النظر لسبع بقين من المحرم سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة فكانت مدة مقامه ونظره تسعة أشهر
عبد الله بن أحمد بن شعيب الثالثة
ثم ولي ابن شعيب من قبل المستكفي ورد عليه الكتاب من بغداد فأخفاه [٢٢١ ب] خوفا من ابن هروان لأنه كان خليفته فلما خرج ابن هروان إلى الشام أظهر الكتاب فقام بأمره ابن مقاتل وتسلم الحكم وقرأ كتابه في الجامع فلم يزل على ذلك إلى أن ورد الخبر بوفاة ابن هروان فصرف في رجب سنة ست وثلاثين وثلاثمائة
عمر بن الحسن الهاشمي
ولما ولي المطيع ولى محمد بن الحسن الهاشمي وصرف عبد الله بن أحمد بن شعيب*وكتب إلى عمر بن الحسن أخيه (١) في رجب سنة ست وثلاثين وثلاثمائة بالولاية على مصر فنزل إلى الجامع وعليه السواد وقرأ كتاب العهد ونظر بين الخصوم فلم يزل ينظر في الأحكام إلى النصف من ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة فصرف بابن أم شيبان وكانت ولاية عمر بن الحسن هذه ثلاث سنين ونصفا
عبد الله بن محمد بن الخصيب (٢)
ثم تسلم ابن الخصيب القضاء خليفة لمحمد بن صالح بن أم شيبان الهاشمي للنصف من ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة فلم يزل ينظر
стр. 492
في الأحكام هو وابنه إلى أن عرضت له العلة في ذي الحجة سنة سبع وأربعين وتوفي في المحرم سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة فكانت ولايته إلى وفاته ثمان سنين وأربعة وعشرين يوما (١)
محمد بن عبد الله بن محمد بن الخصيب
فلما توفي الخصيبي نظر ابنه أبو عبد الله في الحكم بعد موت ابيه بامر كافور خليفة لابن أم شيبان فلبس السواد وركب إلى الجامع [٢٢٢] ونظر بين الخصوم شهرا واحدا وأربعة أيام وعرضت له العلة فتوفي في ربيع الأول سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة وعاش بعد أبيه خمسة وأربعين يوما
أبو الطاهر الذهليّ
ثم جعل الأمر إلى أبي الطاهر محمد بن أحمد باتفاق من أهل البلد ورضي منهم به فأثنوا عليه عند كافور فسلم الأمر إليه للنصف من ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة فلم يزل ينظر في الحكم إلى أن صرف يوم الجمعة لليلتين خلتا من صفر سنة ست وستين وثلاثمائة فلم يزل في داره مصروفا عن الحكم الى أن توفي في ذي الحجة سنة سبع وستين وثلاثمائة وصلي عليه في الجامع ورد إلى داره .... (٢) فدفن فيها ثم أخرج فدفن في الصحراء نحو الجبل. سمعته يقول: ولدت سنة تسع وسبعين ومائتين
стр. 493
أبو الحسن علي بن النعمان بن محمد بن حيون
رد إليه العزيز بالله الحكم الذي عهده يوم الجمعة ولما كان يوم الجمعة لليلتين خلتا من صفر سنة ست وستين وثلاثمائة قرئ عهده على الناس قرأه أخوه أبو عبد الله فجلس يوم الأحد في الجامع وحضر الشهود ونظر بين الخصوم ووقع في النكاح إلى من رسم بالسعادة وامتنع أن يوقع إلى من كان أبو الطاهر يوقع إليه وما ضرهم الله بذلك
آخره والحمد لله على مننه [٢٢٢ ب] وسوابغ آلائه ونعمه حمدا كثيرا وصلّى الله على خيرته من خلقه محمد وآله الذي ارسله للناس كافّة بشيرا ومديرا ورضي الله عن اصحابه وسلّم تسليما
تابع الذيل
بسم الله الرحمن الرحيم وبه العون والعصمة والحول والقوة
بقيّة التالي لكتاب ابي عمر محمد بن يوسف الكنديّ في اخبار قضاة مصر
ابو الطاهر الذهليّ
وولي محمد بن أحمد (١) بن نصر السدوسي يكنى أبا الطاهر من قبل الأستاذ كافور في شهر ربيع الأول سنة سبع وأربعين وثلاثمائة ..... (٢)
стр. 494
علي بن النعمان بن حيون
ثم ولي بعده أبو الحسن علي بن النعمان بن محمد بن حيون رد إليه العزيز بالله الحكم وقرئ عهده على منبر جامع مصر العتيق يوم الجمعة لتسع خلون من صفر سنة ست وستين وثلاثمائة ثم اعتل ونزل يوم الإثنين الجامع على الرسم [و] حكم بين الناس ثم نهض لوقته ومضى إلى داره فأقام متخلفا أربعة عشر يوما وتوفي لست خلون من رجب سنة أربع وسبعين وثلاثمائة
محمد بن النعمان بن حيون
ثم ولي أخوه محمد بن النعمان القضاء ويكنى ابا عبد الله يوم الجمعة لسبع بقين من رجب سنة أربع وسبعين وثلاثمائة في أيام العزيز بالله
الحسين بن علي بن النعمان بن حيون
ثم ولي حسين بن علي بن النعمان سنة تسعين وثلاثمائة وعزل في شوال [٢٢٣] سنة أربع وتسعين وثلاثمائة في أيام الحاكم بأمر الله وقتل بعد ولاية [عبد] العزيز
عبد العزيز بن محمد بن النعمان بن حيون
ثم ولي عبد العزيز بن محمد بن النعمان وهو ابن عم حسين في شوال سنة أربع وتسعين وثلاثمائة القضاء وقتل في نصف رجب سنة ثمان وتسعين
стр. 495
وثلاثمائة في أيام الحاكم بأمر الله
مالك بن سعيد الفارقي
ثم ولي مالك بن سعيد بن سعيد (١) الفارقي في يوم الجمعة للنصف من رجب سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة ونزل الجامع وقرئ سجله بتقلده القضاء قبل الصلاة والارتفاع سا في الخامس فلم يزل على القضاء إلى أن قتل في يوم السبت لأربع بقين من شهر ربيع الآخر سنة خمس وأربعمائة
أحمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن [أبي] العوام (٢)
ثم ولي بعد أن أقام إقليم مصر بغير حكم أبو العباس أحمد المعروف بابن [أبي] العوام في رابع وعشرين شعبان سنة خمس وأربعمائة وكان أحمد هذا على الفرض في أيام مالك بن سعيد كل ذلك في أيام الحاكم ثم أقام على القضاء إلى أن انتقلت الخلافة من الحاكم الى ولده أبي الحسن الظاهر لإعزاز دين الله فقلده أيضا القضاء وكان على ذلك إلى سلخ شوال سنة إحدى عشرة وأربعمائة لأن في هذا اليوم غاب الحاكم بأمر الله وبقي الأمر شورى إلى أن استقر الظاهر لإعزاز دين الله بعد شهرين ثم مات أبو العباس أحمد بن العوام يوم السبت للعشرين من ربيع الأول سنة ثمان عشرة وأربعمائة فكان بين ولايته وموته اثنتا عشرة سنة وستّة اشهر وخمسة وعشرين يوما
стр. 496
[٢٢٣ ب]
القاسم بن عبد العزيز بن محمد بن
عبد الله بن النعمان
ثم ولي أبو محمد القاسم بن عبد العزيز بن محمد بن عبد الله [بن] النعمان [في] اليوم الرابع من جمادى الأولى سنة ثماني عشرة وأربعمائة بعد أن أقام الحكم شورى بعد موت ابن العوام ثلاثة وأربعين يوما ولقب بألقاب شتى وهي قاضي القضاة وداعي الدعاة ثقة الدولة أمين الأئمة شرف الأحكام جلال الإسلام فأقام سنة واحدة وشهرين وثلاثة وعشرين يوما ثم عزل
أبو الفتح عبد الحاكم بن سعيد بن سعيد الفارقي
وولي من بعده أبو الفتح عبد الحاكم بن سعيد بن سعيد الفارقي في يوم الثلاثاء السابع والعشرين من رجب سنة تسع عشرة وأربعمائة في أيام الظاهر لإعزاز دين الله والوزير بمصر أبو القاسم علي بن أحمد الجرجرائي (١) وكان لقبه كما كتب به على الطراز (٢) وكوتب به: وزير أمير المؤمنين وخالصته أبو القاسم علي بن أحمد أمتع (٣) الله به وأيده وعضده.
وخليفته على الحكم بدمياط القاضي أبو بكر أحمد بن عبيد الله بن محمد ابن إسحاق وكان قد ندب لكونه قاضي القضاة بمصر ثم لم يتم ذلك
وفي جمادى الآخرة سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة طلع القاضي ابن إسحاق إلى مصر بحسب العادة ليقيم بها ثلاثة اشهر رجب وشعبان
стр. 497
ورمضان فدس عليه رجل يعرف بإبراهيم الأعرج من أهل دمياط ادعى عليه بسبعة عشر دينارا وحلفه في مجلس قاضي القضاة أبو الفتح عبد الحاكم بن سعيد بن سعيد الفارقي
وكان بتنيس قاضي شريف يعرف بالعقيقي مات في المحرم سنة أربع وعشرين وأربعمائة .... (١) وولي القاضي أبو [٢٢٤] بكر أحمد بن عبيد الله بن محمد بن إسحاق تنيس وسار إليها يوم السبت سادس عشر صفر ودخل إليها يوم الأحد وقرئ سجله وحكم بين أهلها واستخلف ولده بدمياط وحصل له القضاء بتنيس ودمياط وسائر أعمالها
ولما كان في آخر شهر ربيع الاوّل ظهر كوكب الذؤابة يسمى الرمح من أفق المشرق في السحر في برج الحوت وأقام أياما يطلع على حالته وابن كيسون يذكر [هـ] في الحكم على ذوات الذوائب بحكم واسع مما جرت عليه تجارب العلماء ويقول في هذا الكوكب حكم كثير أحدها يذكره أنه إذا طلع*عمل سبة (٢) في الدين وفساد حال المتدينين ونحو ذلك
فلما كان في أول شهر ربيع الآخر اتصل بنا أن رجلا يعرف بالربلعيّ (٣) كان بمصر مات خلف مالا جزيلا وخلف بنتا طفلة وجارية أمّا للطفلة فورثته ابنته ثمّ ماتت فانتقلت النعمة الى أمها فتطاولت إليها بالخطبة ثم خطبها قاضي القضاة عبد الحاكم بن سعيد بن سعيد الفارقي لبعض أسبابه فلم تجبه إلى ذلك فوجه إلى أربعة من شهوده منهم الشريف ابن حسان وابن الزلباني وابن موسى بن مالك وابن التجيبيّ وكتب عليها
стр. 498
