Полный текст (610 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
أنه قَالَ: دخلت عَلَى الناطفي فبشرني ببشر حسن، قَالَ: وسمعت أبا ثروان ورجلاً من غنىٍّ يقولان: بشرني فلان بخير وبشرته بخير.
قَالَ ويقَالَ: أبشر فلان بخير، أي استبشر، وهو قول الله : ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ﴾ [فصلت: ٣٠] أي استبشروا، وكذا كلام العرب إذا أخبروا عَنْ أنفسهم قالوا: قد أبشرنا، أي فرحنا.
قَالَ: ويقَالَ أيضاً: بشرت بهذا الأمر أبشر بشوراً، أي فرحت واستبشرت، عَلَى معنى أبشرت، وهي فِي قضاعة، وقرأ أَبُو عمرو: إنّ الله يبشرك بالتخفيف.
مطلب الكلام عَلَى مادة خ ف ى
وقَالَ اللحياني: خفيت شيء أخفيه خفياً وخفيّاً إذا استخرجته وأظهرته، وأنشد:
خفاهنّ من أنفاقهنّ كأنّما ... خفاهنّ ودق من سحاب مركّب
: وغيره يروى: من عشيّ مجلّب، أي مصوت.
ويقَالَ: اختفيت الشيء، أي أظهرته.
وأهل الحجاز يسمون النّبّاش: المختفى، لأنه يستخرج أكفان الموتى.
وأخفيت الشيء أخفيه إخفاء إذا سترته، قَالَ الله : ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه: ١٥] وهي قِرَاءَةً العامة والناس، وروى عَنْ سعيد بن جبير: أنه كان يقرأ: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه: ١٥] أي أظهرها، وقَالَ أَبُو عبيدة: أخفيت الشيء كتمته وأظهرته.
ويقَالَ: دعوت الله خُفية وخِفية، أي فِي خفض، قَالَ الله : ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] وهي قِرَاءَةً الناس والمجتمع عليها، وكان عاصم يقرأ: ﴿تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] فِي جميع القرآن.
وقَالَ اللحياني وأَبُو نصر: الخافي: الجنّ.
قَالَ اللحياني يُقَال: أصابته ريح من الخوافي، وأصابته ريح من الخافي، وهو واحد الخوافي، وقَالَ أَبُو نصر: الخوافي جمع الجمع، وسمعت أبا بكر بن دريد، يقول: إنما قيل لهم خاف لخفائهم واستتارتهم عَنِ العيون.
وقَالَ اللحياني: الخوافي من السعف: مادون القلبة، واحدتها خافية.
والخوافي من ريش الطائر: ما دون المناكب، وهي أربع ريشات.
قَالَ ويقَالَ لأربع ريشات فِي مقدّم الجناح: القوادم، ثم تليها أربع ريشات مناكب، ثم تليها أربع ريشات خواف، ثم يلي الخوافي أريع أباهر.
وقَالَ غيره: فِي جناح الطائر عشرون ريشة مما يلي الجنب، فأربع قوادم، وأربع مناكب، وأربع كلي، وأربع خواف، وأربع أباهر.
ويقَالَ برح الخفاء، أي ظهر الأمر وصار كأنه فِي براح، وهو المكان المستوي المتّسع.
وقَالَ اللحياني قَالَ
стр. 212
بعضهم: برح الخفاء، أي ذهب السّر وظهر، والخفاء ههنا: السّر.
وقَالَ: الخفاء مصدر خفى يخفى خفاء، وقَالَ بعضهم: الخفاء المتطأطئ من الأرض، والبراح: المرتفع الظاهر، فيقول: ارتفع المطأطئ حتى صار كالمرتفع الظاهر، وقَالَ أَبُو نصر: الخفاء: ما غاب عنك.
مطلب الكلام عَلَى مادة خيف وخوف
وقَالَ اللحياني، يُقَال: الناس أخياف فِي هذا الأمر، أي مختلفون لا يستوون.
ويقَالَ: خيّفت المرأة أولادها إذا جاءت بهم أخيافاً: أي مختلفين، ويقَالَ: تخيفت الإبل وترقطت إذا اختلفت وجوهها فِي الرعي.
والخيف: ما ارتفع عَنْ مجرى السيل وانحدر عَنْ غلظ الجبل، ومنه مسجد الخيف بمنىً.
ويقَالَ: أخاف الرجل فهو مخيف إذا أتى الخيف، والقوم مخيفون.
والخيف: جلد ضرع الناقة، يُقَال: ناقة خيفاء، والجمع خيفاوات وخيف، ويقَالَ: بعير أخيف إذا كان واسع الخيف، وهو جلد الثّيل،
وأنشدنا أَبُو نصر:
صوّى لها ذا كدنة جلذيّا ... أخيف كانت أمه صفيّاً
وقَالَ اللحياني، يُقَال: خيفت الناقة تخيف خيفاً إذا اتسع جلد ضرعها.
ويقَالَ فرس أخيف، والأنثى خيفاء، والجمع خيف، إذا كانت إحدى عينيه زرقاء والأخرى كحلاء.
والخيفان: الجراد إذا صارت فيها ألوان مختلفة، واحدتها خيفانة، وبه سميت الفرس خيفانة لسرعتها، وقَالَ أَبُو بَكْرٍِ: إنما قيل للفرس خيفانة، لأن الجرادة إذا ظهرت فيها تلك الألوان كان أسرع لطيرانها.
وقَالَ اللحياني: تخوّفت الشيء تنقصه، قَالَ الله : ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ [النحل: ٤٧] : أي عَلَى تنقصّ.
ويقَالَ: تحوّفت الشيء بالحاء غير معجمة، إذا أخذت من حافاته.
وقَالَ أَبُو نصر: وجمع مخيف إذا أخاف من ينظر إليه.
وحائط مخوف، وثغر مخوف، إذا كان يفرق منه.
وقَالَ اللحياني: وقد يُقَال: ثغر مخيف إذا كان يخيف أهله.
ويقَالَ: خفت من الشيء أخاف خوفاً وخيفةً وخيفاً، وهو جمع خيفة، قَالَ الهذلي:
فلا تقعدنّ عَلَى زخّة ... وتضمر فِي القلب وجدا وخيفا
стр. 213
والزخة: الدّفعة، يُقَال: زخّ فِي صدره يزخّ زخّاً: أي دفع، ومنه قيل للمرأة مزخّة.
ويقَالَ: فلان خائف والقوم خائفون وخوّف وخيّف، قَالَ الله ﵎: ﴿أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلا خَائِفِينَ﴾ [البقرة: ١١٤] وفي حرف أبيٍّ وابن مسعود: أن يدخلوها إلا خيّفاً والخافة: خريطة من أدم ضيّقة الرأس واسعة الاسفل، تكون مع مشتار العسل إذا صعد ليشتار.
وحَدَّثَنَا أَبُو عبد الله نفطويه، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو العباس أحمد بن يحيي، عَنْ عماد بن إسحاق، عَنْ أبيه، قَالَ: حَدَّثَنِي عميّ صبّاح بن خاقان، قَالَ: قَالَ خالد بن صفوان، لبعض الولاة: قدمت فأعطيت كلاً بقسطه من وجهك وكرامتك، حتى كأنك لست من أحد، أو حتى كأنك من كل أحد
وأنشدني أَبِي بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: أنشدنى أبى، عَنْ أحمد بن عبيد:
ما لرسولي أتاني منك بالياس ... وقَالَ أظهرت بعدي جفوة القاسي
أني أحبك حبا لا لفاحشة ... والحبّ ليس به فِي الله من باس
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد:
ولمّا أبى إلا جماحاً فؤاده ... ولك يسل عَنْ ليلي بمال ولا أهل
تسلّى بأخرى غيرها فإذا التي ... تسلى بها تغري بليلى ولا تسلى
وأنشدنا أَبُو عبد الله:
يا منية النفس إن أعطيت منيتها ... وسؤلتي إن دنونا أو نأيناك
هل بعثنا ببديل منذ لم نركم ... فما بشيء من الأشياء بعناك
إن كنت لم تذكرينا عند فرقتنا ... فيشهد أنّا ما نسيناك
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن دريد، ﵀، قَالَ: أَخْبَرَنَا عبد الرحمن، عَنْ عمه، قَالَ: تذاكر قوم صلة الرّحم وأعرابي جالس، فقَالَ: منسأة فِي العمر، مرضاة للرب، محبّة فِي الأهل
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عبد الرحمن، عَنْ عمه، قَالَ: وصف أعرابيّ ناقة فقَالَ: إذا اكحالّت عينها.
وأللت أذنها، وسجح خدّها، وهدل مشفرها، واستدارت جمجمتها، فهي الكريمة سجح: سهل وحسن.
وهدل: استرخى.
стр. 214
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الرحمن، قَالَ: سمعت عمى، يقول: سمعت أعرابية تقول لرجل: رماك الله بليلة لا أخت لها، أي لا تعيش بعدها
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الرحمن، عَنْ عمه، قَالَ: قَالَ أكثم بن صيفيّ: سوء حمل الفاقة يحرض الحسب، ويقويّ الضرورة، ويذئر أهل الشماتة.
