محمد فجعل على شرطه أحمد بن حوي بن حوي (١) العذري ثم عزله فولى محمد بن عسامة بن عمرو فوليها عبد الله بن محمد إلى أن صرف عنها لإحدى عشرة بقيت من شعبان سنة تسعين ومائة فخرج عنها واستخلف عليها هاشم بن عبد الله بن عبد الرحمن بن معاوية بن حديج
[٦٢ ب]
الحسين بن جميل
ثم وليها الحسين بن جميل من قبل الرشيد على صلاتها قدمها يوم الخميس لعشر خلون من شهر رمضان سنة تسعين ومائة فجعل على شرطه كامل الهنائي ثم عزله فولى معاوية بن صرد فأقام على صلاتها إلى يوم الجمعة لسبع خلون من رجب سنة إحدى وتسعين ومائة فجمعت له الصلاة والخراج جميعا. قال سعيد بن عفير:
ما كنت أحسب أن الحين يجمع ما … أمسى بمصر من الأنذال في الإمر
أما الأمير فحناج (٢) … وصاحبه
على الخراج سوادي من الأكر … هذا الهنائي من الفسطاط يخلفه
والعامليّ (٣) … على أعماله الأخر
стр. 142
كلّ لصاحبه شكل يلائمه … فهم سواسية (١)
في اللؤم كالحمر
وما هناءة إلا ظلف ذي يمن … والباهليون مأوى اللؤم من مضر
فما يسوغ لنا عيش فينفعنا … مع ما نرى لهم من رقة الخطر
وفي ولايته امتنع أهل الحوف من أداء الخراج وخرج أبو الندى (٢) مولى بلي في نحو من ألف رجل يقطع الطريق بأيلة وبدا وشغب ومدين ثمّ انمار (٣) على بعض قرى الشام ثم ضوى إليه رجل من جذام يقال له المنذر بن عابس بن غطفان ومعه سلام النوي (٤) فبلغوا مبلغا عظيما من النهب والقتل فبعث أمير المؤمنين هارون يحيى بن معاذ في أمرهم فسار يحيى (٥) إلى فلسطين فبعث قائدا من قواده في طلب أبي الندى وابن [٦٣] عابس وبعث الحسين بن جميل*من مصر (٦) بعبد العزيز ابن الوزير بن ضاني (٧) الجروي في عسكر فالتقى العسكران بأيلة (٨)
стр. 143
فحروا (١) سلام النوى ثم أدرك فأخذ وكان أبو الندى (٢) يقول:
أقول إذا (٣) … الرفاق بدت لوجهي
ألا حلّوا رحالكم وطيروا … وإن لم تتركوها فاستعدوا
لحرب مثل حاصبة تغور (٤) …
أقول لصحبتي كروا عليهم … فليس يهرهم إلا الكرور
ثم سار يحيى بن معاذ في جيشه ذلك فنزل بليس فأذعن أهل الحوف بالخراج وكان نزوله بلبيس لإحدى عشرة خلت من شوال سنة إحدى وتسعين ومائة ثم صرف الحسين بن جميل لثنتي عشرة ليلة من شهر ربيع الآخر سنة [اثنتين (٥)] وتسعين ومائة
مالك بن دلهم الكلبي
ثم وليها مالك بن دلهم بن عمير بن مالك من قبل الرشيد على صلاتها وخراجها قدمها يوم الخميس لسبع بقين من شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وتسعين ومائة فجعل على شرطه محمد بن يزيد (٦) بن آدم الأوديّ
стр. 144
من أهل حمص وفرغ يحيى بن معاذ من أمر الحوف وقدم الفسطاط لعشر بقين من جمادى الآخرة سنة اثنتين وتسعين ومائة فنزل دار أبي عون ومعه أبو الندى وابن عابس وغيرهما من أصحابهما
قال أبو عثمان السكريّ أمام يحيى بن معاذ: [٦٣ ب]
قد جبينا قيسا ولم تك (١) … تجبى
وقتلنا أبا الندى وابن عابس … وتركنا لخما وحيي جذام
لا يطيقون (٢) … رفع كف تلامس
آمن (٣) … الله بالمبارك يحيى
حوف مصر إلى دمشق فبالس … وأباد الخلاع من كل أرض
بعد ما حاد عنهم كل فارس
وقال أيضا:
يا قيس عيلان إني ناصح لكم … أدوا الخراج وخافوا القتل والحربا
إنّي أحذّركم يحيى وصولته … فما رأيت له تقيا إذا غضبا
[و] ورد كتاب الرشيد على يحيى بن معاذ يأمره بالخروج اليه فكتب
стр. 145
الى اهل الاحواف ان: اقدموا حتى أوصيكم مالك بن دلهم وأدخل فيما بينكم وبينه في أمر خراجكم. فدخل كل رئيس منهم من اليمانية والقيسية وقد أعد لهم القيود فأمر بالأبواب فأخذت ثم دعا بالحديد فقيدهم وتوجه بهم للنصف من رجب سنة اثنتين وتسعين ومائة فوليها مالك بن دلهم إلى يوم الأحد لأربع خلون من صفر سنة ثلاث وتسعين ومائة
الحسن بن التختاخ
ثم وليها الحسن بن التختاخ من قبل الرشيد على صلاتها وخراجها واستخلف أبا رجب العلاء بن عاصم الخولاني ثم قدمها يوم الإثنين لثلاث خلون من ربيع الأول سنة ثلاث وتسعين ومائة فجعل [٦٤] على شرطه محمد بن خالد (١) ثم عزله وولى أبا شعيب صالح بن عبد الكريم ثم عزله فولى سليمان بن غالب بن جبريل وفي ولايته قدم عليه ابن حبيل بنعي الرشيد واستخلف محمد بن هارون فأعطاهم ابن التختاخ العطاء كاملا ثلثا عينا وثلثا بزا وثلثا قمحا (٢) ووقعت في ذلك فتنة عظيمة حتى قتل ناس من الجند وناس من أهل مصر في المسجد الجامع
وكتب الفضل بن الربيع إلى ابن التختاخ في حمل الأموال فلما صارت بفلسطين وثب أهل الرملة على المال فقالوا: هذا عطاؤنا قد ساقه الله إلينا. فأخذوا من ذلك المال عطاء هم كاملا وادخلوا الباقي بيت المال
فوليها ابن التختاخ إلى أن عزله عنها فسار متوجها في طريق الحجاز
стр. 146
لفساد طريق الشام وذلك يوم السبت لثمان بقين من ربيع الأول سنة أربع وتسعين ومائة واستخلف عليها عوف بن وهب على الصلاة ومحمد ابن زياد بن طبق القيسي على الخراج
حاتم بن هرثمة بن أعين
ثم وليها حاتم بن هرثمة من قبل محمد بن هارون الأمين على الصلاة والخراج وفرض في ألف من الأبناء قدم بهم إليها فسار حتى نزل بلبيس فصالحه أهل الحوف على خراجهم
وثار عليه أهل تنو وتمي وعسكروا وعقدوا عليهم لعثمان بن مستنير الجذاميّ [٦٤ ب] فبعث إليهم حاتم بالسري بن الحكم وعبد العزيز بن عبد الجبار الأزدي وعبد العزيز بن الوزير الجروي (١) فاقتتلوا للنصف من شهر رمضان فانهزم ابن مستنير وقتل أخوه ودخل حاتم الفسطاط ومعه مائة من وجوه اليمانية رهائن وذلك يوم الأربعاء لأربع خلون من شوال سنة أربع وتسعين ومائة فجعل على شرطه ابنه ثم عزله فولى علي بن المثنى ثمّ عزله وولّى عبيد الله الطرسوسيّ. وابتنى حاتم بن هرثمة القبة التي تعرف بقبة الهوى وهو أول من ابتناها
