Полный текст (613 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
فعاد قاصده اليه بذلك فقال: أطلب لي دارا غير هذه. فتحوّل عنها
وقال ابن زولاق: حضر الامير تكين مرّة والقاضي ابو عبيد وصحبتهما محمد ابن عليّ الماذرائيّ في مهمّ عند ابي زنبور فلمّا فرغوا صاح ابو زنبور: بغلة القاضي.
فجيء بها فذهب ليركب فلم تصل رجله الركاب فطلب كرسيّ البوّاب فطلع فوقه فركب وابو زنبور يسوّي عليه ثيابه الى ان توجّه ولم يصنع ابو زنبور ذلك بمحمد بن عليّ الماذرائيّ ولا بامير البلد وكان محمد بن عليّ هو امير البلد في الحقيقة
وقال ابو بكر بن الحدّاد: دخل القاضي ابو عبيد مصر فما اعجبني منظره فبينما نحن عند ابي القاسم بشر بن نصر الفقيه غلام عرق اذ دخل منصور بن إسماعيل الفقيه فقال: كنت عند القاضي. فقلت له: كيف رأيت. قال: يا ابا بكر رأيت رجلا عالما بالقرآن والحديث والفقه والاختلاف ووجوه المناظرة عالما باللغة والعربيّة عاقلا ورعا متمكّنا [متكلّما؟]. قال: فقلت له: هذا يحيى بن اكثم. قال: قلت الذي عندي فيه.
قال ابن الحدّاد: ثم دخلت على ابي عبيد بعد ذلك وخالطته فاذا منصور قد قصّر في صفته
وافرد ابو سعد بن (؟) السمعانيّ في الذيل في ترجمة ابراهيم بن عليّ بسنده الى ابي القاسم سعد بن عليّ الزنجانيّ: حدّثنا محمد بن جعفر البساطيّ: حدّثنا عبد الله بن عبد الرحمن: حدّثنا ابو الميمون محمد بن احمد بن مطرف: حدّثنا ابو بكر ابن الحدّاد قال: كنت في مجلس ابي عبيد القاضي بمصر اذ اقبل خادم حسن الصورة جميل الهيئة طيّب الرائحة مسرعا فوقف على رأسه وطرح في حجره رقعة ثم انشأ يقول:
أنكرت حبّي وايّ شيء … أبين من ذلّة المحبّ
أليس شوقي وفيض دمعي … وضعف جسمي شهود حبّي
فقال ابو عبيد: هؤلاء شهود ثقات. ثم قرأ الرقعة وقال: اللهمّ اجمع بيننا على رضاك. ثم رمى اليّ الرقعة فاذا فيها:
عفا الله عن عبد أعان بدعوة … خليلين كانا دائمين على الودّ
الى ان وشى واشي الهوى بنميمة … الى ذاك من هذا فحال عن العهد
стр. 527
وقال: كان بمصر اخوان توأمان تكهّلا ولا يعرف بينهما من رآهما من قوّة الشبه بينهما فوجب على احدهما دين فحبسه القاضي وكان اخوه يجيء اليه (٨٢ ب) زائرا فيجلس في الحبس عوضه ويتوجّه ذلك فاشتهر هذا حتى بلغ ابا عبيد فاحضرهما فقال لهما: ايّكما المحبوس. فبادر كل منهما فقال: «انا هو» فاطرق ثم طلب الغريم فدفع اليه الدّين الذي ثبت له فرارا من الشفعة والغلط في الحكم
وقيل لابي عبيد: ان في حبس الوليد بن رفاعة شرطا وهو ان يجعل في وجوه البرّ ولم يعيّن شيئا. فسأل ابو عبيد عن ترجمته فقيل له: كان عامل مصر وكان يلعن عليّ بن ابي طالب على المنبر. فقال: اجعلوا حبسه للمنبوذين. فثبت الى الساعة واراد ابو عبيد التمليح بالحديث الوارد ان من يبغض عليّا تغيّر رشده
وقال الطّحاويّ: كان ابو عبيد يذاكرني بالمسائل فاجبته يوما في مسئلة فقال لي:
ما هذا قول ابي حنيفة. فقلت له: ايّها القاضي أوكلّما قاله ابو حنيفة اقول به.
قال: ما ظننتك الاّ مقلّدا. فقلت له: وهل تقلّد الاّ عصبيّ. فقال لي: او غبيّ.
فطارت هذه الكلمة بمصر حتى صارت مثلا
وكان ابو عبيد يذهب الى ابي ثور ثم صار يختار فجميع احكامه بمصر باختياره وحكم بما لو حكم به غيره ما سكتوا عنه فلم ينكر عليه احد لأنّ ابا عبيد كان لا يطعن عليه في علم ولا تلحقه تهمة في رشوة ولا يحيف في حكم وكان يورث ذوي الارحام
قال ابن زولاق: سمعت ابا الطاهر الذهليّ يقول: كان ابو عبيد بالعراق مشهورا بالعلم والستر والتعفّف وكان يلي قضاء واسط قبل ان يلي القضاء بمصر وهو آخر قاض ركب اليه الأمراء بمصر. وقال ابن الحدّاد: ما كان يؤمر احدا من ولاة مصر كان اذا ارسلني في حاجة الى تكين يقول: كيف ابو منصور. واذا ذكر هلال بن بدر قال «هلال بن بدر» وكان ماضي الاحكام والعزيمة واذا ركب لا يلتفت ولا يتحدّث مع احد ولا يصلح رداءه. قال ابن الحدّاد: ولقد ركبت معه يوما في طريق الحمراء فمرّ بسوق الخشابين فلما نزل في داره قال لي: ما شارع فيه خشب قيام.
فقلت: سوق الخشّابين. وركب الى تكين وهو بالجيزة عقب وقعة حباسة فمشى على
стр. 528
الجسر فقيل له: رأى القاضي النيل. فقال: سمعت خرير الماء. وكان سبب ذلك ان لما حباسة انهزم كان قد قتل في الوقعة خلق من المصريّين فاراد تكين ان يحفر خندقا ويلقيهم فيه لكثرتهم فركب القاضي اليه وقال: لا تفعل [تلف؟] المواريث ولكن ناد في الناس بالخروج فمن عرف قتيله اخذه. ففعل ما قال فتوزّعوهم
وبلغ من ورعه انه لما ركب الى الجيزة اخذه البول فعدل الى بستان فبال فيه وتوضأ من مائه ثم لم تطب نفسه حتى سأل عن من يملكه فعرّف بامرأة فركب الى منزلها حتى استحلّها وعرض عليها مالا في مقابل ذلك فامتنعت وبكت. ورأى غلامه يدخل الى منزله النار فسأله: ممّن تأخذ النار. فقال: (٨٣) من الفرّان.
فقال: لا تأخذ منه شيئا الاّ بثمن. ثم اشترى قدّاحة لمّا شاع بين الناس ان القاضي يشتري النار
قال ابن زولاق: وكان يشترى له اللحم من جزّار يعطيه الثمن سلما ثم يأخذ في كل يوم منه برقعة بخطّه. واقام بمصر نحو عشرين سنة ما رئي يأكل ولا يغسل يده ولا يتوضأ. قال ابن الحدّاد: وسألت عن ذلك اهل منزله فقالوا: كان له كمّ عليه ستر فيوضع فيه ما يأكل وما يشرب فاذا فرغ يأكل نقر المائدة باصبعه فيدخل الغلام فيرفع المائدة ويأتيه [بالطشت ويخرج ويغسل يده ثم ينقر الطشت فيدخل الغلام فيحمل] الطشت وكذا يصنع في الوضوء. وكانت توقيعاته تخرج معنونة مختومة وكتبت بمصر الفاظه وجمعت توقيعاته وكانت محشوّة فقها وبلاغة. وقال الطحاويّ:
كنت اذكر عنده ابن ابي عمران فقال لي: الى كم تقول «ابن ابي عمران» قد رأيت هذا الرجل بالعراق ان البغاث بارضكم تستنسر. قال: فصارت هذه الكلمة بمصر مثلا
وقال ابن الحدّاد: تظلّمت امرأة من محمد بن عليّ الماذرائيّ في مطالبته بشفعة فارسل اليه ابو عبيد فدافع ولم يحضر واتّفق انه حجّ في تلك السنة فما ودّعه ابو عبيد ولا تلقّاه وماتت امّه فما ركب اليه ولا عزّاه. فرفعت اليه المرأة قصّة ان تردادها قد كثر وان امرها قد طال فوقّع القاضي على ظهرها: ايّتها المرأة المتظلّمة من محمد بن عليّ ان خصمك رجل مقرف عجول قد غلبت عليه الاهواء وانا
стр. 529
مرسل اليه برجلين فظّين غليظين يقيمانه من مجلسه ويجيئان به فان خرج من الحقّ الذي عليه والاّ اغلقت بابي واستعفيت الى السلطان من عمله والسلام. فبلغ ذلك محمد بن عليّ فاغتاظ وارسل اسحاق بن ابراهيم الرازيّ اليه في فصل القضيّة او الحضور فاجابه بان «لي على باب القاضي وكيلان» فاعاد اليه «ان الوكيل لا يحلف عنك» فقال: اذا وجبت اليمين يرسل اليّ شاهدين فاحلف او اردّ اليمين. فقال: لا سبيل الى ارسال الشاهدين. فقال: قد ارسلت الى غيري بشاهدين. فقال: ما صنعت هذا الا برجل واحد وهو زيادة الله بن الاغلب امرت باحضاره مع خصمه فجاءني ابو منصور تكين فقال: ان هذا في صورة الخوارج واني اخشى ان يغلظ عليه فيمتنع او يختفي او يهرب او تلحقه آفة فنقع في العتب مع السلطان فيقال لنا «ما كانت لكما سياسة» فان تقمصت بقميص زيادة الله وخيف منك ما خيف منه ارسلت اليك بشاهدين. وكان الطحاويّ هو الذي يلقّن محمد بن عليّ الاجوبة فالتمس منه جوابا عن هذا الاخير وكان الطحاويّ بلغه ان ابا عبيد ارسل الى محمد بن عليّ يقول له: تعس من لقّنك. فامتنع الطحاويّ بعد ذلك من الكلام فقال محمد بن عليّ:
قل له ما احضر فليصنع ما شاء. فامر القاضي المرأة ان تأخذ بلجام محمد بن عليّ ففعلت به ذلك فتوسّط احمد بن محمد الماذرائيّ بين المرأة وبين محمد بن عليّ حتى اشترى حصّتها بالف (٨٣ ب) دينار وكان قد اشترى قدرها بثلاثمائة وانقدها الثمن واشهد عليها حسين بن محمد مأمون ومحمد بن الربيع الجيزيّ فشهدا عند القاضي بذلك بحضرة المرأة ومعها المال. فلما علم القاضي بذلك ركب في الحال الى محمد بن عليّ فهنّأه بالحجّ وعزّاه بامّه
قال ابن زولاق: وحدّثني ابو عليّ بن ابي جبلة كاتب تكين قال: ارتدّ نصرانيّ فاستتيب فلم يرجع فشاور تكين القاضي في قتله فركب القاضي الى تكين هو وجماعته فعرضوا عليه التوبة فلم يرجع فعاودوه فاقرّ فاشار القاضي بقتله فقتل فقال تكين للقاضي: اكتب الى السلطان بهذه القصّة. فقال: افعل. قال: وامرني ان اكتب محضرا بذلك فكتبت: حضر مجلس الامير ابي منصور تكين من يشهد فيه. فلمح القاضي الكتابة فصاح: قطع الله يدك اكتب حضر تكين مولى امير
стр. 530
المؤمنين مجلس القاضي عليّ بن حسين. فقال تكين: صدق القاضي المجلس له حيث حلّ اكتب بما قال
[وصرف عن القضاء في ذي الحجة سنة ٣١١ وكانت ولايته ثمانية عشر سنة وخمس شهور وقيل ستّ شهور وقرّر بعده في القضاء ابو الذكر محمد بن يحيى الأسوانيّ خلافة لابي يحيى عبد الله بن مكرم. وكانت وفاته ببغداد في سنة ٣١٩ رحمه الله تعالى]
وزاد فيه الحافظ الذهبيّ في تاريخ الاسلام (ص ١١٨): قال الفقيه ابو بكر بن الحدّاد: سمعت ابا عبيد القاضي يقول: ما لي وللقضاء لو اقتصرت على الوراقة ما كان حظّي بالرديّ. وكان رزقه في الشهر مائة وعشرين دينارا. قال ابن زولاق: قال ابو عبيد القاضي: ما تقلّد الا عصبيّ او غبيّ. قال: فجميع احكامه بمصر باختياره وكان قبل يذهب الى قول ابي ثور. قال: وكان يورث ذوي الارحام وقد ولي قضاء واسط اوّلا مصر. وقد تسرّى بمصر بجارية فتجنّت عليه وطلبت البيع وكان به فتق.
وعزل عن القضاء سنة ٣١١ لانه كتب يستعفي من القضاء ووجّه رسولا الى بغداد يسأل في عزله واغلق بابه وامتنع من الحكم فأعفي فتحدّث حين جاء عزله واملى مجالس ورجع الى بغداد
عبد الله بن ابراهيم بن مكرم
عن رفع الاصر ص ٤٩ ب والتلخيص ص ٤٠
عبد الله بن ابراهيم بن مكرم ابو يحيى كان من شباب بغداد ويقال انه شهد عند القاضي ابو عمر قاضي بغداد وولي قضاء مصر فاستخلف فيها ابا الذكر ولم يدخلها.