يذئر: يحرش، يُقَال: أذأرته بأخيه إذا حرّشته عليه وأولعته به، وقد ذئر هو ذأراً حين أذأرته، قَالَ الشاعر:
ولقد أتاني عَنْ تميم أنهم ... ذئروا لقتلي عامر وتغضّبوا
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عبد الرحمن، عَنْ عمه، قَالَ: قَالَ بعض العرب: أولى الناس بالفضل أعودهم بفضله، وأعون الأشياء عَلَى تذكية العقل التعلم، وأدلّ الأشياء عَلَى عقل العاقل حسن التدبير
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عبد الرحمن، عَنْ عمه، قَالَ: قَالَ رجل من العرب: ما رأيت كفلان، إن طلب حاجة غضب قبل أن يردّ عنها، وإن سئل حاجة ردّ صاحبها قبل أن يفهمها
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عبد الرحمن، عَنْ عمه، قَالَ: قَالَ بعض الأعراب: لا أعرف ضراً أوصل إِلَى نياط القلب من الحاجة إِلَى من لم تثق بإسعافه ولا تأمن ردّه، وأكلم المصائب فقد خليل لا عوض منه
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حاتم، عَنِ الأصمعيّ، قَالَ: ذكر رجل حاتماً الطائي فقَالَ: كان إذا قاتل غلب، وإذا غنم أنهب، وإذا سئل وهب، وإذا أسر أطلق
وحَدَّثَنَا قَالَ: أَخْبَرَنَا عبد الرحمن، عَنْ عمه، قَالَ: قيل لأعرابي: أيّ شيء أمتع؟ فقَالَ: ممازحة المحبّ، ومحادثة الصديق، وأمانيّ تقطع بها أيّامك
وحَدَّثَنَا قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الرحمن، عَنْ عمه، قَالَ: سمعت أعرابياً، يقول: من لم يرض عَنْ صديقه إلا بإيثاره عَلَى نفسه دام سخطه، ومن عاتب عَلَى كل ذنب كثر عدّوه، ومن لم يواخ من الإخوان إلا من لا عيب فيه قلّ صديقه
وأنشدنا أَبُو عبد الله:
لا أملأ كفي به ... واللّبد لا أتبع تزواله
стр. 215
يقول: لا أقاتل بالرمح وحده فأشغل كفي به دون غيره من السلاح، ولكني أقاتل به وبغيره، وإذا زال اللّبد عَنْ متن الفرس لم أزل معه وثبتّ، يصف نفسه بالفروسية
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الله بن خلف، عَنْ موسى بن صالح، عَنْ معاوية بن صدقة الجحدريّ، قَالَ: كان رجل من مجاشع يُقَال له: سعد بن مطرّف، يهوى ابنة عمّ له يُقَال لها: سعاد، فكان يأتيها ويتحدث إليها ولا يعلمها بما هو عليه من حبّها، حتى سلّ جسمه ونحل بدنه، فبينا هو ذات يوم معها جالس إذ نظر إليها وأنشأ يقول:
وما عرضت لي نظرة مذ عرفتها ... فأنظر إلا مثلت حيث أنظر
أغار عَلَى طرفي لها فكأنني ... إذا رام طرفي غيرها لست أبصر
وأحذر أن تصغي إذا بحت بالهوى ... فأكتمها جهدي هواي وأستر
فلّما سمعت ذلك منه ساءها وكرهت أن ينشر خبرهما، فأقصته وأظهرت هجره، فكتب إليها:
متّ شوقاً وكدت أهلك وجداّ ... حين أبدى الحبيب هجراً وصدّا
بأبي من إذا دنوت إليه ... زادني القرب منه نأياً وبعدا
لا وحبّيه لا وحقّ هواه ... ما تناسيته ولا خنت عهدا
حاش لله أن أكون خلّيا ... من هواه وقد تقطّعت وجدا
كيف لا كيف عَنْ هواه سلوّى ... وهو شمس الضحى إذا ما تبدّى
فكانت تحب مواصلته، وتشفق من الفضيحة فتظهر هجره وتبعده، فلم يزل عليل البدن والقلب
وأنشدنا أَبُو بَكْرٍِ الأنباري، قَالَ: أنشدني أبي:
ألمّت وهل إلمامها لك نافع ... وزارت خيالاً والعيون هواجع
بنفسي من تنأى ويدنو خيالها ... ويبذل عنها طيفها ويمانع
خليليّ أبلاني هوى متمنع ... له شيمة تأبى وأخرى تطاوع
وإن شفاء النفس لو تعلمينه ... حبيب موات أو شباب مراجع
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن دريد للمجنون:
وإني لأستغشي وما بي نعسة ... لعلّ خيالاً منك يلقى خياليا
стр. 216
وأخرج من بين البيوت لعلني ... أحدّث عنك النفس فِي السر خاليا
أصبراً ولمّا تمضي لي غير ليلة ... رويد الهوى حتى يغيب لياليا
أرى الدهر والأيام تفنى وتنقضي ... وحبّك ما يزداد إلا تماديا
وأنشدنا أَبُو عبد الله نفطويه للمجنون:
وعلّقت ليلى وهي غر صغيرة ... ولم يبد للأتراب من ثديها حجم
صغيرين نرعى البهم يا ليت أننا ... إِلَى الآن لم نكبر ولم تكبر البهم
وأنشدنا أَبُو عبد الله أيضاً فِي هذا المعنى لخالد بن المهاجر:
أمست منازلكم بمكّة منكم ... قفراً وأصبحت المعالم خالية
لو كنت أملك رجعكم لرجعتكم ... قد كنتم زينى بها وجماليه
علّقتها غراً غلاماً ناشئاً ... غضّ الشّباب وعلّقتني جاريه
حتى استوينا لم تزل لي خلّة ... أبكي إذا ظعنت بعين باكيه
وأنشدنا أيضاً:
إذا حجبت ولم يكفك البدر فقدها ... وتكفيك فقد البدر إن حجب البدر
وحسبك من خمر تفوتك ريقها ... ووالله ما من ريقها حسبك الخمر
وأنشدنا أيضاً:
قد قلت للبدر واستعبرت حين بدا ... يا بدر ما فيك لي من وجهها خلف
تبدو لنا كلّما شئنا محاسنها ... وأنت تنقص أحياناً وتنكسف
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد لجميل بن معمر العذريّ:
تنادي آل بثنة بالرواح ... وقد تركوا فؤادك صاح
فيا لك منظراً ومسير ركب ... شجاني حين أمعن فِي الفياح
ويا لك خلّة ظفرت بعقلي ... كما ظفر المقامر بالقداح
أريد صلاحها وتريد قتلي ... فشتّى بين قتلي والصلاح
لعمر أبيك لا تجدين عهدي ... كعهدك فِي المودّة والسّماح
ولو أرسلت تستهدين نفسي ... أتاك بها رسولك فِي سراح
стр. 217
وقرأت عليه له أيضاً:
فإن يك جثماني بأرض سواكم ... فإنّ فؤادي عندك الدّهر أجمع
إذا قلت هذا حين أسلو وأجتري ... على صرمها ظلّت لها النّفس تشفع
وإن رمت نفسي كيف آتي لصرمها ... ورمت صدوداً ظلّت العين تدمع
وكتبت من كتاب أَبِي بَكْرِ بن دريد، ﵀، وقرأت عليه أيضاً قَالَ: أنشدنا عبد الرحمن، عَنْ عمه:
ألا يا كأس قد أفنيت قولي ... فلست بقائل إلا رجيعا
ولست بنائم إلا بهمّ ... ولا مستيقظ إلا مروعا
أؤمّل أن ألاقي آل كأس ... كما يرجو أخو السّنة الرّبيعا
وإنك لو نظرت فدتك نفسي ... إِلَى كبدي وجدت بها صدوعا
وقرأت عله أيضاً:
ولما بدا لي منك ميل مع العدى ... سواي ولم يحدث سواك بديل
صددت كما صدّ الرّميّ تطاولت ... به مدّة الأيام وهو قتيل
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: أنشدنا إبراهيم بن عبد الله الورّاق:
نزفت دمعي وأزمعت الفراق غداً ... فكيف أبكي ودمع العين منزوف
واسوأتا من عيون العاشقين غداً ... إذا رحلت ودمع العين موقوف
وأنشدنا قَالَ: أنشدنا أَبُو الحسن بن البراء، لإبراهيم بن المهديّ:
لم ينسنيك سرور لا ولا حزن ... وكيف لا كيف ينسى وجهك الحسن
ما زلت مذ كلفت نفسي بحبكم ... كلّى بكلّك مشغول ومرتهن
نور تجسّم من شمس ومن قمر ... حتى تكامل منه الرّوح والبدن
قال أبو بكر ويروى:
ولا خلا منك قلبي لا ولا بدني ... كلّى بكلّك مشغول ومرتهن
قَالَ أَبُو بَكْرٍِ: وأنشدني أبي، للحسن بن وهب:
بأبي كرهت النار لما أوقدت ... فعرفت ما معناك فِي إبعادها
стр. 218
هي ضرّة لك بالتماع ضيائها وبحسن صورتها لدى إيقادها
وأرى صنيعك بالقلوب صنيعها ... بسيالها وأراكها وعرادها
شركتك فِي كل الأمور بحسنها ... وضيائها وصلاحها وفسادها
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد لأبي الشّيص:
وقف الهوى بي حيث أنت ... فليس لي متأخّر عنه ولا متقدّم
أجد الملامة فِي هواك لذيذة ... حبّاً لذكرك فليلمني اللّوّم
أشبهت أعدائي فصرت أحبّهم ... إذ صار حظّي منك حظّي منهم
وأهنتني فأهنت نفسي صاغراً ... ما من يهون عليك ممن أكرم
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: أنشدني أَبُو الحسن بن البراء، لإبراهيم بن المهدي:
إذا كلّمتني بالعيون الفواتر ... رددت عليها بالدموع البوادر
فلم يعلم الواشون ما دار بيننا ... وقد قضيت حاجاتنا بالضمائر
أقاتلتي ظلماً بأسهم لحظها ... أما حكم بعدي عَلَى طرف جائر
فلو كان للعشّاق قاض من الهوى ... إذاً لقضى بين الفؤاد وناظري
قَالَ أَبُو بَكْرٍِ: وسرق هذا المعنى خالد الكاتب فقَالَ:
أعان طرفي عَلَى جسمي وأحشائي ... بنظرة وقفت جسمي عَلَى دائي
وكنت غرّاً بما يجنى عَلَى بدني ... لا علم لي أن بعضي بعض أدوائي
وأنشدنا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: أنشدنا أَبُو الحسن بن البراء، لبعض شواعر الأعراب:
ولو نظروا بين الجوانح والحشا ... رأوا من كتاب الحبّ فِي كبدي سطرا
ولو جرّبوا ما قد لقيت من الهوى ... إذاً عذروني أو جعلت لهم عذرا
صددت وما بي من صدود ولا ... قلىً أزورهم يوماً وأهجرهم شهرا
وأنشدني أيضاً قَالَ: أنشدني عَلَى بن محمد المدائني، قَالَ: أنشدنا أَبُو الفضل الربعيّ الهاشمي، قَالَ: أنشدنا إسحاق بن ابراهيم الموصلي:
أخاف عليها العين من طول وصلها ... فأهجرها الشهرين خوفا من الهجر
стр. 219
وما كان هجراني لها عَنْ ... ملالة ولكنني أمّلت عاقبة الصبر
أفكّر فِي قلبي بأيّ عقوبة ... أعاقبه فيكم لترضوا فما أدري
سوى هجركم والهجر فيه دماره ... فعاقبته فيكم من الهجر بالهجر
فكنت كمن خاف النّدى أن يبلّه ... فعاذ من الميزاب والقطر بالبحر
وقَالَ أَبُو زيد: من أمثال العرب: برّق لمن لا يعرفك، يضرب مثلاً للذي يوعد من يعرفه، يقول: اصنع هذا بمن لا يعرفك.
وقَالَ الأصمعيّ ومن أمثالهم حرّك خشاشه، إذا عمل بما يؤذيه.
ويقَالَ: ضرب لذلك الأمر جروته: أي وطّن عليه نفسه.
ويقَالَ: لوى عنه عذاره: أي عصاه فلم يطعه فِي أمره.
ويقَالَ: شرّاب بأنقع، أي معاود للأمور يأتيها مرة بعد مرة.
عَنْ بيت أبي العميثل بعد أن قرأناه عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد مصححين له: أيام ألحف مئزري عفر الملا وأغض كلّ مرجّل ريّان فأَخْبَرَنَا عَنْ أحمد بن يحيى بهذا التفسير قَالَ أحلف: ألبس.
والعفر: التراب، يقول: أجرّه عليه من الخيلاء والنشاط.
والملا: الفضاء.
وأغضّ: أنقصه وأشرب ما فيه.
والمرجّل: زقّ سلخ من قبل رجله.
وريّان: ممتلئ، قَالَ وقَالَ سعدان: أنشدنيه أَبُو العميثل وهذا معناه، وقَالَ ابن الأعرابيّ: أغض: أكف.
والمرجل: الشعر يرجل ويهيّأ، وريّان من الدّهن، وهو كقول الأعشى: ولقد أرجّل جمّتي بعشيّة للشرب قبل سنابك المرتاد ولم ينكر القول الأول، وقَالَ: قد سمعته من قائله.
مطلب الكلام فِي تفسير مادة أكل
وقَالَ أَبُو نصر: إنه لذو أكلة فِي الناس، أي ذو نميمة ووقيعة، وقَالَ أَبُو عبيد، عَنِ الأصمعيّ: إنه لذو أكلة فِي الناس وأكلة، أي ذو غيبة يغتابهم، وقَالَ اللحياني: إنه لذو أكلة وإكلة للحوم الناس.
وقالوا جميعاً الأكلة: اللّقمة، يُقَال: ما أكلت إلا أكلة، والأكلة الفعلة: الواحدة من الأكل.
والإكلة: الحال التي تأكل عليها قاعداً أو متكئاً.
وقَالَ اللحياني الأكال: ما يؤكل، يُقَال: ما ذقت اليوم أكالا.
والأكلة غير ممدود والإكلة والأكال: الحكّة، يُقَال: إنه ليجد أكلة عَلَى فعلة، وإكلة وأكالاً، ويقَالَ: أكلت الناقة تأكل أكلاً إذا نبت وبر جنينها فِي بطنها فوجدت
стр. 220
لذلك حكّة وأذى، وناقة أكلة، عَلَى فعلة.
وقَالَ الأصمعيّ: بأسنانه اكل إذا كانت متأكّلة، وقَالَ أَبُو نصر: يُقَال: كثرت الآكلة فِي أرض بني فلان: أي الراعية، وقَالَ اللحياني: الأكلة عَلَى فعلة.
وقَالَ الأصمعيّ: تأكّل السيف تأكّلاً إذا توهج من الجدة، قَالَ أوس بن حجر:
وأبيض صوليّاً كأن غراره ... تلألؤ برق فِي حي تأكّلا
وزاد اللحياني: والتأكّل: شدة بريق الكحل إذا كسر أو الفضة أو الصّبر.
وقالوا جميعاً: فلان ذو أكل إذا كان ذا حظّ ورزق فِي الدنيا، والجميع الآكال.
وقَالَ اللحياني: يُقَال: أكل بستانك دائم، أي ثمره.
وقَالَ أَبُو نصر، والأصمعي: ذو أكل، إذا كان كثير الغزل صفيقاً.
وإنه لذو أكل، إذا كان ذا رأي وعقل، وقَالَ اللحياني فيهما بالتثقيل: أكل.
وقَالَ اللحياني: الأكيل الطعام المأكول، والأكيل: الذي يأكل معك رجل كان أو امرأة، يُقَال: هذا أكيلي وهذه أكيلي، ولغة أبي الجراح: هذة أكيلتي.
