(١٧٠٥) قال الشافعي: بِلادُ المسلمين شيئان: عامرٌ، ومَواتٌ (١).
فالعامرُ لأهلِه، وكلُّ ما صَلَحَ به العامرُ مِنْ طريقٍ، وفِناءٍ، ومَسِيلِ ماءٍ، وغيرِه .. فهو كالعامرِ في أن لا يُمْلَكَ على أهلِه إلّا بإذنِهم.
والموات شيئان: مَواتٌ قد كان عامرًا لأهلِه معروفًا في الإسلامِ، ثُمّ ذَهَبَتْ عِمارَتُه فصار مَواتًا، فذلك كالعامرِ لأهلِه، لا يُمْلَكُ إلّا بإذنِهم، والمواتُ الثاني: ما لم يَمْلِكْه أحَدٌ في الإسلام يُعْرَفُ، ولا عِمارَةَ مِلكٍ في الجاهليَّةِ، إذا لم يَمْلِكْ (٢)، فذلك المواتُ الذي قال رسولُ الله ﷺ : «مَنْ أحْيا مَواتًا فهو له»، وعَطِيَّتُه ﵇ عامَّةً لمَن أحْيا المواتَ أثْبَتُ مِنْ عَطِيَّةِ مَنْ بعده مِنْ سلطانٍ وغيرِه.
(١٧٠٦) وسواءٌ كان إلى جَنْبِ قريةٍ عامرةٍ أو نَهْرٍ أو حيثُ كان، وقد
стр. 984
أقْطَعَ النبيُّ ﷺ الدُّورَ (١)، فقال حَيٌّ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ يُقال لهم: بنو عبد بن زُهْرَةَ (٢): نَكِّبْ عنّا ابنَ أمِّ عَبْدٍ، فقال لهم النبيُّ ﷺ : «فلِمَ ابْتَعَثَنِي اللهُ إذنْ، إنّ الله لا يُقَدِّسُ أمَّةً لا يُؤخَذُ (٣) للضَّعِيفِ فيهم حَقُّه»، وفي ذلك دَلالةٌ على أنّ النبيَّ ﷺ أقْطَعَ بالمدينة بين ظَهْرانَيْ عِمارَةِ الأنصارِ مِنْ المنازلِ والنخلِ، وأنّ ذلك لأهلِ العامرِ (٤)، ودَلالةٌ على أنّ ما قارب العامرَ يَكُونُ منه مَواتٌ.
(١٧٠٧) والمواتُ الذي للسلطانِ أن يُقْطِعَه مَنْ يَعْمُرُه خاصَّةً، وأن يَحْمِيَ منه ما رَأى أن يَحْمِيَه عامًّا لمنافعِ المسلمين (٥).
(١٧٠٨) والذي عَرَفْنا نَصًّا ودَلالَةً فيما حَمَى رسولُ الله ﷺ : أنّه حَمَى النَّقِيعَ (٦)، وهو بَلَدٌ ليس بالواسعِ الذي إذا حُمِيَ ضاقَت البلادُ على أهلِ المواشي حَوْلَه (٧) وأضَرَّ بهم، فكانوا يَجِدُون فيما سِواه مِنْ البلادِ سَعَةً لأنْفُسِهم ومَواشِيهِم، وأنّه قليلٌ مِنْ كثيرٍ مُجاوِزٍ للقَدْرِ (٨)، وفيه صَلاحٌ لعامَّةِ
стр. 985
المسلمين، بأن تَكونَ الخيلُ المعَدَّةُ لسبيلِ الله، وما فَضَلَ مِنْ سُهْمانِ أهلِ الصَّدَقاتِ، وما فَضَلَ مِنْ النَّعَمِ التي تُؤخَذُ مِنْ الجزيةِ تَرْعَى جميعُها فيه، فأمّا الخيلُ .. فقُوَّةٌ لجميعِ المسلمين ومَسْلَكُ سَبِيلِها أنّها لأهلِ الفَيْءِ المجاهدين، وأمّا النَّعَمُ التي تَفْضُلُ عن سُهْمان أهْلِ الصَّدَقاتِ .. فيُعادُ بها على أهلِها، وأمّا نَعَمُ الجزيةِ .. فقُوَّةٌ لأهلِ الفَيْءِ مِنْ المسلمين، فلا يَبْقَى مُسْلِمٌ إلّا دَخَلَ عليه مِنْ هذا خَصْلَةُ صَلاحٍ في دِينِه ونَفْسِه، أو مَنْ يَلْزَمُه أمْرُه مِنْ قريبٍ أو عامَّةٍ مِنْ مُسْتَحِقِّي المسلمين، فكان ما حَمَى عن خاصَّتِهم أعْظَمَ مَنْفَعَةً لعامَّتِهم مِنْ أهلِ دِينِهم، وقُوَّةً على مَنْ خالفَ دِينَ الله مِنْ عَدُوِّهِم.
(١٧٠٩) وقد حَمَى عمرُ بن الخطاب على هذا المعنى بعد رسولِ الله ﷺ ، ووَلَّى عليه مَوْلًى له يُقالُ له: هُنَيٌّ، فقال: «يا هُنَيُّ، ضُمَّ جَناحَك للنّاسِ، واتَّقِ دَعْوَةَ المظلومِ؛ فإنّ دَعْوَةَ المظلومِ مُجابَةٌ، وأدْخِلْ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ والغُنَيْمَةِ (١)، وإيّايَ ونَعَمَ ابنِ عفَّانَ ونَعَمَ ابنِ عَوْفٍ؛ فإنّهما إنْ تَهْلِكْ ماشِيَتُهما يَرْجِعَا إلى نَخْلٍ وزَرْعٍ، وإنّ رَبَّ الغُنَيْمَةِ يَأتِينِي بعِيالِه فيَقُولُ: يا أميرَ المؤمنين، يا أميرَ المؤمنين! أفَتارِكُهُم أنا لا أبا لَكَ؟ فالكلأ أهْوَنُ عليَّ مِنْ الدينارِ والدراهمِ».
قال المزني: هذا والله الكلامُ النَّقِيُّ، الذي مَنْ سَمِعَه يَظُنُّ أنّه يَقْدِرُ عليه، وإذا أرادَه أعْوَزَه (٢).
стр. 986
(١٧١٠) قال الشافعي: وليس للإمامِ أن يَحْمِيَ مِنْ الأرضِ إلّا أقَلَّها الذي لا يَبِينُ ضَرَرُه على مَنْ حَماه عليه.
(١٧١١) وقال النبي ﷺ : «لا حِمَى إلّا للهِ ورسولِه»، قال: وكان الرجلُ العزيزُ مِنْ العربِ إذا انْتَجَعَ بَلَدًا مُخْصِبًا، أوْفَى بكَلْبٍ على جَبَلٍ إنْ كان به أو نَشَزٍ إن لم يَكُنْ، ثُمّ اسْتَعْوَى كَلْبًا ووَقَفَ له مَنْ يَسْمَعُ مُنْتَهَى صَوْتِه بالعُواءِ، فحَيْثُ انْتَهَى صَوْتُه حَماهُ مِنْ كُلِّ ناحِيَةٍ لنَفْسِه، ويَرْعَى مع العامَّةِ فيما سِواه، ويَمْنَعُ هذا مِنْ غَيْرِه لضَعْفَى سائمَتِه وما أراد معها، فنَرَى أنَّ قَوْلَ رسولِ الله ﷺ : «لا حِمَى إلّا لله ورسولِه»: لا حِمَى على هذا المعنى الخاصِّ، وأنَّ قولَه: «لله» كُلُّ مَحْمِيٍّ وغيرِه (١)، ورسُولُه إنّما يَحْمِي إنْ شاء اللهُ (٢) لصَلاحِ عامَّةِ المسلمين، لا لِما يَحْمِي له غَيْرُه مِنْ خاصَّةِ
стр. 987
نَفْسِه، وذلك أنَّه ﷺ لم يَمْلِكْ مالًا إلّا ما لا غِنَى به وبعِيالِه عنه ومَصْلَحَتِهم، حتَّى صَيَّرَ ما مَلَّكَه اللهُ مِنْ خُمُسِ الخُمُسِ ومالَه إذا حَبَسَ قُوتَ سَنَتِه مَرْدُودًا في مَصْلَحَتِهم في الكُراعِ (١) والسِّلاحِ عُدَّةً في سبيلِ اللهِ (٢)، وإنَّ نَفْسَه ومالَه كان مُفَرَّغًا لطاعةِ الله ﵎، [فصَلّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، وجَزاه خَيْرَ ما جَزَى نَبِيًّا عن أمَّتِه (٣).