محضرا بأنها سفيهة ووضع يده على التركة فهربت منه إلى دار الوزير صفي أمير المؤمنين وخالصته أبي القاسم علي بن أحمد أمتع الله به وأيده وعضده وبهذه الألقاب لقبه أمير المؤمنين وطرحت نفسها على جواريه فانهوا [٢٢٤ ب] حالها اليه ثمّ أحضرت اليه فعرّفته ما جرى عليها فأمرها بوضع محضر تزكية لها وبأخذ فيه خطوط من استوى لها من الشهود ففعلت ذلك وشهد لها فيه أبو الحسين .... وأبو الحسين بن مالك بن سعيد وأتته به فأمر بإحضار قاضي القضاة وأجرى عليه المكروه قولا وفعلا على ما فعل ووكل به بمائة دينار في كل يوم وأمر بحمل ما عنده من المال الذي أخذه في أيام ولايته الحكم وهو يشتمل على جملة كثيرة لأن كان له على ما ذكر خمسون ألف دينار في السنة وكان أقام منذ ولايته إلى أن كانت هذه القصة أربع سنين وثمانية أشهر وأياما ثم قبض على الأربعة الشهود فجرى (١) عليهم المكروه وطرحوا المطبق ويذكر أن الشريف منهم هرب وطلب ولم يصح هربه بل هو معهم معتقل وخلع (٢) على الشاهدين اللذين شهدا لها وأفرج للمرأة عن مالها وأطلق سبيلها وأقام التوكيل على القاضي أياما يزن في كل يوم مائة دينار وابنه يحكم عوضه ثم أطلق سبيله ورجع إلى الحكم وأسقط الشهود وأن (٣) ابن الزلباني الشاهد كان المصلي للفرض في جامع الأسفل فاستبدل به وجرى له أيضا
وذكر أنه مما جرى أيضا في هذه المدة على ما اتصل بنا بعقيب هذه
стр. 499
القضيّة ان الشريف القاضي فخر الدولة أبا يعلى حمزة بن الحسن بن العبّاس ابن أبي الجن (١) الذي كان بدمشق دخل إلى مصر منذ مدة فقال [٢٢٥] للحضرة: إن أذنت لي الحضرة بمسيري إلى الشام كفيتهم حال ما يحمل إلى الشام من المال. وكان مال الشام يقوم به ويوجه إلى الأمير منتجب الدولة (٢) بدخل فوعد أن ينظر في ذلك فحكى أن قاضي القضاة كان حاضرا فأجرى الحديث في داره وكان له حاجب يعرف [ب] البرحوم فكتب بالحال إلى صديق له بدمشق فأخذه وأوراه للأمير قائد الجيوش الدزبري (٣) فأخذه وأنفذه في كتابه إلى الحضرة فقبض على كاتب الكتاب حاجب القاضي وضرب بالسياط وسجن ووثب القاضي أيضا على ذلك إذ سمع شيئا واخرجه
صورة اختتام نسخة الأصل
تمّ كتاب الولاة والقضاة الذين ولوا مصر وتواريخهم بحمد الله وعونه وحسن توفيقه وذلك يوم الاثنين الخامس من صفر سنة اربع وعشرين وستمائة للهجرة النبويّة بمدينة دمشق حرسها الله تعالى حامدا ومصلّيا
стр. 500
ملحق
لاستيفاء اخبار القضاة الذين ولوا بمصر بين سنة ٢٣٧ وسنة ٤١٩
يشتمل على تراجم جمعت من كتاب رفع الإصر عن قضاة مصر تأليف الحافظ شهاب الدين احمد المعروف بابن حجر العسقلانيّ المتوفى سنة ٨٥٢
مع بعض الاستمداد لها من كتاب النجوم الزاهرة بتلخيص اخبار قضاة مصر والقاهرة الذي فرغ من تأليفه في سنة ٨٧٧ جمال الدين يوسف بن شاهين سبط ابن حجر المذكور
ومن كتاب تاريخ الاسلام تأليف الحافظ شمس الدين محمد بن احمد الذهبيّ المتوفى سنة ٧٤٨
стр. 501
الحارث بن مسكين
عن رفع الاصر (ص ٣١ ب) زيادة على الترجمة التي في كتاب القضاة
وقال الخطيب (في الحارث بن مسكين) كان فقيها على مذهب مالك وكان ثقة في الحديث حمل في ايّام المأمون في محنة القرآن الى العراق فلم يجب فسجن الى ان ولي المتوكّل فاطلقه وحدّث ببغداد ورجع الى مصر وولي القضاء من قبل المتوكّل في سنة ٣٧ وجلس للحكم. كذا قال الخطيب انه حمل في محنة القرآن والذي حكاه غيره ان حمل بسبب غيره قال: لمّا قدم المأمون مصر تلقّاه الناس بالفرما يرفعون على عمّال اهل مصر فدسّ الفضل بن مروان وهو (٣٢) يومئذ وزير المأمون قوما يثنون عليهم ليقع التعارض وجلس الفضل بن مروان في الجامع وحضر مجلسه يحيى بن اكثم القاضي واحمد بن ابي دواد واسحاق بن إسماعيل بن حمّاد بن زيد وهو يومئذ على المظالم بمصر وطلب الحارث بن مسكين لتوليته القضاء فحضر فبينما هو يكلّمه اذ قال له المتظلّم: سل اصلحك الله الحارث عن ابن أسباط وابن تميم. وكان قد تظلّم منهما فقال الفضل بن مروان: ليس لهذا احضرناه. فالحّ عليه فسأله: ما تقول في هذين الرجلين. فقال: ظالمين غاشمين. فقال: ليس لهذا احضرناك.
فاضطرب اهل المسجد فقام الفضل فدخل على المأمون فقال: لقد خشيت على نفسي من ثوران الناس مع الحارث. فارسل المأمون الى الحارث فحضر فاعاد عليه المسألة فقال: ظالمين غاشمين. فقال له المأمون: هل ظلماك في شيء. قال: لا. [قال]:
فعاملتهما. قال: لا. قال: كيف شهدت عليهما. فقال: كما اشهد انك امير المؤمنين ولم ارك قطّ الاّ الساعة وكما اشهد انك غزوت ولم احضر غزوك. فقال: اخرج من هذه البلاد فليست بلادك وبع قليلك وكثيرك فانك لا تبقى فيها أبدا. وحبسه في قبّة [ابن] هرثمة في رأس الجبل في خيمة؟. ثم انحدر المأمون واحدره معه. فلما فتح البلاد التي قصدها احضر الحارث فلما دخل عليه سأله عن المسألة بعينها فاعاد الجواب
стр. 502
بعينه. ثم قال له: ما تقول في خروجنا هذا. فقال: اخبرني عبد الرحمن بن القاسم عن مالك ان الرشيد كتب اليه يسأله عن قتال اهل دهلك فقال: ان كان خروجهم عن ظلم من السلطان فلا يحلّ قتالهم وان كانوا انما شقّوا العصا فقتالهم حلال. فاجابه المأمون بجواب قبيح سبّه فيه وسبّ مالكا وقال للحارث: ارحل عن مصر. فقال: يا امير المؤمنين الى الثغر. قال: لا الحق بمدينة السلام. فشفع فيه ابو صالح الحرّانيّ فقال له:
يا شيخ تشفّعت فارتفع (١) وانحرف المأمون على الحارث واشتدّ غضبه منه واسمعه المكروه وعدّ له ذنوبا من جملتها امتناعه عن القضاء وكان الفضل لمّا عرض عليه القضاء امتنع
وكان الحارث ايضا منحرفا عن الدولة العبّاسيّة لانه كان من موالي بني أميّة فارتحل الى العراق فاقام ببغداد من [سنة] ١٧ الى سنة ٢٣٢ في خلافة الواثق وكان ابن ابي دواد ذكره للواثق فقال: ما ظننت انه حيّ. فقال: هو باق. فامر بحمله الى سرّ من رأى فشفع فيه ابن ابي دواد وقال: هو شيخ وكثرة الحركة تثقل عليه وتنقبه واخاف ان يموت. قال: فاكتب اليه يتوجّه حيث شاء. فتوجّه الى بلده. وكان جماعة من بغداد قد ألفوه فتأسّفوا على فقده منهم ابو عليّ الجزريّ فكتب الى سعدان بن يزيد وهو يومئذ بمصر يعرفه ما غمّه من فقد الحارث فاجابه بابيات منها:
أيّها الشاكي الينا وحشة … من حبيب بان عنه فبعد
ولقد متّعك الله به … بضع عشرين سنين قد تعد
لو تراه وابا زيد معا … وهما للدين حصن وعضد
يدرسون العلم في مسجدهم … واذا جنّهم الليل هجد
وابو زيد المذكور هو عبد الرحمن بن ابي الغمر احد الفقهاء بمصر
وقال ابو عمر: حكم الحارث في دار الفيل دار ابي عثيم مولى مسلمة بن مخلّد وكان ابو عثيم حبس هذه الدار على مواليه الذين بفسطاط مصر وسمّاهم في كتاب تحبيسه وهم كعب بن سليمان وناصح ويسار ورافع واولادهم واولاد اولاد اولادهم ما تناسلوا ذكرهم وأنثاهم سواء فاذا انقرضوا رجعت الى [جزءين] الاول
_________
(١) هذا كله منقول عن كتاب الموالي للكندي كما يظهر بمراجعة الخطط (ج ٢ ص ٢٠٢) وصححناه على رواية الخطط
стр. 503
الفقراء والمساكين والآخر من يسكن مصر من بني ساعدة فتلقه [ن ولينه] (؟) من آل ابي دجانة وهم عصبة موالي مسلمة من المطوّعة ومن اهل الديوان ممن لم يبلغ عطاؤه مائتين فمن بلغها فلا حقّ له فان لم يكن بمصر احد منهم فهو للفقراء والمساكين ايضا وتاريخ هذا المجلس سنة ٩٣. فاتّفق ان قدم مولى لابي عثمان من افريقيّة اسمه وتاج ولم يكن ممّن سمّي في هذا المجلس فادّعى ان له حقّا مثل ما لكل من هو [ينتمي] الى ابي عثمان وذلك في ولاية توبة بن نمر فلم يقبل منه ذلك واخرجه من ذلك وقضى بالاستحقاق للموجودين غيره من اولا [د] من سمّي وذلك في سنة ١٧ وتأخّر من ذريّة (٣٤ ب) المسمّين محمد بن ناصح وعزّة بنت عمرو بن رافع فماتت عزّة وتركت ولدها ابراهيم بن عبد الصمد بن السائح فالتمس من المفضّل بن فضالة ان يقضي له بنصيب امّه فامتنع وسلّم الحبس كلّه لمحمد بن ناصح. ثم عاد ابن السائح فخاصم الى عبد الرحمن العمريّ فاخرج محمد بن ناصح قضيّة المفضّل فامضاها العمريّ. ثم تخاصم الى ابراهيم بن الجرّاح فقضى لابن السائح بالنصف ثم مات ابراهيم بن السائح ومحمد بن ناصح فتخاصم اسحاق بن ابراهيم بن السائح وعبيد الله بن محمد بن ناصح الى هارون الزهريّ فقضى ان لا حقّ لاسحاق على وفق ما قضى به المفضّل. ثم تخاصما الى محمد بن ابي الليث فقضى لابن السائح بالنصف على وفق ما قضى ابن الجرّاح. ثم ترافع عبيد الله بن محمد بن ناصح واحمد ابن ابراهيم بن السائح الى الحارث بن مسكين فاخرج النصف من يد ابن السائح على وفق ما قضى به هارون فاخرج عيال احمد واسحاق اخيه من الدار وسكّنها كلّها لعبيد الله بن محمد بن ناصح وكان اسحاق غائبا فقدم اسحاق فكلّم الحارث واخرج له حكم ابن الجرّاح فامتنع عليه واصرّ على ان الاستحقاق لعبيد الله وحده
فلما طال عليه الامر خرج الى العراق فتظلّم الى المتوكّل فامر باحضار الفقهاء فنظروا في حكم الحارث فخطّئوه وكانوا على مذهب اهل الكوفة. فامر المتوكل القاضي جعفر بن عبد الواحد وهو يومئذ قاضي القضاة ان يصرف الحارث عمّا تولاّه من القضاء بمصر فكتب جعفر بذلك وعزل الحارث وقرّر عوضه دحيما
وكانت مدّة ولايته ١٢ سنة الاّ شهرا وعاش بعد هذا الى سنة ٥٠ وصلّى عليه
стр. 504
الامير يزيد وكبّر عليه خمسا. [قال] ابن يونس: وكان مولده سنة ٤ [١٥] وقيل سنة ١٥٥ فعاش ٩٥ سنة وزيادة
بكّار بن قتيبة
عن رفع الاصر ص ٢٦ ب وعن التلخيص ص ٢٦ ب
