدَدٌ مِنْ أوْلادِهم وأهالِيهم أنّهم كانوا يَتَوَلَّوْنَها حتّى ماتُوا، تَنْقُلُ ذلك العامَّةُ منهم عن العامَّةِ، لا يَخْتَلِفُون فيه.
قال الشافعي: وإنّ أكثرَ ما عندنا بالمدينة ومكَّةَ مِنْ الصدقاتِ لَعَلَى ما وَصَفْتُ، لم يَزَلْ مَنْ تَصَدَّقَ بها مِنْ المسلمين مِنْ السلفِ يَتَوَلَّوْنَها حتّى ماتُوا، وإنَّ نَقْلَ الحديثِ فيها كالتَّكَلُّفِ (١).
(١٧٣٠) قال: واحْتَجَّ مُحْتَجٌّ بحديثِ شُرَيْحٍ أنّ محَمَّدًا جاء بإطلاقِ الحُبُسِ، فقال الشافعي (٢): الحُبُسُ الذي جاء بإطْلاقِه - لو كان حديثُك ثابتًا - كان على ما كانت العربُ تَحْبِسُ مِنْ البَحِيرَةِ والوَصِيلَةِ والحامِ؛ لأنّها كانت أحْباسَهُم (٣)، لا نَعْلَمُ جاهِلِيًّا حَبَسَ دارًا على وَلَدٍ ولا في سبيلِ الله ولا على مساكينَ، وأجازَ رسولُ الله ﷺ لعُمَرَ الحَبْسَ على ما رَوَيْنا، والذي جاء بإطْلاقِه غيرُ الحَبْسِ الذي أجازه ﷺ .
(١٧٣١) قال الشافعي: واحْتَجَّ مُحْتَجٌّ بقولِ شُرَيحٍ: «لا حَبْسَ عن
стр. 998
فرائضِ الله»، قال: ولو جَعَلَ عَرْصَةً له مَسْجِدًا أيَكُونُ حَبْسًا عن فرائضِ الله؟ فكذلك ما أخْرَجَ مِنْ مالِه فليس بحَبْسٍ عن فرائضِ الله.
(١٧٣٢) قال الشافعي: ويَجُوزُ الحَبْسُ في الرقيقِ والماشيةِ إذا عُرِفَتْ بعَيْنِها؛ قياسًا على النَّخْلِ والدُّورِ والأرَضِينَ.
(١٧٣٣) فإذا قال: تَصَدَّقْتُ بداري على قومٍ أو على رجلٍ معروفٍ حَيٍّ يومَ تَصَدَّقَ، وقال: صدقةً مُحَرَّمَةً، أو قال: مَوْقُوفَةً، أو قال: صدقةً مُسَبَّلَةً .. فقد خَرَجَتْ مِنْ مِلْكِه، ولا تَعُودُ مِيراثًا أبدًا (١).
(١٧٣٤) ولا يَجُوزُ أن يُخْرِجَها مِنْ مِلْكِه إلّا إلى مالكِ مَنْفَعَةٍ يومَ يُخْرِجُها إليه، فإن لم يُسَبِّلْها على مَنْ بعدهم .. كانتْ مُحَرَّمَةً أبدًا، فإذا انْقَرَضَ المتَصَدَّقُ بها عليه .. كانتْ بحالها أبدًا، ورَدَدْناها على أقْرَبِ الناسِ بالذي تَصَدَّقَ بها يومَ تَرْجِعُ (٢).
(١٧٣٥) وهي على ما شَرَطَ مِنْ الأثَرَةِ والتَّقْدِمَةِ والتَّسْوِيَةِ، مِنْ أهلِ الغِنَى والحاجةِ، ومِن إخراجِ مَنْ أَخْرَجَ منها بصِفَةٍ، ورَدِّه إليها بصِفَةٍ.