قال المزني: ما رَأيْتُ مِنْ العلماءِ مَنْ يُوجِبُ للنبيِّ ﷺ في كُتُبِه ما يُوجِبُه الشافعيُّ لحُسْنِ ذِكْرِه رسولَ الله ﷺ ، فرَحْمَةُ الله عليه ورضوانُه] (٤).
(١٧١٢) قال: وليس لأحَدٍ أن يُعْطِيَ ولا يأخذَ مِنْ الذي حَماه رسولُ الله ﷺ ، فإنْ أُعْطِيَه فعَمَرَه نُقِضَتْ عِمارَتُه (٥).
стр. 988
(١٦٥)
باب ما يكون إحياء
(١٧١٣) قال الشافعي: والإحياءُ ما عَرَفَه الناسُ إحياءً لمثلِ المُحْيَا، إنْ كان مَسْكَنًا فبأنْ يَبْنِيَ بما يَكُونُ مِثْلُه بِناءً، وإنْ كان لِدَوابَّ فبأنْ يَحْظُرَه ببناءٍ (١)، وأقَلُّ عِمارَةِ الزَّرْعِ التي تُمْلَكُ بها الأرضُ أن يَجْمَعَ تُرابًا يُحِيطُ بما تَبِينُ به الأرضُ مِنْ غيرِها، ويَجْمَعَ حَرْثَها وزَرْعَها، وإنْ كان له ماءُ عينٍ أو بئرٍ حَفَرَها أو ساقَه مِنْ نَهْرٍ إليها فقد أحْياها، وله مَرافِقُها التي لا يَكُونُ صَلاحُها إلّا بها.
(١٧١٤) ومَن أقْطِعَ أرْضًا أو تَحَجَّرَها فلم يَعْمُرْها (٢) .. رَأيْتُ للسُّلْطانِ أن يَقُولَ له: إنْ أحْيَيْتَها، وإلّا خَلَّيْنا بينها وبين مَنْ يُحْيِيها، وإنْ تَأجَّلَه رَأيْتُ أن يَفْعَلَ.
стр. 989
(١٦٦)
باب ما يجوز أن يُقطَعَ وما لا يجوز
(١٧١٥) قال الشافعي: ما لا يَمْلِكُه أحَدٌ مِنْ النّاسِ يُعْرَفُ صِنْفانِ: أحَدُهما - ما مَضَى، ولا (١) يَمْلِكُه إلّا بما يَسْتَحْدِثُه فيه، والثاني - ما لا تُطْلَبُ المنْفَعَةُ فيه إلّا بشيءٍ يَجْعَلُ فيه غيرَه (٢)، وذلك المعادِنُ الظاهِرَةُ والباطنةُ مِنْ الذهبِ والتِّبْرِ والكُحْلِ والكِبْريتِ والملحِ وغيرِه (٣).
(١٧١٦) وأصْلُ المعادِنِ صِنْفان: ما كان ظاهرًا، كالملحِ في الجبالِ يَنْتابُه الناسُ، فهذا لا يَصْلُحُ لأحدٍ أن يُقْطِعَه بحالٍ، والناسُ فيه شَرَعٌ، وهكذا النهرُ والماءُ الظاهرُ والنباتُ فيما لا يَمْلِكُه أحَدٌ، وقد سَألَ الأبْيَضُ بنُ حمّالٍ النبيَّ ﷺ أن يُقْطِعَه مِلْحَ مَأرِبَ، فأقْطَعَه إيّاه أو أراده، فقيل له: إنه كالماء العِدِّ، فقال: «فلا إذن» (٤)، قال: ومثلُ هذا كُلُّ عَينٍ ظاهرةٍ (٥)
стр. 990
لنِفْطٍ أو قِيرٍ أو كِبريتٍ أو مُومِيَا أو حِجارةٍ ظاهرةٍ في غيرِ مِلْكِ أحَدٍ، فهو كالماءِ والكلإِ، والناسُ فيه سواءٌ.
(١٧١٧) ولو كانتْ بُقْعَةٌ مِنْ الساحلِ يُرَى أنّه إنْ حُفِرَ تُرابٌ مِنْ أعْلاها، ثُمّ دَخَلَ عليها ماءٌ ظَهَرَ لها ملحٌ .. كان للسلطانِ أن يُقْطِعَها، وللرجلِ أن يَعْمُرَها بهذه الصفةِ فيَمْلِكَها.
стр. 991
(١٦٧)
باب تفريع القطائع وغيرها (١)(١٧١٨) قال الشافعي: القَطائعُ فِرْقان: أحدُهما - ما مَضَى، والثاني - إقطاعُ إرْفاقٍ لا تَمْليكٍ، مثلُ: المقاعِدِ بالأسواقِ التي هي طريقُ المسلمين (٢)، فمَن قَعَدَ في موضعٍ منها لبَيْعٍ .. كان له بقَدْرِ ما يَصْلُحُ له ما كان مُقِيمًا فيه، فإذا فارَقَه .. لم يَكُنْ له مَنْعُه مِنْ غيرِه؛ كأبْنِيَةِ العربِ وفساطيطِهم، فإذا انْتَجَعُوا لم يَمْلِكُوا بها حيثُ نَزَلُوا.
стр. 992
(١٦٨)
باب إقطاع المعادن وغيرها
(١٧١٩) قال الشافعي: وفي إقطاعِ المعادن قولان: أحدُهما - أنّه يُخالِفُ إقطاعَ الأرضِ (١)؛ لأنّ مَنْ أقْطَعَ أرْضًا فيها معادِنُ أو عَمِلَها وليستْ لأحَدٍ، سواءٌ ذهبًا كانتْ أو فِضَّةً أو نُحاسًا أو ما لا يَخْلُصُ إلّا بمُؤنَةٍ؛ لأنّه باطنٌ مُسْتَكِنٌّ، وبين ظَهْرانَيْ تُرابٍ أو حِجارةٍ، فكانتْ هذه كالمواتِ في أنّ له أنْ يُقْطِعَه إيّاها، ومُخالِفَةٌ للمواتِ في أحَدِ القَوْلَيْنِ، وإنّ المواتَ إذا أحْيِيَتْ مَرَّةً ثَبَتَ إحْياؤُها، وهذه في كُلِّ يَوْمٍ يُبْتَدأ إحْياؤُها لبُطونِ ما فيها (٢)، ولا يَنْبَغِي أن يُقْطِعَه مِنْ المعادنِ إلّا قَدْرَ ما يَحْتَمِلُ، على أنّه إنْ عَطَّلَه لم يَكُنْ له مَنْعُ مَنْ أخَذَه (٣)، ومِن حُجَّتِه في ذلك أنّ له بَيْعَ الأرضِ وليس له بيعُ المعادنِ، وأنّها كالبئرِ تُحْفَرُ بالباديةِ فتَكُونُ لحافِرِها، ولا يَكُونُ له مَنْعُ الماشيةِ فَضْلَ مائِها، وكالمنزلِ بالباديةِ هو أحَقُّ به، فإذا تَرَكَه لم يَمْنَعْ منه مَنْ نَزَلَه.
(١٧٢٠) ولو أقْطَعَ أرْضًا فأحْياها، ثُمّ ظَهَرَ فيها مَعْدِنٌ .. مَلَكَه مِلْكَ الأرْضِ في القولين معًا.
