Полный текст (610 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
وأنشدنا أَبُو محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه النحوى، قَالَ: أنشدنا محمد بن الحسن بن الحرون:
ولما رأت أن النوى أجنبية ... وأن خليلا من غدٍ سيبين
بكت فبكى من لاعج الشوق والأسى ... وكل بكل أن يبين ضنين
فقلت ولم أملك سوابق عبرةٍ ... على الخد منى فالدموع هتون
لقد كنت أبكى قبل أن تشحط النوى ... فكيف إذا ما غبت عنك أكون
قَالَ أَبُو محمد وأنشدنا أيضاً:
ولما رأت أن قد عزمت وراعها الفراق ... بكت والإلف يبكى من البين
لعمرى لئن أبكيت بالسير عينها ... لقد طالما أبكت بإعراضها عينى
قَالَ الأصمعى يُقَال: بنى سافاً وسطراً وسطراً ومدماكاً كله بمعنى واحد، وهو السطر من الطين واللبن، وأنشدنا بعض أصحاب أبى العباس المبرد لأبى العباس:
أقسم بالمبتسم العذب ... ومشتكى الصب إِلَى الصب
لو كتب النحو عَنِ الرب ... ما زاده إلا عمى قلب
: فحكى لنا أن أبا العباس ثعلبا أنشد هذين البيتين، فقَالَ متمثلا:
أسمعنى عبد بنى مسمع ... فصنت عنه النفس والعرضا
ولم أجبه لاحتقارى له ... ومن يعض الكلب إن عضا
وأنشدنا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: أنشدنا أَبُو حاتم أو عبد الرحمن، عَنِ الأصمعي، الشك من أبي عَلَى: اقرأ عَلَى الوشل السلام وقل له كل المشارب مذ هجرت ذميم سقيا لظلك أملك بالعشى وبالضحى ولبرد مائك والمياه حميم لو كنت أملك منع مائك لم يذق ما فِي قلاتك ما حييت لئيم: القلات جمع قلتٍ، والقلت: النقرة تكون فِي الصخرة
وأنشدنا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: أنشدنا عبد الرحمن، عَنْ عمه، لهلال المازني، واغترب عَنْ قومه: أقول لناقتى عجلى وحنت إلى الوقبى ونحن عَلَى جراد أتاح الله يا عجلى بلاداً هواك بها مربات العهاد
стр. 142
وأسقاها فرواها بودقٍ مخارجه كأطراف المزاد فما عَنْ بغضةٍ منا وزهدٍ تبدلنا بها عليا مراد ولكن الحوادث أجهضتنا عَنِ الوقبي وأطراف الثماد أجهضتنا: أخرجتنا، يُقَال: أجهضت الناقة إذا ألقت ولدها لغير وقته.
وقَالَ الأصمعى: ومن أمثال العرب: هذا ولما تردى تهامة، يضرب مثلا للرجل يجزع قبل وقت الجزع! ويقَالَ: عرف حميق جمله، يضرب مثلا للرجل قد عرف الرجل فاجترأ عليه.
ويقَالَ: من استرعى الذئب ظلم، يراد به من ولى غير الأمين فالظلم جاء من عنده.
ويقَالَ: خرقاء وجدت صوفاً، يضرب مثلا للرجل المفسد يقع فِي يده مال فيعيث فيه.
وقَالَ يعقوب بن السكيت: العرب تقول: لأقيمن ميلك وجنفك ودرأك وصغاك وصدغك وقذلك وضلعك، كله بمعنى واحد، يُقَال: ضلع فلان مع فلان، أى ميله.
وقَالَ غيره: فأما الضلع فخلقه تكون فِي الإنسان
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد لأبى كبير الهذلى:
نضع السيوف عَلَى طوائف منهم ... فنقيم منهم ميل ما لم يعدل
الطوائف: النواحى: الأيدى والأرجل والرءوس، وقوله: ميل ما لم يعدل، قَالَ: ميله: فضله وزيادته، وإنما يريد أن هؤلاء القوم كانوا غزوهم فقتلوهم فكأن ذلك القتل ميل عَلَى هؤلاء القوم، ثم إن هؤلاء القوم المقتولين غزوهم بعد فقتلوهم، فكأن قتلهم لهم قيام للميل، وهذا كقول ابن الزبغري: وأقمنا ميل بدر فاعتدل بقولها فِي يوم أحد، يقول: اعتدل ميل بدر إذ قتلنا مثلهم يوم أحد.
ويروى: تقع السيوف عَلَى طوائف منهم فيقام منهم ميل ما لم يعدل
مطلب حديث مصاد بن مذعور، وخروجه فِي طلب الذود، وما أخبره به الجواري الأربع الطوارق بالحصي
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن دريد، قَالَ: حَدَّثَنَا السكن بن سعيد، عَنِ العباس بن هشام، عَنْ أبيه، قَالَ: كان مصاد بن مذعور القينى، رئيسا قد أخذ مرباع قومه دهرا، وكان ذا مال فند ذود من أذوادٍ له فحرج فِي بغائها، قَالَ: فإنى لفى طلبها إذ هبطت وادياً شجيراً كثيف الظلال وقد تفسخت أينا،
стр. 143
فأنخت راحلتي فِي ظل شجرة، وحططت رحلى، ورسغت بعيرى، واضطجعت فِي بردى، فإذا أربع جوار كأنهن اللآلئ يرعين بهما لهن، فلما خالطت عينى السنة أقبلن حتى جلسن قريبا منى، وفى كف كل واحدة منهن حصيات تقلبهن، فخطت إحداهن ثم طرقت فقَالَت: قلن يا بنات عراف، فِي صاحب الجمل النياف، والبرد الكثاف، والجرم الخفاف.
ثم طرقت الثانية فقَالَت: مضل أذواد علا كد، كوم صلاخد، منهن ثلاث مقاحد، وأربع جدائد، شسف صمارد.
ثم طرقت الثالثة فقَالَت: رعين الفرع، ثم هبطن الكرع، بين العقدات والجرع.
فقَالَت الرابعة: ليهبط الغائط الأفيح، ثم لظهر فِي الملا الصحصح، بين سديرٍ وأملح، فهناك الذود رتاع بمنعرج الأجرع.
قَالَ: فقمت إِلَى جملى فشددت عليه رحله فركبت، والله ما سألتهن من هن ولا ممن هن.
فلما أدبرت قَالَت إحدهن: أبرح فتي إن جد فِي طلب، فما له غيرهن نشب، وسيثوب عَنْ كثب، ففزع قلبى والله قولها، فقلت: وكيف هذا؟ وقد خلفت بوادى عرجا عكامساً، فركبت السمت الذى وصف لى، حتى انتهيت إِلَى الموضع، فإذا ذودى رواتع، فضربن أعجازهن حتى أشرفت عَلَى الوادى الذى فيه إبلى، فإذا الرعاء تدعو بالويل، فقلت: ما شأنكم؟ قالوا: أغارت بهراء عَلَى إبلك فأسحفتها، فأمسيت والله مالى مال غير الذود، فرمي الله نواصيهن بالرغس، وإنى اليوم لأكثر بنى القين مالا، وفى ذلك القول:
هو الدهر آسٍ تارةً ثم جارح ... سوانحه مبثوثة والبوارح
فبينا الفتى فِي ظل نعماء غضة ... تباكره أفياؤه وتراوح
إلى أن رمته الحادثات بنكبةٍ ... تضيق به منها الرحاب الفسائح
فاصبح نضواً لا ينوء كأنما ... بأعظمه مما عراه القوادح
فما خلتني من بعد عرج عكامس ... أقسس أذوادا وهن روازح
حدابير ما ينهضن إلا تحاملا ... شواسف عوج أسأرتها الجوائح
فيا واثقاً بالدهر كن غير آمنٍ ... لما تنتضيه الباهظات الفوادح
فلست عَلَى أيامه بمحكمٍ ... إذا فغرت فاها الخطوب الكوالح
مجيرك منه الصبر أم كنت صابرا ... وإلا كما يهوى العدو العدو المكاشح
стр. 144
مطلب الكلام فِي معني المرباع وشرح مادة ر ب ع
: المرباع: ربع الغنيمة، قَالَ الأصمعى، يُقَال: ربع فلان فِي الجاهلية وخمس فِي الإسلام، وذلك أن أهل الجاهلية كان الرئيس منهم يأخذ ربع الغنيمة، وأنشد غير الأصمعى:
منا الذى ربع الجيوش لصلبه ... عشرون وهو يعد فِي الأحياء
وأنشدنا الأصمعى:
لك المرباع منها والصفايا ... وحكمك والنشيطة والفضول
قَالَ ويقَالَ: ربع الجيش يربعه رباعة إذا أخذ ربع الغنيمة.
وربع الوتر يربعه ربعا إذا فتله عَلَى أربع قوى.
وربع القوم يربعهم ربعاً إذا كانوا ثلاثة فصار رابعهم.
وربع الحجر ربعاً إذا احتمله.
وقَالَ غيره: ربعت عليه إذا عطفت.
ويقَالَ: ربعت: رفقت.
قَالَ الحطيئة:
لعمرى لعزت حاجة لو طلبتها ... أمامى وأخرى لو ربعت لها خلفى
وربعت عَنِ الأمر: كففت عنه، قَالَ رؤبة:
هاجت ومثلى نوله أن يربعا
وقَالَ أَبُو النصر: ربع عليه فهو يربع ربعا إذا كف عنه، يُقَال: أربع عَلَى نفسك: يريد كف وارفق.
والربع: الفصيل الذى نتج فِي أول الربيع، قَالَ الأصمعي: أنشدني عيسى بن عمر، قَالَ: سمعت بعض العرب، ينشد:
وعلبة نازعتها رباعى ... وعلبة عند مقيل الراعى
وناقة مربع إذا كان يتبعها ربع، فإذا كان من عادتها أن تنتج فِي ربعية النتاج فهي مرباع، والجمع مرابيع.
ويقَالَ: مكان مرباع إذا كان ينبت فِي أول ما تنبت الأرض، قَالَ ذو الرمة:
بأول ما هاجت لك الشوق دمنة ... بأجرع مرباع مرب محلل
ومكان مربوع إذا أصابه مطر الربيع، قَالَ ذو الرمة:
إذا ذابت الشمس اتقى صقراتها ... بأفنان مربوع الصريمة معبل
стр. 145
والمربع: المنزل الذي يقام فيه الربيع، يُقَال: هذه مصايفنا ومرابعنا، أى حيث نرتبع ونصيف، ويقَالَ: ربع الرجل يربع ربعا فهو مربوع إذا كان يحم ربعاً، وأربع أيضاً، قَالَ الهذلى:
من المربعين ومن آزلٍ ... إذا جنه الليل كالناحط
ويقَالَ: ربعنا إذا أصابنا مطر الربيع.
ويقَالَ: امتار فلان فِي الميرة الربعية: أى فِي أول الزمن.
ويقَالَ: تربعنا بمكان كذا وكذا، أى كنا فيه فِي الربيع، وارتبعنا نرتبع ارتباعا.
وأربع فلان إبله إذا رعاها فِي الربيع.
وأربع فلان يربع إرباعا إذا ولد له فِي حداثته، وولده ربعيون.
ويقَالَ: ارتبع البعير يرتبع ارتباعا، وما أشد ربعته، وهو أشد ما يكون من العدو.
قَالَ: وأنشدنى رجل من أهل العالية:
واعرورت العلط العرضى تركضه ... أم الفوارس بالدئداء والربعه
والدئداء: دون الربعة.
وحى من الأسد يُقَال لهم: الربعة، متحركة الباء.
والربعة ساكنة الباء: الجونة، يُقَال: ما أوسع ربع بنى فلان، لمحلهم والجمع رباع وربوع.
ويقَالَ: ما بنى فلان من يضبط رباعته غير فلان، كأنه أمره وشأنه، قَالَ الأخطل:
ما فِي معد فتىً تغنى رباعته ... إذا يهم بأمر صالحٍ فعلا
وقَالَ غيره: رباعته: قبيلته وقومه.
وقَالَ الأصمعي: يُقَال: رجل مربوع مرتبع إذا كان وسطاً لا بالطويل ولا بالقصير، قَالَ العجاج:
رباعياً مرتبعا أو شوقبا
ويقَالَ: أربع إذا جاءت إبله روابع، أى ترد فِي ربع، فهو مربع.
وأربع الدابة يربع إرباعا إذا طلعت رباعيته.
ويقَالَ: أرض مربعة إذا كانت ذات يرابيع.
وقَالَ ابن الأعرابى: الربيع بلغة أهل الحجاز: الساقية الصغيرة، وجمعه ربعان.
والربيعة: الصخرة.
والربيعة أيضاً: بيضة الحديد.
والمربعة: عصية يأخذ رجلان بطرفيها فيلقيان الحمل عَلَى البعير، وأنشد الأصمعى:
أين الشظاظان وأين المربعه ... وأين وسق الناقة الجلنفعه
стр. 146
الشظاظ: عود يدخل فِي عروتى الجوالق ليثبت عَلَى البعير.