وذكر بعض شيوخنا انه دخل مصر وذكر له قصّة في القرافة والصواب ان صاحب تلك القصّة في القبور غيره. وذكر ابو بكر بن الحدّاد ان القاضي ابا عبيد [بن حربويه] لما ارسله الى بغداد يستعفي له عن قضاء مصر كان يتردّد الى عليّ بن عيسى بن الجرّاح فيمتنع [ان] يعفيه ويقول: مهما كان يكرهه انا ازيله. قال: وما اظنّ الا انه
стр. 531
كره [المرافقة] مع هلال بن بدر لانه شاب غرّ لا يعرف قدره فانا اصرف هلالا وأولّي احمد بن كيغلغ شيخ عاقل يعرف قدر القاضي. وكان ابن الحدّاد يلحّ عليه في قضاء ما اراده القاضي ابو عبيد فلا يريد ان ينصرف عن بغداد الاّ بمراده فقدّر ان صرف ابن الجرّاح عن الوزارة واستقرّ ابو الحسن بن الفرات وكان منحرفا عن ابي عبيد لانّه كان راسله في امر مهمّ له فامتنع من عمله لانّه كان لا يسوغ عنده فحقد عليه فلمّا وزر قيل له عن قصّة ابي عبيد فقال: اصرفوه. وارسل الى ابن مكرم الذي كان حينئذ قد ولي القضاء ببغداد بان يرسل الى مصر قاضيا بها فكتب الى عامل مصر حينئذ ومدبّر امرها وهو ابو الحسن محمد بن عبد الوهّاب يخبره بصرف ابي عبيد وان القضاء فوّض لابن مكرّم وصحبه كتاب ابن مكرم الى اربعة من اهل مصر منهم ابو جعفر الطحاويّ ان يختاروا منهم رجلا فيتسلّم القضاء من ابي عبيد ويحكم نيابة عن ابن مكرّم فارسل العامل الى الطحاويّ فناوله الكتاب فاشتهر امر الكتاب حتى بلغ ابا عبيد فامسك عن الحكم واجتمع القوم عند علان ابن سليمان فتشاوروا [فناب عنه ابو الذكر محمد بن يحيى بن مهديّ مائة يوم ثم استنيب عنه ابو محمد ابراهيم بن محمد الكريزيّ وعزل صاحب الترجمة عن بغداد في ١٥ سنة ٣١٣ في العشر الآخر من ربيع الاوّل وكانت ولايته في سنة ٣١١]
أبو الذكر محمد بن يحيى الأسوانيّ
عن رفع الاصر ص ١٣١ ب والتلخيص ص ١٠٢
محمد بن يحيى بن مهديّ بن هارون بن عبد الله بن هارون بن ابراهيم الأسوانيّ التمّار ابو ذكر بكسر المعجمة وسكون الكاف الفقيه المالكيّ من المائة الرابعة ولد في ربيع الآخر سنة ٢٥٥ وتعانى التجارة في التمر ويقال انه اصله من إخميم وسمع من محمد بن عمر الأندلسيّ واعتنى بالفقه فمهر فيه حتى كان المشار اليه في مذهب مالك بمصر واوّل من نوّبه ابو جعفر احمد بن عبد الله بن مسلم بن قتيبة فانه فوّض اليه الفرض للنساء وتصدّى للتدريس والإفتاء
стр. 532
قال ابن يونس: كان له بمصر قدر ومنزلة جليلة وهو الذي تسلّم القضاء من ابي عبيد بن حربويه لمّا انفصل من مصر وتولّى قضاء مصر عبد الله بن ابراهيم بن مكرم البغداديّ فارسل الى اربعة من اهل مصر ان يختاروا من اهل مصر من ينوب عنه فاختاروا ابا الذكر وكان ولايته لليلتين خلتا من ذي القعدة سنة ٣١١
قال ابن يونس: وكان جلدا وقد حدّث بشيء يسير وكان عابدا واصابه الباسور وكان يضعفه عن إدمان التعبّد وكانت له حلقة في جامع عمرو ويتناظر عنده الفقهاء من الفرس وغيرهم وكان يجلس للاشتغال بالعلم من الصبح الى الزوال ثم من بعد صلاة الظهر الى العصر. وذكره الشيخ اسحاق الشيرازيّ في طبقات الفقهاء بعد الحارث بن مسكين فقال: ومن دون هؤلاء ابو الذكر محمد بن يحيى المالكيّ قاضي مصر تفقّه على يوسف بن يحيى المغاميّ اخذ عنه ابو الطاهر محمد بن عبد الغنيّ
وقال الحسن بن زولاق: نظر في الاحكام وتصلّب في حساب الأمناء وكان من جملتهم ابن الحدّاد وكانوا قد تهيّئوا لتوديع ابي عبيد بن حربويه فمنعهم ابو الذكر وكان لهم عنده اموال سلّموها ثم أخرجوا وأسمعهم المكروه فتأخّروا ولو امكنهم الذهاب مع ابي عبيد الى العراق لفعلوا
فولي ابو الذكر القضاء الى يوم الخميس ثامن عشر صفر سنة ٣١٢ فوصل ابو محمد ابراهيم بن محمد بن عبد الله الكريزيّ من قبل ابن مكرم فباشر القضاء وكانت مدّة ولاية ابي الذكر ثلاثة اشهر وعشرة ايّام وعاد يتعاطى الشهادة مع الشهود ويشهد عند الكريزيّ الذي ولي بعده. ثم استنابه ابو جعفر بن قتيبة في الفرض فباشره ثم استنابه محمد بن بدر ايضا في الفرض فباشره وزاد بانه كان يحكم للمطلّقة ثلاثا بالسكنى والنّفقة عملا بمذهب مستنيبه تاركا لمذهبه في ذلك. ولمّا اعتلّ محمد بن بدر علّته التي مات فيها استخلف ابا الذكر في النظر في الاحكام فنظر الى ان مات فلما مات محمد بن بدر وذلك لثلاث بقين من شعبان امر الإخشيد امير مصر ابا الذكر ان ينظر في الاحكام فركب الى مسجد محمود لالتماس هلال رمضان على العادة وركب معه الشهود واعيان البلد وغيرهم من الناس. فلم يكمل عشرة ايّام حتى جاء كتاب الحسين بن عيسى باستخلاف الحسن (١٣٢) بن عبد
стр. 533
الرحمن بن اسحاق الجوهريّ. وتأخّرت وفاة (ابي) الذكر الى يوم الفطر سنة ٤٠ فمات وصلّى عليه اخوه مؤمّل بن يحيى الأسوانيّ. وبلغ ابو الذكر خمسا وثمانين سنة
ابراهيم بن محمد الكريزيّ
عن رفع الاصر ص ٧ ب والتلخيص ص ٩ ب
ابراهيم بن محمد بن عبد الله بن عبد الله بن عبد العظيم بن عبد الاعلى بن عبد الله بن عبد الكبير بن عامر بن كريز (براي ثم زاي مصغّرا) بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس القرشيّ العبشميّ الكريزيّ البغداديّ من المائة الرابعة ويكنى ابا محمد ولد سنة [بياض في الاصل] ونشأ وولي قضاء مصر من قبل أبي يحيى عبد الله بن إبراهيم بن مكرم لعشرين من المحرّم [ولمّا] ولي تكين إمرة مصر اعيد اليها لصرف ابا الذكر الأسوانيّ وقرّر مكانه ابا محمد الكريزيّ وقدم مصر في سنة ٣١٢ فتسلّم القضاء من ابي الذكر لاثنتي عشرة ليلة خلت من صفر. قال ابن ميسّر في تاريخه: قدم تكين من العراق لعشر بقين من المحرّم منها فصرف ابا الذكر وولّى مكانه ابا محمد الكريزيّ نيابة عن ابي يحيى بن مكرم. قال ابو محمد بن زولاق: لم [يكن] بالمحمود في ولايته فنظر في الاحكام وتسلّم ما في المودع من المال وغلب على امره ابو عليّ احمد بن ابي الحسن الصغير ولم يكن بالماهر في العلم ولكن كان يعرف العربيّة وكان سمع من محمد بن احمد بن الجنيد وغيره و [له] حديث اخرج عنه ابو بكر بن العربيّ في معجمه
قال الحسن بن زولاق: تراءى الناس هلال رمضان وخرج القاضي الكريزيّ على العادة فرجعوا فارسل تكين امير مصر الى الكريزيّ يسأله: ايش صحّ عندك من الشهر. يعني رمضان. فاجابه: ان الذي صحّ عندي ان غدّا لا من شعبان ولا من رمضان. فقال تكين: الله المستعان يصرف ابو عبيد بمثل هذا. وقال ايضا: كان القضاة اذا قدموا البلد بدءوا بدار امير مصر فلمّا قدم الكريزيّ بدأ بالجامع فصلّى فيه ركعتين وقرأ عهده فيه ثمّ راح الى دار الامير وتسلّم باقي المودع وكان تحت يد
стр. 534
جماعه من أمناء القاضي ابي عبيد منهم علان بن سليمان كان عنده خمسون الف دينار دفنها تحت درجه وكان عند غيره اكثر من ذلك وتصرّف الكريزيّ في ذلك وتصرّف في شيء كثير من اموال الاحباس. ثمّ قدم كتاب هارون بن ابراهيم بن حمّاد الذي ولي قضاء بغداد بعد ابن مكرم يأمر بتسليم القضاء لعبد الرحمن بن اسحاق بن محمد الجوهريّ فتسلّم من الكريزيّ لثمان بقين من شهر ربيع الأوّل سنة ٣١٣ وكانت ولايته سنة واحدة وايّاما وعاش بعد ذلك الى ان مات بحلب في سنة ٣١٧ وارخه مسلمة بن قاسم سنة ١٨
هارون بن ابراهيم بن حمّاد
عن رفع الاصر ص ١٣٦ ب والتلخيص ص ١٠٦ ب
هارون بن ابراهيم بن حمّاد بن اسحاق بن إسماعيل بن حمّاد بن زيد الأزديّ العذريّ نزيل بغداد يكنى ابا بكر مالكيّ من المائة الرابعة ولد سنة ٢٧٨ (١٣٧) وسمع من العبّاس بن محمد الدوريّ وعمّ ابيه إسماعيل بن اسحاق وابراهيم الحربيّ وغيرهم وتولّى القضاء ببغداد وأضيف اليه القضاء في مدن كثيرة منها قضاء مصر من قبل المقتدر من بعد صرف أبي يحيى عبد الله بن إبراهيم بن مكرم فاستخلف اولا عبد الرحمن بن اسحاق الجوهريّ ثم عزله واستخلف اخاه احمد وكان ذلك في حياة والدهما وهو من بيت قضاء ورئاسة. وكان لين الجانب جميل الطريقة حسن المذهب والسمت وافر الحرمة مشكور السيرة عارفا بالاحكام ولمّا عزل هارون من القضاء انعزل اخوه بعزله وذلك في سنة ٣١٦. روى عن هارون جماعة منهم ابو القاسم الطبرانيّ ومات فجأة في جمادى الاولى سنة ٣٢٨ ومات ابوه قبله بخمس سنين في سنة ٣٢٣
عبد الرحمن بن اسحاق الجوهريّ
عن رفع الاصر ص ٦١ ب والتلخيص ص ٤٨
عبد الرحمن بن إسحاق بن محمد بن معمر بن حبيب بن المنهال السدوسيّ ابو
стр. 535
عليّ الجوهريّ الحنفيّ من المائة الرابعة. قال ابن زولاق: ولد في سنة ٢٥٠. وقال ابن يونس سنة ٥١ بسامرّا وكتب بالعراق وحدّث عنهم بمصر وكان مكثرا عن عليّ بن حرب وكان ثقة وقال ابن زولاق: وسمع على عليّ بن حرب الطائيّ نحو ستّين جزءا واخذ عن الربيع بن سليمان [لعله محمد بن الربيع] اكثر كتب الشافعيّ وحدّث ايضا عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم حدّث عنه ابو بكر بن المقري والطبرانيّ في آخرين. وولي قضاء مصر بعد صرف ابراهيم بن محمد الكريزيّ خلافة عن هارون بن ابراهيم بن حمّاد بعد صرف ابي يحيى بن مكرم. فورد الكتاب من هارون الى ابي عليّ الصغير واسمه احمد بن عليّ بن الحسين والى ابيّ عليّ الجوهريّ فتسلّما ذلك عن الكريزيّ فنظرا في الامور ثم استقلّ عبد الرحمن بن اسحاق [في شهر ربيع الأوّل سنة ٣١٣] فانه كتب الى هارون بذلك يسأله إفراده فاجاب سؤاله.
وارتفعت يد ابي عليّ الصغير واستقلّ الصغير بالنظر في الصّدقات وقال ابن يونس:
تسلّم القضاء لاحمد بن ابراهيم بن حمّاد نحو سنة الى ان قدم (٦٢) ابن حمّاد فهذا يدلّ على ان ولايته من قبل احمد لا من قبل اخيه هارون وكان احمد من قبل هارون فعلى هذا يكون عبد الرحمن نائب القاضي وظاهر كلام غيره انه انما ناب عن هارون ثم استناب هارون اخاه احمد. قال ابن زولاق: كان عبد الرحمن بن اسحاق عاقلا فقيها حاسبا فهما له في الحساب تصنيف وافر ولم يقل حلقته التي كان [يشتغل] فيها في الجامع بل كان يروح كلّ ليلة وكان ينفذ له بضاعة صوف الى مكّة في كل سنة وكان عفيفا يقال [ان] المودع بقي فيه ثمانون الف دينار مما كان ابو عبيد خلّفه فيه وطال العهد بها ولم يأت لها طالب فلم يتعرّض لها عبد الرحمن حتى جاء الذي … فذابت كلها في النفقات الصلات والهبات
وكان عبد الرحمن يتأدب مع الطحاويّ جدّا بحيث لا يركب حتى يركب ويقول: هو عالمنا وقدوتنا ويقول: هو أسنّ مني باحدى عشرة سنة والقضاء اقلّ من ان افتخر به على ابي جعفر
وكان ابن الفرات الوزير غضب من صرف الكريزيّ ففوّض نظر الاحباس لعليّ بن ابي بكر وافردها عن القاضي ولم يزل عبد الرحمن ينظر في الحكم الى
стр. 536
ربيع الآخر سنة ١٤ فكانت مدّة ولايته سنة واحدة وشهرين وعاش بعد ذلك الى سنة ٣٢٠
احمد بن ابراهيم بن حمّاد
عن رفع الاصر ص ٩ والتلخيص ص ١٦
احمد بن ابراهيم بن حمّاد بن اسحاق بن إسماعيل بن حمّاد بن زيد بن درهم البصريّ الاصل ابو عثمان البغداديّ المالكيّ من المائة الرابعة ولد سنة ٢٧٥ وولاّه اخوه هارون لمّا ولي قضاء مصر من قبل الخليفة خلافته بمصر فقدمها [فارسل] الى عبد الرحمن بن اسحاق الجوهريّ ان يتسلّم القضاء فتسلّم ثمّ قدم ابو عثمان فسلّمه لسبع خلون من شهر ربيع الآخر سنة ٣١٤ فتسلّم القضاء من عبد الرحمن بن اسحاق الجوهريّ ونزل من الغد الى الجامع في السواد فقرئ عهده من قبل اخيه وعهد اخيه من قبل الخليفة وامير مصر يومئذ تكين فاكرمه من اجل اهله وكان ابوه يومئذ في قيد الحياة وامّه بنت القاضي إسماعيل بن اسحاق المشهور وقريبه أبو عمر محمد بن يوسف بن يعقوب قاضي القضاة ببغداد فنظر ابو عثمان في الاحكام والاحباس والمواريث وكان قليل الكلام كثير الحياء جميل الصورة
فحكى ابن زولاق عن ابي بكر بن الحدّاد قال: كان ابو عثمان اذا جاء الى دار تكين امير مصر نزل في موضع دون الموضع الذي ينزل فيه ابو عبيد فتكلّم معي في ذلك فتكلّمت مع تكين فقال لي: اذا قدم اخوه هارون اين ينزل: ثم قال له: أتريد ان تنزل موضع ابي عبيد. قال: نعم. قال: لا ولا كرامة ولو كان ابو عمر.
