← Фикх шафии

Фикх шафии · id 914

مختصر المزني - ت الداغستاني

المزني

Полный текст (1 788 стр.). Показаны 948–987 · переход к 953.

стр. 948

برِبْحِها في حَوْلِها؛ لأنّها لرَبِّ المالِ، ولا شيءَ للعاملِ في الرِّبْحِ إلّا بعد أن يُسَلَّمَ إلى رَبِّ المالِ مالُه. قال المزني: قلت أنا (١): هذا أشْبَهُ بقولِه؛ لأنّه قال [ف: ١٦٠٦]: «لو اشْتَرَى العاملُ أباه وفي المالِ رِبْحٌ كان له بَيْعُه»، ولو مَلَكَ من أبيه شيئًا لعَتَقَ عليه، وهذا دليلٌ مِنْ قولِه على أحَدِ قولَيْه، وقد قال الشافعي: «لو كان له رِبْحٌ قبل دَفْعِ المالِ إلى رَبِّه لكان به شَرِيكًا، ولو خَسِرَ حتّى لا يَبْقَى إلّا قَدْرُ رأسِ المالِ كان فيما بَقِيَ شَرِيكًا؛ لأنّ مَنْ مَلَكَ شيئًا زائدًا مَلَكَه ناقصًا» (٢). (١٦١١) قال الشافعي: ومتى شاء رَبُّ المالِ .. أخَذَ مالَه، ومتى أراد العاملُ الخروجَ مِنْ القراضِ .. فذلك له.

стр. 949

(١٦٠) باب (١) قال المزني: وهذه مسائل أجبتُ فيها على معنى قوله وقياسه (٢) وبالله التوفيق قال المزني (٣): (١٦١٢) من ذلك (٤): لو دَفَعَ إليه ألفَ درهمٍ، فقال: خُذْها فاشْتَرِ بها هَرَوِيًّا - أو قال: مَرَوِيًّا (٥) - بالنصفِ .. كان فاسِدًا؛ لأنّه لم يُبَيِّنْ، فإن اشْتَرَى .. فجائزٌ، وله أجْرُ مِثْلِه، وإنْ باع .. فباطلٌ؛ لأنّ البيعَ بغيرِ أمْرِه. (١٦١٣) وإنْ قال: خُذْها قِراضًا أو مُضارَبَةً على ما شَرَطَ فلانٌ مِنْ الربحِ لفلانٍ .. فإنْ عَلِما ذلك فجائزٌ، وإنْ جَهِلاه أو أحدُهما ففاسدٌ. (١٦١٤) فإنْ قارَضَه بألفٍ على أنّ ثُلُثَ رِبْحِها للعاملِ، وما بَقِيَ مِنْ الرِّبْحِ فثُلُثُه لرَبِّ المالِ وثُلُثاهُ للعاملِ .. فجائزٌ؛ لأنّ الأجْزاءَ مَعْلُومَةٌ. (١٦١٥) وإنْ قارَضَه على دنانيرَ فحَصَلَ في يدَيْه دراهمُ، أو على

стр. 950

دراهمَ فحَصَلَ في يدَيْه دنانيرُ .. فعليه بَيْعُ ما حَصَلَ حتّى يَصِيرَ مثلَ ما لرَبِّ المالِ في قياسِ قولِه. (١٦١٦) وإنْ دَفَعَ مالًا قِراضًا في مَرَضِه وعليه دُيُونٌ، ثُمّ مات بعد أن اشْتَرَى وباعَ ورَبِحَ .. أخَذَ العاملُ رِبْحَه، واقْتَسَم الغرماءُ ما بَقِيَ مِنْ مالِه. (١٦١٧) وإن اشْتَرَى عَبْدًا، فقال العاملُ: اشْتَرَيْتُه لنَفْسِي بمالي، وقال ربُّ المال: بل في القراضِ بمالي .. فالقولُ قولُ العاملِ مع يَمِينِه؛ لأنّه في يَدِه، والآخَرُ مُدَّعٍ، فعليه البينةُ، وإنْ قال العاملُ: اشْتَرَيْتُه مِنْ مالِ القراضِ، وقال رَبُّ المالِ: بل لنَفْسِك، وفيه خُسْرانٌ .. فالقولُ قولُ العاملِ مع يَمِينِه؛ لأنّه مُصَدَّقٌ فيما في يدَيْه. (١٦١٨) ولو قال العاملُ: اشْتَرَيْتُ هذا العبدَ بجميعِ الألفِ القراضِ، ثُمّ اشْتَرَيْتُ هذا العبدَ الثاني بتلك الألفِ قبل أنْ أنْقُدَ .. كان الأوّلُ في القراضِ، والثاني للعاملِ، وعليه الثمنُ (١). (١٦١٩) وإنْ نَهَى رَبُّ المالِ العاملَ أن يَشْتَرِيَ ويَبِيعَ وفي يَدِه عَرْضٌ اشْتَراه .. فله بَيْعُه، وإنْ كان في يَدِه عَيْنٌ فاشْتَرَى .. فهو مُتَعَدٍّ، والثمنُ في ذِمَّتِه، والرِّبْحُ له، والوَضِيعَةُ عليه (٢)، وإنْ كان اشْتَرَى بالمالِ بعَيْنِه .. فالشراءُ باطلٌ في قياسِ قولِه، ويَتَرادّان حتّى تَرْجِعَ السِّلْعَةُ إلى الأوَّلِ، فإنْ هَلَكَتْ فلصاحبِها قِيمَتُها على الأوّلِ، ويَرْجِعُ به الأوّلُ على الثاني، ويَتَرادّان الثَّمَنَ المدفوعَ. (١٦٢٠) ولو قال العاملُ: رَبِحْتُ ألفًا، ثُمّ قال: غَلِطْتُ، أو خِفْتُ نَزْعَ المالِ منّي فكَذَبْتُ .. لَزِمَه إقرارُه، ولم يَنْفَعْه رُجوعُه في قياسِ قولِه.

стр. 951

(١٦٢١) ولو اشْتَرَى العاملُ أو باع بما لا يَتَغابَنُ الناسُ بمثلِه .. فباطلٌ، وهو للمالِ ضامنٌ. (١٦٢٢) ولو اشْتَرَى في القراضِ خَمْرًا أو خنزيرًا أو أمَّ وَلَدٍ، ودَفَعَ الثمنَ .. فالشراءُ باطلٌ، وهو للمالِ ضامنٌ في قياسِ قولِه.

стр. 952

[٢٦] كتاب المساقاة مجموعة من إملاء ومسائل شتى سمعتها لفظًا

стр. 953

(١٦٢٣) قال الشافعي: سَاقَى رسولُ الله ﷺ أهلَ خَيْبَرَ على أنّ نِصفَ الثمرِ لهم، فكان يَبْعَثُ ابنَ رواحةَ فيَخْرُصُ بَيْنَه وبينهم، ثم يَقولُ: «إنْ شِئتُم فلكم، وإن شِئتُم فلي». (١٦٢٤) قال الشافعي: ومعنى قولِه: «إنْ شِئتُم فلكم، وإنْ شِئتُم فلي»: أن يَخْرُصَ النخلَ كأنّه خَرَصَها مائةَ وَسْقٍ وعَشَرَةَ أوْسُقٍ رُطَبًا، ثُمّ قَدَّرَ أنّها إذا صارتْ تمرًا نَقَصَتْ عَشَرةَ أوْسُقٍ، فصَحَّتْ فيها مائةُ وَسْقٍ تمرًا، فيَقُولُ: إنْ شِئتُم دَفَعْتُ إليكم النصفَ الذي ليس لكم، الذي أنا فيه قَيِّمٌ لأهلِه، على أنْ تَضْمَنُوا لي خمسين وَسْقًا تمرًا، مِنْ تمرٍ يُسَمِّيه ويَصِفُه، ولكم أنْ تَأكُلُوها وتَبِيعُوها رُطَبًا كيف شِئتُم، وإنْ شِئتُم فلي، أكُونُ هكذا مِثْلَكُم، تُسَلِّمُون إليَّ نِصْفَكُم، وأضْمَنُ لكم هذه المَكِيلَةَ. (١٦٢٥) قال الشافعي: فإذا سَاقَى على النَّخْلِ أو العِنَبِ بجُزْءٍ مَعْلومٍ .. فهي المساقاةُ التي سَاقَى عليها رسولُ الله (١)، وإذا دَفَعَ إليه أرْضًا بيضاءَ على أن يَزْرَعَها المدْفُوعَةُ إليه، فما أخْرَجَ الله ﵎ منها مِنْ شيءٍ فله جُزْءٌ مَعْلُومٌ .. فهذه المُخابَرَةُ التي نَهَى عنها رسولُ الله ﷺ ، ولم نَرُدَّ إحْدَى سُنَّتَيْه بالأخْرَى (٢). (١٦٢٦) فالمساقاةُ جائزةٌ بما وَصَفْتُ في النَّخْلِ والكَرْمِ دون غيرِهما؛

