Полный текст (610 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
فإن تك ليلى استودعتنى أمانة ... فلا وأبى أعدائها لا أخونها
أأرضى بليلى الكاشحين وأبتغى ... كرامة أعدائى لها وأهينها
معاذة وجه الله أن أشمت العدا ... بليلى وإن لم تجزني ما أدينها
سأجعل عرضى جنةً دون عرضها ... ودينى، فيبقى عرض ليلى ودينها
وأنشدنا أَبُو الحسن جحظة البرمكى، قَالَ: أنشدنا حماد بن إسحاق، قَالَ: أنشدنى أبى لنفسه
لاح بالمفرق منك القتير ... وذوى غصن الشباب النضير
هزئت أسماء منى وقَالَت ... أنت يا بن الموصلى كبير
ورأت شيباً علانى فأنت ... وابن ستين بشيبٍ جدير
إن ترى شيباً علانى فإنى ... مع ذاك الشيب حلو مزير
قد يفل السيف وهو جراز ... ويصول الليث وهو عقير
: المزير: المعظم المكرم، يُقَال: مزرت الرجل إذا عظمته وكرمته، كذا قَالَ عَلَى بن سليمان الأخفش، وقَالَ النضر بن شميل: المزير: الظريف، وقَالَ لى أَبُو بَكْرِ بن دريد: المزارة: الزيادة فِي جسم أو عقل، يُقَال: مزر مزارةً فهو مزير.
والجراز: الماضى فِي الضريبة، قَالَ الجعدى:
يصمم وهو مأثور جراز ... إذا اجتمعت بقائمه اليدان
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن الأنبارى، للأسود بن يعفر:
وكنت إذا قرب ما الزاد مولعا ... بكل كميتٍ جلدةٍ لم توسف
مداخلة الأقراب غير ضئيلة ... كميت كأنها مزادة مخلف
كميت: يعني تمرة.
وجلدة: غليظة اللحاء.
لم توسف: لم تقشر.
وأقرابها: نواحيها، وإنما هو مثل، والقربان: الخاصرتان.
والضئيلة: الدقيقة.
والمخلف: المستقى، يريد كأنها من امتلائها مزادة
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: قرأت عَلَى أبى لهدبة بن خشرم:
طربت وأنت أحياناً طروب ... وكيف وقد تعلاك المشيب
يجد النأى ذكرك فِي فؤادى ... إذا ذهلت عَنِ النأى القلوب
стр. 72
يؤرقني اكتئاب أبى نميرٍ ... فقلبى من كآبته كئيب
فقلت هداك الله مهلاً ... وخير القول ذو اللب المصيب
عسى الكرب الذى أمسيت ... فيه يكون وراءه فرج قريب
فيأمن خائف ويفك عانٍ ... ويأتى أهله النائى الغريب
ألا ليت الرياح مسخرات ... بحاجتنا تباكر أو تؤوب
فتخبرنا الشمال إذا أتتنا ... وتخبر أهلنا عنا الجنوب
فإنا قد حللنا دار بلوى ... فتخطئنا المنايا أو تصيب
فإن يك صدر هذا اليوم ولى ... فإن غداً لناظره قريب
وقد علمت سليمى أن عودى ... عَلَى الحدثان ذو أيدٍ صليب
وأن خليقتى كرم وأنى ... إذا أبدت نواجذها الحروب
أعين عَلَى مكارمها وأغشى ... مكارهها إذا كع الهيوب
وقد أبقى الحوادث منك ركنا ... صليبا ما تؤيسه الخطوب
عَلَى أن المنية قد توافى ... لوقتٍ والنوائب قد تنوب
: قوله: تؤيسه: تؤثر فيه، قَالَ الملتمس:
ألم تر أن الجون أصبح راسيا ... تطيف به الأيام ما يتأيس
وقَالَ الطريف العنبري:
إن قناتى لنبع ما يؤيسها ... عض الثقاف ولا دهن ولا نار
مطلب ما وقع من المفاخرة بين طريف بن العاصي والحارث بن ذبيان عند بعضهم مقاول حمير وشرح غريب ذلك