بكّار بن قتيبة بن [عبيد] الله بن ابي بردعة بن عبيد الله بن بشير بن عبيد الله بن ابي بكرة ابو بكرة الثقفيّ ثم البكراويّ كذا نسبه ابن عساكر وساق نسبه من عند ابي عمر الكنديّ فاسقط [عبد] الله بن قتيبة عبيد الله بن ابي بردعة وبشير ابن عبيد الله وكذا في تاريخ ابي جعفر الطحاويّ وامّا ابن يونس فاسقط عبيد الله الاوّل واثبت الثاني وهو المعتمد. وفي سير النبلاء للذهبيّ: بكّار بن قتيبة ابن أسد بن عبيد الله ولد سنة ١٨٢ وهو حنفيّ اخذ الشروط والفقه عن هلال بن يحيى الراي وعن (٢٧) عيسى بن أبان وطلب الحديث فاكثر عن ابي داود الطيالسيّ ويزيد بن هارون وصفوان بن عيسى وعبد الصمد بن عبد الوارث ومؤمّل بن إسماعيل وغيرهم من مشايخ البصرة كأبي احمد الزبيريّ وعبد الله بن بكر وعفّان وحسين ابن جعفر الاصبهانيّ وابراهيم بن ابي الوزير وحبّان بن هلال وابي عاصم وعثمان بن الهيثم وسعيد بن عامر ويحيى بن حمّاد ويلى (؟) بن ابراهيم وعبد الله بن رجاء وروح ابن عبادة وابي الوليد الطيالسيّ وابي عامر العقديّ ويعقوب بن اسحاق ويحيى بن يونس وحسين بن مهديّ وقريش بن أنس في آخرين
وذكر ابن عساكر في الرواة عنه ولده بكر بن بكّار وفيه نظر لانه سيأتي في قصّته مع موسى بن عبد الرحمن انه قال: ما نكحت قطّ. روى عنه ابو داود السجستانيّ خارج السنن وابن خزيمة وابو عوانة في صحيحهما ويحيى بن محمد بن صاعد وابن جوصا واحمد بن عبد الله الناقد والحسن بن محمد [بن؟] النّعمان ومحمد بن محمد بن ابي حذيفة الدمشقيّ واكثر عنه الطحاويّ جدّا. وروى عنه ايضا احمد بن سليمان بن حذلم الدمشقيّ وابو الميمون عبد الرحمن والحسن بن حبيب الحصائريّ وعليّ بن الحسين بن محمد بن ابي الحديد وجعفر بن محمد بن موسى وابراهيم بن
стр. 505
اسحاق الصرقديّ [السمرقندي؟] وابو الطاهر احمد بن محمد بن عمرو المدينيّ وابو العبّاس محمد بن يعقوب [الاصمّ؟] وهذا خاتمة اصحابه. وكان له اتّساع في الفقه والحديث
قال أبو بكر بن المقرى في فوائده: سمعت محمد بن بكر الشعرانيّ يقول:
سمعت احمد بن سهل الهرويّ يقول: كنت ألازم غريما الى بعد العشاء الآخرة او نحو هذا (قال) وكنت ساكنا في جوار بكّار بن قتيبة فانصرفت الى منزلي فاذا هو يقرأ «يا داود إنّا جعلناك خليفة في الارض» الآية فوقفت اتسمّع عليه طويلا ثم انصرفت فقمت في السحر على ان اصير الى منزل الغريم فاذا هو يقرأ هذه الآية يردّد فعلمت انه كان يقرأها من اوّل الليل
وفي فوائد المشرف بن عليّ الثّمار من رواية احمد بن سعيد سمعت سعيد بن عثمان يقول: سمعت بكّار بن قتيبة يقول:
لنفسي أبكي لست ابكي لغيرها … لعيبي في نفسي عن الناس شاغل
وقال ابو عمر الكنديّ: قال محمد بن ربيع الجيزيّ: ولي من قبل المتوكّل فدخلها يوم الجمعة لثمان ليال خلون من جمادى الآخرة سنة ٢٤٦
ويقال انه لقي وهو قاصد مصر محمد بن ابي الليث بالجفار وهو الرمل الذي بين غزّة والعريش راجعا الى العراق مصروفا فقال له بكّار: انا رجل غريب وانت قد عرفت البلد فدلّني على من اشاوره وأسكّن اليه. فقال له: عليك برجلين احدهما عاقل وهو يونس بن عبد الاعلى فانني سعيت في سفك دمه وقدر عليّ فحقن دمي والآخر موسى بن عبد الرحمن بن القاسم فانه زاهد. قال: فصفهما لي. فوصفهما له فلمّا دخل بكّار (٢٨ ب) مصر ودخل الناس رأى شيخا بالوصف الذي وصف له به يونس بن عبد الاعلى فظنّ انه هو فاكرمه فبينما هو في الحديث معه اذ قيل: جاء يونس بن عبد الاعلى فأعرض عن الرجل وتلقّى يونس فاكرمه واتاه موسى بن عبد الرحمن فاعظمه واستشاره واخذ برأيه وحمل يونس بكّارا على فسخ قضيّة الحارث بن مسكين في دار الفيل ففعل
واشتهى بكّار ان يرى الحارث بن مسكين فعرّف بزمانته فركب اليه وسلّم
стр. 506
في داره بسوق وردان. فاتّفق ان بكّارا قال لموسى بن عبد الرحمن بعد ما تخصّص به: يا ابا هارون من اين المعيشة. قال: من وقف ابي. قال: يكفيك. قال: قد تكفّيت به وقد اسأل القاضي فانا شاكّ. قال: سل. قال: هل ركب القاضي دين بالبصرة لم يجد له وفاء حتى تولّى القضاء. قال: لا. قال: فرزق ولد أحوجه الى ذلك. قال: لا.
قال: فعيال. قال: ما نكحت قط. قال: فاجبره السلطان وخوّفه. قال: لا. قال:
فضربت آباط الإبل من البصرة الى مصر لغير حاجة لله عليّ ان دخلت عليك ابدا.
فقال: أقلني. قال: انت ابتدأت. ثم انصرف عنه فلم يعد اليه
وقد استبعد صاحبنا جمال الدين [اي البشبيشي] صحّة هذه الحكاية من جهة ان ابن ابي الليث كان حينئذ محبوسا بالعراق لان خروجه من مصر كان في سنة ٤١ قبل مجيء بكّار بخمس سنين
واجرى المتوكّل على بكّار في الشهر مائة وثمانية وستين دينارا فلم يزل يجري عليه طول حياته قلت: وهي على حساب خمسة ونصف وثمن كل يوم فلعلّها كانت ستّة فخبّط الكتّاب منها نقص الأهلّة؟
وكان بكّار عارفا بالفقه كثير البكاء والتلاوة وكان اذا فرغ من الحكم خلا بنفسه وعرض من تقدّم اليه وما حكم به على نفسه وكان يكثر الوعظ للخصوم ولا سيّما عند اليمين وكان يحاسب أمناءه في كل وقت ويسأل عن الشهود
وكان ابراهيم بن ابي ايّوب يكتب للحارث بن مسكين فلمّا دخل بكّار مصر حضر اليه وكان ذكر عنده بسوء فقال له: انصرف فلا حاجة لنا بك. فخرج فرآه اهل الخصومات الذين بباب بكّار فثاروا اليه ومزّقوا ثيابه وضربوه فقيل لبكّار:
ان لم تدركه قتل. فقام فنادى: كفّوا فقد اشركناه في الكتابة مع كاتبنا. [فجعل] الذين وثبوا عليه ينفّضون ثيابه ويتعذّرون اليه ولولا هذه الحيلة من بكّار كان ابراهيم قتل ثم لم يستعمله بكّار
ولمّا امر المتوكّل ببناء المقياس في الجزيرة كتب الى بكّار ان يندب الى المقياس امينا فاختار لذلك ابا الردّاد عبد الله بن عبد السلام المؤذّن فاستمرّ ذلك في ولده وذلك في سنة ٢٤٧ وكان الذي يتولّى امر المقياس النصارى فامره المتوكّل
стр. 507
ان لا يولّيه الا مسلما يختاره ذكر ذلك ابن زولاق وذكر ابو عمر الكنديّ ان كتاب المتوكّل بذلك ورد على يزيد امير مصر فاقام ابا الردّاد المعلّم واجرى عليه ابن وهب صاحب الخراج كل شهر ستّة دنانير وكانت وفاة ابي الردّاد المذكور في سنة ٢٨٠
ودخل ابو ابراهيم المزنيّ على (٢٨) بكّار في شهادة ولم يكن رآه قبلها لاشتغال المزنيّ بنفسه وانّما اضطرّ الى اداء الشهادة فلمّا ادّاها قال له: تسمّ. فقال: إسماعيل ابن يحيى المزنيّ. قال: صاحب الشافعيّ. قال: نعم. فاستدعى من شهد عنده انه هو فقبل شهادته
قال الطحاويّ: ما ادري كم كان يجيء احمد بن طولون الى بكّار وهو على الحديث فما يشعر به بكّار الاّ وهو جالس الى جنبه فيقول: ما هذا ايّها الامير هلاّ تركتني حتى اقضي حقّك احسن الله مجازاتك
وقال ابو حاتم بن اخي بكّار: قدم على بكّار رجل من اهل البصرة ذكره انه كان رفيقه في المكتب فاكرمه جدّا ثم احتاج الى شهادة فشهد مع رجل مصريّ عند بكّار فتوقّف عن الحكم فظنّ اهل مصر انه لاجل المصريّ فسئل في خلوته عن ذلك فقال: المصريّ على عدالته ولكن السبب البصريّ. وذكر منه امرا اتاه منه في الصغر قال: لا تطيب نفسي اذا ذكرت ذلك ان اقبل شهادته. وذكر انه اكل معه أرزا في سمن فنفد السمن الذي من ناحية بكّار ففتح من جهة صاحبه حتى جرى السمن فقال له: أخرقتها لتغرق أهلها. فقال له بكّار: أتهزأ بالقرآن في مثل هذا فبقيت في نفسه عليه
ومات رجل من المتقبّلين وعليه مال للامير وله اطفال فطلب عامل الخراج من احمد ان يأمر القاضي ببيع داره فيما عليه فارسل ابن طولون الى بكّار في ذلك فقال: حتى يثبت عليه الدين. فاثبتوه وسألوه البيع فقال: حتى يحلف من له الدين فحلف ابن طولون فقال بكّار: امّا الآن فقد امرت بالبيع
ومات آخر وعليه مال وله دار حبس فقال عامل الخراج لاحمد: ان بكّارا يرى بيع الحبس. فسأله ففعل كما فعل في المرّة الاولى فلما ثبت الدين وثبت وضع يده عليه وانه حبس قال ابن طولون لبكّار: مر ببيعه على مذهبك. فسكت
стр. 508
ساعة فعاوده فقال: ايّها الامير انك قد بنيت المسجد الجامع والمارستان والسقاية والصهريج وحبست على ذلك ما شاء الله فلا تجعل لغيرك على احباسك سبيلا.
فسكت احمد
وكان بكّار في غاية العفاف والسلامة واتّفق ان دخل عليه بعض أمنائه وهو مخرّق الثياب فقال: بعثتني احفظ تركة فلان فصنع بي جاره هذا. فقال: أحضروه.
فاحضره الاعوان فقال بكّار: انت صنعت هذا باميني. قال: نعم. فقال: خذوه.
فاخذه العوان فسقط ميّتا فدهش بكّار فقال أمناء القاضي: هذا عمله اليوم مات مرّتين. فاستوى الرجل جالسا فقال: كذبوا والله ما مات الاّ الساعة. ورقد فجعل بكّار يرشّ عليه الماءورد [ويشمّمه] الكافور ويرفق به ويعده الى ان قام فصرفه واقبل على اعوانه فقال: هدّدتموه وجرّدتموه فلو وافق اجله
وكان ابن طولون اذا حضر جنازة لا يصلّي عليها غيره الاّ ان يكون بكّار حاضرا
ولما مات يحيى بن القاسم العلويّ السفيه [ن. السبت] (؟) كانت جنازته حافلة فحضر ابن طولون وبكّار بعد ان صلّى الناس على الجنازة فقال ابن طولون: حطّوا النعش. وقال لبكّار: تقدّم فصلّ عليه. فقال له: كم اكبر (٢٨ ب). قال: خمسا.
فتقدّم بكّار فصلّى عليه وكبّر خمسا واعاد اكثر الناس الصلاة عليه مع بكّار
وقدم قوم من اصحاب الحديث ليسمعوا من بكّار فقال: من ايّ البلاد انتم.