стр. 954

لأنّ رسولَ الله ﷺ أخَذَ صَدَقَتَهما بالخَرْصِ، وثَمَرَتُهما مُجْتَمِعٌ، بائنٌ مِنْ شَجَرِه، لا حائلَ دُونَه يَمْنَعُ إحاطَة النظرِ إليه، وثَمَرُ غيرِهما مُتَفَرِّقٌ بين أضْعافِ وَرَقِ شَجَرِه، لا يُحاطُ بالنَّظَرِ إليه، ولا تَجُوزُ المساقاةُ إلّا في النَّخْلِ والكَرْمِ (١). (١٦٢٧) قال: وتَجُوزُ المساقاةُ سِنِينَ. (١٦٢٨) وإذا سَاقاه على نَخْلٍ، فكان فيه بَياضٌ لا يُوصَلُ إلى عَمَلِه إلّا بالدُّخُولِ على النَّخْلِ، وكان لا يُوصَلُ إلى سَقْيِه إلّا بشِرْكِ النَّخْلِ في الماءِ، وكانَ غيرَ مُتَمَيِّزٍ .. جاز أن يُساقَى عليه مع النَّخْلِ، لا مُنْفَرِدًا وَحْدَه، ولولا الخبرُ فيه عن النبيّ ﷺ أنّه دَفَعَ إلى أهلِ خَيْبَرَ النَّخْلَ على أنّ لهم النصفَ مِنْ النَّخْلِ والزَّرْعِ وله النصفُ، فكان الزرعُ كما وَصَفْتُ بين ظَهْرانَي النَّخْلِ .. لم يَجُزْ ذلك. (١٦٢٩) وليس للمُساقِي في النَّخْلِ أن يَزْرَعَ البياضَ إلّا بإذْنِ رَبِّه، فإنْ فَعَلَ فكمَن زَرَعَ أرْضَ غيرِه. (١٦٣٠) ولا تَجُوزُ المساقاةُ إلّا على جُزْءٍ مَعْلُومٍ، قَلَّ ذلك أو كَثُرَ. (١٦٣١) وإنْ سَاقاه على أنّ له ثَمَرَ نَخْلاتٍ بعَيْنِها مِنْ الحائطِ .. لم يَجُزْ، وكذلك لو اشْتَرَطَ أحدُهما على صاحبِه صاعًا مِنْ تمرٍ .. لم يَجُزْ، وكان له أجْرُ مِثْلِه فيما عَمِلَ. (١٦٣٢) ولو دَخَلَ في النَّخْلِ على الإجارةِ، بأنّ عليه أن يَعْمَلَ ويَحْفَظَ بشيءٍ مِنْ التَّمْرِ قبل أن يَبْدُوَ صَلاحُه .. فالإجارةُ فاسدةٌ، وله أجْرُ مثلِه فيما عَمِلَ (٢).

стр. 955

(١٦٣٣) وكُلُّ ما كان مُسْتَزادًا (١) في الثمرة؛ مِنْ إصْلاحِ الماءِ وطَرِيقِه، وتَصْرِيفِ الجَرِيدِ، وإبارِ النخلِ، وقَطْعِ الحشيشِ المضِرِّ بالنخلِ، ونحوِه (٢) .. جاز شَرْطُه على العاملِ، فأما سَدُّ الحِظارِ (٣) .. فليس فيه مُسْتَزادٌ ولا صَلاحٌ في الثَّمَرَةِ، فلا يَجُوزُ شَرْطُه على العاملِ.

стр. 956

(١٦١) باب الشرط في الرقيق (١) (١٦٣٤) قال الشافعي: ولا بأسَ أن يَشْتَرِطَ المُساقِي على رَبِّ النخلِ غِلْمانًا يَعْمَلُون معه، ولا يَسْتَعْمِلُهُم في غيرِه. (١٦٣٥) قال: ونَفَقَةُ الرقيقِ على ما يَتَشارَطان عليه، وليس نَفَقَةُ الرقيقِ أكْثَرَ مِنْ أجْرَتِهم، فإذا جاز أن يَعْمَلُوا للمُساقِي بغيرِ أجْرَةٍ .. جاز أن يَعْمَلُوا له بغيرِ نَفَقَةٍ.

стр. 957

(١٦٢) باب (١) قال المزني: قلت أنا (٢): وهذه مسائل أجبت فيها على معنى قوله وقياسه وبالله التوفيق (٣) فمن ذلك: (١٦٣٦) لو سَاقاه على نَخْلٍ سِنينَ مَعْلُومَةً على أن يَعْمَلا فيها جميعًا .. لم يَجُزْ في معنى قولِه، قياسًا على شَرْطِ المضارِبِ (٤) يَعْمَلان في المالِ جميعًا، فمعنى ذلك: أنّه أعانَه مَعُونَةً (٥) مَجْهُولَةَ الغايةِ بأجْرَةٍ مجهولةٍ. (١٦٣٧) ولو سَاقاه على النصفِ، على أن يُساقِيَه في حائطٍ آخَرَ على الثلثِ .. لم يَجُزْ في قِياسِ قولِه، كالبَيْعَتَيْن في بَيْعَةٍ، وله في الفاسدِ أجْرُ مِثْلِه في عَمَلِه. (١٦٣٨) فإنْ ساقاه أحدُهما نَصِيبَه على النصفِ، والآخَرُ نَصِيبَه على الثلثِ .. جازَ. (١٦٣٩) ولو ساقاه على حائطٍ فيه أصْنافٌ، مِنْ دَقْلٍ وعَجْوَةٍ

стр. 958

وصَيْحانِيٍّ (١)، على أنّ له مِنْ الدَّقْلِ النصفَ، ومِن العَجْوَةِ الثُّلُثَ، ومِن الصَّيْحانِيِّ الرُّبُعُ، وهما يَعْرِفان كلَّ صِنْفٍ .. كان كثلاثة حَوائطَ معروفةٍ، وإنْ جَهِلا أو أحدُهما كُلَّ صِنْفٍ .. لم يَجُزْ. (١٦٤٠) ولو ساقاه على نَخْلٍ، على أنّ للعاملِ ثلثَ الثَّمَرِ، ولم يَقُولا غيرَ ذلك .. كان جائزًا، وما بعد الثلثِ فهو لرَبِّ النخلِ، وإن اشْتَرَطا أنّ لرَبِّ النخلِ ثلثَ الثمرِ، ولم يَقُولا غيرَ ذلك .. كان فاسدًا؛ لأنّ العاملَ لم يَعْلَمْ ما نَصِيبُه، والفرقُ بينهما: أنّ ثَمَرَ النخلِ لرَبِّها إلّا ما شَرَطَ منها للعاملِ، فلا حاجةَ بنا إلى المسألة بعد نَصِيبِ العاملِ: لمن الباقي؟ وإذا اشْتَرَطَ رَبُّ النخلِ لنفسِه الثلثَ ولم يُبَيِّنْ كَمْ نَصِيبُ العاملِ مِنْ الباقي، فنَصِيبُ العاملِ مجهولٌ، وإذا جُهِلَ النَّصِيبُ فَسَدَت المساقاةُ. (١٦٤١) ولو كانت النخلُ بين رجلَيْن، فسَاقَى أحدُهما صاحبَه، على أنّ للعاملِ ثُلُثَي الثَّمَرِ مِنْ جميعِ النخلِ، وللآخَرِ الثلثَ .. كان جائزًا؛ لأنّ معناه: أنّه ساقَى شَرِيكَه (٢) في نِصْفِه على ثلثِ ثَمَرَتِه. (١٦٤٢) ولو سَاقَى شَرِيكَه على أنّ للعاملِ الثلثَ، ولصاحبِه الثلثين .. لم يَجُزْ؛ كرجلين بينهما ألفُ درهمٍ، قارَضَ أحدُهما صاحبَه في نِصْفِه، فما رَزَقَ اللهُ في الألفِ مِنْ رِبحٍ فالثلثان للعاملِ، ولصاحبِه الثلثُ، فإنّما قارَضَه في نِصْفِه على ثلثِ رِبْحِه في نِصْفِه، ولو قارضَه على أنّ للعاملِ ثلثَ الربحِ، والثُّلُثَيْنِ لصاحبِه (٣) .. لم يَجُزْ؛ لأنّ معنى ذلك: أنْ عَقَدَ له العاملُ أن