ورجل أكول، وقوم أكّال وأكلة، يُقَال: هم أكلة رأس، أي قليل بقدر ما يشبعهم رأس.
وقَالَ اللحياني والمئكلة: ضرب من البرام، وضرب الأقداح، وكلّ ما أكل فيه فهو مئكلة، والجمع مآكل، أي ضعيف ليس بنافذ.
ورجل أكلة، أي كثير الأكل.
وأنشدنا أَبُو عبد الله نفطويه:
أيا زينة الدنيا التي لا ينالها ... مناي ولا يبدو لقلبي صريمها
بعيني قذاة من هواك لو أنها ... تداوي بمن أهوى لصحّ سقيمها
وبرء قذاة العين إن لم يكن لها ... طبيب يداوي نظرة تستديمها
فما صبرت عَنْ ذكرك النفس ... ساعة وإن كنت أحيانا كثيرا ألومها
علي نذور يوم تبرز خالياً ... لعيني وأيام كثير أصومها
وحَدَّثَنِي أَبُو يعقوب ورّاق أَبِي بَكْرِ بن دريد، قَالَ: حَدَّثَنِي محمد بن الحسن، عَنِ المفضل بن محمد بن العلاف، قَالَ: لما قدم بغاء ببني نمير أسرى، كنت كثيراً ما أذهب إليهم فأسمع منهم، وكنت لا أعدم أن ألقى الفصيح منهم، فأتيتهم يوماً فِي عقب مطر، وإذا فتىً حسن الوجه قد نهكه المرض ينشد:
ألا يا سنا برق عَلَى قلل الحمى ... لهنّك من برق عَلَى كريم
لمعت اقتذاء الطّير والقوم هجّع ... فهيّجت أسقاما وأنت سليم
стр. 221
فهل من معير طرف عين خليّة ... فإنسان طرف العامري كليم
رمى طرفه البرق الهلالي رمية ... بذكر الحمى وهناً فبات يهيم
فقلت له: يا هذا، إنك لفي شغل عَنْ هذا، فقَالَ: صدقت، ولكن أنطقني البرق، ثم اضطجع فما كان ساعة حتى مات، فما يتوهّم عليه غير الحب.
وكان أَبُو بَكْرِ بن دريد، ﵀، كثيرا ما ينشد آخر بيت من هذه الأبيات، ثم أنشدني يوماً:
ثقي بجميل الصبر منّى عَلَى الدهر ... ولا تثقي بالصبر مني عَلَى الهجر
وإني لصبّار عَلَى ما ينوى بني ... وحسبك أن الله أثنى عَلَى الصبر
ولست بنظّار إِلَى جانب الغنى ... إذا كانت العلياء فِي جانب الفقر
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: أنشدنا أَبُو العباس للمجنون:
أصلّي فما أدري إذا ما ذكرتها ... أثنتين صلّيت الضّحى أم ثمانيا
أراني إذا صلّيت يممّت نحوها ... بوجهي وإن كان المصلّى يمانيا
وما بي إشراك ولكنّ حبّها ... كعود الشّجا أعيا الطبيب المداويا
مطلب ما قالته نساء الأعراب تصف زوجها بمكارم الأخلاق لأمّها
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، ﵀، قَالَ: أَخْبَرَنَا عبد الرحمن، عَنْ عمه، قَالَ: وصفت أعرابية زوجها بمكارم الأخلاق عند أمها فقَالَت: يا أمّه، من نشر ثوب الثناء فقد أدّى واجب الجزاء، وفي كتمان الشّكر جحود لما وجب من الحق، ودخول فِي كفر النّعم، فقَالَت لها أمها: أي بنيّة! أطبت الثناء، وقمت بالجزاء، ولم تدعي للذم موضعاً، إني وجدت من عقل لم يعجل بذمٍّ ولا ثناء إلا بعد اختبار، فقَالَت: يا أمّه، ما مدحت حتى اختبرت، ولا وصفت حتى عرفت
وحَدَّثَنَا أيضاً عَنِ العكليّ، عَنِ ابن أبي خالد، عَنِ الهيثم، قَالَ: كتب مالك بن أسماء بن خارجة إِلَى الهيثم بن الأسود النخعي، يشكر له قيامه بأمر رجل من آل حذيفة بن بدر عند الحجّاج حتى خلّصه منه: أما بعد، فإنه لما كلّت الألسن عَنْ بلوغ ما استحققت من الشكر، كان أعظم الحيل عندي
стр. 222
فِي مكافأتي إخلاصك صدق الضمير، وكما لم نعرف الزيادة فِي العلا إذ جريت غاية طولك جهلنا غاية الثناء عليك، فليس لك من الناس إلا ما ألهموا من محبتك، فأنت كما وصف الواصف إذ يقول:
فما تعرف الأوهام غاية مدحه ... يقيناً كما ليست بغايته تدري
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، عَنْ بعض أصحابه، قَالَ: وقّع جعفر بن يحيي بن خالد بن برمك، فِي كتاب صديق له: ما جاوزتني.
نعمة خصصت بها، ولا قصرت دوني ما كان بك محلّها.
قَالَ: ووقّع إِلَى عمرو بن مسعدة، إذا كان الإكثار أبلغ كان الإيجاز تقصيراً، وإذا كان الإيجاز كافياً كان الإكثار عيّاً
وحَدَّثَنَا أيضاً عَنْ أبيه، عَنْ أحمد بن عبيد، قَالَ: أَخْبَرَنَا العتبي، عَنْ أبيه، قَالَ: أتت رملة أنت معاوية مراغمة لزوجها عمرو بن عثمان بن عفّان، فقَالَ: مالك يا بنيّة؟ أطلّقك زوجك؟ قَالَت: لا، الكلب أضنّ بشحمته، ولكنه فاخرني، فكلما ذكر رجل من قومه ذكرت رجلاً من قومي، حتى عدّ ابني منه، فوددت أن بيني وبينه البحر الأخضر، فقال لها: يا بنية، آل أبي سفيان أقل حظاً في الرجال من أن تكوني رجلاً
وحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بن دريد، ﵀، قَالَ: أَخْبَرَنَا عبد الرحمن، عَنْ عمه، قَالَ: مر أعرابي برجل يكنى أبا الغمر، وكان ضخماً جسيماً، وكان بوابا لبعض الملوك، فقَالَ: أعَنِ الفقير الحسير، فقَالَ: ما ألحف سائلكم، وأكثر جائعكم! أراحنا الله منكم، فقَالَ له الأعرابي: لو فرّق قوت جسمك فِي جسوم عشرة منا لكفانا طعامك فِي يوم شهرا، وإنك لعظيم السرطة، شديد الضرطة، لو ذرّى بحبقتك بيدر لكفته ريح الجربياء
وحَدَّثَنَا أَبُو عبد الله نفطويه، قَالَ: حَدَّثَنَا محمد بن موسى السامي، قَالَ: حَدَّثَنَا الأصمعيّ، قَالَ: دخل رجل من الأعراب عَلَى رجل من أهل الحضر فقَالَ له الحضريّ: هل لك أن أعلّمك سورة من كتاب الله؟ فقَالَ: إني أحسن من كتاب الله ما إن عملت به كفاني، قَالَ: وما تحسن؟ قَالَ: أحسن سوراً، قَالَ: اقرأ، فقرأ فاتحة الكتاب، وقل هو الله أحد، وإّنا أعطيناك الكوثر، فقَالَ له
стр. 223
الرجل: اقرأ السورتين، يريد المعوذتين،، فقَالَ: قدم عَلَى ابن عمّ لي فوهبتها له، ولست براجع فِي هبتي حتى ألقى الله
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، ﵀، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حاتم، عَنِ الأصمعى، قَالَ: سمع يونس رجلاً ينشد:
استودع العلم قرطاساً فضيّعه ... وبئس مستودع العلم القراطيس
قَالَ: قاتله الله! ما أشد صبابته بالعلم وصيانته للحفظ! إنّ علمك من روحك، ومالك من بدنك، فصن علمك صيانتك روحك، ومالك صيانتك بدنك
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد، للنمر بن تولب:
أودى الشباب وحبّ الخالة الخلبه ... وقد برئت فما بالصدر من قلبه
وقد تثلّم أنيابي وأدركني ... قرن عَلَى شديد فاحش الغلبه
وقد رمي بسراه معتمداً ... فِي المنكبين وفي الساقين والرقبه
أود: ذهب وهلك.
والخالة جمع خائل، مثل بائع وباعة.
والخلبة جمع خالب، مثل كافر وكفرة، يخبر أنه شيخ قد ترك صحبة الشباب والفتيان، وهم الخالة الخلبة الذين يختالون فِي مشيتهم ويخلبون النساء.
ثم قَالَ: برئت، أي برئ الصدر من ودّهم والعلاقة بهم، فما به قلبه من ودّهم، يُقَال للإنسان وغيره من الحيوان: ما به قلبه، أي ما به وجع ولا مكره، وأصله من القلاب، قَالَ الأصمعيّ: القلاب: أن تصيب الغدّة القلب، فإذا أصابته لم يلبث البعير أن تقتله.
وقوله: وأدركني قرن: يعني الهرم.
وقوله: وقد رمى بسراه اليوم معتمداً فالسّرى جمع سرة، مثل رشوة ورشى، وهو نصل السهم إذا كان مدّوراً مدملكاً ولا عرض له، يريد أن الهرم قد رمى بسهامه فِي جميع جسده فأضغفه، كما قَالَ:
فِي المنكبين وفي الساقين والرقبة ...
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حاتم، قَالَ: سمعت الأصمعيّ كثيراً ما يقول: من قعد به نسبه، نهض به أدبه
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن دريد لخارجة بن فليح المللي:
أحنّ إِلَى ليلي وقد شط وليها ... كما حنّ محبوس عَنِ الإلف نازع
إذا خوّفتني النفس بالنأي تارة ... وبالصّرم منها أكذبتها المطامع
أكل أهواك الطّرف عَنْ كل بهجة ... وصمّت عَنِ الداعي سواك المسامع
стр. 224
وقرأت عليه لجميل بن معمر العذري:
ألم تعلمي يا عذبة الماء أنني ... أظلّ إذا لم أسق ماءك صاديا
وما زلت بي يا بثن حتى لو أنني ... من الوجد أستبكي الحمام بكى ليا
وددت عَلَى حبّ الحياة لو أنها ... يزاد لها فِي عمرها من حياتيا
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: أنشدنا أَبُو العباس أحمد بن يحيى:
ومستوحش للبين يبدي تجلدا ... كما أوحش الكفين فقد الأصابع
وكم قد رأينا من قتيل لخلّة ... بسهم التّجنيّ أو بسهم التقاطع
وكم واثق بالدهر والدهر مولع ... بتأليف شتى أو بتفريق جامع
وأنشدنا أيضاً قَالَ: أنشدنا إبراهيم بن عبد الله لعليّة بنت المهدي:
تجنّب فإن الحبّ داعية الحبّ ... وكم من بعيد وهو مستوجب القرب
تفكّر فإن حدّثت أن أخا هوى ... نجا سالماً فارج النّجاة من الحب
فأحسن أيام الهوى يومك الذي ... تروّع بالتحريش منه وبالعتب
إذا لم يكن فِي الحب سخط ولا ... رضا فأين حلاوات الرسائل والكتب
وقَالَ الأصمعى: من أمثال العرب إنه لساكن الرّيح، يُقَال ذلك للرجل الوادع.
ويقَالَ: إنّه لواقع الطائر، مثل للرجل الساكن الأمر.
ويقَالَ: فِي رأسه نعرة، مثل للرجل الطامح الرأس، الذي لا يستقر.
ويقَالَ: الخرق شؤم يراد أن به الرجل إذا خرق فِي أمر دخل عليه شؤمه.
ويقَالَ: الرّفق يمن، وهو خلافه.
مطلب تفسير مادة ك ل ل
وقَالَ أَبُو نصر يُقَال: كلّ بصره يكلّ كلولا، وكلّ لسانه يكلّ كلّة وكلولا، وكلّ السيف كلّة وكلاً إذا لم يقطع، وكلّ فِي الإعياء كلالا، وكلّل يكلّل تكليلا إذا حمل عَلَى القوم، يُقَال: كلّل تكليلة السّبع.
والكلالة: مادون الوالد والولد، وانكلّت المرأة إذا ما تبسمت، وانكلّ السحاب إذا ما تبسم بالبرق، وكلأ يكلي تكلئة وتكليئاً، وكلّى تكلية إذا أتى مكاناً فيه مستتر، والكلاء والمكلا: مكان ترفأ فيه السفن، وهو ساحل كل نهر.
