Полный текст (610 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
وقَالَ بعضهم: الأعشى، فلما فرغوا، قَالَ: أشعر والله من هؤلاء جميعًا عندي الذي يقول: أنشد عبد الملك بعض هذه الأبيات التي أنا ذاكرها وضممت إليها ما اخترت من القصيدة وقت قراءتي شعر معن بن أوس، عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد، وما رواه ابن الأعرابي فِي نوادره:
وذي رحم قلّمت أظفار ضغنه ... بحلمي عنه وهو ليس له حلم
يحاول رغمي لا يحاول غيره ... وكالموت عندي أن يحلّ به الرغم
فإن أعف عنه أغض عيناً عَلَى قذىً ... وليس له بالصفح عَنْ ذنبه علم
وإن أنتصر منه أكن مثل رائشٍ ... سهام عدوٍّ يستهاض بها العظم
صبرت عَلَى ما كان بيني وبينه ... وما تستوي حرب الأقارب والسلم
وبادرت منه النأي والمرء قادر ... عَلَى سهمه ما دام فِي كفه السهم
ويشتم عرضي فِي المغيب جاهداً ... وليس له عندي هوانٌ ولا شتم
إذا سمته وصل القرابة سامني ... قطيعتها تلك السفاهة والإثم
وإن أدعه للنصف يأب ويعصني ... ويدعو لحكم جائر غيره الحكم
فلولا اتقاء الله والرحم التي ... رعايتها حقٌّ وتعطيلها ظلم
إذاً لعلاه بارقي وخطمته ... بوسم شنارٍ لا يشاكهه وسم
ويسعى إذا أبنى ليهدم صالحي ... وليس الذي يبني كمن شأنه الهدم
يودّ لو أني معدم ذو خصاصةٍ ... وأكره جهدي أن يخالطه العدم
ويعتدّ غنماً فِي الحوادث نكبتي ... وما إن له فيها سناءٌ ولا غنم
فما زلت فِي ليني له وتعطفي ... عليه كما تحنو عَلَى الولد الأم
وروى:
فما زلت فِي رفق به وتعطف ... عليه. . . . . . . . . . . . . .
وزاد ابن الأعرابي:
وخفضٍ له مني الجناح تألفاً ... لتدنيه مني القرابة والرحم
وقولي إذا أخشى عليه مصيبة ... ألا اسلم فداك الخال ذو العقد والعم
стр. 387
وروى:
وقولي إذا أخشى عليه ملمة ... ألا اسلم. . . . . . .
وصبري عَلَى أشياء منه تريبني ... وكظمي عَلَى غيظي وقد ينفع الكظم
لأستل منه الضغن حتى استللته ... وقد كان ذا ضغنٍ يضيق به الجرم
رأيت انثلاماً بيننا فرقعته ... برفقي وإحيائي وقد يرقع الثلم
وأبرأت غلّ الصدر منه توسعاً ... بحلمي كما يشفى بالأدوية الكلم
وزاد ابن الأعرابي:
فداويته حتى ارفأنّ نفاره ... فعدنا كأنا لم يكن بيننا صرم
وأطفأ نار الحرب بيني وبينه ... فأصبح بعد الحرب وهو لنا سلم
وروى: فأطفأت نار الحرب، فقيل له: يا أمير المؤمنين، من قائل هذه الأبيات؟ قَالَ: معن بن أوس المزني.
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد، ﵀:
لنعم الفتى أضحى بأكناف حائل ... غداة الوغى أكل الردينية السمر
لعمري لقد أرديت غير مزلج ... ولا مغلقٍ باب السماحة بالعذر
سأبكيك لا مستبقياً فيض عبرة ... ولا طالباً بالصبر عاقبة الصبر
وقرأت عليه لرجل مات له أخ بعد أخ:
كأن وصيفياً خليلي لم نقل ... لموقد نارٍ آخر الليل أوقد
فلو أنها إحدى يدي رزئتها ... ولكن يدي بانت عَلَى إثرها يدي
فأقسمت لا آسى عَلَى إثر هالكٍ ... قدي الآن من وجدٍ عَلَى هالك قدى
وأنشدني محمد بن السري السراج، لأبي عبد الرحمن العطوي:
حنطته يا نصر بالكافور ... وزففته للمنزل المهجور
هلا ببعض خلاله حنطته ... فيضوع أفق منازل وقبور
стр. 388
تالله لو بنسيم أخلاقٍ له ... تعزى إِلَى التقديس والتطهير
طيّبت من سكن الثرى وعلا الربى ... لتزودوه عدةً لنشور
فاذهب كما ذهب الوفاء فإنه ... عصفت به ريحاً صباً ودبور
واذهب كما ذهب الشباب فإنه ... قد كان خير مجاورٍ وعشير
والله ما أبنته لأزيده ... شرفاً ولكن نفثه المصدور
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد، ﵀، قول الشاعر:
وقد كتب الشيخان لي فِي صحيفتي ... شهادة عدل أدحضت كل باطل
يعني والديه، يقول: بينا شبهى فِي صحيفة وجهي
ما اشترطته هند عَلَى أبيها عتبة بن ربيعة فِي زواجها قبل أن يزوجها من أبي سفيان بن حرب
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: حَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ مُسَاحِقٍ أَخِي بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، قَالَ: قَالَتْ هِنْدٌ لأَبِيهَا عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ: إِنِّي امْرَأَةٌ قَدْ مَلَكْتُ أَمْرِي فَلا تُزَوِّجْنِي رَجُلًا حَتَّى تَعْرِضَهُ عَلَيَّ، قَالَ: لَكِ ذَاكَ، فَقَالَ لَهَا ذَاتَ يَوْمٍ: إِنَّهُ قَدْ خَطَبَكِ رَجُلانِ مِنْ قَوْمِكِ وَلَسْتُ مُسَمِّيًا لَكِ وَاحِدًا مِنْهُمَا حَتَّى أَصِفَهُ لَكِ، أَمَّا الأَوَّلُ: فِي الشَّرَفِ الصَّمِيمُ، وَالْحَسَبِ الْكَرِيمُ، تَخَالِينَ بِهِ هَوَجًا مِنْ غَفْلَتِهِ، وَذَلِكَ إِسْجَاحٌ مِنْ شِيمَتِهِ، حَسَنُ الصَّحَابَةِ، سَرِيعُ الإِجَابَةِ، إِنْ تَابَعْتِهِ تَبِعَكِ، وَإِنْ مِلْتِ كَانَ مَعَكِ، تَقْضِينَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ، وَتَكْتَفِينَ بِرَأْيِكِ عَنْ مَشُورَتِهِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَفِي الْحَسَبِ الْحَسَيِبُ، وَالرَّأْيِ الأَرِيبُ، بَدَرَ أَرُومَتَهُ، وَعَزَّ عَشِيرَتَهُ، يُؤَدِّبُ أَهْلَهُ وَلا يُؤَدِّبُونَهُ، إِنِ اتَّبَعُوهُ أَسْهَلَ بِهِمْ، وَإِنْ جَانَبُوهُ تَوَعَّرَ عَلَيْهِمْ، شَدِيدُ الْغَيْرَةِ، سَرِيعُ الطِّيَرَةِ، صَعْبُ حِجَابِ الْقُبَّةِ، إِنْ حَاجَّ فَغَيْرُ مَنْزُورٍ، وَإِنْ نُوزِعَ فَغَيْرُ مَقْهُورٍ، وَقَدْ بَيَّنْتُ لَكِ كَلَيْهِمَا، فَقَالَتْ: أَمَّا الأَوَّلُ، فَسَيِّدٌ مِضْيَاعٌ لِكَرِيمَتِهِ مَوَّاتٌ لَهَا فِيمَا عَسَى إِنْ تَعْتَصِ أَنْ تَلِينَ بَعْدَ إِبَائِهَا، وَتَضِيعَ تَحْتَ خِبَائِهَا، إِنْ جَاءَتْهُ بِوَلَدٍ أَحْمَقَتْ، وَإِنْ أَنْجَبَتْ فَعَنْ خَطَأٍ مَا أَنْجَبَتْ، اطْوِ ذِكْرَ هَذَا عَنِّي وَلا تُسَمِّهِ لِي، وَأَمَّا الآخَرُ فَبَعْلُ الْحُرَّةِ الْكَرِيمَةِ، إِنِّي لأَخْلاقِ هَذَا لَوَامِقَةٌ، وَإِنِّي لَهُ لَمُوَافِقَةٌ، وَإِنْ لآخُذَهُ بِأَدَبِ الْبَعْلِ مَعَ لُزُومِي قُبَّتِي، وَقِلَّةِ تَلَفُّتِي، وَإِنَّ السَّلِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ لَحَرِيٌّ أَنْ يَكُونَ الْمُدَافِعَ عَنْ حَرِيمِ عَشِيرَتِهِ، الذَّائِدَ عَنْ
стр. 389
كَتِيبَتِهَا، الْمُحَامِيَ عَنْ حَقِيقَتِهَا، الْمُثَبِّتَ لأَرُومَتِهَا، غَيْرَ مُوَاكِلٍ وَلا زَمِيلٍ عِنْدَ صَعْصَعَةِ الْحُرُوبِ، قَالَ: ذَاكَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، قَالَتْ: فَزَوِّجْهُ وَلا تَلْقِ إِلْقَاءَ السَّلَسِ، وَلا تَسُمْهُ سَوْمَ الضّرسِ، ثُمَّ اسْتَخِرِ اللَّهَ فِي السَّمَاءِ، يَخِرْ لَكَ فِي الْقَضَاءِ
: الإسجاح: السهول، والزُّمّل والزُّمّال والزُّمّيل والزُّمّيلة: الجبان الضعيف.
والصعصعة: الاضطراب، يُقَال: قد تصعصع القوم فِي قَالَ أَبُو بَكْرٍ، وغيره يقول، تصعصعوا: تفرقوا، والضرس: السيئ الخلق.
حديث البنات الثلاث مع أبيهن وقد كان عضلهن ومنعهن الأكفاء
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن الأنباري، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، عَنْ بعض أصحابه، عَنِ المدائني، قَالَ: كان رجل من العرب له ثلاث بنات قد عضلهن ومنعهن الأكفاء، فقَالَت إحداهن: إن أقام أبونا عَلَى هذا الرأي فارقنا وقد ذهب حظ الرجال منا، فينبغي لنا أن نعرض له ما فِي نفوسنا، وكان يدخل عَلَى كل واحدة منهن يوماً، فلما دخل عَلَى الكبرى تحادثا ساعة، فحين أراد الأنصراف أنشدت:
أيزجر لاهينا ونلحي عَلَى الصبا ... وما نحن والفتيان إلا شقائق
يؤبن حبيباتٍ مراراً كثيرة ... وتنباق أحياناً بهنّ البوائق
فلما سمع الشعر ساءه، ثم دخل عَلَى الوسطى فتحادثا، فلما أراد الإنصراف أنشدت:
ألا أيها الفتيان إنّ فتاتكم ... دهاها سماع العاشقين فحنت
فدونكم إبغوها فتىً غير زملٍ ... وإلا صبت تلك الفتاة وجنت
فلما سمع شعرها ساءه، ثم دخل عَلَى الصغرى فِي يومها فتحادثا، فلما أراد الإنصراف أنشدت:
أما كان فِي ثنتين ما يزع الفتى ... ويعقل هذا الشيخ إن كان يعقل
فما هو إلا الحّل أو طلب الصّبا ... ولا بدّ منه فأتمر كيف تفعل
فلما رأى تواطؤهن عَلَى ذلك زوجَهُن
حديث همام بن مرة مع بناته الثلاث وكان قد عنسهن
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن دريد، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حاتم، عَنْ أبى عبيدة، قَالَ: كان لهّمام بن مرة ثلاث بنات فعنّسهنّ، فقَالَت الكبرى: أنا أكفيكموه اليوم، فقَالَت:
стр. 390
أهمّام بن مرّة إنّ همّي ... إِلَى قنفاء مشرفة القذال
فقَالَ همام: قنفاء مشرفة القذال، تصف فرساً، فقَالَت الوسطى: ما صنعت شيئاً، فقَالَت:
أهمام بن مرة إن همي ... إِلَى اللأئي يكنّ مع الرجال
فقَالَ همام: يكون مع الرجال الذهب والفضة! فقَالَت الصغرى: ما صنعتما شيئاً، وقَالَت:
أهمام بن مرّة إنّ همّي ... إِلَى عردٍ أسدُّ به مبالي
فقَالَ همام: قاتلكنّ الله! والله لا أمسيت أو أزوجكن! فزوّجهن
ما قاله بعض الأدباء فِي وصف بعض الثقلاء
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو العباس النحوي، قَالَ: قَالَ العباس بن الحسن العلوي: ما الحمام عَلَى الإصرار، وحلول الدّين مع الإقتار، وطول السّقم فِي الأسفار، بآلم من لقائه!