قال: فشكى اليّ ابو عثمان ذلك فقلت: لا تعد تتكلّم بعد هذا في شيء من هذا.
قال: وسرّتني معرفة تكين بقدر القاضي ابي عبيد
قال ابن زولاق: وحدّث ابو عثمان بمصر عن جدّه إسماعيل بن اسحاق وابراهيم الحربيّ ويوسف (٩ ب) بن يعقوب ومحمد بن يحيى المروزيّ وبهلول بن اسحاق وغيرهم واقام على قضاء مصر الى ذي الحجّة سنة ٣١٦ وكانت مدّة ولايته سنتين وتسعة اشهر فصرف بعزل اخيه هارون ثمّ اعيد هارون في جمادى الآخرة سنة ١٧
стр. 537
فعاد ابو عثمان الى النظر في الحكم فركب الى الجامع وقرئ كتابه وقام الامير تكين بحقّه
قال ابن زولاق: وجرت في ولاية ابي عثمان حوادث منها انه ورد عليه كتاب (١) من بغداد بتوريث ذوي الارحام. وكان لشدة حيائه لا يفهم اكثر كلامه فجرت بسبب ذلك امور. قال: وقد حدّثني ابو الطاهر الذهليّ انه لمّا حجّ كان يلبّي فلا يسمع صوته بل كان النساء يرفعن اصواتهنّ بالتلبية اجهر منه لشدّة خجله. فلم يزل حتى صرف اخوه في ربيع الآخر سنة ٢٠ فصرف هو ايضا وكانت ولايته الثانية سنتين وتسعة اشهر. ثمّ ورد عليه كتاب القاهر من بغداد بتوليته استقلالا وذلك في شهر رمضان سنة ٢١ فكانت هذه اجلّ ولاياته وواصل فيها النزول الى الجامع وسكن في دار محمد بن عبدة وكانت دارا عظيمة سيأتي ذكرها في ترجمته. وكان في طول ولايته يتردّد الى ابي جعفر الطحاويّ يسمع عليه تصانيفه بقراءة الحسن بن عبد الرحمن وهو يومئذ قاضي مصر. فدخل رجل من اهل أسوان فسأل ابا جعفر عن مسئلة فقال له الطحاويّ: مذهب القاضي ايّده الله كذا وكذا. فقال: ما جئت الى القاضي انما جئت اليك. فقال: يا هذا هو كما قلت. فاعاد فقال له ابو عثمان: أفته ايدك الله برأيك. فقال: اذا أذن القاضي أيّده الله أفتيته. ثمّ أفتاه. وكان ذلك يعدّ من ادب الطحاويّ وفضله
ووصف ابو القاسم القرشيّ ابا عثمان بالزهد والعبادة وقيام الليل وهو اوّل من خرج بالناس الى مسجد محمود بالقرافة لرؤية هلال رمضان
وقال ابو سعيد ابن يونس في تاريخه: كان كريما كثير الحياء حدّث عن إسماعيل ابن اسحاق وخلق كثير من اهل بغداد وكان ثقة كثير الحديث وعاش الى شهر رمضان سنة ٣٢٩ فمات ببغداد في هذه السنة بعد اخيه بنحو سنة
_________
(١) توجد صورة هذا الكتاب بعينه في كتاب الوزراء لهلال الصابئ ص ٢٤٧
стр. 538
عبد الله بن احمد بن زبر
عن رفع الاصر ص ٤٩ ب والتلخيص ص ٤٠
عبد الله بن احمد بن ربيعة بن سليمان بن خالد بن عبد الرحمن بن زبر بن عطارد ابن عمرو بن حجر بن منقذ بن اسامة بن الجعيد بن صبرة بن الديل بن [عمرو] بن افصى بن عبد القيس ابو محمد بن زبر شافعيّ من المائة الرابعة ولد سنة ٢٥٦ وروى عن احمد بن عبيد بن ناصح ومحمد بن سليمان المقري ومحمد بن يونس [بن موسى بن سليمان بن عبيد بن ربيعة بن كديم البصريّ] الكديميّ وعبد الرحمن بن محمد الالهانيّ واحمد بن عبد الله بن زكرياء الإياديّ وعبادة بن الوليد العزيّ واحمد ابن منصور الزياديّ (٥٠) وسعدان بن نصر الدوريّ [ن المروزيّ] والعباس الدوريّ واحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطّان والحصر (؟) بن أبان وابراهيم بن هانئ وغيرهم روى عنه ابو العبّاس عبد الله بن موسى وابن شاهين والدارقطنيّ وآخرون. قال الخطيب: قدم بغداد وحدّث بها وكان غير ثقة حدّثني الصوريّ سمعت عبد الغنيّ ابن سعيد يقول: سمعت الدارقطنيّ يقول: دخلت على [ابي] محمد بن زبر وانا اذ ذاك حدث وبين يديه كاتب له وهو يملي عليه الحديث من جزء والمتن من جزء آخر فظنّ اني لا انتبه لذلك (قال) وقال عبد الغنيّ: كنت لا اكتب حديثه عن ابيه اذا جاء منفردا الاّ ان يكون مقترنا بغيره. وكان يقول لي: يا ابا محمد ما ذنب ابي اليك لا تكتب حديثه الاّ اذا كان مقترنا بغيره. وكانت مجالسه في الحديث متّصلة عامرة يملي اهله ويقرأ عليه. وكانت ولايته من قبل المقتدر فورد كتابه على تكين امير مصر فركب ابو هاشم إسماعيل بن عبد الواحد المقدسيّ وابو مقاتل صالح بن محمد المحتسب الى ابي عثمان فتسلّموا منه الى ان وافى ابن زبر مصر في المنتصف من المحرّم سنة ٣١٧ فجلس للحكم في الجامع العتيق وقرأ عهده ودخل اليه اصحاب الحديث فقال: ما حللت بشيء بعد. ووعدهم وقال مسلمة بن قاسم: كان يرمى بالكذب لقيته فلم اكتب عنه ثم كتبت عن رجل عنه
قال ابو محمد بن زولاق: كان شهما ضابطا داهية ممشّيا للامور يجلس في كل
стр. 539
اثنين وخميس لا بسا للسواد وفي سائر الايّام بالبياض واستخلف في نيابة الحكم ابا بكر بن الحدّاد وولاّه حبس المارستان واجرى عليه في كل شهر ثلاثين دينار واستخلف ايضا ابا بكر محمد بن [عليّ] العسكريّ. وكان يشدّ على الشهود وبلغه ان قوما منهم يدخلون على ابي عثمان يقضون حقّه فتهدّدهم باقبح قول. وبسط ابو محمد بن زبر يده في الاموال واعترض في الوصايا والتركات (قال) ولمّا عرف بحال محمد بن بدر مع ابي عثمان بن حمّاد اصطنعه بشهادة ابي بكر بن الحدّاد. قال ابو عمر الكنديّ: اخذ ابن زبر من محمد بن بدر على قبوله [وتزكيته] الف دينار
وذكر بعض البزّازين: انه كان عند ابن زبر فقلب عليه ثياب دبيقيّ وشرب وبحضرته محمد بن بدر فقال له بعض حجّابه: قد كثر الخصوم على الباب. فقال لمحمد ابن بدر: قم يا ابا بكر فاحمل عني وانظر بين الناس. فقام فنظر ثمّ عاد فقال: قد فرغت من امورهم وانصرف الناس. قال: فعدت اليه بعد ايّام فدعا بسفطين الواحد فيه ثياب دبيقيّ عشرة اثواب والآخر فيه شرب عشرة أردية فقال: كم يساوي كل سفط. قلت: مائة دينار فبكم اشتراها القاضي. فقال: بجلسة محمد بن بدر اوّل امس. فقلت: رخص ذلك
وكان قويّ النفس كثير الجهد واسع الحيلة وكان الوزير عليّ بن عيسى منحرفا عنه ولمّا سعى في قضاء مصر دافع بولايته وكان السبب في انحرافه عنه انه كان يولّى قضاء دمشق فاتّفق ان الوزير دخل دمشق في مهمّ من المهمّات فخرج اهلها الى لقيه ومنهم القاضي فسايره فصاح به اهل البلد ونسبوا القاضي الى كل سوء من الرشا والظلم وغيرهما من الفواحش والوزير يلتفت اليه فيقول له: ما تقول هؤلاء. فقال: يشكون الى الوزير غلوّ الاسعار (٥٠ ب) وضيق الاحوال ويسألون حسن النظر اليهم والعطف عليهم. فلمّا عاد الى بغداد صرفه عن الحكم بدمشق اقبح صرف. وكان مفلح المقتدريّ يساعد ابن زبر وابن الجرّاح يدافعه وعجز ابن زبر عن رضاه فأعمل الحيلة فدفع لشخص عشرين دينارا واعطاه رقعة وامره ان يلقيها في ورق المظالم فالبسه في آخر الليل ثوبا مشمّرا في زيّ الخراسانيّة ودفع اليه دفترا ومحبرة ونقط في ثوبه الحبر واركبه زورقا (قال) فقرأت الرقعة فاذا بها بعد البسملة والحمد له: حضر مدينة
стр. 540
السلام رجل من خراسان يريد الحجّ واشتغل بكتابة الحديث الى اوان الحجّ فرأى في ثلاث ليال متوالية العبّاس بن عبد المطّلب في وسط مدينة السلام يبني دارا فكلّما فرغ من موضع تقدّم رجل فهدمه فقلت له: يا عمّ رسول الله من هذا الذي قد بليت به. فقال: هذا عليّ بن عيسى كلّما بنيت لولدي بناء هدمه. فرميت الرقعة في ورق المظالم فرجعت فوجدت ابن زبر قائما ينتظر فقال: ما فعلت. قلت:
رأيت خادما وامرأة عليهما نقاب كحليّ. فقال: هذه امّ موسى القهرمانة. قال:
فانت قرأت الرقعة. قلت: لا. فحلفته على ذلك ودعا بالغداء فاكل واكلت معه وكان زمن الصيف فقام بعد الاكل لقائلة فدخل البوّاب فقال: ابن الأشنانيّ القاضي بالباب. فاستأذنت ابن زبر فقال: يدخل. فدخل وهو يصيح (يعني القاضي):
عزل عليّ بن عيسى والقبض عليه. قال: ما السبب. قال: رقعة رفعت ان رجلا صالحا رأى (فذكر ما في القصة) فقرئت على المقتدر فقال: ان هذه الرؤيا صحيحة يصرف عليّ بن عيسى ويقبض عليه. فقام ابن زبر فركب فما جاء آخر النهار حتى وافى ومعه عهده بقضاء مصر ودمشق
وكان عارفا باخذ الدراهم والدنانير والهدايا وكان مع ذلك لا يقبض درهما ولا يضمّ هديّة حتى يقضي حاجة صاحبها. فلقيه رجل فقال: انا ضعيف ولي زوجة وعليّ يمين بانطلاق منها ان لا تخرج الى الطريق وقد علموها ان تطالبني عندك. فقال: اين منزلك. فقال: في ذاك الزقاق. فقال: سر بين يديّ. فدخل بين يديه فاشرفت المرأة وهي في منزلها وقال لها: [ما الذي تطلبين منه. قالت: النفقة. ففرض لها وهو راكب على بغلته وقال لها:] انك ان خرجت بغير اذني لم اخشه
قال ابن زولاق: قال لي يحيى بن مكّي بن رجاء: لو كان ابن زبر عادلا ما عدلت به قاضيا. قال: وسأله [سألت؟] الطحاويّ عن مسئلة فلم يجب فيها جوابا شافيا فعاودته فقال لي: انه وان الشيخ يتّقي هذا القاضي لبادرته
وطولب الطحاويّ بشهادة عنده على حكم محمد بن عبدة فركب اليه فشهد عنده فلما ادّى شهادته قال له: حديث كنت كتبته عن رجل عنك منذ ثلاثين ٢٥ سنة. فحدّثه به
стр. 541
ولقيه جماعة من خصومه عند درب العلم فامر بفرش الغاشية وجلس فنظر في امرهم. ولم يزل في ولايته هذه إلى يوم الجمعة لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة ١٧ فصرف بهارون بن ابراهيم بن حمّاد فورد كتابه على اخيه ابي عثمان فباشر الى العشر الاخير من ربيع الآخر سنة ٣٢٠ فصرف واعيد ابن زبر فورد كتابه (٥١) على ابن الحدّاد والعسكريّ فسأل تكين امير مصر ان يتسلّم له ووافى ابن زبر مصر يوم الاحد لاحدى عشرة بقيت من جمادى الآخرة فقرئ عهده بالمسجد الجامع على المنبر وكان يجلس كل يوم في المسجد ما عدا يوم الجمعة وكان تكين يشرّفه ويقوّي امره. وبلغه ان جماعة وقفوا فيه ومالوا الى [ابي] عثمان فهدّدهم وحبس منهم كثيرا منهم عبيد الله بن سهل بن بريحه صاحب المسجد وكان من جلساء ابي الذكر.