،
стр. 225
وقَالَ أَبُو زيد: كلأ القوم السفينة تكليئاً إذا حبسوها.
وكلأت فِي الطعام تكليئاً وأكلأت إكلاء إذا أسلفت فيه.
وما أعطيت فيه من الدراهم نسيئة فهي الكلأة.
: وقَالَ أَبُو نصر: الكالئ: الدّين المؤخر، لم يهمزه الأصمعي وهمزه غيره.
وأنشدني الأصمعيّ:
وإذا تباشرك الهموم ... فإنها كال وناجز
وفي الحديث عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أنه نهى عَنِ الكالئ بالكالئ كأنه نهى عَنِ الدين بالدين، وهو النسيئة بالنسيئة، وأَبُو عبيدة يهمز الكالئ.
ويقَالَ تكلأت كلأة إذا استنسأت.
ويقَالَ: بلغ الله بك أكلأ العمر، يعني آخره.
ويقَالُ: اكتلأت من الرجل اكتلاء إذا احترست منه، واكتلأت عيني اكتلاء إذا لم تنم وسهرت.
مطلب ما وقع بين المأمون والجارية بحضرة هارون الرشيد
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: حَدَّثَنِي أبى، قَالَ: حَدَّثَنِي عبد الله بن عمرو بن عبد الرحمن الورّاق، قَالَ: حَدَّثَنَا المفضل بن حازم، قَالَ: حَدَّثَنَا منصور البرمكي، قَالَ: كان لهارون الرشيد جارية غلاميّة يعني وصيفة عَلَى قدّ الغلام، وكان المأمون يميل إليها وهو إذ ذاك أمرد، فوقفت يوماً تصبّ عَلَى يد الرشيد من إبريق معها، والمأمون جالس خلف الرشيد، فأشار المأمون إليها كأنه يقبلّها، فأنكرت ذلك بعينيها، وأبطأت فِي الصبّ عَلَى مقدار نظرها إِلَى مأمون وإشارتها إليه، فقَالَ الرشيد: ما هذا! ضعي الإبريق من يدك، ففعلت، فقَالَ: والله لئن لم تصدقيني لأقتلنك، فقَالَت: يا سيدي، أشار إِلَى عبد الله كأنه يقبلني فأنكرت ذلك، فالتفت إِلَى المأمون ونظر إليه كأنه ميّت لما دخله من الجزع والخجل، فرحمه وضمّه إليه وقَالَ: يا عبد الله، أتحبها؟ قَالَ: نعم يا أمير المؤمنين، قَالَ: هي لك، قم فادخل فِي تلك القبة ففعل، ثم قَالَ: هل قلت فِي هذا الأمر شعراً؟ قَالَ: نعم يا سيدي، ثم أنشد:
ظبي كتبت بطرفي ... من الضمير إليه
стр. 226
قبلته من بعيد ... فاعتلّ من شفتيه
ورد أخبث رد ... بالكسر من حاجبيه
فما برحت مكاني ... حتى قدرت عليه
مطلب ما قيل فِي عناق الحبيب ومن أحسن ما قيل فِي العناق
ما أنشدناه أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: أنشدنا عبد الله بن خلف، قَالَ: أنشدني أحمد بن يحيى بن أبي فنن:
خلوت فنادمتها ساعة ... على مثلها يحسد الحاسد
كأنّا وثوب الدجى مسبل ... علينا لمبصرنا واحد
قَالَ أَبُو بَكْرٍِ: وسرق هذا المعنى ابن المعتز فقَالَ:
ما أقصر الليل عَلَى الراقد ... وأهون السّقم عَلَى العائد
يفديك ما بقيت من مهجتي ... لست لما أوليت بالجاحد
كأنني عانقت ريحانة ... تنفّست فِي ليلها البارد
فلو ترانا فِي قميص الدجى ... حسبتنا من جسد واحد
وأحسن فِي هذا المعنى عَلَى بن عباس الرومي،
وأنشدناه الناجم عنه:
أعانقها والنفس بعد مشوقة ... إليها وهل بعد العناق تداني
وألثم فاها كي تموت حرارتي ... فيشتدّ ما ألقى من الهيمان
ولم يك مقدار الذي بي من الهوى ... ليشفيه ما ترشف الشفتان
كأن فؤادي ليس يشفى غليله ... سوى أن يرى الروحان يمتزجان
ولبعضهم فِي هذا المعنى:
رأيت شخصك فِي نومي يعانقني ... كما يعانق لام الكاتب الألفا
ولبشار:
فبتنا معاً لا يخلص الماء بيننا ... إلى الصبح دوني حاجب وستور
أخذ منه عَلَى بن الجهم، فقَالَ:
فبتنا جميعاً لو تراق زجاجة ... من الخمر فيما بيننا لم تسرب
стр. 227
ما قيل فِي وصف الشعر بفتح الشين ومن أحسن ما قيل فِي الشعر قول ابن الرومي،
أنشدناه الناجم عنه:
وفاحم وارد يقبّل ممشاه ... إذا اختال مرسلاً غدره
أقبل كالليل من مفارقه ... منحدراً لا ٥ يذم منحدره
حتى تناهى إِلَى مواطئه ... يلثم من كل موطئ عفره
كأنه عاشق دنا شغفاً ... حتى قضى من حبيبه وطره
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد، لبكر بن النطاح:
بيضاء تسحب من قيام فرعها ... وتغيب فيه وحف أسحم
فكأنها فيه نهار ساطع ... وكأنه ليل عليها مظلم
ولمسلم:
أجدك ما تدرين أن ربّ ليلة ... كأنّ دجاها من قرونك تنشر
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن الأنباري، ﵀، لعبد الله بن المعتز:
سقتني فِي ليل شبيه بشعرها ... شبيهة خديها بغير رقيب
فأمسيت فِي ليلين بالشعر والدجى ... وشمسين من خمر وخدّ حبيب
مطلب ما قيل فِي فتور الطرف
ومن أحسن ما قيل فِي فتور الطرف قول أبي نواس:
ضعيفة كرّ الطّرف تحسب أنها ... قريبة عهد بالإفاقة من سقم
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد لنفسه:
ليس السليم سليم أفعى حرة ... لكن سليم المقلة النجلاء
نظرت ولا وسن يخالط عينها ... نظر المريض بسورة الإغفاء
ولعبد الله بن المعتز:
وتجرح أحشائي بعين مريضة ... كما لان متن السيف والحدّ قاطع
عليم بما يخفى فؤادي من الهوى ... جواد بهجراني وللوصل مانع
стр. 228
وأنشدنا أَبُو بَكْرٍِ التاريخى، قَالَ: أنشدنا البحتري لنفسه: وفي القهوة أشكال من الساقي وألوان حباب مثل ما يضحك عنه وهو جذلان وسكر مثل ما أسكر طرف منه وسنان وطعم الريق إذا جاد به والصب هيمان لنا من كفّه راح ومن ريّاه ريحان
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد، لعديّ بن الرّقاع: وكأنها وسط النساء أعارها عينيه أحور من جاذر طاسم وسنان أقصده النعاس فرنقت فِي عينه سنة وليس بنائم
مطلب ما قيل فِي الريق
ومن أحسن ما قيل فِي الريق ما أنشدناه أَبُو بَكْرِ بن الأنباري، لبشار:
يا طيب الناس ريقاً غير مختبر ... إلا شهادة أطراف المساويك
منّيتنا زورة فِي النوم واحدة ... فاثنى ولا تجعليها بيضة الديك
يا رحمة الله حلي فِي منازلنا ... حسبي برائحة الفردوس من فيك
ولعلي بن العباس الرومى، أنشدناه الناجم عنه:
تعلّك ريقاً يطرد النوم برده ... ويشفي القلوب الحائمات الصواديا
وهل ثغب حصباؤه مثل ثغرها ... يصادف إلا طيب الطعم صافيا.
وله أيضاً أنشدناه الناجم عنه: يا ربّ ريق بات بدر الدجى يمجه بين ثناياكا يروي ولا ينهاك عَنْ شربه والماء يرويك وينهاكا
من أحسن ما قيل فِي طروق الخيال
ومن أحسن ما قيل فِي طروق الخيال قول البحتري، وهو أحد المحسنين فيه حتى قيل: طيف البحتري،
أنشدنيه التاريخي عنه:
ألمت بنا بعد الهدوء فسامحت ... بوصل متي تطلبه فِي الجد تمنع
стр. 229
وولت كأن البين يخلج شخصها ... أوان تولت من حشاي وأضلعي
وأنشدنا بعض أصحابنا للمؤمل:
أتاني الكرى ليلاً بشخص أحبه ... أضاءت له الآفاق والليل مظلم
فكلمني فِي النوم غير مغاضب ... وعهدي به يقظان لا يتكلم
وذكر العباس بن الأحنف، ما العلة فِي طروق الخيال فقَالَ:
خيالك حين أرقد نصب عيني ... إلى وقت انتباهي لا يزول
وليس يزروني صلة ولكن ... حديث النفس عنك به الوصول
وتبعه الطائي فقَالَ:
زار الحيال لا بل أزاركه ... فكر إذا نام فكر الخلق لم ينم
ظبي تقنّصته لما نصبت له ... فِي آخر الليل أشركا من الحلم
وأنشدنا عَلَى بن هارون المنجم، لعلي بن يحيى المنجم:
بأبي والله من طرقا ... كابتسام البرق إذ خفقا
زارني طيف الحبيب فما زاد ... أن أغرى بي الأرقا
من أحسن ما قيل فِي مشي النساء
ومن أحسن ما قيل فِي مشي النساء ما أنشدناه صاحبنا أَبُو عَلَى بن الأعرابي:
شبهت مشيتها بمشية ظافر ... يحتال بين أسنّة وسيوف
صلف تناهت نفسه فِي نفسه ... لمّا انثنى بسنانه المرعوف
وقرئ عَلَى أَبِي بَكْرِ بن الانباري، فِي شعر ابن مقبل، وأنا أسمع:
يهززن للمشي أوصالاً منعمة ... هزّ الجنوب معاً عيدان يبرينا
أو كاهتزاز رديني تناوله ... أيدي النجار فزادوا متنه لينا
يمشين هيل النقا مالت جوانبه ... ينهال حيناً وينهاه الثرى حينا
ولعمر بن أبي ربيعة، قرأته عَلَى أبي عبد الله نفطويه:
أبصرتها غدوة ونسوتها ... يمشين بين المقام والحجر
стр. 230
بيضا حساناً خرائدا قطفا ... يمشين هوناً كمشية البقر
قد فزن بالحسن والجمال ... معاً وفزن رسلاً بالدل والخفر
وللعباس بن الأحنف:
شمس مقدرة فِي خلق جارية ... كأنّما كشحها طيّ الطوامير
كأنها حين تمشي فِي وصائفها تمشي ... عَلَى البيض أو زرق القوارير
مطلب ما قيل فِي الحسن
ومما قيل فِي الحسن:
إذا عبتها شبهتها البدر طالعاً ... وحسبك من عيب لها شبه البدر
وأنشدنا الناجم لنفسه فِي غير هذا المعنى:
طالبت من شرد نومي وذعر ... بقبلة تحسن فِي القلب الأثر
فقَال َلي مستعجلاً وما انتظر ... ليس لغير العين حظ فِي القمر
أخذه من عَلَى بن الجهم حيث يقول:
وقلن لنا نحن الأهلة إنما ... نضيء لمن يسري بليل ولا نقرى
فلا نيل إلا ما تزود ناظر ... ولا وصل إلا بالخيال الذي يسرى
ما قيل فِي القيان والعود ومن أحسن ما قيل فِي قينة:
من كفّ جارية كأن بنانها ... من فضة قد طرقت عنابا
وكأن يمناها إذا نطقت بها ... تلقى عَلَى يدها الشمال حسابا
وحَدَّثَنَا أَبُو عبد الله نفطويه، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو العباس أحمد بن يحيى، قَالَ: سمع بعض العرب صوت العود، فقيل له: ما تسمع؟ فقَالَ: حسناً، ولكن اقطع هذا الأبح فإني أشنؤه، يريد الم، ومن أحسن ما قيل فِي العود:
فكأنه فِي حجرها ولد لها ... ضمته بين ترائب ولبان
طوراً تدغدغ بطنه فإذا هفا ... عركت له أذنا من الآذان
стр. 231
ومن أحسن ما شبه به العود ما أنشدناه بعض أصحابنا:
كأن تمثاله ساق إِلَى قدم نيطت ... إِلَى فخد بانت عَنِ الكفل
آذانه منه قد جمعن أربعة ... تجيب أربعة فِي كف معتمل
فذا أغن وهذا فيه زمزمة ... وذاك صاف وهذا فيه كالصّحل
وللحمدوني:
وناطق بلسان لا ضمير له ... كأنه فخذ نيطت إِلَى قدم
يبدي ضمير سواه فِي الحديث كما ... يبدي ضمير سواه الخط بالقلم
ومن أحسن ما قيل فِي وصف مغنيات قول ابن الرومي،
وأنشدناه الناجم عنه:
وقيان كأنها أمهات عاطفات ... عَلَى بنيها حواُّني مطفلات
وما حملن جنيناً مرضعات ... ولست ذات لبان ملقمات
أطفالهنّ ثدياً ناهدات ... كأحسن الرمان مفعمات
كأنها حافلات وهي ... صفر من درة الألبان
كل طفل يدعى بأسماء شتى ... بين عود ومزهر وكران
أمه دهرها نترجم عنه ... وهو بادي الغنى عَنِ الترجمان
وصية بعض الحكماء لابنه
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن دريد، ﵀، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حاتم، عَنِ الأصمعى، قَالَ: قَالَ بعض الحكماء لابنه: يا بني، اقبل وصيتي وعهدي، عَنْ سرعة ائتلاف قلوب الأبرار، كسرعة اختلاط قطر المطر بماء الأنهار، وبعد قلوب الفجار من الائتلاف، كبعد البهائم من التعاطف وإن طال اعتلافها عَلَى أرى واحد، كن يا بني بصالح الوزراء أغنى منك بكثرة عدتهم، فإن اللؤلؤة خفيف محملها كثير ثمنها، والحجر فادح حمله قليل غناؤه
حكمة من حكم الأحنف بن قيس
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حاتم، عَنْ أبي زيد، قَالَ: حَدَّثَنَا هشام بن حسان الفردوسي، عَنِ الحسن، قَالَ: قَالَ الأحنف بن قيس: الكذوب لا حيلة له، والحسود لا راحة له، والبخيل
стр. 232
لا مروءة له، والملول لا وفاء له، ولا يسود سيئ الأخلاق، ومن المروءة إذا كان الرجل بخيلا أن يكتم ذلك ويتجمل
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حاتم، قَالَ: قيل للأحنف: بم بلغت ما بلغت؟ قَالَ: لو عاب الناس الماء ما شربته.