وأنشدنا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: أنشدنا أَبُو العباس وأبي، واللفظ مختلط،
ثقيلٌ يطالعنا من أمم ... إذا سرّه رغم أنفي ألمّ
أقول له إذ أتى لا أتى ... ولا حملته إلينا قدم
عدمت خيالك لا من عمى ... وسمع كلامك لا من صمم
تغطّ بما شئت عَنْ ناظري ... ولو بالرّداء به فالتثم
لنظرته وخرة فِي القلوب ... كوخز المحاجم فِي الملتزم
قَالَ: وأنشدنا عبد الله بن خلف:
وثقيل أشدّ من ثقل الموت ... ومن شدة العذاب الأليم
لو عصت ربها الجحيم ... لما كان سواه عقوبةً للجحيم
قَالَ: وأنشدنا عبد الله بن خلف، وغيره، لمحمد بن نصر بن بسام:
يا ثقيلاً عَلَى القلوب إذا ... عَنْ لها أيقنت بطول الجهاد
يا قدي فِي العيون يا غلة بين ... التّراقي حزازة فِي الفؤاد
يا طلوع العذول يا بين إلفٍ ... يا غريما أتى عَلَى ميعاد
стр. 391
يا ركوداً فِي يوم غيم وصيف ... يا وجوه التّجار يوم الكساد
خلِّ عنَّا فإنما أنت فينا ... واو عمرو وكالحديث المعاد
وامض فِي غير صحبة الله ما عشت ... ملّقى من كلِّ فجّ وواد
يتخطى بك المهامه والبيد ... دليل أعمى كثير الرّقاد
خلفك الثائر المصمم بالسيف ... ورجلاك فوق شوك القتاد
قَالَ: وأنشدنا أبي:
ربّما يثقل الجليس وإن كان ... خفيفاً فِي كفّة الميزان
ولقد قلت حين وتد فِي البيت ... ثقيلٌ أربى عَلَى ثهلان
كيف لم تحمل الأمانة أرضٌ ... حملت فوقها أبا سفيان
ما دار بين عبد الملك بن مروان وعزة صاحبة كثير يوم دخلت عليه
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن الأنباري، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، عَنْ عكرمة الضّبّي، قَالَ: قَالَ العتبي: دخلت عزّة عَلَى عبد الملك بن مروان، فقَالَ لها: يا عزّة، أنت عزّة كثيّر؟ فقَالَت: أنا أمّ بكر الضّمريّة، فقَالَ لها: أتروين قول كثيّر:
وقد زعمت أني تغيّرت بعدها ... ومن ذا الذي يا عز لا يتغيّر
تغيّر جسمي والخليقة كالتي ... عهدت ولم يخبر بسّرك مخبر
فقَالَت: لا أروي هذا، ولكني أروي قوله:
كأني أنادي صخرةً حين أعرضت ... من الصّمّ لو تمشى بها العصم زلّت
صفوحاً فما تلقاك إلا بخيلةً ... فمن ملّ منها ذلك الوصل ملّت
قصيدة كثير التائية التي منها البيت المشهور
وما كنت أدري قبل عزة ما البكا. . . . . . الخ
وقرأت هذه القصيدة عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد، ﵀، فِي شعر كُثيِّر وهي من منتخبات شعر كثير، وأولها:
خليليّ هذا ربع عزّة فاعقلا ... قلوصيكما ثم ابكيا حيث حلت
стр. 392
ويروى:
خليليّ هذا رسم عزة فاعقلا ... قلوصيكما ثم انظرا حيث حلت
وما كنت أدري قبل عزة ما الهوى ... ولا موجعات الحزن حتى تولت
فقد حلفت جهداً بما نحرت له ... قريشٌ غداة المأزمين وصلّت
أناديك ما حجّ الحجيج وكبّرت ... بفيفا غزالٍ رفقةٌ وأهلّت
وكانت لقطع الحبل بيني وبينها ... كناذرةٍ نذراً فأوفت وحلّت
ويروى: وفت فأحلّت.
فقلت لها يا عزّ كل مصيبةٍ ... إذا وطّنت يوماً لها النفس ذلّت
ولم يلق إنسانٌ من الحب ميعةً ... تعمّ ولا غمّاء إلا تجّلت
كأني أنادي صخرة حين أعرضت ... من الصّمّ لو تمشى بها العصم زلّت
صفوحاً فما تلقاك إلا بخيلةً ... فمن ملّ منها ذلك الوصل ملت
ويروى: صفوح، والصفوح: المعرض.
ويروى: ذلك البخل.
أباحت حمىً لم يرعه الناس قبلها ... وحلّت تلاعاً لم تكن قبل حلّت
فليت قلوصي عند عزة قيّدت ... بحبل ضعيفٍ غر منها فضلت
وغودر فِي الحي المقيمين رحلها ... وكان لها باغٍ سواي فبلّت
وكنت كذي رجلين رجلٍ صحيحةٍ ... ورجلٍ رمى فيها الزمان فشلّت
وكنت كذات الظّلع لما تحاملت ... عَلَى ظلعها بعد العِثار استقلت
أريد الثواء عندها وأظنها ... إذا ما أطلنا عندها المكث ملّت
فما أنصفت أما النساء فبغّضت ... إِلَى وأمّا بالنوال فضنّت
يكلفها الغيران شتمي وما بها ... هواني ولكن للمليك استذلّت
هنيئاً مريئاً غير داء مخامرٍ ... لعزة من أعراضنا ما استحلّت
قيل لكثير: أنت أشعر أم جميل؟ فقَالَ: بل أنا، فقيل له: أتقول هذا وأنت روايته؟ فقَالَ: جميل الذي يقول:
رمى الله فِي عيني بثينة بالقذى ... وفي الغر من أنيابا بالقوادح
وأنا أقول:
هنيئاً مريئاً غير داء مخامرٍ ... لعزة من أعراضنا ما استحلت
стр. 393
فوالله ما قاربت إلا تباعدت ... بصرمٍ ولا أكثرت إلا أقلّت
ويروى: ولا استكثرت:
فإن تكن العتبى فأهلا ومرحبا ... وحقت لها العتبى لدينا وقلّت
وإن تكن الأخرى فإن وراءنا ... منادح لو سارت بها العيس كلّت
خليليّ إن الحاجبية طلّحت ... قلوصيكما وناقتي قد أكلّت
فلا يبعدن وصلٌ لعزة أصبحت ... بعاقبةٍ أسبابه قد تولّت
أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ... لدينا ولا مقلية إن تقلّت
ولكن أنيلي واذكري من مودةً ... لنا خلةً كانت لديكم فطلّت
فإني وإن صدّت لمثنٍ وصادقٌ ... عليها بما كانت إلينا أزلّت
فما أنا بالداعي لعزّة بالجوى ... ولا شامت إن نعل عزّة زلّت
فلا يحسب الواشون أن صبابتي ... بعزة كانت غمرةً فتجلّت
فأصبحت قد أبللت من دنفٍ بها ... كما أدنفت هيماء ثم استبلّت
فوالله ثم الله ما حلّ قبلها ... ولا بعدها من خلّةٍ حيث حلّت
وما مرّ من يومٍ عَلَى كيومها ... وإن عظمت أيام أخرى وجلّت
وأضحت بأعلى شاهقٍ من فؤاده ... فلا القلب يسلاها ولا العين ملّت
فيا عجباً للقلب كيف اعترافه ... وللنفس لما وطّنت كيف ذلّت
وإني وتهيامي بعزة بعد ما ... تخليت مما بيننا وتخلت
لكالمرتجى ظل الغمامة كلما ... تبوأ منها للمقيل اضمحلت
стр. 394
كأني وإياها سحابةُ ممحل ... رجاها فلما جاوزته استهلت
فإن سأل الواشون فيم هجرتها ... فقل نفس حر سليت فتسلت
: المازمان: بين عرفة والمزدلفة، وأناديك: أجالسك، وهو مأخوذ من النّدى والنادي جميعاً، وهما المجلس، وميعة كل شيء: أوله، والصّفوح: المعرضة، بلت: ذهبت.
: وما أعرف بلّت ذهبت إلا فِي تفسير هذا البيت، والعتبي: الإعتاب، يُقَال: عاتبني فلان فاعتبته إذا نزعت عما عاتبك عليه، والعتبى: الإسم والإعتاب المصدر، وقوله طلحت، الطليح: المعى الذي قد سقط من الإعياء، وطلّت: هدرت، وأزلّت: اصطنعت، ويقَالَ: بلّ من مرضه وأبلّ واستبلّ إذا برأ، واعترافه: اصطباره، يُقَال: نزلت به مصيبةٌ فوجد عروفاً أي صبورا، والعارف: الصابر
وأنشدنا أَبُو عبد الله، ﵀، لنفسه:
وقائل تبح باسمي فقلت له ... هبني أكاتم جهدي ما أعانيه
أنشدنيه جهدي، وأنا أختار جهدي.
فكيف لي بارتياعي حين تبصرني ... حتى أقول بدا ما كنت أخفيه
أم كيف يسعدني صبرٌ ولي كبدٌ ... حرّى تذوب وقلبٌ فيه ما فيه
يا ساحر اللخط قد والله برّح بي ... شوقي إليك وأعيا ما ألاقيه
وأنشدني لابن أذينة:
قَالَت وأبثثتها شجوى فبحت به ... قد كنت عندي تحب الستر فاستتر
ألست تبصر من حولي فقلت لها ... غطّى هواك وما ألقى عَلَى بصري
وأنشدنا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: أنشدنا أَبُو حاتم، عَنِ الأصمعي:
إِلَى الله أشكو ثم أثني فأشتكي ... غريماً لواني الدّين منذ زمان
لطيف الحشا عبل الشّوى طيّب اللّمى ... له عللٌ لا تنقضي وأماني
стр. 395
سؤال عبد الملك بن مروان للحجاج، عَنْ عيبه وما أجاب به، وما قاله فيه خالد بن صفوان
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا العكلي، عَنْ أبيه، قَالَ: سأل عبد الملك الحجّاج، عَنْ عيبه فتلكأ عليه، فأبى إلا أن يخبره، فقَالَ: أنا حديدٌ حسودٌ حقودٌ لجوج ذو قسوة، فبلغ هذا الكلام خالد بن صفوان، فقَالَ: لقد انتحل الشّر بحذافيره، والمروق من جميع الخير بزوبره، ولقد تأنق فِي ذم نفسه، وتجود فِي الدلالة عَلَى لؤم طبعه، وفي إقامة البرهان عَلَى إفراط كفره، والخروج من كنف ربّه، وشدّة المشاكلة لشيطانه الذي أغواه
ما يكون بالخاء المعجمة والمهملة من الكلمات
قَالَ الأصمعي: الخشيُّ والحشيُّ: اليابس وأنشد للعجاج.
والهدب الناعم والخشىُّ.