والجلنفعة: الجافية، ويقَالَ: المسنة.
والوسق: الحمل.
ويقَالَ: رابعت الرجل، وهو أن تأخذ بيده ويأخذ بيدك تحت الحمل حتى ترفعاه عَلَى البعير، قَالَ الراجز:
يا ليت أم الفيض كانت صاحبى ... مكان من أنشا عَلَى الركائب
ورابعتني تحت ليل ضارب ... بساعدٍ فعمٍ وكف خاضب
وند: شرد.
والذود: ما بين الثلاثة إِلَى العشرة، والعرب تقول: الذود إِلَى الذود إبل يقول: إذا اجتمع القليل إِلَى القليل صار كثيراً.
وبغاؤها: طلبها.
والشجير: كثير الشجر.
والأين: الكلال.
ورسغت: شددت رسغه.
والنياف: العالي.
والكثاف: الكثيف.
والجرم: الجسد.
والخفاف: الخفيف.
والعلاكد: الصلاب.
والكوم: العظام الأسنمة.
يُقَال ناقة كوماء وبعير أكوم.
من علا كد علكد.
والصلاخد: العظام الشداد، واحدها صلاخد، وفيه لغات، يُقَال: بعير صلاخد وصلخد وصلخدى، وناقة صلخداة.
والمقاحد جمع مقحاد، وهي غليظة السنام.
والقحدة: السنام، ويقَالَ: أصل السنام.
والحائد جمع جدود، وهو التى انقطع لبنها.
قَالَ الأصمعى: الشاسف: أشد ضمراً من الشازب.
والصمارد جمع صمرد، والصمرد والبكئة والدهين: القليلة اللبن.
والفرع جمع فرعة، وهى أعلى الجبل.
والكرع: ماء السماء ينزل فيستنقع، وسمي كرعا لأن الماشية تكرع فيه.
والعقدات جمع عقدة، والعقدة والضفرة: ما تعقد من الرمل.
والغائط: المطمئن من الأرض.
والملا: الفضاء.
والصحصح: الصحراء.
وسدير وأملح: موضعان.
والأجرع والجرعاء: دعص لا ينبت شيئا.
وأبرح: أشد.
والكثب: القرب.
والعرج: نحو خمسمائة من الإبل.
والعكابس والعكامس جميعا: الكثير.
وأسحفتها: استأصلتها.
والرغس: البركة والنماء، قَالَ رؤبة:
دعوت رب العزة القدوسا ... دعاء من لا يقرع الناقوسا
حتى أرانا وجهك المرغوسا
والقوادح، واحدتها قادحة، وهى العيب فِي العود والسن.
وأقسس: أتبع.
والروازح: التى قد سقطت من الهزال.
والحدابير: التى قد تقوست من الهزال واحدها حدبار.
стр. 147
مطلب خطبة إسماعيل بن أبي الجهم بيد يدي هشام بن عبد الملك وما وقع بينهما من الحديث وشرح غريب ذلك
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، ﵀، قَالَ: أَخْبَرَنَا عبد الرحمن، عَنْ عمه، قَالَ: قدم وفد عَلَى أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك، وفيهم رجل من قريش يُقَال له: إسماعيل بن أبى الجهم، وكان أكبرهم سنا، وأفضلهم رأيا وحلما، فقام متوكئا عَلَى عصا وقَالَ: يا أمير المؤمنين، إن خطباء قريش قد قَالَت فيك فأطنبت، وأثنت عليك فأحسنت، ووالله ما بلغ قائلهم قدرك، ولا أحصى مثنيهم فضلك، أفتأذن لى فِي الكلام؟ قَالَ: تكلم، قَالَ: أفأوجز أم أطنب؟ قَالَ: بل أوجز، قَالَ: تولاك الله أمير المؤمنين بالحسنى، وزينك بالتقى، وجمع لك خير الآخرة والأولى، إن لى حوائج أفاذكرها؟ قَالَ: نعم، قَالَ: كبرت سني، وضعفت قواى، واشتدت حاجتى، فإن رأي أمير المؤمنين أن يجير كسرى، وينفى فقرى، قَالَ: يا ابن أبى الجهم، ما يجبر كسرك وينفى فقرك؟ قَالَ: ألف دينار وألف دينار وألف دينار وألف قَالَ: هيهات يا بن أبى الجهم! بيت المال لا يحتمل هذا، قَالَ: كأنك آليت يا أمير المؤمنين أن لا تقضى لى حاجةً مقامى هذا، قَالَ: ألف دينار لماذا؟ قَالَ: أقضى بها دينا قد فدحنى حمله، وأرهقنى أهله، قَالَ: نعم المسلك أسلكتها، ديناً قضيت، وأمانةً أديت، قَالَ: وألف دينار لماذا؟ قَالَ: أزوج بها من أدرك من ولدي، فأشد بها عضدي، ويكثر بها عددى، قَالَ: ولا بأس، أغضضت طرفا، وحصنت فرجا، وأمرت نسلا، وألف دينار لماذا؟ قَالَ: أشترى بها أرضاً فأعود بفضلها عَلَى ولدى، وبفضل فضلها عَلَى ذوى قراباتى، قَالَ: ولا بأس، أردت ذخرا، ورجوت أجرا ووصلت رحما، قد أمرنا لك بها، فقَالَ: الله المحمود عَلَى ذلك، وجزراك الله يا أمير المؤمنين والرحم الخير.
فقَالَ هشام: تالله ما رأيت رجلا ألطف فِي سؤال، ولا أرفق فِي مقَالَ من هذا.
هكذا فليكن القرشى.
قَالَ أرهقنى: أعجلنى، ورهقنى: غشينى، يُقَال: رهق فلانا دين يرهقه إذا غشيه، ورهقت الكلاب الصيد إذا غشيته ولحقته، ورهقنى فلان، أي لحقني، ويقَالَ: فلان عطوف عَلَى المرهق، أى عَلَى المدرك، وأرهقت الرجل إذا أدركته، ويقَالَ: هو يعدو الرهقى، وهو أن يسرع حتى يكاد أن يرهق الذى يطلبه.
وفى فلان رهق إذا كان فيه غشيان للمحارم، قَالَ ابن أحمر:
كالكوكب الأزهر انشقت دجنته ... فِي الناس لا رهق فيه ولا بخل
стр. 148
ويقَالَ إنه لمرهق إذا غشيه الأضياف والسؤال، قَالَ ابن هرمة:
خير الرجال المرهقون كما ... خير تلاع البلاد أكلؤها
وفلان يرهق فِي دينه إذا اثنى عليه قلة ورعٍ.
وأرهق القوم الصلاة إذا أخروها حتى يدنو وقت الأخرى.
قَالَ أَبُو زيد: أرهقته عسرا وإثما حتى رهقه رهقا.
غيره وراهق الغلام إذا قارب الاحتلام.
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو العباس أحمد بن يحيى النحوى، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو سعيد عبد الله بن شبيب، قَالَ: أنشدنا إسماعيل بن أبى أويس، والزبير بن أَبِي بَكْرٍ، وعبد الملك بن عبد العزيز الماجشون، ومحمد بن طالوت الوادى، قَالَ: أنشدنى أبى، وقَالَ كل هؤلاء، أنشدنى لأبى صخر الهذلى يزيد، بعضهم عَلَى بعض.
: وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن دريد، هذه القصيدة لأبي صخر:
لليلى بذات الجيش دار عرفتها ... وأخرى بذات البين آياتها سطر
كأنهما ملآن لم يتغيرا ... وقد مر للدارين من بغدنا عصر
وقفت برسميها فعى جوابها ... فقلت وعينى دمعها سرب همر
ألا أيها الركب المخبون هل لكم ... بساكن أجزاع الحمى بعدنا خبر
فقالوا طوينا ذاك ليلا فإن يكن ... به بعض من تهوى فما شعر السفر
خليلى هل يستخبر الرمث والغضا ... وطلح الكدا من بطن مروان والسدر
стр. 149
قَالَ أَبُو العباس، قَالَ عبد الله بن شبيب، حدثتني أم المغوار الباهلية، قَالَت: كنت بفناء بيتي فِي السحر، فمر بنا ركب فتمثلت بهذا البيت:
ألا أيها الركب المخبون هل لكم ... بساكن أجزاع الحمى بعدنا خبر
فأجابنا غلام من صدر راحلته فقَالَ:
فقالوا طوينا ذاك ليلا فإن يكن ... به بعض من تهوى فما شعر السفر
خليلى هل يستخبر الرمث والغضا ... وطلح الكدا من بطن مروان والسدر
هكذا أنشدناه أَبُو بَكْرِ بن الأنباري، عَنْ أبي العباس، بفتح الكاف وقَالَ: هو اسم موضع.
: أحسبه أراد كداء فقصر للضرورة،
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن دريد: كدى بضم الكاف وقَالَ: هو جمع كدية:
أما والذى أبكى واضحك والذى ... أمات وأحيا والذى أمره الأمر
لقد كنت آتيها وفى النفس هجرها ... بتاتا لأخرى الدهر ما طلع الفجر
فما هو إلا أن أراها فجاءة ... فأبهت لا عرف لدى ولا نكر
وأنسى الذي كنت فيه هجرتها ... كما قد تنسى لب شاربها الخمر
وما تركت لى من شداً أهتدى به ... ولا ضلع إلا وفى عظمها وقر
وقد تركتنى أغبط الوحش أن أرى ... أليفين منها لا يروعهما الذعر
ويمنعنى من بعض إنكار ظلمها ... إذا ظلمت يوما وإن كان لى عذر
مخافة أنى قد علمت لئن بدا ... لى الهجر منها ما عَلَى هجرها صبر
وأنى لا أدري إذا النفس أشرقت ... عَلَى هجرها ما يبلغن بى الهجر
قَالَ عبد الله بن شبيب، حَدَّثَنِي الزبير، قَالَ: لما أنشد أَبُو السائب هذا البيت قَالَ: الموت الأحمر، والله يا بن أخى ما دونه شىء:
أبى قلب إلا حبها عامريةً ... لها كنيةً عمرو وليس لها عمرو
تكاد يدى تندى إذا ما لمستها ... وينبت فِي أطرافها الورق النضر
وإني لتعروني لذاكرك هزة ... كما انتقض العصفور بلله القطر
تمنيت من حبى علية أننا ... عَلَى رمثٍ فِي البحر ليس لنا وفر
علي دائم لا يعبر الفلك موجه ... ومن دوننا الأهول واللجج الخضر
فنقضى هم النفس فِي غير رقبة ... ويغرق من نخشى نميمته البحر
عجبت لسعى الدهر بينى وبينها ... فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر
قَالَ أَبُو عبد الله: وأنشدنى أبن أبى أويس:
فيا حب ليلى قد بلغت بى المدى ... وزدت عَلَى ما ليس يبلغه الهجر
стр. 150
ويا حبها زدنى جوى كل ليلة ... ويا سلوة الأيام موعدك الحشر
فليست عشيات الحمى برواجع ... لنا أبداً ما أبرم السلم النضر
ولا عائد ذاك الزمان الذى مضى ... تباركت ما تقدر يقع ولك الشكر
قَالَ أَبُو بَكْرٍِ: وزادنى أبى عَنْ أحمد بن عبيد:
هجرتك حتى قلت لا يعرف القلى ... وزرتك حتى قلت ليس له صبر
صدقت أنا الصب المصاب الذي به ... تباريح حب خامر القلب أو السحر
فيا حبذا الأحياء ما دمت فيهم ... ويا حبذا الأموات ما ضمك القبر
مطلب حديث الأرابي الذي اشترى خمرًا بجزة صوف وما حصل بينه وبين امرأته وتفسير الغريب من ذلك
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عبد الرحمن، عَنْ عمه، أو أَبُو حاتم، الشك من أبى عَلَى، عَنِ الأصمعى، قَالَ: اشترى أعرابي خمرا بجزة من الصوف فغضبت عليه امرأته فأنشأ يقول:
غضبت عَلَى أن شربت بصوف ... ولئن غضبت لأشربن بخروف
ولئن غضبت لاشربن بنعجة ... دهساء مالئة الإناء سحوف
ولئن غضبت لأشربن بسابح ... نهدٍ أشم المنكبين منيف
ولئن غضبت لأشربن بناقةٍ ... كوماء ناوية لعظام صفوف
ولئن غضبت لأشربن بواحدي ... ولأجعلن الصبر منه حليفي
ولقد شهدت الخيل تعثر بالقنا ... وأجبت صوت الصارخ الملهوف
ولقد شهدت إذا الخصوم تواكلوا ... بخصام لا نزقٍ ولا علفوف
الصفوف التى تصف بين رجليها عند الحلب، ويقَالَ: التى تصف بين محلبيها.
والسحوف التى لها سحفتان من الشحم، أى طبقتان.
والسحف: القشر، يُقَال: سحفت الشىء: قشرته.
والعلفوف: الحافي.