فوليها حاتم إلى أن صرف عنها في جمادى الآخر سنة خمس وتسعين ومائة
جابر بن الأشعث الطائي
ثم وليها جابر بن الأشعث الطائي من قبل محمد الامين على صلاتها
стр. 147
وخراجها وليها يوم الإثنين لخمس بقين من جمادى الآخرة سنة خمس وتسعين ومائة واستخلف على الشرط عبد الله بن إبراهيم الطائي واستخلف على الصلاة أبا شريك يحيى بن يزيد بن صاد (؟) المرادي ثم قدمها جابر فأقر عبد الله بن إبراهيم على الشرط ثم عزله فولى سليمان بن غالب بن جبريل وكان جابر بن الأشعث لينا محببا إلى الناس من العامة والخاصة حتى تباعد ما بين محمد الأمين وبين أخيه المأمون وخلع محمد أخاه من ولاية العهد [٦٥] وترك الدعاء له على المنابر وعهد محمد إلى ابنه موسى الذي يقال له الشديد ودعا له فتكلم الجند بينهم في خلع محمد غضبا للمأمون فأول من تكلم فيه منهم بمصر محمد بن صعير والسري بن الحكم بن يوسف ودنا إلى أهل خراسان في خلع محمد والعقد للمأمون فبايعهما على ذلك نفر يسير ثم تكلم بذلك من أهل مصر زرعة بن معاوية بن قحزم الخولاني وابنه الحارث وهاشم بن عبد الله بن حديج وابنه هبيرة فبعث إليهم جابر بن الأشعث ينهاهم عن ذلك ويخوفهم عواقب الفتن وأقبل السريّ بن الحكم يدعو الناس إلى خلع محمد
فأخبرني ابن قديد أن السري بن الحكم كان أول دخوله إلى مصر أنه كان من جند الليث بن الفضل دخلها في أيام الرشيد: قال: وكان قليل الأمر فارتفع ذكره بقيامه في خلع محمد
وكتب المأمون إلى أشراف أهل مصر يدعوهم إلى القيام بدعوته فكلهم أجابوا سرا وأتى كتاب هرثمة بن أعين إلى عبّاد بن محمد بن حيّان (١)
стр. 148
مولى كندة وكان وكيلا لهرثمة على ضياعه بمصر فأظهر عباد كتاب هرثمة وأحضر الجند إلى المسجد الجامع وقرأه عليهم ودعاهم إلى خلع محمد فأجابه عظيم الناس إلى ذلك فأعطاهم عباد رزقا يسيرا وبايعوا للمأمون وكان خلع محمد بمصر لثمان بقين من جمادى [٦٥ ب] الآخرة سنة ست وتسعين ومائة وبويع عباد بن محمد للمأمون بيعة عامة لثمان خلون من رجب سنة ست وتسعين ومائة ووثب الجند بجابر بن الأشعث فأخرجوه فكانت ولايته عليها سنة
عباد بن محمد بن حيان
ثم وليها عباد بن محمد من قبل المأمون على صلاتها وخراجها لثمان خلون من رجب سنة ست وتسعين ومائة فجعل على شرطه هبيرة بن هاشم بن حديج وبلغ محمدا ما فعله المصريون من خلعه وإخراج عامله جابر بن الأشعث فكتب محمد إلى ربيعة بن قيس ابن البرن (١) الجرشي وكان رئيس قيس بالحوف بولايته على مصر وكتب إلى عبد الصمد بن مسلم بن عمارة الجرشي وإلى يزيد بن الخطاب الكلبي وإلى عثمان بن مستنير الجذامي يأمرهم بمعاونة ربيعة ابن قيس وإنفاذ (٢) أهل الحوف كلهم معه يمنها وقيسها واظهروا دعوة محمد وخلعان المأمون وساروا إلى الفسطاط لمحاربة أهلها فخندق عباد على الفسطاط وخرج أهل الفسطاط من مسيرهم وعقد عبّاد
стр. 149
لإبراهيم بن*حوي بن معاذ (١) العذري على بنا (٢) وسنهور (٣) وسندفا فخشي يزيد بن الخطاب على ماله هناك فسار إلى إبراهيم بن حويّ فالتقوا بدمرو فقتل إبراهيم بن حوي. قال سعيد بن عفير ليزيد بن الخطاب [٦٦] بن طلاب الكلبي:
قتلوا ابن سيدهم وفارس حزبهم … عن غير نائرة ولا أجرام (٤)
أضحت قضاعة قد علتها كأبة … وبنو الحرس (٥)
سوافر الإظلام
فلئن قضاعة لم تطالب ثأرة … بكتيبة خشناء ذات غرام
ما في قضاعة بعدها ما يرتجى … للنائبات وما هم بكرام
وسار ربيعة بن قيس إلى الفسطاط فنزل على الخندق سلخ ربيع الآخر سنة سبع وتسعين ومائة فتناوشوا شيئا من حرب وكانت بينهم قتلى ثم انصرفوا وأقبل عثمان بن بلادة العبسي من قبل ربيعة إلى الخندق (٦) في جمادى الأولى سنة سبع وتسعين فتحاربوا ثم انهزم ابن بلادة يومئذ
стр. 150
من عباد [ثم أقبل (١)] عثمان بن بلادة إلى الخندق في شوال سنة سبع وتسعين فاقتتلوا أياما وعلى أهل الفسطاط أبو الكرم بن حوي بن حوي (٢) فقتل أبو الكرم ثم رأى عباد أن يبعث إليهم بجيش فيحاربهم في ديارهم فعقد لعبد العزيز الجروي فالتقى معهم بعمريط (٣) في ذي القعدة سنة سبع وتسعين فانهزم الحروي ومضى في قومه من لخم وجذام إلى فاقوس فعذله قومه وقالوا: لم لا تدعو لنفسك فما أنت بدون هؤلاء الذين غلبوا على الأرض. فمضى منهم الى بلبيس (٤) فنزلها [٦٦ ب] ثمّ بعث عمّاله يجبون الخراج من اسفل الأرض فبعث إليه ربيعة بن قيس بعثمان بن بلادة يمنعه من الجباية
وسار أهل الحوف أيضا في المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة إلى الخندق فعقد عباد للسري بن الحكم على حربهم فاقتتلوا وقتل جمع (٥) من الفريقين وقتل فيهم محمد بن حري (٦) فانكشف أهل الحوف وبلغهم مقتل محمد الأمين وبيعة المأمون فتفرقوا
وكان مقتل محمد في المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة. وصرف عباد عنها في صفر سنة ثمان فكانت ولايته عليها سنة وسبعة اشهر
стр. 151
المطلب بن عبد الله الخزاعي