قالوا: من الرملة. قال: وما حال قاضيكم: قالوا: عفيف. فقال بكّار: انّا لله يقال «قاض عفيف» فسدت الدنيا
وكان بكّار عثمانيا فتظلّم اليه رجل فجعل ينادي: ذهب الاسلام. فقال له بكّار:
يا هذا نحر عثمان فما ذهب الاسلام يذهب بسببك. فلما وقع بينه وبين ابن طولون نكبه بها ابن طباطبا النقيب
وقال الطحاويّ: جاء رجل الى ابي جعفر محمد بن العبّاس التل الفقيه فقال له: في يدي دار لرجل غائب واني اريد إخراجها من يدي. فقال له: صر الى القاضي فسلّمها له. فمضى وعاد فقال: قلت له فقال: أخرجوه. فقال له التل: صدق عد اليه
стр. 509
واذكر له موضعها وحدودها. ففعل فقال: أخرجوه. فقال له التل: صدق عد اليه وسمّ له اسم صاحبها وانه غائب. فقال: أخرجوه. فقال له التل: صدق عد اليه واذكر له الموضع الذي هو غائب فيه. فقال: اخرجوه. فقال التل: صدق عد اليه واذكر له انه لا ملك لك عليها ولا على شيء منها بسبب من الاسباب. فقال:
اخرجوه. فقال التل: صدق عد اليه وقل له: انا عاجز عن حفظها. فمضى ثم عاد فقال:
عرّفته ذلك فقال: اكتبوا عليه بما ذكر كتابا وأعطوه نسخة واقبضوا الدار وأقيموا لها امينا حتى يحضر صاحبها. فقال له التل: ابتليت بقاض فقيه. قلت والتل هذا يسمّى محمد بن العبّاس بصريّ سكن مصر ومات في ذي الحجة سنة ٢٧٢
وقال بكّار يوما في مجلسه: ما حللت سراويل على حلال قطّ. فقال له رجل:
ولا حرام. فقال: والحرام يذكر
وقال ابو مسعود الاسد: كنت اتردّد انا واخي الى بكّار بسبب احباس. فجئت يوما فصعدت الى الدرجة فسمعته يخاطب وكيلا له ويقول له: بعثتك لتزوّج امرأة فتزوجتها انت وهو يعتذر وبكّار يوبّخه فلما قضى كلامه نزل فعرفته واذا هو من شهوده. وكان الحسن بن محمد بن سنان بن اخي يزيد بن سنان من وجوه المصريّين وكان يريد من بكّار ان يقبل شهادته فلم يفعل فصعدت انا الى بكّار فقال: متى جئت. قلت: حين كنت تعاتب فلانا. فقال خذ هذين الدينارين واكتم ما سمعت منّي. فقلت: أفعل. ثم نزلت من عنده [وسرت الى] الحسن بن محمد فقلت له:
اريد عمامة وطيلسانا واحدّثك حديثا. فاخرج اليّ عمامة وثوبا زهريّا فحدّثته فركب من ساعته فلم يرجع حتى طافت على وجوه المصريّين فبلغ ذلك بكّارا فارسل اليّ فقال: أعرّفت احدا ما سمعت. قلت: لا وفي رأس القاضي. قال: فمن اين بلغ الخبر محمد بن الحسن. قلت: قد قيل ان الجنّ تبول في الماء فلا يشرب احد من ذلك الماء الاّ علم بذلك الخبر. فقال بكّار: قد قيل ذلك انصرف في حفظ الله. قال:
وكان محمد بن حسن [لعله الحسن بن محمد في الموضعين] امينا عند القضاة وكانت ودائع بكّار وغيره عنده وعند زوجته فاطمة بنت يزيد بن سنان وعاش (٢٩) محمد ابن الحسن الى سنة ٢٩٩
стр. 510
وقال ابن زولاق: حدّثني عبيد الله بن عبد الكريم قال: وكان بكّار يشتهي ان يسمع كلام المزنيّ فاجتمعا يوما في جنازة فاشار بكّار الى ابي جعفر التل ان يسأل المزنيّ عن مسئلة فقال التل: ما رأيت اعجب من اصحابنا الشافعيّين لهم احاديث في تحريم قليل النبيذ ولنا احاديث في تحليله فمن جعلهم اولى باحاديثهم منّا باحاديثنا. فقال المزنيّ: ليس يخلو ان يكون احاديثكم قبل احاديثنا او بعدها فان كانت قبلها فهكذا نقول انها كانت محلّة ثم حرمت فما نحتاج الى احاديثكم وان كانت احاديثكم بعد احاديثنا فهذا لا يقوله احد انها كانت حلالا ثم صارت محرّمة ثم حلّلت. فقال فيه بكّار: سبحان الله ان يكون كلام ادقّ من الشعر فهو هذا.
واتّفق فراغهم فصاح المنادي: انصرفوا. قال عبيد الله بن عبد الكريم: وكان بكّار يخالف اصحابه في تحليل قليل النبيذ ويذهب الى تحريمه وعاتب ابا جعفر التل صاحبه على الشرب
قال: فكان بكّار في غاية المعرفة بالقضاء فاحتاج مرة الى قبول شهادة رجل فسأل عنه فقيل له: ما يعرف حاله الاّ ابنا الحلال الشافعيّان. وكانا من جلساء المزنيّ وارسل اليهما فسألهما فقالا: عاملناه ووافانا. فقال لهما بكّار: عاملكما ووافاكما واعفاكما. فقالا: لا تردّدنا اليه. فقال: وكان قادرا على الوفاء. قالا: نعم. قال:
فوقف عن قبول شهادته
قال: وكان في مجلس ابن طولون فتخاصم رجلان فقال له: احكم بينهما. فنظر في القضيّة وتوجّه اليمين على احدهما فاستحلفه فلما فرغ قال له الخصم: استحلفه ايّها القاضي برأس الامير. فقال بكّار: يا هذا قد حلف بالله اعظم من الامير. فقال:
بل استحلفه برأس الامير. فقال له بكّار: تحلف برأسه. قال: لا. فقال له بكّار:
يا عدوّ الله تحلف بالله خالق السموات والارض وتمتنع ان تحلف برأس مخلوق مثلك.
قال: فحظي ذلك الرجل بعد ذلك عند احمد بن طولون
قال ابن زولاق: كان لبكّار اتّساع في العلم والمناظرة ولما رأى مختصر المزنيّ وما فيه من الردّ على ابي حنيفة شرع هو في الردّ على الشافعيّ فقال لشاهدين من شهوده: اذهبا الى المزنيّ فقولا له: سمعت الشافعيّ يقول ما في هذا
стр. 511
الكتاب. فمضيا وسمعا المختصر كله من المزنيّ وسألاه: أسمعت الشافعيّ يقول هذا. قال: نعم. فعادا الى بكّار فاخبراه بذلك فقال: الآن استقام لنا ان نقول:
قال الشافعيّ. ثم صنّف الرد المذكور
ولما غضب احمد بن طولون على بكّار سجنه وكان السبب في ذلك انه لما خرج الى قتال الموفّق بسبب العهد حين ضيّق الموفّق وهو وليّ العهد على اخيه المعتمد وهو الخليفة حينئذ حتى انه لم يبق للمعتمد الاّ الاسم ضاق المعتمد بذلك وكاتب أمراء الاطراف فوافقه احمد بن طولون وواعده انه يحضر اليه ويحمله معه الى مصر ويجعلها دار الخلافة ويذبّ عنه من يخالفه في ذلك فتهيّأ المعتمد واهتمّ احمد بامره فبلغ الموفّق فنصب لاحمد الحرب وصرّح بعزله ولعنه فصرّح احمد بخلع الموفّق من ولاية العهد وامر بلعنه وخرج احمد بالعسكر من مصر واستصحب بكّارا فلما كان بدمشق جاء كتاب المعتمد الى ابن طولون بخلع الموفّق من ولاية العهد ففعل (٢٩ ب) واجاب القضاة كلهم الى خلعه وسمّاه بكّار الناكث واشهد على نفسه هو وسائر قضاة الشأم والثغور فطلب منهم احمد ان يلعنوا الموفّق فامتنع بكّار فألحّ عليه فأصرّ على الامتناع حتى اغضبه وكان قبل ذلك له مكرما معظّما عارفا بحقّه وكان يجيزه في كل سنة بالف دينار فلمّا غضب عليه ارسل اليه: اين جوائزي. فقال: على حالها.
فاحضرها من منزله بخواتيمها ستّة عشر كيسا فقبضها احمد
وكان قبل ذلك ارسله الى ابنه العبّاس لما خالف عليه ببرقة فاجابه العبّاس الى الرجوع الى ابيه ثم خلا ببكّار فقال له: المستشار مؤتمن أتخاف عليّ من ابي. قال: قد امّنك وحلف لك ولا ادري يفي ام لا. وامتنع العبّاس من الرجوع معهم
وكان احمد قد داوم النظر في المظالم حتى استغنى الناس من الشّرطتين عن القاضي حتى كان بكّار ربّما نعس في محلّه واتّكأ ثم انصرف الى منزله ولم يتقدّم اليه اثنان
ولمّا ألحّ ابن طولون على بكّار في لعن الموفّق وامتنع من اجابته خوطب في ذلك الى ان قال بكّار لاحمد بن طولون: ألا لعنة الله على الظالمين. فقال
стр. 512
عليّ بن الحسن ابن طباطبا وكان نقيب الطالبيّين بمصر: ايّها الامير انه عاداك.
فغضب احمد وامر بتمزيق ثيابه وجرّوه برجله وليس عليه الاّ سراويل وخفّان وقلنسوة مسلوب الثياب [وكان يدخل عليه لا يستطيع التربيع بل يمدّ رجله من تحت ثيابه] فضربه رجل [من تحت] بعود حديد على رجله الممدودة فقال:
أوّه. وضمّها ثم حمل من بين يديه الى السجن واقامه للناس يطالبونه بمظالم يدّعونها عليه وكان يحضر في مجلس المظالم بين يدي احمد قائما وكان الطحاويّ يقول: ما تعرّض له احد فافلح بعد ذلك لقد تعرّض له غلام يقال له عامر بن محمد ابن نجيح وكان في حجره فرآه في مجلس المظالم فقال بكار: يا عامر ما تصنع هاهنا.
فقال: اتلفت عليّ مالي. فقال: ان كنت كاذبا فلا نفعك الله بعقلك. قال: فاخبرني من رآه ذاهل العقل [يسيل؟] لعابه يسبّ الناس ويرميهم بالحجارة والناس يقولون هذه دعوة بكّار. قال: وتقدّم اليه نصرانيّ فقال: ايّها الامير ان هذا الذي يزعم انه كان قاضيا جعل ربع ابي حبسا. فقال بكّار: ثبت عندي ان اباه حبس هذا الربع وهو يملكه فامضيت الحبس فجاءني هذا متظلّما فضربته فخرج الى بغداد فجاءني بكتاب هذا الذي يزعم انه الموفّق: لا تمض احباس النصارى. فعرفت انه جاهل فلم التفت اليه وقد شهد عندي اسحاق بن معمر بان هذا كان اسلم ببغداد على يد الموفّق فان شهد عندي آخر مثل اسحاق ضربت عنقه. فصاح احمد بالنصرانيّ: المطبق. فأخرج فخبس
ومن فضائل بكّار ان رجلا خاصم آخر شافعيا في شفعة جوار فطالبه عند بكّار فانكر فطاوله بكّار حتى عرف انه من اهل العلم فقال بكّار للمدّعي: ألك بيّنة.
قال: لا. قال لخصمه: أتحلف. قال: نعم. فحلّفه فحلف فزاد في آخر اليمين: انه ما يستحقّ عليك هذه الشفعة على قول من يعتقد شفعة الجوار. فامتنع فقال له بكّار:
قم فأعطه شفعته. (قال) فاخبر الرجل المزنيّ بقضيّته فقال له: صادفت قاضيا فقيها
وقال الطحاويّ: لما قبض احمد بن طولون يد بكّار عن الحكم وسجنه امره ان يسلّم القضاء لمحمد (٣٠) ابن شاذان الجوهريّ كالخليفة له ففعل ثم كان بكّار اذا حضر مجلس المظالم للمناظرة يعاد الى السجن اذا انقضى المجلس وكان يغتسل في
стр. 513
كل يوم جمعة ويلبس ثيابه ويجيء الى باب السجن فيردّه السجّان ويقول: أعذرني ايّها القاضي فما اقدر على اخراجك. فيقول: اللهمّ اشهد. فبلغ ذلك احمد فارسل اليه: كيف رأيت المغلوب المقهور لا امر له ولا نهي ولا تصرّف في نفسه لا تزال هكذا حتى يرد عليّ كتاب المعتمد باطلاقك. ولما طال حبس بكّار طلب اصحاب الحديث الى احمد ان يأذن لهم في السماع منه فأذن لهم فكان يحدّثهم من طاق في السجن فاكثر من سمع منه في آخر عمره كان كذلك. وقال ابن زولاق: ثم امر ابن طولون بثقل بكّار من السجن الى دار اكتريت له عند درب الصقلي [ابن المعلى؟] فاقام فيها مدّة. فلما مات احمد بن طولون بلغ بكّارا فقال: ما للناس [مات البائس].