стр. 993
(١٧٢١) وكُلُّ مَعْدِنٍ عَمِلَ فيه جاهليٌّ، ثم أراد رجلٌ اسْتِقْطاعه .. ففيه أقاويلُ: أحدُها - أنّه كالبِئرِ الجاهليِّ والماءِ العِدِّ (١)، فلا يُمْنَعُ أحَدٌ العَمَلَ فيه إذا اسْتَبَقُوا إليه، فإنْ وَسِعَهُم عَمِلُوا معًا، وإنْ ضاق أقْرِعَ بينهم أيُّهُم يَبْدَأ، ثُمّ يَتْبَعُ الآخَرُ فالآخَرُ حتّى يَتَساوَوْا فيه (٢)، والثاني - للسلطانِ أن يُقْطِعَه على المعنى الأوَّلِ، يَعْمَلُ فيه، ولا يَمْنَعُه (٣) إذا تَرَكَه، والثالث - يُقْطِعُه فيَمْلِكُه مِلْكَ الأرضِ إذا أحْدَثَ فيها عِمارةً (٤).
(١٧٢٢) وكُلُّ ما وَصَفْتُ مِنْ إحياءِ المواتِ وإقطاعِ المعادنِ وغيرِها فإنّما عَنَيْتُه في عَفْوِ بلادِ العَرَبِ (٥)، الذي عامِرُه عُشْرٌ، وعَفْوُه مملوكٌ (٦).
(١٧٢٣) وكُلُّ ما ظُهِرَ عليه عَنْوَةً مِنْ بلادِ العَجَمِ فعامِرُه كُلُّه لمَنْ ظَهَرَ عليه مِنْ المسلمين على خمسةِ أسْهُمٍ، وما كان في قَسْمِ أحَدِهم مِنْ مَعْدِنٍ ظاهرٍ فهو له؛ كما يَقَعُ في قِسْمَةِ العامرِ بقيمتِه فيَكُونُ له، وكُلُّ ما كان في
стр. 994
بلادِ العَنْوَةِ ممّا عُمِرَ مرَّةً ثُمّ تُرِكَ فهو كالعامرِ القائمِ العِمارَةِ، مثل ما ظَهَرَتْ عليه الأنهارُ أو عُمِرَ بغير ذلك على نَطْفِ السماءِ أو بالرِّشاءِ (١)، وكُلُّ ما كان لم يُعْمَرْ قَطُّ مِنْ بلادِهم فهو كالمواتِ مِنْ بلادِ العربِ.
(١٧٢٤) وما كان مِنْ بلادِ العَجَمِ صُلْحًا .. فما كان لهم فلا يُؤخَذُ منهم، غيرَ ما صُولِحُوا عليه، إلّا بإذْنِهم، وإنْ صُولِحُوا على أنّ للمسلمين الأرضَ، ويَكُونُوا أحرارًا، ثُمّ عاملهم المسلمون بعدُ .. فالأرضُ كُلُّها صُلْحٌ، وخُمُسُها لأهلِ الخُمُسِ، وأربعةُ أخْماسِها لجماعةِ أهْلِ الفَيْءِ، وما كان فيها مِنْ مَواتٍ .. فهو كالمواتِ غيرِه، وإنْ وَقَعَ الصلحُ على عامرِها ومَواتِها .. كان المواتُ مملوكًا لمن مَلَكَ العامرَ؛ كما يَجُوزُ بَيْعُ المواتِ مِنْ بلادِ المسلمين إذا حازَه رجلٌ.
(١٧٢٥) ومَن عَمِلَ في مَعْدِنٍ في أرضٍ مِلْكُها لغيرِه .. فما خَرَجَ منه فلمالكِها، وهو مُتَعَدٍّ بالعملِ، وإنْ عَمِلَه بإذْنِه أو على أنّه ما خَرَجَ مِنْ عَمَلِه فهو له .. فسواءٌ، وأكثرُ هذا أن يَكُونَ هِبَةً لا يَعْرِفُها الواهبُ ولا الموهوبةُ له، ولم يَكُنْ، ولم يُقْبَضْ، وللآذِنِ الخيارُ في أن يُتِمَّ ذلك أو يَرُدَّ، وليس كالدابَّةِ يَأذَنُ في رُكُوبِها؛ لأنّه عَرَفَ ما أعْطاه وقَبَضَه.
(١٧٢٦) قال: وقال رسول الله ﷺ : «مَنْ مَنَعَ فَضْلَ الماءِ ليَمْنَعَ به الكلأَ .. مَنَعَه اللهُ فَضْلَ رحمتِه يومَ القيامة»، قال الشافعي: وليس له مَنْعُ الماشيةِ مِنْ فَضْلِ مائِه، وله أن يَمْنَعَ ما يُسْقَى به الزَّرْعُ أو الشَّجَرُ إلّا بإذْنِه.
стр. 995
[٣٠]
كتاب العطايا والصدقات والحُبُس
وما دخل في ذلك من كتاب السائبة (١)
стр. 996
(١٧٢٧) قال الشافعي: يَجْمَعُ ما يُعْطِي الناسُ مِنْ أمْوالِهِم ثلاثةُ وُجُوهٍ، ثُمّ يَتَشَعَّبُ كُلُّ وَجْهٍ منها، ففي الحياةِ منها وجهان، وبعد الوفاةِ وَجْهٌ.
(١٧٢٨) فممّا في الحياةِ: الصدقاتُ، واحْتَجّ فيها بأنّ عُمَرَ بن الخطّابِ مَلَكَ مائةَ سَهْمٍ مِنْ خَيْبَرَ، فقال: يا رسولَ الله، لم أصِبْ مالًا مِثْلَه قَطّ، وقدْ أرَدْتُ أنْ أتَقَرَّبَ به إلى الله، فقال النبيّ ﷺ : «حَبِّس الأصْلَ، وسَبِّل الثمرةَ»، قال الشافعي: فلما أجاز رسولُ الله ﷺ أن يُحَبِّسَ أصْلَ المالِ ويُسَبِّلَ الثمرةَ، دَلَّ على إخْراجِه الأصْلَ مِنْ مِلْكِه إلى أن يَكُونَ محْبُوسًا، لا يَمْلِكُ مَنْ سُبِّلَ عليه ثَمَرُه بَيْعَ أصْلِه، فصار هذا المالُ مُبايِنًا لِما سِواهُ، ومُجامِعًا لأن يَخْرُجَ العَبْدُ مِنْ مِلْكِه بالعِتْقِ لله إلى غيرِ مالكٍ، فمَلَّكَه بذلك مَنْفَعَةَ نَفْسِه لا رَقَبَتَه؛ كما يَمْلِكُ المُحَبَّسُ عليه مَنْفَعَةَ المالِ لا رَقَبَتَه، ومُحَرَّمٌ على المحَبَّسِ أن يَمْلِكَ المالَ كما مُحَرَّمٌ على المعْتِقِ أن يَمْلِكَ العبدَ (١).
(١٧٢٩) قال الشافعي: ويَتِمُّ الحَبْسُ وإن لم يُقْبَضْ؛ لأنّ عمرَ هو المتَصَدِّقُ بأمرِ رسولِ الله ﷺ لم يَزَلْ يَلِي صَدَقَتَه - فيما بَلَغَنا - حتّى قَبَضَه اللهُ، ولم يَزَلْ عَلِيٌّ يَلِي صَدَقَتَه حتّى لَقِيَ اللهَ، ولم تَزَلْ فاطمةُ تَلِي صَدَقَتَها حتّى لَقِيَت اللهَ جل ذِكرُه.
ورَوَى الشافعيُّ حديثًا ذَكَرَه: أنّ فاطمةَ بنتَ رسولِ الله ﷺ تَصَدَّقَت بمالها على بَنِي هاشمٍ وبني المطَّلِبِ، وأنّ عليًّا تَصَدَّقَ عليهم وأدْخَلَ معهم
стр. 997
غيرَهم، قال الشافعي: وبَنُو هاشمٍ وبَنُو المطَّلِبِ مُحَرَّمٌ عليهم الصدقاتُ المفروضاتُ، ولقد حَفِظْنَا الصَّدقاتِ عن عَدَدٍ كَثِيرٍ مِنْ المهاجرين والأنصار، ولقد حَكَى لي عَدَدٌ مِنْ أوْلادِهم وأهالِيهم أنّهم كانوا يَتَوَلَّوْنَها حتّى ماتُوا، تَنْقُلُ ذلك العامَّةُ منهم عن العامَّةِ، لا يَخْتَلِفُون فيه.