ثم وليها المطلب بن عبد الله الخزاعي من قبل المأمون على صلاتها وخراجها دخلها من مكة للنصف من ربيع الأول سنة ثمان وتسعين فأقر هبيرة بن هاشم بن حديج على شرطه ثم عزله فولى محمد بن عسامة ابن عمرو المعافري ثم عزله وولى عبد العزيز بن الوزير الجروي ثم عزله وولى إبراهيم بن عبد السلام بن إبراهيم بن الهيثم الخزاعي ثم عزله فولى هبيرة بن هاشم بن حديج. وقد كان السري بن الحكم تلقاه فأغراه بأهل مصر وخبره بتسريعهم إلى أهل خراسان وخوفه من إبراهيم بن نافع الطائي وكان مباعدا للسري فطلب المطلب [٦٧] إبراهيم الطائي فلم يظهر له فجد في طلبه واتهم زرعة بن قحزم وهبيرة بن هاشم وجنادة بن عيسى وحرى (١) بن عمرو بن سهيل بن عبد العزيز بن مروان فسجنهم ليظهروه عليه ثم ظهر له أنه عند هبيرة بن هاشم فعرضه على السيف أو يأتيه بالطائي فامتنع هبيرة من إظهاره فلما سكن المطلب (٢) عن الطائي أخرجه هبيرة إلى الصعيد فأفلت. قال سعيد بن عفير:
لعمري لقد أوفى وفاق وفاؤه … هبيرة في الطائي وفاء السموأل
وقاه المنايا إذ أتاه بنفسه … وقد برقت في عارض متهلل
стр. 152
فما انفك محبوسا ومطلب له … عليه قصيف بالوعيد المهوّل
فما زاده إلاّ*بعادا لا (١) … توقرا
وصبرا ولم يخشع ولم يتفكل (٢) …
إلى أن تجلت عنه أبيض ماجد … كريم النثا في المشهد المتدخل
وبلغ المطلب مسير ربيعة بن قيس إلى يزيد بن خطاب ليجتمعا على حربه بأسفل الأرض فعقد لعبد العزيز الجروي وبعثه إليهم فالتقوا بشطنوف وكانت بينهم قتلى وبعث المطلب بالسري بن الحكم فكان مقيما بالحوف وتفرقت قيس وسكن أمرهم وكان بهلول اللخمي قد تغلب على الإسكندرية في ولاية عباد فلما قدم المطلب ولى على الإسكندريّة حديج بن عبد الواحد بن [٦٧ ب] محمد بن عبد الرحمن بن معاوية بن حديج فخرجت بنو مدلج بالإسكندرية فبعث إليهم المطلب بأخيه هارون فانهزم هارون ثم صرف المطلب عنها في شوال سنة ثمان وتسعين كانت ولايته عليها سبعة أشهر ونصفا
العباس بن موسى بن عيسى العباسي
ثم وليها العباس بن موسى من قبل المأمون على صلاتها وخراجها فقدمها ابنه عبد الله بن العباس ومعه أبو بشر الحسن بن عبيد بن لوط
стр. 153
ابن عبيد بن عارب الأنصاري قدمها لليلتين بقيتا من شوال سنة ثمان فعزلا المطلب وسجناه وجعلا على الشرط محمد بن عسامة المعافري ثم عزلاه وجعلا مكانه عبد العزيز بن الوزير الجروي
وثاور الأنصاري الجند مرة بعد مرة ومنعهم أعطياتهم وتهددهم وتحامل على الرعية وعسفها وتهددهم بقدوم العباس بن موسى فأوحش الجميع ذلك من فعله
واستصحب عبد الله بن العباس في مسيره إلى مصر محمد بن إدريس الشافعي الفقيه ﵀ فذلك سبب قدوم الشافعي إلى مصر
وخدع عبد العزيز الحروي عثمان بن بلادة وشكلب وعابس وهم من وجوه قيس فأسرهم فقتلهم ابن العباس يوم النحر سنة ثمان وتسعين وعاد الأنصاري على التحامل على الجند والرعية فثاوروه ودعوا إلى ولاية المطلب وهو يومئذ في حبس ابن العباس وذلك في المحرم [٦٨] سنة تسع وتسعين ومائة فكانت مدة مقام ابن العباس خليفة لأبيه عليها شهرين ونصفا
المطلب بن عبد الله الثانية
ثم وليها المطلب بن عبد الله الثانية بإجماع الجند عليه لأربع عشرة خلت من المحرم سنة تسع وتسعين ومائة فبايعوه فجعل على شرطه احمد ابن حوي بن حوي ثم عزله وولى هبيرة بن هاشم بن حديج وهرب الجروي إلى تنيس وانضم عبد الله بن العباس بن موسى إلى عباد بن
стр. 154
محمد فأواه ومنع منه وانضم الأنصاري إلى المطّلب واقبل العبّاس (١) بن موسى بن عيسى من مكة إلى الحوف فنزل بلبيس ودعا قيسا إلى نصرته ثم مضى إلى الحروي بتنيس (٢) فشاوره فأشار عليه أن ينزل دار قيس فرجع العباس إلى بلبيس يوم الأحد لثلاث عشرة بقيت من جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين ومائة فيقال إن المطلب دس إلى قيس فسموا العباس في طعامه فمات ببلبيس لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين ومائة
وعاد إبرهيم الطائي إلى مطلب في ولايته الثانية فكان معه وظهر المطلب على كتب من العباس إلى الطائي والأنصاري فبعث المطلب بهبيرة بن هاشم فقتل الطائي وسلط الجند على الأنصاري فقتلوه. قال معلّى الطائيّ يمدح المطّلب: [٦٨ ب]
كفاهم من العبّاس ما لو*تمنوا به … لا حيالهم بن حور فرعول (٣)
فمن مبلغ المأمون عني نصيحة … وما عالم شيئا سواء ومن جهل
بأن ابن عبد الله لولا مكانه … فعرفت للعباس داهية جلل
стр. 155
وقال سعيد بن عفير في مقتل أبي بشر الأنصاري ويذم مطلبا فيما فعل:
أرى كل جار قد رمى بجواره … وخان أبا بشر جوار ابن مالك
أمطلب هلا منعت ابن غادر … وأذيته قبل انسداد المسالك
فيأخذ حبلا من سواك بعزة … ويمنعه من كل طبل (١)
ومالك (٢)
كحبل نوي (٣) … أو كحبل ابن قحزم
وثيق العرى للمعصم المتماسك
وقال أيضا:
أخبر بني قحطان في مصر أنني … رأيتهم لا يحفظون لهم إصرا
وكاتب مطلب أهل الأحواف بعد موت العباس فانطاعوا له وبايعوه وساروا إلى جب عميرة فلقوا مطلبا وسألوه فولى المطلب يزيد بن خطاب الكلبي على أسفل الأرض وبعث إلى الجروي بعقده على تنيس وأمره بالشخوص إلى الفسطاط فامتنع الجروي من ذلك فبعث المطلب بوال على تنيس وأخرجه الجروي منها ثم سار الجروي في مراكبه حتى
стр. 156
نزل شطنوف فبعث إليه المطلب [٦٩] بالسري بن الحكم في جمع من الجند يسألونه الصلح فأجابهم إليه ثم اجتهد في الغدر بهم فتيقظوا (١) له فمضى راجعا إلى بنا واتبعوه فحاربوه ثم عاد فدعاهم إلى الصلح ولاطف السري فخرج إليه في زلاج وخرج الجروي في مثله فالتقيا وسط النيل مقابل سندفا والسري بشرقيون وقد أعد الجروي في باطن زلاجه الحبال وأمر أصحابه بسندفا إذا لاصق بزلاج السري أن يجروا الحبال إليهم فلصق الجروي بزلاج السري فربطه إلى زلاجه وجر الحبال الرجال فأسروا السري ومضى به الجروي إلى تنيس فسجنه بها وذلك في جمادى الأولى سنة تسع وتسعين