стр. 959

يَخْدِمَه في نِصْفِه بغيرِ بَدَلٍ، ويَسْلَمَ له مع خِدْمَتِه مِنْ ربحِ نِصْفِه تمامُ ثُلُثَي الجميعِ بغيرِ عِوَضٍ، فإنْ عَمِلَ المُساقِي في هذا أو المقارِضُ .. فالربحُ بينهما نصفين (١)، ولا أجْرَةَ للعاملِ؛ لأنّه عَمِلَ على غيرِ بَدَلٍ. (١٦٤٣) ولو سَاقَى أحدُهما صاحبَه نَخْلًا بينهما سَنَةً معروفةً، على أن يَعْمَلا فيها جميعًا، على أنّ لأحدِهما الثلثَ وللآخَرِ الثُّلُثَيْن .. لم يَكُنْ لمساقاتِهِما مَعْنًى، فإنْ عَمِلا فلأنفسِهما عَمِلا، والثمرُ بينهما. (١٦٤٤) ولو سَاقَى رجلًا نَخْلًا مُساقاةً صحيحةً، فأثْمَرَتْ، ثُمّ هَرَبَ العاملُ .. اكْتَرَى عليه الحاكمُ في مالِه مَنْ يَقُومُ في النخلِ مَقامَه. (١٦٤٥) وإنْ عُلِمَ منه سَرِقَةٌ للنخلِ وفَسادٌ .. مُنِعَ مِنْ ذلك، وتُكُورِيَ عليه (٢) مَنْ يَقُومُ مَقامَه (٣). (١٦٤٦) فإنْ ماتَ .. قام وَرَثَتُه مَقامَه، فإنْ أنْفَقَ رَبُّ النخلِ .. كان مُتَطَوِّعًا، ويَسْتَوْفِي العاملُ شَرْطَه في قياسِ قولِه. (١٦٤٧) ولو عَمِلَ فيها العاملُ، فأثْمَرَتْ، ثُمّ اسْتَحَقَّها رَبُّها .. أخَذَها وثَمَرَها، ولا حَقَّ عليه فيما عَمِلَ فيها العاملُ (٤)؛ لأنّها آثارٌ، لا عَيْنُ مالٍ، ورَجَعَ العاملُ على الدافعِ بقيمةِ ما عَمِلَ، فإن اقْتَسَما الثمرةَ فأكَلاها، ثُمّ اسْتَحَقَّها رَبُّها .. رَجَعَ على كُلِّ واحدٍ منهما بمَكِيلَةِ الثمرةِ، وإنْ شاء أخَذَها

стр. 960

مِنْ الدافعِ لها، ورَجَعَ الدافعُ على العاملِ بالمكيلةِ التي غَرِمَها، ورَجَعَ العاملُ على الذي اسْتَعْمَلَه بأجْرِ مثلِه. (١٦٤٨) ولوْ ساقاه على أنّه إنْ سَقاها بماءِ سماءٍ أو نهرٍ فله الثلثُ، وإنْ سَقاها بالنَّضْحِ فله النصفُ .. كان فاسِدًا؛ لأنّ عَقْدَ المساقاةِ كانتْ والنصيبُ مجهولٌ، والعَمَلُ غيرُ معلومٍ؛ كما لو قارَضَه بمالٍ فما رَبِحَ في البَزِّ فله الثلثُ، وما رَبِحَ في القَمْحِ فله النصفُ، فإنْ عَمِلَ كان له أجْرُ مثلِ عملِه. (١٦٤٩) وإن اشْتَرَطَ الداخلُ أنّ أجْرَةَ الأُجَراءِ مِنْ الثمرةِ .. فَسَدَت المساقاةُ. (١٦٥٠) ولو ساقاه على وَدِيٍّ لوَقْتٍ يَعْلَمُ أنّها لا تُثْمِرُ إليه .. لم يَجُزْ. (١٦٥١) وإن اخْتَلَفا بعد أنْ أثْمَرَت النخلُ على مساقاةٍ صَحِيحَةٍ، فقال رَبُّ النخلِ: على الثلثِ، وقال العاملُ: بل على النصفِ .. تَحالَفا وكان له أجْرُ مِثْلِه في قياسِ قولِه، كان أكْثَرَ ممّا أقَرَّ له به رَبُّ النخلِ أو أقَلَّ، فإنْ أقام كُلُّ واحدٍ منهما البَيِّنَةَ على ما ادَّعَى .. سَقَطَتا وتحالفا كذلك أيضًا. (١٦٥٢) ولو دَفَعا نَخْلًا إلى رَجُلٍ مُساقاةً، فلمّا أثْمَرَتِ اخْتَلَفُوا، فقال العاملُ: شَرَطْتُما لي النِّصْفَ ولكما النِّصْفُ، وصَدَّقَه أحدُهما، وأنْكَرَ الآخَرُ .. كانتْ له مُقاسَمَةُ المُقِرِّ في نِصْفِه على ما أقَرَّ به، ويَتَحالَفُ هو والمنْكِرُ، وللعاملِ أجْرُ مِثْلِه في نِصْفِه. (١٦٥٣) ولو شَرَطَ مِنْ نَصِيبِ أحدِهما بعَيْنِه النصفَ، ومِن نَصِيبِ الآخَرِ بعَيْنِه الثلثَ .. جاز، وإنْ جُهِلَ ذلك .. لم يَجُزْ وفُسِخَ، فإنْ عَمِلَ على ذلك .. فله أجْرُ مثلِه والثمرُ لرَبِّه في قياسِ قولِه.

стр. 961

[٢٧] كتاب الإجارة (١) مختصر من الجامع في الإجارة من ثلاثة كتب في الإجارات وما دخل فيها من سوى ذلك (٢)

стр. 962

(١٦٥٤) قال الشافعي: قال الله تعالى: ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾ [الطلاق: ٦]، وقد يَخْتَلِفُ الرَّضاعُ، فلمّا لم يُوجَدْ فيه إلّا هذا جازَتْ فيه الإجارةُ، وذَكَرَها اللهُ ﵎ في كتابِه، وعَمِلَ بها بعضُ أنبيائه، فذَكَرَ موسى وأُجْرَتَه نَفْسَه ثَمانِيَ حِجَجٍ مَلَكَ بها بُضْعَ امْرَأةٍ، وقيل: اسْتَأجَرَه على أن يَرْعَى له غَنَمًا (١)، فدَلَّ بذلك على تَجْوِيزِ الإجارةِ، ومَضَتْ بها السُّنَّةُ وعَمِلَ بها بَعْضُ الصحابة والتابعين (٢)، ولا اخْتِلافَ في ذلك بين أهْلِ العِلْمِ ببَلَدِنا وعَوَامِّ أهْلِ الأمْصارِ. (١٦٥٥) قال الشافعي: فالإجاراتُ صِنْفٌ مِنْ البيوعِ؛ لأنّها تَمْلِيكٌ مِنْ كُلِّ واحدٍ منهما لصاحبِه، وكذلك يَمْلِكُ المسْتأجِرُ المنفعةَ التي في العبدِ والدارِ والدابّةِ إلى المُدَّةِ التي اشْتَرَطَ، حتّى يَكُونَ أحَقَّ بها مِنْ مالِكِها، ويَمْلِكُ صاحبُها العِوَضَ، فهي مَنْفَعَةٌ مَعْقُولَةٌ مِنْ عَيْنٍ مَعْرُوفَةٍ، فهي كالعَيْنِ المبِيعَةِ، ولو كان حُكْمُها خِلافَ العَيْنِ كانتْ في حُكْمِ الدَّيْنِ، ولم يَجُزْ أن يَكْتَرِيَ بدَيْنٍ؛ لأنّه حينئذٍ يُكُونُ دَيْنًا بدَيْنٍ، وقد نَهَى رسولُ الله ﷺ عن الدَّيْنِ بالدَّيْنِ، قال الشافعي: فإذا دَفَعَ ما أكْرَى وَجَبَ له جَمِيعُ الكِراءِ؛ كما إذا دَفَعَ ما باع وَجَبَ له جَمِيعُ الثَّمَنِ، إلّا أن يَشْتَرِطَ أجَلًا (٣). (١٦٥٦) فإنْ قَبَضَ العَبْدَ فاسْتَخْدَمَه، أو المسْكَنَ فسَكَنَه، ثُمّ هَلَكَ