قال الشافعي: وإنّ أكثرَ ما عندنا بالمدينة ومكَّةَ مِنْ الصدقاتِ لَعَلَى ما وَصَفْتُ، لم يَزَلْ مَنْ تَصَدَّقَ بها مِنْ المسلمين مِنْ السلفِ يَتَوَلَّوْنَها حتّى ماتُوا، وإنَّ نَقْلَ الحديثِ فيها كالتَّكَلُّفِ (١).
(١٧٣٠) قال: واحْتَجَّ مُحْتَجٌّ بحديثِ شُرَيْحٍ أنّ محَمَّدًا جاء بإطلاقِ الحُبُسِ، فقال الشافعي (٢): الحُبُسُ الذي جاء بإطْلاقِه - لو كان حديثُك ثابتًا - كان على ما كانت العربُ تَحْبِسُ مِنْ البَحِيرَةِ والوَصِيلَةِ والحامِ؛ لأنّها كانت أحْباسَهُم (٣)، لا نَعْلَمُ جاهِلِيًّا حَبَسَ دارًا على وَلَدٍ ولا في سبيلِ الله ولا على مساكينَ، وأجازَ رسولُ الله ﷺ لعُمَرَ الحَبْسَ على ما رَوَيْنا، والذي جاء بإطْلاقِه غيرُ الحَبْسِ الذي أجازه ﷺ .
(١٧٣١) قال الشافعي: واحْتَجَّ مُحْتَجٌّ بقولِ شُرَيحٍ: «لا حَبْسَ عن
стр. 998
فرائضِ الله»، قال: ولو جَعَلَ عَرْصَةً له مَسْجِدًا أيَكُونُ حَبْسًا عن فرائضِ الله؟ فكذلك ما أخْرَجَ مِنْ مالِه فليس بحَبْسٍ عن فرائضِ الله.
(١٧٣٢) قال الشافعي: ويَجُوزُ الحَبْسُ في الرقيقِ والماشيةِ إذا عُرِفَتْ بعَيْنِها؛ قياسًا على النَّخْلِ والدُّورِ والأرَضِينَ.
(١٧٣٣) فإذا قال: تَصَدَّقْتُ بداري على قومٍ أو على رجلٍ معروفٍ حَيٍّ يومَ تَصَدَّقَ، وقال: صدقةً مُحَرَّمَةً، أو قال: مَوْقُوفَةً، أو قال: صدقةً مُسَبَّلَةً .. فقد خَرَجَتْ مِنْ مِلْكِه، ولا تَعُودُ مِيراثًا أبدًا (١).
(١٧٣٤) ولا يَجُوزُ أن يُخْرِجَها مِنْ مِلْكِه إلّا إلى مالكِ مَنْفَعَةٍ يومَ يُخْرِجُها إليه، فإن لم يُسَبِّلْها على مَنْ بعدهم .. كانتْ مُحَرَّمَةً أبدًا، فإذا انْقَرَضَ المتَصَدَّقُ بها عليه .. كانتْ بحالها أبدًا، ورَدَدْناها على أقْرَبِ الناسِ بالذي تَصَدَّقَ بها يومَ تَرْجِعُ (٢).
(١٧٣٥) وهي على ما شَرَطَ مِنْ الأثَرَةِ والتَّقْدِمَةِ والتَّسْوِيَةِ، مِنْ أهلِ الغِنَى والحاجةِ، ومِن إخراجِ مَنْ أَخْرَجَ منها بصِفَةٍ، ورَدِّه إليها بصِفَةٍ.
(١٧٣٦) ومنها في الحياة: الهِباتُ والصَّدَقاتُ غيرُ المحَرَّماتِ، وله إبطالُ ذلك ما لم يَقْبِضْها المتَصَدَّقُ عليه أو الموهوبةُ له (٣)، فإنْ قَبَضَها
стр. 999
أو مَنْ يَقُومُ مَقامَه بأمْرِه فهيَ له، ويَقْبِضُ للطفلِ أبُوه، نَحَلَ أبو بكرٍ عائشةَ جِدادَ عشرين وَسْقًا، فلمّا مَرِضَ قال: «وَدِدْتُ أنّكِ قَبَضْتِيه، وهو اليومَ مالُ الوارثِ» (١).
(١٧٣٧) ومنها بعد الوَفاةِ: الوَصايا، وله إبطالها ما لم يَمُتْ.
стр. 1000
(١٦٩)
باب العُمْرَى
من «كتاب اختلاف مالك والشافعي» وغير ذلك (١)(١٧٣٨) قال الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن حُجْرٍ المَدَرِيّ، عن زيد بن ثابتٍ، عن رسول الله ﷺ ؛ أنّه جَعَلَ العُمْرَى للوارثِ، قال: ومِن حديثِ جابرٍ أنّه قال ﷺ : «لا تُعْمِرُوا، ولا تُرْقِبُوا، فمَن أعْمَرَ شيئًا أو أرْقَبَه فهو سبيلُ الميراثِ (٢)»، قال: وهو قولُ زيدِ بنِ ثابتٍ، وجابر بن عبدالله، وابن عمر، وسليمان بن يسار، وعروة بن الزبير، وبهذا أقول.
قال المزني: قلت أنا (٣): معنى قولِ الشافعيِّ عندي في العُمْرَى: هو (٤) أن يَقُولَ الرجلُ: قد جَعَلْتُ داري هذه لك عُمُرَكَ أو حَياتَك، أو جَعَلْتُها لك عُمْرَى أو رُقْبَى، ويَدْفَعَها إليه (٥)، فهي مِلْكٌ للمُعَمَّرِ، تُورَثُ عنه إنْ ماتَ (٦).
стр. 1001
(١٧٠)
باب عَطيّة الرجل ولده
(١٧٣٩) قال الشافعي: أخبرنا مالك، عن الزهري، عن حميد بن عبدالرحمن وعن محمد بن النعمان بن بشير، يحدثانه عن النعمان بن بشير، أنّ أباه أتَى به إلى رسول الله ﷺ فقال: إني نَحَلْتُ ابْنِي هذا غلامًا كان لي. فقال النبي ﷺ : «أكُلَّ وَلَدِك نَحَلْتَ مثل هذا؟»، قال: لا، قال: «فارْجِعْه»، قال الشافعي: وقد سَمِعْتُ في هذا الحديث أنّ رسولَ الله ﷺ قال: «أليس يَسُرُّكَ أن يَكُونُوا في البِرِّ إليك سواءً؟»، قال: بَلَى، قال: «فارْجِعْه».
(١٧٤٠) قال الشافعي: فبِهِ نَأخُذُ، وفيه دَلالَةٌ على أمُورٍ:
منها: حُسْنُ الأدَبِ في أن لا يُفَضِّلَ فيَعْرِضَ في قلبِ المفْضُولِ شيءٌ يَمْنَعُه مِنْ بِرِّه؛ فإنّ القرابةَ تَنْفَسُ بعضُهُم بعضًا ما لا تَنْفَسُ العِدَى (١).
ومنها: أنّ إعْطاءَه بعضَهم جائزٌ، لولا (٢) ذلك لما قال: «ارْجِعْه».
ومنها: أنّ للوالدِ أن يَرْجِعَ فيما أعْطَى وَلَدَه، وقد فَضَّلَ أبو بكرٍ عائشةَ
стр. 1002
بنَخْلٍ، وفَضَّلَ عُمَرُ عاصمًا بشيءٍ أعْطاه إيّاه، وفَضَّلَ عبدُالرحمن بنُ عوفٍ وَلَدَ أمِّ كلثومٍ.
(١٧٤١) ولو اتَّصَلَ حديثُ طاوسٍ: «لا يَحِلُّ لواهبٍ أن يَرْجِعَ فيما وَهَبَ، إلّا والدٌ فيما وَهَبَ لوَلَدِه» لقُلْتُ به، ولم أرُدَّ واهِبًا غَيْرَه وَهَبَ، لمَنْ يَسْتَثِيبُ مِنْ مِثْلِه أو لا يَسْتَثِيبُه (١).