ثم كر الجروي على يزيد بن خطاب فقاتله فهزمه فعقد المطلب لابن عبد الغفار الجمحي وبعثه إلى الجروي وأيده بالرجال فلقيهم الجروي فهزمهم وأسر ابن عبد الغفار ووجوه أصحابه وكانت وقعتهم بسفط سليط (٢) أول يوم من رجب سنة تسع وتسعين ومائة
وعقد المطلب على الإسكندرية لمحمد بن هبيرة بن هاشم بن حديج (٣) فاستخلف محمد عمر بن عبد الملك بن محمد بن عبد الرحمن ابن معاوية بن حديج الذي يقال له عمر بن هلاّل (٤) فوليها عمر بن عبد
стр. 157
الملك ثلاثة أشهر ثم عزله المطلب بأخيه الفضل بن عبد الله بن مالك وكانت بالاسكندريّة مراكب [٦٩ ب] الأندلسيين قد قفلوا من غزوهم فنزلوا الإسكندرية ليبتاعوا ما يصلحهم وكذلك كانوا على الزمان وكانت الأمراء لا تمكنهم دخول الإسكندرية إنما كان الناس يخرجون إليهم فيبايعونهم. فلما عزل عمر بن هلال كتب إليه عبد العزيز الجروي يأمره بالوثب على الإسكندرية والدعاء له بها و [أن] يخرج الفضل بن عبد الله منها فبعث عمر بن هلال إلى الأندلسيين فدعاهم إلى القيام معه في إخراج الفضل عنها فساروا معه فأخرج الفضل منها ودعا إلى الجروي فوثب أهل الإسكندرية على الأندلسيين فأخرجوهم وردوا الفضل عليهم وقتل من الأندلسيين نفر وانهزموا إلى مراكبهم ثم عزل المطلب أخاه وولى عليها اسحاق بن أبرهة بن الصبّاح ابن الوليد بن أبي سمر (١) بن أبرهة بن الصباح الأصبحي فسار إليه عمر بن هلال وذلك في شهر رمضان سنة تسع وتسعين ومائة ثم عزله المطلب وولاها أبا بكر بن جنادة بن عيسى المعافري
وأقبل عبد الله بن موسى إلى مصر طالبا لدم أخيه العباس في المحرم سنة مائتين فنزل على عبد العزيز بن الوزير الجروي فسار معه في جيوش له كثيرة العدد في البرّ والبحر حتى نزل الجيزة فخرج إليه المطلب في أهل مصر فحاربوه في صفر سنة مائتين فرجع الحروي إلى شرقيون
стр. 158
[٧٠] ومضى عبد الله بن موسى إلى الحجاز وظهر للمطلب أن أبا حرملة (١) فرج (٢) الأسود الذي كاتب عبد الله بن موسى وحرضه على المسير فطلبه المطلب فهرب فرج إلى الجروي فهدم المطلب دوره كلها فدفع إليه الجروي من الأموال ما أعاد بناءها
وجد المطلب في أمر عبد العزيز الجروي فبلغ الجروي ذلك فأخرج السري بن الحكم من السجن فعاهده وعاقده أنه يطلقه من سجنه ويلقي الى اهل مصران كتابا ورد بولايته على أن يثور بالمطلب ويخلعه فعاهده السري على ذلك واتفقا جميعا على عقد بينهما فأطلقه الجروي وألقى ذكر ولايته إلى الجند فاستقبله الجند من أهل خراسان وعقدوا له عليهم وامتنع المصريون من ولايته فنزل داره بالحمراء (٣) فبعث إليه المطلب بالجند يحاربونه في كل ناحية من الفسطاط فألحوه في منزله لا يخرج منه وأحاطوا به ثم سار إليه هبيرة بن هاشم بن حديج سلخ شعبان سنة مائتين فتحاربوا بسوق وردان وفي أصحاب القرظ (٤) وثارت غبرة لا يرى منها احد شيئا وتحيّر بهبيرة فرسه عند حيز الإوز فسقط في حفرة فانكسرت رجله وأدركه جمع من أصحاب السري فقتلوه وهم لا يعرفونه واحتزوا رأسه فأتوا به السريّ فعظم عليه مقتله وانصرفت
стр. 159
الفئتان وقد اظهروا الجزع والوجد [٧٠ ب] بقتل هبيرة وانكسر المصريون لذلك وعلاهم السري وأهل خراسان. قال سعيد بن عفير:
لعمري لقد لاقى هبيرة حتفه … بأفضل ما تلقى الحتوف السوارع
بأنف حمي لم تخالطه ذلة … وعرض نقي لم تشنه المطامع
عشية يستكفيه مطلب الذي … به ضاق ذرعا والمنايا كوارع
فما انفك يحميه ويجعل نفسه … له جنة حتى احتوته المصارع
فلاقى المنايا فوق أجرد سابح … وفي الكف مأثور من الهند قاطع
فبينا يخوض الهول من غمراته … وأعداؤه من حوله قد تجاشعوا
تقطر في أهوية عن جواده … فصادفه حين من الموت واقع
فلم أر مقتولا أجل مصابه … على من يعادي والذين يجامع
من ابن حديج يوم أعلن نعيه … وقام به في الناس راء وسامع
стр. 160
*كلا الفيلقين … (١) …
مقاما على ما كان فيه يماصع (٢) …
فولوا فلولا قد علتهم كآبة … وكلهم بادي التلهف جازع
وطلب المطلب الأمان من السري على أن يسلم إليه الأمر ويخرج عن مصر ففعل ذلك السري وسلم إليه المطلب وخرج المطلب في بحر القلزم إلى مكة. قال دعبل للمطلب:
فكيف رأيت سيوف الجريش … ووقعة مولى بني ضبة (٣)
[٧١] أحجتك أسيافهم كارها … وما لك في الحج من رغبة (٤)
فكانت ولاية المطلب هذه الثالثة عليها سنة وثمانية أشهر
السري بن الحكم
ثم وليها السري بن الحكم بإجماع الجند عليه على صلاتها وخراجها لمستهل شهر رمضان سنة مائتين فجعل على شرطه محمد بن عسامة بن عمرو. ووثب عمر بن هلال على أبي بكر بن جنادة بن عيسى المعافري خليفة مطلب بالإسكندرية فأخرجه منها ودعا للجروي بها والجروي والسري متسالمان وأقبل الأندلسيون إلى ابن هلاّل*فكان بلغه (٥) عنهم
стр. 161