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن دريد، ﵀، تعالى، قَالَ: أَخْبَرَنِي عمى، عَنْ أبيه، عَنِ ابن الكلبى، عَنْ أبيه، قَالَ: اجتمع طريف بن العاصى الدوسى، وهو جد طفيل ذى النورين بن عمرو بن طريف، والحارث ابن ذبيان بن لجا بن منهب، وهو أحد المعمرين، عند بعض مقاول حمير، فتفاخرا، فقَالَ الملك للحارث: يا حارث، ألا تخبرنى بالسبب الذى أخرجكم عَنْ قومكم حتى لحقتم بالنمر بن عثمان؟ فقَالَ:
стр. 73
أخبرك أيها الملك هجينان منا يرعيان غنما لهما، فتشاولا بسيفهما فأصاب صاحبهم عقب صاحبنا، فعاث فيه السيف فنزف فمات، فسألونا أخذ دية صاحبنا دية الهجين، وهى نصف دية الصريح، فأبى قومى وكان لنا رباء عليهم، فأبينا إلا دية الصريح وأبوا إلا دية الهجين، فكان اسم هجيننا ذهين بن زبراء، واسم صاحبهم عنقش بن مهيرة وهى سوداء أيضاً، فتفاقم الأمر بين الحيين، فقَالَ رجل منا:
حلومكم يا قوم لا تعزبنها ... ولا تقطعوا أرحامكم بالتدابر
وأدوا إِلَى الأقوام عقل ابن عمهم ... ولا ترهقوهم سبةً فِي العشائر
فإن ابن زبراء الذى فاد لم يكن ... بدون خليف أو أسيد بن جابر
فإن لم تعاطوا الحق فالسيف بيننا ... وبينكم والسيف أجور جائر
فتظافروا علينا حسدا، فأجمع ذوو الحجا منا أن نلحق بأمنع بطن من الأزد، فلحقنا بالنمر بن عثمان، فوالله ما فت فِي أعضادنا، فأبنا عنهم ولقد أثأرنا صاحبنا وهم راغمون.
فوثب طريف بن العاصى من مجلسه بإزاء الحارث ثم قَالَ: تالله ما سمعت كاليوم قولا أبعد من صواب، ولا أقرب من خطل، ولا أجلب لقذع من قول هذا، والله أيها الملك! ما قتلوا بهجينهم بذجا، ولا رقوا به درجا، ولا أنطوا به عقلا، ولا اجتفئوا به خشلا، ولقد أخرجهم الخوف عَنْ أصلهم، وأجلاهم عَنْ محلهم، حتى استلانوا خشونة الإزعاج، ولجئوا إِلَى أضيق الولاج، قلا وذلاً.
فقَالَ الحارث: أتسمع يا طريف؟ إنى والله ما إخالك كافا غرب لسانك، ولا منهنها شرة نزوانك، حتى أسطو بك سطوةً تكف طماحك، وترد جماحك، وتكبت تترعك، وتقمع تسرعك، فقَالَ طريف: مهلاً يا حارث، لا تعرض لطحمة استنانى، وذرب سنانى، وغرب شبابى، وميسم سبابى، فتكون كالأظل الموطوء، والعجب الموجوء؛ فقَالَ الحارث: إياى تخاطب بمثل هذا القول! فوالله لو وطئتك لأسختك، ولو وهصتك لأوهطتك، ولو نفحتك لأفدتك، فقَالَ طريف متمثلا:
وإن كلام المرء فِي غير كنهه ... لكالنبل تهوى ليس فيها نصالها
أما والأصنام المحجوبة، والأنصاب المنصوبة، لئن لم تربع عَلَى ظلعك، وتقف عند قدرك، لأدعن حزنك سهلا، وغمرك ضحلا، وصفاك وحلا، فقَالَ الحارث: أما والله لو رمت ذلك لمرغت
стр. 74
بالحضيض، وأغصصت بالجريض، وضاقت عليك الرحاب، وتقطعت بك الأسباب، ولألفيت لقى تهاداه الروامس، بالسهب الطامس، فقَالَ طريف: دون ما ناجتك به نفسك مقارعة أبطال، وحياض أهوال، وحفزة إعجال، يمنع معه تطامن الإمهال، فقَالَ الملك: إيها عنكما! فما رأيت كاليوم مقَالَ رجلين لم يقصبا، ولم يثلبا، ولم يصلوا، ولم يقفوا: المقاول والأقيال: هم الذين دون الملك الأعظم.
تشاولا: تضاربا.
وعاث: أفسد، والعيث: الفساد.
ونزف الرجل إذا سال حتى يضعف.
والهجين: الذي أبوه عربى وأمه ليست بعربية.
والمقرف: الذى أمه عربية وأبوه ليس بعربى.
والصريح: الخالص.