قَالَ وقَالَ: من لم يسخ نفساً عَنِ الحظ الجسيم للعيب الصغير، لم يعد شفيقا عَلَى نفسه، ولا صائنا لعرضه وقَالَ الأصمعي: من أمثال العرب: دع بنيات الطريق، أي اقصد لمعظم الشأن.
ويقَالَ لا تيبس الثرى بيني وبينك، أي لا تقطع الود بيننا.
ويقَالَ: السعيد من اتعظ بغيره، يراد من رأى غيره فاتعظ سعد.
ويقَالَ: طويته عَلَى بللته، يراد استبقيته قبل أن يبلغ فساده، وذلك أن السقاء إذا طويته وهو مبتل تثنى، وإذا طوي وهو يابس تكسر، أي فقد طلبت مصلحته.
مطلب ما تقول العرب فِي المعنى لا أفعل ذلك أبداً
وقَالَ أَبُو زيد: يُقَال لا تري ذلك يا فلان ما سمر ابنا سمير، وهما الليل والنهار؛
وأنشدنا ابن الأعرابي:
وشبابي قد كان من لذة العيش ... فأودى وغاله ابنا سمير
وقَالَ أَبُو زيد: ولا أفعل ذلك ما أبس عبد بناقته، وهو تحريكه شفتيه حين يريد أن تقوم له، وقَالَ ابن الأعرابي وإبساسه: استدراره إياها للحلب وخدعه لها ولطفه بها، وأنشدني لأبي زبيد: صاحب الصلح منا ما أطاف المبس بالدهماء وقَالَ أَبُو زيد: ولا أفعل ذلك ما غرّد الطائر تغريداً.
ولا أفعل ذلك آخر الأوجس، وهو الدهر.
وأنشدني أَبُو بَكْرِ بن دريد، لمرار الفقعسي:
لا يشترون بهجعة هجعوا بها ... ودواء أعينهم خلود الأوجس
وقَالَ اللحياني: لا أفعل ذلك سجيس الأوجس، وسجيس عجيس، وزاد ابن الأعرابي: وما غبا غبيس، وانشد:
قد ورد الماء بليل قيس نعم وفي ... أم البنين كيس عَنِ الطعام ما غبا غبيس
стр. 233
ولا أفعله السمر والقمر.
ولا أفعله ما حدا الليل والنهار.
وما أرزمت أم حائل، والحائل: الأنثى من أولاد الإبل قَالَ أَبُو ذؤيب: فتلك التي لا يبرح القلب حبها ولا ذكرها ما أرزمت أم حائل ولا أفعله يد المسند وهو الدهر، قَالَ الشاعر:
لقلت من القول مالا يزال ... يؤثر عني يد المسند
ولا أفعله يد الدهر.
ولا أفعله ما أنّ فِي السماء نجماً، معناه ما كان فِي السماء نجم.
ولا أفعله ما سجع الحمام.
وما حملت عيني الماء.
وما بل بحر صوفة.
ولا أفعل ذلك ما أطّت الإبل.
وأطيطها: حنينها، وقَالَ أَبُو عبيد: أطيط الإبل: نقيض جلودها عند الكظة، قَالَ الأعشى:
ألست منتهياً عَنْ نحت أثلتنا ... ولست ضائرها ما أطت الإبل
وقَالَ اللحياني: ولا أفعل ذلك ما لألأت الفور والعفر والظباء، أي ما حركت أذنابها.
ولا أفعل ذلك ما حنت الدهماء، وهي ناقة.
ولا أفعل ذلك ما حنت النيب وقَالَ أَبُو زيد: لا أفعل ذلك ما اختلف الملوان والأجدان، وهما الليل والنهار، وزاد اللحياني: والجديدان، وهما الليل والنهار.
قَالَ يعقوب: والفتيان، وهما الليل والنهار أيضاً، وكذلك العصران.
وغيره يقول العصران: الغداة والعشي، وهو الأجود عندنا.
وزاد ابن الأعرابي: ولا أفعله القرتين.
وأنشدنا ابن الأعرابي للصلتان العبدي فِي الفتيين:
ما لبث الفتيان أن عصفا بهم ... ولكل حصن يسراً مفتاحا
، وأنشد أيضاً فِي العصرين:
ولا يلبث العصران يوم وليلة ... إذا أن يدركا ما تيمما
وأنشد يعقوب فِي الملوين لابن مقبل:
ألا يا ديار الحيّ بالسبعان ... أملّ٥ عليها بالبلى الملوان
وقَالَ أَبُو زيد: لا أفعل ذلك ما هدهد الحمام: أي ما غرّد.
وما خالفت درة جرة، وما اختلفت الدرة والجرة، واختلافهما أن الدرة تسفل إِلَى الرجلين والجرة تعلو إِلَى الرأس.
ولا آتيك حتى يبيض القار.
ولا آتيك سجيس الليالي، وأنشد ابن الأعرابي:
стр. 234
ذخرت أبا عمرو لقومك كلهم ... سجيس الليالي عندنا أكرم الذخر
وقَالَ أَبُو زيد: ولا أفعل ذلك حتى يحن الضب فِي أثر الإبل الصادرة.
ولا أفعل ذلك أبد الأبيد، وأبد الآبدين، والأبيد اللحياني: وأبد الآباد.
وقَالَ أَبُو زيد ويقَالَ لا آتيك سن الحسل.
أي حتى يسقط فوه، وهو لا يسقط أبداً، إنما أسنانه كالمئشار، وأنشد ابن الأعرابي وغيره:
تسألني عَنِ السنين كم لي ... فقلت لو عمرت عمر الحسل
أو عمر نوح زمن الفطحل ... والصخر مبتل كطين الوحل
وسألت أَبِي بَكْرِ بن دريد، ﵀، عَنْ زمن الفطحل، فقَالَ: تزعم العرب أنه زمان كانت فيه الحجارة رطبة.
مطلب شرح مادة وت ر
وقَالَ الأصمعيّ: الحتار: الوتر الذي يكون فِي القوس، وحتار كل شيء: وترته، وهو حرفه، ووتره كل شيء: حرفه.
ووترة الأنف: حرفه، ويقَالَ: ما زال عَلَى وتيرة واحدة، أي عَلَى طريقة واحدة، والوتيرة: حلقة يتعلم عليها الطعن وأنشد:
تباري قرحة مثل ... الوتيرة لم تكن مغدا
: المغد النتف.
والوتيرة: شيء مستطيل من الأرض ينقاد، قَالَ الهذلي:
فذاحت بالوتائر ثم بدت ... يديها عند جانبها تهيل
وقَالَ الأصمعيّ: فذاحت أسرعت.
وبدت: فرقت،
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، عَنْ أبيه، عَنْ أحمد بن عبيد، قَالَ: قَالَ أَبُو عمرو الشيباني: ذاحت حفرت.
والوتيرة: الفترة والتواني قَالَ أَبُو نصر، وأنشد لزهير:
نجاء مجد ليس فيه وتيرة ... وتذبيبها عنه بأسحم مذود
وقَالَ أَبُو نصر: سمعت من غير الأصمعيّ: الوتائر: ما بين الأصابع، الواحدة وتيرة، وقَالَ الأصمعيّ: الوتر: الفرد، وأهل الحجاز يفتحون الواو فِي الفرد ويكسرونها فِي الذحل، ومن تحتهم من
стр. 235
قيس وتميم يسوونهما فِي الكسر، ويقولون فِي الفرد: أوترت أوتر إيتاراً، وفي الذحل: وترته فأنا أتره ترة ووتراً.
ويقَالَ: تواترت الإبل والقطا إذا جاءت بعضها خلف بعض ولم يجئن مصطفات، وأنشد:
قرينة سبع إن تواترن مرة ... ضربن فصفت أرؤس وجنوب
ومنه واتر كتبك.
والمواترة: أن يجيء الشيء بعد الشيء وبينهما هنية، فإن تتابعت فليست بمتواترة.
ويقَالَ: وتر قوسه وأوترها.
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد للنمر بن تولب:
أشاقتك أطلال دوارس من دعد ... خلاء مغانيها كحاشية البرد
على أنها قَالَت عشية زرتها ... هبلت ألم ينبت لذا حلمه بعدي
أشاقتك: هيجتك وشوقتك.
والمغاني: المنازل التي كانوا يغنون بها، أي يقيمون بها، واحدها مغنىً.
وهبلت: ثكلت، والعرب تقول: لأمك الهبل، أي الثكل.
وقوله: ألم ينبت لذا حلمه بعدي، يعني ضرس حلمه وهو أقصى الأضراس وآخرها نباتاً.
وقَالَ يعقوب: يُقَال: سانيته وفانيته وصاديته وداليته وراديته، وهي المساناة والمفاناة والمصاداة والمدالاة والمراداة، وهي المساهلة، وأنشد للبيد:
وسانيت من ذي بهجة ورقيته ... عليه السموط عابس متغضب
وفارقته والودّ بيني وبينه ... وحسن الثناء من وراء المغيب
وأنشد:
إذا الله سنّى عقد أمر تيسرا
وأَخْبَرَنَا الغالبي قَالَ: قَالَ لنا ابن كيسان أَبُو الحسن: أنشدني هذا البيت المبرد:
فلا تيأسا واستغورا الله إنه ... إذا الله سنّى عقد أمر تيسرا
استغوراه: سلاه الغيرة، وهي الميرة، أي سلاه الرزق.
وأنشد يعقوب لنصيب فِي المفاناة: تقيمه تارةً وتقعده كما يفاني الشموس قائدها وأنشد فِي المصاداة لمزرد:
ظللنا نصادي أمنا عَنْ حميتها ... كأهل الشموس كلهم يتودد
стр. 236
وقَالَ العجاج فِي المدالاة:
يكاد ينسل من التصدير ... عَلَى مدالاتي والتوقير
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي المراداة لطفيل الغنوي:
يرادى عَلَى فأس اللجام كأنّما ... يرادى به مرقاة جذع مشذب
وقَالَ غير يعقوب: راديته وداريته واحد
وقرأنا عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد، للغنوي:
ظللنا معاً جارين نحترس الثأى ... يسائرني من نطفة وأسائره
وصف سبعاً نحترس الثأى، أي كل واحد منا يخاف صاحبه أن يغدر به.