الناعم: الرطب اللين، وأنشد:
وإن عندي لو ركبت مسحلي ... سمّ ذراريح رطابٍ وخشي
قَالَ ويقَالَ: حبج وخبج إذا خرجت منه ريحٌ، قَالَ: وسمعت أعرابياً يقول: خبج بها وربّ الكعبة، قَالَ ويقَالَ: فاحت منه ريحٌ طيبة وفاخت، وقَالَ أَبُو زيد يُقَال: خمص الجرح يخمص خموصاً، وحمصَ يحمص حموصاً، وانحمص انحماصا، وانخمص انخماصاً إذا ذهب ورمه، وقَالَ والمحسول: المرذول، وقد حسلته وخسلته أَبُو عبيدة: المخسول قَالَ أَبُو عمرو الشيباني: الجحادي والجخادي، الضّخم، قَالَ ويقَالَ: طخرور وطحرور للسحابة، وقَالَ الأصمعي: الطخارير: قطع من السحاب مستدقّة رقاقٌ، والواحدة طخرورة، والرّجل طخرور إذا لم يكن جلداً ولا كثيفاً، ولم يعرفه بالحاء، قَالَ اللحياني: يُقَال: شرب حتى اطمحرّ واطمخرّ أي حتى امتلأ وروى، ويقَالَ: دربح ودربخ إذا حنى ظهره، ويقَالَ:
стр. 396
هو يتحوّف مالي ويتخوفّه أي: ينقصه ويأخذ من أطرافه، قَالَ الله : ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ [النحل: ٤٧] أي تنقص وقَالَ الشاعر:
تخوف السّير منها تامكاً قرداً ... كما تخوف عود النبعة السفن
: التامك: المرتفع من السّنام، والقرد المتلبد بعضه عَلَى بعض، والسّفن: المبرد.
وأَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، عَنْ أبيه، قَالَ: أتى أعرابي إِلَى ابن عباس، فقَالَ:
تخوّفني مالي أخٌ لي ظالمٌ ... فلا تخذلني اليوم يا خير من بقي
فقَالَ: تخوّفك أي تنقّصك؟ قَالَ: نعم، قَالَ: الله أكبر! ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ [النحل: ٤٧] أي تنقّص من خيارهم، وقد قرئ ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلا﴾ [المزمل: ٧] وسبخاً قرأها يحيى بن يعمر، قَالَ الفراء: معناهما واحد أي فراغاً، وقَالَ غيره: سبحاً: فراغاً، وسبخاً: نوماً، ويقَالَ: قد سبخ الحرّ إذا خار وانكسر، ويقَالَ: اللهم سبّخ عنه الحمى أي خفّفها، وقَالَ النَّبِيّ ﷺ لعائشة رحمها الله، حين دعت عَلَى سارقٍ سرقها: لا تسبّخي عنه بدعائك أي لا تخففي عنه إثمه، ويقَالَ لما سقط من ريش الطائر: سبيخ.
ما تعاقب فيه الدال التاء قَالَ الأصمعي: هو السّدى والسّتى، والأسديُّ والأستيُّ لسدى الثوب، قَالَ الحطيئة:
مستهلك الورد كالأسدي قد جعلت ... أبدى المطيّ به عاديةً ركبا
ويروى: رغباً.
ركب: جمع ركوب وهو الطريق الذي فيه آثار، والرّغب: الواسعة، قَالَ: وأما السّدى من الندى فبالدال لا غير، يُقَال: سديت الأرض إذا نديت، من السّماء كان الندى أو من الأرض، حكى بعض شيوخنا عَنْ أبي عبيدة، قَالَ السّدى: ما كان فِي أول الليل، والنّدى: ما كان فِي آخره، ويقَالَ للبلح إذا وقع وقد استرخت ثفاريقه وندى: بلحٌ سدٍ، وقد أسدى النّخل، ويقَالَ: أعتده وأعدّه، قَالَ الشاعر:
إثماً وغرما وعذاباً معتدا
ويقَالَ: الدولج والتولج: للكناس، ويقَالَ: مدّ فِي السير ومتّ، ويقَالَ: السبنداة والسبنتاة للجريئة، ويقَالَ للنمر: سبنتي وسبندى، ويقَالَ: هرت القصّار الثوب وهرده إذا خرقه، وكذلك هرد عرضه وهرته.
стр. 397
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن دريد، لحميد بن ثور:
قرينة سبع إن تواترن مرة ... ضربن فصفت أرؤس وجنوب
تواترن: اتبع بعضهن بعضاً، يريد أنهن غير مصطفّات، فإذا أردن الطيران ضربن بأجنحتهن حتى يستوين، ثم يصرن إِلَى طيرانهن وهنّ مصطفّات الأرؤس والجنوب.
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد لنفسه فِي قصيدة له أولها هذه الأبيات:
ليس المقصّر وانياً كالمقصر ... حكم المعذر غير حكم المعذر
لو كنت أعلم أن لحظك موبقي ... لحذرت من عينيك ما لم أحذر
لا تحسبي دمعي تحدّر إنما ... نفسي جرت فِي دمعي المتحدّر
خبري خذيه عَنِ الضنا وعَنِ البكا ... ليس اللسان وإن تلفت بمخبر
ولقد نظرت فردّ طرفي خاسئاً ... حذر العدا وبهاء ذاك المنظر
يأسى يحسن لي التستر فاعلمي ... لو كنت أطمع فيك لم أتستّر
المعذر فِي طلب الحاجة: المبالغ فيها، والمعذّر: المتواني، والمقصر عَنِ الشيء الذي ينزع عنه وهو يقدر عليه، والمقصّر: العاجز عنه: ما جاء من الكلمات بالصاد والزاي قَالَ الأصمعي: جاءتنا زمزمةٌ من بني فلان وصمصمة أي جماعة، وأنشد:
إذا تدانى زمزمٌ لزمزم
وأنشدنا أيضاً:
وحال دوني من الأبناء زمزمةٌ ... كانوا الأنوف وكانوا الأكرمين أبا
قَالَ ويروي: صمصمة، ويقَالَ: نشصت المرأة عَلَى زوجها ونشزت، وهو النشوص والنشور ومنه يُقَال: نشصت ثنيّته إذا خرجت من موضعها، قَالَ الأعشى:
تقمرها شيخٌ عشاءً فأصبحت ... قضاعيّةً تأتي الكواهن ناشصا
أي ناشزا، قَالَ لي أَبُو العباس: معنى تقمرها عقلها وأخرجها من قومها فأصبحت فِي قضا غريبةً تأتي الكواهن تسأل عَنْ حالها، هل يرين لها الرجوع إِلَى أهلها أم لا، والنشاص: الغيم المرتفع
стр. 398
إنما سميّ نشاصاً، لأنه ارتفع عَلَى غيره بمنزلة الثّنيّة ارتفعت عَلَى غيرها، والشرز والشرص واحد وهو الغلظ.
قَالَ الأصمعي: وسمعت خلفاً يقول سمعت أعرابياً يقول: لم يحرم من فزد له أي من فصد فخفّف، وأبدل من الصاد زاياً، يقول: لم يحرم من أصاب بعض حاجته وإن لم ينلها كلها، ويقَالَ: فصّ الجرح يفصّ فصيصاً وفزّ يفزّ فزيزاً أي سال.
ما تتعاقب فيه السين والثاء المثلثة وقَالَ الأصمعي: أتانا ملس الظلام وملث الظلام أي اختلاطه، ويقَالَ: ساخت رجله فِي الأرض وثاخت إذا دخلت، قَالَ أَبُو ذؤيب:
قصر الصبوح لها فشرج لحمها ... بالني فهي تثوخ فيها الإصبع
شرّج: خلط، وشريجان: خليطان، والنيّ: الشحم، والوطس والوطث: الضرب الشديد بالخفّ، ويقَالَ: فوه يجري سعابيب وثعابيب وهو أن يجري منه ماءٌ صافٍ، ويقَالَ: ناقة فاسجٌ وفاثجٌ، وهي الفتية الحامل، وأنشد الأصمعي:
والبكرات اللقّح الفواثجا
ما قاله عمرو بن معد يكرب يمدح مجاشع بن مسعود وقد سأله فوصله
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حاتم، عَنْ أبى عبيدة، أن عمرو بن معد يكرب أتى مجاشع بن مسعود بالبصرة يسأله الصلة، فقَالَ له: اذكر حاجتك، فقَالَ: حاجتي صلة مثلي، فأعطاه عشرة آلاف درهم وفرساً من بنات الغبراء وسيفاً قلعياً وغلاماً خبّازاً، فلما خرج من عنده، قَالَ له أهل المجلس: كيف وجدت صاحبك؟ فقَالَ: لله درّ بني سليم: ما أشدّ فِي الهيجاء لقاءها، وأكرم فِي اللزبات عطاءها، وأثبت فِي المكرمات بناءها! والله لقد قاتلتها فما أجبنتها، وسألتها فما أبخلتها، وهاجيتها فما أفحمتها! ثم قَالَ: ولله مسئولاً نوالاً ونائلاً وصاحب هيجا يوم هيجا مجاشع
стр. 399
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حاتم، عَنِ العتبى، قَالَ: ذكر اعرابي رجلاً، فقَالَ: نعم حشو الدرع ومقبض السيف ومدره الرمح! هو كان أحلى من العسل إذا لوين، وأمرّ من الصبر إذا خوشن
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، ﵀، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الأول بن مريد، عَنْ أبيه، قَالَ: حَدَّثَنِي بعض موالي بني هاشم، قَالَ: قَالَ المنصور لخالد بن عبد الله القسري: إني لأعدّك لأمر كبير، قَالَ: يا أمير المؤمنين، قد أعدّ الله لك مني قلباً معقوداً بنصيحتك، ويداً مبسوطة بطاعتك، وسيفا مشحوذاً عَلَى أعدائك فإذا شئت
ما قاله الزبير بن عبد المطلب يصف ابن أخيه النَّبِيّ ﷺ وأخويه العباس وضراراً وابنته أم الحكم ومغيثاً ابن جاريته
قَالَ: وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عمر، عَنْ أبيه، عَنْ هشام بن محمد، قَالَ: حَدَّثَنِي رافع بن بكّار، ونوح بن درّاج، قالا: دخل النَّبِيّ ﷺ عَلَى عمه الزبير بن عبد المطلب وهو صبي، فأقعده فِي حجره، وقَالَ:
محمد بن عبدم ... عشت بعيش أنعم
ودولة ومغنم ... فِي فرع عز أسنم
مكرم معظم ... دام سجيس الأزلم
أي أبد الدهر، ثم دخل عليه العباس بن عبد المطلب وهو غلام فأقعده فِي حجره، وقَالَ: إن أخي عباس عفّ ذو كرم
فيه عَنِ العوراء إن قيلت صمم ... يرتاح للمجد ويوفي بالذمم
وينحر الكوماء فِي اليوم الشبم ... أكرم بأعراقك من خالٍ وعم
ثم دخل عليه ضرار بن عبد المطلب وهو أصغر من العباس، فقَالَ:
ظني بميّاسٍ ضرارٍ خير ظن ... أن يشتري الحمد ويغلي بالثمن
ينحر للأضياف ربات السمن ... ويضرب الكبش إذا البأس ارجحن
ثم دخلت عليه ابنته أم الحكم، فقَالَ:
стр. 400
يا حبذا أم الحكم ... كأنها ريمٌ أحمّ
يا بعلها ماذا يشم ... ساهم فيها فسهم
ثم دخلت عليه جارية له يُقَال لها أم مغيث، فقَالَت: مدحت ولدك وبني أخيك، ولم تمدح ابني مغيثاً، فقَالَ: عَلَى به عجليه، فجاءت به، فقَالَ:
وإن ظني بمغيثٍ إن كبر ... أن يسرق الحجّ إذا الحج كثر
ويوقر الأعيار من قرف الشجر ... ويأمر العبد بليل يعتذر
ميراث شيخ عاش دهرا غير حر
سالت أبا بكر عَنْ يعتذر، فقَالَ: يصنع عذيرةً، وهي طعام من أطعمة الأعراب: وقد جمع يعقوب هذا الباب فِي كتاب المنطق.
فأكثر ولم يأت بهذه الكلمة، فأما يعتذر من العذر فكثير من أشعار العرب فِي أمثال هذا الموضع.
ما وصفت به هند ابنها معاوية رحمهما الله وهي ترقصه
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: قَالَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ، وَهِيَ تُرَقِّصُ ابْنَهَا مُعَاوِيَةَ، ﵀:
إِنَّ ابْنِي مُعَرَّقٌ كَرِيمْ ... مُحَبَّبٌ فِي أَهْلِهِ حَلِيمْ
لَيْسَ بِفَحَّاشٍ وَلا لَئِيمْ ... وَلا بِطَخْرُورٍ وَلا سَئُومْ
صَخْرُ بَنِي فِهْرٍ بِهِ زَعِيمْ ... لا يُخْلِفُ الظَّنَّ وَلا يَخِيمْ
يخيم: يجبن، يُقَال: خام عَنْ قرنه، ويمكن أن يكون يخيم فِي هذا الموضع يخيب أبدلت من الباء ميماً، كما قالوا: طينٌ لازبٌ ولازم.