والرباء: الزيادة، يُقَال: أربى فلان عَلَى فلان فِي السباب يربى إرباء إذا زاد عليه، وأربي يربى من الربا وهو مقصور، والرباء ممدود: الربا أيضاً.
وتفاقم الأمر: اشتد.
والعقل: الدية، يُقَال: علقت فلانا إذا غرمت ديته، وعقلت عَنْ فلان إذا غرمت عنه دية جنايته، والمرأة تعاقل الرجل إِلَى ثلث ديتها، يريد أن موضحتها وموضحته سواء، فإذا بلغ العقل ثلث الدية صارت دية المرأة عَلَى النصف من دية الرجل.
وقَالَ الأصمعى: سألت أبا يوسف القاضى بحضرة الرشيد عَنِ الفرق بين عقلته وعقلت عنه فلم يفهم حتى فهمة.
ويقَالَ للقوم الذين يغرمون دية الرجل: العاقلة، ويقَالَ: بنو فلان عَلَى معاقلهم الأولى، يريد عَلَى حال الديات التى كانوا عليها فِي الجاهلية.
واحدها معقلة، ويقَالَ: صار دم فلان معقلة عَلَى قومه، أي غرماً يؤدونه من أموالهم.
وعقل الظل إذا قام قائم الظهيرة.
وعقل الرجل يعقل عقلا، فِي العقل.
وعقل الظبى يعقل عقولا إذا صعد فِي الجبل فامتنع فيه، والمكان الممتنع فيه يسمى المعقل، وبه سمي الرجل معقلا، ويقَالَ: وعل عاقل إذا عقل فِي الجبل فامتنع فيه.
وعقل البعير يعقله عقلا إذا ثنى وظيفة مع ذراعه فشدهما جميعاً فى وسط الذراع ونحوه.
وعقل الطعام بطنه يعقله عقلا إذا شدة، ويقَالَ: أعطني عقولا أشربه فيعطيه دواء يمسك بطنه.
، وبالدهناء خبراء يُقَال لها: معقلة، سميت بذلك لأنها تمسك الماء كما يعقل الدواء البطن.
ويقَالَ: جاء فلان وقد اعتقل رمحه إذا وضعه بين ركابه وساقه، واعتقل شاته إذا وضع رجلها بين ساقه وفخذه إذا حلبها.
ويقَالَ: صارع فلان فلانا فاعتقله الشغزبية، وهو ضرب من الصراع، ولفلان عقلة يعقل بها الناس، وذلك إذا صارعهم عقل أرجلهم.
ويقَالَ: عَلَى بنى فلان عقالان، يريد بذلك صدقة عامين، ويقَالَ: جار عليهم العامل فأخذ
стр. 75
منهم النقد ولم يأخذ العقَالَ، أى الفريضة بعينها، ويقَالَ: يكره أن تشترى الفريضة حتى يعقلها الساعى وهو المصدق.
والعقَال أيضاً: الحبل الذى يعقل به البعير.
والعقَال: هو أن بعض الخيل إذا مشى يظلع ساعةً ثم ينبسط.
والعقل: التواء فِي الرجل، يُقَال بعير اعقل وناقة عقلاء.
والعقيلة: كريمة الحى وكريمة الإبل.
والعقل: ضرب من الوشى، يُقَال: جللوا هوادجهم بالعقل والرقم.
ويقَالَ: ما له جول ولا معقول، أي عقل يمسكه.
وقَالَ الأصمعى: أرهقت الرجل: أدركته، وقَالَ أَبُو زيد: أرهقته عسراً، أى كلفته ذلك، وأرهقته إثماً حتى رهقه.
وقَالَ الأصمعى: رهقته، أى غشيته، وفى فلان رهق، أى غشيان للمحارم، والمرهق الذى يغشاه السؤال والأضياف.
ويقَالَ: فاد يفود إذا مات، قَالَ لبيد:
رعى خرزات الملك عشرين حجةً ... وعشرين حتى فاد والشيب شامل
وفاد يفيد إذا تبختر، وكذلك راس يريس وماس يميس وماح يميح.
وفت: أوهن وأضعف.
وأثارنا: افتعلنا من الثأر.
والخطل: الخطأ.
والقذع: الكلام القبيح، يُقَال: أقذع له إذا أسمعه كلاما قبيحاً.
والبذج: الخروف، وهو فارسى معرب، وكذلك البرق فارسى معرب، وهو الحمل.