والثأى: الفساد، وأصله فِي الخرز، وهو أن تنخرم الخرزتان فتصيرا واحدة فيتسع الثقب فيفسد، ثم جعل مثلاً لكل فساد.
ويسائرني، من السؤر وهي البقية، أي يرد قبلي فيشرب فيبقى لي، وأرد قبله فأبقي له.
مطلب خطبة عتبة بمكة عام حج وما دار بينه وبين الأعرابي
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، ﵀، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عثمان، عَنِ العتبي، عَنْ أبيه، عَنْ هشام بن صالح، عَنْ سعيد، قَالَ: حج عتبة سنة إحدى وأربعين، والناس قريب عهدهم بفتنة، فصلى بمكة الجمعة، ثم قَالَ: أيها الناس، إنا قد ولينا هذا المقام الذي يضاعف فيه للمحسن الأجر، وعلى المسيء فيه الوزر، ونحن عَلَى طريق ما قصدنا، فلا تمدوا الأعناق إِلَى غيرنا، فإنها تنقطع دوننا، وربّ متمن حتفه فِي أمنيته، فاقبلوا العافية ما قبلناها فيكم وقبلناها منكم، وإياكم ولواً فإنها أتعبت من كان قبلكم، ولن تريح من بعدكم، وأنا أسأل الله أن يعين كلاً عَلَى كل.
فصاح به أعرابي: أيها الخليفة، فقَالَ: لست به ولم تبعد، فقَالَ: يا أخاه، فقَالَ: سمعت فقل، فقَالَ: تالله أن تحسنوا وقد أسأنا، خير من أن تسيئوا وقد أحسنا، فإن كان الإحسان لكم دوننا فما أحقكم باستتمامه وإن كان منا، فما أولاكم بمكافاتنا، رجل من بني عامر بن صعصعة يلقاكم بالعمومة، ويقرب إليكم بالخئولة، قد كثرة العيال، ووطئه الزمان، وبه فقر، وفيه أجر، وعنده شكر.
فقَالَ عتبة: أستغفر الله منكم، وأستعينه عليكم، قد أمرنا لك بغناك، فليت إسراعنا إليك، يقوم بإبطائنا عنك
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ قَالَ: أَخْبَرَنَا العلكي، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بن محمد المزني، قَالَ: قَالَ أَبُو جهم بن حذيفة لمعاوية: نحن عندك يا أمير المؤمنين كما قَالَ عبد المسيح لابن عبد كلال:
стр. 237
نميل عَلَى جوانبه كأنا ... نميل إذا نميل عَلَى أبينا
نقلبه لنخبر حالتيه فنخبر ... منهما كرماً ولينا
فأمر له بمائة ألف
حديث أسيد بن عنقاء الفزاري، وما كان من مواساة عميلة الفزاري له وما مدحه به
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن شقير النحوي فِي منزله فِي غلة صافي ونحن يومئذ نقرأ عليه كتب الواقدي فِي المغازي وكان يرويها، عَنْ أحمد بن عبيد، عَنِ الواقدي، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بن عبيد بن ناصح، قَالَ: كان أسيد ابن عنقاء الفزاري من أكثر أهل زمانه وأشدهم عارضة ولساناً، فطال عمره، ونكبه دهره، واختلت حالته، فخرج عشية يتبقّل لأهله، فمر به عميلة الفزاري فسلم عليه وقَالَ: يا عم، ما أصارك إِلَى ما أرى من حالك؟ فقَالَ: بخل مثلك بماله، وصوني وجهي عَنْ مسألة الناس، فقَالَ: والله لئن بقيت إِلَى غد لأغيرن ما أرى من حالك، فرجع ابن عنقاء إِلَى أهله فأخبرها بما قَالَ له عميلة، فقَالَت له: لقد غرك كلام غلام جنح ليل، فكأنما ألقمت فاه حجراً فبات متململاً بين رجاء ويأس، فلما كان السحر سمع رغاء الإبل، وثغاء الشاء، وصهيل الخيل، ولجب الأموال فقَالَ: ما هذا؟ فقالوا: هذا عميلة ساق إليك ماله، قَالَ: فاستخرج ابن عنقاء ثم قسم ماله شطرين وساهمه عليه، فأنشأ ابن عنقاء، يقول:
رآني عَلَى ما بي عميلة فاشتكى ... إِلَى ماله حالي أسر كما جهر
دعاني فآساني ولو ضن لم ألم عَلَى حين لا بدو يرجى ولا حضر
فقلت له خيرا وأثنيت فعله ... وأوفاك ما أبليت من ذم أو شكر
ولما رأى المجد استعيرت ثيابه ... تردّى رداء سابغ الذيل وأتزر
غلام رماه الله بالخير مقبلاً له ... سيمياء لا تشق عَلَى البصر
كأن الثريا علقت فوق نحره ... وفي أنفه الشعرى وفي خده القمر
إذا قيلت العوراء أغضى كأنه ... ذليل بلا ذل ولو شاء لانتصر
وأنشدنا أَبُو عبد الله، قَالَ: أنشدنا أَبُو العباس أحمد بن يحيى، عَنِ أبن الأعرابى:
كريم يغض الطرف فضل حيانه ... ويدنو وأطراف الرماح دواني
стр. 238
وكالسيف إن لاينته لان متنه ... وحدّاه إن خاشنته خشنان
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن دريد:
يشبهون ملوكاً فِي تجلتهم ... وطول أنضية الأعناق والأمم
إذا غدا المسك يجري فِي مفارقهم ... راحوا كأنهم مرضى من الكرم
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن الأنباري، قَالَ: انشدنا أحمد بن يحيى:
تخالهم للحلم صماً عَنِ الخنا ... وخرساً عَنِ الفحشاء عند التهاتر
ومرضى إذا لاقوا حياءً وعفةً ... وعند الحروب كالليوث الخوادر
لهم ذل إنصاف ولين تواضع ... بهم ولهم ذلت رقاب المعاشر
كأن بهم وصماً يخافون عاره ... وما وصمهم إلا اتقاء المعاير
وأنشدنا أيضاً عَنْ أبي العباس:
أحلام عاد لا يخاف جليسهم إذا ... نطقوا العوراء غرب لسان
إذا حدثوا لم تخش سوء استماعهم ... وإن حدثوا أدوا بحسن بيان
وأنشدنا أيضاً قَالَ: أنشدني أبي:
يصمّ عَنِ الفحشاء حتى كأنه إذا ... ذكرت فِي مجلس القوم غائب
له حاجب عَنْ كل ما يصم الفتى ... وليس له عَنْ طالب العرف حاجب
وأنشدنا أيضاً قَالَ: أنشدنا أَبِي بَكْرِ بن النطاح يمدح خربان بن عيسى، قَالَ: وكان أَبُو عبيدة يقول: لم أسمع لهؤلاء المحدثين مثل هذا:
لم ينقطع أحد إليك بوده ... إلا اتقته نوائب الحدثان
كل السيوف يرى لسيفك هيبة ... وتخافك الأرواح فِي الأبدان
قَالَت معدّ والقبائل كلّها إن ... المنية فِي يدي خربان
ملك إذا أخذ القناة بكفه ... وثقت بشدة ساعد وبنان
стр. 239
وقرأت عَلَى أبي جعفر أحمد بن عبد الله بن مسلم بن قتيبة، عَنْ أبيه للأسدي: ولائمة لامتك يا فيض فِي الندى فقلت لها هل يقدح اللّوم فِي البحر أرادت لتثنى الفيض عَنْ ومن ذا الذي يثنى السحاب عادة الندي عَنِ القطر مواقع جود الفيض فِي كل بلدة مواقع ماء المزن فِي البلد القفر
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حاتم، عَنْ أبيه، عَنْ يونس، عَنْ أبى عمرو بن العلاء، قَالَ: لما توج النعمان واطمأن به سريره، دخل عليه الناس وفيهم أعرابي فأنشأ يقول:
إذا سست قوماً فاجعل الجود بينهم ... وبينك تأمن كل ما تتخوف
فإن كشفت عند الملمات عورة ... كفاك لباس الجود ما يتكشف
فقَالَ: مقبول منك نصحك، ممن أنت؟ قَالَ: انا رجل من جرم، فأمر له بمائة ناقة، وهي أول جائزة أجازها
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وأنشدناه أَبُو عبد الله نفطويه، عَنْ أحمد بن يحيى، عَنِ أبن الأعرابى، لقيس ابن عاصم المنقري:
إني امرؤ لا يعتري حسبي ... دنس يفنده ولا أفن
من منقر فِي بيت مكرمة ... والفرع ينبت حوله الغصن
خطباء حين يقول قائلهم ... بيض الوجوه مصاقع لسن
لا يفطنون لعيب جارهم ... وهم لحفظ جواره فطن
وأنشدنا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: أنشدنا أَبُو حاتم، عَنْ أبي عبيدة، للعرندس أحد بني بكر بن كلاب يمدح بني عمرو الغنويين، قَالَ: وكان الأصمعيّ، يقول: هذا المحال، كلابيّ يمدح غنوياً:
هينون لينون أيسار ذوو كرم ... سواس مكرمة أبناء أيسار
إن يسألوا الخير يعطوه وإن خبروا ... فِي الجهد أدرك منهم طيب أخبار
فيهم ومنهم يعد الخير متلّداً ... ولا يعدّ نثا خزي ولا عار
لا ينطقون عَنِ الأهواء إن نطقوا ... ولا يمارون إن ماروا بإكثار
من تلق منهم تقل لاقيت سيّدهم ... مثل النجوم التي يسري بها الساري
стр. 240
وقرأت عليه للنمر بن تولب:
ثم استمرت تريد الريح مصعدة ... نحو الجنوب فعزتها عَلَى الريح
قوله: تريد الريح: يعني الطريدة تستقبل الريح أبداً، وإنما تفعل ذلك لتبرد أجوافها باستقبال الريح.
وعزّتها: غلبتها، يعني فرسه غلبت الطريدة، والدليل عَلَى ذلك قوله قبل هذا البيت:
لقد غدوت بصهبي وهي ملهبة ... إلهابها كضرام النار فِي الشيح
وصهبى: اسم فرسه، ثم قَالَ: جاءت لتسنحني يسراً فقلت لها عَلَى يمينك إنّي غير مسنوح جاءت، يعني الطريدة.
لتسنحني، أي لتمضي عَلَى يساري، ثم قَالَ: ثم استمرت، تريد الريح.
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حاتم، عَنِ الأصمعى، قَالَ: قَالَ بعض الحكماء: إن مما سخا بنفس العاقل عَنِ الدنيا علمه بأن الأرزاق فيها لم تقسم عَلَى قدر الأخطار
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو العباس أحمد بن يحيى، قَالَ: حَدَّثَنَا عمر بن شبة أَبُو زيد، قَالَ: حَدَّثَنَا الأصمعيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابن أبي الزناد، عَنْ هشام بن عروة، قَالَ: قَالَ عروة لبنيه: يا بنيّ، لا يهدينّ أحدكم إِلَى ربّه ما يستحي أن يهديه إِلَى حريمه، فإن الله أكرم الكرماء، وأحق من اختير له.
قَالَ: وكان يقول: يا بنيّ، تعلّموا العلم، فإنكم إن تكونوا صغار قوم فعسى أن تكونوا كبراءهم، واسوءتا! ماذا أقبح من شيخ جاهل؟ وكان يقول: إذا رأيتم خلّةً رائعة من شر من رجل فاحذروه، وإن كان عند الناس رجل صدق، فإن لها عنده أخوات، وإذا رأيتم خلة رائعة من خير من رجل فلا تقطعوا إناتكم منه وإن كان عند الناس رجل سوءٍ، فإن لها عنده أخوات.