ما وصفت به ضباعة بنت عامر ابنها المغيرة بن سلمة وهي ترقصه
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عمى، عَنْ أبيه، عَنْ هشام، قَالَ: قَالَت ضباعة بنت عامر بن قرط بن سلمة بن قشير وهي ترقص ابنها المغيرة بن سلمة
стр. 401
نمى به إِلَى الذرى هشام ... قرم وآباء له كرام
جحاجح خضارمٌ عظام ... من آل مخزوم هم الأعلام
الهامة العلياء والسنام
ما وصفت به أم الفضل ابنها عبد الله بن عباس وهي ترقصه
قَالَ: وأَخْبَرَنِي عمي، عَنْ أبيه، عَنْ هشام، قَالَ: قَالَت أم الفضل بنت الحارث الهلالية وهي ترقص ابنها عبد الله بن العباس:
ثكلت نفسي وثكلت بكري ... إن لم يسد فهراً وغير فهر
بالحسب العدّ وبذل الوفر ... حتى يوارى فِي ضريح القبر
سمعت ابن خيرٍ الورّاق، وقد سأل أَبُو بَكْرِ بن دريد، فقَالَ له: مم اشتق العقل؟ فقَالَ: من عقال الناقة، لأنه يعقل صاحبه عَنِ الجهل أي يحبسه، ولهذا قيل: عقل الدراء بطنه أي أمسكه، ولذلك سميت خبراء بالدهناء معقلة، لأنها تمسك الماء، قَالَ: فممّ اشتق اللحد؟ قَالَ: من قولهم لحد إذا عدل، لأنه عدل إِلَى أحد شقي القبر، قَالَ: فمم استق الضريح؟ قَالَ: هو بمعنى مضروح كأنه ضرحه جانباه أي دفعاه فوقع فِي وسطه
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد من شعر الحطيئة:
وإن التي نكبتها عَنْ معاشر ... عَلَى غضابٍ أن صددت كما صدوا
أتت آل شمّاس بن لأيٍ وإنما ... أتاهم بها الأحلام والحسب العدّ
فإن الشقي من تعادي صدورهم ... وذو الجد من لانوا إليه ومن ودوا
الحسب: الشرف، والعدّ: القديم، ويقَالَ: بئر عدّ، إذا كانت لها مادةٌ من الأرض.
يسوسون أحلاماً بعيداً أناتها ... وإن غضبوا جاء الحفيظة والجد
стр. 402
أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم ... من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا
أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنى ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا
: البنى واحدها بنية، مثل رشوة ورشىً.
فإن كانت النعمى عليهم جزوا بها ... وإن أنعموا لا كدروها ولا كدّوا
وإن قَالَ مولاهم عَلَى جلّ حادث ... من الدهر ردوا فضل أحلامكم ردّوا
مطاعين فِي الهيجا مكاشيف للدّجى ... بنى لهم آباؤهم وبنى الجدّ
فمن مبلغٌ أبناء سعدٍ فقد سعى ... إِلَى السورة العليا لهم حازمٌ جلد
رأى مجد أقوام أضيع فحثّهم ... عَلَى مجدهم لما رأى أنه الجهد
وروى الأصمعي: لما راى أنه المجد.
ويروى: لما رأى أنه الجدّ، فمن روى أنه الجهد اراد به أنه الجهد منه، لأن تضييعهم أحسابهم قد جهده، ومن روى أنه الجدّ أراد أنه الجد من هؤلاء المضيعين فِي تضييعهم أحسابهم.
وتعذلني أفناء سعدٍ عليهم ... وما قلت إلا بالذي علمت سعد
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ أنشدني أبي:
إذا المرء لم يترك طعاماً يحبه ... ولم ينه قلباً غاوياً حيث يمّما
فلا بد أن تلغى له الدهر سبّةٌ ... إذا ذكرت أمثالها تملأ الفما
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد، لأشجع:
مضى ابن سعيد حين لم يبق مشرقٌ ... ولا مغربٌ إلا له فيه مادح
وما كنت أدري ما فواضل كفّه ... عَلَى الناس حتى غيّبته الصفائح
فأصبح فِي لحدٍ من الأرض ميتاً ... وكانت له حياً تضيق الصحاصح
وما أنا من رزء وإن جلّ جازعٌ ... ولا بسرور بعد موتك فارح
كأن لم يمت حيٌّ سواك ولم تقم ... عَلَى أحد إلا عليك النوائح
لئن حسنت فيك المراثي وذكرها ... لقد حسنت من قبل فيك المدائح
стр. 403
وأنشدنا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: أنشدنا أَبُو حاتم:
ألا فِي سبيل الله ماذا تضمّنت ... بطون الثرى واستودع البلد القفر
بدورٌ إذا الدنيا دجت أشرقت بهم ... وإن أجدبت يوماً فأيديهم القطر
فيا شامتاً بالموت لا تشمتن بهم ... حياتهم فخرٌ وموتهم ذكر
حياتهم كانت لأعدائهم عمىً ... وموتهم للفاخرين بهم فخر
أقاموا بظهر الأرض فاخضرّ عودها ... وصاروا ببطن الأرض فاستوحش الظهر
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، ﵀، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الرحمن، عَنْ عمه، قَالَ: سمعت عمي يقول: سمعت أعرابياً ينشد:
كلاب الناس إن فكرت فيهم ... أضرّ عليك من كلب الكلاب
لأن الكلب لا يؤذي صديقاً ... وإن صديق هذا فِي عذاب
ويأتي حين يأتي فِي ثياب ... وقد حزمت عَلَى رجل مصاب
فأخزى الله أثواباً عليه ... وأخزى الله ما تحت الثياب
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عبد الرحمن، عَنْ عمه، قَالَ: خرج أعرابي إِلَى الشام، فكتب عمه كتباً فلم يجيبوه عنها، فكتب إليهم:
ألا أبلغ معاتبتي وقولي ... بني عمي فقد حسن العتاب
وسل هل كان لي ذنب إليهم ... هم منه فاعتبهم غضاب
كتبت إليهم كتباً مراراً ... فلم يرجع إِلَى لهم جواب
فلا أدري أغيّرهم تنائي ... وطول العهد أم مالٌ أصابوا
فمن يك لا يدوم له وفاء ... وفيه حين يغترب انقلاب
فعهدي دائم لهم وودي ... عَلَى حال إذا شهدوا وغابوا
ما يجيء من الكلمات بالثاء المثلثة والذال المعجمة
قَالَ الأصمعي يُقَال لتراب البئر: النبيثة والنبيذة، وقَالَ: يُقَال: قربٌ حثحاثٌ وحذحاذٌ إذا كان سريعاً، ويقَالَ: قثم له من ماله وقذم، وغذم له من ماله وغثم إذا دفع إليه دفعه فأكثر،
стр. 404
ويقَالَ قرأ فما تلعثم وما تلعذم، ويقَالَ: جثا يجثو وجذا يجذو إذا قام عَلَى أطراف أصابعه، وأنشد للنعمان بن نضلة:
إذا شئت غنتني دهاقين قريةٍ ... وصناجة تجذوا عَلَى كل منسم
: جعل للإنسان منسماً عَلَى الاتساع، وإنما قَالَ الآخر:
سأمنعها أو سوف أجعل أمرها ... إِلَى ملكٍ أظلافه لم تشقق
فجعل للإنسان ظلفاً، وإنما الظلّف للشاء والبقر، وقَالَ غير الأصمعي، يُقَال: جَثوة وجُثوة وجُثوة، وجَذوة وجُذوة وجِذوة، وقَالَ أَبُو عمرو الشيباني: يلوث ويلوذ سواء، وقَالَ غيره يُقَال: خرجت عثيثة الجرح وغذيذته، وهي مدته وما فيه، وقد غثّ يغثُّ وغذّ يغذّ،
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن دريد، ﵀:
فما كان ذنب بني عامر ... بأن سبّ منهم غلامٌ فسب
بأبيض ذي شطبٍ باترٍ ... يقطّ العظام ويبري العصب
قَالَ: يريد معاقرة غالبٍ أبي الفرزدق، وسُحيم بن وثيل الرياحي، لما تعاقرا بصوأر، فعقر سحيم خمساً ثم بداله، وعقر غالبٌ مائةً.
وقوله سُبّ أي: شتم، وقوله: سَبّ أي قطع، قَالَ: وأصل السَبّ القطع.
وصف عَلَى ﵁ الدنيا وقد سئل ذلك
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، ﵀، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ، قَالَ: صِفْ لَنَا الدُّنْيَا، فَقَالَ: «وَمَا أَصِفُ لَكَ مِنْ دَارٍ أَوَّلُهَا عَنَاءٌ، وَآخِرُهَا فَنَاءٌ، مَنْ صَحَّ فِيهَا أَمِنَ، وَمَنْ سَقِمَ فِيهَا نَدِمَ، وَمَنِ افْتَقَرَ فِيهَا حَزِنَ، وَمَنِ اسْتَغْنَى فُتِنَ، حَلالُهَا حِسَابٌ، وَحَرَامُهَا عَذَابٌ»
стр. 405
وصف رجل لبعض الأمراء وقد عزل عَنْ عمله
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، ﵀، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حاتم، عَنِ العتبى، قَالَ: عُزل بعض الأمراء عَنْ عمله، فقَالَ له رجل: أصبحت والله فاضحاً متعباً: أما فاضحاً فلكل والٍ قبلك بحسن سيرتك، وأما متعباً فلكل والٍ بعدك أن يلحقك
وصف المغيرة بن شعبة عمر بن الخطاب رضى الله عنه
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الرِّيَاشِيُّ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ، قَالَ: قَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: «كَانَ عُمَرُ ﵁ أَفْضَلَ مِنْ أَنْ يَخْدِعَ، وَأَعْقَلَ مِنْ أَنْ يُخْدَعَ»
وصف عمر بن الخطاب معاوية ﵁
قَالَ: وَكَانَ عُمَرُ إِذَا نَظَرَ إِلَى مُعَاوِيَةَ يَقُولُ: هَذَا كِسْرَى الْعَرَبِ، قَالَ: فَكَانَ مُعَاوِيَةُ يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ عُمَرَ مُسْتَخْلِيًا رَجُلا قَطُّ إلا رَحِمْتُهُ.
وصف بعض علماء الهند صحبة السلطان
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، ﵀، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حاتم، قَالَ: قَالَ بعض علماء الهند: صحبة السلطان عَلَى ما فيها من العز والثروة عظيمة الخطار، وإنما تشبه بالجبل الوعر، فيه السباع العادية، والثمار الطيبة، فالارتقاء إليه شديد، والمقام فيه أشد، وليس يتكافأ خير السلطان وشره، لأن خير السلطان لا يعدو مزيد الحال، وشر السلطان يزيل الحال ويتلف النفس التي لها طلب المزيد، ولا خير فِي الشيء الذي سلامته مال وجاه، وفي نكبته الجائحة والتلف
وأنشدني أَبُو بَكْرِ بن دريد:
وخلقته حتى إذا تمّ واستوى ... كمخّة سابق أو كمتن إمام
خلّقته: ملّسته، يعني سهماً، والإمام: الخيط الذي يمدّ عَلَى البناء فيبنى عليه، وهو بالفارسية التّرّ.