وقرأت عَلَى أبى عبد الله إبراهيم بن عرفة لذى الرمة:
كأن أعجازها والريط يعصبها ... بين العبرين وأعناق العواهيج
أتقاء سارية حلت عزاليها ... من آخر الليل ريح غير حرجوج
стр. 151
يصف نساء، يقول: كأن أعجازهن أنقاء سارية، والأنقاء جمع نقا، والنقا: قطعة من الرمل مستطيلة محدودبة.
والسارية: السحابة التى تمطر ليلا، فأضاف النقا إليها لأنها أمطرته.
والريط جمع ريطة.
ويعصبها: يلتاث بها، يقول: هذه الرياط دقاق ناعمة، فاذا هبت لها أدنى ريح التفت عَلَى سوقها وأعجازها.
والبرين: الخلاخيل، واحدة برة.
والعواهيج: الطوال الأعناق من الظباء، واحدها عوهج، فكأنه قَالَ: كأن بين أسؤقها وأعناقها كثبانا جادتها سحابة ليل حلت عزاليها سحابة لينة.
والعزالى: مخارج مائها مستعارة من المزادة، لأن العزلاء فم المزادة، وهذا مثل.
والحرجوج: الريح الشديدة الهبوب.
قَالَ الأصمعى: من أمثال العرب رب عجلةٍ تهب ريثا، يراد به ربما استعجل الرجل فألقاه استعجاله فِي بطء، ويقَالَ: جزانى جزاء سنمار، وسنمار: إنسان عمل أطماً لبعض الملوك، فقَالَ له: إن نزع هذا الحجر تداعى بناؤك، فأمر به، فرمى من فوق الأطم لئلا يعلم به أحد غيره، يضرب مثلا للرجل يحسن فيجزي بإحسانه سواءا، وأنشد الأصمعى:
جزاء سنمارٍ بما كان يعمل
ويقَالَ: بفلان تقرن الصعبة، يراد به أنه يذل المستصعب، ويقَالَ: حيث لا يضع الراقى أنفه، يراد به أن ذلك الأمر لا يقرب ولا يدنى منه، وكأنهم يرون أن أصل ذلك أن ملسوعا لسع فِي استه فلم يقدر أن يقرب الراقي أنفه مما هناك.
قَالَ أَبُو زيد: يُقَال: هو أشخم الرأس، بالخاء المعجمة، وأشهب الرأس.
ويقَالَ: كلأ أشخم إذا علا البياض الخضرة.
وقد اشخام واشهاب النبت والرأس.
ويقَالَ: ليستغن أحدكم ولو بضوز سواكه أى بمضغه، يُقَال: ضاز الشىء يضوزه ضوزا إذا مضغه.
وأنشد أَبُو زيد:
طوال الأيادى والحوادى كأنها ... سماحيج قب طار عنها نسالها
قَالَ: الحوادى: الأرجل التي تحدو الأيدي وتتلوها، قَالَ: ويقَالَ ما أعظبه عليه! أى ما أصبره! وقد عظب يعظب عظبا وعظوبا إذا صبر عليه، وعظبته عليه تعظيبا ومرنته تمرينا: وأنشد:
стр. 152
لو كنت من زوفن أو بنيها ... قبيلة قد عظبت أيديها
معودين الحفر حفاريها ... لقد حفرت نبثة ترويها
النبثة: الركية التى تخرج نبيثتها.
وقَالَ: قَالَ بعض بنى عقيل وبنى كلاب: هو الأكرم والأفضل والأجمل والأحسن والأرذل والأنذل والأسفل والألأم.
وهى الكرمى والفضلى والحسنى والجملي والرذلي واللؤمي، وهن الرذل والنذل واللؤم.
وقَالَ الأصمعى، يُقَال: كثر ولد فلان وقد أبق ونتق فهو ناتق، وكله سواء.
وامرأة ناتق إذا كثر ولدها، وأنشد للنابغة:
لم يحرموا حسن الغذاء وأمهم ... طفحت عليك بناتق مذكار
مطلب حديث بعض مقاول حمير مع ابنيه وما دار بينه وبينهما من المساءلة حين كبرت سنة، وشرح غريب ذلك
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن دريد، قَالَ: حَدَّثَنَا الأشتانداني، عَنِ التوزى، عَنْ أبى عبيدة، عَنْ أبى عمرو بن العلاء، قَالَ: كان لرجل من مقاول حمير ابنان يُقَال لأحدهما: عمرو وللآخر: ربيعة، وكانا قد برعا فِي الأدب والعلم، فلما بلغ الشيخ أقصى عمره وأشفى عَلَى الفناء، دعاهما ليبلو عقولهما، ويعرف مبلغ علمهما، فلما حضرا قَالَ لعمرو، وكان الأكبر أَخْبَرَنِي عَنْ أحب الرجال إليك، وأكرمهم عليك، قَالَ: السيد الجواد، القليل الأنداد، الماجد الأجداد، الراسى الأوتاد، الرفيع العماد، العظيم الرماد، الكثير الحساد، الباسل الذواد، الصادر الوراد.
قَالَ: ما تقول يا ربيعة؟ قَالَ: ما أحسن ما وصف! وغيره أحب إِلَى منه، قَالَ: ومن يكون بعد هذا؟ قَالَ: السيد الكريم، المانع للحريم، المفضال الحليم، القمقام الزعيم، الذى إن هم فعل، وإن سئل بذل.
قَالَ: أَخْبَرَنِي يا عمرو بأبغض الرجال إليك، قَالَ: البرم اللئيم، المستخذي للخصيم، المبطان النهيم، العي البكيم، الذى إذا سئل منع، وإن هدد خضع، وإن طلب جشع.
قَالَ: ما تقول يا ربيعة؟ قَالَ: غيره أبغض إِلَى منه، قَالَ: ومن هو؟ قَالَ: النؤوم الكذوب، الفاحش الغضوب، الرغيب عند الطعام، الجبان عند الصدام.
قَالَ: أَخْبَرَنِي يا عمرو، أى النساء أحب إليك؟ قَالَ: الهركولة اللفاء، الممكورة الجيداء، التى يشفى السقيم كلامها، ويبرى الوصب إلمامها، التى إن أحسنت إليها شكرت، وإن أسأت إليها صبرت، وإن
стр. 153
استعتبتها أعتبت، الفاترة الطرف، الطفلة الكف، العميمة الردف.
قَالَ: ما تقول يا ربيعة؟ قَالَ: نعت فأحسن! وغيرها أحب إِلَى منها، قَالَ: ومن هى؟ قَالَ: الفتانة العينين، الأسيلة الخدين، الكاعب الثديين، الرداح الوركين، الشاكرة للقليل، المساعدة للحليل، الرخيمة الكلام، الجماء العظام، الكريمة الأخوال والأعمام، العذبة اللثام.
قَالَ: فأى النساء إليك أبغض يا عمرو؟ قَالَ: القتاتة الكذوب، الظاهرة العيوب، الطوافة الهبوب، العابسة القطوب، السبابة الوثوب، التى إن ائتمنها زوجها خانته، وإن لان لها أهانته، وإن أرضاها أغضبته، وإن أطاعها عصته.
قَالَ: ما تقول يا ربيعة؟ قَالَ: بئس والله المرأة ذكر! وغيرها أبغض إلى منها، قَالَ: وايتهن التى هي أبغض إليك من هذه؟ قَالَ: السليطة اللسان، المؤذية للجيران، الناطقة بالبهتان، التي وجهها عابس، وزوجها من خيرها آيس، التى إن عاتبها زوجها وترته، وإن ناطقها انترته.
قَالَ ربيعة: وغيرها أبغض لي منها قَالَ: ومن هى؟ قَالَ: التي شقي صاحبها، وخزى خاطبها، وافتضح أقاربها.
قَالَ: ومن صاحبها؟ قَالَ: مثلها فِي خصالها كلها، لا تصلح إلا له ولا يصلح إلا لها.
قَالَ: فصفه لى؟ قَالَ: الكفور غير الشكور، اللئيم الفجور، العبوس الكالح، الحرون الجامح الراضى بالهوان، المختال المنان، الجعد البنان، القئول غير العقول الملول غير الوصول، الذى لا يرع عَنِ المحارم، ولا يرتدع عَنِ المظالم.
قَالَ: أَخْبَرَنِي يا عمرو، أي الخيل أحب إليك عند الشدائد، إذا التقى الأقران للتجالد؟ قَالَ: الجواد الأنيق، الحصان العتيق، الكفيت العريق، الشديد الوثيق، الذى يفوت إذا هرب، ويلحق إذا طلب.
قَالَ: والله نعت! نعم الفرس قَالَ: فما تقول يا ربيعة؟ قَالَ: غيره أحب إِلَى منه، قَالَ: وما هو؟ قَالَ: الحصان الجواد، السلس القياد، الشهم الفؤاد، الصبور إذا سرى، السابق إذا جري.
قَالَ: فأي خيل أبغض إليك يا عمرو؟ قَالَ: الجموح الطموح، النكول الأنوح، الصئول الضعيف، الملول العنيف، الذى إن جاريته سبقته، وإن طلبته أدركته، قَالَ: ما تقول يا ربيعة؟ قَالَ: غيره أبغض إليك منه، قَالَ: وما هو؟ قَالَ: البطىء الثقيل، الحرون الكليل، الذى إن ضربته قمص، وإن دنوت منه شمس، يدركه الطالب، ويفوته الهارب، ويقطع بالصاحب.
قَالَ ربيعة: وغيره أبغض إِلَى منه، قَالَ: وما هو؟ قَالَ: الجموح الخبوط، الركوض الخروط، الشموس الضروط، القطوف فِي الصعود والهبوط، الذى لا يسلم الصاحب، ولا ينجو من الطالب.
قَالَ: أَخْبَرَنِي يا عمرو
стр. 154
أى العيش ألذ؟ قَالَ: عيش فِي كرامة، ونعيم وسلامة، واغتباق مدامة.
قَالَ: ما تقول يا ربيعة؟ قَالَ: والله وصف! وغيره أحب إِلَى منه، نعم العيش قَالَ: وما هو؟ قَالَ: عيش فِي أمن ونعيم، وعز وغنى عميم، فِي ظل نجاح، وسلامة مساء وصباح، وغيره أحب إِلَى منه، قَالَ: وما هو؟ قَالَ: غنى دائم، وعيش سالم، وظل ناعم.
قَالَ: فما أحب السيوف إليك يا عمرو؟ قَالَ: الصقيل الحسام، الباتر المجذام، الماضى السطام، المرهف الصمصام، الذى إذا هززته لك يكب، وإن ضربت به لم ينب.
قَالَ: ما تقول يا ربيعة؟ قَالَ: نعم السيف نعت! وغيره أحب إِلَى، قَالَ: وما هو؟ قَالَ: الحسام القاطع، ذو الرونق اللامع، الظمآن الجائع، الذى إذا هززته هتك، وإذا ضربت به بتك.
قَالَ: فما أبغض السيوف إليك يا عمرو؟ قَالَ: الفطار الكهام، الذى إن ضرب به لم يقطع، وإن ذبح به لم ينخع.
قَالَ: فما تقول يا ربيعة؟ قَالَ: والله ذكر! وغيره أبغض إِلَى منه، بئس السيف قَالَ: وما هو؟ قَالَ: الطبع الددان، المعضد المهان.
قَالَ: فأَخْبَرَنِي يا عمرو، أى الرماح أحب إليك عند المراس، إذا اعتكر الباس، واشتجر الدعاس؟ قَالَ: أحبها إِلَى المارن المثقف، المقوم المخطف، الذى إذا هززته لم ينعطف، وإذا طعنت به لم يقصف.
قَالَ: ما تقول يا ربيعة؟ قَالَ: نعم الرمح نعت! وغيره أحب إِلَى منه، قَالَ: وما هو؟ قَالَ: الذابل العسال، المقوم النسال، الماضى إذا هززته، النافذ إذا همزته.
قَالَ: فأَخْبَرَنِي يا عمرو عَنْ أبغض الرماح إليك، قَالَ: الأعصل عند الطعان، المثلم السنان، الذى إذا هززته انعطف، وإذا طعنت به انقصف.
قَالَ: ما تقول يا ربيعة؟ قَالَ: بئس الرمح ذكر! وغيره أبغض إِلَى منه، قَالَ: وما هو؟ قَالَ: الضعيف المهز، اليابس الكز، الذى إذا أكرهته انحطم، وإذا طعنت به انقصم.
قَالَ: انصرفا الآن طاب لي الموت: قوله: وإن طلب جشع، الجشع: أسوأ الحرص، وقد جشع الرجل فهو جشع.
واللفاء: الملتفة الجسم.
والممكورة: المطوية الخلق.
والرداح: الثقيلة العجيزة الضخمة الوركين.
والرخيمة: اللينة الكلام، قَالَ ذو الرمة:
لها بشر مثل الحرير ومنطق ... رخيم الحواشى لا هراء ولا نزر
والجماء العظام: لا يوجد لعظامها حجم، بمنزلة الجماء من البقر.
فأما قوله: العذبة اللثام، فإنه أراد موضع اللثام، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامة.