بعض الفساد فأمر عمر بإخراجهم من الإسكندرية وإلحاقهم بمراكبهم فاضطغنوا ذلك عليه وظهرت بالاسكندريّة طائفة يسمون بالصوفية (١) يأمرون بالمعروف فيما زعموا ويعارضون السلطان في أمره فتراءس عليهم رجل منهم يقال له أبو عبد الرحمن الصوفي فصاروا مع الأندلسيين يدا واحدة واعتضدوا بلخم*وكانت لخم احد من ناحية الاسكندريّة (٢) فخوصم (٣) أبو عبد الرحمن الصوفي إلى عمر بن هلال في امرأة فقضى (٤) على أبي عبد الرحمن فوجد في نفسه من ذلك وخرج إلى الأندلسيين وألف (٥) بينهم وبين لخم ورجا أهل الأندلس أن يدركوا من عمر بن هلال فساروا إلى عمر وهم زهاء عشرة آلاف من لخم ومن [٧١ ب] الأندلسيين ومن ضوى إليهم فحصروه في قصره فعلم عمر أن القصر لا يمنعه منهم وخاف أن يدخل عليه عنوة فيفضح في حرمه فاغتسل وتحنّط وتكفن وأمر أهله أن يدلوه إليهم فدلي فأخذته السيوف فقتل ثم دلي إليهم أخوه محمد بن عبد الملك بن محمد بن عبد الرحمن بن معاوية ابن حديج فقتل ثم دلي إليهم ابن عمه (٦) أبو هبيرة الحارث بن عبد الواحد فقتل ثم دلي إليهم حديج بن عبد الواحد فقتل وانصرف القوم. قال سعيد بن عفير:
стр. 162
لا يبعدن ابن هلال فقد ذهبت … منه المنون بعلم طيب النسم
لا يرأم الضيم من حب الحياة ولا … يقبل دون فعال الخير بالقسم
ولا يزال له من مجده طرف … يسند ما حاز عن (١)
آبائه القدم
ما انفك يحمي ذمار اسكندرية (٢) … في
هدء حميد وعز غير مهتضم … حتى إذا جاءه (٣)
من كان يأمنه
وصرح الموت جهرا غير مكتتم … خاض الأسنّة واهنديّ محتسبا
حتى تجرع كأس (٤) … الموت من أمم
وكان مقتل عمر بن هلال وأهله في ذي القعدة سنة مائتين ثم فسد أمر لخم والأندلسيين عند مقتل عمر بن هلال وقام بامر لخم رباح (٥) ابن قرة وسار إلى الأندلسيين فحاربهم فانهزمت لخم وظهر (٦) الأندلسيون بالإسكندرية عنوة في ذي الحجة (٧٢) سنة مائتين فولوها أبا عبد الرحمن الصوفي فبلغ من الفساد بالإسكندرية والقتل والنهب ما لم
стр. 163
يسمع بمثله فعزله الأندلسيون عنها وولوا رجلا منهم يعرف بالكناني ثم حاربت بنو مدلج أهل الأندلس فظفر بهم الأندلسيون فنفوهم عن البلاد ولم يقدر أحد من بني مدلج [أن] يرجع إلى أرض الإسكندرية إلا بطلبة من السري بن الحكم إلى أهل الأندلس فيهم (١) حتى أذنوا لهم فرجعوا
حدثني عبيد الله بن عمر بن السارح قال: حدثني عبد الرحمن بن أبي الخطاب قال: حدثني أبي وهانئ بن المتوكل ومحمد بن خلاد عن ضمام بن إسماعيل عن أبي قبيل قال: إني (٢) على الإسكندرية [من] (٣) أربعين مركبا مسلمين وليسوا بمسلمين تأتي على (٤) آخر الصيف أخوف منّي عليها من الروم. قال ابن أبي الخطاب وحدثني ابن حيوة قال: لما ذكر ضمام هذه (٥) الأربعين مركبا وطال اعتناؤه بها وذكره إياها قلت له: يا أبا إسماعيل ما هذه الأربعون مركبا في هذا الخلق لو كانت نيرانا تضطرم.
فقال: اسكت ويلك منها وممن يكون فيها يكون خراب سكندريّة وما حولها
وبلغ الجروي ما فعله الأندلسيون وقتلهم ابن هلال فسار إليهم في خمسين ألفا حتى نزل على حصنها فحاصرها ثم أجهدهم وكاد ان يفتتحها
стр. 164
فخشي السري بن الحكم أن يفتحها ويملكها [٧٢ ب] فبعث عمرو بن وهب الخزاعي إلى تنيس ليخالف الجروي إلى منزله فبلغ ذلك الجروي فكر راجعا إلى تنيس وفسد ما بينه وبين السري. وقال ابن عفير للجروي:
ألا من مبلغ الجروي عني … مغلغلة يعاتب أو يلوم
أقمت تنازل الأبطال حتى … تميز ذو الحفيظة والسئوم
وصلت بهم فما وهنت قواهم … وطير الموت دائرة تحوم
ولو هجمت جموعك حين حلوا … عليهم باد جمعهم المقيم
وكيف رأيت دائرة التواني … أتتك بصحو نحس لا يقيم
أتاك (١) … وقد أمنت ونمت كيدا
لصل لا ينام ولا ينيم
وكان مسير عبد العزيز الجروي إلى الإسكندرية وانصرافه عنها في المحرم سنة إحدى ومائتين ودعا الأندلسيون بها للسري بن الحكم ثم فسد ما بين السري وآل عبد الجبار بن عبد الرحمن الأزدي وكانوا وجوه أهل خراسان بمصر فدنوا من الفساد على السري وبايعهم الجند على ذلك وأظهروا كتابا من طاهر بن الحسين بولايته سليمان بن غالب بن جبريل عليها فوثبوا إلى (٢) السري لمستهل ربيع الأول سنة إحدى ومائتين فكانت ولايته عليها ستة أشهر
سليمان بن غالب بن جبريل البجلي
ثم وليها سليمان بن غالب بن جبريل البجلي على صلاتها وخراجها
стр. 165
[٧٣] بايعه الجند يوم الثلاثاء لأربع خلون من شهر ربيع الأول سنة إحدى ومائتين فجعل على شرطه أبا بكر بن جنادة بن عيسى المعافري ثم عزله وولى عباس بن لهيعة بن عيسى الحضرمي
وانتهب الجند منزل السري فهرب منهم فلجأ إلى دار عسامة بن عمرو ثم سيره سليمان بن غالب بن جبريل إلى إخميم من صعيد مصر فكتب السري إلى بني مدلج فلحقوا به هم وكثير من الناس وأقبل السري سائرا فيهم إلى الفسطاط فبلغ ذلك سليمان بن غالب فبعث إليه بجيش فالتقوا بقمن فحاربوه فانهزم السري وأسر هو وابنه ميمون فأمر سليمان بردّهما إلى إخميم وقيدهما وسجنهما وكانت هذه الوقعة في جمادى الأولى سنة إحدى ومائتين. قال معلى الطائي:
إذا شن في أرض سليمان غارة … أثار بها نقعا كثير المصائب
ألم تر مصرا كيف داوى سقيمها … على حين دانت للعدو المناصب
حماها ولولا ما تقلد أصبحت … حبيسا على حكم القنا والمقانب
قال واستفسد سليمان بن غالب أهل خراسان وقدم عليهم أتباعه وبطانته ففسدوا عليه وتنكروا له وهم سليمان بالفتك فيهم ليقوى أمره فألب عباد بن محمد عليه فخلعوه وقام بالأمر عليّ بن [٧٣ ب]
стр. 166
حمزة (١) بن جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس وذلك لمستهل شعبان سنة احدى ومائتين وسأل الجند عبّادا أن يبايع فامتنع ولحق بالجروي وقال لهم عباد: هذا الرسول قادم عليكم بولاية السري فانطاعوا إلى ذلك. ولحق سليمان بن غالب بالجروي فكان معه فكانت ولايته خمسة أشهر
السري بن الحكم الثانية