ما وقع بين عمرو بن براقة الهمداني وحريم المرادي من الإغارة والقتال وما قَالَ عمرو فِي ذلك
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، ﵀، قَالَ: حَدَّثَنَا السكن بن سعيد، عَنْ محمد بن عباد، عَنِ ابن الكلبي، قَالَ: أغار رجل من مراد يُقَال له حريم، عَلَى إبل عمرو بن برّاقة الهمداني، وخبل له فذهب بها، فأتى عمرو سلمى، وكانت بنت سيدهم وعن رأيها كانوا يصدرون، فأخبرها أن حريما المرادي
стр. 406
أغار عَلَى إبله وخيله، فقَالَت: والخفو والوميض، والشفق كالإحريض، والقلة والحضيض، إن حريما لمنيع الحيز، سيد مزيز، ذو معقل حريز، غير أني أرى الحمّة ستظفر منه بعثرة، بطيئة الجبرة، فأغر ولا تنكع، فأغار عمرو فاستاق كل شيء له، فأتى حريمٌ بعد ذلك يطلب إِلَى عمرو أن يرد عليه بعض ما أخذ منه فامتنع ورجع حريم، وقَالَ عمرو:
تقول سليمى لا تعرّض لتلفةٍ ... وليلك عَنْ ليل الصعاليك نائم
وكيف ينام الليل من جلّ ماله ... حسام كلون الملح أبيض صارم
غموضٌ إذا عضّ الكريهة لم يدع ... له طمعاً طوع اليمين ملازم
ألم تعلمي أن الصعاليك نومهم ... قليلٌ إذا نام الخليّ المسالم
إذا الليل أدجى واكفهر ظلامه ... وصاح من الأفراط بوم جواثم
ويروى:
إذا الليل ادجى واسجهرّت نجومه
والمسجهرّ: الأبيض.
ومال بأصحاب الكرى غالباته ... فإني عَلَى أمر الغواية حازم
كذبتم وبيت الله لا تأخذونها ... مراغمة ما دام للسيف قائم
تحالف أقوامٌ عَلَى ليسلموا ... وجروا عَلَى الحرب إذا انا سالم
أفاليوم أدعى للهوادة بعدما ... أجيل عَلَى الحيّ المذاكي الصلادم
فإن حريماً إن رجا أن أردها ... ويذهب مالي يا بنة القيل حالم
متى تجمع القلب الذكي وصارماً ... وأنفاً حميّاً تجتنبك المظالم
متى تطلب المال الممنّع بالقنا ... تعش ما جدًا أو تخترمك المخارم
وكنت إذا قومٌ غزوني غزوتهم ... فهل أنا فِي ذا يال همدان ظالم
فلا صلح حتى تقدع الخيل بالقنا ... وتضرب بالبيض الخفاف الجماجم
ولا أمن حتى تغشم الحرب جهرة ... عبيدة يوماً والحروب غواشم
أمستبطئٌ عمرو بن نعمان غارتي ... وما يشبه اليقظان من هو نائم
إذا جرّ مولانا علينا جريرةً ... صبرنا لها إنا كرام دعائم
وننصر مولانا ونعلم أنه ... كما الناس مجروم عليه وجارم
:
стр. 407
الخفو: اللمعان الضعيف، يُقَال: خفا البرق يخفو خفوا وخفوّاً إذا برق برقاً ضعيفاً، والوميض أشد من الخفو، والإحريض: حجارة النورة، والحيز: الناحية، ومزيز: فاضل، من قولهم هذا أمزُّ من هذا أي أفضل منه، والحمّة: القدر، وقَالَ بعض اللغويين: هي واحد الحِمام وتنكع: تردع، يُقَال: نكعته إذا ردعته، والمكفهر: المتراكب الظلمة، والأفراط: الآكام، وهي الجبال الصغار واحدها فرط، قَالَ الشاعر: أم هل سموت بجرارٍ له لجبٌ يغشى المخارم بين السهل والفرط والهوادة: الصلح والسكون، والصلادم واحدها صلدم: وهو الشديد الصلب، وتقدع: تكف، والغشم: أشد الظلم.
حديث قتل سماك بن حريم فِي بني قمير، وإغارة أخيه مالك عليهم، وما قَالَ فِي ذلك من الشعر
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: حَدَّثَنَا السكن بن سعيد، عَنْ أبيه، وعَنِ ابن الكلبي، قَالَ: قُتل سماك بن حريم أخو مالك بن حريم، قتلته مراد غيلةً فلم يدر، مالك من قتله حتى أخبر بعد ذلك أن بني قمير قتلوا أخاه، فأغار عليهم وقتل قاتل أخيه وأنشأ يقول:
يا راكباً بلّغن ولا تدعن ... بني قميرٍ وإن هم جزعوا
كي يجدوا مثل ما وجدت فقد ... أصبحت نضواً ومسنى الوجع
لا أسمع اللهو فِي الحديث ولا ... ينفعني فِي الفراش مضطجع
لا وجد ثكلى كما وجدت ... ولا وجد٥ عجولٍ أضلّها ربع
أو وجد شيخ أضلّ ناقته ... يوم رواح الحجيج إذ دفعوا
ينظر فِي أوجه الرجال فلا ... يعرف شيئاً فالوجه ملتمع
بني قميرٍ قتلت سيدكم ... فاليوم لا فديةٌ ولا جزع
جللته صارم الحديدة ... كالملح وفيه سفاسقٌ لمع
تركته بادياً مضاحكه ... يدعو صداه والرأس منصدع
بني قمير تركت سيدكم ... أثوابه من دمائه ردع
стр. 408
فاليوم صرنا عَلَى السواء فإن ... أبق فدهري ودهركم جذع
لم أك فيها لما بليت بها ... نؤم ليلٍ يغرني الطمع
قَالَ أَبُو عبيدة، عَنْ بعض أصحابه: سفاسق السيف: طرائقه التي يُقَال لها الفرند، وردع: متلطخة، ولهذا قيل يدي من الزعفران ردعة.
وحَدَّثَنِي أَبُو عمران، أن أبا العباس أنشدهم عَنِ ابن الأعرابي لعمرو بن شأس:
إن بني سلمى شيوح جلّة ... بيض الوجوه خرق الأخلّه
أخبر أن سيوفهم تأكل أغمادها من حدتها
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، ﵀، قَالَ: أَخْبَرَنَا العكلي، عَنِ الحرمازي، قَالَ: أنشدنا الهيثم بن عدي، قَالَ: أنشدني مجالد بن سعيد شعراً أعجبني فقلت له: من أنشدك؟ قَالَ: كنا يوم عند الشعبي فتناشدنا الشعر، فلما فرغنا قَالَ الشعبي: أيكم يحسن أن يقول مثل هذا؟ وأنشدنا:
أعينيّ مهلاً طالما لم أقل مهلا ... وما سرفاً ملآن قلت ولا جهلا
وإن صبا ابن الأربعين سفاهةٌ ... فكيف مع اللائي مثلت بها مثلا
يقول لي المفتي وهنّ عشيةً ... بمكة يسحبن المهدبة السحلا
اتق الله لا تنظر إليهنّ يا فتى ... وما خلتني فِي الحج ملتمساً وصلا
ووالله لا أنسى وإن شطت النوى ... عرانينهن الشمّ والأعين النجلا
ولا المسك من أعرافهن ولا البرا ... جواعل فِي أوساطها قصباً خدلا
خليليّ لولا الله ما قلت مرحبا ... لأول شيباتٍ طلعن ولا أهلا
خليليّ إن الشيب داء كرهته ... فما أحسن المرعى وما أقبح المحلا
قَالَ الهيثم، قَالَ مجالد: فكتبنا الشعر، ثم قلنا للشعبي: من يقول هذا؟ فسكت، فخيل إلينا إلينا أنه قائله: أراد السحل فسكّن الحاء، وهي ثياب بيض واحدها سحيل، ويقَالَ: السحل الثوب من القطن، قَالَ الهذلي: كالسحل البيض جلا لونها سح نجاء الحمل الأسول
стр. 409
والأسول: المسترخي الأسفل، يُقَال: سول يسول سولاً، ويقَالَ: اتّقاه يتّقيه، وتقاه يتقيه،
أنشدني أَبُو بَكْرِ بن دريد:
جلاها الصيقلون فأخلصوها ... خفافاً كلها يتقي بأثر
الأثر: فرند السيف والأثر: خلاصة اللبن، وجاء فلان عَلَى إثر فلان وعلى أثره، والأثر: أثر الجرح.
ما تتعاقب فيه السين والشين وقَالَ الأصمعي يُقَال: جاشته وجاحسته وجاحفته إذا زاحمته، وقَالَ: بعض العرب يقول للجحاش فِي القتال: الجحاس، وأنشد لرجل من بني فزارة.
والضرب فِي يوم الوغى الجحاس.
وقَالَ أَبُو زيد يُقَال: مضى جرسٌ من الليل وجرشٌ، وقَالَ أَبُو عمرو: سئفت يده وشئفت وهو تشقق يكون فِي أصول الأظفار، قَالَ: ويقَالَ: الشوذق والسوذق للسوار، وقَالَ اللحياني: خمس الشر إذا اشتد وحمش، واحتمس الديكان واحتمشا إذا اقتتلا، ويقَالَ: تنسمت منه علماً وتنشمت، ويقَالَ: الغبس والغبش: السواد، يُقَال: غبس الليل واغبس، وغبش وأغبش، ويقَالَ: عطس فلان فشمّتّه وسمّتّه، وقَالَ الفراء: أتانا بسَدفة وسُدفة، وشَدفة وشُدفة، وهو السَّدف والشَّدف، وقَالَ أَبُو زيد: السُّدفة فِي لغة قيس: الضوء، وفي لغة تميم: الظلمة، وأنشد بعض اللغويين.
وأقطع الليل إذا ما أسدفا أي أظلم، وبعض اللغويين يجعل السدفة اختلاط الضوء بالظلام، مثل ما بين صلاة الصبح إِلَى الفجر، وقَالَ يعقوب: قَالَ الأصمعي: يُقَال: جعشوش جعسوس، وكل ذلك إِلَى قمأة وصغر وقلة ويقَالَ: هو من جعاسيس الناس، ولا يُقَال فِي هذا بالشين، وقَالَ أَبُو عبيدة، عَنِ الأصمعي: الجعشوش: الطويل الدقيق، والجعسوس: اللئيم، قَالَ: قرأت عَلَى ابن المهدي،
стр. 410
عَنِ الزاجي، عَنِ الليث، قَالَ: قَالَ الخليل: الجعسوس: القبيح اللئيم الخلق،
وقرأت عَلَى أبي عمر، قَالَ: أنشدنا أَبُو العباس، عَنِ ابن الأعرابي:
لنا عزّ ومرمانا قريبٌ ... ومولى لا يدبّ مع القراد
قوله: مرمانا قريب، قَالَ: هؤلاء عنزة، يقول: إن رأينا منكم ما نكره، أو رابنا ريبٌ انتمينا إِلَى بني أسد بن خزيمة، وقوله: لا يدب مع القراد، قَالَ: هذا رجل كان يأتي بشنةٍ فيها قردانٌ فيشدها فِي ذنب البعير، فإذا عضه منها قرادٌ نفر فنفرت الإبل، فإذا نفرت استلّ منها بعيراً فذهب به.