واتّفق ضعف تكين امير مصر فخاف ابن زبر على نفسه من الرعيّة فاستأذنه في ان يسافر ويستخلف ابنه محمدا على مصر فامتنع فكتب ابن زبر الى ابي هاشم المقدسيّ وسأله ان ينظر بين الناس ففعل فسلّم له الديوان وسافر الى دمشق.
فمات تكين بعد ان سار فحصل على ابي هاشم ما كان ابن زبر يتوقّعه في نفسه فباشر اقلّ من سنة
ثم اعيد ابن زبر الى قضاء مصر في شعبان سنة ٢٤ نيابة عن محمد بن الحسن ابن ابي الشوارب قاضي بغداد فوصل كتابه الى عليّ بن احمد بن اسحاق ويحيى بن الحسن بن عليّ بن الاشعث فاستأذنا الاخشيد فاذن لهما فتسلّما الديوان من محمد بن بدر وذلك لخمس بقين من شعبان سنة ٣٢٤ فنظر بين الناس قدر شهرين. فتحرّك ابو عبد الله الحسين بن ابي زرعة في قضاء مصر وكان قاضي دمشق فقدم مصر في تلك الايّام فسعى عند الاخشيد حتى اسعفه ومنع نائبي ابن زبر من النظر وفوّض الاخشيد القضاء لابن ابي زرعة فاقام ابن الحدّاد يقضي الاحكام نيابة عنه ثم ورد عهده من قبل ابن ابي الشوارب فاسرّ الى ان وصل عبد الله بن زبر الى مصر فانتشر الحديث ولم يدخل مصر في تلك الولاية وسعى سرّا عند الاخشيد حتى ظفر بكتاب كان ابن ابي الشوارب كتبه لعبد الله بن احمد بن وليد ان ينوب عنه فلم يجبه الى ذلك فاتّفق ان وقع بين ابن الوليد والقاضي فارسل ابن الوليد الكتاب
стр. 542
الى ابن زبر فقال له: خذ هذا الكتاب فانت عبد الله بن احمد وانا عبد الله بن احمد وقد رددت اليك ما لي فيه. ففرح ودخل به الى الاخشيد فامضاه واستقرّ ابن زبر في القضاء ولايته الرابعة بهذه الحيلة فباشر كعادته. وطالب سليمان بن رستم بوصيّة عفّان البزّاز وتعرّض [للاحباس] ووقع في [حقّ] محمد بن بدر وسمّاه العلج وقال:
عزمت على بيعه فقد ثبت عندي ان اباه مات في الرقّ. فخاف منه فركب اليه وداراه واهدى اليه. واشتدّ خوف جماعة من اهل مصر منه فعوجل واعتلّ في شهر ربيع الاوّل من سنة ٢٩ واخذه الإسهال فمات لثلاث خلون من شهر ربيع الآخر وانشد ابو هريرة بن ابي العصام في وفاة ابن زبر ممّا ذكره ابن ميسّر في تاريخه:
أتانا من دمشق وليس شيء … أحبّ اليه من نهي وأمر
فغادره المنون لقى فأضحى … حليف حفيرة وأسير قبر
لقد حكم الإله بغير جور … وقد وعظ الزّمان بنجل زبر
(٥١ ب) قلت: وكان ولده ابو سليمان محمد من اهل الحديث معدودا في الحفّاظ له تصانيف منها معرفة الصحابة والتاريخ على السنين روى عنه عبد الغنيّ بن سعيد وتمّام بن محمد الرازيّ وذكر في تاريخه انه ولد بالرقّة سنة ٢٩٨ قال ابو نصر بن ماكولا: كان ثقة حافظا [نبيلا؟] ومات في جمادى الاولى سنة ٣٧٧ ارّخه عبد العزيز الكتّانيّ وقال: كان يملي في الجامع
وممّا ذكر عنه الحافظ الذهبيّ في تاريخ الاسلام (ص ١٩٠) في حوادث سنة ٣٢٩ انه قال أبو عمر محمد بن يوسف الكندي اخبرني عليّ بن محمد المصريّ انه رأى القاضي ابن زبر بدمشق اجتاز بسوق الاساكفة فشغبوا عليه ودقّوا بشفارهم تخوتهم قائلين كلاما قبيحا وهو يسلّم عليهم ويتطارش ويظهر انهم يدعون له. وفيه ايضا انه قال فيه محمد بن عبيد الله المسبّحيّ: كان عارفا بالاخبار والكتب والسفر صنّف في الحديث كتبا وعمل كتاب تشريف الفقر على الغناء
стр. 543
إسماعيل بن عبد الواحد المقدسيّ
عن رفع الاصر ص ٢٣ ب والتلخيص ٢٤
إسماعيل بن عبد الواحد بن محمد الربعيّ المقدسيّ ابو هاشم من المائة الرابعة شافعيّ. قال ابو محمد بن زولاق: كان ابو هاشم من الفضلاء النبلاء يجمع الحفظ والفهم ويدري القرآن والعلوم الاّ انه قويّ النفس تيّاها وكانت ولايته للقضاء في صفر سنة ٢١ فاقام قدر شهرين وكان السبب في ذلك ان ابن زبر لمّا مرض تكين بمرض السلّ خشي على نفسه من اهل مصر لما كان عاملهم به فركب ابن زبر الى ابي هاشم هذا وكان قد اختصّ بالامير تكين حتى كان لا يصدر الاّ عن رأيه فسأله ان يقبل عنه نيابة الحكم الى ان يعود وان يتلطّف له في الإذن في السفر فلم يزل ابو هاشم يكلّم الامير حتى اذن له في ذلك فاستلم الديوان من ابن زبر بجميع ما خصّه وتوجّه الى دمشق فلقي الإخشيد محمد بن طغج فسأله عن احوال مصر فاعلمه ان الامير على موت فتصوّب الإخشيد للتوجّه الى مصر. واستمرّ ابو هاشم يحكم بين الناس ويتقوّى بالامير
وفي ولايته تحدّث مع الامير تكين فبعث معه صاحب [الشّرط] فاقام من كان بالجامع العمريّ من المالكيّين والحنفيّين الاّ القليل منهم وهم خمسة: ابن الحدّاد والطحاويّ وعبد الرحمن بن اسحاق ومحمد بن رمضان الزيّات وابو بكر الرازيّ فحقدوا عليه ثمّ سئل في حلقة محمد بن عبد الغنيّ التي فيها ابو الذكر فأذن له الى ان مات تكين ووقعت الفتنة بين ولده محمد بن تكين وبين الوزير محمد بن عليّ الماذرائيّ فاجتمع جماعة ممّن اهانهم ابو هاشم فتكلّموا فيه عند الماذرائيّ فارسل اليه يمنعه من الحكم. وكان ابو هاشم امر ابا بكر محمد بن عليّ العسكريّ ان ينظر في الفروض فاستمرّ بعد منع ابي هاشم على حاله واذن له ان ينظر بين الخصوم فنظر ايّاما الى ان وصل ابن قتيبة. ولمّا شغب الجند على محمد بن تكين توجّهوا الى دار ابي هاشم فنهبوا جميع ما فيها واخرجوا منها آلات الملاهي والسكر وكان
стр. 544
ذلك لحظيّة مردوعة (؟) للامير فخاف ابو هاشم على نفسه ففرّ الى الرملة فاقام فيها.
وكان قد اودع عند بكران الصبّاغ بضعة ثمن (؟) الف دينار فخانه في اكثرها وكان جماعة من المالكيّين ارادوا ان يكتبوا عليه محضرا عند العسكريّ فبلغ ذلك ابن الحدّاد فركب الى (٢٤) العسكريّ فثنى رأيه عن ذلك وذكر له العسكريّ امورا عملها ابو هاشم معه ومع غيره فلم يقبل منه ولم يزل به حتى رجع عن المساعدة عليه وكان يلزم الشهود ان يركبوا معه فركب يوما فتفقّد محمد بن رمضان فسأل عنه فقيل له: هو حاضر لكنه لم يجد ما يركبه فمشى. فالتفت فرآه ماشيا فنزل عن بغلته وامره ان يركبها ويركب هو بغلة اخرى وقال: هذا جزاء من أتانا ماشيا
وقال الذهبيّ في تاريخ الاسلام: ولي قضاء مصر نحوا من شهرين وكان من كبار الشافعيّة وكان جبّارا ظلوما فلم تطل ولايته. كذا قال ولو راجع كلام ابن زولاق لأجاد وافاد فوصفه له بانه من كبار الشافعيّة لا سلف له فيه وتعليله قصر ولايته بانه كان جبّارا ظلوما ليس بواضح من سيرته التي حرّرناها
ولمّا فرّ الى الرملة اقام بها خمس سنين حتى ملك الإخشيد مصر فبعث اليه يستدعيه فوجده الرسول قد اصابه الفالج فقال: قل له ما قاله الجاحظ: ما تصنع بشقّ مائل ولعاب سائل وعقل ذاهل. ومات بعد ذلك بيسير في سنة ٣٢٥
محمد بن الحسن [او الحسين] بن ابي الشوارب
عن رفع الاصر ص ١٠٧ ب والتلخيص ص ٨٤ محمد بن [الحسن] بن عبد الله بن عليّ بن محمد بن عبد الملك بن ابي الشوارب ابو الحسن ولد سنة ٩٢ وسمع من ابي العبّاس بن مسروق روى عنه الحسين بن محمد الكاتب وكان احد الاجواد لكنه لم يكن محمودا في الولاية منسوبا الى الارتشاء في الاحكام شاع ذلك وكثر الحديث به قال ابن الصابئ: ضمن ابن ابي الشوارب القضاء بمال مرتّب لمعزّ الدولة فكان [يطالبه] فلا يخلوا بابه من مطالب وربّما ضجّوا وحملوا الجوارح والكلاب فارسلوها على بابه فتكثر الشناعة بذلك.
فدخل ابو عبد الله بن الداعي الى معزّ الدولة فقال: رأيت عليّا في المنام وحمّلني اليك
стр. 545
رسالة. فارتاع معزّ الدولة وقال: ما هي. قال: يقول لك «هب لي ما على ديوان الحكم من المال» ففعل
وارسل لمّا ولي القضاء [الحسين] بن محمد المطّلبيّ فتسلّم له القضاء بمصر وقرئ عهده من قبل القاهر ثم وصل ابو جعفر بن قتيبة فنساب عن ابن ابي الشوارب في القضاء وكان ذلك في الثامن عشر من جمادى الآخرة سنة ٣٢١. وكان ولي القضاء ببغداد من قبل المستكفي في صفر سنة ٣٣٣ ثم قبض عليه في صفر سنة ٣٤ ثم قلّده المطيع قضاء الشرقيّة والحرمين ومصر وسرّ من رأى وبعض السواد وبعض عمل الشأم ثم صرف عن جميع ذلك في صفر سنة ٣٥ وعمل فيه ابن سكرة الشاعر قصيدة في هجائه فيها:
ولقد جنى قاضي القضا م … ة [حسين نجل؟] ابي الشوارب
هذا الذي هتك الشرا م … ئع بالبدائع والمثالب
هذا المضمّر للفرو م … ج و [للدماء] بغير راكب
وكانت وفاته في شهر رمضان سنة ٣٤٩
احمد بن قتيبة
عن رفع الاصر ص ١٣ ب
احمد بن عبد الله بن مسلم بن قتيبة بن مسلم الدينوريّ ابو جعفر بن ابي محمد ولد ببغداد وسمع من ابيه وحفظ تصانيفه كلها روى عنه ابو الفتح المراغيّ (١٤) النحويّ وعبد الرحمن بن اسحاق الزجّاجيّ واحمد بن محمد بن الحسن بن الغريب وابو حسين المهلّبيّ وآخرون. وولي قضاء مصر خليفة لمحمد بن الحسن بن ابي الشوارب وكان ابن ابي الشوارب ارسل الى ابي بكر بن الحدّاد لينوب عنه وكان الماذرائيّ منحرفا يومئذ عنه فلم يمض امره فاستخلف ابن ابي الشوارب ابا جعفر بن قتيبة وكان وصوله الى مصر في جمادى الآخرة سنة ٣٢١ وركب الى الجامع في السواد فثار عليه العامّة فرجموه ومزّقوا سواده. ثم ركب بعد ذلك في جماعة من اهل العلم فحكم بين الناس واستكتب ابنه عبد الواحد وتولّى محمد بن بدر القيام
стр. 546
بامره فاكترى له دارا سكنها. ودخل عليه اصحاب الحديث يسألونه ان يحدّثهم فقال: ما معي الاّ كتب ابي وانا احفظها فان شئتم سردتها عليكم. وكان يحفظها كما يحفظ السورة من القرآن (ويقال ان والده حفظها له في اللوح) وهي احد وعشرون كتابا وهي: مشكل القرآن. ومعاني القرآن. وغريب الحديث. واختلاف الحديث وعيون الاخبار. والمعارف. والتعبير. [والتسوية]. والانواء. وطبقات الشعراء.