(١٧٤٢) قال: وتَجُوزُ صدقةُ التَّطَوُّعِ على كُلِّ أحَدٍ إلّا رسولَ الله (٢)، كان لا يَأخُذُها، لِما رَفَعَ اللهُ مِنْ قَدْرِه وأبانَه مِنْ خَلْقِه، إمّا تَحْرِيمًا، وإمّا لئلا يَكُونَ (٣) لأحَدٍ عليه يَدٌ؛ لأنّ معنى الصدقةِ لا يُرادُ ثَوابُها، ومَعْنَى الهدِيَّةِ يُرادُ ثَوابُها، وكان يَقْبَلُ الهديَّةَ، ورَأى لَحْمًا تُصُدِّقَ به على بَرِيرَةَ، فقال: «هو لها صدقةٌ، ولنا هديَّةٌ»، ﷺ .
(١٧٤٣) قال الشافعي: أخبرنا مالك، عن ربيعة، عن يزيد مولى المنبعث، عن زيد بن خالد الجهني، أنّه قال: «جاء رجلٌ إلى النبيّ ﷺ فسَألَه عن اللقطةِ، فقال: اعْرِفْ عِفاصَها ووِكاءَها، ثُمّ عَرِّفْها سَنَةً، فإنْ جاء صاحِبُها، وإلّا فشَأنَكَ بها» (١)، وعن عُمَرَ نحوُ ذلك (٢)، قال الشافعي: وبهذا أقُولُ (٣).
(١٧٤٤) والبَقَرُ كالإبِلِ (٤)؛ لأنّهما تَرِدان المياهَ وإنْ تَباعَدَتْ، وتَعِيشان أكْثَرَ عَيْشِهِما بلا راعٍ، فليس له أن يَعْرِضَ لواحدٍ منهما، والمالُ والشاةُ لا تَدْفَعان عن أنْفُسِهما، فإنْ وَجَدَها في مَهْلَكَةٍ فله أكْلُها وغُرْمُها إذا جاء صاحِبُها.
стр. 1005
وقال فيما وَضَعَه بخَطِّه لا أعْلَمُه سُمِعَ منه: والخيلُ والبِغالُ والحَمِيرُ كالبَعِيرِ؛ لأنّ كُلَّها قَوِيٌّ، مُمْتَنِعٌ مِنْ صِغارِ السِّباعِ، بعيدُ الأثَرِ في الأرضِ، ومِثْلُها: الظَّبْيُ للرَّجَلِ (١)، والأرنبُ والطائرُ؛ لبُعْدِه في الأرضِ وامْتِناعِه في السرعةِ.
(١٧٤٥) قال: ويَأكُلُ اللُّقَطَة الغَنِيُّ والفقيرُ، ومَن تَحِلُّ له الصَّدَقَةُ وتَحْرُمُ عليه، قد أمَرَ رسول الله ﷺ أبَيَّ بنَ كَعْبٍ - وهو مِنْ أيْسَرِ أهلِ المدينةِ أو كأيْسَرِهم - وَجَدَ صُرَّةً فيها ثمانون دينارًا أن يَأكُلَها، وأنَّ عَلِيًّا ذَكَرَ للنبيِّ ﷺ أنّه وَجَدَ دينارًا، فأمَرَه أن يُعَرِّفَه، فلمْ يَعْتَرِفْ (٢)، فأمَرَه بأكْلِه، فلمّا جاء صاحِبُه أمَرَه بدَفْعِه إليه، وعليٌّ مِمَّنْ تَحْرُمُ عليه الصدقةُ؛ لأنّه مِنْ صَلِيبَةِ بني هاشمٍ.
(١٧٤٦) قال الشافعي: ولا أحِبُّ لأحَدٍ تَرْكَ لُقَطَةٍ وَجَدَها إذا كان أمِينًا عليها (٣).
стр. 1006
(١٧٤٧) فيُعَرِّفُها سَنَةً على أبوابِ المساجدِ والأسواقِ ومواضعِ العامَّةِ، ويَكُونُ أكْثَرُ تَعْرِيفِه في الجمعةِ التي أصابها فيها، فيُعَرِّفُ عِفاصَها ووِكاءَها وعَدَدَها ووَزْنَها وحِلْيَتَها، ويَكْتُبُها ويُشْهِدُ عليها (١)، فإنْ جاء صاحِبُها، وإلّا فهي له بعد سنةٍ، على أنّه متى جاء صاحِبُها في حياتِه أو بعد مَوْتِه فهو غريمٌ إنْ كان اسْتَهْلَكَها، وسواءٌ قليلُ اللُّقَطَةِ وكَثِيرُها، فيَقُولُ: «مَنْ ذَهَبَتْ له [دنانيرُ» إنْ كانتْ دنانيرَ، أو «مَنْ ذَهَبَتْ له (٢) دراهمُ» إنْ كانتْ دراهمَ، أو «مَنْ ذَهَبَ له كذا»، ولا يَصِفُها فيُنازَعَ في صِفَتِها، أو يَقُولُ جملةً: «إنَّ في يَدِي لُقَطَةً».
(١٧٤٨) فإنْ كان مُولَيًا عليه بسَفَهٍ أو صِغَرٍ .. ضَمَّها القاضي إلى وَلِيِّه، وفَعَلَ فيها ما يَفْعَلُ الملْتَقِطُ.
(١٧٤٩) وإنْ كان عبدًا .. أمَرَ بضَمِّها إلى سَيِّدِه، فإنْ عَلِمَ بها السَّيِّدُ فأقَرَّها في يَدِه .. فهو ضامنٌ لها في رَقَبَةِ عبدِه (٣).
стр. 1007
وقال فيما وَضَعَ بخَطِّه لا أَعْلَمُه سُمِعَ منه: «لا غُرْمَ على العبدِ حتّى يَعْتِقَ، مِنْ قِبَلِ أنّ له أخْذَها»، قال المزني: قلت أنا (١): الأوَّلُ أقْيَسُ إذا كانتْ في الذِّمَّةِ، والعَبْدُ عندي ليس بذِي ذِمَّةٍ (٢).
قال الشافعي: فإن لم يَعْلَمْ بها السَّيِّدُ .. فهي في رَقَبَتِه إن اسْتَهْلَكَها قبل السَّنَةِ وبَعْدَها، دون مالِ السَّيِّدِ؛ [لأنّ أخْذَه اللُّقَطَةَ عُدْوانٌ، إنّما يَأخُذُ اللُّقَطَةَ مَنْ له ذِمَّةٌ.
قال المزني: قلت أنا (٣): هذا أشْبَهُ بأصْلِه (٤)، ولا يَخْلُو سَيِّدُه مِنْ أن يَكُونَ عَلِمَه، وإقْرارُه إيّاها في يَدِه تَعَدِّيًا، فكيف لا يَضْمَنُها في جميعِ مالِه؟ أوْ لا يَكُونَ تَعَدِّيًا، فلا تَعْدُو رَقَبَةَ عبدِه.
(١٧٥٠) قال الشافعي: فإنْ كان حُرًّا غيرَ مأمونٍ في دِينِه .. ففيها قولان: أحدُهما - أن يَأمُرَ بضَمِّها إلى مأمونٍ، ويَأمُرَ المأمونَ والملْتَقِطَ بالإشادَةِ بها، والقولُ الآخَرُ - لا يَنْزِعُها مِنْ يَدَيْه، وإنّما مَنَعْنا مِنْ هذا القولِ؛ لأنّ صاحبَه لم يَرْضَه.
قال المزني: قلت أنا (٥): فإذا امْتَنَعَ مِنْ هذا القولِ لهذه العِلَّةِ فلا قولَ
стр. 1008
له إلّا الأوَّلُ، وهو أوْلَى بالحقِّ عندي، وبالله التوفيق، قال المزني: وقد قَطَعَ في موضعٍ آخَرَ بأنّ على الإمامِ إخْراجَها مِنْ يَدِه، لا يَجُوزُ فيها غيرُه، وهذا عندي أوْلَى به، وبالله التوفيق (١).
(١٧٥١) قال الشافعي: والمكاتَبُ في اللُّقَطَةِ كالحُرِّ؛ لأنّ مالَه يَسْلَمُ له (٢)، والعَبْدُ نِصْفُه حُرٌّ ونِصْفُه عَبْدٌ، فإن الْتَقَطَ في اليومِ الذي يَكُونُ فيه مُخَلًّى لنَفْسِه (٣) .. أقِرَّتْ في يَدِه، وكانتْ بعد السَّنَةِ له؛ كما لو كَسَبَ فيه
стр. 1009
مالًا كان له، وإنْ كان في اليومِ الذي للسَّيِّدِ .. أخَذَها منه؛ لأنَّ كَسْبَه فيه لسَيِّدِه.