حديث مساور الوراق مع بعض العشاق
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، ﵀، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الله بن خلف الدلال، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَلَى الحسن بن صالح، قَالَ: قَالَ مساورٌ الوراق لمجنون: كان عندنا وكان شاعراً، وكان له بنت عم يحبها فذهب عقله عليها، أجز هذا البيت: وما الحب إلا شعلة قدحت بها عيون المها باللحظ بين الجوانح فقَالَ عَلَى المكان ولم يفكر:
ونار الهوى تخفى وفي القلب فعلها ... كفعل الذي جادت به كفّ قادح
قَالَ وحَدَّثَنَا عبد الله بن خلف الدلال، قَالَ: حَدَّثَنِي محمد بن الفضل، قَالَ: حَدَّثَنِي بعض أهل الأدب، عَنْ محمد بن أبي نصر، قَالَ: رأيت بالبصرة مجنوناً قاعداً عَلَى ظهر الطريق بالمربد، فكلما مر به ركبٌ، قَالَ: ألا أيها الركب اليمانون عرّجوا علينا فقد أمسى هوانا يمانيا نسائلكم هل سال نعمان بعدكم وحبّ إلينا بطن نعمان واديا فسألت عنه، فقيل: هذا رجل من البصرة، كانت له ابنة عم يحبها فتزوجها رجل من أهل الطائف فنقلها، فاستوله عليها
خبر مجنون ليلى لما سار به أبوه إِلَى بيت الله الحرام
قَالَ وأَخْبَرَنِي عبد الله بن خلف، قَالَ: أَخْبَرَنِي أحمد بن زهير، قَالَ: أَخْبَرَنِي مصعب بن عبد الله الزبيري، عَنْ بعض أهله، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الوالبي، قَالَ: أخبرت أن أبا المجنون قَالَ له حين سار به إِلَى بيت الله الحرام، وكان أخرجه ليستشفى له: تعلّق بأستار الكعبة، وقل: اللهم أرحني من ليلى ومن حبها،
стр. 411
وتب إِلَى الله مما أنت عليه، فتعلّق بأستار الكعبة وقَالَ: اللهم منّ عَلَى بليلى وقربها، فزجره أبوه وجعل يعنفه، فأنشأ يقول: يقرّ بعيني قربها ويزيدني بها عجباً من كان عندي يعيبها وكم قائل قد قَالَ تب فعصيته وتلك لعمري توبةٌ لا أتوبها قَالَ أَبُو بَكْرٍِ وزادنا غيره: فيا نفس صبراً لست والله فاعلمي بأول نفس غاب عنها حبيبها
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن دريد، ﵀، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الأول، قَالَ: سمعت الكتنجي، يقول: أملقت حتى لم يبق فِي منزلي إلا بارية، فدخلت إِلَى دار المتوك، فلم أزل مفكراً فحضرني بيتان، فأخذت قصبة وكتبت عَلَى الحائط الذي كنت إِلَى جنبه: الرزق مقسومٌ فأجمل فِي الطلب يأتي بأسباب ومن غير سبب فاسترزق الله ففي الله غنىً الله خيرٌ لك من أبٍ حدب قَالَ: فركب المتوكل فِي ذلك اليوم حماراً وجعل يطوف فِي الحجر، ومعه الفتح بن خاقان، فوقف عَلَى البيتين، وقَالَ: من كتب هذين البيتين؟ وقَالَ للفتح: اقرأ هذين البيتين، فاستحسنهما، وقَالَ: من كان فِي هذه الحجرة؟ فقيل: الكتنجي، فقَالَ: أغفلناه وأسأنا إليه، وأمر لي ببدرتين: العوام تقول: بارية وهو خطأ، والصواب باري وبوري، قَالَ الراجز: كالخصّ إذ جلّله الباري وهو بالفارسية بوريك فأعرب عَلَى ما أنبأتك به.
وأنشدنا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: أنشدنا عبد الأول، قَالَ: أنشدني حماد، قَالَ أنشدني أبي، لنفسه:
لما رأيت الدهر أنحت صروفه ... عَلَى وأودت بالذخائر والعقد
جذفت فضول العيش حتى رددتها ... إِلَى القوت خوفاً أن أجاء إِلَى أحد
стр. 412
وقلت لنفسي أبشري وتوكلي ... عَلَى قاسم الأرزاق والواحد الصمد
فإن لا تكن عندي دراهم جمّةٌ ... فعندي بحمد الله ما شئت من جلد
وقرأت عَلَى أبي عمر، قَالَ: أنشدنا أَبُو العباس، عَنِ ابن الأعرابي:
هممت بأمرهم عبدي بمثله ... وخالف زفافٌ هواي فأبعدا
يقول: رأيت رأي عبدٍ، لأن العبد لا رأي له، وخالف زفاف هواي أي كان رأيه صواباً، ولم يرد عبد له بعينه.
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الأول، عَنْ أبيه، قَالَ: حضرت مجلس الحسن بن سهل وقد كتب لرجل كتاب شفاعة، فجعل الرجل يشكر ويدعو له، فقَالَ الحسن: يا هذا، علام تشكرنا! ! إنا نرى الشفاعات زكاة مروءتنا، قَالَ: وحضرته وهو يملّ كتاب شفاعة فكتب فِي آخره: إنه أن الرجل يسأل عَنْ فضل جاهه يوم القيامة كما يسأل عَنْ فضل ماله
وأنشدنا أَبُو عبد الله، قَالَ: أنشدنا أحمد بن يحيى:
فأقسم ما تركي عتابك عَنْ قلىً ... ولكن لعلمي لعلمي أنه غير نافع
وأني إذا لم ألزم الصمت طائعاً ... فلا بد منه مكرها غير طائع
ولو أن ما يرضيك عندي ممثلٌ ... لكنت لما يرضيك أول تابع
إذا أنت لم تنفعك إلا شفاعةٌ ... فلا خير فِي ودّ يكون بشافع
وأنشدنا أيضاً، قَالَ: أنشدنا أحمد بن يحيى النحوي:
قَالَ لي القائلون زرت حسيناً ... لا يزار الكريم فِي جرجان
خالدٌ باللها يجود ويعطي ... وحسينٌ يجود بالحرمان
ضاع مفتاح جوده جوف بحرٍ ... حيث ظلّ البحران يلتقيان
فسألنا الغواص عنه فقالوا ... صيغ منه قلائد الحيتان
وأنشدنا محمد بن القاسم، قَالَ: أنشدني أبي، قَالَ: أنشدني عبد الله الرستمي، لعبد الله بن كعب العميري:
أيا نخلتي مرّان هل لي إليكما ... عَلَى غفلات الكاشحين سبيل
стр. 413
أمنيكما نفسي إذا كنت خاليا ... ونفعكما إلا العناء قليل
ومالي شيء منكما غير أنني ... أمني الصدى ظليكما فأطيل
قَالَ: وأنشدني أبي:
تبدّل هذا السدر أهلاً وليتني ... أرى السدر بعدي كيف كان بدائله
وعهدي به عذب الجنى ناعم الذرى ... تطيب وتندى بالعشي أصائله
فمالك من سدرٍ ونحن نحبه ... إذا ما وشى واشٍ بنا لا تجادله
كما لو وشى بالدر واش رددته ... كئيبًا ولم تملح لدينا شمائله
، قَالَ لنا أَبُو بَكْرٍِ: هذا مثل قول كثير:
فيا عز إن واشٍ وشى بي عندكم ... فلا تكرميه أن تقولي له أهلا
كما لو وشى واشٍ بعزة عندنا ... لقلنا تزحزح لا قريباً ولا سهلا
ترجمة امرئ القيس بن ربيعة الملقب بمهلهل أخي كليب، وما وقع له من أخذه بثأر أخيه وقصيدته الرائية التي أولها: أليتنا بذي حسم أنيرى. . . . . الخ
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد، وأملى علينا أَبُو الحسن الأخفش، قَالَ: مهلهل بن ربيعة، ومهلهل لقب، وإنما سمي مهلهلاً بقوله
لمّا توعّر فِي الغبار هجينهم ... هلهلت أثأر جابراً أو صنبلا
هذا قول أبي الحسن، وأَبِي بَكْرٍ إلا أن أبا بكر روى:
لما توقّل فِي الكراع هجينهم
الكراع: أنف الحرّة،
وقرأت عَلَى أحمد، عَنْ أبيه: إنما سمي مهلهلاً لأنه أول من أرقّ المراثي، واسمه عديٌ، وفي ذلك يقول: رفعت رأسها إِلَى وقالت:
يا عدياً لقد وقتك الأواقي ... أليلتنا بذي حسمٍ أنيري
إذا أنت انقضيت فلا تحوري
стр. 414
ذي حسم: موضع، وتحوري: ترجعي، يُقَال: ماله لا حار إِلَى أهله أي لا رجع إليهم، ويقَالَ: نعوذ بالله من الحور بعد الكور أي من النقصان بعد الزيادة، الكور مأخوذ من كور العمامة كأنه رجع عّما كان أحكمه من الخير وشدّه، ومثلٌ من أمثالهم حورٌ فِي محارة يضرب مثلاً للرجل ينقص بعد الزيادة، وقَالَ أَبُو عبيدة: الحور: الهلكة.
فإن يك بالذنائب طال ليلي ... فقد أبكي من الليل القصير
يقول: إن كان طال ليلي بهذا الموضع لقتل أخي فقد كنت أستقصر الليل وهو حيّ.
وأنقذني بياض الصّبح منها لقد أنقذت من شرٍّ كبير كأن كواكب الجوزاء عوذٌ معطّفةٌ عَلَى ربع كسير العوذ: الحديثات التاج واحدتها عائذ، وإنما قيل لها عوذ، لأن أولادها تعوذ بها، والربع: ما نتج فِي الربيع، يقول: كأن كواكب الجوزاء نوقٌ حديثات النّتاج عطّفت عَلَى ربع مكسور فهي لا تتركه، وهو لا يقدر عَلَى النهوض.
كأن الجدى فِي مثناة ربقٍ أسيرٌ أو بمنزلة الأسير المثناة: الحبل، والمثناة هاهنا عندي: المثنيّ: والرّبق: الحبل، والرّبق: الشّدُّ بالرّبق، فيقول: كأن الجدى قد شدّ بحبل مثنيّ فهو أحكم لشدّه، وكان أَبُو الحسن يقول: المثناة هاهنا: الحبل، والربق: الشد، ولا أعرف الريق الشَّدُّ إلا عنه.
كأنّ النَّجم إذ ولى سحيرا فصال جلن فِي يومٍ مطير النجم: الثُّريَّا، إنما شبّهها بالفصال فِي يومٍ مطير لبطئها، وذلك أن الفصيل يخاف الزَّلق فلا يسرع.
كواكبها زواحف لا غباتٌ ... كأنّ سماءها بيدي مدير
الزواحف: المعيبات التي لا تقدر عَلَى النّهوض.
واللّواغب: مثلها، كرّره توكيداً لمّا اختلف اللفظ، وكان أَبُو الحسن يقول: كان يجب أن يقول مزاحف، لأنه جمع مزحف، لأنه يُقَال: أزحف، فإمّا حذف الزائد وإما جعله كالمنسوب كقولهم: ليلٌ غاضٍ وما أشبهه، أرادوا مغضٍ أو أرادوا
стр. 415
ذو غضو، وأنكر زحف، زحف صحيح، يُقَال: زحف المعى، وأزحف أي لم يقدر عَلَى النهوض مهزولاً كان او سميناً، وقوله: كأنّ سماءها بيدي مدير، يريد أن سماءها أثقل من أن يديرها مدير، فهو إذا تكلف إدارتها لم يقدر عليها.
كواكب ليلة طالت وغمت ... فهذا الصبح راغمة فغوري
وتسألني بديلة عَنْ أبيها ... ولم تعلم بديلة ما ضميري
فلو نبش المقابر عَنْ كليبٍ ... فيخبر بالذنائب أيّ زير
يُقَال: هو زير نساء، وتبع نساء، وطلب نساء، وخلم نساء، وخلب نساء، إذا كان يتحدّث إليهنّ، ويطلبهنّ، ويتبعهنّ، ويهواهنّ، ويخالبهنّ، والخبر محذوف كأنه قَالَ: أيّ زيرٍ أنا:
بيوم الشّعثمين لقرعينا ... وكيف لقاء من تحت القبور
وإنّي قد تركت بوارداتٍ ... بجيراً فِي دمٍ مثل العبير
الشعثمان: موضع معروف، ويجير بن الحارث بن عباد قتله مهلهل، فلما بلغ خبره أباه قَالَ: نعم، القتيل قتيلاً أصلح بين بكر وتغلب! فقيل له: إن مهلهلاً حين قتله قَالَ: بؤ بشسع نعل كليب، قوله: بؤ بشسع نعل كليب، أمر من قولهم باء الرجل بصاحبه بوءا إذا قتل به وكان كفأ له أي مت بشسع نعل كليب، فأنت فِي القود كفءُ له أي كفءٍ، ويقَالَ: القوم بواءٌ أي أمثال فِي القود مستوون، قَالَت ليلى الأخيلية:
فإن تكن القتلى بواءً فانكم ... فتىً ما قتلتم آل عوف بن عامر
فحينئذ قَالَ الحارث:
قرّباً مربط النعامة منّي ... لقحت حرب وائلٍ عَنْ حيال
. . . . .
ينوء بصدره والرُّمح فيه ... ويخلجه خدبُّ كالبعير
ينوء: ينهض، يُقَال: نؤت بالحمل أنوء به نوءاً إذا نهضت به، وناء بي الحمل ينوء بي نوءاً إذا جعلني أنهض به، وكذلك قول الله : ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ [القصص: ٧٦] أي تجعلهم ينوءون بها أي ينهضون بها، وليس القلب الذي ذكره أَبُو عبيدة بشيء، وإنما يجوز ما ذكر فِي الشعر إذا اضطر
стр. 416
الشاعر فِي الموضع الذي يقع فيه لبسٌ ولا يحتمل إلا القلب، فأمّا فِي القرآن فلا يجوز، ويخلجه: يجذبه، ومن هذا قيل للحبل خليج، وقيل للماء الذي انجذب إِلَى ناحية خليج، ويروى: ويأطره أي: يثنيه ويعطفه، والحدبُّ: الضّخم.