وقَالَ: الناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، ﵀، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حاتم، عَنْ أبى عبيدة، قَالَ: وجد فِي حكمة فارس: إني وجدت الكرماء والعقلاء يبتغون إِلَى كل صلة ومعروف سبباً، ورأيت المودّة بين الصالحين سريعاً اتصالها، بطيئاً انقطاعها، ككوب الذهب سريع الإعادة إن أصابه ثلم أو كسر، ورأيت المودة بين الأشرار بطيئاً اتصالها، سريعاً انقطاعها، ككوب الفخّار، إن أصابه ثلم أو كسر فلا إعادة له، ورأيت الكريم يحفظ الكريم عَلَى اللّقاءة الواحدة ومعرفة اليوم، ورأيت اللئيم لا يحفظ إلا رغبة أو رهبة
стр. 241
مطلب خطبة عتبة بمصر
وكان غضب لأمور بلغته عَنْ أهلها
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عثمان، عَنِ العتبي، عَنْ أبيه ابن هشام بن صالح، عَنْ سعد، قَالَ: كنا بمصر فبلغنا الأمور عَنْ أهلها، فصعد عتبة المنبر مغضباً فقَالَ: أيا حاملين ألأم أنوف ركّبت بين أعين، إنما قلمت أظافري عنكم ليلين مسّى إياكم، وسألتكم صلاحكم لكم إذا كان فسادكم راجعا عليكم، فأما إذا أبيتم إلا الطعن فِي الولاة والتنقّص للسلف، فوالله لأقطّعن عَلَى ظهوركم بطون السياط، فإن حسمت داءكم وإلا فالسيف من ورائكم، فكم من موعظة منا لكم مجتها قلوبكم، وزجرة صمّت عنها آذانكم، ولست أبخل عليكم بالعقوبة إذ جدتم لنا بالمعصية، ولا أويسكم من مراجعة الحسنى إن صرتم إِلَى التي هي أبرّ وأتقى
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، ﵀، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حاتم، عَنِ الأصمعي، قَالَ: قَالَ الأحنف بن قيس: إن الله جعل أسعد عباده عنده وأرشدهم لديه وأخطاهم يوم القيامة، أبذلهم للمعروف يداً، وأكثرهم عَلَى الإخوان فضلاً، وأحسنهم له عَلَى ذلك شكراً
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ الأنباري، ﵀، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، عَنْ أحمد بن عبيد، عَنِ الزيادي، عَنِ المطلب بن المطلب بن أبي وداعة، عَنْ جده، قَالَ: رأيت رَسُول اللَّهِ ﷺ ، وأبا بكر رضي الله تعالى عنه عند باب بني شيبة فمرّ رجل وهو يقول:
يأيها الرجل المحوّل رحله ... ألاّ نزلت بآل عبد الدار
هبلتك أمّك لو نزلت برحلهم ... منعوك من عدم ومن إقتار
قَالَ: فالتفت رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فقَالَ: أهكذا قَالَ الشاعر؟ قَالَ: لا والذي بعثك بالحق، لكنه قَالَ:
يأيها الرجل المحوّل رحله ... ألاّ نزلت بآل عبد مناف
هبلتك أمك لو نزلت برحلهم ... منعوك من عدم ومن إقراف
الخالطين فقيرهم بغنيهم حتى ... يعود فقيرهم كالكافي
стр. 242
ويكللون جفانهم بسديفهم حتى ... تغيب الشمس فِي الرّجّاف
منهم عَلَى والنبيّ محمد ... القائلان هلّم للأضياف
قَالَ: فتبسّم رَسُول اللَّهِ ﷺ وقَالَ: هكذا سمعت الرّواة ينشدونه
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حاتم، وعبد الرحمن، عَنِ الأصمعي، عَنْ بعض موالي بني أميّة قَالَ: خرج داود بن سلم إِلَى حرب بن خالد بن يزيد بن معاوية، فلما قدم عليه قام غلمانه إِلَى متاعه فأدخلوه وحطّوا عَنْ راحلته، فلما دخل أنشده:
ولما دفعت لأبوابهم ولاقيت ... حرباً لقيت النجاحا
وجدناه يحمده المعتفون ويأبى ... عَلَى العسر إلا سماحا
ويغشون حتى ترى كلبهم ... يهاب الهرير وينسى النّباحا
فأمر له بجوائز كثيرة، ثم استأذنه فِي الانصراف فأذن له وأعطاه ألف دينار، فلما خرج من عنده وغلمانه جلوس لم يقم إليه أحد منهم ولم يعنه، فظن أن حرباً ساخط عليه فرجع إليه وقَالَ: أواجدٌ أنت عَلَى؟ قَالَ: لا، ولم ذلك؟ فأخبره خبر الغلمان، قَالَ: ارجع إليهم فسلهم، فرجع إليهم فسألهم، فقالوا: إنا ننزل الضيف ولا نرحّله، فلما قدم المدينة، سمع الغاضريّ بحديثه فأتاه فقَالَ: إني أحب أن أسمع هذا الحديث منك، فحدّثه، فقَالَ: هو يهوديّ أو نصرانيّ إن لم يكن فعل الغلمان أحسن من شعرك
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد، للنمر تولب:
تضمّنت أدواء العشيرة بينها ... وأنت عَلَى أعواد نعشٍ تقلّب
قوله: تضمنت أدواء العشيرة بينها، أي ضمنت ما كان فِي العشيرة من داء أو فساد إذ كنت فيهم حيّاً، وأنت اليوم عَلَى أعواد نعش.
وقَالَ الأصمعي: تضمنت: أصلحت، والمعنى عندي أنه كان يضمن دماء العشيرة فيصلح بينها.
стр. 243
مطلب امتداح أبي العتاهية لعمر بن العلاء وحسد الشعراء له عَلَى ما أعطاه من جائزة
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الله بن خلف، قَالَ: حَدَّثَنَا إسحاق بن محمد النخعي، قَالَ: حَدَّثَنِي محمد بن سهل، قَالَ: حَدَّثَنِي المدائني، قَالَ: امتدح أَبُو العتاهية عمر بن العلاء مولى عمرو ابن حريث صاحب المهدي، فأمر له بسبعين ألف درهم، وأمر من حضره من خدمه وغلمانه أن يخلعوا عليه، فخلعوا عليه حتى لم يقدر عَلَى القيام لما عليه من الثياب، ثم إن جماعة من الشعراء كانوا بباب عمر، فقَالَ بعضهم: يا عجباً للأمير، يعطى أبا العتاهية سبعين ألف درهم! فبلغ ذلك عمر فقَالَ: عَلَى بهم، فأدخلوا عليه، فقَالَ: ما أحسد بعضكم لبعض يا معشر الشعراء! إن أحدكم يأتينا يريد مدحنا فيشبّب فِي قصيدته بصديقته بخمسين بيتاً، فما يبلغنا حتى تذهب لذاذة مدحه ورونق شعره، وقد أتانا أَبُو العتاهية فشبّب ببيتين ثم قَالَ:
إني أمنت من الزمان وريبه ... لما علقت من الأمير حبالا
لو يستطيع الناس من إجلاله ... لحذوا له حرّ الوجوه نعالا يوما
ما كان هذا الجود حتى كنت يا ... عمرا ولو نزول لزالا
إنّ المطايا تشتكيك لأنها ... قطعتك إليك سباسباً ورمالا
فإذا أتين بنا أتين مخفّةً ... وإذا رجعن بنا رجعن ثقالا
فقَالَ له عمر حين مدحه: أقم حتى أنظر فِي أمرك، فأقام أياماً ولم ير شيئاً، وكان عمر ما لا يجيء من وجه فأبطأ عليه، فكتب إليه أَبُو العتاهية:
يا بن العلاء ويا بن القوم مرداس ... إني امتدحتك فِي صحبي وجلاسي
أثني عليك ولي حال تكذبني ... فيما أقول فأستحي من الناس
حتى إذا قيل ما أعطاك من صفد ... طأطأت من سوء حال عندها راسي
فقَالَ عمر لحاجبه: اكفنيه أياماً، فقَالَ له الحاجب كلاماً دفعه به، وقَالَ له: تنتظر، فكتب إليه أَبُو العتاهية:
أصابت علينا جودك العين يا عمر ... فنحن لها نبغي التمائم والنّشر
أصابتك عين فِي سخائك صلبةٌ ويا ... رب عين صلبة تفلق الحجر
стр. 244
سنرقيك بالأشعار حتى تملّها فإن ... لم تفق منها رقيناك بالسّور
قَالَ: فضحك عمر، وقَالَ لصاحب بيت ماله: كم عندك؟ قَالَ: سبعون ألف درهم.
قَالَ: ادفعها إليه، ويقَالَ: إنه قَالَ له: اعذرني عنده ولا تدخله عَلَى فإني أستحي منه قَالَ الأصمعى: من أمثال العرب: العبد من لا عبد له أي من لم يكن له عبد ولا كافٍ امتهن نفسه.
ويقَالَ لو كويت عَلَى داء لم أكره أي لو عوتبت عَلَى ذنب ما امتعضت.
ويقَالَ: كمبتغي الصيد فِي عرّيسة الأسد يضرب مثلاً للرجل يطلب الغنيمة فِي موضع الهلكة.
ويقَالَ: أجود من لا فظة وأراد بلا فظة البحر.
ويقَالَ: أجبن من صافر وأراد بصافر: ما يصفر من الطير، وإنما يوصف بالجبن لأنه ليس من سباعها.
وقرأنا عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد قول الراجز:
قد علمت من لم أجد معينا ... لأخلطنّ بالخلوق طينا
يقول: قد علمت إن لم أجد معينا يعينني عَلَى سقيها، سأستعين بها وأستعملها حتى يختلط ما عليها من الخلوق بالطين والماء
مطلب ما تقول العرب فِي معنى أخذت الشيء كله
وقَالَ يعقوب بن السكيت: يُقَال: أخذه بأجمعه وأجمعه، وأخذه بحذافيره، وقَالَ أَبُو عبيدة عَنِ الكسائي: اخذه بحذافيره وجذاميره وجزاميره وجراميزه، وحكى عَنْ أبي عبيدة: بربّانه بفتح الراء فِي معناها، وعَنِ الأصمعي: بربّانه أي بجميعه، قَالَ وقَالَ: الفرّاء: أخذه بصنايته وسنايته مثله.
وقَالَ يعقوب: وأخذه بجلمته، وقَالَ لى أَبُو بَكْرِ بن الأنباري: وبجلمته أيضاً، وقَالَ يعقوب: وأخذه بزغبره وقَالَ لي أَبُو بَكْرٍِ الأنباري: ويقَالَ: بزغبره، وأظنني سمعت اللغتين جميعاً من أَبِي بَكْرِ بن دريد، وقَالَ يعقوب: وأخذه بزوبره، وأنشد لابن أحمر:
وإن قَالَ غاوٍ من تنوخ قصيدةً ... بها جربٌ عدّت عَلَى بزوبرا
وقَالَ أَبُو عبيدة: وأخذه بزأبره، وقَالَ يعقوب: وأخذه بصبرته وبأصباره، وأخذه بزأبجه وبزأمجه، وأخذه بأصليته، وأخذه بظليفته، وأخذه مكهملا، قَالَ: حكى أَبُو صاعد: أخذه بزوبره،
стр. 245
وبأزمله: كله أخذه جميعا، وأخذه بربغه وبحداثته وبربّانه.
قَالَ أَبُو الحسن بن كيسان: هذه الثلاثة معناها: بأوّله وابتدائه، وأنشد لابن أحمر:
وإنّما العيش بربّانه ... وأنت من أفنانه مقتفر
أَخْبَرَنِي بذلك الغالبي، عَنِ ابن كيسان، وروى أَبُو عبيدة فِي بيت ابن أحمر:
وأنت من أفنانه معتصر
وقَالَ أَبُو نصر وغيره عَنِ الأصمعي: إنه قَالَ: بربّانه: بحداثته.
مطلب شرح مادة جلا وجلل
وقَالَ الأصمعي: جلوت العروس أجلوها فهي مجلوّة، وجلوت المرآة أجلوها فهي مجلوّة، ومصدرهما جميعاً جلاء، أعط العروس جلوتها، وقد جلاّها زوجها وصيفةً أي اعطاها حين سئل الجلوة، وزوجها يجلّيها تجلية.
وجلّى الطائر تجلية إذا أبصر الصيد من مكان بعيد.
وجلّ القوم يجلّون جلولاً، وجلا القوم يجلون جلاءً إذا خرجوا من بلد إِلَى بلد، ومنه قيل: استعمل فلان عَلَى الجالّة والجالية، وهو أن يجعل عَلَى قوم خرجوا من بلد إِلَى بلد، فالجالّة من جللت، والجالية من جلوت.
وجلّ البعر يجلّه جلاً إذا التقطه.
والجلّة: البعر.
والإبل الجلالة: التي تأكل الجلّة.
ويقَالَ: خرج الإماء يجتللن، أي يأخذن الجلّة، وأنشد لعمر بن لجأ يصف ناقة: تحسب مجتلّ الإماء الحرّم من هدب الضّمران لم يحزّم تحسب، أي تكفي.
والمجتلّة: التي تلقط الجلّة.
وقوله: من هدب الضمران، أي من بعر إبل رعت هدب الضمران فبعرت، وذكر الضمران لأنه من أجود ما يرعى.