стр. 963

العبدُ وانْهَدَمَ المسْكَنُ .. حُسِبَ قَدْرُ ما اسْتَخْدَمَ وسَكَنَ فكان له، ورُدَّ قَدْرُ ما بَقِيَ على المُكْتَرِي؛ كما لو اشْتَرَى سَفِينَةَ طعامٍ كُلَّ قَفِيزٍ بكذا، فاسْتَوْفَى بَعْضًا فاسْتَهْلَكَه، ثُمّ هَلَكَ الباقي كان عليه مِنْ الثَّمَنِ بقَدْرِ ما قَبَضَ، ورَدَّ قَدْرَ ما بَقِيَ (١). (١٦٥٧) ولا تُفْسَخُ بمَوْتِ أحدِهما ما كانت الدارُ قائِمَةً، وليس الوارثُ بأكْثَرَ مِنْ الموروثِ، فإنْ قيل: فقد انْتَفَعَ المكْرِي بالثمنِ .. قيل: كما لو أسْلَمَ في رُطَبٍ لوقتٍ فانْقَطَعَ رَجَعَ بالثمنِ، ولو باع متاعًا غائبًا ببَلَدٍ ودَفَعَ الثمنَ فهَلَكَ المتاعُ رَجَعَ بالثمنِ، وقد انْتَفَعَ به البائعُ. قال المزني: هذا تَجوِيزُ بيعِ الغائبِ، وأباه في مكانٍ آخَرَ (٢). (١٦٥٨) قال الشافعي: وإن تَكارَى دابَّةً مِنْ مَكَّةَ إلى مَرٍّ، فتَعَدَّى بها إلى عُسْفانَ .. فعليه كِراؤُها إلى مَرٍّ، وكِراءُ مِثْلِها إلى عُسْفانَ، وعليه الضَّمانُ. (١٦٥٩) وله أن يُؤاجِرَ دارَه وعبدَه ثلاثين سَنَةً (٣).

стр. 964

(١٦٦٠) وأيُّ المتكارِيَيْن هَلَكَ فوَرَثَتُه مكانَه.

стр. 965

(١٦٣) باب كراء الإبل (١٦٦١) قال الشافعي: وكِراءُ الإبِلِ جائزٌ للمَحامِلِ والزَّوامِلِ والرِّحالِ، وكذلك الدَّوابُّ للسُّرُوجِ والأُكُفِ والحُمُولَةِ (١). (١٦٦٢) ولا يَجُوزُ مِنْ ذلك مُغَيَّبٌ، حتّى يَرَى الرّاكِبِينَ وظَرْفَ المَحْمِلِ والوِطاءِ والظِّلِّ إنْ شَرَطَه؛ لأنّ ذلك يَخْتَلِفُ فيَتَبايَنُ، والحُمُولَةُ بوَزْنٍ مَعْلُومٍ أو كَيْلٍ مَعْلُومٍ، في ظُرُوفٍ تُرَى أو تَكُونُ إذا شُرِطَتْ عُرِفَتْ، مثلَ: غَرائِرَ جَبَلِيَّةٍ وما أشْبَه هذا. (١٦٦٣) فإنْ ذَكَرا (٢) مَحْمِلًا أو مَرْكَبًا أو زامِلَةً بغيرِ رُؤيَةٍ ولا صِفَةٍ .. فهو مَفْسُوخٌ للجَهْلِ بذلك. (١٦٦٤) وإنْ أكْراه مَحْمِلًا وأراه إيّاه وقال: معه مَعالِيقُ (٣)، أو قال:

стр. 966

معه ما يُصْلِحُه .. فالقياسُ أنّه فاسدٌ، ومِن الناس مَنْ يَقُولُ: له بقَدْرِ ما يَراه الناسُ وَسَطًا (١). (١٦٦٥) وإنْ أكْراه إلى مَكَّةَ، فشَرَطَ سَيْرًا مَعْلُومًا .. فهو أصَحُّ، وإن لم يَشْتَرِطْ .. فالذي أحْفَظُ أنّ السَّيْرَ مَعْلُومٌ على المراحِلِ؛ لأنّها الأغْلَبُ مِنْ سَيْرِ الناسِ؛ كما أنّ له مِنْ الكِراءِ الأغْلَبَ مِنْ نَقْدِ البَلَدِ، وأيُّهُما أراد المُجاوَزَةَ أو التَّقْصِيرَ لم يَكُنْ له. (١٦٦٦) فإنْ تَكارَى إبِلًا بأعْيانِها .. رَكِبَها، وإنْ ذَكَرَ حَمُولَةً مَضْمُونَةً لم (٢) تَكُنْ بأعْيانِها .. رَكِبَ ما يَحْمِلُه غيرَ مُضِرٍّ به. (١٦٦٧) وعليه أن يُرْكِبَ المرأةَ ويُنْزِلَها عن البعيرِ بارِكًا؛ لأنّه رُكوبُ النساءِ، ويُنْزِلَ الرجلَ للصلاةِ، ويَنْتَظِرَه حتّى يُصَلِّيها، غيرَ مُعَجِّلٍ له، ولِما لا بُدَّ له مِنْ الوضوءِ. (١٦٦٨) ولا يَجُوزُ أن يَتَكارَى بَعِيرًا بعَيْنِه إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ إلّا عند خُرُوجِه. (١٦٦٩) وإنْ مات البعيرُ .. رَدَّ الجَمّالُ ممّا أخَذَ مِنْ الكِراءِ بحِسابِ ما بَقِيَ، وإنْ كانت الحَمُولَةُ مَضْمُونَةً .. كان عليه أن يَأتِيَ بإبِلٍ غيرِها. (١٦٧٠) وإن اخْتَلَفا في الرِّحْلَةِ .. رَحَلَ لا مَكْبُوبًا، ولا مُسْتَلْقِيًا (٣).

стр. 967

(١٦٧١) والقياسُ: أن يُبْدِلَ ما يَفْنَى مِنْ الزّادِ، ولو قيل: المعروفُ أنّ الزّادَ يَنْقُصُ فلا يُبْدَلُ .. كان مَذْهَبًا. قال المزني: الأوّلُ أقْيَسُهُما (١). (١٦٧٢) قال الشافعي: وإنْ هَرَبَ الجَمّالُ .. فعلى الإمامِ أن يَكْتَرِيَ عليه مِنْ مالِه.

стр. 968

(١٦٤) باب تضمين الأُجَراء من كتاب الإجارات ومن كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى (١) (١٦٧٣) قال الشافعي: الأُجَراءُ كُلُّهُم سواءٌ، وما تَلِفَ في أيْدِيهِم مِنْ غيرِ جِنايَتِهِم .. ففيه واحدٌ مِنْ قولَيْن: أحدُهما - الضمانُ؛ لأنّه أخَذَ الأجْرَ، والقولُ الآخَرُ (٢) - لا ضَمانَ إلّا بالعُدْوانِ. قال المزني: قلت أنا (٣): هذا أوْلاهُما به؛ لأنّه قَطَعَ بأن لا ضَمانَ على الحَجّامِ يَأمُرُه الرجلُ أن يَحْجُمَه، أو يَخْتِنَ غُلامَه، أو يُبَيْطِرَ دابّتَه، وقد قال الشافعي: إذا ألْقَوْا عن هؤلاء الضَّمانَ لَزِمَهُم إلْقاؤُه عن الصُّنّاعِ، وقال: ما عَلِمْتُ أنّي سَألْتُ منهم أحَدًا ففَرَّقَ بينهما، ورُوِيَ عن عطاءٍ أنّه قال: «لا ضَمانَ على صانِعٍ، ولا على أجِيرٍ»، قال المزني: قلت أنا (٤): ولا أعْلَمُ أحَدًا مِنْ العلماءِ ضَمَّنَ الرّاعِيَ المنْفَرِدَ بالأجْرِ، ولا فَرْقَ عندي بَيْنَه في القياسِ وبَيْنَ المشْتَرَكِ، ولا ضَمَّنَ الأجِيرَ في الحانوتِ (٥) يَحْفَظُ ما فيه مِنْ