وكتاب العرب والعجم واصطلاح اللفظ. وادب الكاتب. ومعاني الشعر والابنية والقرآن. والمسائل في النحو. وكتاب في الفقه. (١) فلما عرف الناس ذلك قصدوه [فرأى] مجلسه غاصا بفنون الناس ممن يطلب العلوم والآداب. وقصده ابو جعفر احمد النحّاس واحمد بن محمد بن ولاّد وابو غانم المظفّر بن احمد ووجوه البلد
قال ابن زولاق: وكان ابو بكر بن احمد بن مروان الدينوريّ يعني صاحب المجالسة قدم الى مصر قديما فحدّث بكتب ابن قتيبة عنه في جملة ما حدّث به ثم سافر الى أسوان قاضيا فاقام بها طويلا فلمّا ولي ابن قتيبة القضاء كتب اليه ابو الذكر: اني خاطبت القاضي فوعدني بانفاذ العهد اليك ثم بلغه انك حدّثت بكتب ابيه عنه فقال: «اني اعرف كل من كتب عن ابي فليذكر لي علامة اعرفها» قال:
فكتب اليه بعلامات فعرفها قال بن مروان: سخّمت وجهه فيها (قال) فكتب اليّ «ما عرفتك فأعذرني» واسند [انفذ؟] له العهد. وكان من جملة كتاب ابن مروان:
اعرفه في حياة ابيه صبيّا يمشي حافيا ويلعب بالجمار مع العيّارين
فباشر ابن قتيبة القضاء ثلاثة اشهر وقيل اربعة وسبعين يوما ثم صرف بعزل ابن ابي الشوارب وأعيد ابو عثمان بن حمّاد وعاش ابن قتيبة بعد ذلك حتى توفّي بمصر في شهر ربيع الاول سنة ٣٢٢ وارّخه مسلمة بن قاسم في سابع الشهر المذكور وفيها ارّخه ابن يونس لكن وقع في كلامه انه مات وهو قاض وقول ابن زولاق اولى
قال ابن زولاق في سيرة جوهر: دخل ابو احمد عبد الواحد بن احمد بن عبد الله بن قتيبة على جوهر فقال: ابو [ن اما]؟ وليد بن قتيبة. فاجابه وهو واقف بين يديه: ايّ
_________
(١) زاد في تاريخ الاسلام كتاب اعلام النبي وكتاب الرؤية
стр. 547
شيء يكون المصنّف منك. قال: جدّي. قال: كم كتبه. قال: احد وعشرون كتابا.
فقال جوهر: او اكثر بقليل. وامره بالجلوس ثم التفت الى الحاضرين فقال: كان ابو جعفر البغداديّ كتب كتب ابن قتيبة وكان يفتخر بها فورد على المهديّ الخبر ان ابن (١٤ ب) قتيبة ولي قضاء مصر فقال لابي جعفر: نهنّئك قد ولي ابن استاذك القضاء. فقال: ما يجيء منه شيء. فما كان الاّ بعد مدّة يسيرة حتى جاء الخبر بانه صرف بعد ثلاثة اشهر فقال ابو جعفر: ألم اقل لك يا امير المؤمنين
وهذا هو المعتمد في مدّة ولايته واما ابو سعيد بن يونس فقال: قدم مصر على القضاء في سنة ٢١ ومات بمصر وهو على القضاء في ربيع الأوّل سنة ٢٢ ويمكن الجمع بانه ولي في ذي الحجّة منها فكانت مدّته الى ان مات ثلاثة اشهر او تزيد ايّاما قلائل
وذكره ابو نعيم في تاريخ اصبهان فقال: قدم اصبهان وحدّث بها عن ابيه حدّثنا عنه ابو مسلم محمد بن معمر ثم ساق عنه حديثا
وقال يوسف بن يعقوب بن خرّزاد: حدّث بكتب اليه بمصر كلها حفظا ولم يكن معه كتاب. وقال ياقوت في معجم الأدباء [راجع ارشاد الاريب ج ١ ص ١٦٠] لم يكن معه شيء من الكتب وحدّث من حفظه قاله ابو الحسين المهلّبيّ
وصرف عن القضاء في آخر ذي القعدة سنة ٢١ وكانت وفاته بعد ان صرف عن القضاء بقليل في شهر ربيع الاوّل. وقال ابو سعيد بن يونس. مات وهو على القضاء سنة ٣٢٢ ونقله … اه
محمد بن موسى السرخسيّ
عن رفع الاصر ص ١٢٨ والتلخيص ص ١٠٠
محمد بن موسى بن اسحاق السرخسيّ الحنفيّ من المائة الرابعة ولي بعد صرف أبي عثمان أحمد بن إبراهيم بن حماد في صفر سنة ٣٢٢ فكتب الى محمّد بن عليّ بن الحديد وعليّ بن اسحاق المعدّل ان يتسلّما من ابي عثمان فتسلّما منه وتوجّه محمد بن
стр. 548
موسى طالبا لمصر من العراق فلمّا وصل الى الفرما وجد الفتنة قائمة بمصر فتأخّر دخوله الى الخامس والعشرين من جمادى الآخرة فباشر الامور مباشرة حسنة ووقف من قبول كثير من الشهود تحرّزا من غير غرض وتصلّب في كثير من الاحكام ولم يتساهل في شيء واحتاط في اموال الاوقاف والأيتام ولم يطلق من الرزق الاّ القليل. وكان عبد الله بن محمد الخصيبيّ يقول: وليت قضاء الرملة وولي محمد بن موسى قضاء مصر في وقت واحد فشاورني فيمن يكاتبه فأشرت عليه بابي بكر ابن الحدّاد فبلغني انه كتب الى ابن ابي الحديد فالتقينا فاعتذر بانه بلغه ان ابن الحدّاد كان يعمل مع ابن قيس (قال) فعذرته. قلت: كذا ذكر ابن زولاق هذه الحكاية عن الخصيبيّ والخصيبيّ كان يكره ابن الحدّاد لسلاطته عليه بلسانه لمّا ولي القضاء بمصر كما مضى في ترجمته فلا يقبل قوله فيه
قال ابو عمر: كان محمد بن موسى فقيها على مذهب الكوفيّين حافظا لمذهبه عفيفا عن الاموال ستيرا كثير الصمت واكثر الشهود التردّد اليه فقال لهم: ما لكم معاش عندنا فلا يجيء احد منكم الاّ لحاجة او لشهادة. وسأل بعض شهوده ان يشتري له خلا بدينار فارسل له حملين فاسترخصه وسأل سرّا فقيل له ان الذي أحضر اليه يساوي اربعة دنانير فردّ الخلّ وطلب من نائبه ابي الحسن بن اسحاق ان يعمل له [بهظة] فتوجّه مهتمّا بعمل ذلك فواطأه غلام القاضي زنبيل في جميع آلات ذلك
وحكى متولّي الاحباس في زمانه انه باع ثمرة الاحباس مرّة بخمسة آلاف دينار وزيادة قال: فعملت الحساب فنظر فيه محمد بن موسى فوجد فيه باسم المتولّي لذلك خمسمائة دينار فسأله عنه: هل لك فيه شركة. قال: لا ولكن هذا حقّ العمل. فقال له: كم عملت هذا الحساب في يوم. فقال له: في ثلاثة ايّام. فاطلق له ثلاثين دينارا فكلّمه ابو الحسن بن اسحاق فما بلغه خمسين دينارا الا بعد جهد قال: وكان يحبّ مذاكرة العلم
وانقبض عنه ابو بكر بن الحدّاد لانه بلغه انه سأله عنه فقيل له انه شافعيّ فقال: ليته كان حنفيّا. فانقطع عنه
стр. 549
قال ابن زولاق: رأيت ابا الحسن محمد بن عليّ بن ابي الحديد ركب الى دار محمد بن موسى حتى ينظر بين (١٢٨ ب) الناس وهو أفقه من محمد وأسنّ بثلاث عشرة سنة. واستمرّ محمد بن موسى الى ان صرف في الخامس والعشرين من شوّال سنة ٣٢٢ بمحمد بن بدر ورد كتاب محمد بن الحسن بن ابي الشوارب قاضي القضاة ببغداد وسائر الممالك بذلك فوقف في امره محمد بن عليّ الماذرائيّ مدبّر المملكة فلم يزل الطحاويّ وغيره به الى ان اذعن له فتسلّم له ابن الحدّاد من ابن موسى فتوجّه ابن الحدّاد الى ابن موسى ففرح لمّا قيل له انه توجّه اليه وظنّ انه جاء ليسلّم عليه فلما تحقّق انه جاء بعزله قال له: هذه السلال بخواتمها. فقال: لا اتسلّم الاّ مفتوحا. ففتحت وتشدّد ابن الحدّاد في التسليم حتى ان الشهود كتبوا: شهد من تسمّى فيه انهم حضروا مجلس محمد بن موسى القاضي. فقال ابن الحدّاد: لا تكتبوا «القاضي». فقال محمد بن موسى: فقال ابن الحدّاد: لا تكتبوا اكتبوا «السرخسيّ» فقال: اكتبوا فان هذه النسبة لا نزول عنا ليوم القيامة. وتعجّب الناس من عقله وجلده وعتب بعضهم ابن الحدّاد على ما صنع فقال: حاجة في نفس يعقوب قضاها.
وقال ابن زولاق: وكان بعد ذلك يظهر عليه الندم بما صنع. وتهيّأ محمد بن موسى للرحيل فركب اليه الماذرائيّ وسأله التأنّي حتى يكاتب فيه لبغداد فامتنع وباع جميع ما في منزله حتى بغلته ولجامه وسرجه ثم سأل الذي اشترى ذلك ان يعيره السرج واللجام الى تنّيس ففعل وسار في النيل الى تنّيس وخرج محمد بن بدر معه يودّعه ويشيّعه فلما ودّعه قال: يأمر القاضي بشيء. فقال: آمرك بتقوى الله وان كان ما قاله هؤلاء عنك حقّا فما يحلّ لك ان تنظر بين اثنين. واشار الى شهوده فخجل محمد ابن بدر واطرق وانصرف. فكانت مدّة السرخسيّ ستّة اشهر وايّاما ومات في [بياض في الاصل وتاريخ وفاته سنة ٣٣٠]
قلت: اخلّ بذكره ابو سعيد بن يونس في تاريخ الغرباء الذين قدموا مصر واستدرك ابن الطحّان في ذيله لكنه اختصره جدّا فلم يزد على ان قال: محمد بن موسى السرخسيّ كان قدم على قضاء مصر حكي عنه
ووجدت في تاريخ بغداد للخطيب ما نصّه: محمد بن موسى (بن) احمد
стр. 550
السرخسيّ ابو جعفر قدم بغداد وحدّث بها عن احمد بن ابراهيم بن مزيز من اهل سرخس روى عنه عبد الله بن عثمان الصفّار. ولم يزد الخطيب على هذا فما ادري أهو قاضي مصر او غيره ولكن ظاهر تسمية جدّه احمد انه غيره فان اسم جدّ القاضي كما تقدّم اسحاق ثم رأيت في المؤتلف: محمد بن احمد بن اسحاق بن ابراهيم بن مزيز السرخسيّ وآل بيته وضبطوا مزيز بوزن عظيم وزاءين منقوطتين
وترجمه الذهبيّ في تاريخ الاسلام فيمن كان حيا في سنة ٣٣٠ ولم يعرف تاريخ وفاته وقال فيه ان كنيته ابو عبد الله ولاّه القاهر بالله قضاء الديار المصريّة وحكم عن ابن زولاق انه كان حافظا لقول ابي حنيفة وانه قال: ما وصلت الى مصر حتى علمت اني مصروف لاني لا اصلح للذي ولّيته. وكانت ولايته سبعة اشهر وايّاما ورجع الى بغداد وولي بعده ابن بدر
محمد بن احمد بن الحدّاد
عن رفع الاصر ص ٩٩ ب والتلخيص ص ٧٨
محمد بن احمد بن محمد بن جعفر الكنانيّ ابو بكر الحدّاد المصريّ الفقيه المشهور شافعيّ من المائة الرابعة ولد لسبع بقين من شهر رمضان سنة ٢٦٤ وذلك حين مات المزنيّ واشتغل في الفقه ففاق الاقران ولازم ابا عبيد وتدرّب به في معرفة الاحكام وسمع الحديث من يزيد القراطيسيّ وعمر بن عبد العزيز بن مقلاص وابي الزنباع روح بن الفرج ومحمد بن جعفر بن اعين وعبد الله بن محمد الخفّاف وابي عبد الرحمن النسائيّ فاكثر عنه ولازمه روى عنه ابو محمد بن زولاق وابو منصور الباورديّ وهو من اقرانه وكتب عنه غالب مصنّفاته. قال ابن يونس كان فيه بأو وفصاحة لسان وكان يحسن النحو والفرائض ويدخل على السلاطين وكان حافظا للفقه على مذهب الشافعيّ كثير الصلاة متعبّدا وولي القضاء بمصر (١٠٠) خلافة عن ابن هروان قاضي الرملة. وقال ابو محمد بن زولاق: كان فقيها متعبدا يحسن علوما كثيرة منها علم القرآن وعلم الحديث والاسماء والكنى والرواة والنحو
стр. 551
واللغة واختلاف العلماء وسير الجاهليّة وايّام الناس والانساب ويحفظ شعرا كثيرا وينظم ويختم في كل يوم وليلة ختمة قائما في صلاة ويصوم يوما ويفطر يوما ويقرأ القرآن في ركعتين يوم الجمعة قبل الصلاة وكان حسن الثياب رفيعها حسن المركوب طويل اللسان غير مطعون عليه في قول ولا فعل مجموعا على صيانة وطهارة وكان من [محاسن] مصر حاذقا بعلم القضاء حسن التوقيعات