والقتاتة: النمامة، وقَالَ
стр. 155
والنمام والهماز واللماز والغماز والقساس والدراج والمهينم والمهتمل والمائس والمؤوس، مثال معوس والممأس، مثال ممعس، وقد مأس يمأس مأسا إذا مشى بينهم بالنميمة والفساد، ويقال ماس بين الناس، ومسأ بينهم يمسأ مسأ مثل معساً، وكله واحد، ويقال إنه لذو نيرب ومئبرة وإبرة إذا كان نماماً، كله اللحياني: القتات عَنِ اللحيانى.
والهبوب: الكثيرة الانتباه قَالَ الأصمعى: يُقَال: هب من نومه يهب هبوبا، وأهببته أى انبهته.
وهبت الريح تهب هبوباً وهبيبا، كذا روى أَبُو نصر عنه: هبيبا فِي الريح، وهب التيس يهب هبابا وهبيبا إذا هاج وطلب السفاد، وهب السيف هبة، وهو صوته عند وقعه.
وثوب هبايب وخبايب إذا كان متقطعا.
والحصان: الذكر من الخيل.
وقَالَ والكفيت: السريع.
والنكول: قال الأصمعي: الكفت عَنْ قرنه.
والأنوح: الكثير الزحير.
والآنح من الرجال عَلَى مثال فاعل: الذى إذا سئل تنحنح من لؤمه، وقد أنح يأنح.
والمجذام مفعال من الجذم، وهو القطع حد السيف وغيره، وفى الحديث العرب سطام الناي أى حدهم.
والفطار الذى لا يقطع وهو مع ذلك حديث الطبع.
وقوله: لم ينخع: لم يبلغ النخاع.
والطبع: الصدأ لا يقطع وهو نحو الكهام.
والمعضد: القصير الذى يمتهن فِي قطع الشجر وغيرها.
والدعاس: الطعان، يُقَال: دعسه إذا طعنه، والمداعسة: المطاعنة.
والعسال: الشديد الاضطراب إذا هززته، ومنه العسلان، وهو عدو فيه اضطراب، والنسلان قريب منه.
وأنشدنى أَبُو بَكْرِ بن دريد:
عسلان الذئب أمسى قارباً ... برد الليل عليه فنسل
والأعصل: الملتوي المعوج.
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد للحسن بن مطير الأسدى:
فيا عجبا للناس يستشرفوني لى ... اصرم يرجع العقل كله
وصرم حبيب النفس أذهب للعقل ... وياعجبا من حب من هو قاتلى
كأنى أجازيه المودة من قتلى ... ومن بينات الحب أن كان أهلها
أحب إِلَى قلبى وعينى من أهلي استشرفت الشىء واستكففته كلاهما أن تضع يدك عَلَى حاجبك كالذى يستظل من الشمس وينظر هل يراه
وأنشدنا أَبُو بَكْرٍ، ولم يسم قائلا:
стр. 156
إن التى زعمت فؤادك ملها ... خلقت هواك كما خلقت هوى لها
بيضاء باكرها النعيم فصاغها ... بلبانه فأرقها وأجلها
حجبت تحيتها فقلت لصاحبى ... ما كان أكثرها لنا وأقلها
وإذا وجدت لها وساوس سلوةٍ ... شفع الضمير لها إِلَى فلسها
وقرأت عليه لعبد الله بن الدمينة الخثعمي:
ولما لحقنا بالحمول ودونها ... خميص الحشا توهى القميص عواتقه
قليل قذى العينين يعلم أنه ... هو الموت إن لم تلق عنا بوائقه
عرضنا فسلمنا فسلم كارها ... علينا وتبريح من الغيظ خانقه
فسايرته مقدار ميلٍ وليتنى ... بكرهى له ما دام حياً أرافقه
فلما رأت أن لا وصال وأنه ... مدى الصرم مضروبا عليه سرادقه
رمتنى بطرفٍ لو كميا رمت به ... لبل نجيعاً نحره وبنائقه
ولمح بعينيها كأن وميضه ... وميض حيا تهدى لنجدٍ شقائقه
وحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عبد الله محمد بن أحمد البصرى المقدمى، قَالَ: حَدَّثَنَا الرياشى، قَالَ: حَدَّثَنَا محمد بن عبد الوهاب الثقفى، قَالَ: دخلنا عَلَى خلف الأحمر نعوده فِي مرضه الذى مات فيه فقلنا له: كيف تجدك يا أبا محرز؟ فأنشأ يقول:
يا أيها الليل الطويل ذنبه ... كأن ديناً لك عندى تطلبه
أما لهذا الليل صبح يقربه
ثم أنشد يقول:
لا يبرح المرء يستقرى مضاجعه ... حتى يبيت بأقصاهن مضطجعا
: كان أَبُو محرز أعلم الناس بالشعر واللغة، وأشعر الناس عَلَى مذاهب العرب
حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بن دريد أن القصيدة المنسوبة إِلَى الشنفرى التى أولها
أقيموا بنى أمى صدور مطيكم ... فإنى إِلَى قومٍ سواكم لأميل
له، وهى من المقدمات فِي الحسن والفصاحة والطول، فكان أقدر الناس عَلَى قافية
стр. 157
حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بن أبى حاتم، عَنِ الأصمعى، قَالَ: قَالَ يوما خلف لأصحابه: ما تقولون فِي بيت النابغة الجعدى:
كأن مقط شراسيفه ... إلى طرف القنب فالمنقب
لو كان موضع فالمنقب فالقهبلس، كيف كان يكون قوله:
لطمن بترس شديد الصفاق ... من الخشب الجوز لم يثقب؟
فقالوا لا نعلم، فقَالَ: والآبنس.
وقَالَ لهم مرة أخرى: ما تقولون فِي بيت النمر بن تولب:
ألم بصحبتى وهم هجود ... خيال طارق من أم حصن
لو كان موضع أم حصن من أم فحص، كيف كان يكون قوله: لها ما تشتهى عسل مصفى إذا شاءت وحوارى بسمن؟ قالوا لا نعلم، فقالوا: وحوارى بلمص، وهو الفالوذ قَالَ أَبُو بَكْرٍِ والقهبلس: ذكر الرجل، وقد يستعار لغيره وقَالَ محمد بن سلام فِي كتاب طبقات العلماء: كنا إذا سمعنا الشعر من أبي محرز لأبالي ألا نسمعه من قائله.
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد لأبى كبير الهذلى:
وأخو الأباءة إذ رأى خلانه ... تلى شفاعاً حوله كالإذخر
الأباءة: الأجمة، يعنى: رجلا صار فِي أجمة.
وخلانه: أصحابه الذين يودهم.
وتلى: صرعى.
وشفاعا: اثنين اثننين، وهو جمع شفع.
وقوله: كالإذخر، قَالَ الأصمعى: لا تكاد تجد من الإذخر واحدة عَلَى حدة، إنما تجد الأرض مستحلسة منه، والمستحلسة: الكثيرة النبات، التى غطاها النبات أو كاد يغطيها، فشبه كثرة القتلى بالإذخر لذلك.
قَالَ الأصمعى: من أمثالهم: أهون هالكٍ عجوز فِي عام سنةٍ، مثل للشىء يستخف بهلاكه.
ويقَالَ: خله درج الضب، أى خله يذهب حيث شاء.
ويقَالَ لا يدرى المكروب كيف يأتمر يراد أن المكروب يغطى عليه الشأن فلا يدرى كيف ينفذ أمره.
ويقَالَ لا تعجب للعروس عام هدائها، يراد أن الرجل إذا استأنف أمره تجمل لك، ويقَالَ: ناب وقد تقطع الدوية، يراد أن المسن تبقى منه بقية ينتفع بها.
وقَالَ أَبُو زيد ومثل من الأمثال: الشر ألجأه إِلَى مخ العراقيب يُقَال ذلك عند مسألة اللئيم، أعطاك أو منعك.
стр. 158
مطلب الكلام عَلَى خ ل ف
قَالَ الأصمعى: خلف فلان فهو يخلف خلوفا إذا فسد ولم يفلح، وهو خالف وهى خالفة.
ويقَالَ: هو خالفة أهل بيته إذا كان أحمقهم، والخالفة: عمود فِي مؤخر البيت.
وقَالَ اللحيانى: عبد خالف، أى لا خير فيه.
وقَالَ ابن الأعرابى: يُقَال: أبيعك العبد وأبرأ إليك من خلفته.
ورجل ذو خلفة، ورجل خالفة وخالف وخلفنة وخلفناة، وفيه خلفناة.
وقَالَ أَبُو زيد: الخالف: الفاسد الأحمق، وقد خلف يخلف خلافةً.
قَالَ: ويقَالَ: جاء فلان خلافى وخلفى وهما واحد.
قَالَ: ويقَالَ: اختلف فلان صاحبه فِي أهله اختلافا، وذلك أن يباصره حتى إذا غاب عَنْ أهله جاء فدخل عليهن.
وقَالَ الأصمعى: خلف فلان عَنْ خلق أبيه إذا تغير.
وخلف فوه يخلف خلوفا إذا تغيرت رائحته، وقَالَ اللحيانى: يُقَال نوم الضحى مخلفة للفم.
وقَالَ أَبُو زيد: خلف الشراب واللبن يخلف خلوفا إذا حمض، ثم أطيل إنقاعه ففسد.
وقَالَ أَبُو زيد والأصمعى: خلفت نفسه عَنِ الطعام تخلف خلوفا إذا أضربت عنه من مرض، وقَالَ أَبُو زيد لا يُقَال ذلك إلا من المرض.
وقَالَ أَبُو نصر عَنِ الأصمعى: خلف خلف صدق بإسكان اللام إذا ترك عقباً.
ويقَالَ: خذ هذا خلفاً من مالك بتحريك اللام، أى بدلاً منه، وهو خلف من أبيه، أى بدل منه.
وقَالَ اللحيانى: الخلف: الولد الصالح.
والخلف: الردىء.
يُقَال: بقيت فِي خلف سوء، أي بقية سوء، قَالَ الله : ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [الأعراف: ١٦٩] وأنشد للبيد:
ذهب للذين يعاش فِي أكنافهم ... وبقيت فِي خلفٍ كجلد الأجرب
والخلف: المربد يكون وراء البيت،
وأنشدني اللحياني:
وجيئا من الباب المجاف تواتراً ... وإن تقعدا بالخلف فالخلف واسع
وقَالَ الأصمعي واللحياني: الخلف وقَالَ ابن الأعرابى: جلس أعرابى مع قوم فحبق، فتشور فأشار بإبهامه إِلَى استه وقَالَ: إنها نطقت خلفا.
وحَدَّثَنِي أَبُو عمرو غلام ثعلب، عَنْ أبى العباس: أنه قَالَ فِي قولهم: سكت ألفا ونطق خلفا: أى سكت عَنْ ألف كلمة ونطق بواحدة رديئة قَالَ الأصمعى: الخلفة: الاستقاء، يُقَال: من أين خلفتكم؟ أى من أين تستقون، وأنشد لذى الرمة:
ومستخلفاتٍ من بلاد تنوفةٍ ... لمصفرة الأشداق حمر الحواصل
стр. 159
يعني القطا يحملن فِي حواصلهن.
ويقَالَ: نتاج فلان خلفة، أى عام ذكر وعام أنثى.
والخلفة: الشىء من الثمر يخرج بعد الشىء، وقَالَ غيره: الخلفة: النبت فِي الصيف، والخلفة: الليل والنهار لاختلافهما.
والخلفة: اختلاف البهائم وغيرها.
ويقَالَ: حلب الناقة خليف لبئها، يعنى: الحلبة التى بعد ذهاب اللبا.
وروى أَبُو عبيد، عَنِ الأصمعى: الخليف: الطريق فِي الجبل، وقَالَ أَبُو نصر: الخليف: الطريق وراء الجبل أو فِي أصله، وقَالَ اللحيانى: الخليف: الطريق وراء الجبل أو بين الجبلين.
وقَالَ اللحياني: المخلفة أيضا طريق، يُقَال: عليك المخلفة الوسطى.
والخوالف: النساء إذا غاب عنهن أزواجهن، قَالَ الله : ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ [التوبة: ٨٧] .
وقَالَ الأصمعى: حى خلوف، أى غيب.
وخلوف حضور.
قَالَ: والإخلاف: أن تعيد عَلَى الناقة فلا تلقح.
والإخلاف: أن تعد الرجل عدةً فلا تنجزها.
والإخلاف: أن تضرب يدك إِلَى قراب السيف لتأخذه.
والإخلاف: أن تجعل الحقب وراء الثيل.
والثيل، وعاء مقلمه، وهو قضيبه، يُقَال: أخلف عَنْ بعيرك.
مطلب حديث معاوية مع عبد الله بن عبد الحجر بن عبد المدان وما دار بينهما من سؤال وجواب وشرح غريب ذلك
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا السَّكَنُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ، عَنْ عَبَّاسِ بْنِ هِشَامٍ، قَالَ: سَأَلَ مُعَاوِيَةُ، ﵀، بَعْدَ الاسْتِقَامَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الْحَجَرِ بْنِ عَبْدِ الْمَدَانِ، وَكَانَ عَبْدُ الْحَجَرِ وَفَدَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَمَّاهُ: عَبْدَ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ: " كَيْفَ عِلْمُكَ بِقَوْمِكَ؟ قَالَ: كَعِلْمِي بِنَفْسِي، قَالَ: مَا تَقُولُ فِي مُرَادٍ؟ قَالَ: مُدْرِكُو الأَوْتَارِ، وَحُمَاةُ الذِّمَارِ، وَمُحْرِزُو الْخِطَارِ.