قيل: انصرف ايّها القاضي الى منزلك فقد مات احمد. فقال: الدار بأجرة وقد صلحت لي. وعاش بعد ابن طولون اربعين يوما ومات في تلك الدار. فحضرت جنازته فما رأيت كبير احد فقلت ليحيى بن عثمان بن صالح: يموت مثل هذا الرجل وتكون هكذا جنازته. فما صلّيت العصر حتى ما فقدت احدا ولم ار فيها احدا راكبا. وصلى عليه ابن أخيه محمد بن الحسن بن قتيبة ودفن بطريق القرافة والدعاء عند قبره مستجاب ومات يوم الخميس لخمس بقين من ذي الحجّة سنة ٧٠ وقد قارب التسعين وكان مدّة ولايته اربع وعشرين سنة
محمد بن عبدة بن حرب
عن رفع الاصر ص ١١٦ والتلخيص ص ٩١ ب
محمد بن عبدة بن حرب البصريّ العبّادانيّ ابو عبيد الله بالتصغير حنفيّ من المائة الثالثة ولد سنة ٢١٨ وروى عن ابي الاشعث وعمر بن شبّة وابي موسى الزمن وابي الربيع الزهرانيّ وابراهيم بن الحجّاج وهدبة بن خالد وعبد الاعلى بن حمّاد وعليّ ابن المدينيّ في آخرين روى عنه عبد العزيز بن جعفر الحزفيّ [كذا] وعليّ بن لؤلؤ وابو حفص بن الزيّات وعليّ بن عمر الحربيّ وآخرون. قال الدارقطنيّ: لا شيء: سمعت الحسن بن احمد السبيعيّ يقول: كان يظهر جزءا من سماعه ويحدّث به ثم صار يأخذ
стр. 514
كتب الناس ويحدّث بها فانكشف امره. وقال البرقانيّ: تركه ابو نصر [منصور؟] ابن الكرخيّ وغيره وكان ابن ابي سعد لا يكتب حديثه. وقال ابن عديّ في الكامل:
كان يحدّث من كتب قوم عن قوم لم يرهم (١١٦ ب) كتبت عنه ببغداد والموصل وادّعى انه كتب عن بكر بن عيسى وكذب في ذلك فان بكرا مات بعد مولده بثلاث سنين فكيف يكتب عنه والضعف على حديثه بيّن وبكر هذا كتب عنه احمد بن حنبل ومات سنة ٢٠٤ فكيف يكتب عنه ووفاته قبل مولده بهذه المدّة (قال) وكانت كتبه التي يتحدّث بها محكوكة الظهر وحدّث باحاديث انفرد بها الحفّاظ الاجلاد يعني فسرقها منهم
وقال ابن زولاق: ولي من قبل خمارويه بن احمد بن طولون في سنة ٧٨ وكان ينظر في المظالم قبل ذلك ثم اظهر ولاية من المعتمد وكان بين موت بكّار وولايته فترة بقيت فيها مصر بغير قاض سبع سنين نظر فيها ابن عبدة في المظالم اربعا قبل ان يلي القضاء قال ابن زولاق: كان يذهب الى قول ابي حنيفة وكان متملّكا جبارا سخيّا جوادا مفضالا كان له مائة مملوكا ما بين خصيّ وفحل وكان يعرف الحديث. واعتذر ابن زولاق عمّا رمي به من الكذب بان موسى بن هارون الحافظ ببغداد كان خرّج لنفسه مجلسا عن جماعة من الشيوخ وحدّث به وكتب عنه فاتّفق ان بعض اصحاب الحديث خرّج لابي عبيد الله مجلسا صادف بعض اولئك الشيوخ ببعض تلك الاحاديث فحدّث به ابو عبيد الله فظنّ من لم يطلع على صورة الحال ان ابا عبيد الله سرقه من موسى وليس كذلك وانّما وقع ذلك اتفاقا. (قال) وقد قال القاضي ابو الطاهر الذّهليّ انه كتب المجلس المذكور عن موسى بن هارون ثم كتب المجلس الآخر عن ابي عبيد الله وقال الخطيب: حدّثني محمد بن عليّ (بن) يعقوب حدّثنا محمد بن عبد الله يعني الحاكم: سمعت ابا عليّ حامد بن محمد الهرويّ يقول:
كان ابو عبيد الله القاضي منصرفا من قضاء مصر وكان في مصر يعرف بابي عبيد الله ابن حربويه وكان يحدّث عن ابي الاشعث وطائفته ثم ارتقى الى بندار وابي موسى ثم ارتقى الى ابراهيم بن الحجّاج وابي الربيع (قال) فحكى لي ابراهيم بن حمزة قال:
فقال لي يوما: يا أبا اسحاق عزمت على ان احدّث على الحوض [ى] والطّيالسيّ. فقلت:
стр. 515
الله الله ايّها القاضي كنّا نرجم. قال الخطيب: صاحب هذه القصّة هو ابو عبيد الله ابن [عبدة] بن حرب لا ابو عبيد بن حربويه فان ابا عبيد بن حربويه كان احد النّواب الأمناء الصادقين. قلت: لعله ظنّ انهما واحد وليس كذلك. ومن مناكيره ما اخرجه الخطيب في اماليه من طريقه عن ابراهيم بن الحجّاج عن حمّاد عن قتادة عن أنس رفعه: في الجنّة دار يقال لها دار الفرح لا يدخلها الاّ من يفرح الصبيان. قال الذهبيّ في الميزان: هذا انكره
واستكتب ابن عبدة ابا جعفر الطّحاويّ واغناه وكان مهيبا يرهبه الشهود ويلزمون مجلسه فاتّفق انه حضر المسجد الجامع فلمّا كان قرب انصرافه نظر الى شاهد لم يحضر فاستدعى به فقال: ما اخّرك. قال: شغل. قال: [كأنك] اشغل مني.
وامر به الى السجن ثم شفع فيه فاطلقه
ويقال (١١٧) انه بنى دارا عظيمة كان يدّعي انه صرف عليها مائة الف دينار ثم يقول: صرفت عليها هذا القدر سوى اصل ثمنها ودرهمي دينار والسعيد من قضى لي حاجة. يعني فيكون مصروفها ضعف ما ذكر
وكان ابو الجيش يجلّه ويعظّمه ويجري عليه كل شهر ثلاثة آلاف دينار وفوّض اليه مع القضاء النظر في المظالم والمواريث والاحباس والحسبة وله مجلس في الفقه يحضره الفقهاء من الحنفيّة والشافعيّة ومجلس للحديث يحضره الحفّاظ وكان يطعم الناس في داره واما في يوم العيد فلا يتأخّر عنه احد من وجوه البلد من فقيه ومتفقّه وشاهد وصاحب حديث ووجوه الكتّاب والقوّاد والتجّار وكان الطحاويّ يجلس بين يديه فاذا حضر الخصوم قال: من مذهب القاضي ايّده الله كذا ومن مذهب القاضي كذا. حاملا [عنه المئونة] وملقّنا له فاكثر من ذلك فأحسّ القاضي منه ببعض تيه فقال له: ما هذا الذي انت فيه والله لو ارسلت بقصبة فنصبت في حارتك [لترينّ] الناس يقولون: هذه قصبة القاضي فاحذر يا ابا جعفر
وكان القاضي قويّ النفس كثير الجراءة حتى ان ابا الجيش حصل له غيظ من اكابر جيشه فتوسّط بينهم القاضي الى ان انصلح الحال فشكره ابو الجيش. وكان في جملة ما قال لهم القاضي: انا اشدّ السيف والمنطقة فاحمل عن الامير. وما زال حتى
стр. 516
تراضوا فشكر له الامير ذلك (١)
وقال الطحاويّ: كانت لابي الجيش شهادة فامر باحضار الشهود وكان كلّما كتب كاتب شهادته يقرأها الامير ويكتب الشاهد «اشهدني الامير ابو الجيش خمارويه بن احمد بن طولون مولى امير المؤمنين على نفسه» فلما وصلت النوبة اليّ كتبت «شهدت على اقرار الامير ابي الجيش بن احمد بن طولون مولى امير المؤمنين اطال الله بقاءه وادام عزّه واعلاه» فلما قرأها قال للقاضي: من هذا. قال: كاتبي.
قال: ابو من. قال: ابو جعفر. فقال لي: وانت يا با جعفر فاطال الله بقاءك وادام عزّك و [ا] علاك
قال: واراد الطحاويّ ان يقاسم عمّه في ربع كان بينهما فحكم القاضي بالقسم وارسل الى ابي جعفر قال: تستعين به على ذلك
واتّفق إملاك عند ابي الجيش فحضر القاضي وابو جعفر فقرأ الكتاب وعقد النكاح فخرج خادم بصينيّة فيها مائة دينار وطيب فقال: كمّ القاضي. فقال القاضي: كمّ ابي جعفر. ثم خرج الى الشهود وكانوا عشرة بعشرة صوان والقاضي يقول: كمّ ابي جعفر [وألقيت] كلّها في كمّ ابي جعفر ثم خرجت صينيّة ابي جعفر فانصرف يومئذ بالف دينار ومائتي دينار سوى الطيب
قال ابن زولاق: ولم يزل محمد بن عبدة ينظر في القضاء وغيره مما فوّض اليه وهو يصطنع الناس وينفع كل من قصده الى ان قدّر قتل ابي الجيش فوصل تابوته الى مصر فصلّى عليه القاضي واستقرّ في إمرة مصر ولده جيش والقاضي مستمرّ على حاله الى ان خلع جيش ووقع الاختلاف والشغب (١١٧ ب) وقتل عليّ بن احمد الماذرائيّ وجماعة وثارت الفتنة وكان القاضي خرج ينظر فبلغه الخبر فرجع الى داره واغلق ابوابه واستتر مدّة طويلة وشغر القضاء. فعمد محمد [بن] ابّا خليفة هارون بن [ابي] جيش الى اصحابه فضيّق عليهم واعتقل الطحاويّ وطالبه بحساب الاوقاف واستمرّ
_________
(١) وفي تاريخ الاسلام للحافظ الذهبيّ رواية عن ابن زولاق انه رأى من ابي الجيش خمارويه انكسارا فقال له: ما الخبر. فشكى اليه ضيق الحال واستيثار القواد بالضياع فخرج اليهم القاضي وهم في موضع من دار فائق وصافي وبدر وجماعة الخ
стр. 517
ابو عبيد الله مستترا عشر سنين ورضي منه الامير وغيره بذلك فلم يطلبوه ولا سألوا عنه
(قال) وكان عليّ بن احمد قد اودع عند القاضي مالا جزيلا واودع عند ابراهيم ابن هروان العبّاسيّ نحو ذلك فطلب ابو بكر محمد بن عليّ الماذرائيّ المال من القاضي فقال: امرني ابوك ان اشتري لكم به ضياعا بالبصرة واعمال العراق ففعلت.
وطلب من العبّاسيّ فقال: ارسل من يتسلّم المال. فعاد الرسول فقال له: وجدت الاكياس عشش عليها العنكبوت. فشكر الماذرائيّ العبّاسيّ ذلك واشترى له دارا بخمسة آلاف دينار وهبها له
وكان مدّة ابي عبيد الله الى ان استتر ستّ سنين وسبعة اشهر واقامت مصر بغير قاض مدّة الى ان ولّى هارون بن [ابي] جيش ابا زرعة القضاء في سنة ٨٤ الى ان ولّي محمد بن سليمان الكاتب إمرة مصر فاعاد ابن عبدة الى القضاء وذلك في مستهلّ ربيع الاوّل سنة ٩٢ فسار سيرة جميلة وقرئ عهده بالجامع من قبل المكتفي فلمّا كان في العشر الاخير من جمادى الاولى منها امسك عن الحكم وسار صحبة محمد بن سليمان الكاتب الى العراق وذلك انه اخذ صحبته جميع وجوه اهل البلد الى العراق فاقام محمد بن عبدة بالعراق حتى مات. ويقال انه خرج في تجمّل زائد وكان يوصف بسعة الصدر وكثرة الجود والصدقة وكان ابو زرعة ايضا قد سافر وبقيت مصر بغير قاض الى ان قدم ابو عبيد بن حربويه في رجب سنة ٩٣ وكان مسير محمد بن سليمان في مستهلّ شهر رجب [سنة ٢٩٢ لثلاث خلون] منها. وعاش ابو عبيد الله بن عبدة الى سنة ٣١٣ فمات عن تسعين سنة
ابو زرعة محمد بن عثمان الدمشقيّ
عن رفع الاصر ص ١١٧ ب والتلخيص ص ٩٢
محمد بن عثمان بن ابراهيم بن زرعة بن ابراهيم الثّقفيّ مولاهم الشافعيّ الدمشقيّ قال ابن عساكر: ولي قضاء مصر في سنة ٢٨٤ في امارة خمارويه بن احمد بن طولون.