(١٧٥٢) قال: ويُفْتَى (١) الملْتَقِطُ إذا اعْتَرَفَ الرجلُ العِفاصَ والوِكاءَ والعَدَدَ والوَزْنَ ووَقَعَ في نَفْسِه أنّه صادقٌ أن يُعْطِيَه، ولا أجْبِرُه عليه إلّا ببَيِّنَةٍ؛ لأنّه قد يُصِيبُ الصِّفَةَ بأن يَسْمَعَ الملْتَقِطَ يَصِفُها، ومعنى قولِه ﷺ : «اعْرِفْ عِفاصَها ووِكاءَها» والله أعلم .. لأنْ يُؤَدِّيَ عِفاصَها ووِكاءَها معها، وليَعْلَمَ إذا وَضَعَها في مالِه أنّها لُقَطَةٌ، وقد يَكُونُ ليَسْتَدِلَّ على صِدْقِ المعْتَرِفِ، أرأيتَ لو وَصَفَها عشرةٌ أيُعْطَوْنَها؟ نحنُ نَعْلَمُ أنّ كُلَّهُم كاذبٌ، إلّا واحدًا بغيرِ عَيْنِه يُمْكِنُ أن يَكُونَ صادقًا.
(١٧٥٣) وإنْ كانت اللُّقَطَةُ طعامًا رَطْبًا لا يَبْقَى .. فله أن يَأكُلَه إذا خاف فَسادَه، ويَغْرَمُه لرَبِّه.
وقال فيما وَضَعَه بخَطِّه لا أعْلَمُه سُمِعَ منه: «إذا خافَ فَسادَه أحْبَبْتُ أن يَبِيعَه ويُقِيمَ على تَعْرِيفِه»، قال المزني: قلت أنا (٢): هذا أوْلى القولَيْن به؛ لأنّ النبيَّ ﷺ لم يَقُلْ للمُلْتَقِطِ: «شأنَكَ بها» إلّا بعد سنةٍ، إلّا أن يَكُونَ في موضعِ مَهْلَكَةٍ كالشاةِ فيَكُونُ له أكْلُه، ويَغْرَمُه إذا جاء صاحبُه (٣).
стр. 1010
(١٧٥٤) وقال فيما وَضَعَ بخَطِّه لا أعْلَمُه سُمِعَ منه: إذا وَجَدَ الشاةَ أو البعيرَ أو الدّابَّةَ، ما كانتْ بالمصْرِ، أو في قريةٍ .. فهي لُقَطَةٌ يُعَرِّفُها سنةً (١).
(١٧٥٥) قال الشافعي: وإذْ حَرَّمَ رسولُ الله ﷺ ضَوالَّ الإبلِ .. فمَن أخَذَها ثُمّ أرْسَلَها ضَمِنَ (٢).
стр. 1011
[باب الجَعالة (١)]
(١٧٥٦) قال: ولا جُعْلَ لمَنْ جاء بآبقٍ ولا ضالَّةٍ إلّا أن يُجْعَلَ له، وسواءٌ مَنْ عُرِفَ بطَلَبِ الضَّوالِّ ومَن لم يُعْرَفْ به.
(١٧٥٧) ولو قال لرجلٍ: إنْ جِئتَنِي بعَبْدِي الآبقِ فلك كذا، ولآخَرَ مثلُ ذلك، ولثالثٍ كذلك، فجاؤوا به جميعًا .. فلكُلِّ [واحدٍ منهم ثُلُثُ (٢) ما جَعَلَه له، اتَّفَقَت الأجْعالُ أو اخْتَلَفَتْ.
стр. 1012
(١٧١)
باب التقاط المنبوذ ويوجد معه الشيء (١)
مما وضع بخطه لا أعلمه سُمِع منه، ومن مسائلَ شتَّى سمعتها لفظًا
(١٧٥٨) قال الشافعي في وضعه (٢): ما وُجِدَ تحت المنْبُوذِ مِنْ شيءٍ مدفونٍ مِنْ ضَرْبِ الإسلام أو كان قَرِيبًا منه .. فهو لُقَطَة، أو كانتْ دابَّةً .. فهي ضالَّةٌ، فإنْ وُجِدَ على دابَّةٍ أو على فراشٍ أو في ثوبِه مالٌ .. فهو له.
(١٧٥٩) وإنْ كان مُلْتَقِطُه غيرَ ثِقَةٍ .. نَزَعَه الحاكمُ منه، وإنْ كان ثِقَةً .. وَجَبَ أن يُشْهِدَ بما وَجَدَ له وأنّه مَنْبُوذٌ (٣).
(١٧٦٠) ويَأمُرُه بالإنفاقِ منه عليه بالمعروفِ، وما أخَذَ ثَمَنَه الملْتَقِطُ وأنْفَقَ منه عليه بغيرِ أمْرِ الحاكمِ فهو ضامِنٌ (٤).
(١٧٦١) فإن لم يُوجَدْ له مالٌ .. وَجَبَ على الإمامِ أن يُنْفِقَ عليه مِنْ مالِ الله، فإن لم يَفْعَلْ .. حَرُمَ تَضْيِيعُه على مَنْ عَرَفَه حتّى يُقامَ بكَفالَتِه، فيَخْرُجَ مَنْ بَقِيَ مِنْ المأثَمِ (٥).
стр. 1013
(١٧٦٢) ولو أمَرَه الحاكمُ أن يَتَسَلَّفَ ما يُنْفِقُ منه عليه يَكُونُ عليه دينًا .. فما ادَّعَى قُبِلَ منه إذا كان مِثْلُه قَصْدًا (١).
قال المزني: قلت أنا (٢): لا يَجُوزُ قولُ أحَدٍ فيما يَتَمَلَّكُه على أحَدٍ؛ لأنّه دَعْوَى، وليس كالأمينِ يَقُولُ فيَبْرَأ (٣).
(١٧٦٣) قال الشافعي: ولو وَجَدَه رجلان فتَشاحّاه .. أقْرَعْتُ بينهما، فمَن خَرَجَ سَهْمُه دَفَعْتُه إليه، وإنْ كان الآخَرُ خيرًا له، إذا لم يَكُنْ مُقَصِّرًا عمّا فيه مَصْلَحَتُه.
(١٧٦٤) فإنْ كان أحَدُهما مُقِيمًا بالمصْرِ والآخَرُ مِنْ غيرِ أهْلِه .. دُفِعَ إلى المقِيمِ، وإنْ كانا قَرَوِيًّا وبَدَوِيًّا .. دُفِعَ إلى القَرَوِيِّ؛ لأنّ القَرَوِيَّةَ خيرٌ له مِنْ الباديةِ (٤).
(١٧٦٥) وإنْ كانا عبدًا وحُرًّا .. دُفِعَ إلى الحُرِّ.
(١٧٦٦) وإنْ كانا مُسْلِمًا ونَصْرانِيًّا في مِصْرٍ به أحَدٌ مِنْ المسلمين وإنْ كان الأقَلَّ .. دُفِعَ إلى المسلمِ، وجَعَلْتُه مسلمًا، وأعْطَيْتُه مِنْ سُهْمانِ المسلمين، حتّى يُعْرِبَ عن نفسِه، فإذا أعْرَبَ (٥) فامْتَنَعَ مِنْ الإسلامِ .. لم يَبِنْ لي أنْ
стр. 1014
أقْتُلَه ولا أُجْبِرَه على الإسلامِ (١)، وإنْ وُجِدَ في مدينةِ أهلِ الذِّمَّةِ لا مسلمَ فيها .. فهو ذِمِّيٌّ في الظاهرِ حتّى يَصِفَ الإسلامَ بعد البلوغِ.
(١٧٦٧) قال: ولو أراد الذي الْتَقَطَه الظَّعْنَ به .. فإنْ كان يُؤمَنُ من أن يَسْتَرِقَّه فذلك له، وإلّا مُنِعَه.