стр. 969

البَزِّ ويَبِيعُه، والصانعُ بالأجْرِ عندي (١) في القياسِ مثلُه (٢). (١٦٧٤) قال الشافعي: وإذا اسْتَأجَرَ مَنْ يَخْبِزُ له خُبْزًا مَعْلُومًا، في تَنُّورٍ أو فُرْنٍ، فاحْتَرَقَ .. فإنْ كان خَبَزَه في حالٍ لا يُخْبَزُ في مِثْلِها؛ لاسْتِيقَادِ التَّنُّورِ؛ أو شِدَّةِ حُمُوِّهِ (٣)، أو تَرَكَه تَرْكًا لا يَجُوزُ في مِثْلِه .. فهو ضامنٌ، وإنْ كان ما فَعَلَ صَلاحًا لمثلِه .. لم يَضْمَنْ عند مَنْ لم يُضَمِّن الأجيرَ. (١٦٧٤) وإن اكْتَرَى دابّةً فضَرَبَها أو كَبَحَها باللِّجامِ (٤)، فماتتْ .. فإنْ كان ما فَعَلَ مِنْ ذلك ما تَفْعَلُ العامَّةُ فلا شيءَ عليه، وإنْ فَعَلَ ما لا تَفْعَلُه العامَّةُ ضَمِنَ. (١٦٧٥) فأما الرُّوَّاضُ .. فإنّ شَأنَهم اسْتِصْلاحُ الدَّوابِّ، وحَمْلُها مِنْ السَّيْرِ والحَملِ عليها بالضَّرْبِ على أكْثَرَ ممّا يَفْعَلُ الرّاكِبُ غيرُهم، فإنْ فَعَلَ مِنْ ذلك ما يَراهُ الرُّوّاضُ صَلاحًا بلا إعْناتٍ (٥) بَيِّنٍ .. لم يَضْمَنْ، وإنْ فَعَلَ

стр. 970

خلافَ ذلك .. فهو مُتَعَدٍّ، فيَضْمَنُ (١). (١٦٧٦) قال: والرّاعِي إذا فَعَلَ ما للرُّعاةِ فِعْلُه ممّا فيه صَلاحٌ .. لم يَضْمَنْ، وإنْ فَعَلَ خِلافَ ذلك .. ضَمِنَ. قال المزني: قلت أنا (٢): هذا يَقْضِي (٣) لأحَدِ قَوْلَيْه بطَرْحِ الضَّمانِ كما وَصَفْتُ، وبالله التوفيق (٤). (١٦٧٧) قال الشافعي: ولو أكْرَى حَمْلَ مَكِيلَةٍ وما زاد فبِحِسابِه .. فهو في المَكِيلَةِ جائزٌ، وفي الزيادةِ فاسدٌ، له أجْرُ مثلِه. (١٦٧٨) ولو حَمَلَ له مَكِيلَةً فوُجِدَتْ زائدةً .. فله أجْرُ ما حَمَلَ مِنْ الزيادةِ، وإنْ كان الجَمّالُ هو الكَيّالَ فلا كِراءَ له في الزيادةِ، ولصاحبِه الخيارُ في أخْذِ الزيادةِ في مَوْضِعِه، أو يُضَمِّنُه قَمْحَه ببَلَدِه.

стр. 971

(١٦٧٩) ومُعَلِّمُ الكُتّابِ والآدَمِيِّينَ مُخالِفٌ لراعِي البهائمِ وصُنّاعِ الأعْمالِ؛ لأنّ الآدَمِيِّينَ يُؤدَّبُونَ بالكلامِ فيَتَعَلَّمُونَ، وليس هكذا تُؤدَّبُ البهائمُ، فإذا ضَرَبَ أحَدًا مِنْ الآدَمِيِّينَ لاسْتِصْلاحِ المضروبِ أو غيرِ اسْتِصْلاحِه فتَلِفَ .. كانت فيه دِيَتُه على عاقلتِه (١)، والكفّارَةُ في مالِه. (١٦٨٠) وكذلك إنْ عَزَّرَ الإمامُ رَجُلًا فمات .. فالدِّيَةُ على عاقلتِه، والكفّارةُ في مالِه، والتَّعْزِيرُ ليس بحَدٍّ يَجِبُ بكُلِّ حالٍ (٢)، وقد يَجُوزُ تَرْكُه، ولا يَأثَمُ مَنْ تَرَكَه، قد فُعِلَ غيرُ شيءٍ في عَهْدِ رسولِ الله ﷺ غيرُ حَدٍّ فلم يَضْرِبْ فيه، مِنْ ذلك الغُلُولُ وغيرُه، ولم يُؤتَ بحَدٍّ قَطُّ فعَفاه، وبَعَثَ عُمَرُ إلى امرأةٍ في شيءٍ بلَغَه عنها فأسْقَطَتْ، فقيل له: إنّك مُؤَدِّبٌ، فقال له عليٌّ: «إنْ كان اجْتَهَد فقد أخْطَأ، وإنْ كان لم يَجْتَهِدْ فقد غَشَّ، عليك الدِّيَةُ»، فقال عمرُ: «عَزَمْتُ عليك أن لا تَجْلِسَ حتّى تَضْرِبَها على قَوْمِك»، قال الشافعي: فبهذا قُلْنا: خَطَأُ الإمامِ على عاقلتِه دون بيتِ المالِ. (١٦٨١) قال الشافعي: ولو اخْتَلَفا في ثَوْبٍ، فقال رَبُّه: أمَرْتُكَ أنْ تَقْطَعَه قَمِيصًا، وقال الخَيّاطُ: بل قَباءً .. قال الشافعيُّ بعد أنْ وَصَفَ قولَ ابنِ أبي ليلى: إنّ القولَ قولُ الخَيّاطِ؛ لاجْتِماعِهما على القطعِ. وقولُ أبي حنيفةَ: أنّ القولَ قولُ رَبِّ الثَّوْبِ؛ كما لو دَفَعَه إلى رجلٍ، فقال: رهنٌ، وقال رَبُّه: وديعةٌ .. قال الشافعي: ولعلَّ مِنْ حُجَّتِه أن يَقولَ: وإن اجْتَمَعا على أنّه أمَرَه بالقطعِ فلم يَعْمَلْ له عَمَلَه؛ كما لو اسْتَأجَرَه على حَمْلٍ

стр. 972

بإجارةٍ، فقال: قد حَمَلْتُه لم يَكُنْ له ذلك إلّا بإقرارِ صاحبِه، وهذا أشْبَه القولَيْن، وكلاهما مَدْخُولٌ. قال المزني: القولُ ما شَبَّه الشافعيُّ بالحقِّ (١)؛ لأنّه لا خلافَ أعْلَمُه بينهم أنّ مَنْ أحْدَثَ حَدَثًا فيما لا يَمْلِكُه أنّه مأخوذٌ بحَدَثِه، وأنّ الدَّعْوَى لا تَنْفَعُه، فالخَيَّاطُ مُقِرٌّ بأنّ الثَّوْبَ لرَبِّه، وأنّه أحْدَثَ فيه حَدَثًا، وادَّعَى إذْنَه وإجارةً عليه، فإنْ أقامَ بَيِّنَةً على دَعْواه، وإلّا حَلَفَ صاحِبُه وضَمَّنَه ما أحْدَثَ في ثَوْبِه (٢). (١٦٨٢) قال الشافعي: ولو اكْتَرَى دابّةً فحَبَسَها قَدْرَ المسِيرِ .. فلا شيءَ عليه، وإنْ حَبَسَها أكْثَرَ مِنْ قَدْرِ ذلك .. ضَمِنَ.