ثم وليها السري بن الحكم الثانية من قبل المأمون على صلاتها وخراجها قدم بولايته عمر أخو هرثمة فبعث الجند إلى إخميم فاستخرجوا السري من الحبس فدخل الفسطاط يوم الأربعاء لثنتي عشرة خلت من شعبان سنة إحدى ومائتين فسلم إليه جميع الجند الولاية فجعل على شرطه محمد بن عسامة أياما ثم عزله وولى الحارث بن زرعة بن قحزم أياما ثم عزله فولى ابنه ميمون بن السري ثم عزله وولى أبا بكر بن جنادة بن عيسى المعافري ثم عزله فولى أبا صالح حماد بن المخارق (٢) التميمي ثم عزله فولى أخاه إسماعيل بن الحكم ثم عزله فولى أخاه صالح بن الحكم ثم عزله فولى أخاه داود
وتتبع السري كل من كان [حاربه] او انتهبه فجعل يقتلهم (٣) ويصلبهم فعز وانتظم سلطانه وقوي امره ثمّ ورد عليه كتاب المأمون
стр. 167
يأمره بالبيعة لولي عهده علي بن موسى بن جعفر بن علي بن أبي طالب رضوان الله [٧٤] عليهم العلوي وسماه الرضى ورد الكتاب بذلك في المحرم سنة اثنتين فبويع له بمصر وقام في فساد ذلك إبراهيم بن المهدي ببغداد. فأخبرني أحمد بن يوسف بن إبراهيم عن أبيه أن إبراهيم بن المهدي قال:
فلا جزيت بنو العباس خيرا … على زعمي ولا اغتبطت بري
أتوني مقطعين وقد أتاهم … بوار الدهر بالخبر الجلي
وحل عصائب الأملاك منها … وشدت في رءوس بني علي
فصحت أن تشد على رءوس … تطالبها بميراث النبي
وكتب إبراهيم بن المهدي إلى وجوه الجند بمصر يأمرهم بخلع المأمون وولي عهده وبالوثوب بالسري فقام في ذلك الحارث بن زرعة بن قحزم بالفسطاط وعبد العزيز بن الوزير الجروي بأسفل الأرض وسلامة بن عبد الملك الأزدي الطحاوي بالصعيد وسليمان بن غالب بن جبريل وهو إذ ذاك مع الجروي وعبد العزيز بن عبد الرحمن بن عبد الجبار الأزدي فخالفوا السري ودعوا لإبراهيم بن المهدي وعقدوا على ذلك الأمر لعبد العزيز بن عبد الرحمن الأزدي وأجمعوا على ولايته فحاربه السري فظفر السري بعبد العزيز الأزدي وبجمع من أهل بيته فقتل بعضهم وبعث ببعضهم [٧٤ ب] مع ابنه عبد الصمد فقتلهم هناك (١) وذلك في صفر سنة اثنتين ومائتين ولحق كل من كره بيعة علي بن موسى بالحروي لمنعه وشدة سلطانه ثم أقبل عبيد بن السريّ الى الفسطاط فعارضه سلامة الطحاويّ
стр. 168
بطحا واقتتلوا فانهزم سلامة وأسره عبيد فبعث به إلى الفسطاط فأطلقه السري فهرب سلامة إلى الجروي وسار الجروي إلى الإسكندرية مسيرة الثاني فحصر الأندلسيين بها ثم اصطلحوا على فتح حصنها فدخلها سلامة (١) الطحاوي وعلي بن عبد العزيز الجروي ودعوا للجروي بها ومضى سلامة (١) منها إلى الصعيد في جمع كثير من الجند فأخرج عمال السري ودعا إلى الحروي وسار الجروي في جموعه لمحاربة السري واستعد كل واحد منهما لصاحبه بأعظم ما قدر عليه فبعث السريّ ابنه ميمون على تلك الجيوش فنزل ميمون بشطنوف وسار معه مراكبه في البحر قد شحنها بالرجال والسلاح وأتاه عبد العزيز الجروي في البر والبحر فالتقوا بشطنوف فقتل ميمون بن السري وانهزم عسكره وذلك في جمادى الآخرة سنة ثلاث ومائتين. قال أبو بحاد الحارثي (٢) من بني الحارث بن كعب:
جمع رعاعك يا سري فإنها … حرب تحس سعيرها قحطان
[٧٥] قتلوا أبا حسن وجروا شلوه … كالكلب جر بشلوه الصبيان
ولت تجيب وأسلمته جيادها … عيلان يوم تواكلت عيلان (٣)
فاستخرجوه ملببا فأتى به … يجري ويهرج حوله السودان
أبشر فإن (٤) … .. نجمك بعده
عرض السّماء (٥) ونجمك الدّبران
стр. 169
لا تبك فالعقبى لإخوته غدا … أو بعده فكما تدين تدان
وقال معلّى الطائيّ يرثي ميمونا:
لو رد غرب منية بشجاعة … أحد لدافع ركنها ميمون
لو كان تجريد السيوف يردها … لحماه منها منصل وثمين
ما زلت أطمع في رجوعك سالما … ويروعني شفقا عليك ظنوني
فليفجعن غدا بقتلك طاهر … وليفجعن بقتلك المأمون
وأقبل الجروي في مراكبه بعد قتل ميمون إلى الفسطاط ليحرقها فخرج إليه أهل المسجد وسألوه الكف فانصرف عنها
ثم ظهر للجند موت علي بن موسى العلوي وانخذال إبراهيم بن المهدي فأظهروا بيعة المأمون ودعوا إليه وورد كتاب المأمون إلى السري بذلك وبغسل المنابر التي دعي عليها لعلي بن موسى فغسلت ثم إن الأندلسيين أخرجوا عامل الحروي من الإسكندرية وهو معاوية بن عبد الواحد بن محمد بن عبد الرحمن بن معاوية بن حديج وغلقوا [٧٥ ب] الحصن دونه وخلعوا الجروي ودعوا إلى السري فسار إليهم الحروي في شهر رمضان سنة ثلاث ومائتين فعارضته القبط بسخا وأمدتهم بنو مدلج وهم نحو من ثمانين ألف فخرج إليهم الجروي فهزمهم وهربت بنو مدلج. قال معلى الطائي:
فقل لأمير المؤمنين نصيحة … وما حاضر شيئا كآخر غائب
لقد حاطنا عبد العزيز بسيفه … ولولاه كنا بين قتل وناهب
وبعث الجروي بجيوشه إلى الإسكندرية فحاصروها. وعقد السريّ
стр. 170
لأخيه داود في ذي القعدة سنة ثلاث ومائتين على جيش إلى الصعيد بعثه إلى سلامة بن عبد الملك الطحاوي فالتقوا فانهزم سلامة وأسر هو وابنه إبراهيم فبعث بهما إلى الفسطاط فقتلا يوم السبت لتسع عشرة خلت من المحرم سنة أربع ومائتين. قال المعلى الطائي:
أراد الطحاوي التي لا شوى لها … فأوقد نارا كان بالنار صاليا
ودب لأقطار البلاد بفتنة … فجاشت بسقم لا يجيب المداويا
وراسله من كان يحفى بفاقة … وأصبح ذا ميل إليه مماليا (١)
جنت ما استحق القتل يا صاح كفه … وكل امرئ يجزى بما كان جانيا
وأجمع السري على الغدر بوجوه الجند الذين معه وكان يخافهم فجمعهم [٧٦] إليه وأخبرهم أن رسولا قد قدم من قبل طاهر بن الحسين واشار عليهم أن يتلقوه فخرجوا في النيل وخرج معهم في مركب غير مركبهم وهم عباد بن محمد وعوف بن وهب الخزاعي وعلي بن ابي عون وعليّ ابن إبراهيم وأخو الرافقي وحمل معهم أخاه إسماعيل بن الحكم وجعل في باطن المركب غلاما له وأمره أن يخرق المركب ففعل الغلام ذلك فغرقوا ومعهم اخوه وأخرجوا امواتا