قَالَ: فَمَا تَقُولُ فِي النَّخَعِ؟ قَالَ: مَانِعُو السَّرْبِ، وَمُسْعِرُو الْحَرْبِ، وَكَاشِفُوا الْكَرْبِ.
وَمَا تَقُولُ فِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ؟ قَالَ: فَرَّاجُو اللِّكَاكِ، وَفُرْسَانُ الْعِرَاكِ، وَلِزَازُ الضِّكَاكِ، تَرَاكِ تَرَاكِ.
قَالَ: فَمَا تَقُولُ فِي سَعْدِ الْعَشِيرَةِ؟ قَالَ: مَانِعُو الضَّيْمِ، وَبَانُو الرَّيْمِ، وَشَافُّو الْغَيْمِ.
قَالَ: مَا تَقُولُ فِي جُعْفِيٍّ؟ قَالَ: فُرْسَانُ الصَّبَاحِ، وَمُعْلِمُو الرِّمَاحِ، وَمُبَارِزُو الرِّيَاحِ.
قَالَ: مَا تَقُولُ فِي بَنِي زَبَيْدٍ؟ قَالَ: كُمَاةٌ أَنْجَادٌ، سَادَاتٌ أَمْجَادٌ، وُقُرٌ عِنْدَ الذِّيَادِ، صُبُرٌ عِنْدَ الطِّرَادِ.
قَالَ: وَمَا تَقُولُ فِي جَنْبٍ؟ قَالَ: كُفَاةٌ يَمْنَعُونَ عَنِ الْحَرِيمِ، وَيَفْرُجُونَ عَنِ الْكَظِيمِ.
قَالَ: فَمَا تَقُولُ فِي صُدَاءٍ؟ قَالَ: سِمَامُ الأَعْدَاءِ، وَمَسَاعِيرُ الْهَيْجَاءِ.
قَالَ: فَمَا تَقُولُ فِي رَهَاءٍ؟ قَالَ: يُنَهْنِهُونَ عَادِيَةَ الْفَوَارِسِ، وَيَرِدُونَ الْمَوْتَ وَرْدَ الْخَوَامِسِ، قَالَ: أَنْتَ أَعْلَمُ بِقَوْمِكَ " قال أبو علي:
стр. 160
كل ما حميته فهو ذمار.
والسرب: الإبل وما رعى من المال.
واللكاك: الزحام.
والضكاك: مثل اللكاك سواءً.
والريم: الدرجة، قَالَ أَبُو عمرو بن العلاء: أتيت دار قوم باليمين أسأل عَنْ رجل، فقَالَ لى رجل منهم: اسمك فِي الريم، أى اعل فِي الدرجة.
والريم: الزيادة، يُقَال: لى عليك ريم عَلَى كذا وكذا، قَالَ الشاعر:
فأقع كما أقعى أبوك عَلَى استه ... رأى أن ريما فوقه لا يعادله
والريم: القبر، قَالَ ملك بن الريب المازنى:
إذا مت فاعتادي القبور وسلمى ... على الريم أسقيت السحاب الغواديا
والريم: عظم يفضل إذا اقتسم القوم الجزور، وهذا قول الشيبانى، وأنشدنا غيره
فكنت كعظم الريم لم يدر جازر ... عَلَى أى بدأى مقسم اللحم يجعل
والغيم: العطش، وقَالَ لى أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى: إن النَّبِيّ ﷺ ، قَالَ: نعوذ بالله من الأيمة والعيمة والغيمة والكزم والقرم.
وقَالَ: الأيمة: الخلو من النساء.
والعيمة: شهوة اللبن.
والغيمة: العطش.
وقَالَ: الكزم فيه قولان: يُقَال: فلان أكزم البنان إذا كان بخيلا، ويقَالَ: إن الكزم الأكل الشديد.
والقرم: شهوة اللحم.
والأمجاد: الأشراف.
وينهنهون: يكفون.
والكظيم: المكظوم، وهو الذى قد رد نفسه إِلَى جوفه.
وقرأنا عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد بن معية:
إذا علون أربعا أربعا بأربع ... فِي جعجع موصية بجعجع
أنن أنان النفوس الوجع يعنى: الإبل علون أربعة أوظفة بأربع أذرع، وكأنه أنث عَلَى الكراع.
وأنن، من الأنين، يعنى: أنهن إذا بركن أنن، ومثله قول كعب بن زهير:
ثنت أربعاً منها عَلَى ظهر أربع ... فهن بمثنياتهن ثمان
ومثله قول هيت: تقبل بأربع وتدبر بثمان، يعنى: أنها تقبل بأربع عكنٍ، فإذا رأيتها من خلف رأيت لكل عكنة طرفين فصارت ثمانية.
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حاتم، عَنِ العتبى، قَالَ: أقام معاوية، ﵀، الخطباء لبيعه يزيد، فقامت المعدية فشققوا الكلام.
ثم قام رجل من حمير فقَالَ: لسنا إِلَى رعاء هذه الجمال، عليهم تشقيق
стр. 161
المقَالَ، وعلينا صدق الصيال، أما والله إنا لصبر تحت البوارق، مراقيل فِي ظل الخوافق، لا نسأم الضراس، ولا نشمئز من المراس، وإن واحدنا لألف، وألفنا كهف، فمن أبدي لنا صفحته، حططنا علاوته، ثم قام رجل ذى الكلاع فاشار إِلَى معاوية فقَالَ: هذا أمير المؤمنين، فإن مات فهذا، وأشار إِلَى يزيد، فمن أبى فهذا، وأشار إِلَى السيف، ثم قَالَ:
معاوية الخليفة لا تمارى ... فإن تهلك فسائسنا يزيد
فمن غلب الشقاء عليه جهلا ... تحكم فِي مفارقه الحديد
وأنشدنا أَبُو بَكْرٍ، ﵀، قَالَ: أنشدنا الرياشى للعرجى:
وما أنس ملأ شياء لا أنس موقفا ... لنا ولها بالسفح دون ثبير
ولا قولها وهنا قد بل جيبها ... سوابق دمع لا يجف غزير
أأنت الذى خبرت أنك باكر ... غداة غدٍ أو راحل بهجير
فقلت يسير بعض شهرِ أغيبه ... وما بعض يوم غبته بيسير
أحين عصيت العازلين اليكم ... ونازعت حبلى فِي هواك أميرى
وباعدنى فيك الأقارب كلهم ... وباح بما يخفى اللسان ضميرى
وقلت لها قول امرئ شفه الهوى ... إليها ولو طال الزمان فقير
فما أنا شطت بك الدار أو نأت ... بى الدار عنكم فاعلمى بصبور
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرٍ، ﵀:
وما أنس ملأ شياء لا أنس قولها ... وأدمعها يذرين حشو المكاحل
تمتع بذا اليوم القصير فإنه ... رهين بأيام الشهور الأطاول
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرٍ أيضاً:
شيب أيام الفراق مفارقي ... وأنشزن نفسى فوق حيث تكون
وقد لان أيام اللوى ثم لم يكد ... من العيش شىء بعدهن يلين
يقولون ما أبلاك والمال غامر ... عليك وضاحى الجلد منك كنين
فقلت لهم لا تعذلونى وانظروا ... إلى النازع المقصور كيف يكون
стр. 162
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الرياشى، عَنْ بعض أصحابه، قَالَ: أَخْبَرَنِي رجل، قَالَ: أتيت المجنون فجلست إليه فِي ظل شجرة فقلت: ما أشعر قيساً! حيث يقول:
يبيت ويضحى كل يوم وليلة ... على منهج تبكى عليه القبائل
قتيل للبنى صدع الحب قلبه ... وفى الحب شغل للمحبين شاغل
فقَالَ: أنا أشعر منه حيث أقول:
سلبت عظامى لحمها فتركتها ... معرقةً تضحى لديك وتخصر
وأخليتها من مخها فكأنها ... قوارير فِي أجافها الريح تصفر
إذا سمعت ذكر الفراق تقطعت ... علائقها مما تخاف وتحذر
خذي بيدي ثم انهض بى تبينى ... بى الضر إلا أنني أتستر
ويروي:
. . . . . . . . . . . . . . . قعقعت ... مفاصلها من هول ما تنتظر
ثم مر فأجمز فِي الصحراء، فلما كان فِي اليوم الثانى أتيته فجلست فِي ذلك الموضع، فلما أحسست به قلت: ما أشعر قيسا! حيث يقول:
تباكر أم تروح غدا رواحا ... ولن يستطيع مرتهن براحا
سقيم لا يصاب له دواء ... أصاب الحب مقتله فباحا
وعذبه الهوى حتى براه ... كبرى القين بالسفن القداحا
وكاد يذيقه جرع المنايا ... ولو سقاه ذلك لاستراح
فقَالَ: أنا أشعر منه حيث أقول وأنشدناها ابن الأنبارى، عَنْ أبيه، ولم ينسب إِلَى أحد، وفى الروايتين اختلاف وأنا أذكرهما إن شاء الله
وجد مغلوبٍ بصنعاء موثقٍ ... بساقيه من ثقل الحديد كبول
قليل الموالى مستهام مروع ... له بعد نومات العشاء عويل
وروى ابن الأنبارى:
فما وَجْد مسجونٍ بصناعاء عضه ... بساقيه من صنع القيود كبول
قليل الموالى مستهام مروع ... له بعد نومات العشاء عويل
стр. 163
وروي ابن الأنبارى:
ضعيف الموالى مسلم بجريرة ... له بعد نومات العيون عويل
يقول له الحداد أنت معذب ... غداة غدٍ أو مسلم فقتيل
بأعظم منى روعةً يوم راعنى ... فراق حبيبٍ ما إليه سبيل
وروى ابن الأنبارى: بأوجع منى لوعةً:
غداة أسير القصد ثم يردنى ... عَنِ القصد لوعات الهوى فأميل
وروى ابن الأنبارى: غداة أريد القصد، وروي: ميلات الهوى فأميل.
ثم قام هاربا وتركنى، فعدت بعد ذلك مرارا فلم أراه، فأخبرت أنه قد مات.
وأنشد الأخفش:
أقول لمقلتي يوم التقينا ... وقد شرقت مآقيها بماء
خذن اليوم من نظرٍ بحظٍ ... فسوف توكلين إِلَى البكاء
وأنشدنا أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: أنشدنا أَبُو العباس أحمد بن يحيى، لابن أبى مرة المكى:
ساعة ولى شمت العاذل ... أذاك منه الفرج العاجل
لم أنس إذ ودعته والتقى ... ذا البدن الناعم والناحل
كأنما جسمى عَلَى جسمه ... غصنان ذا غض وذا ذابل
يا رب ما أطيب ضمى له ... إلى لولا أنه راحل
وأنشدنا أحمد بن يحيى، قَالَ: أنشدنا أبى، قَالَ: أنشدنا الجاحظ عمرو بن بحر:
أزف البين المبين ... قطع الشك اليقين
حنت العبس فأبكا ... نى من العيس الحنين
لم أكن، لا كنت، أدرى ... أن ذا البين يكون
علمونى كيف أشتاق ... إذا خف القطين
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو العباس أحمد بن يحيى النحوى، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الله بن شيب، قَالَ: أتيت الزبير لأودعه وأخرج من المدينة، فقَالَ لى: بلغنى أنك لما أتيت هشام بن إبراهيم لتودعه قَالَ: لا أودعك حتى أغنيك:
стр. 164
وأنا بكيت من الفراق ... فهل بكيت كما بكيت
ولطمت خدى خاليا ... ومرسته حتى اشتفيت
وعواذلى ينهيننى ... عمن هويت فما انتهيت
قَالَ الزبير: وأنا لا أودعك حتى أنشدك:
أزف البين المبين ... وجلا الشك اليقين
لم أكن لا كنت أدرى أن ذا البين يكون ... علموني كيف أشتاق إذا خف القطين
وأنشدنا الأخفش، قَالَ: أنشدنا ابن المدبر للمجنون، وقَالَ لى: ما سمعت أغزل من هذين البيتين:
أمزمعة ليلى ببين ولم تمت ... كأنك عما قد أظلك غافل
ستعلم إن شطت بهم غربة النوى ... وزالوا بليلى أن قلبك زائل
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، عَنْ أبيه:
نحن غادون من غدٍ لافتراق ... وأرانى أموت قبل يكون
فلئن مت فاسترحت من البين ... لقد أحسنت إِلَى المنون
قَالَ أَبُو بَكْرٍِ: وأنشدنا أَبُو الحسن المظفر بن عبد الله:
ما يريد الفراق، لا كان، منا ... أشمت الله بالفراق التلاقى
لو وجدنا عَلَى الفراق سبيلا ... لأذقنا الفراق طعم الفراق
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن دريد لأعرابى، وغيره يقول: إنها لحبيب:
لو كان فِي البين إذ بانوا لهم دعة ... لكان بينهم من أعظم الضرر
فكيف والبين موصول به تعب ... تكلف البيد فِي الإدلاج والبكر
لو أن ما تبتلينى الحادثات به ... يكون بالماء لم يشرب من الكدر
أو كان بالعيس ما بي يوم رحلتهم ... أعيت عَلَى السائق الحادي فلم تسر
كأن مطاياهم إذا وخدت يقعن ... فِي حر وجهي أو عَلَى بصري
стр. 165
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد للحسين بن مطير الأسدى، وفى نوادر ابن الأعرابى، وفى الروايتين زيادة ونقصان، وأنا آتى بهما إن شاء الله تعالى:
لقد كنت جلداً قبل أن توقد النوى ... علي كبدي بارًا بطيئاً خمودها
ولو تركت نار الهوى لتضرمت ... ولكن شوقاً كل يوم يزيدها
وقد كنت أرجو أن تموت صبابتى ... إذا قدمت أيامها وعهودها
فقد جعلت فِي حبة القلب والحشا ... عهاد الهوى تولى بشوق يعيدها
لمرتجة الأطراف هيف خصورها ... عذاب ثناياها عجافٍ قيودها
بسودٍ نواصيها وحمرٍ أكفها ... وصفرٍ تراقيها وبيضٍ خدودها
وروى ابن الأنبارى:
وصفر تراقيها وحمر أكفها ... وسود نواصيها وبيض خدودها
مخصرة الأوساط زانت عقودها ... بأحسن مما زينتها عقودها
يمنيننا حتى ترف قلوبنا ... رفيف الخزامى بات طل يجودها
وفيهن مقلاق الوشاح كأنها ... مهاة بتربان طويل عقودها
يريد: موضع العقود، وهو العنق.