стр. 973

[٢٨] كتاب المزارعة مختصر من الجامع من كتاب المزارعة وكراء الأرض والشركة في الزرع وما دخل فيه من كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى ومسائل شتى سمعتها لفظًا (١)

стр. 974

(١٦٨٣) قال الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة، قال: سمعت عمرو بن دينار يقول: سمعت ابن عمر يقول: «كُنّا نُخابِرُ، ولا نَرَى بذلك بَأسًا، حتّى أخْبَرَنا رافعُ بن خَدِيجٍ أنّ رسولَ الله ﷺ نَهَى عنها (١)، فتَرَكْناها لقولِ رافعٍ». (١٦٨٤) قال الشافعي: و «المُخابَرَةُ»: اسْتِكْراءُ الأرْضِ ببَعْضِ ما يَخْرُجُ منها، ودَلَّتْ سُنَّةُ رسولِ الله ﷺ في نَهْيِه عن المُخابَرَةِ على أن لا تَجُوزَ المزارَعَةُ بالثُّلُثِ (٢)، ولا على الرُّبُعِ، ولا جزءٍ مِنْ الأجزاءِ؛ لأنّه مَجْهُولٌ، ولا يَكُونُ الكراءُ إلّا مَعْلُومًا (٣). (١٦٨٥) ويَجُوزُ كِراءُ الأرضِ بالذهبِ والوَرِقِ والعَرضِ وما نَبَتَ مِنْ الأرضِ، أو على صِفَةٍ نَسِيئَةً (٤)؛ كما يَجُوزُ كِراءُ المنازِلِ، وإجارةُ العبيدِ. (١٦٨٦) قال: ولا يَجُوزُ الكِراءُ إلّا على سَنَةٍ مَعْرُوفَةٍ. (١٦٨٧) وإذا تَكَارَى الرجلُ الأرْضَ ذاتَ الماءِ، مِنْ العَيْنِ، أو النَّهْرِ، أو النِّيلِ، أو عَثَرِيًّا، أو غَيْلًا، أو الآبارِ، على أن يَزْرَعَها غَلَّةَ شِتاءٍ وصَيْفٍ (٥)، فزَرَعَها إحْدَى الغَلَّتَيْنِ والماءُ قائمٌ، ثُمّ نَضَبَ الماءُ فذَهَبَ قبل

стр. 975

الغَلَّةِ الثّانِيَةِ، فأراد رَدَّ الأرْضِ لذَهابِ الماءِ .. فذلك له، ويَكُونُ عليه مِنْ الكِراءِ بحِصَّةِ ما زَرَعَ، إنْ كانت الثُّلُثَ أو أقَلَّ أو أكْثَرَ، وسَقَطَتْ عنه حِصَّةُ ما بَقِيَ (١)؛ لأنّه لا صَلاحَ للزَّرْعِ إلّا به (٢). قال المزني: «الغِيل»: الماء المسْتَجْمِعُ بين الجبالِ، و «العَثَرِيّ»: أظُنُّه ماءَ السّماءِ (٣). (١٦٨٨) ولو تَكاراها سَنَةً فزَرَعَها، فانْقَضَت السَّنَةُ والزَّرْعُ فيها لم يَبْلُغْ أن يُحْصَدَ .. فإنْ كانت السَّنَةُ يُمْكِنُه أن يَزْرَعَ فيها زَرْعًا يُحْصَدُ قَبْلَها فالكراءُ جائزٌ، وليس لرَبِّ الزَّرْعِ أن يُثْبِتَ زَرْعَه، وعليه أن يَنْقُلَه عن الأرضِ، إلّا أن يَشاءَ رَبُّ الأرضِ تَرْكَه. (١٦٨٩) وإذا شَرَطَ أن يَزْرَعَها صِنْفًا مِنْ الزَّرْعِ يَسْتَحْصِدُ أو يَسْتَقْصِلُ قبل السنةِ، فأخَّرَه إلى وَقْتٍ مِنْ السنةِ، فانْقَضَت السنةُ قبل بُلُوغِه .. فكذلك أيضًا. (١٦٩٠) وإذا تَكارَى لمُدَّةٍ أقَلَّ مِنْ سنةٍ، وشَرَطَ أن يَزْرَعَها شَيْئًا بعَيْنِه ويَتْرُكَه حتّى يُحْصَدَ، فكان يَعْلَمُ أنّه لا يُمْكِنُه أن يَسْتَحْصِدَ في مثلِ المُدَّةِ الّتِي

стр. 976

تَكاراها إليه (١) .. فالكراءُ فيه فاسدٌ، مِنْ قِبَلِ أنّي إنْ أثْبَتُّ بينهما شَرْطَهُما ولم أُثْبِتْ على رَبِّ الأرضِ أن يَبْقَى زَرْعُه فيها بعد انْقِضاءِ المُدَّةِ .. أبْطَلْتُ شَرْطَ الزّارِعِ أن يَتْرُكَه حتّى يَسْتَحْصِدَ، وإنْ أَثْبَتُّ له زَرْعَه حتّى يَسْتَحْصِدَ .. أبْطَلْتُ شَرْطَ رَبِّ الأرْضِ، فكان هذا كراءً فاسدًا، ولرَبِّ الأرضِ كِراءُ مِثْلِ أرْضِه إذا زَرَعَ، وعليه تَرْكُه حتّى يَسْتَحْصِدَ. (١٦٩١) قال الشافعي: وإذا تَكارَى الأرْضَ التي لا ماءَ لها، إنّما تُسْقَى بنَطْفِ سَماءٍ (٢) أو بسَيْلٍ إنْ جاء .. فلا يَصِحُّ كِراؤُها، إلّا على أن يُكْرِيَه إيّاها أرْضًا بَيْضاءَ لا ماءَ لها، يَصْنَعُ بها المسْتَكْرِي ما شاء في سَنَتِه، إلّا أنّه لا يَبْنِي ولا يَغْرِسُ، فإذا وَقَعَ على هذا صَحَّ الكراءُ ولَزِمَه، زَرَعَ أو لم يَزْرَعْ، وإنْ أكْراه إيّاها على أن يَزْرَعَها، ولم يَقُلْ أرْضًا بَيْضاء لا ماءَ لها، وهما يَعْلَمان أنّها لا تُزْرَعُ إلّا بمَطَرٍ أو بسَيْلٍ يَحْدُثُ .. فالكراءُ فاسدٌ. (١٦٩٢) قال: وإنْ كانت الأرضُ ذاتَ نَهْرٍ مِثلِ النِّيلِ وغيرِه ممّا يَعْلُو الأرضَ على أن يَزْرَعَها زَرْعًا لا يَصْلُحُ إلّا بأنْ تُرْوَى بالنِّيلِ، لا بِئرَ لها ولا مَشْرَبَ غيرُه .. فالكراءُ فاسدٌ. (١٦٩٣) وإنْ تَكاراها والماءُ قائمٌ عليها، وقد يَنْحَسِرُ لا مَحالَةَ في وقتٍ يُمْكِنُ فيه الزَّرْعُ .. فالكراءُ جائزٌ، وإنْ كان قد يَنْحَسِرُ وقد لا يَنْحَسِرُ .. كَرِهْتُ الكراءَ إلّا بعد انْحِسارِه (٣).

стр. 977

(١٦٩٤) وإنْ غَرَّقَها بعد أن يَصِحَّ كِراؤُها نِيلٌ أو سَيْلٌ أو شيءٌ يُذْهِبُ الأرضَ، أو غُصِبَتْ .. انْتَقَضَ الكراءُ بينهما مِنْ يومِ تَلِفَت الأرضُ. (١٦٩٥) فإنْ تَلِفَ بَعْضُها وبَقِيَ بعضٌ ولم يَزْرَعْ .. فرَبُّ الزَّرْعِ بالخيارِ، إنْ شاء أخَذَ ما بَقِيَ بحِصَّتِه مِنْ الكراءِ، وإنْ شاء رَدَّها؛ لأنّ الأرضَ لم تَسْلَمْ له كُلُّها، وإنْ كان زَرَعَ .. بَطَلَ عنه ما تَلِفَ، ولَزِمَه حِصَّةُ ما زَرَعَ مِنْ الكراءِ، وكذلك إذا جَمَعَت الصَّفْقَةُ مائةَ صاعٍ بثَمَنٍ معلومٍ، فتَلِفَ خمسون صاعًا .. فالمشتري بالخيارِ في أن يَأخُذَ الخمسين بحِصَّتِها مِنْ الثمنِ أو يَرُدَّ البيعَ؛ لأنّه لم يَسْلَمْ له كُلُّ ما اشْتَرَى، وكذلك إذا (١) اكْتَرَى دارًا فانْهَدَم بعضُها .. كان له أن يَحْبِسَ منها ما بَقِيَ بحِصَّتِه مِنْ الكراءِ، وهذا خِلافُ ما لا يَتَبَعَّضُ مِنْ عَبْدٍ اشْتَراه فلم يَقْبِضْه حتّى حَدَثَ به عَيْبٌ .. فله الخيارُ بين أخْذِه بجميعِ الثمنِ أو رَدِّه؛ لأنّه لم يَسْلَمْ له غيرَ مَعِيبٍ، والمسْكَنُ يَتَبَعَّضُ مِنْ المسْكَنِ، والدارُ والأرضُ كذلك (٢). (١٦٩٦) وإنْ مَرَّ بالأرضِ ماءٌ، فأفْسَدَ زَرْعَه، أو أصابه حَرِيقٌ أو جَرادٌ أو غيرُ ذلك .. فهذا كُلُّه جائحَةٌ على الزَّرْعِ، لا على الأرضِ؛ كما لو اكْتَرَى منه دارًا للبَزِّ فاحْتَرَقَ البَزُّ.