هتكت به بيوت بني عبادٍ ... وبعض القتل أشفى للصدور
وهمّام بن مرّة قد تركنا ... عليه القشعمين من النسور
ويروى: عليه القشعمان من النسور فمن رفع جعله حالاً كأنه قَالَ: وعليه القشعمان من النسور، وجاز حذف الواو، لأن الهاء التي فِي عليه تربط الكلام بأوّله، والقشعم، الهرم من النسور
عَلَى أن ليس عدلاً من كليب ... إذا طرد اليتيم عَنِ الجزور
عَلَى أن ليس عدلاً من كليب ... إذا رجف العضاه من الدّبور
رجف: تحرك حركة شديدة، والعضاه: كل شجر له شوك واحدها عضةٌ
عَلَى أن ليس عدلًا من كليب ... إذا ماضيم جيران المجير
عَلَى أن ليس عدلاً من كليب ... إذا خيف المخوف من الثغور
عَلَى أن ليس عدلاً من كليب ... غداة بلابل الأمر الكبير
عَلَى أن ليس عدلاً من كليب ... إذا برزت مخبأة الخدور
عَلَى أن ليس عدلاً من كليب ... إذا علنت نجيّات الأمور
فداً لبني الشقيقة يوم جاءوا ... كأسد الغاب لجّت فِي زئير
البلابل: الاضطراب، وروى بعضهم: التلاتل، وهو الانزعاج والحركة، والنجيّات: السرائر، يُقَال: زأر يزئر، والزئير الاسم، ويجيء مثل هذا فِي الأصوات، قالوا: الفحيح والكشيش والهدير والقليح، يُقَال: فحَّت الأفعى وهو صوتها من فيها، وكشت وكشيشها: صوت جلدها، وقلخ البعير إذا هدر، وبهذا سمي الشاعر قلاخاً
كأن رماحهم أشطان بئر ... بعيدٍ بين جاليها جرور
الأشطان: الحبال، واحدها شطن، والبئر هاهنا: الهواء الذي من الجال إِلَى الجال، والبين: الوصل، وقرأ بعضهم: لقد تقطّع بينُكم وقَالَ أَبُو عبيدة: البين: الوصل، والبين: الافتراق وهو
стр. 417
من الأضداد، وجال البئر وجولها، ناحيتها وما يحبس الماء منها، ولهذا قيل للرجل الأحمق: ماله جولٌ أي شيءٌ يمسكه، وكذلك يُقَال: ماله زبرٌ، وزبر البئر: طيّها، وماله صيورٌ أي رأيٌ يصير إليه، وماله معقول، كل هذا فِي معنى واحد أي ماله عقلٌ، واللغويون يقولون: معقول أي عقل، وأَبُو عَلَى يقول: إنما أراد بمعقول أي ماله شيءٌ عُقل أي شدّ، أي ليس له هناك عقلٌ أمسك عليه.
فلا وأبي جليلة ما أفأنا ... من النعم المؤبل من بعير
جليلة: أخت كليب، وكانت تحت جساس قاتل كليب، وأفأنا: رجعنا، والنعم: الإبل خاصة، فإن اختلط بها غنمٌ جاز أن يُقَال: نعم، ولا يجوز أن يُقَال للغنم: وحدها: نعم، وجمع نعم: أنعام، والمؤبل: كان أَبُو الحسن يقول: المكمل، يُقَال: إبل مؤبّلة كما يُقَال: مائة ممآة، وقَالَ الأصمعي: المؤبّلة: التي للقنية، وقَالَ غيره، المؤبّلة: الجماعة من الإبل.
ولكنا نهكنا القوم ضرباً ... عَلَى الأثباج منهم والنحور
نهكنا القوم: أجهدناهم، والأثباج: الأوساط، واحدها ثبجٌ، وقَالَ أَبُو عمرو الشيباني: الكتد: ما بين الكاهل إِلَى الظهر، والثبج نحوه.
قتيلٌ ما قتيل المرء عمرو ... وجساس بن مرّة ذو ضرير
تركنا الخيل عاكفةً عليهم ... كأن الخيل تدحض فِي غدير
يُقَال: إنه لذو ضرير أي ذو مشقة عَلَى العدو، وعاكفة: مقيمة، تدحض: تزلق، يُقَال: مكان دحض مزلة ومدحضة، فأما قول علقمة.
رغا فوقهم سقب السماء فداحصٌ بشكّته لم يستلب وسليب فبالصاد غير معجمة، يُقَال: دحص برجله وفحص، وكان بعض العلماء يرويه فداحض، وهذا الحرف أحد ما نسب فيه إِلَى التصحيف
كأنا غدوةً وبني أبينا ... يجنب عنيزةٍ رحيا مدير
فلولا الريح أسمع أهل حجر ... صليل البيض تقرع بالذكور
стр. 418
حجر: قصبة اليمامة، وحريمهم إنما كانت بالجزيرة،
قَالَ أَبُو الحسن، حَدَّثَنِي أَبُو العباس الأحول، قَالَ: أول كدبٍ سمع فِي الشعر هذا، والصليل: الصوت، قَالَ الراعي:
فسقوا صوادي يسمعون عشيةً ... للماء فِي أجوافهن صليلا
أي تصلّ أجوافها من العطش كما يصلّ الخزف إذا أصابه الماء، والذكور: السيوف التي عملت من حديد غير أنيث، ويروى: نقاف البيض يقرع بالذكور، قَالَ الأصمعي: قد غلث طعامه وعلثه، وقد اغتلث طعامه واعتلث، والعلاثة، أقطٌ وسمن يخلط أو ربٌّ وأقط، ويقَالَ: فلان يأكل الغليث إذا أكل خبزاً من شعير وحنطة.
ما سمع من العرب فِي لعل من اللغات قَالَ: وفي لعلّ لغات، بعض العرب يقول: لعلي، وبعضهم لعلني، وبعضهم عَلَى، وبعضهم علّني، وبعضهم لعنّي، وبعضهم لغنّي، وأنشدنا للفرزدق.
هل أنتم عائجون بنا لعنّا ... نرى العرصات أو أثر الخيام
قَالَ وقَالَ عيسى بن عمر: سمعت أبا النجم يقول: أغد لعلنا فيالرهان نرسله وبعض العرب يقول: لأنني، وبعضهم يقول لأني، وبعضهم لوني، قَالَ: وقَالَ رجل بمنىً: من يدعو إِلَى المرأة الضالّة، فقَالَ أعرابي: لوّن عليها خماراً أسود، يريد لعلّ عليها خماراً أسود، فقَالَ: سوّد الله وجهك.
ما تعاقب فيه العين المهملة الغين المعجمة وقَالَ الفراء: سمعت وعاهم ووغاهم، وهي الضّجّة، ويقَالَ: ماله عَنْ ذلك وعل وماله عَنْ ذلك وغل فِي معنى لجأ، وقَالَ اللحياني يُقَال: ماله ارمعلّ دمعه، وارمغلّ إذا قطر وتتابع، وقَالَ أَبُو عمرو الشيباني: نشعث به ونشغت أي أولعت به، وإنه لمنشوع بأكل اللحم، ونشعته ونشغته إذا سعّطته، والنشوع والنشوغ: السعوط.
стр. 419
وحَدَّثَنَا أَبُو عمر، عَنْ أبي العباس، أن ابن الأعرابي، قَالَ فِي بيت الكميت:
وما استنزلت فِي غيرنا قدر جارنا ... ولا ثفّيت إلا بنا حين تنصب
يقول: إذا جاورنا أحد لم نكلّفه أن يطبخ من عنده، بل يكون ما يطبخه من عندنا، بما نعطيه من اللحم حين ينصب قدره
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، ﵀، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو معمر عبد الأول، قَالَ: حَدَّثَنَا رجل من موالي بني هاشم، قَالَ: أذنب رجلٌ من بني هاشم ذنباً فعنّفه المأمون، فقَالَ: يا أمير المؤمنين، من كانت له مثل دالتي، ولبس ثوب حرمتي، ومتّ بمثل قرابتي، غفر له فوق زلّتي، فأعجب المأمون كلامه وصفح عنه
كتاب كلثوم بن عمرو إِلَى صديق له يستجديه
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن الأنباري، قَالَ: حَدَّثَنَا موسى بن عَلَى الختّليّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زكريا بن يحيى الساجي، قَالَ: حَدَّثَنَا الأصمعي، قَالَ: حَدَّثَنِي بعض العتّابيين قَالَ: كتب كلثوم بن عمرو إِلَى صديق له: أما بعد أطال الله بقاءك، وجعله يمتدّ بك إِلَى رضوانه والجنة، فإنك كنت عندنا روضةً من رياض الكرم، تبتهج النفوس بها، وتستريح القلوب إليها، كنا نعفيها من النّجعة، استتماماً لزهرتها، وشفقةً عَلَى خضرتها، وادخاراً لثمرتها، حتى أصابتنا سنةٌ كانت عندي قطعةً من سني يوسف، واشتدّ علينا كلبها، وغابت قطتها، وكذبتنا غيومها، وأخلقتنا بروقها، وفقدنا صالح الإخوان فيها، فانتجعتك، وأنا بانتجاعي إياك شديد الشفقة عليك، مع علمي بأنك موضع الرائد، وأنك تغطّي عين الحاسد، والله يعلم أني ما أعدك إلا فِي حومة الأهل، واعلم أن الكريم إذا استحيا من إعطاء القليل، ولم يمكنه الكثير لم يعرف جوده، ولم تظهر همّته، وأنا أقول فِي ذلك:
ظلّ اليسار عَلَى العباس ممدود ... وقلبه أبداً بالبخل معقود
إن الكريم ليخفي عنك عسرته ... حتى تراه غنياً وهو مجهود
وللبخيل عَلَى أمواله عللٌ ... زرق العيون عليها أوجهٌ سود
إذا تكرمت عَنْ ٩ ولم ... تقدر عَلَى سعةٍ لم يظهر الجود
بثّ النوال ولا يمنعك قلّته ... فكل ما سدّ قفرا فهو محمود
стр. 420
قَالَ: فشاطره ماله حتى أعطاه إحدى نعليه ونصف قيمة خاتمه
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن دريد بذل القليل قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الرحمن، عَنْ عمه، قَالَ: سمعت أعرابيةٌ رجلاً ينشد:
وكأس سلافٍ يحلف الديك أنها ... لدى المزج من عينيه أصفى وأحسن
فقَالَت: بلغني أن الديك من صالح طيركم وما كان ليحلف كاذباً
وأنشدنا أَبُو عبد الله نفطويه، قَالَ: أنشدنا أحمد بن يحيى النحوي لرجل من العرب، كان أبوه يمنعه من الاضطراب فِي المعيشة شفقةً عليه، فكتب إليه:
ألا خلّني أذهب لشأني ولا أكن ... عَلَى الناس كلا إنّ ذاك شديد
أرى الضرب فِي البلدان يغني معاشراً ... ولم أر من يجدي عليه قعود
أتمنعني خوف المنايا ولم أكن ... لأهرب مما ليس منه محيد
فدعني أجوّل فِي البلاد لعلني ... أسرّ صديقاً أو يساء حسود
فلو كنت ذا مال لقرّب مجلسي ... وقيل إذا أخطأت أنت سديد
كتاب امرأة إِلَى زوجها وكان مع الحجاج يحضر طعامه وهي فِي سوء حال
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، ﵀، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عثمان الأشنانداني، قَالَ: كان رجل من أهل الشام مع الحجاج يحضر طعامه، فكتب إِلَى امرأته يعلمها بذلك، فكتبت إليه:
أيهدى لي القرطاس والخبز حاجتي ... وأنت عَلَى باب الأمير بطين
إذا غبت لم تذكر صديقاً ولم تقم ... فأنت عَلَى ما فِي يديك ضنين
فأنت ككلب السوء جوّع أهله ... فيهزل أهل البيت وهو سمين
كتاب البختري بن أبي صفرة إِلَى المهلب يدفع به عَنْ نفسه سعاية الأعداء
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: حَدَّثَنَا السكن بن سعيد، عَنْ محمد بن عباد، قَالَ: كان بن البختري بن أبي صفرة من أكمل فتيان العرب جمالاً وبياناً ونجدة وشعراً، وكان بنو المهلب يحسدونه لفضله، فدسّت إليه أمّ ولد عمارة بن قيس اليحمدي فراودته عَنْ نفسه فأبى، فحملت عليه عمارة حتى شكاه إِلَى المهلّب، وأكثر فِي ذلك بنوه القول فعرف ذلك فِي وجه المهلب فكتب إليه:
стр. 421
جفوت امرأ لم ينب عماً تريده ... وكان إِلَى ما تشتهيه يسارع
تموت حفاظاً دون ضيمك نفسه ... وأنت إِلَى ما ساءه متطالع
كأني أخو ذنب وما كنت مذنبا ... ولكن دهتني الساريات الشبادع
الشبادع: النمائم، والشبادع: العقارب، واحدها شبدعة.