وكان اوّل ما ولي القضاء في شوّال سنة ٣٢٤ بامر الإخشيد بن طغج [بعد صرف ابي محمد عبد الله بن احمد بن ربيعة بن زبر] وكان القاضي يومئذ ينظر في المظالم ويوقّع فيها فنظر في القضاء خلافة للحسين بن ابي زرعة وترك الحسين النظر في الحكم اصلا. وكان ابن الحدّاد يجلس في الجامع وفي داره وفي دار ابن ابي زرعة ويوقّع في الاحكام والانكحة ويكاتب خلفاء النواحي وكان ابن ابي زرعة يواصل ابن الحدّاد بالعطاء وبلغه انه بنى دارا فارسل اليه ثلاثمائة دينار معونة. ودخل عليه يوما وبيده قطعة عنبر يشمّها فناولها له فشمّها وردّها فلم يقبلها. ووقعت بينهما مغاضبة فانقطع ابن الحدّاد عنه حتى سعى ابو محمد الحسن بن طاهر بينهما حتى اصطلحا. وقال ابن ابي زرعة: ما كان لنا بدّ من نصيب يشير اليّ ان ابن الحدّاد حادّ الخلق
فلما توفّي ابن ابي زرعة ولّى الإخشيد قضاء مصر لمحمد بن بدر ثم ولّى ابن الحدّاد القضاء بمصر مرّة ثانية بعد صرف محمد بن بدر خلافة للحسين بن هروان وذلك في سنة ٣٣٣ وخرج الحسين من مصر واستمرّ ابن الحدّاد. وكان محبّبا الى الناس وارسل اليه الحسين قبل ان يسافر هديّة تساوي ثلاثمائة دينارا وحضر ابن الحدّاد الجامع بطيلسان اسود وعمامة سوداء واتّفق انه حكم بشهادة واحد ويمين طالب الحقّ وكان الشاهد من شهود ابي عبيد فضرب ابو بكر على فخذه وقال:
قد حكمت بشهادتك وحدك وليست لاحد بعدك. واختصّ بمجلس ابن الحدّاد اربعة يجلسون عن يمينه وعن يساره منهم سليمان بن رستم وابو الحسن بن رجاء والحسين بن كهمش. وكان قوّالا بالحقّ ماضي الاحكام ويكرمه كثير من الناس بسماع كلامه ويرفع احكامه وكان يتشبّه بقضايا ابي عبيد ويحكيه في اقواله ولم يزل مستقيم
стр. 552
الاحوال ماضي الافعال الى ان وصل كتاب الإخشيد من دمشق لمحمد بن عليّ ابن مقاتل ان يسلّم القضاء لعبد الله بن وليد وصرف الحسين بن هروان وكانت ولاية ابي بكر الثانية تسعة اشهر واستمرّ ابن الحدّاد على رئاسته لا يعمل في البلد قضيّة حتى يراجع فيها فيفتي فيها او يشير بالراي وشقّ عليه مع ذلك عزله عن الحكم فبلغ ذلك الحسين بن هروان وكتب الى ابن الحدّاد كتابا حلف له فيه:
بالله لأدعن عبد الله بن وليد يضرب في مجلسك بين يديك بالسوط بعد قيام البينة بما نسب اليه. فلم يتمّ ذلك وقدرت وفاة الحسين واستمرّ ابن (١٠٠ ب) الحدّاد الى (ان) ولي عمر بن الحسن العبّاسيّ فاستخلفه في الاحكام وكان يجلس في دار العبّاسيّ يومي الخميس والسبت وفي دار نفسه يوم الاثنين واذا حجّ العبّاسيّ يجلس بالجامع كما مضى في ترجمة عمر بن الحسن العبّاسيّ فلما ولي الخصيبيّ كانت بينهما منافسات ومعارضات
قال ابن زولاق في أمراء مصر: حضر ابن الحدّاد يوما مجلس كافور في المظالم والقاضي يومئذ الخصيبيّ فعارضه ابو بكر بن الحدّاد في شيء فقال له: كم تعارضني وواحد مثلي لا يوجد ومائة الف مثلك على المزابل. فتألم ابن الحدّاد من ذلك فاتّفق انه عارضه مرّة اخرى وقال: الى كم تعارضني. فقال: اعارضك اذا اخطأت وادق عنقك. وحسر ابو بكر عن ذراعه فاظهر كافور انكار ذلك فسعى الخصيبيّ ان يحجب ابن الحدّاد واعانه قوم عند كافور فسفر نحرير الخادم في ابن الحدّاد عند كافور واستأذن له فاذن له بعد تمنّع فقال: ايّها الاستاذ هذا الشيخ ابو بكر الفقيه الفاضل المتقن. فقال كافور: والخصيبيّ ايضا من اهل العلم. فقال: ايّها الاستاذ ولا سواء هذا الشيخ عالم وقته وهو الذي يتجمّل به والخصيبيّ خاطب الشيخ بما لا يصلح.
فقال كافور: وقد خاطبه الشيخ ايضا بما لا يصلح. فاغتاظ ابن الحدّاد وقال متمثّلا:
فلو كنت صبينا [لعله ضبيّا] عرفت قرابتي
فبادر ابو محمد كاتب كافور يده على فم ابن الحدّاد ومنعه ان يتمّ البيت وهو:
ولكنّ زنجيّا عظيم المشافر … وهو من شعر الفرزدق
فقام ابن الحدّاد وانصرف وتأخّر نحرير فقال كافور: ايش قال الشيخ شتمني.
стр. 553
فقال له: لا. ولم يقم نحرير من عند كافور حتى قرّر ان ابن الحدّاد يحضر المجلس بعد ان قال له نحرير: ايّها الاستاذ ليس الشيخ ممن يتجمّل بالحضور بل الشيخ بحضوره يجمل وتأخّره عظيم يكتب به الى الآفاق فتحصل الشفاعة. فقال له كافور: ما حجبته. وتقدّم باكرامه وان يرسل اليه بشيء وتعصّب الوزير جعفر بن الفرات لابن الحدّاد وعاد الى حضور المجلس
قال ابن زولاق: وكان ابن الحدّاد لسعة علمه وكثرة حفظه اذا حضر المجلس لا يكاد يتكلّم الاّ بما تقدّم اليه عالم لانه كان كثير التحرّز صيّنا عفيفا كثير الديانة يحاسب نفسه بل انفاسه وكان الخصيبيّ يتوسّع في الكلام بما اختار من غير تحفّظ فينكر عليه ابن الحدّاد فطال على ابن الحدّاد الامر في ولاية الخصيبيّ حتى قال مرّة: اصرفوا الخصيبيّ ولو بابن مرحبا (يشير الى طبيب كان بمصر). قال ابن زولاق: وحضر ابن الحدّاد جنازة فيها غالب اهل البلد فلما قعدوا في المصلّى لم يحضر ابن وليد فالتفت ابن الحدّاد الى بعض اتباعه فقال له: امض الى محمد بن وليد فقل له:
يا بيت عاتكة [الذي] عنّا انعزل … حذر العدى وبه الفؤاد يوكّل
اني لأمنحك الصدود وانني … قسما اليك من الصدود لأميل
وتجنّبي بيت الحبيب ازوره … ارضى البغيض به حديث معضل
قال: فخرج الناس يتحدّثون بهذه القصّة فقال يحيى بن مكي بن رجاء: عندي خطّ ابن الحدّاد بالطعن على ابن الوليد وانه غير اهل للقضاء. فقال له الخصيبيّ:
احضره لي. فاتاه فدفعه لمسبّح بن عبّاس وقال له: ظفرت على من حصن [؟]. ففعل فتعصب اتباع ابن الحدّاد وسبّوا مسبّحا ووثبوا به فجاء الى الخصيبيّ فقال: انا رجل غريب وما جرى عليّ قليل. واعاد له الخطّ فبلغ ابن الحدّاد فاطلق لسانه في ابن رجاء وقال: انما سئلت عن قاض يفعل كذا وكذا فاجبت انه لا يصلح
قال ابن زولاق: واتّفق ان كنيسة ابي [شنودة] انهدم جانبها وبذل النصارى مالا كثيرا ليطلق لهم عمارتها فاستفتوا الفقهاء فافتى ابن الحدّاد بهدم عمارتها ووافقه اصحاب مالك وافتى محمد بن عليّ [العسكريّ؟] بان لهم ان يرمّوها ويعمروها فثارت
стр. 554
العامّة به وهمّوا باحراق داره فاستتر واحاطوا بالكنيسة. فبلغ ذلك الامير فاغتاظ فارسل وجوه غلمانه في جمع كثير فاجتمع عليهم العوامّ ورموهم بالحجارة فراسلوه فارسل الى ابن الحدّاد فقال: اركب الى الكنيسة فان كانت قائمة فاتركها على حالها وان كانت داثرة فاهدمها. فتوجّه ابن الحدّاد وصحبته عليّ بن عبد الله بن النواس المهندس وكثر الزحام فلم يزل يرفق بهم باللفظ ويلين لهم القول ويعلمهم انه معهم حتى فتحوا الدروب ودخل الكنيسة فاخرج جميع من فيها من النصارى واغلق الباب ودفع المهندس شمعة ودخل المذبح وكشفه وقال: يبقى خمسة عشر سنة ثم يسقط منها موضع ثم يبقى الى تمام اربعين سنة ويسقط جميعها. فاعاد الجواب فتركها ولم يعمرها فلما كان سنة ٦٦ عمرت كلها ولو تركت لسقطت
قال ابن زولاق: كانت الإخشيديّة كلها تكره ابن الحدّاد لكراهتهم في الشافعيّة ولغلظته عليهم وكان كثير التردّد اليهم مع ذلك فاتّفق ان الإخشيد الكبير غضب على بعض حشمه وهو مقبل المغنّي فحبسه فشل ابن الحدّاد ان يشفع فيه فشفع فيه فاجابه وقال: انا ارسله اليك. فارسل الى مقبل فقال: خذ العود وتوجّه الى ابن الحدّاد فغنّ له. فتوجّه اليه وشكره على شفاعته فاخرج العود وقال: قد أمرت بامر. ففطن ابن الحدّاد وقال: والله ما سمعته الاّ في دور الناس من السطح.
فرجع مقبل وحلف للإخشيد انه حمل العود معه فوجد ابن الحدّاد جالسا في جمع كثير من العلماء والفقهاء والشهود «فخفت على نفسي» فعذره
قال ابو عمر الكنديّ: اعتلّ حمزة بن محمد الكنانيّ فركبت انا وابن الحدّاد اليه فقال: يا ابا القاسم جئتك عائدا وزائرا وقصدت ان اقعد عندك الى الظهر. وكان عند حمزة جماعة فجلسوا واخذ ابو بكر وحمزة في المذاكرة في الحديث والرجال وما يتعلّق بذلك من فنّ حمزة وكان ابن الحدّاد يفي بالعلوم لا يبقى علم الاّ شارك فيه مع حسن المذاكرة الى ان اتّفق ان قال حمزة: ما يرد القيامة احد بميزان اثقل (١٠١ ب) من ميزان قحافة لأنّ ابا بكر فيه. فقال: ابو بكر الذي اقول ما يرد القيامة بميزان اثقل من فاطمة بنت رسول الله صلعم لان اباها فيه. ونهض فانصرف
قال ابن زولاق: وكان ابن الحدّاد اذا صلّى على جنازة يطيل القيام في التكبيرة
стр. 555
الآخرة حتى يجاوز ما نقل عن الشافعيّ. قال عبيد الله بن عبد الكريم: فتسمّعت عليه فسمعته يقول الذين يحملون العرش ومن حوله الى قوله العزيز الحكيم
وحدّث بكتاب خصائص عليّ للنّسائيّ. فحكى انه كان في مجلس ابي القاسم ابن الإخشيد مع جماعة فلما نهضت امسكني فقلت: أحاجة. فقال: نعم ايّما أفضل ابو بكر وعمر او عليّ. فقلت: اثنان حذاء واحد. فقال: وايّما افضل ابو بكر وعمر او عليّ.
فقلت: ان كان عندك فعليّ وان كان برّا فابو. قال ابن زولاق: وهذا اعجب ما بلغني عنه في ذلك. قال: ويشبه هذا ما بلغني عن ابن عبد الحكم ان رجلا سأله فاستعفاه فابى فقال له: ان اخبرت احدا عمّا اقول لك كلّمت احمد بن طولون فضربك بالسياط عليّ افضل
وكانت ولاية ابن الحدّاد الاولى كما تقدّم من جهة الاخشيد خلافة للحسين بن ابي زرعة وكان ينظر في المظالم ويوقّع فيها ورميت في ولايته عدّة رقاع في الجامع منها رقعة فيها ابيات شعر وهي:
قولوا لحدّادنا الفقيه … العالم الماهر الوجيه
وليت حكما بغير عهد … وغير عقد نظرت فيه
ثمّ أبحت الفروج لمّا … وقّعت فيها على البديه
هذا فعال حملت فيها … وزرك مع وزر من يليه
وهل ترى ذا ولست فيه … بجائز من مخالفيه
انكرت حالا من ابن عمرو … ما انت فيه ومرتضيه
وخنت عهدا والله ربّي … لناقض العهد مبتليه
والمكر في الناس داء سوء … والعجب ايضا لمرتديه
لكنّه فيك غير نفيّ … للامر والنهي يشتهيه
واجاب جماعة من المصريّين عن هذه الابيات ولم يكن ابن الحدّاد اطلع عليها فلما سمع الاجوبة انكر تواتر القافية فبحث عن ذلك الى ان عرّفوه بالحال. وكان من جملة من اجاب عنه محمد بن الوجيه بقصيدة جاء منها:
стр. 556
ما ضرّ تاران [؟] وهو طام … ان مرّ كلب فبال فيه
ونسبوا الى ابن الحدّاد انه رفع له حكم عن ابن حمّاد فانشد:
لست ابن حمّاد ولا ابن زبر … ولا السرخسيّ ولا ابن بدر
فبلغه ذلك فقال: لعنة الله على اوّل من قالها ومدحه احمد بن محمد بن ابي الكحّال بقصيدة يقول فيها:
(١٠٢) كالشافعيّ تفقّها … والاصمعيّ تفكّها والتابعيّ [؟] تزهدا
وبلغ الابيات محمد بن موسى المعروف بسيبويه فمدح ابن الحدّاد بقصيدة جاء منها:
ما يضرّ البحر امسى زاخرا … ان رمى فيه صبيّ بحجر
قال ابن زولاق: وصار ابن الحدّاد من ولاية الخصيبيّ في كرب شديد فاتّفق ان جعفر بن الفرات تأهّب للحجّ وقد غاب الإخشيد ونحرير الخادم عن البلد فاغتنم بن الحدّاد الفرصة وتجهّز للحجّ فركب [محموما (؟)] وهو يقول: قد تركت مصر للخصيبيّ.