стр. 978

(١٦٩٧) ولو (١) اكْتَراها ليَزْرَعَها قَمْحًا .. فله أن يَزْرَعَها ما لا يَضُرُّ بالأرضِ إلّا ضِرارَ القَمْحِ (٢)، وإنْ كان يَضُرُّ بها، مثلَ: عُرُوقٍ تَبْقَى فيها .. فليس ذلك له، فإنْ فَعَلَ فهو مُتَعَدٍّ، ورَبُّ الأرضِ بالخيارِ، إنْ شاء أخَذَ الكراءَ وما نَقَصَت الأرضُ عمّا يَنْقُصُها زَرْعُ القَمْحِ، أو يَأخُذُ منه كِراءَ مثلِها. قال المزني: يُشْبِهُ أن يَكُونَ الأوَّلُ أوْلى به (٣)؛ لأنّه أخَذَ ما اكْتَرَى وزادَ على المُكْرِي ضَرَرًا، كرجلٍ اكْتَرَى مَنْزِلًا يُدْخِلُ فيه ما يَحْمِلُ سَقْفُه، فجَعَلَ فيه أكْثَرَ فأضَرَّ ذلك بالمنزلِ، فقد اسْتَوْفَى سُكْناه وعليه قِيمَةُ ضَرَرِه، وكذلك لو اكْتَرَى مَنْزِلًا سُفْلًا فجَعَلَ فيه القَصّارِينَ والحَدّادِينَ فتَقَلَّعَ البِناءُ، فقد اسْتَوْفَى سُكْناه، وعليه بالتَّعَدِّي ما نَقَصَ المنْزِلُ (٤). (١٦٩٨) قال الشافعي: فإنْ قال: ازْرَعْها ما شِئتَ .. فلا يُمْنَعُ مِنْ زَرْعِ ما شاء، وإنْ أراد الغِراسَ .. فهو غيرُ الزَّرْعِ، وإنْ قال: ازْرَعْها واغْرِسْها (٥) ما شِئتَ .. فالكراءُ جائزٌ.

стр. 979

قال المزني: أشْبَهُ بقولِه أن لا يَجُوزَ؛ لأنّه لا يَدْرِي يَغْرِسُ أكْثَرَ الأرضِ فيَكُونُ الضَّرَرُ على صاحبِها، أو لا يَغْرِسُ فتَسْلَمُ أرْضُه مِنْ النُّقْصانِ بالغَرْسِ، فهذا في معنى المجهولِ وما لا يَجُوزُ في معنى قولِه، وبالله التوفيق (١). (١٦٩٩) قال الشافعي: وإن انْقَضَتْ سِنُوهُ .. لم يَكُنْ لرَبِّ الأرضِ أن يَقْلَعَ غِرَاسَه حتّى يُعْطِيَه قيمتَه وقيمةَ ثَمَرَتِه إنْ كانتْ فيه يومَ يَقْلَعُه، ولرَبِّ الغِراسِ إنْ شاء أن يَقْلَعَه على أنّ عليه ما نَقَصَ الأرضَ الغراسُ؛ كالبناءِ إذا كان بإذنِ مالكِ الأرضِ مُطْلَقًا. قال المزني: القياسُ عندي وبالله التوفيق: أنّه إذا حَدَّ له أجَلًا يَغْرِسُ فيه فانْقَضَى الأجَلُ، أو أذِنَ له ببناءٍ في عَرْصَةٍ له سِنينَ فانْقَضَى الأجَلُ .. أنّ الأرْضَ والعَرْصَةَ مَرْدُودَتان؛ لأنّه لم يَغُرَّه، فعليه رَدُّ ما ليس له فيه حَقٌّ على أهلِه، ولا يُجْبَرُ صاحبُ الأرضِ على شراءِ غراسٍ ولا بناءٍ إلّا أن يَشاءَ (٢)، والله ﵎ يَقُولُ: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ [النساء: ٢٩]، وهذا قد مَنَعَ مالَه إلّا أن يَشْتَرِي ما لا يَرْضَى شِراءَه، فأيْنَ «عن تَراضٍ»؟ (٣).

стр. 980

(١٧٠٠) قال الشافعي: وما اكْتَرَى فاسِدًا فقَبَضَها ولم يَزْرَعْ ولم يَسْكُن حتّى انْقَضَت السنةُ .. فعليه كِراءُ المثلِ (١). (١٧٠١) وإذا اكْتَرَى دارًا سنةً، فغَصَبَها رجلٌ .. لم يَكُنْ عليه كِراءٌ؛ لأنّه لم يَسْلَمْ له ما اكْتَرَى. (١٧٠٢) وإذا اكْتَرَى أرْضًا مِنْ أرضِ العُشْرِ أو الخَراجِ .. فعليه فيما أخْرَجَت الصدقةُ، خاطب اللهُ ﵎ المؤمنين، فقال: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام: ١٤١]، وهذا مالُ مُسْلِمٍ، وحَصادُ مُسْلمٍ، فالزكاةُ فيه واجبةٌ. (١٧٠٣) ولو اخْتَلَفا في اكْتِراءِ الدابةِ إلى موضعٍ، أو في كِرائِها، أو في إجارةِ الأرضِ .. تَحَالَفا، فإنْ كان قبل الرُّكُوبِ والزَّرْعِ .. تَحالَفا وتَرادَّا، وإنْ كان بعد ذلك .. كان عليه كِراءُ المثلِ. (١٧٠٤) ولو قال رَبُّ الأرضِ: بكراءٍ، وقال المزارعُ: عاريّةٌ .. فالقولُ قولُ رَبِّ الأرضِ مع يمينِه، ويَقْلَعُ الزارعُ زَرْعَه، وعلى الزارعِ كِراءُ مِثْلِه إلى يومِ قَلْعِ زَرْعِه، وسواءٌ كان في إبّانِ الزَّرْعِ أو غيرِه. قال المزني: هذا خلافُ قوله في «كتاب العاريّة» في راكبِ الدابةِ يَقُولُ: أعَرْتَنِيها، ويَقُولُ: بل أكْرَيْتُكَها .. أنّ القولَ قولُ الرّاكِبِ مع يمينِه، وخلافُ قولِه في الغَسّالِ يَقُولُ صاحبُ الثَّوْبِ: بغيرِ أجْرَةٍ، ويَقُولُ الغَسّالُ:

стр. 981

بأجرةٍ .. أنّ القولَ قولُ صاحبِ الثوبِ، وأوْلى بقولِه الذي قَطَعَ به في «كتاب المزارعة»، وقد بَيَّنْتُه في «كتاب العارية» [ف: ١٥٢٧].