(١٧٦٨) وجِنايَتُه خَطَأً على جماعةِ المسلمين، والجنايةُ عليه على عاقِلَةِ الجاني، فإنْ قُتِلَ عَمْدًا .. فللإمامِ القَوَدُ أو العَقْلُ (٢)، فإنْ كان جُرْحًا حُبِسَ له الجارحُ حتّى يَبْلُغَ فيَخْتارَ القَوَدَ أو الأرْشَ، فإنْ كان مَعْتُوهًا فقيرًا .. أحْبَبْتُ للإمامِ أن يَأخُذَ له الأرْشَ ويُنْفِقَه عليه.
(١٧٦٩) وهو في معنى الحُرِّ حتّى يَبْلُغَ فيُقِرَّ، فإنْ أقَرَّ بالرِّقِّ .. قَبِلْتُه ورَجَعْتُ عليه بما أخَذَ، وجَعَلْتُ جِنايَتَه في عُنُقِه.
(١٧٧٠) ولو قَذَفَه قاذِفٌ .. لم أحُدَّ له حتّى أسْألَه، فإنْ قال: أنا حُرٌّ .. حَدَدْتُ قاذِفَه، وإنْ قَذَفَ .. حُدَّ.
قال المزني: وسَمِعْتُه يَقُولُ: اللَّقِيطُ حُرٌّ؛ لأنّ أصْلَ الآدَمِيِّينَ الحُرِّيَّةُ، إلّا مَنْ ثَبَتَتْ عليه العُبُودِيَّةُ، ولا وَلاءَ له كما لا أبَ له، فإنْ ماتَ فمِيراثُه لجماعةِ المسلمين، قال المزني: قلت أنا (٣): هذا كُلُّه يُوجِبُ أنّه حُرٌّ، وقولُه المعروفُ أنّه لا يُحَدُّ القاذفُ إلّا أنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ للمقذوفِ أنّه حُرٌّ؛ لأنَّ الحُدُودَ تُدْرَأ بالشُّبُهاتِ (٤).
стр. 1015
(١٧٧١) قال الشافعي: ولو ادّعاه الذي وَجَدَه ألحَقْتُه به، فإن ادَّعاه الآخَرُ .. أرَيْتُه القافَةَ، فإنْ ألحَقُوهُ بالآخَرِ .. أرَيْتُهُم الأوَّلَ، فإنْ قالوا: ابْنُهُما .. لم نَنْسِبْه إلى أحَدِهِما حتّى يَبْلُغَ فيَنْتَسِبَ إلى مَنْ شاء منهما، وإن لم يُلْحَقْ بالآخَرِ .. فهو ابنُ الأوَّلِ.
(١٧٧٢) قال: ولو ادَّعَى اللَّقِيطَ رجلان، فأقام كُلُّ واحِدٍ منهما بَيِّنَةً أنّه كان في يَدِه .. جَعَلْتُه للذي كان في يَدِه أوّلًا، وليس هذا كمِثْلِ المالِ.
(١٧٧٣) ودَعْوَةُ المسلمِ والعبدِ والذِّمِّيِّ سَواءٌ، غيرَ أنّ الذِّمِّيَّ إذا ادّعاه ووُجِدَ في دارِ الإسلامِ فألحَقْتُه به .. أحْبَبْتُ أن أجْعَلَه مسلمًا في الصلاةِ عليه، وأنْ آمُرَه إذا بَلَغَ بالإسلامِ بغيرِ إجبارٍ.
وقال في «الدعوى» أنّه يَجْعَلُه مُسْلِمًا؛ لأنّا لا نَعْلَمُه كما قال، قال المزني: قلت أنا (١): هذا أوْلَى بالحقِّ عندي؛ لأنّ مَنْ ثَبَتَ له حَقٌّ لم يَزُلْ حَقُّه بالدَّعْوَى، فقد ثَبَتَ بالإسلامِ أنّه مِنْ أهْلِه، وجَرَى حُكْمُه عليه بالدارِ، فلا يَزُولُ حُكْمُ الإسلامِ بدَعْوَى مُشْرِكٍ (٢).
(١٧٧٤) قال الشافعي: فإنْ أقام بَيِّنَةً أنّه ابْنُه بعد أنْ عَقَلَ ووَصَفَ الإسلامَ .. ألحَقْناه ومَنَعْناه أن يُنَصِّرَه، فإنْ بَلَغَ فامْتَنَع مِنْ الإسلامِ لم يَكُنْ مُرْتَدًّا نَقْتُلُه، وأحْبِسُه وأخِيفُه رَجاءَ رُجُوعِه.
стр. 1016
قال المزني: قلت أنا (١): قياسُ قولِ مَنْ جَعَلَه مُسْلِمًا قبل البلوغِ أن لا يَرُدَّه إلى النَّصْرانِيَّة (٢).
(١٧٧٥) قال الشافعي: ولا دَعْوَةَ للمرأةِ إلّا ببَيِّنَةٍ، فإنْ أقامَتِ امْرَأتان كُلُّ واحِدَةٍ منهما بَيِّنَةً أنَّه وَلَدُها .. لم أجْعَلْهُ ابنَ واحدةٍ منهما حتّى أرِيَهُ القافَةَ، فإنْ ألحَقُوهُ بواحدةٍ لحِقَ زَوْجَها، ولا يَنْفِيه إلّا باللِّعانِ.
قال المزني: مَخْرَجُ قولِ الشافعيِّ في هذا أنّ الولدَ للفراشِ، وهو الزوجُ، فلمّا ألحَقَتْه القافَةُ بالمرأةِ كان زَوْجُها فِراشًا يَلْحَقُه وَلَدُها، ولا يَنْفِيه إلّا بلِعانٍ (٣).
(١٧٧٦) قال الشافعي: فإذا ادّعَى الرّجلُ اللَّقِيطَ أنّه عَبْدُه .. لم أقْبَلْ منه البَيِّنَةَ حتّى تَشْهَدَ أنّها رَأتْ أمَةَ فُلانٍ وَلَدَتْه (٤)، وأقْبَلُ أرْبَعَ نِسْوَةٍ (٥)، وإنّما مَنَعَنِي أنْ أقْبَلَ شُهُودَه أنّه عَبْدُه؛ لأنّه قد يُرَى في يَدَيْه فيَشْهَدُ أنّه عَبْدُه.
وقال في موضعٍ آخَرَ: «إنْ أقام بَيِّنَةً أنّه كان في يَدِه قبل الْتِقاطِ الملْتَقِطِ له أرْقَقْتُه له»، قال المزني: قلت أنا (٦): هذا خلافُ الأوّلِ،
стр. 1017
وأوْلَى بالحقِّ عندي أن يُرَدَّ إلى يَدِ الأوَّلِ (١).
(١٧٧٧) قال الشافعي: وإذا بَلَغَ اللَّقِيطُ، فاشْتَرَى وباعَ ونَكَحَ وأصْدَقَ، ثُمّ أقَرَّ بأنّه عبدٌ لرجلٍ .. ألْزَمْتُه ما لَزِمَه قبلَ إقرارِه، وفي إلزامِه الرِّقَّ قولان؛ أحدُهما: أنّ إقرارَه يَلْزَمُه في نفسِه وفي الفضلِ مِنْ مالِه عمّا لَزِمَه، ولا يُصَدَّقُ في حَقِّ غيرِه، ومَن قال: أصَدِّقُه في الكُلِّ قال: لأنّه مجهولُ الأصْلِ، ومَن قال القولَ الأوَّلَ قاله في امرأةٍ نَكَحَتْ ثُمَّ أقَرَّتْ بمِلْكٍ لرَجلٍ: لا أصَدِّقُها على إفسادِ النكاحِ، ولا ما يَجِبُ عليها للزَّوْجِ، وأجْعَلُ طلاقَه إيّاها ثلاثًا، وعِدَّتَها ثلاثَ حِيَضٍ، وفي الوفاةِ عِدَّةَ أمَةٍ؛ لأنّه ليس عليها في الوفاةِ حَقٌّ يَلْزَمُها له، [وأجْعَلُ وَلَدَه قبل الإقرارِ وَلَدَ حُرَّةٍ، وله الخيارُ، فإنْ أقام على النكاحِ كان وَلَدُه رَقِيقًا (٢)، وأجْعَلُ مالها لمَن أقَرَّتْ له بأنّها أمَتُه.