قَالَ: وقوله:
ولو تركت نار الهوى لتضرمت
أجود، لأنها تضرم وحدها، فكيف إذا زادها غيرها وأوقدها! وقرأت عليه لابن ميادة:
كأن فؤادى فِي يدٍ ضبثت به ... محاذرةً أن يقضب الحبل قاضبه
وأشفق من وشك الفراق وإننى ... أظن لمحمول عليه فراكبه
فوالله ما أدرى أيغلبنى الهوى ... إذا جد جد البين أم أنا غالبه
فإن أستطع أغلب وإن يغلب الهوى ... فمثل الذى لاقيت يغلب صاحبه
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: أنشدنا أَبُو العباس أحمد بن يحيي النحوي:
قد قلت والعبرات ... تسفحها عَلَى الخد المآقي
стр. 166
حين انحدرت إِلَى الجزيرة ... وانقطعت عنِ العراق
وتخبطت أيدي الرفاق ... مهامه البيد الرقاق
يا بؤس من سل الزمان ... عليه سيفاً للفراق
وأنشدنا أيضا، قَالَ: أنشدنا أَبُو الحسن بن البراء، قَالَ: أنشدنى ابن غالب:
ذكر الحبيب حبيبه ففؤاده ... مثل الجناح من الصبابة يخفق
عمرا زمانا يكتمان هواهما ... وكلاهما بادى الهوى متشوق
حتى إذا اجتمعنا بأحسن ... ألفةٍ ما منهما فِي وده متخلق
كر الزمان عليهما بفراقه ... وكذاك لم يزل الزمان يفرق
وأنشدنا أَبُو بَكْرٍِ التاريخى، قَالَ: أنشدنى البحترى لنفسه:
الله رك فِي انطلاقك ... تلقاء شامك أو عراقك
لا تعذلني فِي مسيرك ... يوم سرت ولم ألاقك
إنى خشيت مواقفا ... للبين تسفح غرب ماقك
وعلمت ما يلقي المتيم ... عند ضمك واعتناقك
وعلمت أن لقاءنا ... سب اشتياقي واشتياقك
فتركت ذاك تعمدا ... وخرجت أهرب من فراقك
وقرأ أَبُو غانم الكاتب عَلَى أبى عبد الله نفطويه فِي المسجد الجامع بالمدينة قبل الصلاة وأنا أسمع لتوبة بن الحمير:
قَالَت مخافة بيننا وبكت له ... فالبين مبعوث عَلَى المتخوف
لو مات شىء من مخافة فرقةٍ ... لأماتنى للبين طول تخوفى
ملأ الهوى قلبى فضقت بحمله ... حتى نطقت به بغير تكلف
وقرأ عليه:
راعك البين والمشوق يراع ... حين قالوا تشتت وانصداع
لست أنسى مقالها يوم ولت ... وقصارى المشيعين الوداع
стр. 167
وقرأ عليه:
بكيت دماً حتى القيامة والحشر ... ولا زلت مغلوب العزيمة والصبر
أتظعن طوع النفس عمن تحبه ... وتبكي كما يبكي عَنْ صغر
أقم لا تسر والهم عنك بمعزل ... ودمعك باقٍ فِي جفونك ما يجرى
وقرأ عليه أيضا:
عَنْ حبيبك ثم تبكى ... عليه فمن دعاك إِلَى الفراق
كأنك لم تذق للبين طعماً ... فتعلم أنه مر المذاق
أقم وأنعم بطول قرب منه ... ولا تظعن فتكبت باشتياق
فما اعتاض المفارق من حبيب ... ولو يعطى الشآم مع العراق
وقرأ عليه أيضاً:
تطوى المراحل عَنْ حبيبك دائبا ... وتظل تبكيه بدمع ساجم
كذبتك نفسك لست من أهل الهوى ... تشكو الفراق وأنت عين الظالم
ألا أقمت ولو عَلَى جمر الغضى ... قلبت أو حد الحسام الصارم
أنشدنى جحظة بعض هذه الأبيات، وأنشدناها بتمامها الأخفش عَلَى بن سليمان لمسلم بن الوليد:
وإنى وإسماعيل يوم وداعه ... لكالغمد يوم الروع فارقه النصل
أما والحبالات الممرات بيننا ... وسائل أدتها المودة والوصل
لما خنت عهدا من إخاء ولا نأى ... بذكرك نأى عَنْ ضميرى ولا شغل
وإنى فِي مالى وأهلى كأننى ... لنأيك لا مال لدى ولا أهل
يذكرينك الدين والفضل والحجا ... وقيل الخنا والحلم والعلم والجهل
فألقاك عَنْ مذمومها متنزها ... وألقاك فِي محمودها ولك الفضل
وأحمد من أخلاقك البخل إنه ... بعرضك لا بالمال حاشا لك البخل
أمنتجعا مرواً بأثقَالَ همةٍ ... دع الثقل واحمل حاجةً ما لها ثقل
ثناءً كعرف الطيب يهدى لأهله ... وليس له إلا بني خالدٍ أهل
فإن أغش قوماً بعدهم أو أزورهم ... فكالوحش يستدنيه للقنص المحل
стр. 168
وروي جحظة: يدنيه من الأنس المحل
وأنشدنا بعض أصحابنا، قَالَ: أنشدنى عمرو بن بحر الجاحظ:
أنا أبكى خوف الفراق لأنى ... بالذى يفعل الفراق عليم
أنا مستيقن بأن مقامى ... ومسير الحبيب لا يستقيم
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد لجميل:
رحل الخليط جمالهم بسواد ... وحدا عَلَى أثر البخيلة حادى
ما إن شعرت ولا سمعت بينهم ... حتى سمعت به الغراب ينادى
لما رأيت البين قلت لصاحبى ... صدعت مصدعة القلوب فؤادى
بانوا وغودر فِي الديار ميتم ... كلف بذكرك يا بثينة صادى
وقَالَ أَبُو زيد: من أمثال العرب: تفزع من صوت الغراب وتفترس الأسد المشبم، وهو الذى قد شد فوه، وذلك أن امرأة افترست أسداً وسمعت صوت غراب ففزعت منه، يُقَال ذلك للذى يخاف اليسير من الأمور وهو جرئ عَلَى الجسيم.
ويقَالَ: كالمشترى القاصعاء باليربوع، يُقَال ذلك للذى يدع العين ويتبع الأثر ويختار ما لا ينبغى له.
ويقَالَ: روغى جعار وانظري أين المفر، يضرب مثلا للذى يهرب ولا يقدر أن يفلت صاحبه.
ويقَالَ: كلب اعتس خير من كلب ربض، يُقَال ذلك إذا طلب رجل الخير وقعد آخر فلم يطلب.
وقَالَ يعقوب بن السكيت: يُقَال: قطب يقطب قطوبا وهو قاطب، إذا جمع ما بين عينيه، واسم ذلك الموضع المقطب، ومنه قيل: الناس قاطبة، أى الناس جميع، ويقَالَ: قطب شرابه إذا مزجه فجمع بين الماء والشراب.
ويقَالَ: عبس يعبس عبوسا، وبسر يبسر بسورا.
ويقَالَ: رجل أبسل وباسل، أى كريه المنظر، ويقَالَ: تبسل فِي عينيه، أى كرهت مرآته، قَالَ أَبُو ذؤيب:
فكنت ذنوب البئر لما تبسلت ... وسربلت أكفانى ووسدت ساعدى
قَالَ أَبُو زيد: يُقَال: دهيت الرجل أدهاه دهيا، أي عبته واغتبته ونقصته.
ويقَالَ: نجهت الرجل أنجهه نجها، وجبهته أجبهه جبهاً، والاسم الجبيهة والنجه، والمعنى واحد، وهو استقبالك الرجل بما يكره، وهو ردك الرجل عَنْ حاجة طلبكها، وأنشد:
حييت عنا أيها الوجه ... ولغيرك البغضاء والنجه
стр. 169
ويقَالَ: ندهت الإبل أندهها ندها، وهو سوق للإبل مجتمعة، والثلاث من الإبل تنده إِلَى ما بلغت، وإذا سيق البعير وحده فقد يقتاس له من النده، فيقَالَ: بعير مندوه، ويقَالَ: عند فلان ندهة من صامت أو ماشية، وندهة وهى العشرون من الغنم ونحوها، والمائة من الإبل أو قرابتها، ومن الصامت الألف أو نحوه.
مطلب خطبة هانئ بن قبيصة فِي قومه يحرضهم عَلَى الحرب يوم ذي قار
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حاتم، عَنْ أبى عبيدة، قَالَ: قَالَ هانئ بن قبيصة الشيباني لقومه يوم ذى قار وهو يحرضهم: يا معشر بكرٍ، هالك معذور، خير من ناجٍ فرور، إن الحذر لا ينجى من القدر، وإن الصبر من أسباب الظفر، المنية ولا الدنية، استقبال الموت خير من استدباره، الطعن فِي ثغر النحور، أكرم منه فِي الأعجاز والظهور.
يا آل بكر، قاتلوا فما للمنايا من بد
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد لحميد بن الثور الهلالى:
ولقد نظرت إِلَى أغر مشهرٍ ... بكرٍ توسن بالخميلة عونا
متسنم سنماتها متفجس ... بالهدر يملأ أنفسا وعيونا
لقح العجاف له لسابع سبعةٍ ... وشربن بعد تحلؤ فروينا
يعنى بأغر سحابا فيه برق أو هو أبيض.
وبكرٍ: لم يمطر قبل ذلك.
وتوسن: طرقها ليلا عند الوسن، أى وقت اختلاط النعاس بعيون الناس، يُقَال: توسنت الرجل، أى أتيته وهو وسنان.
والخميلة: رملة كثيرة الشجر.
وعون جمع عوان، وهى الأرض التى أصابها المطر مرة، وهذا مثل وأصله فِي النساء، قَالَ الكسائى: العوان: التى قد كان لها زوج، ومنه قيل: حرب عوان.
وقوله متسنم، شبهه بالبعير الذى يتسنم أسنمة الإبل، أى يعلوها.
والسنمات: العظام السنام، يريد أن هذا السحاب كأنه يتسنم التلال والآكام، أى يعلوها، وهو مثل.
ومتفجس: متكبر.
بالهدر: يعنى رعده.
وقوله: يملأ أنفسنا: تعجبا منه، وقَالَ بعضهم: لهولها.
ولقحت: نبت عشبها.
والعجاف: الأرضون التى لم تمطر، وهو مثل.
بعد تحلؤ: بعد منع من الماء.