стр. 982

[٢٩] كتاب إحياء المَوات (١) من كتاب وضعه بخطه لا أَعلَمُه سُمِعَ منه (٢)

стр. 983

(١٧٠٥) قال الشافعي: بِلادُ المسلمين شيئان: عامرٌ، ومَواتٌ (١). فالعامرُ لأهلِه، وكلُّ ما صَلَحَ به العامرُ مِنْ طريقٍ، وفِناءٍ، ومَسِيلِ ماءٍ، وغيرِه .. فهو كالعامرِ في أن لا يُمْلَكَ على أهلِه إلّا بإذنِهم. والموات شيئان: مَواتٌ قد كان عامرًا لأهلِه معروفًا في الإسلامِ، ثُمّ ذَهَبَتْ عِمارَتُه فصار مَواتًا، فذلك كالعامرِ لأهلِه، لا يُمْلَكُ إلّا بإذنِهم، والمواتُ الثاني: ما لم يَمْلِكْه أحَدٌ في الإسلام يُعْرَفُ، ولا عِمارَةَ مِلكٍ في الجاهليَّةِ، إذا لم يَمْلِكْ (٢)، فذلك المواتُ الذي قال رسولُ الله ﷺ : «مَنْ أحْيا مَواتًا فهو له»، وعَطِيَّتُه ﵇ عامَّةً لمَن أحْيا المواتَ أثْبَتُ مِنْ عَطِيَّةِ مَنْ بعده مِنْ سلطانٍ وغيرِه. (١٧٠٦) وسواءٌ كان إلى جَنْبِ قريةٍ عامرةٍ أو نَهْرٍ أو حيثُ كان، وقد

стр. 984

أقْطَعَ النبيُّ ﷺ الدُّورَ (١)، فقال حَيٌّ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ يُقال لهم: بنو عبد بن زُهْرَةَ (٢): نَكِّبْ عنّا ابنَ أمِّ عَبْدٍ، فقال لهم النبيُّ ﷺ : «فلِمَ ابْتَعَثَنِي اللهُ إذنْ، إنّ الله لا يُقَدِّسُ أمَّةً لا يُؤخَذُ (٣) للضَّعِيفِ فيهم حَقُّه»، وفي ذلك دَلالةٌ على أنّ النبيَّ ﷺ أقْطَعَ بالمدينة بين ظَهْرانَيْ عِمارَةِ الأنصارِ مِنْ المنازلِ والنخلِ، وأنّ ذلك لأهلِ العامرِ (٤)، ودَلالةٌ على أنّ ما قارب العامرَ يَكُونُ منه مَواتٌ. (١٧٠٧) والمواتُ الذي للسلطانِ أن يُقْطِعَه مَنْ يَعْمُرُه خاصَّةً، وأن يَحْمِيَ منه ما رَأى أن يَحْمِيَه عامًّا لمنافعِ المسلمين (٥). (١٧٠٨) والذي عَرَفْنا نَصًّا ودَلالَةً فيما حَمَى رسولُ الله ﷺ : أنّه حَمَى النَّقِيعَ (٦)، وهو بَلَدٌ ليس بالواسعِ الذي إذا حُمِيَ ضاقَت البلادُ على أهلِ المواشي حَوْلَه (٧) وأضَرَّ بهم، فكانوا يَجِدُون فيما سِواه مِنْ البلادِ سَعَةً لأنْفُسِهم ومَواشِيهِم، وأنّه قليلٌ مِنْ كثيرٍ مُجاوِزٍ للقَدْرِ (٨)، وفيه صَلاحٌ لعامَّةِ

стр. 985

المسلمين، بأن تَكونَ الخيلُ المعَدَّةُ لسبيلِ الله، وما فَضَلَ مِنْ سُهْمانِ أهلِ الصَّدَقاتِ، وما فَضَلَ مِنْ النَّعَمِ التي تُؤخَذُ مِنْ الجزيةِ تَرْعَى جميعُها فيه، فأمّا الخيلُ .. فقُوَّةٌ لجميعِ المسلمين ومَسْلَكُ سَبِيلِها أنّها لأهلِ الفَيْءِ المجاهدين، وأمّا النَّعَمُ التي تَفْضُلُ عن سُهْمان أهْلِ الصَّدَقاتِ .. فيُعادُ بها على أهلِها، وأمّا نَعَمُ الجزيةِ .. فقُوَّةٌ لأهلِ الفَيْءِ مِنْ المسلمين، فلا يَبْقَى مُسْلِمٌ إلّا دَخَلَ عليه مِنْ هذا خَصْلَةُ صَلاحٍ في دِينِه ونَفْسِه، أو مَنْ يَلْزَمُه أمْرُه مِنْ قريبٍ أو عامَّةٍ مِنْ مُسْتَحِقِّي المسلمين، فكان ما حَمَى عن خاصَّتِهم أعْظَمَ مَنْفَعَةً لعامَّتِهم مِنْ أهلِ دِينِهم، وقُوَّةً على مَنْ خالفَ دِينَ الله مِنْ عَدُوِّهِم. (١٧٠٩) وقد حَمَى عمرُ بن الخطاب على هذا المعنى بعد رسولِ الله ﷺ ، ووَلَّى عليه مَوْلًى له يُقالُ له: هُنَيٌّ، فقال: «يا هُنَيُّ، ضُمَّ جَناحَك للنّاسِ، واتَّقِ دَعْوَةَ المظلومِ؛ فإنّ دَعْوَةَ المظلومِ مُجابَةٌ، وأدْخِلْ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ والغُنَيْمَةِ (١)، وإيّايَ ونَعَمَ ابنِ عفَّانَ ونَعَمَ ابنِ عَوْفٍ؛ فإنّهما إنْ تَهْلِكْ ماشِيَتُهما يَرْجِعَا إلى نَخْلٍ وزَرْعٍ، وإنّ رَبَّ الغُنَيْمَةِ يَأتِينِي بعِيالِه فيَقُولُ: يا أميرَ المؤمنين، يا أميرَ المؤمنين! أفَتارِكُهُم أنا لا أبا لَكَ؟ فالكلأ أهْوَنُ عليَّ مِنْ الدينارِ والدراهمِ». قال المزني: هذا والله الكلامُ النَّقِيُّ، الذي مَنْ سَمِعَه يَظُنُّ أنّه يَقْدِرُ عليه، وإذا أرادَه أعْوَزَه (٢).

стр. 986

(١٧١٠) قال الشافعي: وليس للإمامِ أن يَحْمِيَ مِنْ الأرضِ إلّا أقَلَّها الذي لا يَبِينُ ضَرَرُه على مَنْ حَماه عليه. (١٧١١) وقال النبي ﷺ : «لا حِمَى إلّا للهِ ورسولِه»، قال: وكان الرجلُ العزيزُ مِنْ العربِ إذا انْتَجَعَ بَلَدًا مُخْصِبًا، أوْفَى بكَلْبٍ على جَبَلٍ إنْ كان به أو نَشَزٍ إن لم يَكُنْ، ثُمّ اسْتَعْوَى كَلْبًا ووَقَفَ له مَنْ يَسْمَعُ مُنْتَهَى صَوْتِه بالعُواءِ، فحَيْثُ انْتَهَى صَوْتُه حَماهُ مِنْ كُلِّ ناحِيَةٍ لنَفْسِه، ويَرْعَى مع العامَّةِ فيما سِواه، ويَمْنَعُ هذا مِنْ غَيْرِه لضَعْفَى سائمَتِه وما أراد معها، فنَرَى أنَّ قَوْلَ رسولِ الله ﷺ : «لا حِمَى إلّا لله ورسولِه»: لا حِمَى على هذا المعنى الخاصِّ، وأنَّ قولَه: «لله» كُلُّ مَحْمِيٍّ وغيرِه (١)، ورسُولُه إنّما يَحْمِي إنْ شاء اللهُ (٢) لصَلاحِ عامَّةِ المسلمين، لا لِما يَحْمِي له غَيْرُه مِنْ خاصَّةِ

стр. 987

نَفْسِه، وذلك أنَّه ﷺ لم يَمْلِكْ مالًا إلّا ما لا غِنَى به وبعِيالِه عنه ومَصْلَحَتِهم، حتَّى صَيَّرَ ما مَلَّكَه اللهُ مِنْ خُمُسِ الخُمُسِ ومالَه إذا حَبَسَ قُوتَ سَنَتِه مَرْدُودًا في مَصْلَحَتِهم في الكُراعِ (١) والسِّلاحِ عُدَّةً في سبيلِ اللهِ (٢)، وإنَّ نَفْسَه ومالَه كان مُفَرَّغًا لطاعةِ الله ﵎، [فصَلّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، وجَزاه خَيْرَ ما جَزَى نَبِيًّا عن أمَّتِه (٣). قال المزني: ما رَأيْتُ مِنْ العلماءِ مَنْ يُوجِبُ للنبيِّ ﷺ في كُتُبِه ما يُوجِبُه الشافعيُّ لحُسْنِ ذِكْرِه رسولَ الله ﷺ ، فرَحْمَةُ الله عليه ورضوانُه] (٤). (١٧١٢) قال: وليس لأحَدٍ أن يُعْطِيَ ولا يأخذَ مِنْ الذي حَماه رسولُ الله ﷺ ، فإنْ أُعْطِيَه فعَمَرَه نُقِضَتْ عِمارَتُه (٥).
следующие страницы →