كذا قال وسيأتي ان الذي ولاّه هارون بن خمارويه. قال وروى عن [بياض في الاصل]
стр. 518
روى عنه محمد بن يوسف الهرويّ والحسن بن حبيب الحصائريّ وآخرون. قال ابو سعيد ابن يونس: ولي قضاء مصر وكان محمود الامر في ولايته ثقة فلما عزل رجع الى دمشق وهو اوّل شافعيّ ولي قضاء مصر. قال ابن الحدّاد. قال لي ولده: وكان الغالب على اهل دمشق قول الاوزاعيّ وكان ابي هو الذي ادخل دمشق مذهب الشافعيّ وحكم به وتبعه من بعده من القضاة وكان حسن المذهب عفيفا عن اموال الناس شديد التوقّف في الحكم وكانت فيه سلامة وكان له (١١٨) مال وضياع كبار بالشأم ويقال ان جدّ جده ابراهيم كان يهوديا فاسلم. وقيل ان ولايته من قبل هارون بن [الامير] خمارويه لانه كان في عهده ان اختيار القضاة اليه وقيل بل ولاّه المعتضد
وقال ابن زولاق: حدّثني عبيد الله بن عبد الكريم: كان ابو زرعة داهيا [داهية؟] اوّل ما قدم مصر لزم قبر احمد بن طولون يبكي ويقرأ فبلغ ذلك خمارويه فاعجبه فدخل عليه ابو زرعة ومعه رغيف فقال: هذا الرغيف ختمت عليه عشر ختمات وختمت عليه عشرة آلاف. (قل هو الله احد) فقبله منه وتبرّك به
وولي قضاء الشأم ثم ولاّه هارون قضاء مصر. وقال تمّام الرازيّ حدّثنا ابو عبد الله بن مروان. حدّثنا ابو الفيض قال: لمّا قدم المعتضد لحرب خمارويه بن احمد ابن طولون اخرج معه الى العراق ابا خازم عبد الحميد وولّى عوضه ابا زرعة ثم ولّى عبيد بن الفتح المظالم ثم ولّى خمارويه عبيد الله بن محمد العمريّ ثم اقرّه على الأردنّ وفلسطين واعاد ابا زرعة الى دمشق الى ان قتل خمارويه ثم ان هارون بن خمارويه ولّى ابا زرعة قضاء مصر وضمّ اليه فلسطين والأردنّ وحمص وقنّسرين والعواصم فاستخلف ابو زرعة على دمشق احمد بن المعلّى وابا الحارث بن احمد بن عليّ وفارس ابن احمد ثم بعده مدّة في سنة ٩٩ وولّي ابو زرعة القضاء من قبل الخليفة فدخلها
قرأت بخطّ الحافظ ابي محمد بن ابي القاسم بن عساكر ان والده اخبره قال:
قرأت بخطّ ابي الحسين الرازيّ قال: سمعت جماعة من شيوخ اهل دمشق منهم عبد الرحمن بن عبد الله بن راشد قالوا: لما اتّصل بابي احمد الموفّق ان احمد بن طولون خلعه بدمشق وكتب بذلك كتبا الى سائر اعماله امر الموفّق بلعن احمد بن
стр. 519
طولون على المنابر فلما بلغ ابن طولون امر بلعن الموفّق على المنابر بالشأم ومصر وكان ابو زرعة محمد بن عثمان ممّن خلع الموفّق ولعنه وقف قائما عند المنبر بدمشق يوم الجمعة فلما خطب الإمام ولعن الموفّق قال ابو زرعة: نحن اهل صفّين واهل دمشق وكان فينا من حضر الجمل ونحن القائمون على من عائد اهل الشأم وانا أشهد الله وأشهدكم اني قد خلعت ابا احمق (يريد ابا احمد) كما يخلع الخاتم من الاصبع و [العنه] لعنه الله. (قال) فلما رجع احمد بن الموفّق يعني المعتضد الخليفة من وقعة الطواحين التي كانت بينه وبين خمارويه فيما حدّثني به ابراهيم بن محمد بن صالح وذلك في سنة ٢٧١ قال لأبي عبد الله أحمد بن محمد الواسطي: انظر من انتهى اليك ممّن كان يبغض دولتنا من اهل دمشق فليحمل الى الحضرة. قال: فحمل يزيد بن محمد ابن عبد الصمد وابو زرعة عبد الرحمن بن عمرو وابو زرعة محمد بن عثمان القاضي حتى صاروا بهم الى انطاكية مقيّدين ثم حملوا الى بغداد فبينما الخليفة يسير يوما اذ بصر بمحامل الشاميّين فقال لابي عبد الله (١١٨ ب) الواسطيّ: من هؤلاء. قال:
هؤلاء اهل دمشق. قال: وفي الاحياء هم اذا نزلت فاذكروني بهم. (قال ابراهيم) فحدّثنا ابو زرعة عبد الرحمن بن عمرو سنة ٨١ انه لمّا نزل وجلس في مجلسه احضرنا الواسطيّ فاوقفنا بين يديه مذعورين فقال: ايّكم القائل «قد خلعت ابا احمق من هذا الامر كنزعي خاتمي هذا من اصبعي» قال فرتّت ألسنتنا في افواهنا حتى خيّل الينا اننا نقتل فامّا انا [فبكمت؟] واما يزيد بن عبد الصمد وكان تمتاما فخرس.
وكان ابو زرعة محمد بن عثمان أحدثنا سنّا فتكلّم فقال له الواسطيّ: أمسك حتى يتكلّم من هو اكبر سنّا منك. فقلنا: اصلحك الله هو رجل متكلّم يتكلّم عنّا.
وكان هو المتكلّم بالكلمة التي يطالبها القوم منّا فقال: والله ما هنا هاشميّ صريح ولا قرشيّ صحيح ولا عربيّ فصيح ولكنّا قوم ملكنا. وذكر احاديث كثيرة في السمع والطاعة ثم احاديث في العفو والاحسان ثم قال: انا اشهدكم ان نسائي طوالق وعبيدي احرار ومالي علي حرام ان كان في هؤلاء من قال هذه الكلمة ووراءنا حرم وعيال وضعفاء وقد تسامع الناس بهلاكنا وانّما العفو بعد القدرة. فقال للواسطيّ:
أطلقهم لا كثّر الله امثالهم. قال: فأطلقنا
стр. 520
قال: واشتغلت انا ويزيد بن عبد الصمد عند عثمان بن خرّزاذ في نزه أنطاكية وسبق ابو زرعة الجميع الى حمص حتى دخل دمشق قبلنا بايّام كثيرة فتحامل اهل دمشق على ابي زرعة بسببنا فكتبوا فيه كتابا ذكروا فيه مثالب له وتوجّه ابو زرعة الى مصر فسبقه كتابهم الى خمارويه فدفعه اليه فاقسم له ان هذا مختلق عليه وذكرهم بالجميل فكتب له بولاية القضاء فرجع الى دمشق قاضيا ثم وضع يده في كلّ من تكلّم فيه حتى افضى له الى شيخين كانا يلبسان الطويلة فمدّا في [حصن؟] دمشق فضربا بالدرّة
قال ابن عساكر عن غيره: انه مات في شوّال سنة ٣٠١. قال: وكان حافظا للحديث وكان يرمى بالنصب وقال الحسن بن القاسم بن دحيم الدمشقيّ: ولد لابي زرعة ولد فسمّاه الحسين وكنّاه ابا عبد الله ثم ولد له آخر فسمّاه الحسن وكنّاه ابا محمد (قال) فكتبت له رقعة اقول فيها: لو عتق [؟] القاضي عن ولديه معاوية وعمرا ما كان الاّ ناصبيا
قال ابن زولاق: كان ابو زرعة يرقي من وجع الضرس يقرأ عليه ويدفع الى صاحبه حشيشة فيسكن فاتّفق ان ابا زنبور الوزير الماذرائيّ اشتكى ضرسه فجاء الى ابي زرعة وسأله ان يرقيه فوضع رأسه في حجره وشرع في الرقية فقال له في خلال ذلك: اسألك ان [لا] تقول شيئا حتى تنفعك الرقية. قال: ما هو. قال: الكذب.
فقال: سبحان الله. قال: الذي عندي قلت لك. قال: افعل. فرقاه فلما فرغ قال له:
سكن الوجع. قال: لا. قال: سبحان الله. فقال ابو زنبور: شرطت ان لا اكذب فكرهت ان اقول «سكن» وهو لم يسكن. فحصل لابي زرعة بذلك خجل شديد وكان يألفه ولا يفارقه
وكان يمسح على ظهره وهو يقضي بين الناس
وزوّج ابو زرعة ولده الحسين ببنت (١١٩) ابي زنبور الماذرائيّ وكان اسم ابي زنبور الحسين بن احمد وكان حينئذ بدمشق فكتب ابو زنبور اسامي مائة نفس في درج ووعدهم بان يكونوا عنده قبل صلاة الصبح فحضروا فاخرج اليهم مائة غلام بمائة قدح غالية ومائة قمقم ماء ورد ومائة مشط ومائة مرآة ومائة
стр. 521
مبخرة ثم عقد النكاح فخرج مائة غلام بمائة طست ومائة إبريق وعشرة موائد فعقدوا على كل مائدة عشرة انفس فاكلوا ثم غسلوا ايديهم فألقيت على ايديهم مائة منديل وأعيد عليهم الطيب والبخور وأخرجت مائة صينيّة فيها الدنانير وتماثيل الندّ والعنبر فألقيت في اكمام الناس وكان إملاكا ما سمع بمثله وكان العرس بعد ذلك اعظم من الاملاك
وكان ابو زرعة كثير الشفقة رقيق القلب يغرم عن الفقراء والمستورين اذا أفلسوا حتى كان بعضهم اذا اراد ان يتنزّه اخذ بيد رفيقه فادّعى عليه عند القاضي فيعترف ويبكي ويدّعي انه لا يقدر على وفائه ويسأل خصمه فيه فلا يجيبه فلا يغرم عنه [لعله: فيغرم عنه]. وحكى بعض الشاميّين انه حصلت له إضافة فقال لبعض اصدقائه:
قدّمني الى القاضي فلعلّه يعطيك عني شيئا انتفع به. ففعلت وقلت: ايّد الله القاضي:
لي على هذا الرجل ستون درهما. فقال: ما تقول. فاقرّ. فقال: أعطه حقّه فبكى وقال: ما معي شيء. فقال لي: ان رأيت ان تنظره. فقلت: لا. قال: فصالحه. فقلت:
لا. فقال: انك لقيط فما الذي تريد. قلت: السجن. فقال: لا تفعل. فادخل يده تحت مصلاّه فاخرج دراهم فعدّ لي ستّين درهما فدفعتها للرجل فآليت ان لا افعل ذلك بعدها
حكى ابو زرعة انه كان عند عبيد الله بن سليمان بن وهب وهو وزير وكان قدم دمشق قال: فقال لي: يا ابا زرعة بلغني ان القضاة والشهود يركبون بخفاف بغير سراويل. [واتّفق اني كنت بغير سراويل] فعاهدت الله ان سلمت من التفتيش ان لا اعود فسهّل الله ان نهضت قبل ان يمتحنني بالتفتيش
قال ابن زولاق: وكان ابو زرعة احد الأكلة فيقال انه اكل سلّة مشمش وسلّة تين وسلّة خوخ
قال: ولم يزل ابو زرعة على القضاء الى سلخ صفر سنة ٢٩٢ الى ان صرفه محمد ابن سليمان الكاتب بمحمد بن عبدة ثم خرج محمد بن سليمان وهما معه فولّى محمد بن سليمان ابا زرعة قضاء الشأم وتأخّرت وفاة ابي زرعة الى سنة ٣٠٢ فمات في شهر ربيع الآخر منها ويقال مات سنة ٣٠١ حكاه ابن عساكر وقيل مات في شوّال سنة
стр. 522
٣٠٣ - قال محمد بن يوسف الهرويّ: قلت لابي زرعة القاضي: ما اكثر حمل إسماعيل ابن يحيى المزنيّ على [عن؟] الشافعيّ. فقال: لا بل ما اكثر ظلم المزنيّ للشافعيّ
وفي تاريخ الاسلام للحافظ شمس الدين الذهبيّ انه (يعني ابا زرعة) قد شرط لمن يحفظ مختصر المزنيّ مائة دينار يهبها له. وعن ابن زولاق انه قد سمع محمد بن احمد بن الحدّاد الفقيه شيخنا يقول: سمعت منصور بن إسماعيل الفقيه يقول: كنت عند ابي زرعة القاضي فذكر الخلفاء فقلت له: ايها القاضي يجوز ان يكون السفيه وكيلا.