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عبد الرحمن، قَالَ: سمعت عمى يحدث سران أبا العباس ابن عمه، وكان من أهل العلم، قَالَ: سهرت ليلةً من ليالى بالبادية، وكنت نازلا عند رجل
стр. 170
من بنى الصيداء من أهل القصيم، وكان، والله، واسع الرحل، كريم المحل، فأصبحت وقد عزمت عَلَى الرجوع إِلَى العراق، فأتيت أبا مثواى، فقلت: إنى قد هلعت من الغربة واشتقت أهلي، ولم أفد فِي قدمتي هذه إليكم كبير علم، وإنما كنت أغتفر وحشة الغربة وجفاء البادية للفائدة، فأظهر توجعا، ثم أبرز غداءً له فتغديت معه، وأمر بناقة له مهرية كأنها سبيكة لجين فارتحلها واكتفلها، ثم ركب وأردفنى وأقبلها مطلع الشمس، فما سرنا كبير مسير حتى لقينا شيخ عَلَى حمار له جمة قد ثمغها كالورس فكأنها قنبيطة، وهو يترنم، فسلم عليه صاحبى وسأله عَنْ نسبه، فاعتزى أسدياً من بنى ثعلبة، فقَالَ: أتنشد أم تقول؟ فقَالَ: كلا، فقَالَ: أين تؤم؟ فأشار إِلَى ماء قريب من الموضع الذي نحن فيه، فأناخ الشيخ وقَالَ لي: خذ بيد عمك فأنزله عَنْ حماره، ففعلت، فألقي له كيسا قد كان اكتفل به، ثم قَالَ: أنشدنا، رحمك الله، وتصدق عَلَى هذا الغريب بأبيات يعيهن عنك ويذكرك بهن، فقَالَ: إى ها الله إذاً! ثم أنشدنى:
لقد طال يا سوداء منك المواعد ... ودون الجدا المأمول منك الفراقد
إذا أنت أعطيت الغني ثم لم تجد ... بفضل الغنى ألفيت مالك حامد
تمنيننا غداً وغيمكم غدا ... ضباب فلا صحو ولا الغيم جائد
وقل غناءً عنك مال جمعته ... إذا ثار ميراثا وواراك لا حد
إذا أنت لم تعرك بجنبك بعض ما ... يريب من الأدنى رماك الأباعد
إذا الحلم لم يغلب لك الجهل ... لم تزل عليك بروق جمة ورواعد
إذا العزم لم يفرج لك الشك لم تزل ... جنيباً كما استتلى الجنيبة قائد
إذا أنت لم تترك طعامًا تحبه ... ولا مقعدًا تدعوا إليه الولائد
تجللت عارا لا يزال يشبه ... سباب الرجال نقرهم والقصائد
وأنشدنى أيضاً:
تعز فإن الصبر بالحر أجمل ... وليس عَلَى ريب الزمان معول
فلو كان يغنى أن يرى المرء جازعاً ... لنازلة أو كان يغنى التذلل
لكان التعزى عند كل مصيبة ... ونازلةٍ بالحر أولى وأجمل
стр. 171
فكيف وكل ليس يعدو حمامه ... وما لامرئ عما قضى الله مزحل
فإن تكن الأيام فينا تبدلت ... ببؤسٍ ونعمى والحوادث تفعل
فما لينت منا قناةً صليبةً ... ولا ذللتنا للذي ليس يجمل
ولكن رحلناها نفوسا كريمة ... تحمل ما لا يستطاع فتحمل
وقنا بعزم الصبر منا نفوسنا ... فصحت لنا الأعراض والناس هزل
قَالَ أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ عبد الرحمن، قَالَ عمى: فقمت والله وقد أنسيت أهلي، وهان عَلَى طول الغربة وشظف العيش سروراً بما سمعت، ثم قَالَ لي: يا بني، من لم تكن استفادة الأدب أحب إليه من الأهل والمال لم ينجب
وأنشدنى أَبُو بَكْرٍِ قَالَ: أنشدنى أَبُو عثمان:
إذا ما فقدتم أسود العين كنتم ... كراما وأنتم ما أقام ألائم
أسود العين: جبل، والجبل لا يغيب، يقول: فأنتم لئام أبدا.
وقرأت عليه لعدى بن زيد يصف فرسا:
أحال عليه بالقناة غلامنا ... فأذرع به لخلة الشاة راقعا
أذرع به، أي ما أذرعه، أي ما أسرعه! وقوله: لخلة الشاة راقعاً، أى يلحقها فيرقع ما بينه وبينها من الفرجة حتى لا يكون بينهما فرجة، وحكى عَنْ خلف الأحمر، أنه قَالَ: يعدو الفرس وبين الشاتين خلة، أى فرجة فيدخل بينهما فكأنه رقع الخلة بنفسه لما سار فيها.
مطلب وصف بعض الأعراب للمطر وشرح غريبه
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ
، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الرحمن، عَنْ عمه، قَالَ: سئل أعرابى عَنْ مطر، فقَالَ: استقل سد مع انتشار الطفل، فشصا واحزال، ثم اكفهرت أرجاؤه، واحمومت أرحاؤها، وابذعرت فوارقه، وتضاحكت بوارقه، واستطار وادقه، وارتتقت جوبه، وارتعن هيدبه، وحشكت أخلافه، واستقلت أردافه، وانتشرت أكنافه، فالرعد مرتجس، والبرق مختلس، والماء منبجس، فأترع الغدر، وانتبث الوجر، وخلط الأوعال بالآجال، وقرن الصيران بالرئال، فللأودية هدير، وللشراج خرير، وللتلاع زفير، وحط النبع والعتم، من القلل الشم، إِلَى القيعان الصحم، فلم يبق فِي القلل إلا معصم مجرنثم، أو داحص مجرجم، وذلك من فضل رب العالمين، عَلَى عباده المذنبين
стр. 172
السد: السحاب الذي يسد الأفق، وهذا قول أَبِي بَكْرٍ، وقَالَ أَبُو نصر، عَنِ الأصمعي: جاءنا جراد سد إذا سد الأفق.
والطفل: العشي إِلَى حد المغرب.
وشصا: ارتفع، ويقَالَ: شصا برجله إذا رفعها عند الموت، وشصا الزق إذا امتلأ وارتفعت قوائمه.
ويقَالَ: شصا بصره يشصو شصواً إذا طمح، وطمح معناه ارتفع، ولهذا قيل للدابة: طموح إذا كان يرفع رأسه حتى يفرط.
واحزأل: ارتفع أيضاً.
واكفهر واكرهف: تراكم، والمكفهر والمكرهف من السحاب: الذي يركب بعضه بعضا.
وأرجاؤه: نواحيه، واحدها رجاً مقصور.
واحمومت: اسودت، والحمة: سواد تعلوه حمرة.
وأرحاؤه واحدها رحاً وهو أوساطه.
وابذعرت: تفرقت، والفوارق واحدها فارق، وهو السحاب الذي ينقطع من معظم السحاب، وهذا مثل وأصله فِي الإبل، يُقَال: ناقة فارق، وهي التي تندعَنِ الإبل عند نتاجها، قَالَ الكسائي: فرقت تفرق فروقا.
واستطار: انتشر.
والوادق: الذي يكون فيه الودق، وهو المطر العظيم القطر، ويكون الداني من الأرض، يُقَال: ودق يدق إذا دنا، والوديقة من هذا، وهى شدة الحر، لأن حرارة الشمس تدنو من الأرض.
وارتتقت: التأمت.
وجوبه: فرجه.
وارتعن: استرخى.
والهيدب: الذي يتدلى ويدنو من الأرض، مثل هدب القطيفة.
وحشكت: امتلأت، قَالَ زهير:
كما استغاث بسىٍ فز غيطلةٍ ... خاف العيون فلم ينظر به الحشك
قَالَ الأصمعي: إنما هو الحشك فحركه للضرورة، كما قَالَ رؤبة:
مشتبه الأعلام لماع الخفق
وإنما هو الخفق: والخلف: ما يقبض عليه الحالب من ضرع الشاة والبقرة والناقة.
واستقلت: ارتفعت.
وأردافه: مآخيره.
والأكناف: النواحي.
ومرتجس: مصوت، والرجس: الصوت.
ومختلس، كأنه يختلس البصر لشدة لمعانه.
ومنبجس: منفجر.
وأترع: ملأ.
والغدر: جمع غدير.
وانتبث: أخرج نبيثتها، وهو تراب البئر والقبر.
يريد أن هذا المطر لشدته هدم الوجر، وهي جمع وجار، وهو سرب الثعلب والضبع، حتى أخرج ما داخلها من التراب.
والأوعال: واحدها وعل، وهو التيس الجبلي.
والآجال: جمع واحدها إجل، وهو القطيع من البقر.
يريد أنه لشدته حمل الوعول وهي تسكن الجبال، والبقر وهي تسكن القيعان والرمال، فجمع بينهما.
وقوله: وقرن الصيران
стр. 173
بالرئال، فالصيران واحدها صوار وصيار أيضاً، وهو القطيع من البقر.
والرئال: فراخ النعام، واحدها رأل مهموز، فالرئال تسكن الجلد، والصيران تسكن الرمال والقيعان، فقرن بينهما.
وهدير: صوت كهدير الإبل.
والشراج: مجارى الماء من الحرار إِلَى السهولة.
والتلاع مجاري ما ارتفع من الأرض إِلَى بطن الوادي، فإذا اتسعت التلعة حتى تصير مثل نصف الوادي أو ثلثيه، فهي ميثاء، فإذا عظمت فوق ذلك، فهي ميثاء جلواخ.
والنبع: شجر يتخذ منه القسى ينبت فِي الجبال.
والعتم: الزيتون الجبلي، قَالَ الشاعر:
تستن بالضرو من براقش أو ... هيلان أو ناضرٍ من العتم
تستن: تستاك.
والضرو: البطم، وهو الحبة الخضراء.
والقلل: أعالي الجبال.
والشم: المرتفعة.
والقيعان: واحدها قاع، وهي الأرض طيبة الطين الحرة.
والصحم: التي تعلوها حمرة واحدها أصحم.
والمعصم: الذي قد تمسك بالجبال وامتنع فيها، ويقَالَ للرجل الذي يمسك بعرف فرسه خوف السقوط معصم، قَالَ طفيل:
إذا ما غد لم يسقط الروع رمحه ... ولم يشهد الهيجا بألوث معصم
وألوث: ضعيف.
والمجرنثم: المتقبض.
والداحص: الذي يفحص برجليه عند الموت، قَالَ علقمة بن عبدة:
رغا فوقهم سقب السماء فداحصٌ ... بشكّته لم يستلب وسليب
والمجرجم: المصروع.
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حاتم، عَنِ الأصمعي، قَالَ: سمعت أعرابياً من غني يذكر مطرا صاب فِي غب جدب فقَالَ: تدارك ربك خلقه وقد كلبت الأمحال، وتقاصرت الآمال، وعكف الياس، وكظمت الأنفاس، واصبح الماشي مصرما، والمترب معدما، وجفيت الحلائل، وامتهنت العقائل، فأنشأ سحابا ركاما، كنهور سجاما، بروقه متألقة، ورعوده متقعقعة، فسح ساجيا راكدا، ثلاثا غير ذى فواق، ثم أمر ربك الشمال فطحرت ركامه، وفرقت جهامه، فانقشع محمودا، وقد أحيا وأغنى، وجاد فأروى، والحمد لله الذي لا تكت نعمه، ولا تنفد قسمه، ولا يخيب سائله ولا ينزر نائله
стр. 174
قوله: صاب: جاد، والصوب: المطر الجود.
وكلبت: اشتدت.
وكذلك كلب الشتاء.
والأمحال جمع محل، وهو القحط.
وعكف: أقام، قَالَ الراجز:
محلها إن عكف الشفيف ... الزرب والعنة والكنيف
الشفيف: البرد.
والعنة: الحظيرة يحبس فيها الإبل.
ومنه قيل للبعير: معنى، وهو الذي قد هاج فحبس فِي العنة، ويكون معني من التعنية وهو الحبس، وهذا هو الوجه، لأنه إذا جعل معنى من العنة وجب أن يكون الأصل معننا، ثم أبدل من النون الأخيرة ياء، كما فعلت بتظنيت، واصله تظننت.
وكظمت: ردت إِلَى الأجواف، يُقَال: كظم غيظه إذا حبسه.
والماشي صاحب الماشية، يُقَال: مشى الرجل وأمشى إذا كثرت ماشيته، قَالَ الشاعر:
وكل فتي وإن مشي وأثري ... ستخلجه عَنِ الدنيا منون
والمصرم: المقارب المال المقل، كذا قَالَ أَبُو زيد والأصمعى
وأنشدنا الأصمعى للمعلوط
يصد الكرام المصرمون سواءها ... وذو الحق عَنْ أقرانها سيحيد
والمترب: الغني الذي له مال مثل التراب كثرة، يُقَال: أترب الرجل إذا استغنى، وترب إذا افتقر، كأنه لصق بالتراب.
وامتهنت: استخدمت واعتملت، يُقَال: مهنت القوم امهنهم مهنة ومهنة ومهنا، أتى بها اللحياني ثلاثتها.
والعقائل: الكرائم واحدتها عقيلة.
وأنشأ: أحدث.
والنشء: السحاب أول ما يخرج.
والكنهور: قطع كأنها الجبال، واحدتها كنهورة.
وسجام: صباب.
ومتألقة: لامعة.
ومتقعقعة: مصوتة، والقعقعة: صوت السلاح وما أشبهه، ويقَالَ: إن قعيقعان، وهو جبل بمكة، سمى بذلك لتقعقع السلاح لحرب كانت فيه.