وسمع وهو سائر يقول: اللهمّ لا تمتني في دار غربة. فاتّفق انه لما رجع توعّك في الطريق فاستمرّ في ضعفه الى ان دخل من ابواب المدينة فمات وهو سائر في المحمل في الارض التي بنيت فيها القاهرة فصلّي عليه في مصر ودفن في القرافة وقبره معروف. قال ابن زولاق: مات في صفر سنة ٤٤ وقال ابن خلكان: مات في المحرم سنة ٤٥ وابن زولاق أعرف به فانه ذكر ان مولده في رمضان سنة ٦٤ وقال في آخر ترجمته: عاش ٧٩ سنة وخمسة اشهر فهذه المدّة مطابقة لطرفي كلامه وهو تلميذه وبلديّه بخلاف ابن خلّكان
محمد بن بدر الصيرفيّ
عن رفع الاصر ص ١٠٥ والتلخيص ص ٩٢
محمد بن بدر بن عبد الله او ابن عبد العزيز الكنانيّ مولاهم المصريّ وكان ابوه مولّى ليحيى بن حكيم الكنانيّ وكان صيرفيّا مؤسرا ومن اجله صنّف ابو عمر الكنديّ كتاب الموالي وولد له محمد سنة (١٠٥ ب) ٢٦٤ ومات بدر ولمحمد عشرون سنة واشتغل محمد على ابي جعفر الطحاويّ حنفيّا وسمع الحديث من عليّ
стр. 557
ابن عبد العزيز البغويّ بمكّة ومن غيره بمصر. قال ابن يونس في تاريخه: كان ابوه روميّا صيرفيّا وتفقّه هو على مذهب الكوفيّين وجالس الطحاويّ وحدّث عن عليّ ابن عبد العزيز وجماعة من المكيّين والمصريّين وكان ثقة. وقال ابو عمر: يقال ان بدرا خلّف مائة الف دينار عينا سوى الرباع وغيرها ولم يخلف وارثا غيره. وكتب محمد بن بدر الحديث وتعلّم الفروسيّة وركوب الخيل ولازمه جماعة من المصريّين. وكان من بداية امره لهجا بحبّ القضاء حتى بلغ من شغفه انه اجتمع عنده في بستان له بالجيزة جماعة فجلس مجلس القاضي وجلسوا حوله كالشهود يستعرضهم فعدّل جماعة واوقف جماعة فاتّفق انه ولي القضاء حقيقة فاجاز من كان عدّله واوقف من كان اوقفه فعدّ ذلك من عجيب الاتّفاق
ولازم محمد بن بدر القضاة يخدمهم ويتعاطى امورهم ويتقرّب اليهم وجهد حتى جلس مع ابي جعفر الطحاويّ ايّام محمد بن عبدة يكتب في الحكم. وكان يجالس وصيفا صاحب الشرطة ويراجعه في الامور الشرعيّة فانشأه الطحاويّ فلما ولي ابو عثمان بن حمّاد القضاء خطب محمد بن بدر القضاء من العراق فبلغ ذلك اخاه هارون ابن حمّاد فامر اخاه ابا عثمان ان يسعى في إفساد حاله فجمع وجوه الناس من الشهود والتجّار واخبرهم بان محمد بن بدر يروم ولاية القضاء فتكلّموا فيه واستصغروه عن ذلك فامرهم ان يكتبوا فيه محضرا فكتبوا انهم لا يعلمون ان اباه خرج من الرقّ ونسبوا محمّدا الى كل قبيح في لسانه وملبسه حتى سراويله وشهد في المحضر جماعة فكتب كل منهم ما زعم انه اطّلع عليه ومن جملة من كتب ابو الذكر الذي ولي القضاء بعد ابي عبيد بن حربويه وعبد الرحمن بن اسحاق بن معمر الذي ولي القضاء ايضا واسجل ابو عثمان بن حمّاد شقيقه (؟) وكتب بذلك عدّة نسخ وانفذ واحدة منها الى العراق وخلّد نسخة بديوان الحكم واودع بقيّة النسخ عند اعيان المصريّين.
واستقرّ محمد بن بدر في منزله فبالغوا في امره حتى قال قائل: ايّها القاضي ألا تسلّم ما في يد محمد بن بدر من المال لمواليه وتسألهم عتقه وان يدفعوا اليه بعلاق راوية يستقي عليها الماء ليتكسب بذلك. فبلغ ذلك ابا هاشم المقدسيّ الذي ولي القضاء ايضا بعد وارسل الى محمد بن بدر ليلا يسأل عن حاله فحدّثه بتعصّبهم عليه فركب
стр. 558
معه الى الامير تكين وكان خاصا به فسأله مساعدته وعرّفه انه مظلوم فارسل تكين الى ابي عثمان يطلب منه المحضر ونسخه فارسل اليه بعضا واخفى بعضا فاطلق ابو هاشم لسانه في ابي عثمان ولزم محمد بن بدر ركاب ابي هاشم وصار يصانع الشهود الذين شهدوا (١٠٦) عليه ويتعاطى اشغالهم ويوفّيهم حقوقهم الى ان حضر عبد الله بن زبر الى مصر قاضيا فدخل اليه محمد بن بدر وعرّفه حاله فوعده بالنصر وساعده الطحاويّ والحسين بن محمد المعروف بمأمون فخلا بهما ابن زبر وسألهما عن حال محمد بن بدر فقالا فيه قولا جميلا ثم احضر ابو بكر بن الحدّاد فسأله عنه فاثنى عليه فعدّله ابن زبر واحضر مكتوبا شهد فيه محمد بن بدر وأدّى شهادته عنده فقبله مع شاهد آخر فاهدى محمد بن بدر لابن زبر بسبب ذلك الف دينار
قال ابو عمر الكنديّ وقال ابن زولاق: كان محمد بن بدر حسن الهيئة والمركوب والملبس والمسكن فلما صرف ابن زبر وعاد ابو عثمان لم يقبله فلما عاد ابن زبر قبله ثم ولي ابو هاشم فاستكتبه ثم ولي ابن قتيبة فقام محمد بن بدر بامره وكتب ابن قتيبة الى محمد بن الحسن بن ابي الشوارب قاضي القضاة وكان ابن قتيبة خليفته فذكر له محمد بن بدر واثنى عليه فكتب ابن ابي الشوارب الى محمد ابن بدر بعهد القضاء بعد ابن قتيبة فورد عليه كتاب العهد وليس عنده علم من ذلك فتوقّف الماذرائيّ عن انفاذ عهده ثم امضاه فحضر الى المسجد الجامع وحضر مجلسه جماعة من شهود ابي عبيد وفيهم من شهد في المحضر المكتوب عليه وحضر عنده عفّان البزّاز وهو من وجوه المصريّين فاشار عليه بتعديل جماعة كانوا تأخّروا عنه ففعل واستقامت اموره وباشر مباشرة حسنة فاعطى القضاء حقّه ولم يتهاون بشيء من الامور حتى انه ابتاع في ولايته للأيتام رباعا بسبعة عشر الف دينار. وكان يجلس يوم الجمعة بالغداة فيحضر اليه الأيتام مع امّهاتهم ومن يكفلهم وأمناءهم فيشاهد احوالهم ويسألهم عمّا غاب عنه ويقضي شهواتهم وسار على طريقة الاحتمال والتجاوز. فلم يظهر على احد ممن شهد عليه حقدا ولا مجازاة على الإساءة وواصل الاحسان للشهود الذين تأخّروا عنه [يقضي] حقوقهم ويعود مرضاهم ويشهد جنائزهم.
فلما دخل الإخشيد اميرا تلقّاه محمد بن بدر في جمع كثير من الشهود ولبس يومئذ
стр. 559
السواد ولم يكن لبسه قبل ذلك فاعجب الإخشيد بذلك واثنى اهل البلد على سيرته عند الإخشيد. ودخل ذلك الوقت الوزير ابو الفضل ابن حنزابة مصر فخرج اليه محمد بن بدر فتلقّاه وقضى حقّه
ودخل عليه مرّة ومحمد بن [عليّ] الماذرائيّ عنده مقبوضا عليه في المصادرة فقال له الوزير: هذا إسماعيل بن بنان وكيل جارية محمد بن عليّ فمهما جاءك فيه فامضه. فقال: حتى يثبت وكالته عندي بشاهدين عليها. فقال له: انا اقول لك هو وكيل وتقول لي «حتى يثبت عندي» وخبرك عندي بالتفصيل وليس هذا موضعك وانّما تريد ان يشيع هذا القول اقيموه. فأقيم وأعتقل ساعة في داره ثم خوطب فيه فأطلق ثم ارسل اليه: من تريد من الشهود. وقال: من شهودى الذين اقبلهم. ففعل الوزير ذلك وعظم محمد بن بدر في عينه وحسن موقع (١٠٦) فعله عنده
وكان ابن الحدّاد قد تسلّم من محمد بن موسى السرخسيّ لمحمد بن بدر فلما ولي ابن بدر احتاط بنفسه ولم يكل الى ابن الحدّاد شيئا فانقبض عنه فلم يزل محمد ابن بدر يلي الحكم الى شعبان سنة ٢٤ فوردت ولاية عبد الله بن زبر على يد عبد الرحمن بن اسحاق ويحيى بن [الحسن] بن الاشعث فتسلّما له من محمد بن بدر فكانت ولايته سنتين. ثم ولي مرّة اخرى في ذي الحجة سنة ٢٧ بعد موت ابن ابي زرعة فركب اليه الشهود الذين تخلّفوا عنه واعتذروا الى الناس بان قالوا: ما رأينا منه في الولاية الاولى الاّ خيرا. فلمّا رأى ذلك تصلّب في الاحكام وتوقّف عن قبول جماعة وجدّد شهودا فاتّفق الحال انهم في كل وكالة شهد اربعة اثنان من شهوده واثنان من الشهود الاوّلين فمشى الحال على ذلك الى ان حضر ابو صالح خبر [نحرير؟] الخادم وكان من اعيان الشهود فشهد عنده شهادة وشهد معه اثنان فقال له: اين الرابع.
فقال: ايّها القاضي اشهد عند ابي عبيد مع واحد واشهد عندك مع ثلاثة. فبطل ذلك الشرط
وتبسّط ابن بدر في هذه الولاية في الإساءة لمن كان اساء اليه اوّلا واسقط عبد الله بن وليد باشارة ابي الذكر فلزم عبد الله بن وليد داره وارسل الى بغداد فسعى في قضاء مصر وبذل لابن ابي الشوارب مالا فكتب بعهده فورد اليه في شهر
стр. 560
رمضان سنة ٢٨ فركب اليه الشهود اجمع فتوجّه الى الحسين بن عيسى بن هروان وكان بمصر فاقرأه العهد وسأله الاعانة وكان الإخشيد حينئذ يقاتل محمد بن رائق والحسن ابو المظفّر اخو الإخشيد يخلفه على مصر فركب ابن وليد اليه واخبره بالقصّة فتوجّه سليمان بن رستم إمام المسجد الجامع ويحيى بن مكيّ بن رجاء الى الحسين ابن عيسى فحسّنا له قضاء مصر وضمنا له ان محمد بن بدر يخلفه فركب الحسين الى الحسن ابي المظفّر ووعده بشيء [ان] يكاتب اخاه ففعل فارسل ابو المظفّر الى ابن بدر ان يخلف الحسين فاجاب وقال: لو امرتني بلبس السيف والمنطقة لفعلت.
ووقف امر ابن الوليد. ثم ورد على ابن بدر كتاب الإخشيد بان يخلف الحسين بن عيسى فشقّ ذلك على ابن وليد واعتلّ حتى اشرف على الموت فدار بين العامّة:
عبد الله بن وليد: ابرد من حديد. عبد الله بن وليد هو وا ربّ شهيد. في كلام ساقط يشبه ذلك
قال ابن زولاق: وعدّل ابن بدر في هذه الولاية جماعة فذكر لي ابن الحسين بن عليّ الدقّاق ان ابن بدر قال له: ما ترى في قبول شهادة ابن يحيى الصيرفيّ. قال:
وقلت له ما ارى به بأسا الاّ اني سمعته يقول: ان طغجا اودع بدرا ستّين الف دينار ومات وهي عنده. فقال لي: هذا رجل سوء. فلما اصبح ابن بدر ارسل اليّ وكالة فشهدت فيها (١٠٧) وغدوت عليه فادّيتها فقبل شهادتي
فلما كان سلخ صفر وافى ابن زبر فاقام ايّاما ثم ولاّه الإخشيد خلافة عن ابن ابي الشوارب ايضا فتسلّم من ابن بدر وكانت ولاية ابن بدر هذه سنة وشهرين ووليها ابن زبر شهرا واحدا وثلاثة ايّام فجنّه (؟) الموت فردّ الإخشيد القضاء الى الحسين بن عيسى بن هروان فاستخلف ابن وليد فلما كان في شوّال سنة ٢٩ صرفه واعاد ابن بدر فاستخلف ابا الذكر على الفرض وشرط عليه ان يحكم للمطلّقة ثلاثا بالسكنى والنفقة اتّباعا لمذهب ابي حنيفة وباشر الحكم الى شعبان سنة ٣٠ فمات وسنّه يومئذ ستّ وستّون سنة وكانت ولايته الاخيرة احدى عشر شهرا [وولي بعده ابو الذكر محمد بن يحيى بن مهديّ] قلت: وقد ذكره مسلمة بن قاسم في الصلة [التي] جعلها ذيلا على تاريخ المحدّثين الكبير للبخاريّ فقال: كان حنفيّ المذهب*ولبس
стр. 561
هناك في الرواية (؟) كان صاحب رشوة في قضائه ولم يكن عندهم بالمحمود وارّخ وفاته في شعبان كما تقدّم ومن شيوخه مقدام بن داود الرعينيّ. وقد ذكره ابن عساكر في تاريخ دمشق مختصرا جدّا فقال: محمد بن بدر بن عبد العزيز المصريّ سكن دمشق مدّة وحدّث بها وبمصر عن عليّ بن عبد العزيز ثم رجع الى مصر وولي القضاء بها ومات بها كتب عنه ابو الحسين الرازيّ والد تمّام وذكره في شيوخه. ثم نقل وفاته عن ابي سعيد بن يونس فقال: مات محمد بن بدر في يوم الاثنين لستّ وعشرين ليلة خلت من شعبان سنة ٣٣٠ كتبت عنه
واتّفق في ولاية محمد بن بدر الاخيرة ان الإخشيد انشأ قيسارية البز في سوق الحمّام واراد ان يبني السقيفة [فتقبل] محمد بن عبد الله الحاربي قطعة من حبس السريّ بن الحكم في الموضع المعروف بالمدينة المقابل لقيساريّة الإخشيد وامضى محمد بن بدر واسجل من يشهد فيه يوم موته وكان ذلك آخر ما حكم فيه ومات في عشيّ ذلك اليوم. ولما اعتلّ وقرب شهر رمضان خوطب لركوب لرؤية الهلال فقال:
ان وجدت خفّة ركبت والاّ فاركبوا مع ابني احمد. وكان اذ ذاك صغيرا [ضعيفا].