قال: لا. قلت: فوليا لامرأة. قال: لا. قلت: فأمينا. قال: لا. قلت: فشاهدا. قال:
لا. قلت: فيكون خليفة. قال لي: يا ابا الحسن هذه من مسائل الخوارج
عليّ بن الحسين بن حرب
عن رفع الاصر ص ٨٠ ب والتلخيص ص ٦٢
عليّ بن الحسين بن حرب ويقال له حربويه ابن عيسى البغداديّ الفقيه الشافعيّ من اهل المائة الرابعة يكنى ابا عبيد ويقال له ابن حربويه وهو بها أشهر ولد سنة ١٢ [٣] وسمع الكثير بن ابي الاشعث العجليّ (و) احمد بن [المقدام] البصريّ [العجليّ] وحفص بن عمر الرباليّ والحسن بن محمد الزعفرانيّ والحسن بن عرفة وزهير بن احزم الطائيّ وابن المسكين زكرياء بن يحيى ويوسف بن موسى القطّان وحسين بن ابي يزيد الدبّاغ وتفقّه على داود بن عليّ ثم تفقّه على مذهب ابي ثور صاحب الشافعيّ وقرأ الكلام على ابي محمد العبّاسي
وحكى ابن زولاق عن ابن الحدّاد قال: قلت لابي عبيد هل سمعت من يعقوب بن ابراهيم الدورقيّ. قال: لا منعني ابي من سماع الحديث قبل ان استظهر القرآن حفظا فلمّا حفظته قال لي: خذ المحفظة واذهب الى يعقوب بن ابراهيم الدورقيّ فاكتب عنه. فتوجّهت فاذا الناس يقولون «مات يعقوب الدورقيّ». وسمع من الزعفرانيّ كتاب الحجة للشافعيّ وحدّث به عنه
стр. 523
قال ابن زولاق: ورأيت لابي عبيد تصنيفا في اثبات القياس والردّ على منكريه.
روى عنه النّسائيّ في الصحيح قال المزنيّ في التهذيب: ولم أر ذلك في سنن النسائيّ فلعله روى عنه شيئا في تصانيفه ككتاب الكنى وقد قال ابن زولاق: حدّث عنه النّسائيّ سنة ٣٠٠ وعاش النسائيّ بعد ذلك ثلاث سنين. قلت (٨١): وكان سماع النسائيّ منه بعد ان قدم ابو عبيد مصر. وقال [البرقانيّ] في اسئلته للدارقطنيّ:
سألته عن ابي عبيد فقال: كان فاضلا جليلا حدّث عنه ابو عبد الرحمن النّسائيّ ومات قبله
وقال ابو سعيد بن يونس: قدم مصر قاضيا (بعد صرف ابن عبيد محمد بن عبدة بن حرب في يوم الاثنين لليلتين من شعبان ويقال لليلتين بقيتا من صفر سنة ٢٩٣) وكان شيئا عجيبا ما رأينا قبله ولا بعده مثله وكان يتفقّه على مذهب ابي ثور صاحب الشافعيّ وحدّث في زمن ولايته احيانا فلما صرف املى على الناس وكتبوا عنه مجالس وروى عنه ابو بشر الدولابيّ وابو جعفر الطّحاويّ وابو حفص بن شاهين وابو بكر بن المقري وابو عمرو بن حيّوية وابو القاسم عيسى بن عليّ بن عيسى بن الجرّاح ووقع لي حديثه بعلو (؟) من جهته. قال ابن يونس: كان ثقة ثبتا. وقال ابن حيويه: توفّي الثقة الامين ابو عبيد في صفر. وقال ابن زولاق: كان فقيها عالما بالاختلاف فصيحا عاقلا عفيفا منقبضا قوّالا بالحقّ جوادا. وكان ايضا يقول: حدّثني محمد بن احمد بن زرقاء البغداديّ قال: كان ابو عبيد من اهل الستر وكان ابوه من شهود إسماعيل القاضي
وقال ابو بكر بن الحدّاد: قرأت عليه جزءا من حديث يوسف بن موسى فلما قرأت قلت: كما قرأت عليك. قال: نعم الاّ الاعراب فانك تعرب (وما كان يوسف يعرب)
قال: وقال لي بعض شيوخ الرملة: قدم علينا ابو عبيد متوجّها الى قضاء مصر فصادف ابن الخليج فكان جماعة من اهل العلم ينقطعون اليه فكلّموه في ان يسلّم على احمد بن محمد بن بسطام عامل الشأم وكان عظيم الرئاسة يقوم عن يمينه وعن شماله نحو مائة حاجب فقال ابو عبيد: ما لي عنده حاجة. فقالوا له:
стр. 524
ان محمد بن العبّاس الجمحيّ قاضي الرملة يركب اليه في كل يوم فلم يزالوا به حتى ركب اليه متخفّفا فدخل اليه في هيئة بذّة ولم يكن وجهه حسنا بل كان كثير الجدريّ فرأى الجمحيّ جالسا على يمين ابن بسطام في هيئة حسنة فسلّم ابو عبيد وجلس عن يساره وابن بسطام يكتب في رقعة فلم يزد ابن بسطام ابا عبيد على قوله «وعليكم السلام» بل استمرّ في كتابته فجلس ابو عبيد جلسة خفيفة ثم نهض فقال ابن بسطام للجمحيّ: من هذا. قال: هذا قاضي مصر. فقال ابن بسطام: والله ما يدري هذا ايش تولّى ولا يدري من ولاّه ايش ولاّه. فبلغ ذلك ابا عبيد فعاد في يوم آخر الى مجلس ابن بسطام فلما دخل وجد ابن بسطام يكتب فسلّم وجلس ايضا فاخذ ابو عبيد في الكلام فسمع ابن بسطام ما ادهشه فاغلق الدواة واستدار اليه وبادر الغلمان بمخدّة فوضعوها خلفه وصار الجمحيّ خلف ابن بسطام واستمر ابو عبيد في الخوض في كثير من العلوم والفنون حتى قال له ابن بسطام: ايّد الله القاضي اقلّ استحقاق القاضي ان يكون قاضي الدنيا كلها ولقد ظلمه من ولّى معه غيره. فلما عزم القاضي على القيام قام ابن بسطام فاخذ بيده ومشى معه حتى ركب واستمرّ قائما حتى غاب القاضي (٨١ ب) عن عينه. ثم كان ابن بسطام يصنع به ذلك فلمّا دخل مصر عامله بذلك واذا اتّفق ان يحضر ابن بسطام مجلس القاضي يرسل احد حجّابه فيضع يديه على ركبتي القاضي يمنعه من القيام فاذا منعه قال له القاضي: ما استطيع مخالفة الامير. فيدخل ابن بسطام ويجلس بجانب القاضي من غير ان يتمكّن من القيام له. وتبعه على هذا الفعل تكين امير مصر حتى كان اذا جاء الى مجلس القاضي فلم يجده في مجلسه يجلس دون مرتبته حتى يجيء القاضي فيقوم له
ذكر شيء من خبر ابن بسطام هذا. قال عليّ بن الفتح المطوّق في كتاب الوزراء له: اعتقل القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب ابا العبّاس احمد بن محمد ابن بسطام في داره اياما لاشياء كانت في نفسه عليه واراد ان يوقع به فلم يزل ابن بسطام يداريه ويتلطّف به الى ان اطلقه وقلّده آمد وما يتّصل بها من الاعمال واخرجه اليها وفي نفسه ما فيها ثم ندم فوجّه اليه في آخر وزارته بعامل يقال له عليّ بن حسين
стр. 525
[اخو قوصرة] ووكّله به فكان يأمر وينهى في عمله وهو موكّل بداره خائف على نفسه لما ظهر من إقدام القاسم على القتل. قال ابن بسطام: فأخوف ما كنت على نفسي وحالي ورد عليّ كتاب عنوانه لابي العبّاس من العبّاس بن الحسن ابن القاسم مات فلم املك نفسي فرحا وسرورا بالسلامة فاذا في الكتاب «اني تقلّدت الوزارة» وامرني بالخروج الى مصر للإشراف على الحسين بن احمد الماذرائيّ. فخرجت الى مصر ولم ازل اتقلّد الأمانة بها الى ان تقلّد عليّ بن [محمّد] بن الفرات فقلّدني مصر واعمالها. فلم يزل به الى ان توفي وسيأتي له ذكر في قصّة منصور الفقيه من هذه الترجمة
ويقال ان إسماعيل القاضي كان في جنازة فمرّ على ابي عبيد وهو في دكّان إسكاف وفي يده دفتر ينظر فيه فلم يقم القاضي فلاموه بعد ذلك فاعتذر بانه كان شرط على الخفّاف ان لا يخرز الخفّ الاّ بليف حذرا ان يخرزه بشعر الخنزير فما وثق بالخفّاف حتى جلس عنده وامر الخفّاف فغسل يديه بحضرته. قال ابن زولاق: وكان ابن الحدّاد يفعل ذلك قال: وقلت له لما رأيت تقشفه وزهادته: لما دخلت في القضاء. فقال: تقرّبوا اليّ باقامة الحق ورأيت من لا يصلح يطلبه فدخلت فيه
قال ابن زولاق: وسكن ابو عبيد اوّل ما دخل مصر دار إسماعيل بن اسحاق تاريخه [ن نربحه] (؟) عند مسجد ابن عمروس ثم انتقل عنها الى دار المدائنيّ وكان اذا الأذان سمع خرج الى الصلاة فربّما وجد الإمام صلّى او سبقه شيء من الصلاة وكان يرسل اليه ان ينتظره فلمّا تكرّر له ذلك قال له الامام: الصلاة تنتظر ولا تنتظر.
فبحث القاضي عنه فاثنوا عليه خيرا فقرّبه وادناه وصيّره من شهوده. وكان القاضي يكثر الصلاة في المسجد المجاور له وربّما أمّ هو بنفسه
(٨٢) وقال ابراهيم بن احمد الأندلسيّ: كان لابي عبيد في دار المدائنيّ وجواره كاتب يسمّى له طاهر بن عليّ وكان كثير السخف والمجون والتخليط وكان اذا صلّيت العشاء نصب الملاهي واستمرّ في الشّرب والقصف الى السحر فشغل سرّ القاضي ومنعه من اشتغاله بصلاة او قراءة او مطالعة فراسله وهدّده فاجاب قاصده بقوله: وما علم القاضي بذلك شهد عنده شاهدان بهذا انا اسمع كل ما يسمعه القاضي فاظنّ ان ذلك عنده فكنت احتمل وامّا الآن فانا اشدّ انكارا لهذا منه.
стр. 526
فعاد قاصده اليه بذلك فقال: أطلب لي دارا غير هذه. فتحوّل عنها
وقال ابن زولاق: حضر الامير تكين مرّة والقاضي ابو عبيد وصحبتهما محمد ابن عليّ الماذرائيّ في مهمّ عند ابي زنبور فلمّا فرغوا صاح ابو زنبور: بغلة القاضي.
فجيء بها فذهب ليركب فلم تصل رجله الركاب فطلب كرسيّ البوّاب فطلع فوقه فركب وابو زنبور يسوّي عليه ثيابه الى ان توجّه ولم يصنع ابو زنبور ذلك بمحمد بن عليّ الماذرائيّ ولا بامير البلد وكان محمد بن عليّ هو امير البلد في الحقيقة
وقال ابو بكر بن الحدّاد: دخل القاضي ابو عبيد مصر فما اعجبني منظره فبينما نحن عند ابي القاسم بشر بن نصر الفقيه غلام عرق اذ دخل منصور بن إسماعيل الفقيه فقال: كنت عند القاضي. فقلت له: كيف رأيت. قال: يا ابا بكر رأيت رجلا عالما بالقرآن والحديث والفقه والاختلاف ووجوه المناظرة عالما باللغة والعربيّة عاقلا ورعا متمكّنا [متكلّما؟]. قال: فقلت له: هذا يحيى بن اكثم. قال: قلت الذي عندي فيه.