стр. 171
ثم إن عبد العزيز الجروي سار إلى الإسكندريّة مسيره الرابع فاغلق الأندلسيّون حصنها فحاصرهم الجروي أشد الحصار ونصب عليهم المنجنيقات [و] أقام على ذلك سبعة أشهر من مستهل شعبان سنة أربع ومائتين إلى سلخ صفر سنة خمس فأصاب الجروي فلقة من حجر منجنيقة فمات سلخ صفر سنة خمس ومائتين. ومات السري بن الحكم بالفسطاط بعده بثلاثة أشهر يوم السبت لسلخ جمادى الأولى سنة خمس ومائتين فكانت ولايته عليها ثلاث سنين وتسعة أشهر وثمانية عشر يوما
أبو النصر بن السري
ثم وليها أبو نصر بن السري بويع يوم الأحد مستهل جمادى الآخرة سنة خمس ومائتين وهو على الصلاة والخراج فجعل على شرطه محمد بن قشاش (١) ثم عزله وولّى اخاه عبيد الله بن السريّ [٧٦ ب] فاستخلف محمد بن عتبة بن يعفر (٢) المعافري فالذي كان بيد أبي نصر من أرض مصر فسطاطها وصعيدها وغربيتها وأما أسفل الأرض كله فكان بيد علي بن عبد العزيز الجروي مع الحوف الشرقي
ثم سار أحدهما إلى صاحبه في النيل فالتقوا بشطنوف فاقتتلوا وعلى جيش أبي نصر أخوه أحمد بن السري فانهزم أحمد بن السري وأحسن علي ابن الجروي فيه الظفر فلم يتبعه. فقال سعيد بن عفير لعليّ بن الجرويّ:
стр. 172
ألا من مبلغ عني عليا … رسالة من يلوم على الركوك
علام حبست (١) … جمعك مستكفا (٢)
بشط ينوف في ضنك ضنيك
وقد سنحت لك الغفران ممّن … رماك بجيشه الوهن الرّكيك
أمن بقيا فلا بقيا لمن لا … يراها عند فرصته عليك
ثم بعث أبو نصر أيضا بمراكبه عليها أحمد بن السري فأتاه علي بن الجروي في مراكبه فالتقوا بدمنهور فيقال أن القتلى بينهما كانوا يومئذ سبعة آلاف وانصرف أحمد بن السري إلى الفسطاط وتبعه أبو ثور اللخمي في مراكب علي بن الحروي إلى جسر الفسطاط وعزم على حرق الفسطاط فخرج إليه أهل مصر وسألوه الكف ومضى فرج أبو حرملة إلى علي بن الجروي فسأله الصلح فاصطلحا على أن يكف أحدهما عن الآخر
ثم توفي أبو نصر ليلة الاثنين [٧٧] لثمان خلون من شعبان سنة ست ومائتين وكانت ولايته عليها أربعة عشر شهرا
عبيد الله بن السري
ثم وليها عبيد الله بن السري بايعه الجند يوم الثلاثاء لتسع خلون من شعبان سنة ست ومائتين وهو على صلاتها وخراجها فجعل على شرطه محمد بن عتبة بن يعفر المعافري (٣) وكف عبيد الله عن عليّ بن الجرويّ
стр. 173
فكف علي عنه حتى انسلخت سنة ست ومائتين وعقد المأمون لخالد بن يزيد بن مزيد الشيباني على صلاتها وبعثه في جيش من ربيعة وأفناء الناس حتى دخل أرضها وراسل عبيدا فامتنع عبيد من التسليم له واحتج عبيد أن كتاب أمير المؤمنين المأمون ورد عليه بولايته وبعث عبيد بأخيه أحمد بن السري يمانع خالد بن يزيد من المسير فالتقوا بفاقوس من حوف مصر الشرقي فاقتتلوا ثم تحاجزوا وانضم علي بن الجروي إلى خالد بن يزيد وأقام له الأنزال ودله على الطريق وحفر عبيد الله خندقا وفرض فروضا وخالد مجد في جباية ما مر عليه من القرى ثم سار خالد حتى نزل دمنهور على أميال من الفسطاط ثم سار أيضا إلى خندق عبيد فاقتتلوا لخمس خلون من ربيع الأول سنة سبع ومائتين اقتتلوا ثلاثة أيام وأسر خالد شماس بن داود بن الحكم [٧٧ ب] فقتله صبرا ثمّ صبّحهم عبيد الله اليوم الرابع فكر عليهم بنفسه فانهزموا عنه. قال معلى الطائي:
فيا من رأى جيشا ملا الأرض فيضه … أطل عليهم بالهزيمة واحد
تبوأ دمنهورا فدمر جيشه … وعرد جيش الليل والليل راكد
ونزل خالد بدمنهور ووافقه عبيد بها وسفر بينهما رجال من الجند فكان يحتج بكتاب أمير المؤمنين المأمون وولايته إيّاه عليها. قال سعيد ابن عفير:
يا أيها المتحاربان وإنما … دعواهما المأمون في الصّدقات
стр. 174
هل ترجعان إلى التقية والتقى … وتتاركان تغاور الغارات
حتى يجيء من الخليفة أمره … فيميز بين الحق والشبهات
ثم التقوا صبيحة الاثنين لمستهل ربيع الآخر سنة سبع ومائتين فاقتتلوا وأسرع القتل في الفريقين جميعا ثم عدوا عن (١) الحرب فقهقر (٢) اصحاب خالد وملّوا الحرب وكرهها اصحاب عبيد ايضا واقبل النيل فترفّع خالد إلى أرض الحوف فلما رأى ذلك علي بن الجروي مكر (٣) بخالد حتى أخرجه عن عمله (٤) فقال لخالد: إني لا أرى لك أن تقيم في بلاد قيس وهم جند الحوف وهذا النيل قد مد فتصير أسيرا في أيديهم وقد رأيت أن أقدم لك (٥) سفنا تجوز فيها إلى عدى النيل وأمدّك بالطعام والعلف فاذا انكشف النيل عدت إلى موضعك. فأجابه [٧٨] خالد فقدم إليه علي بن الجروي مراكبه فعدى فيها النيل حتى صار إلى نهيا فنزل في رملها وانصرف علي بن الجروي وتركه بها في ضر وجهد قال معلى:
سلا خالدا لما انجلى عنه شكه … وأسلمه في عدوة البحر خاذله
فزالت أمانيه غداة سما لنا … بعارض جيش يمطر الموت وابله
فلما انكشف النيل عسكر عبيد بالجيزة لعشر خلون من شهر
стр. 175
رمضان سنة سبع ثم سار إلى خالد بنهيا فحاربه فأسر خالد بن يزيد واستأمن عظيم جيشه ودخل به إلى الفسطاط يوم الإثنين لخمس خلون من شوال سنة سبع. قال معلى الطائي:
ألا لا أرى خيلا أضر له الوغى … وأجبن في الهيجاء من خيل خالد
وقواده أشرار كل قبيلة … تمالوا على إسلامه في الشدائد
فما أسروا منه جبانا معضدا … ولكن أبا شبلين عبل السواعد
فإن يقتلوه يقتلوا منه سيدا … شجاعا جوادا ماجدا وابن ماجد