دببن وقد نام الغفول بعيبنا ... إليك إماءٌ مومساتٌ جوالعٌ
المومسة: الفاجرة، والجالعة: التي قد ألقت عنها الحياء
فأوقدن نيران العداوة بيننا ... جهاراً ولم تسدد عَلَى المطالع
بغين أموراً لست ممن أشاؤها ... ولو جعلت فِي ساعديّ الجوامع
أأصبو بعرس الجار كان غائباً ... وتلك التي تستكّ فيها المسامع
فلست وربّ البيت أصبو بمثلها ... وربي راءٍ ما صنعت وسامع
فإن تك عرس اليحمدي وأخته ... سرين فلا قاهن أليس خالع
الأليس: الجريء من كل شيء، وخالع قد خلع الحياء.
يبيت يراعي المومسات إذا دجا ... الظلام وجار البيت وسنان هاجع
فما أنا ممن تطّبيه خريدةٌ ... ولو أنها بدرٌ من الأفق طالع
تطّبيه: تدعوه، يُقَال: اطّباه يطّبيه، وطباه يطبوه.
وإني لتنهاني خلائق أربعٌ ... عَنِ الفحش فيها للكريم روادع
حياءٌ وإسلامٌ وشيبٌ وعفةٌ ... وما المرء إلا ما حبته الطبائع
وقد كنت فِي عصر الشباب مجانباً ... صباي فأنى الآن والشيب شائع
فلا تقطعن مني وشائج سهمةٍ ... فلا يصل الأبناء ما أنت قاطع
وكافح بأجرامي الهياج إذا التظى ... شهابٌ من الموت المحرّق لامع
تنبّه وعهد الله مني مشيعاً ... صبوراً عَلَى اللاواء والموت كانع
الوشائج: الأرحام المشتبكة المتصلة، قَالَ أَبُو محمد: وهي مأخوذة من وشائج الرماح، وهي عروقها، والسهمة: القرابة.
стр. 422
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرٍ، لتأبط شراً: وإني لمهدٍ من ثنائي فقاصد عمّ الصدق شمس بن مالك أهزّ به فِي ندوة الحيّ عطفه كما هزّ عطفي بالهجان الأوارك الندوة: المجلس.
والأوارك: التي ترعى الأراك.
قليل التشكّي للمهمّ يصيبه كثير الهوى شتى النّوى والمسالك يظلّ بموماةٍ ويمسي بغيرها جحيشاً ويعروري ظهور المهالك الجحيش: المنفرد.
ويسبق وفد الريح من حيث ينتحي بمنخرقٍ من شده المتدارك إذا خاط عينيه كرى النوم لم يزل له كالئٌ من قلب شيحان فاتك بمنخرق، يريد السريع الواسع، والشيحان: الحادّ فِي كل أمر.
إذا طلعت أولى العديّ فنفره، إِلَى سلةٍ من صارم الغرب باتك العديّ: الجماعة الذين يعدون فِي الحرب.
إذا هزّه فِي عظم قرنٍ تهللّت نواجذ أفواه المنايا الضّواحك يرى الوحشة الأنس الأنيس ويهتدي بحيث اهتدت أمّ النجوم الشوابك
وأنشدنا أَبُو الحسن الترمذي الورّاق، قَالَ: أنشدنا أَبُو العباس أحمد بن يحيى:
إلبس أخاك عَلَى تصنعه ... فلرب مفتضح عَلَى النّصّ
ما كدت أفحص عَنْ أخي ثقةٍ ... إلا ذممت عواقب الفحص
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، ﵀، قَالَ: أنشدني أبي:
تركت النبيذ لأهل النبيذ ... وأصبحت أشرب ماءً نقاخا
شراب النبيين والمرسلين ... ومن لا يحاول منه اطباخا
стр. 423
رأيت النبيذ يذلّ العزيز ... ويكسو التّقيّ النّقيّ اتّساخا
فهبني عذرت الفتى جاهلًا ... فما العذر فيه إذ المرء شاخا
ما تتعاقب فيه القاف والكاف من الألفاظ
قَالَ الأصمعي: يُقَال: إناءٌ قربان وكربان إذا دنا ان يمتلئ، ويقَالَ: عسق به وعسك به إذا لزمه، والأقهب والأكهب: لون إِلَى قَالَ: ويقَالَ: دقمه ودكمه إذا دفع فِي صدره ويقَالَ للصّبيّ والسخلة: قد امتكّ ما فِي ضرع أمّه، وقد امتقّ ما فِي ضرع أمه إذا شربه كلّه.
ويقَالَ: كاتعة الله وقاتعة الله فِي معنى قاتله الله، وقَالَ أَبُو عمرو الشيباني: عربيٌ كحٌّ وعربية كحّة، وقَالَ أَبُو زيد: أعرابي قحٌّ وأعرابٌ أقحاح أي محضٌ خالص، وكذلك عبدٌ قحٌّ أي خالص، وقَالَ الأصمعي: القحّ: الخالص من كل شيء، وقَالَ الفراء: يُقَال للذي يتبخر به: قسط وكسط، ويقَالَ: كشطت عنه جلده وقشطت، قَالَ: وقريش تقول: كشطت، وقيس وتميم وأسد تقول: قشطت: وفي مصحف ابن مسعود: قشطت، قَالَ ويقَالَ: قحط القطار وكحط، ويقَالَ: قهرت الرجل أقهره وكهرته أكهره، قَالَ: وسمعت بعض غنم بن دودان تقول: فلا تكهر.
وقرأت عَلَى أبي عمر، عَنْ أبي العباس، أن ابن الاعرابي أنشدهم.
قتلنا سبعةً بأبي لبينى ... وألحقنا الموالى بالصميم
أي قتلنا سادتهم فصار الموالي سادة
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حاتم، قَالَ: كان فتى من أهل البصرة يختلف معنا إِلَى الأصمعي، فافتقدته فلقيت أباه فسألته عنه، فقَالَ: سألني عَنْ بيتين كان الأصمعي يرددهما: سقى الله أياماً لنا لسن رجّعاً وسقياً لعصر العامريّة من عصر ليالي أعطيت البطالة مقودي تمرّ الليالي والشهور وما أدري فقلت له: يا بني، إنك لست بعاشق، ولولا ذلك لعرفت ما يفعله الذِّكر بصاحبه، قَالَ: فبعثته عَلَى أن عشق لجاجا
стр. 424
وأنشدنا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: أنشدنا أَبُو حاتم، عَنِ الأصمعي، لبعض بني عمرو بن كلدة:
إني أعيذك بالرحمن يا سكني ... أن تدخلي ببعادي حسبك النارا
قَالَت بعادك من ربي يقرّبني ... وفي دنوّك أخشى النار والعارا
قلت اسمعي ودعينا من تفقّهكم ... فلست أفقه منا أمّ عمّارا
إذا بذلت لما ما منك نطلبه ... فاستغفري منه ربّاً كان غفّارا
وأنشدنا أَبُو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة:
تعاللت لمّا لم تكن بك علّةٌ ... وقلت شهيدي ما بعيني من السّقم
فلا تجعلي سقماً بعينيك علةٍ ... فقد كان هذا السقم فِي صحّة الجسم
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن دريد، ﵀، قَالَ: حَدَّثَنَا العكلي، عَنِ ابن أبي خالد، عَنِ الهيثم، قَالَ: بينا أبا بالكناسة بالكوفة إذ أتى رجل مكفوف نخّاساً، فقَالَ له: اطلب لي حماراً ليس بالصغير المحتقر، ولا بالكبير المشتهر، إن خلا الطريق تدفّق، وإن كثر الزحام ترفّق، لا يصادم السواري، ولا يدخلني تحت البواري، إن أقللت علفه صبر، وإن أكثرته شكر، وإن ركبته هام، وإن ركبه غيري قام فقَالَ له: اصبر، فإن مسخ الله القاضي حماراً قضيت حاجتك
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، ﵀، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حاتم، عَنِ الأصمعي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عمرو بن العلاء، قَالَ: سمعت جندل بن الراعي، ينشد بلال بن أبي بردة قصيدة أبيه: نعوسٌ إذا درّت جروزٌ إذا غدت بويزل عامٍ أو سديسٌ كبازل قَالَ: فكاد صدري ينفرج لحسن إنشاده وجودة الشعر، إنما سمى راعياً لقوله: لها أمرها حتى إذا ما تبوّأت لأخفافها مرعىً تبوّأ مضجعا فقيل: رعى الرحل
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، ﵀، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بن عبيد، عَنِ الحرمازي، قَالَ: مر جرير بذي الرّمة، فقَالَ: يا غيلان، أنشدني ما قلت فِي المرئي، فأنشده: نبت عيناك عَنْ طللٍ بحزوى عفته الريح وامتنح القطارا فقَالَ: ألا أعينك! قَالَ: بلى، بأبي وأمي، فقَالَ:
стр. 425
يعد الناسبون إِلَى تميم بيوت المجد أربعةً كبارا يعدّون الرّباب وآل سعدٍ وعمراً ثم حنظلة الخيارا ويهلك وسطها المرئيّ لغواً كما ألغيت فِي الدية الحوارا قَالَ: فمر ذو الرمة بالفرزدق، فقَالَ: أنشدني ما قلت فِي المرئي، فأنشده القصيدة، فلما انتهى إِلَى هذه الأبيات، قَالَ الفرزدق: حسّ! أعد عَلَى، فأعاد، فقَالَ: تالله لقد علكهنّ أشدّ لحيين منك
قصيدة الصلتان العبدي وقد جعلوا إليه الحكم بين الفرزدق وجرير أيهما أشعر
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد، ﵀، للصّلتان العبدي:
إن الصلتاني الذي قد علمتم متى ... ما يحكم فهو بالحق صادع
أتتني تميم حين هابت قضاتها ... فإني لبالفصل المبين قاطع
كما أنفذ الأعشى قضيّة عامر ... وما لتميم فِي قضائي رواجع
ولم يرجع الأعشى قضية جعفر ... وليس لحكمي آخر الدهر راجع
سأقضي قضاءً بينهم غير جائز ... فهل أنت للحكم المبين سامع
قضاء امرئ لا يتقي الشتم منهم ... وليس له فِي المدح منهم منافع
قضاء امرئ لا يرتشي في حكومة ... إذا مال بالقاضي أبّرشا والمطامع
فإن كنتما حكّمتماني فأنصتا ... ولا تجزعا وليرض بالحكم قانع
فإن تجزعا أو ترضيا لا أقلكما ... وللحق بين الناس راض وجازع
فاقسم لا آلو عَنِ الحق بينهم ... فإن أنا لم أعدل فقل أنت ظالع
فإن يك بحر الحنظلّيين واحداً ... فما يستوي حيتانه والضفادع
وما يستوي شمّ الذّرى والأجارع ... وليس الذّنابي كالقدامى وريشه
وما يستوي صدر القناة وزجّها ... وما يستوى فِي الكّف منك الأصابع
ألا إنما تحظى كليب بشعرها ... وبالمجد تحظى دارم والأقارع
ومنهم رءوس يهتدى بصدورها ... والأذناب قدما للرءوس توابع
أرى الخطفى بذّ الفرزدق شعره ... ولكن خيراً من كليب مجاشع
следующие страницы →