(١٧٣٦) ومنها في الحياة: الهِباتُ والصَّدَقاتُ غيرُ المحَرَّماتِ، وله إبطالُ ذلك ما لم يَقْبِضْها المتَصَدَّقُ عليه أو الموهوبةُ له (٣)، فإنْ قَبَضَها
стр. 999
أو مَنْ يَقُومُ مَقامَه بأمْرِه فهيَ له، ويَقْبِضُ للطفلِ أبُوه، نَحَلَ أبو بكرٍ عائشةَ جِدادَ عشرين وَسْقًا، فلمّا مَرِضَ قال: «وَدِدْتُ أنّكِ قَبَضْتِيه، وهو اليومَ مالُ الوارثِ» (١).
(١٧٣٧) ومنها بعد الوَفاةِ: الوَصايا، وله إبطالها ما لم يَمُتْ.
стр. 1000
(١٦٩)
باب العُمْرَى
من «كتاب اختلاف مالك والشافعي» وغير ذلك (١)(١٧٣٨) قال الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن حُجْرٍ المَدَرِيّ، عن زيد بن ثابتٍ، عن رسول الله ﷺ ؛ أنّه جَعَلَ العُمْرَى للوارثِ، قال: ومِن حديثِ جابرٍ أنّه قال ﷺ : «لا تُعْمِرُوا، ولا تُرْقِبُوا، فمَن أعْمَرَ شيئًا أو أرْقَبَه فهو سبيلُ الميراثِ (٢)»، قال: وهو قولُ زيدِ بنِ ثابتٍ، وجابر بن عبدالله، وابن عمر، وسليمان بن يسار، وعروة بن الزبير، وبهذا أقول.
قال المزني: قلت أنا (٣): معنى قولِ الشافعيِّ عندي في العُمْرَى: هو (٤) أن يَقُولَ الرجلُ: قد جَعَلْتُ داري هذه لك عُمُرَكَ أو حَياتَك، أو جَعَلْتُها لك عُمْرَى أو رُقْبَى، ويَدْفَعَها إليه (٥)، فهي مِلْكٌ للمُعَمَّرِ، تُورَثُ عنه إنْ ماتَ (٦).
стр. 1001
(١٧٠)
باب عَطيّة الرجل ولده
(١٧٣٩) قال الشافعي: أخبرنا مالك، عن الزهري، عن حميد بن عبدالرحمن وعن محمد بن النعمان بن بشير، يحدثانه عن النعمان بن بشير، أنّ أباه أتَى به إلى رسول الله ﷺ فقال: إني نَحَلْتُ ابْنِي هذا غلامًا كان لي. فقال النبي ﷺ : «أكُلَّ وَلَدِك نَحَلْتَ مثل هذا؟»، قال: لا، قال: «فارْجِعْه»، قال الشافعي: وقد سَمِعْتُ في هذا الحديث أنّ رسولَ الله ﷺ قال: «أليس يَسُرُّكَ أن يَكُونُوا في البِرِّ إليك سواءً؟»، قال: بَلَى، قال: «فارْجِعْه».
(١٧٤٠) قال الشافعي: فبِهِ نَأخُذُ، وفيه دَلالَةٌ على أمُورٍ:
منها: حُسْنُ الأدَبِ في أن لا يُفَضِّلَ فيَعْرِضَ في قلبِ المفْضُولِ شيءٌ يَمْنَعُه مِنْ بِرِّه؛ فإنّ القرابةَ تَنْفَسُ بعضُهُم بعضًا ما لا تَنْفَسُ العِدَى (١).
ومنها: أنّ إعْطاءَه بعضَهم جائزٌ، لولا (٢) ذلك لما قال: «ارْجِعْه».
ومنها: أنّ للوالدِ أن يَرْجِعَ فيما أعْطَى وَلَدَه، وقد فَضَّلَ أبو بكرٍ عائشةَ
стр. 1002
بنَخْلٍ، وفَضَّلَ عُمَرُ عاصمًا بشيءٍ أعْطاه إيّاه، وفَضَّلَ عبدُالرحمن بنُ عوفٍ وَلَدَ أمِّ كلثومٍ.