قال ابن الحدّاد: ثم دخلت على ابي عبيد بعد ذلك وخالطته فاذا منصور قد قصّر في صفته
وافرد ابو سعد بن (؟) السمعانيّ في الذيل في ترجمة ابراهيم بن عليّ بسنده الى ابي القاسم سعد بن عليّ الزنجانيّ: حدّثنا محمد بن جعفر البساطيّ: حدّثنا عبد الله بن عبد الرحمن: حدّثنا ابو الميمون محمد بن احمد بن مطرف: حدّثنا ابو بكر ابن الحدّاد قال: كنت في مجلس ابي عبيد القاضي بمصر اذ اقبل خادم حسن الصورة جميل الهيئة طيّب الرائحة مسرعا فوقف على رأسه وطرح في حجره رقعة ثم انشأ يقول:
أنكرت حبّي وايّ شيء … أبين من ذلّة المحبّ
أليس شوقي وفيض دمعي … وضعف جسمي شهود حبّي
فقال ابو عبيد: هؤلاء شهود ثقات. ثم قرأ الرقعة وقال: اللهمّ اجمع بيننا على رضاك. ثم رمى اليّ الرقعة فاذا فيها:
عفا الله عن عبد أعان بدعوة … خليلين كانا دائمين على الودّ
الى ان وشى واشي الهوى بنميمة … الى ذاك من هذا فحال عن العهد
стр. 527
وقال: كان بمصر اخوان توأمان تكهّلا ولا يعرف بينهما من رآهما من قوّة الشبه بينهما فوجب على احدهما دين فحبسه القاضي وكان اخوه يجيء اليه (٨٢ ب) زائرا فيجلس في الحبس عوضه ويتوجّه ذلك فاشتهر هذا حتى بلغ ابا عبيد فاحضرهما فقال لهما: ايّكما المحبوس. فبادر كل منهما فقال: «انا هو» فاطرق ثم طلب الغريم فدفع اليه الدّين الذي ثبت له فرارا من الشفعة والغلط في الحكم
وقيل لابي عبيد: ان في حبس الوليد بن رفاعة شرطا وهو ان يجعل في وجوه البرّ ولم يعيّن شيئا. فسأل ابو عبيد عن ترجمته فقيل له: كان عامل مصر وكان يلعن عليّ بن ابي طالب على المنبر. فقال: اجعلوا حبسه للمنبوذين. فثبت الى الساعة واراد ابو عبيد التمليح بالحديث الوارد ان من يبغض عليّا تغيّر رشده
وقال الطّحاويّ: كان ابو عبيد يذاكرني بالمسائل فاجبته يوما في مسئلة فقال لي:
ما هذا قول ابي حنيفة. فقلت له: ايّها القاضي أوكلّما قاله ابو حنيفة اقول به.
قال: ما ظننتك الاّ مقلّدا. فقلت له: وهل تقلّد الاّ عصبيّ. فقال لي: او غبيّ.
فطارت هذه الكلمة بمصر حتى صارت مثلا
وكان ابو عبيد يذهب الى ابي ثور ثم صار يختار فجميع احكامه بمصر باختياره وحكم بما لو حكم به غيره ما سكتوا عنه فلم ينكر عليه احد لأنّ ابا عبيد كان لا يطعن عليه في علم ولا تلحقه تهمة في رشوة ولا يحيف في حكم وكان يورث ذوي الارحام
قال ابن زولاق: سمعت ابا الطاهر الذهليّ يقول: كان ابو عبيد بالعراق مشهورا بالعلم والستر والتعفّف وكان يلي قضاء واسط قبل ان يلي القضاء بمصر وهو آخر قاض ركب اليه الأمراء بمصر. وقال ابن الحدّاد: ما كان يؤمر احدا من ولاة مصر كان اذا ارسلني في حاجة الى تكين يقول: كيف ابو منصور. واذا ذكر هلال بن بدر قال «هلال بن بدر» وكان ماضي الاحكام والعزيمة واذا ركب لا يلتفت ولا يتحدّث مع احد ولا يصلح رداءه. قال ابن الحدّاد: ولقد ركبت معه يوما في طريق الحمراء فمرّ بسوق الخشابين فلما نزل في داره قال لي: ما شارع فيه خشب قيام.
فقلت: سوق الخشّابين. وركب الى تكين وهو بالجيزة عقب وقعة حباسة فمشى على
стр. 528
الجسر فقيل له: رأى القاضي النيل. فقال: سمعت خرير الماء. وكان سبب ذلك ان لما حباسة انهزم كان قد قتل في الوقعة خلق من المصريّين فاراد تكين ان يحفر خندقا ويلقيهم فيه لكثرتهم فركب القاضي اليه وقال: لا تفعل [تلف؟] المواريث ولكن ناد في الناس بالخروج فمن عرف قتيله اخذه. ففعل ما قال فتوزّعوهم
وبلغ من ورعه انه لما ركب الى الجيزة اخذه البول فعدل الى بستان فبال فيه وتوضأ من مائه ثم لم تطب نفسه حتى سأل عن من يملكه فعرّف بامرأة فركب الى منزلها حتى استحلّها وعرض عليها مالا في مقابل ذلك فامتنعت وبكت. ورأى غلامه يدخل الى منزله النار فسأله: ممّن تأخذ النار. فقال: (٨٣) من الفرّان.
فقال: لا تأخذ منه شيئا الاّ بثمن. ثم اشترى قدّاحة لمّا شاع بين الناس ان القاضي يشتري النار
قال ابن زولاق: وكان يشترى له اللحم من جزّار يعطيه الثمن سلما ثم يأخذ في كل يوم منه برقعة بخطّه. واقام بمصر نحو عشرين سنة ما رئي يأكل ولا يغسل يده ولا يتوضأ. قال ابن الحدّاد: وسألت عن ذلك اهل منزله فقالوا: كان له كمّ عليه ستر فيوضع فيه ما يأكل وما يشرب فاذا فرغ يأكل نقر المائدة باصبعه فيدخل الغلام فيرفع المائدة ويأتيه [بالطشت ويخرج ويغسل يده ثم ينقر الطشت فيدخل الغلام فيحمل] الطشت وكذا يصنع في الوضوء. وكانت توقيعاته تخرج معنونة مختومة وكتبت بمصر الفاظه وجمعت توقيعاته وكانت محشوّة فقها وبلاغة. وقال الطحاويّ:
كنت اذكر عنده ابن ابي عمران فقال لي: الى كم تقول «ابن ابي عمران» قد رأيت هذا الرجل بالعراق ان البغاث بارضكم تستنسر. قال: فصارت هذه الكلمة بمصر مثلا
وقال ابن الحدّاد: تظلّمت امرأة من محمد بن عليّ الماذرائيّ في مطالبته بشفعة فارسل اليه ابو عبيد فدافع ولم يحضر واتّفق انه حجّ في تلك السنة فما ودّعه ابو عبيد ولا تلقّاه وماتت امّه فما ركب اليه ولا عزّاه. فرفعت اليه المرأة قصّة ان تردادها قد كثر وان امرها قد طال فوقّع القاضي على ظهرها: ايّتها المرأة المتظلّمة من محمد بن عليّ ان خصمك رجل مقرف عجول قد غلبت عليه الاهواء وانا
стр. 529
مرسل اليه برجلين فظّين غليظين يقيمانه من مجلسه ويجيئان به فان خرج من الحقّ الذي عليه والاّ اغلقت بابي واستعفيت الى السلطان من عمله والسلام. فبلغ ذلك محمد بن عليّ فاغتاظ وارسل اسحاق بن ابراهيم الرازيّ اليه في فصل القضيّة او الحضور فاجابه بان «لي على باب القاضي وكيلان» فاعاد اليه «ان الوكيل لا يحلف عنك» فقال: اذا وجبت اليمين يرسل اليّ شاهدين فاحلف او اردّ اليمين. فقال: لا سبيل الى ارسال الشاهدين. فقال: قد ارسلت الى غيري بشاهدين. فقال: ما صنعت هذا الا برجل واحد وهو زيادة الله بن الاغلب امرت باحضاره مع خصمه فجاءني ابو منصور تكين فقال: ان هذا في صورة الخوارج واني اخشى ان يغلظ عليه فيمتنع او يختفي او يهرب او تلحقه آفة فنقع في العتب مع السلطان فيقال لنا «ما كانت لكما سياسة» فان تقمصت بقميص زيادة الله وخيف منك ما خيف منه ارسلت اليك بشاهدين. وكان الطحاويّ هو الذي يلقّن محمد بن عليّ الاجوبة فالتمس منه جوابا عن هذا الاخير وكان الطحاويّ بلغه ان ابا عبيد ارسل الى محمد بن عليّ يقول له: تعس من لقّنك. فامتنع الطحاويّ بعد ذلك من الكلام فقال محمد بن عليّ:
قل له ما احضر فليصنع ما شاء. فامر القاضي المرأة ان تأخذ بلجام محمد بن عليّ ففعلت به ذلك فتوسّط احمد بن محمد الماذرائيّ بين المرأة وبين محمد بن عليّ حتى اشترى حصّتها بالف (٨٣ ب) دينار وكان قد اشترى قدرها بثلاثمائة وانقدها الثمن واشهد عليها حسين بن محمد مأمون ومحمد بن الربيع الجيزيّ فشهدا عند القاضي بذلك بحضرة المرأة ومعها المال. فلما علم القاضي بذلك ركب في الحال الى محمد بن عليّ فهنّأه بالحجّ وعزّاه بامّه
قال ابن زولاق: وحدّثني ابو عليّ بن ابي جبلة كاتب تكين قال: ارتدّ نصرانيّ فاستتيب فلم يرجع فشاور تكين القاضي في قتله فركب القاضي الى تكين هو وجماعته فعرضوا عليه التوبة فلم يرجع فعاودوه فاقرّ فاشار القاضي بقتله فقتل فقال تكين للقاضي: اكتب الى السلطان بهذه القصّة. فقال: افعل. قال: وامرني ان اكتب محضرا بذلك فكتبت: حضر مجلس الامير ابي منصور تكين من يشهد فيه. فلمح القاضي الكتابة فصاح: قطع الله يدك اكتب حضر تكين مولى امير
стр. 530
المؤمنين مجلس القاضي عليّ بن حسين. فقال تكين: صدق القاضي المجلس له حيث حلّ اكتب بما قال
[وصرف عن القضاء في ذي الحجة سنة ٣١١ وكانت ولايته ثمانية عشر سنة وخمس شهور وقيل ستّ شهور وقرّر بعده في القضاء ابو الذكر محمد بن يحيى الأسوانيّ خلافة لابي يحيى عبد الله بن مكرم. وكانت وفاته ببغداد في سنة ٣١٩ رحمه الله تعالى]
وزاد فيه الحافظ الذهبيّ في تاريخ الاسلام (ص ١١٨): قال الفقيه ابو بكر بن الحدّاد: سمعت ابا عبيد القاضي يقول: ما لي وللقضاء لو اقتصرت على الوراقة ما كان حظّي بالرديّ. وكان رزقه في الشهر مائة وعشرين دينارا. قال ابن زولاق: قال ابو عبيد القاضي: ما تقلّد الا عصبيّ او غبيّ. قال: فجميع احكامه بمصر باختياره وكان قبل يذهب الى قول ابي ثور. قال: وكان يورث ذوي الارحام وقد ولي قضاء واسط اوّلا مصر. وقد تسرّى بمصر بجارية فتجنّت عليه وطلبت البيع وكان به فتق.
وعزل عن القضاء سنة ٣١١ لانه كتب يستعفي من القضاء ووجّه رسولا الى بغداد يسأل في عزله واغلق بابه وامتنع من الحكم فأعفي فتحدّث حين جاء عزله واملى مجالس ورجع الى بغداد
عبد الله بن ابراهيم بن مكرم
عن رفع الاصر ص ٤٩ ب والتلخيص ص ٤٠
عبد الله بن ابراهيم بن مكرم ابو يحيى كان من شباب بغداد ويقال انه شهد عند القاضي ابو عمر قاضي بغداد وولي قضاء مصر فاستخلف فيها ابا الذكر ولم يدخلها.
وذكر بعض شيوخنا انه دخل مصر وذكر له قصّة في القرافة والصواب ان صاحب تلك القصّة في القبور غيره. وذكر ابو بكر بن الحدّاد ان القاضي ابا عبيد [بن حربويه] لما ارسله الى بغداد يستعفي له عن قضاء مصر كان يتردّد الى عليّ بن عيسى بن الجرّاح فيمتنع [ان] يعفيه ويقول: مهما كان يكرهه انا ازيله. قال: وما اظنّ الا انه