وسح: صب، سححته أسحه سحاً،
أنشدنى أَبُو بَكْرِ بن دريد، قَالَ: أنشدنى عبد الرحمن، عَنْ عمه:
وربت غارةٍ أوضعت فيها ... كسح الهاجري جريم تمر
وساجٍ: ساكن، يُقَال: ليلة ساجية وساكرة وساكنة بمعنى واحد، قَالَ الحادي:
يا حبذا القمر والليل الساج ... وطرق مثل ملاء النساج
стр. 175
وراكد: ثابت.
والفواق أن يصب صبةً ثم يسكن ثم يصب أخرى ثم يسكن، مأخوذ من فواق الناقة، وهو ما بين الحلبتين، كأنه يحلب حلبة ثم يسكن ثم يحلب أخرى ثم يسكن.
وطحرت: أذهبت وأبعدت، ومنه قيل: سهم مطحر، إذا كان بعيد الذهاب، قَالَ أَبُو كبير الهذلي:
لما رأى أن ليس عنهم مقصر ... قصر الشمال بكل أبيض مطحر
وركامه: ما تركم منه.
والجهام: السحاب الذي قد هراق ماءه.
وتكت: تحصي،
أنشدني أَبُو بَكْرِ بن دريد:
إلا بجيشٍ لا يكت عديده ... سود الجلود من الحديد غضاب
وينزر: يقل، ومنه قيل: امرأة نزور إذا كانت قليلة الولد.
وحَدَّثَنِي غير واحد من أصحاب أبى العباس أحمد بن يحيى النحوى أنه قَالَ: كل شىء يعز حين ينزر إلا العلم، فإنه يعز حين يغزر.
وقَالَ الأصمعي: من أمثال العرب أسمع جعجعة ولا أرى طحنا، أي أسمع جلبةً ولا أرى عملاً ينفع.
: الجعجعة: صوت الرحا وما أشبه ذلك الصوت.
والطحن: الدقيق.
ويقَالَ: كلا جانبي هرشي لهن طريق، يضرب مثلا للأمرين يشتبهان ويستويان أي مأخذٍ أخذتها.
ويقَالَ: حرة تحت قرة يضرب مثلا للأمر يظهر وتحته خفي غيره.
: الحرة: حرارة العطش.
والقرة: البرد.
ويقَالَ: ضغث عَلَى إبالة يضرب مثلا للرجل تكلفه الثقل ثم تزيده عَلَى ذلك.
: الإبالة: الحزمة من الحطب.
والضغث: القبضة من الحشيش.
مطلب الكلام عَلَى مادة ح س س
وقَالَ الأصمعي: يقَالَ: جيء به من حسك وبسك، أي من حيث كان ولم يكن، وروى أَبُو نصر: من حيث شئت، والمعنى واحد، والحس والحسيس: الصوت، قَالَ الله : ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء: ١٠٢] والحس: وجع يأخذ المرأة بعد الولادة.
والحس: برد يحرق الكلأ.
стр. 176
ويقَالَ: أصابتنا حاسة، ويقَالَ: البرد محسة للنبت، أي يحرقه، ويقَالَ: ضربه فما قَالَ: حس مكسور، وهي كلمة تُقَال عند الجزع، قَالَ الراجز:
فما أراهم جزعا بحس ... عطف البلايا المس بعد المس
ويقَالَ: اشتر لي محسةً للدابة.
والحساس: سمك يجفف يكون بالبحرين.
وقَالَ اللحياني: الحساس: الشؤم والنكد،
وأنشدنا أَبُو زيد:
رب شريب لك ذي حساس ... أقعس يمشي مشية النفاس
ليس بريان ولا مواسي
ويقَالَ: انحست أسنانه إذا تكسرت وتحاتت، قَالَ العجاج:
فِي معدن الملك القديم الكرس ... ليس بمقلوع ولا منحس
ويقَالَ: حسستهم إذا قتلتهم، قَالَ الله تعالى: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران: ١٥٢] .
ويقَالَ: أحسست بالخبر وحسست به وأحست به وحسيت به، قَالَ أَبُو زبيد:
خلا أن العتاق من المطايا ... حسين به فهن إليه شوس
ويقَالَ: حسست له أحس، أي رققت له، يُقَال: إني لأحس له، أي أرق له وأرحمه، قَالَ القطامي:
أخوك الذي لا تملك الحس نفسه ... وترفض عند المحفظات الكتائف
والكتائف جمع كتيفة، وهي هاهنا الحقد.
والكتيفة أيضاً: ضبة الحديد، وقَالَ أَبُو نصر: الكتيفة: بيضة الحديد، ولا أعرف هذه الكلمة عَنْ غيره.
يقول: أخوك الذي إذا رآك فِي شدة لم يملك أن يرق لك، وقَالَ الأصمعي: يُقَال: إن البكري ليحس للسعدي، أي يرق له.
وقرأنا عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد:
إذا تجافين عَنِ النسائج ... تجافي البيض عَنِ الدمالج
يعني: إبلا، يقول: بهن جراح من حزمهن، فهن يتجافين عنها كما تجافي النساء عَنْ دمالجهن إذا بردت عليهن.
стр. 177
وأنشدنا أَبُو عبد الله إبراهيم بن عرفة النحوي المعروف بنفطويه، وقرأته عَلَى أبي عمر المطرز فِي أمالي أبي العباس أحمد بن يحيى للحسين بن مطير الأسدي:
مستضحك بلوامع مستعبر ... بمدامع لم تمرها الأقذاء
كثرت لكثرة ودقه أطباؤه ... فإذا تحلب فاضت الأطباء
فله بلا حزنٍ ولا بمسرةٍ ... ضحك يراوح بينه وبكاء
وكأن عارضه الحريق ... يلتقي أشب عليه وعرفج وألاء
لو كان من لجج السواحل ماؤه ... لم يبق فِي لجج السواحل ماء
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن دريد، ﵀، قَالَ: أنشدنا الرياشي، عَنْ أبي عبيدة، لعبيد بن الأبرص:
يا من لبرقٍ أبيت الليل أرقبه ... فِي عارض كمضىء الصبح لماح
دان مسف فويق الأرض هيدبه ... يكاد يدفعه من قام بالراح
كأن ريقه لما علا شطبا ... أقراب أبلق ينفى الخيل رماح
ينزع جلد الحصى أجش مبترك ... كأنه فاحص أو لاعب داحي
فمن بنجوته كمن بمحفله ... والمستكن كمن يمشي بقرواح
كأن فيه عشاراً جلةً شرفا ... شعثاً لها ميم قد همت بإرشاح
هدلاً مشافرها بحا حناجرها ... ترخى مرابعها فِي صحصح ضاحى
وأنشدنا بعض أصحابنا لكثير:
فالمستكن ومن يمشي بمروته ... سيان فيه ومن بالسهل والجبل
وأنشدنا للحماني:
دمن كأن رياضها ... يكسين أعلام المطارف
وكأنما غدرانها ... فيها عشور فِي مصاحف
وكأنما أنوارها ... تهتز بالريح العواصف
طرر الوصائف يلتقين ... بها إِلَى طرر الوصائف
باتت سواريها تمخض ... فِي رواعدها القواصف
стр. 178
ثم انبرت سحا كبا ... كيةٍ بأربعة ذوارف
وكأن لمع بروقها ... فِي الجو أسياف المثاقف
وأنشدنا أَبُو بَكْرٍِ لعبيد:
سقى الرباب مجلجل ... الأكناف لماع بروقه
جون تكفكفه الصبا ... وهنا وتمريه خريقه
مرى العسيف عشاره ... حتى إذا درت عروقه
ودنا يضئ ربابه ... غاباً يضرمه حريقه
حتى إذا ما ذرعه ... بالماء ضاق فما يطيقه
هبت له من خلفه ... ريح شآمية تسوقه
حلت عزاليه الجنوب ... فثج واهيةً خروقه
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرٍ لكثير:
تسمع الرعد فِي المخيلة منها ... مثل هزم القروم فِي الأشوال
وترى البرق عارضاً مستطيرا ... مرح البلق جلن فِي الأجلال
أو مصابيح راهبٍ فِي يفاعٍ ... سغم الزيت ساطعات الذبال
وقرأت عليه لكثير:
أهاجك برق آخر الليل واصب ... تضمنه فرش الجبا فالمسارب
يجر ويستأنى نشاصاً كأنه ... بغيقة حادٍ جلجل الصوت جالب
تألق واحمومى وخيم بالربا ... أحم الذرى ذو هيدب متراكب
إذا حركته الريح أرزم جانب ... بلا هزقٍ منه وأومض جانب
كما أومضت بالعين ثم تبسمت ... خريع بدا منها جبين وحاجب
يمج الندى لا يذكر السير لعبد أهله ... ولا يرجع الماشي به وهو جادب
وأنشدنا بعض أصحابنا لعبد الله بن المعتز:
ومزنة جاد من أجفانها المطر ... فالروض منتظم والقطر منتثر
ترى مواقعه فِي الأرض لائحة ... مثل الدراهم تبدو ثم تستتر
стр. 179
وأنشدني له أيضاً:
ما ترى نعمة السماء عَلَى الأرض ... وشكرا الرياض للأمطار
وكأن الربيع يجلو عروساً ... وكأنّا من قطرة فِي نثار
وأنشدني له أيضاً:
وموقرة بثقل الماء جاءت ... تهادى فوق أعناق الرياح
فجادت ليلها وبلا وسحا ... وهطلاً مثل أفواه الجراح
ولابن المعتز فِي وصف السحاب:
كأن الرباب الجون والفجر ساطع ... دخان حريق لا يضيء له جمر
وأنشدني بعض أصحابنا لأبي الغمر الجبلي:
نسجته الجنوب وهو صناع ... فترقى كأنه حبشي
وقرى كل قرية كان يقرو ... ها قري لا يجف منه قرى
وأنشدنا أَبُو عبد الله نفطويه، قَالَ: أنشدنا أَبُو العباس أحمد بن يحيى فِي صفة سحابة:
كأنه لما وهي سقاؤه ... وانهل من كل غمام ماؤه
حم إذا حمشه قلاؤه
الحم: ما بقي من الشحم إذا أذيب.
وحمشه: أحرقه.
وأنشدنا محمد بن السري السراج:
بدا البرق من أرض الحجاز فشاقني ... وكلّ حجازي له البرق شائق
سرى مثل نبض العرق والليل دونه ... وأعلام أبلى كلها والأسالق
أخذه منه الطائي فقَالَ:
إليك سرى بالمدح ركب كأنهم ... عَلَى الميس حيّات اللصاب النضانض
تشيم برقا من نداك كأنها ... وقد لاح أولادها عروق نوابض
وأنشدني بعض أصحابنا:
أرقت لبرق آخر الليل يلمع ... سرى دائباً منها يهبّ ويهجع
سرى كاقتذاء الطير والليل ... ضارب بأرواقه والصبح قد كاد يسطع
стр. 180
وأنشدني أيضا بعض أصحابنا:
أرقت لبرق سرى موهنا ... خفي كغمزك بالحاجب
كأن تألقه فِي السما ... يدا حاسب أو يدا كاتب
ولابن المعتز:
رأيت فيها برقها منذ بدت ... كمثل طرف العين أو قلب يجب
ثم حدت بها الصبا حتى بدا ... فيها لي البرق كأمثال الشهب
تحسبه فيها إذا ما انصدعت ... أحشاؤها عنه شجاعاً يضطرب
وتارة تحسبه كأنه ... أبلق مال جلّه إذا وثب
حتى إذا ما رفع اليوم الضحى ... حسبته سلاسلاً من الذهب
ويُنشد أصحاب المعاني:
نار تجدد للعيدان تضرمها ... والنار تلفح عيداناً فتحترق
وللطائي:
يا سهم للبرق الذي استطارا ... ثاب عَلَى رغم الدجى نهارا
آض لنا ماء وكان نارا
وأنشدني بعض أصحابنا لعبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
أما ترى اليوم قد رقت حواشيه ... وقد دعاك إِلَى اللذات داعيه
وجاد بالقطر حتى خلتُ أن له ... إلفاً نآه فما ينفك يبكيه
مطلب حديث الرواد الذين أرسلنهم مذحج ووصفهم الأرض لقومهم بعد رجوعهم
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، ﵀، قَالَ: حَدَّثَنَا السكن بن سعيد، عَنْ محمد بن عباد، عَنِ ابن الكلبى، عَنْ أبيه، عَنْ أشياخ من بني الحارث بن كعب، قالوا: أجدبت بلاد مذحج فأرسلوا رواداً من كل بطن رجلا، فبعث بنو زبيد رائداً، وبعثت النخع رائداً، وبعثت جعفي رائداً، فلما رجع الرواد قيل لرائد بني زبيد: ما وراءك؟ قَالَ: أريت أرضاً موشمة البقاع، ناتحة النقاع، مستحلسة الغطيان، ضاحكة القريان، واعدةً وأحر بوفائها، راضيةً أرضها عَنْ سمائها.
وقيل لرائد جعفي: ما وراءك؟ قَالَ: رأيت أرضاً جمعت السماء أقطارها، فأمرعت أصبارها، وديثت أوعارها، فبطنانها غمقة، وظهرانها غدقة،
следующие страницы →