وأنطوا لغة فِي أعطوا،
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد فِي شعر الأعشى:
جيادك فِي الصيف فِي نعمةٍ ... تصان الجلال وتنطي الشعيرا
واجتفئوا: صرعوا، قَالَ أَبُو زيد: جفأه: الصرعه وخفأه أيضا.
والخشل والخشل محرك ومسكن، واحدتها خشلة وخشلة: شجر المقل.
وهذه أمثال كلها، يريد أنهم لم ينالوا ثأره.
والقل: القلة.
والذل: الذلة.
والنزوان: الوثوب.
والتترع: التسرع إِلَى الشر، يُقَال: ترع ترعاً فهو ترع إذا كان سريعا إِلَى الشر، ويقَالَ: ترع ترعا إذا اقتحم الأمور مرحا ونشاطا، قَالَ الشاعر:
الباغِيَ الْحَرْب يَسْعى نَحْوَها تَرِعًا ... حَتَّى إِذَا ذاقَ منها جاحماً بَرَدا
أي ثبت فلم يتقدم، كذا فسره بعضهم وهو صحيح، أي خمدت حدته فسكن، وهذا مثل.
وطحمة السيل وطحمته بالضم والفتح: دفعته.
والذرب: الحدة.
والأظل: أسفل خف البعير.
والعجب: أصل الذنب ووهصتك: كسرتك، يُقَال: وهصه ووطسه، ووقصه إذا كسره.
стр. 76
وأوهطتك: صرعتك، قَالَ أَبُو زيد: يُقَال: ضربة، ففخرته وجحدله وأوهطه إذا صرعه، قَالَ الأموى: هو أن يصرعه صرعة لا يقوم منها، وقَالَ غيره: أوهطه: أهلكه، وأنشد:
أوهطته لما ملا إيهاطا ... بكل ماض يبتك النياطا
وتربع: تكف وترفق، يُقَال ربع يربع ربعا، إذا كف ورفق.
والظلع: الغمز.
والضحل: الماء القليل وكذلك الضحضاح، والفراش أقل منه.
والضهل: القليل من الماء، ومنه يُقَال: ما ضهل إليه منه شىء.
والشول: القليل من الماء يكون فِي أسفل القربة والسقاء، قَالَ الأعشى:
حتى إذا لمع الربىء بثوبه ... سقيت وصب سقاتها أشوالها
والنزفة: القليل من الماء والشراب أيضاً وجمعها نزف، قَالَ ذو الرّمة:
يقطع موضوع الحديث ابتسامها ... تقطع ماء المزن فِي نزف الخمر
والذفاف: البلل، قَالَ أَبُو ذؤيب:
يقولون لما جشت البئر أوردوا ... وليس بها أدنى ذفافٍ لوارد
والصفا جمع صفاة: الصخرة، وهى أيضاً الصفواء والصفوان.
والحضيض: القرار إذا اتصل بالجبل، وفى الحديث: إن العدو بعرعرة الجبل ونحن بحضيضه فالعرعرة: أعلاه، والحضيض: أسفله.
ولقى: ملقىً.
والروامس: الرياح التى ترمس، أى تدفن.
والسهب: المستوى من الأرض.
والطامس والطاسم جميعا: الدارس، يُقَال: طمس وطسم.
والحفز: الدفع، يُقَال: حفزة يحفزه حفزا، ومنه سمى الحارث بن شريك الحوفزان، وذلك أن قيس بن عاصم حفزه بالرمح حين خاف أن يفوته، وقد فخر بذلك سوار بن حيان المنقرى فقَالَ: ونحن حفزنا الحوفزان بطعنةٍ سقته نجيعاً من دم الجوف أشكلا وقَالَ أَبُو زيد: إيها: نهى، وإيه: أمر.
وقَالَ غيره: ويها: إغراء، وأنشد للكميت:
وجاءت حوادث فِي مثلها ... يُقَال لمثلى ويها فل
стр. 77
وقَالَ أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى: واها: تعجب، قَالَ الراجز:
واهاً لريا ثم واهاً واها ... يا ليت عيناها لنا وفاها
بثمن نرضى به أباها
لم يقصبا: لم يشتما، يُقَال: قصبه يقصبه إذا وقع فيه، وأصل القصب القطع، ومنه قيل للجزار: قصاب.