وقوله: لم يحزّم، أي هو بعر منثور لم يحزم كما يحزّم الضمران إذا احتطب.
وجل رجل يجلّ جلّة إذا عظم وغلظ، وكذلك الصبيّ والعود.
وإبلٌ جلّة، أي مسنّة، وقد جلّت إذا أسنّت، ومشيخة جلّة أي مسانّ، والواحد جليل.
والمجلّة: صحيفة كان يكتب فيها شيء من الحكم، وأنشد بيت النابغة الذبياني:
مجلّتهم ذات الإله ودينهم قويمٌ ... فما يرجون غير العواقب
стр. 246
قَالَ أَبُو حاتم: يروي مجلّتهم ومحلّتهم، فمن روى مجلتهم أراد الصحيفة، ومن محلتهم، أراد بلادهم الشام.
والجلل: الصغير اليسير.
والجليل: العظيم.
قَالَ أَبُو نصر والجلل: العظيم أيضاً وقَالَ أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى: وجدت فِي كتاب أبي، عَنْ أحمد بن عبيد، عَنْ أبى نصر، كان الأصمعي يقول: الجلل: الصغير اليسير، ولا يقول: الجلل: العظيم.
قَالَ الأصمعي: لا يُقَال: الجلال إلا فِي الله ، وقَالَ أَبُو حاتم وقد يُقَال، وأنشد:
فلا ذا جلالٍ هبنه لجلاله ولا ... ذا ضياعٍ هنّ يتركن للفقر
وجلّ كل شيء: العظيم منه.
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد فِي كتاب الأبواب للأصمعيّ: فعلت ذاك من جلل كذا وكذا، أي من عظمه وقَالَ أَبُو نصر: فعلت ذاك من أجلك وجلالك أي لعظمتك فِي صدري، وأنشد الأصمعيّ لجميل:
رسم دارٍ وقفت فِي طلله كدت ... أقضي الغداة من جلله
ورويت من غير هذا الوجه تفسير من جلله.
من أجله.
ويقَالَ: فعلت ذاك لجلك وجلالك، وأنشد الأصمعيّ، فِي جلالك:
وغيدٍ نشاوى من كرىً فوق شرب ... من الليل قد نبهّتهم من جلالكا
أي من أجلك.
والجلّى: الأمر العظيم، وجمعها جلل.
والجليل: الثّمام، واحدته جليلة، وأنشد الأصمعيّ:
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة ... بواد حولي إذخرٌ وجليل
وذكر شيوخنا: أن النَّبِيّ ﷺ سمع بلالاً ينشد هذا البيت فقَالَ: حننت يا بن السوداء.
ويقَالَ: هو ابن جلا، أي المنكشف المشهور الأمر، وأنشد الأصمعيّ:
أنا ابن جلا وطلاع الثّنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني
قَالَ: وابن أجلى مثله، وأنشد للعجاج:
لاقوا به الحجاج والإصحارا ... به ابن أجلي وافق الإسفارا
стр. 247
قَالَ: ولم أسمع بابن أجلى إلا فِي بيت العجاج.
وقوله: لاقوا به، أي بذلك المكان، وقوله: الإصحارا أي وجدوه مصحراً، ووجدوا به ابن أجلى، كما تقول: لقيت به الأسد، أي كان كأني لقيت بلقائي إياه الأسد.
وقوله: وافق الإسفارا، أي واضحاً مثل الصّبح.
وقَالَ غيره: عينٌ جلّية، أي بصيرة، قَالَ أَبُو داود الإيادي:
بل تأمّل وأنت أبصر منّى ... قصد دير السوى بعينٍ جليةٍ
والجلّية أيضاً: الأمر البيّن الواضح، قَالَ النابغة:
فآب مضلّوه بعينٍ جلّية ... وغودر بالجولان حزم ونائل
وقَالَ الأصمعي: والجلا: انحسار الشعر من مقدّم الرأس، رجلٌ أجلى وامرأة جلواء، وقد جلى يجلى جلاً مقصور.
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد لبكر بن النطاح:
ولو خذلت أمواله جود كفّه ... لقاسم من يرجوه شطر حياته
ولو لم يجد فِي العمر قسماً لزائر ... لجاد له بالشطر من حسناته
وأنشدني بعض أصحابنا لبكر بن النطاح:
وإذا بدا لك قاسمٌ يوم الوغى ... يختال خلت أمامه قنديلا
وإذا تعرّض للعمود وليه ... خلت العمود بكفه منديلا
قالوا وينظم فارسين بطعنةٍ ... يوم اللقاء ولا يراه جليلا
لا تعجبوا فلو أنّ طول قناته ... ميلٌ إذاً نظم الفوارس ميلا
وأنشدني بعض أصحابنا له:
يا عصمة العرب التي لو لم تكن ... حيّاً إذاً كانت بغير عماد
إن العيون إذا رأتك حدادها ... رجعت من الإجلال غير حداد
وإذا رميت الثغر منك بعزمة ... فتحت منه مواضع الأسداد
فكأن رمحك منقعٌ فِي عصفر ... وكأن سيفك سل من فرصاد
стр. 248
لو صال من غضبٍ أَبُو دلفٍ عَلَى ... بيض السيوف لذبن فِي الأغماد
أذكى وأوقد للعداوة والقرى ... نارين نار وغىً ونار رماد
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد لليلى الأخيلية، وقَالَ لي: كان الأصمعي يرويها لحميد بن ثور الهلالي، فكذا وجدته بخط ابن زكريا ورّاق الجاحظ فِي شعر حميد:
يأيها السدم الملّوى رأسه ... ليقود من أهل الحجاز بريما
أتريد عمرو بن الخليع ودونه ... كعبٌ إذاً لوجدته مرءوما
إن الخليع ورهطه فِي عامر ... كالقلب أُلبس جؤجؤاً وحزيما
لا تغزونّ الدهر آل مطرّف ... لا ظالماً أبداً ولا مظلوما
قومٌ رباط الخيل وسط بيوتهم ... وأسنةٌ زرقٌ تخال نجوما
ومخرق عنه قميص تخاله ... وسط البيوت من الحياء سقيما
حتى إذا رفع اللواء رأيته تحت ... اللواء عَلَى الخميس زعيما
لن تستطيع بأن تحوّل عزهم ... حتى تحول ذا الهضاب يسوما
إن سالموك فدعهم من هذه ... وارقد كفى لك بالرقاد نعيما
البريم: الخيط فيه سواد وبياض.
ويقَالَ للقطيع من الغنم إذا كان فيه معزٌ: بريم.
وسألت أبا بكر بن دريد عَنْ معنى قول المتنخّل الهذلي:
عقّوا بسهم فلم يشعر به أحد ... ثم استفاءوا وقالوا حبذا الوضح
فقَالَ: يُقَال: عقّى بسهم إذا رمى به نحو السماء لا يريد به أحداً، وإذا اجتمع الفريقان للقتال ثم بدا لأحد الفريقين، وأرادوا الصلح، رموا بسهم نحو السماء، فعلم الفريق الثاني أنهم يريدون الصلح فتراسلوا فِي ذلك.
واستفاءوا: رجعوا عما كانوا عليه.
وقالوا: حبذا الوضح أي اللبن، أي حبذا الإبل والغنم نأخذها فِي الدية، كما قَالَ الآخر:
ظفرت بهجمة سود وجمر ... تسرّ بما يساء به اللبيب
أي فرحت بالدية.
стр. 249
مطلب كتاب الحسن بن سهل إِلَى محمد بن سماعة القاضي يطلب إليه رجلاً يستعين به فِي أموره
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الحسن بن خضر، عَنْ أبيه، قَالَ: كتب الحسن بن سهل إِلَى محمد بن سماعة القاضي: أما بعد فإني احتجت لبعض أموري إِلَى رجل جامع لخصال الخير ذي عفّة ونزاهة طعمةٍ، قد هذّبته الآداب، وأحكمته التجارب، ليس بظنين فِي رأيه، ولا بمطعون فِي حسبه، إن اؤتمن عَلَى الأسرار قام بها، وإن قلّد مهماً من الأمور أجزأ فيه، له سنٌّ مع أدب ولسان، تقعده الرزانة ويسكنه الحلم، قد فر عَنْ ذكاء وفطنة، وعضّ عَلَى قارحة من الكمال، تكفيه اللحظة، وترشده السكتة، قد أبصر خدمة الملوك وأحكمها، وقام فِي أمورهم فحمد فيها، له أناة الوزراء، وصولة الأمراء، وتواضع العلماء، وفهم الفقهاء، وجواب الحكماء، لا يبيع نصيب يومه بحرمان غده، يكاد يسترق قلوب الرجال بحلاوة لسانه وحسن بيانه، دلائل الفضل عليه لائحة، وأمارات العلم له شاهدة، مضطلعاً بما استنهض، مستقلاً بما حُمّل، وقد آثرتك بطلبه، وحبوتك بارتياده، ثقةً بفضل اختيارك، ومعرفةً بحسن تأتيك، فكتب إليه: إني عازم أن أرغب إِلَى الله جل وعز حولاً كاملاً فِي ارتياد مثل هذه الصفة، وأفرّق الرسل الثقات فِي الآفاق لالتماسه، وأرجو أن يمن الله بالإجابة، فأفوز لديك بقضاء حاجتك والسلام
وأَخْبَرَنَا أَبُو عبد الله قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو العباس أحمد بن يحيى قَالَ حدّثت عَنْ إسحاق بن إبراهيم الموصلي قَالَ: وصف رجل رجلاً فقَالَ: كان والله سمحاً سحاً، يمر سهلاً، بينه وبين القلب نسب، وبين الحياة سبب، إنما هو عيادة مريض وتحفة قادم، وواسطة قلادة
قَالَ أَبُو عبد الله، وحَدَّثَنَا أَبُو العباس، قَالَ: وصف أعرابي رجلاً فقَالَ: كان والله مطلول المحادثة، ينبذ إليك الكلام عَلَى أدراجه، كأنّ فِي كل ركنٍ من أركانه قلبا يقد.
يعني مستحدث الحديث
مطلب ما تقول العرب فِي معنى ما بالدار أحد
وقَالَ يعقوب بن السكيت: يُقَال: ما بالدار أحدٌ، وما بها دويٌّ ودعويٌّ وطهويٌّ ودبي ولاعي قرو.
стр. 250
وقَالَ لي الغالبي: قَالَ لنا ابن كيسان: دوّى، منسوب إِلَى الدوية.
قَالَ اللحياني: دعويٌّ من دعوت.
ودبيٌّ من دبيت، وزاد نمي من نممت.
الأصمعي: يُقَال: ما بالدار عريب.
معناه معرب، أي ما بها أحد، قَالَ عبيد:
فعردة فقفا حبرٍّ ليس ... بها منهم عريب
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: أنشدنا أَبُو العباس:
أميم أمنك الدار غيّرها البلى ... وهيفٌ بجولان التراب لعوب
بسابس لم يصبح ولم يمس ثاوياً ... بها بعد بين الحي منك عريب
وما بها دبيج ودبيج فعّيل من الدبج: وهو النقش والتزيين، وأصله فارسي مأخوذ من الديباج، وأنشد ابن الأعرابي:
هل تعرف المنزل من ذات الهوج ... ليس بها من الأنيس دبّيج
وما بها دوري، وقَالَ اللحياني: دوريٌّ ودؤري، يهمز ولا يهمز.
: دوري منسوب إِلَى الدور، فأما دؤري بالهمز، فهو عندنا غلط.
وما بها طوري، منسوب إِلَى الطورة، وفي بعض اللغات الطيرة.
وما بها وابرٌ، وما بها نافخ ضرمة، وما بها صافرٌ، وما بها ديار، وأنشد غيره لجرير:
وبلدةٍ لبس بها ديّار تنشق ... فِي مجهولها الأبصار
وقَالَ اللحياني: وما بها أرم، عَلَى فعل.
ويقَالَ أَبُو زيد: ما بها أرم ولا أريمٌ، عَلَى فعيل،
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن الأنباري:
تلك القرون ورثنا الأرض بعدهم ... فما يحسّ عليها منهم أرم
وقَالَ ابن الأعرابي: ما بها آرمٌ، عَلَى فاعل، وما بها أيرميٌّ وإرميٌّ.
وقَالَ اللحياني: ما بها وابنٌ ووابر،
وأنشدنا ابن الأعرابي:
يميناً أرى من آل زبّان وابراً ... فيفلت مني دون منقطع الحبل
следующие страницы →