قال المزني: قلت أنا: أجْمَعَت العلماءُ أنّ مَنْ أقَرَّ بحَقٍّ لَزِمَه، ومَن ادّعاه لم يَجِبْ له بدَعْواهُ، وقد لَزِمَتْها حُقُوقٌ بإقْرارِها، فليس لها إبْطالُها بدَعْواها (٣).
стр. 1018
(١٧٧٨) قال الشافعي: ولو أقَرَّ اللَّقِيطُ أنّه عبدٌ لفلانٍ، وقال فلانٌ: ما مَلَكْتُه قَطُّ، ثُمّ أقَرَّ لغيرِه بالرِّقِّ بعده .. لم أقْبَلْ إقرارَه، وكان حُرًّا في جميعِ أحْكامِه.
стр. 1019
[٣٢]
كتاب الفرائض (١)
مما سمعت (٢) من الشافعي ومن «الرسالة»
ومما وضعته على نحو مذهبه؛ لأن مذهبه في الفرائض نحوُ قول زيد بن ثابت (٣)
стр. 1020
(١٧٢)
باب من لا يرث (١)(١٧٧٩) قال المزني - وهو من قول الشافعي (٢) -: لا تَرِثُ العَمَّةُ، والخالةُ، وابْنةُ الأخِ، وابنةُ العَمِّ، والجدَّةُ أمُّ أبِ الأمِّ، والخالُ، وابنُ الأخِ للأمِّ، والعمُّ أخُو الأبِ للأمِّ، والجدُّ أبو الأمِّ، ووَلَدُ البنتِ، ووَلَدُ الأختِ، ومَن هو أبْعَدُ منهم، والكافرون، والمملوكون، والقاتلون عمدًا أو خطأً، ومَن عُمِّيَ مَوْتُه (٣)، كُلُّ هؤلاء لا يَرِثُون، ولا يَحْجُبُون.
(١٧٨٠) ولا يَرِثُ الإخوةُ والأخواتُ مِنْ قِبَلِ الأمِّ مع الجدِّ وإنْ عَلا، ولا مع الوَلَدِ، ولا مع وَلَدِ الابنِ وإنْ سَفَلَ.
(١٧٨١) ولا يَرِثُ الإخوةُ والأخواتُ مَنْ كانوا مع الأبِ، ولا مع الابْنِ، ولا مع ابنِ الابنِ وإنْ سَفَلَ.
(١٧٨٢) ولا يَرِثُ مع الأبِ أبَوَاهُ، ولا مع الأمِّ جَدَّةٌ.
وهذا كله قول الشافعي ومعناه.
стр. 1021
(١٧٣)
باب المواريث
(١٧٨٣) قال المزني (١): وللزَّوْجِ النِّصْفُ، فإنْ كان للميِّتة وَلَدٌ، أو وَلَدُ وَلَدٍ وإنْ سَفَلَ .. فله الرُّبُعِ.
(١٧٨٤) وللمرأةِ الرُّبُعُ، فإنْ كان للمَيِّتِ وَلَدٌ، أو وَلَدُ وَلَدٍ وإنْ سَفَلَ .. فلها الثُّمُنُ، والمرْأتان والثلاثُ والأربعُ شُرَكاءُ في الرُّبُعِ إذا لم يَكُنْ وَلَدٌ، وفي الثُّمُنِ إذا كان وَلَدٌ.
(١٧٨٥) وللأمِّ الثُّلُثُ، فإنْ كان للمَيِّتِ وَلَدٌ، أو وَلَدُ وَلَدٍ، أو اثْنانِ مِنْ الإخْوَةِ أو الأخواتِ فصاعِدًا .. فلها السُّدُسُ، إلّا في فَرِيضَتَيْن: إحْداهما: زَوْجٌ وأبَوانِ، والأخْرَى: امرأةٌ وأبَوانِ؛ فإنّه يَكُونُ في هاتَيْن الفَرِيضَتَيْن للأمِّ ثُلُثُ ما يَبْقَى بعد نَصِيبِ الزَّوْجَةِ أو الزَّوْجِ، وما بَقِيَ للأبِ.
(١٧٨٦) وللبنتِ النِّصْفُ (٢)، وللبِنْتَيْنِ فصاعدًا الثُّلُثانِ.
(١٧٨٧) فإذا اسْتَكْمَلَ البناتُ الثُّلُثَيْن فلا شيءَ لبناتِ الابنِ، إلّا أن يَكُونَ للمَيِّتِ ابنُ ابنٍ، فيَكُونُ ما بَقِيَ له ولمن في دَرَجَتِه أو أقْرَبُ إلى الميِّتِ منه مِنْ بَناتِ الابْنِ ما بَقِيَ، للذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْن.
(١٧٨٨) فإنْ لم يَكُنْ للمَيِّتِ إلّا بِنْتٌ واحدةٌ وبِنْتُ ابْنٍ أو بَناتُ ابنٍ .. فللبِنْتِ النِّصْفُ، ولبِنْتِ الابْنِ أو بَناتِ الابنِ السُّدُسُ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ، وتَسْقُطُ بَناتُ ابْنِ الابنِ إنْ كُنَّ أسْفَلَ منهنَّ، إلّا أن يَكُونَ معهنَّ ابنُ ابنٍ في دَرَجَتِهِنَّ
стр. 1022
أو أبْعَدُ منهنَّ، فيَكُونُ ما بَقِيَ له ولهنَّ في دَرَجَتِه أو أقْرَبَ إلى الميِّتِ منه مِنْ بَناتِ الابنِ ممّن لم يَأخُذْ مِنْ الثُّلُثَيْن شَيْئًا، للذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْن، ويَسْقُطُ مَنْ أسْفَلُ مِنْ الذَّكَرِ، وإن لم يَكُنْ إلّا بنتٌ واحدةٌ وكان مع بِنْتِ الابنِ أو مع بَناتِ الابنِ ابنُ ابنٍ في دَرَجَتِهِنَّ .. فلا سُدُسَ لهنّ، ولكن ما بَقِيَ له ولهنّ، للذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين.
(١٧٨٩) وإنْ كان مع البنتِ أو البناتِ للصُّلْبِ ابنٌ .. فلا نِصْفَ ولا ثلثين، ولكنّ المالَ بينهم للذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين، ويَسْقُطُ جميع وَلَدِ الابنِ.
(١٧٩٠) ووَلَدُ الابنِ بمَنْزِلَةِ وَلَدِ الصُّلْبِ في كُلٍّ إذا لم يَكُنْ وَلَدُ صُلْبٍ.
(١٧٩١) وبَنُو الإخوةِ لا يَحْجُبُون الأمَّ عن الثُّلُثِ، ولا يَرِثُونَ مع الجدِّ.
(١٧٩٢) ولواحدِ الإخوةِ والأخواتِ مِنْ قِبَلِ الأمِّ السُّدُسُ، وللاثنين فصاعدًا الثلثُ، ذَكَرُهم وأنثاهم فيه سواءٌ.
(١٧٩٣) وللأختِ للأبِ والأمِّ النصفُ، وللأختين فصاعدًا الثلثان.
(١٧٩٤) فإذا اسْتَوْفَى الأخواتُ للأب والأمِّ الثلثين .. فلا شيءَ للأخواتِ للأبِ، إلّا أن يَكُونَ معهنَّ أخٌ، فيَكُونَ له ولهنّ ما بَقِيَ، للذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين.
(١٧٩٥) فإن لم يَكُنْ إلّا أختٌ واحدةٌ لأبٍ وأمٍّ، وأختٌ أو أخواتٌ لأبٍ .. فللأختِ للأبِ والأمِّ النصفُ، وللأختِ أو الأخواتِ للأبِ السُّدُسُ تَكْمِلَةَ الثلثين، فإنْ كان مع الأختِ أو الأخواتِ للأبِ أخٌ لأبٍ .. فلا سُدُسَ لهنّ، وله ولهنّ ما بَقِيَ، للذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين، وإنْ كان مع