(١٧٤١) ولو اتَّصَلَ حديثُ طاوسٍ: «لا يَحِلُّ لواهبٍ أن يَرْجِعَ فيما وَهَبَ، إلّا والدٌ فيما وَهَبَ لوَلَدِه» لقُلْتُ به، ولم أرُدَّ واهِبًا غَيْرَه وَهَبَ، لمَنْ يَسْتَثِيبُ مِنْ مِثْلِه أو لا يَسْتَثِيبُه (١).
(١٧٤٢) قال: وتَجُوزُ صدقةُ التَّطَوُّعِ على كُلِّ أحَدٍ إلّا رسولَ الله (٢)، كان لا يَأخُذُها، لِما رَفَعَ اللهُ مِنْ قَدْرِه وأبانَه مِنْ خَلْقِه، إمّا تَحْرِيمًا، وإمّا لئلا يَكُونَ (٣) لأحَدٍ عليه يَدٌ؛ لأنّ معنى الصدقةِ لا يُرادُ ثَوابُها، ومَعْنَى الهدِيَّةِ يُرادُ ثَوابُها، وكان يَقْبَلُ الهديَّةَ، ورَأى لَحْمًا تُصُدِّقَ به على بَرِيرَةَ، فقال: «هو لها صدقةٌ، ولنا هديَّةٌ»، ﷺ .
(١٧٤٣) قال الشافعي: أخبرنا مالك، عن ربيعة، عن يزيد مولى المنبعث، عن زيد بن خالد الجهني، أنّه قال: «جاء رجلٌ إلى النبيّ ﷺ فسَألَه عن اللقطةِ، فقال: اعْرِفْ عِفاصَها ووِكاءَها، ثُمّ عَرِّفْها سَنَةً، فإنْ جاء صاحِبُها، وإلّا فشَأنَكَ بها» (١)، وعن عُمَرَ نحوُ ذلك (٢)، قال الشافعي: وبهذا أقُولُ (٣).
(١٧٤٤) والبَقَرُ كالإبِلِ (٤)؛ لأنّهما تَرِدان المياهَ وإنْ تَباعَدَتْ، وتَعِيشان أكْثَرَ عَيْشِهِما بلا راعٍ، فليس له أن يَعْرِضَ لواحدٍ منهما، والمالُ والشاةُ لا تَدْفَعان عن أنْفُسِهما، فإنْ وَجَدَها في مَهْلَكَةٍ فله أكْلُها وغُرْمُها إذا جاء صاحِبُها.
стр. 1005
وقال فيما وَضَعَه بخَطِّه لا أعْلَمُه سُمِعَ منه: والخيلُ والبِغالُ والحَمِيرُ كالبَعِيرِ؛ لأنّ كُلَّها قَوِيٌّ، مُمْتَنِعٌ مِنْ صِغارِ السِّباعِ، بعيدُ الأثَرِ في الأرضِ، ومِثْلُها: الظَّبْيُ للرَّجَلِ (١)، والأرنبُ والطائرُ؛ لبُعْدِه في الأرضِ وامْتِناعِه في السرعةِ.
(١٧٤٥) قال: ويَأكُلُ اللُّقَطَة الغَنِيُّ والفقيرُ، ومَن تَحِلُّ له الصَّدَقَةُ وتَحْرُمُ عليه، قد أمَرَ رسول الله ﷺ أبَيَّ بنَ كَعْبٍ - وهو مِنْ أيْسَرِ أهلِ المدينةِ أو كأيْسَرِهم - وَجَدَ صُرَّةً فيها ثمانون دينارًا أن يَأكُلَها، وأنَّ عَلِيًّا ذَكَرَ للنبيِّ ﷺ أنّه وَجَدَ دينارًا، فأمَرَه أن يُعَرِّفَه، فلمْ يَعْتَرِفْ (٢)، فأمَرَه بأكْلِه، فلمّا جاء صاحِبُه أمَرَه بدَفْعِه إليه، وعليٌّ مِمَّنْ تَحْرُمُ عليه الصدقةُ؛ لأنّه مِنْ صَلِيبَةِ بني هاشمٍ.