فمات محمد بن بدر لثلاث بقين من شعبان وكان سنّه حين مات ستّا وستّين سنة ولم تكمل ولايته الاخيرة شهرا بل تنقص قدر شهر
الحسين بن ابي زرعة محمد
عن رفع الاصر ص ٤١ والتلخيص ص ٣٤
الحسين بن ابي زرعة محمد بن عثمان الدمشقيّ شافعيّ المذهب من المائة الرابعة ولد سنة ٢٨٥ بمصر في ولاية ابيه عليها وولي القضاء بها من قبل محمد بن عبد الملك ابن ابي الشوارب وذلك في شوّال سنة ٣٢٤ فركب بالسواد الى الجامع وبين يديه اصحاب الشرطة فباشر مباشرة جيّدة وكان عارفا بالاحكام منفّذا وكان مترفا ويتوسوس في الوضوء وكان واسع النفس يقال ان تفقته على مائدته في كل شهر اربعمائة دينار. وجمع له قضاء مصر والاسكندريّة والشأم وحمص وفلسطين والرملة وطبريّة واعمال ذلك وكثر نوّابه بسبب ذلك ونظر في المواريث والاحباس ودار
стр. 562
الضرب واستناب ابا بكر بن الحدّاد فقيه الديار المصرية وكان يخلفه في الحكم وكان هو يجلس في الجامع كل سبت وكان مفضالا سخيّا يقال انه بلغه ان ابن الحدّاد بنى دارا فارسل اليه ثلاثمائة دينار وقال: اشتر بهذه سنّورا. ودخل عليه مرّة وفي يد القاضي قطعة عنبر فناولها له فشمّها ثم ردّها فانكر عليه وقال: سبحان الله.
وابى ان يستردّها منه ويقال ان وزنها كان مائتي مثقال. ثم وقعت بينهما مشاجرة في شيء فتقاطعا وخرج ابن الحدّاد معه. وكان الحسين يباشر القضاء بنفسه غدوة وعشيّة فتوسّط بينهما الحسن بن طاهر الحسينيّ عمّ ابي جعفر مسلم فتوجّه الى الجامع (١٤١ ب) عشيّة الجمعة فاخذ بيد ابي بكر ومضى به الى ابن ابي زرعة فاصلح بينهما فقال ابن ابي زرعة: ما كان لنا بدّ من نصيب يشير اليّ ان ابن الحدّاد حادّ الخلق. ثم قال: والله ما أعدّه الاّ والدا. فانكبّ ابن الحدّاد عليه فقبّل صدره فاصطلحا وعادا الى ما كانا عليه من الرضى الى ان تفرّقا بالموت. ويقال ان الحسن بن طاهر لما دخل بابن الحدّاد رأى الحسين في العلو فبلغه فنزل ومرّ عليهما فسلّم ولم يجلس عندهما وتوجّه الى مكان آخر فجلس فيه واستدعاهما فلما دخلا عليه قام وتلقّاهما وفعل ذلك ادبا مع الشريف لئلاّ يقوم اليه واستحسن من رأى ذلك عنده وعدّوه من آدابه
واستكتب في الحكم الحسن بن عبد الرحمن بن اسحاق الجوهريّ الماضي ذكره قريبا وعدّل جماعة من الاشراف ومن وجوه مصر. قال ابن زولاق: ولم يكن ابن ابي زرعة يخالف ابن الحدّاد في شيء ولما صرف ابن ابي الشوارب من القضاء وذلك في سنة ٣٢٧ واستقرّ عوضه ابو نصر يوسف بن عمر بن ابي عمر كتب الى ابن ابي زرعة باستمراره على قضاء مصر فقبل ذلك فقرأ كتابه على الناس في داره وفيه: وهذا عهدي اليك بخطّي. وكان حسن الخطّ. وذكر ابو الطاهر الذهليّ ان سنّ يوسف حينئذ كانت نحو العشرين. فيقال ان ابن الحدّاد [قال] لابن ابي الزرعة:
تقبل كتاب صبيّ وما عليك ان تأخذ انت هذا الامر من [الاصل]. فقال: لو اردت قضاء بغداد لفعلت وقد كتبت في امر قضاء الحرمين. واتّفق انه اعتلّ عن قريب فمات في ذي الحجّة يوم النحر سنة ٢٧ وله ثمان واربعون سنة وكانت ولايته
стр. 563
ثلاث سنين [وردّ محمد بن طغج الحكم بعده الى محمد بن بدر]
الحسين بن عيسى بن هروان الرمليّ
عن رفع الاصر ٤٠ ب والتلخيص ص ٣٣ ب
الحسين بن عيسى بن هروان الرمليّ شافعيّ من المائة الرابعة يكنى ابا علي ويقال ان اسم ابيه موسى ويقال محمد كان احمد بن سليمان (٤١) بن حذلم لما ولي القضاء بالشام استخلف ابا الطاهر الذهليّ فاستخلف هو الحسين بن هروان ذكر ذلك عبد العزيز [الكتّاني] وقال ابو محمد الاكفانيّ ان الحسين ولي قضاء مصر بعد وفاة عبد الله بن احمد بن زبر
وقال ابن عساكر عن عبد الله بن احمد الفرغانيّ: ان الحسين بن عيسى كان يلي القضاء نيابة عن قاضي القضاة ببغداد نيابة من قبل الخليفة المطيع. ولم يكن يصلح للقضاء ولا لتقلّد الحكم لخلوّه عن معرفته وانّما سعى في ذلك لطلب الجاه وصيانة نعمته فانه كان كثير المال وقد وقع بينه وبين ابن وليد مرّة فقال حالفا: لا يسعى احد في القضاء الاّ بذلت في [ا] تلاف روحه مثل هذا الجرن ذهبا. وذكر غيره ان ولايته كانت من قبل الراضي ثم المستكفي من سنة ٣١ وقدم مصر سنة ٣٣ فاستخلف ابا بكر بن الحدّاد وكانت وفاته في آخر رجب سنة ٣٤ بدمشق ارّخه الفرغانيّ
عبد الله بن احمد بن شعيب
عن رفع الاصر ص ٥١ ب والتلخيص ص ٤١ ب
عبد الله بن احمد بن شعيب بن الفضل بن مالك بن دينار ابو محمد المعروف بابن اخت وليد ومالك بن دينار جدّ جدّه هو الزاهد المشهور هكذا قال ابن زولاق وهو المعتمد في اهل مصر. وقال ابن عساكر: في تاريخ دمشق: عبد الله بن راشد ابن شعيب بن جعفر [خلف] بن يزيد يعرف [بابن وليد وقال ابن النجّار في تاريخ
стр. 564
بغداد: عبد الله بن راشد بن جعفر بن بدر يعرف بابن] اخت وليد هكذا اختلفوا في نسبه وكلهم وصفوه بانه قاضي مصر ثم اختلفوا في صفة ولايته فامّا ابن زولاق فقال انه اوّل ما ولي كان خليفة للحسين بن عيسى بن هروان لمّا تولّى الحسين من قبل الخليفة ببغداد الراضي بالله. فسلّم الإخشيد قضاء مصر لابن اخت الوليد فلبس السواد وجلس في الجامع العتيق وقرئ عهد الحسين ثم قرئ عهده من قبل الحسين فنظر في الاحكام. وكان اوّلا من وجوه التجّار واهل اليسار وكان يتفقّه لداود بن عليّ الأصبهانيّ ويميل الى الاعتزال واهله ولم يكن متمكّنا من شيء مما يدّعيه من العلوم. قال: وذكر انه كتب بمصر عن احمد بن شعيب النّسائيّ واسحاق بن ابراهيم المنجنيقيّ وابن اخي حرملة وعن محمد بن الحسن بن قتيبة وعن جماعة دونه ولد سنة ٧٣ وسمع من احمد بن عيسى الوشّاء وبكر بن احمد الشعرانيّ وعليّ بن عبد الله الرمليّ وغيرهم وذكر الرواة عنه. ثم قال: ويقال ان اصله بغداديّ. وامّا ابن النجّار فقال: ولي قضاء مصر في خلافة الراضي يوم الاربعاء لاربع خلون من شهر ربيع الآخر سنة ٣٢٩ ثم عزل في سنة ٣٠ ثم ولي من قبل المستكفي يوم الخميس لثلاث وعشرين خلت من المحرّم سنة ٣٤ وصرف في شهر رجب سنة ٣٦ في خلافة المطيع ثم ولي قضاء دمشق سنة ٣٤٨ قال: ويقال انه كان خيّاطا وكان ابوه حائكا ينسج المقانع وكان سخيفا خليعا مذكورا بالارتشاء. وهجاه جماعة من اهل مصر. ثم ذكر انه روى عن ابن قتيبة وعليّ بن ابي صالح الرمليّ وعليّ بن عبد الله العسكريّ واحمد ابن عيسى الوشّاء وبكر بن احمد السعديّ وغيرهم وانه روى عنه عليّ بن منير الخلاّل وابن نظيف الفرّاء ومحمد بن الفضل بن جعفر المارستانيّ
والذي حكاه عن بداءة امره وحرفة والده سبقه اليه ابن ميسّر في تاريخه وهو عارف بالمصريّين ايضا. قال ابن زولاق: لما استقرّ ركب اليه ابو بكر بن حدّاد فتلقّاه وعظّمه واجلسه معه ثم لما كان بعد ذلك انقبض عنه ابن الحدّاد وهجره واستناب ابن وليد عنه في الحكم (٥٢) احمد بن محمد بن شعيب الداوديّ وكان يرى الجند لكنه يلازم الاشتغال بالعلم فالبسه ابن وليد الطيلسان والقلنسوة واجلسه ينظر بين الناس وكان من اهل العلم والفهم [والدين] واتّفق ان ابن ابي
стр. 565
الشوارب عزل عن قضاء القضاة واستقرّ عوضه احمد بن عبد الله بن اسحاق فكتب الى الحسين بن عيسى باستمراره وان يستقرّ نائبا عنه بمصر محمد بن بدر فكانت ولاية ابن وليد هذه دون ستّة اشهر وذلك في شوّال سنة ٣٢٩ ثم أعيد ابن وليد مرة اخرى بعد صرف الحسن بن عبد الرحمن الجوهريّ فباشر الحكم نائبه من قبل الإخشيد ايضا نيابة عن الحسن بن عيسى على عادته وذلك في سنة ٣١ فنظر في الاحكام وعزل جماعة
واتّفق ان عمرو بن الحارث بن مسكين تزوّج بكرا فكرهته فشكوا ذلك لابن وليد فقال: هل كان ابوها استأذنها عند العقد. قالوا: لا. فقال: هذا النكاح باطل. فبلغ ذلك ابن الحدّاد فشنّع عليه ودار عمرو بن الحارث على الفقهاء فاخذ خطوط الشافعيّة والمالكيّة بصحة العقد وصنّف ابن الحدّاد في ذلك جزءا فبلغ ذلك ابن وليد فخشي من اجتماع كلمة الفقهاء على فساد ما قاله فاستعان بابي الذكر فقال له: قد قيل لي انك قلت ان النكاح عندي باطل وانت قاضي فاحكم بفسخه. فبادر الى ذلك وحكم واسجل عند العتمة واشهد بذلك عددا من [الناس وكانوا قرّروا ان يجتمعوا عند الإخشيد فاصبحوا وانعقد المجلس] فسألهم الإخشيد عن صورة المسألة فبادر ابن الحدّاد فقال: العقد صحيح. وتابعه كل من حضر المجلس الى ان بقي ابو الذكر فقال: صدقوا النكاح صحيح الاّ ان كان القاضي فسخه فلا ينقض حكمه. فالتفت الإخشيد الى ابن وليد فقال: أفسخته. قال: نعم. فقال للفقهاء: ما تقولون. قالوا: اذا فسخه فقد بطل. فقال ابن الحدّاد: هذا من عمل الأسوانيّ (يعني ابا الذكر) فهو الذي تولّى كيده (؟) والله سائله عن ذلك. فتناول ابن وليد ابا بكر بن الحدّاد وانقضى المجلس وانتصر ابن وليد فقال الإخشيد: للحسن ابن طاهر الحسينيّ: لقد هممت ان آمر الغلمان ان يأخذوا عمائمهم وقلانسهم. فبلغ ذلك عبد الله بن وليد فخاف فركب الى ابن الحدّاد فترضّاه
ثم قدم الحسين بن هروان مستخلف ابن وليد فباشر بنفسه فكان ابن الوليد يركب كل يوم الى دار الحسين فينظر بين الناس حتى بلغ الحسين ان ابن وليد ارسل يستنجز من بغداد كتابا بولايته استقلالا من جهة الخليفة فقال وابن وليد
следующие страницы →