وإن كففوا عن قتله فهي منة … لآل سري في مناط (١)
القلائد
ودعا عبيد بن السري بخالد بن يزيد فسأله عما ذهب له من مال فخبره به فدفع إليه عبيد أضعافه ومن عليه وخيره بين المقام عنده أو يخرج حيث شاء فاختار ركوب البحر من القلزم إلى مكّة فخرج من [٧٨ ب] مصر
وقدم حماد بن أبي سمين (٢) رسولا من أمير المؤمنين المأمون بولاية عبيد على ما في يديه وضمنه خراجه وبولاية علي بن الجرويّ على ما في
стр. 176
يديه وضمنه خراجه. وأقبل علي بن الجروي على استخراج خراجه فمانعه قوم من أهل الحوف وكتبوا إلى عبيد يستمدونه (١) على علي فأمدهم وبعث بأخيه أحمد بن السري إليهم فسار علي بن الجروي إليه فالتقوا بالنوب (٢) من كورة بنا وهو الموضع الذي يقال له بلقينة فاقتتلوا يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت من صفر سنة سبع ومائتين
وخرج عبيد من الفسطاط فعسكر بالبثنون ثم عسكر بدفرا وعاود ابن الجروي أحمد بن السري الحرب بمحلة أبي الهيثم سلخ صفر وعاوده أيضا لثلاث خلون من ربيع الأول وهم منتصفون (٣) ثم انصرف ابن الجروي فتحمل فيمن معه ومضى إلى دمياط. قال معلى الطائي:
ألا هل أتى أهل العراقين وقعة … لنا بحمى بلقين شيبت الولدا
وما كان منا قتلهم عن جهالة … خطاء ولكنا قتلناهم عمدا
ولما تبينت المنية في القنا … نكصت تنادي حين ضل الندا سعدا
فوليت عن ربع المحلة هاربا … على*أبله ما تركب (٤)
الجور والقصدا
стр. 177
فكيف رأيت الله أنزل نصرة … علينا وولاك المذلة والطردا
سنهدي (١) … إلى المأمون منا نصائحا
نضمنها طي الصحائف والبردا … [٧٩] بفعل (٢)
علي والذي كان مجمعا
عليه بإظهار الخلاف الذي أبدا
ومضى أحمد بن السري إلى محلة شرقيون فدخلها وأمر بنهبها فكان من أعظم ما اتاه ومضى علىّ بن الجرويّ الى طنطاح (٣) ومضى أصحاب عبيد إلى تنيس ودمياط فدخلوها ومضى عبيد فدخل تنيس لإحدى عشرة بقيت من ربيع الأول سنة تسع ولحق ابن الجروي بالفرما ثم إلى العريش فنزل فيما بينهما وبين غزة. قال سعيد بن عفير:
ألا يا علي بن عبد العزيز … إلى أين [صرت] تريد الفرارا
فلست بأول من كاده … عدو فكر عليه اعتكارا
وأجر مصيرك أن يسحبوا … إليك فتوحا عظاما كبارا
فتدرك ثأرك من أهله … وتلبس بعد الكبوّ الفسارا (٤)
وعاد علي بن الجروي فأغار على الفرما مستهل جمادى الآخرة سنة تسع وهرب أصحاب عبيد من تنيس ودمياط فلحقوا بالفسطاط وأقبل ابن الجروي إلى شطنوف فجمع له عبيد واستعد وعقد لمحمد بن سليمان بن الحكم
стр. 178
عليهم فالتقوا بشطنوف فكانت لابن الجروي أول النهار ثم أتاه كمين عبيد فانهزم وذلك يوم الإثنين لثماني عشرة خلت من رجب سنة تسع ومضى عبيد بن السري إلى تنيس ودمياط ولحق علي بن الجروي بالعريش. قال معلّى الطائيّ:
[٧٩ ب] ألم تر خيله صبحت عليا … تدف (١)
على مناسجها النساعا
فولى عن عساكره وخلى … على الأسل المدائن والرباعا
ولكن فات فوق أقب نهد … كرجع الطرف لا تخشى (٢)
اصطلاعا
فحسبك أنّ قومك من جذام … وسعد لا ترى لهم اجتماعا
دعتهم طاعة لك فاستجابوا … ومن عجب لمثلك أن يطاعا
وأقبل علي بن الجروي أيضا في المحرم سنة عشر ومائتين فدخل تنيس ودمياط بغير قتال وأتى محلة شرقيون فبعث عبيد بمحمد بن سليمان بن الحكم في المراكب فنزل طوخ فبعث إليه ابن الجروي بابن غصين السعدي فقاتله فانهزم ابن غصين فبلغ ذلك عليّا فمضى الى الهو [رين] ثمّ دخل منها الى جرجير (٣)
стр. 179
عبد الله بن طاهر
وأقبل عبد الله بن طاهر بن الحسين إلى الشام فظفر بنصر بن شبث (١) في سنة عشر ومائتين وأقبل سائرا إلى مصر فتلقاه علي بن الجروي بالأموال والإنزال وانضم إليه وبعث عبد الله بن طاهر إلى عبيد يدعوه إلى السمع والطاعة فلم يتحاش عبيد إلى ذلك وسار ابن طاهر فنزل بلبيس فراسل عبيدا أيضا وخوفه ومناه وأرهبه فلم يجنح إلى شيء من ذلك وبعث عبيد أيضا أبا صالح حماد بن المخارق إلى أمير المؤمنين المأمون وجعل يدافع ابن طاهر ويحكم أموره ويحفر خندقه ويشحن سفنه [٨٠] وجعل عليها ابن الأكشف وابن طاهر يتراخى عنه غير أنه قد بعث عماله يجبون الخراج وسار ابن طاهر من بلبيس حتى نزل زفيتا (٢) وعقد بها جسرا وبعث عيسى بن يزيد الجلودي إلى شطنوف وأقبلت سفن ابن طاهر من الشأم فجعل عليها عليّ بن الجرويّ لمعرفته بالحرب في البحر وبعث عبيد ايضا مراكبه عليهم أبو السرور عسامة (٣) بن الوزير الشيباني فالتقوا فانهزم أصحاب عبيد وأقبل ابن طاهر إلى خندق عبيد الذي احتفره فنزل عليه يوم الجمعة لخمس خلون من المحرم سنة إحدى عشرة فتقاتلوا فاستأمن أبو السرور في جمع كبير إلى ابن طاهر ثم تخامروا.
قال أبو تمام حبيب بن أوس الطائيّ:
стр. 180
لعمري لقد كانت بمصر وقيعة … أقامت على قصد الهدى كل مائل
على الخندق الأقصى وما كان حوله … وما قد يليه من فضاء وساحل
رأى ابن السري النصر أول يومه … وأودى بليث من أبي السّر وباسل
لوين جموع ابن السري وخيله … شماطيط تترى كالنعام الحوافل
فلما رأوا أن لا محيص وأنه … كفاح الردى في كل حق وباطل
توخّوا أمان الأريحيّ ابن طاهر … فمن فارس يأتيه طوعا وراجل
وقدم أبو صالح التميمي بأمان عبيد من قبل امير المؤمنين يوم الثلاثاء لأربع [٨٠ ب] بقين من المحرم سنة إحدى عشرة وبتوقيع المأمون إلى ابن طاهر في طي كتابه الذي كتب به ابن طاهر يسأل فيه أمان عبيد بهذه الابيات:
أخي أنت ومولاي … الذي أحفظ نعماه (١)
فما تهوى من الأمر … فإنّي سوف أهواه