(١٧٤٦) قال الشافعي: ولا أحِبُّ لأحَدٍ تَرْكَ لُقَطَةٍ وَجَدَها إذا كان أمِينًا عليها (٣).
стр. 1006
(١٧٤٧) فيُعَرِّفُها سَنَةً على أبوابِ المساجدِ والأسواقِ ومواضعِ العامَّةِ، ويَكُونُ أكْثَرُ تَعْرِيفِه في الجمعةِ التي أصابها فيها، فيُعَرِّفُ عِفاصَها ووِكاءَها وعَدَدَها ووَزْنَها وحِلْيَتَها، ويَكْتُبُها ويُشْهِدُ عليها (١)، فإنْ جاء صاحِبُها، وإلّا فهي له بعد سنةٍ، على أنّه متى جاء صاحِبُها في حياتِه أو بعد مَوْتِه فهو غريمٌ إنْ كان اسْتَهْلَكَها، وسواءٌ قليلُ اللُّقَطَةِ وكَثِيرُها، فيَقُولُ: «مَنْ ذَهَبَتْ له [دنانيرُ» إنْ كانتْ دنانيرَ، أو «مَنْ ذَهَبَتْ له (٢) دراهمُ» إنْ كانتْ دراهمَ، أو «مَنْ ذَهَبَ له كذا»، ولا يَصِفُها فيُنازَعَ في صِفَتِها، أو يَقُولُ جملةً: «إنَّ في يَدِي لُقَطَةً».
(١٧٤٨) فإنْ كان مُولَيًا عليه بسَفَهٍ أو صِغَرٍ .. ضَمَّها القاضي إلى وَلِيِّه، وفَعَلَ فيها ما يَفْعَلُ الملْتَقِطُ.
(١٧٤٩) وإنْ كان عبدًا .. أمَرَ بضَمِّها إلى سَيِّدِه، فإنْ عَلِمَ بها السَّيِّدُ فأقَرَّها في يَدِه .. فهو ضامنٌ لها في رَقَبَةِ عبدِه (٣).
стр. 1007
وقال فيما وَضَعَ بخَطِّه لا أَعْلَمُه سُمِعَ منه: «لا غُرْمَ على العبدِ حتّى يَعْتِقَ، مِنْ قِبَلِ أنّ له أخْذَها»، قال المزني: قلت أنا (١): الأوَّلُ أقْيَسُ إذا كانتْ في الذِّمَّةِ، والعَبْدُ عندي ليس بذِي ذِمَّةٍ (٢).
قال الشافعي: فإن لم يَعْلَمْ بها السَّيِّدُ .. فهي في رَقَبَتِه إن اسْتَهْلَكَها قبل السَّنَةِ وبَعْدَها، دون مالِ السَّيِّدِ؛ [لأنّ أخْذَه اللُّقَطَةَ عُدْوانٌ، إنّما يَأخُذُ اللُّقَطَةَ مَنْ له ذِمَّةٌ.
قال المزني: قلت أنا (٣): هذا أشْبَهُ بأصْلِه (٤)، ولا يَخْلُو سَيِّدُه مِنْ أن يَكُونَ عَلِمَه، وإقْرارُه إيّاها في يَدِه تَعَدِّيًا، فكيف لا يَضْمَنُها في جميعِ مالِه؟ أوْ لا يَكُونَ تَعَدِّيًا، فلا تَعْدُو رَقَبَةَ عبدِه.
(١٧٥٠) قال الشافعي: فإنْ كان حُرًّا غيرَ مأمونٍ في دِينِه .. ففيها قولان: أحدُهما - أن يَأمُرَ بضَمِّها إلى مأمونٍ، ويَأمُرَ المأمونَ والملْتَقِطَ بالإشادَةِ بها، والقولُ الآخَرُ - لا يَنْزِعُها مِنْ يَدَيْه، وإنّما مَنَعْنا مِنْ هذا القولِ؛ لأنّ صاحبَه لم يَرْضَه.
قال المزني: قلت أنا (٥): فإذا امْتَنَعَ مِنْ هذا القولِ لهذه العِلَّةِ فلا قولَ