ولم يلصوا، قَالَ أَبُو على: كذا رواه لم يلصوا، قَالَ الأصمعى: لصاه يلصيه لصياً إذا قذفه، وأنشد الأصمعى للعجاج:
عف فلا لاصٍ ولا ملصى
ويقَالَ: قفاه يقفوه إذا قذفه بأمر عظيم، كذلك قَالَ يعقوب بن السكيت، ويمكن أن يكون يلصوا لغة
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن دريد، ﵀، قَالَ: أنشدنا عبد الرحمن، عَنْ عمه، لرجل من بنى كلاب:
سقى الله دهراً قد تولت غياطله ... وفارقنا إلا الحشاشة باطله
ليالي خذني كل أبيض ماجد ... يطيع هوى الصابى وتعصى عواذله
وفى دهرنا والعيش إذ ذاك غرة ... ألا ليت ذاك الدهر تثنى أوائله
بما قد غنينا والصبا جل همنا ... يمايلنا ريعانه ونمايله
وجر لنا أذياله الدهر حقبةً ... يطاولنا فِي غيه ونطاوله
فسقيا له من صاحب خذلت بنا ... مطيتنا عنه وولت رواحله
أصد عَنِ البيت الذى فيه قاتلى ... وأهجره حتى كأني قاتله
: الغياطل جمع غيطلة وهى الظلمة، والغيطلة: اختلاط الأصوات، والغيطلة: والشجر الملتف، والغيطلة: البقرة، قَالَ زهير:
كما استغاث بسيئ، فز غيطلةٍ ... خاف العيون فلم ينظر به الحشك
стр. 78
مطلب الأبيات التي كان يُقَال إن من لم يروها فلا مروءة له وشرح غريبها
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، ﵀، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الله بن خلف، قَالَ: حَدَّثَنَا محمد بن أبى السرى، قَالَ: حَدَّثَنَا الهيثم بن عدى، قَالَ: كنا نقول بالكوفة: إنه من لم يرو هذه الأبيات فلا مروءة له، وهى لأيمن بن خريم بن فاتك الأسدى
قَالَ: وأنشدنا أَبُو العباس أحمد بن يحيى النحوى عَنِ ابن الأعرابى، والألفاظ فِي الروايتين مختلطة:
وصهباء جرجانية لم يطف بها ... حنيف ولم تنغر بها ساعةً قدر
ولم يحضر القس المهينم نارها ... طروقا ولم يشهد عَلَى طبخها حبر
أتانى بها يحيى وقد نمت نومة ... وقد غابت الشعرى وقد جنح النسر
فقلت اغتبقها أو لغيري فاسقها ... أنا ويبك والخمر
تعففت عنها فِي العصور التي خلت ... فكيف التصابى بعد ما كلأ العمر
إذا المرء وفى الأربعين ولم يكن ... له دون ما يأتى حياء ولا ستر
فدعه ولا تنفس عليه الذى ارتأى ... وإن جر أسباب الحياة له الدهر
: كلأ: انتهى إِلَى آخره وأقصاه، ويقَالَ: بلغ الله بك أكلأ العمر، أى آخره.
وارتأى: افتعل من الرأى
وأنشدنا أَبُو عمرو بن بعد الشيب قَالَ: أنشدنا أَبُو العباس، قَالَ: أنشدنا عبد الله بن شبيب لابن الدمينة:
ألا حب بالبيت الذى أنت هاجره ... وأنت بتلماحٍ من الطرف زائره
فإنك من بيتٍ لعينى معجبٍ ... وأحسن فِي عينى من البيت عامره
أصد حياءً أن يلج بى الهوى ... وفيك المنى لولا عدو أحاذره
وكم لائمٍ لولا نفاسة حبها ... عليك لما باليت أنك خابره
أحبك يا ليلى عَلَى غير ريبة ... ما خير حب لا تعف سرائره
وقد مات قبلي أول الحب فانقضى ... فإن مت أضحى الحب قد مات آخره
стр. 79
فلما تناهى الحب فِي القلب واردا ... أقام وأعيت بعد ذاك مصادره
وقد كان قلبى فِي حجابٍ يكنه وحبك ... من دون الحجاب يساتره
فماذا الذى يشفى من الحب بعدما ... تشربه بطن الفؤاد وظاهره
وأنشدنا الأخفش، قَالَ: أنشدنا أَبُو الطريف شاعر كان مع المعتمد لنفسه
أتهجرون فتىً أغرى بكم تيها ... حقاً لدعوة صب أن تجيبوها
أهدى إليكم عَلَى نأىٍ تحيته ... حيوا بأحسن منها أو فردوها
شيعتهم فاسترابونى فقلت لهم ... إنى بعثت مع الأجمال أحدوها
قالوا فما نفس يعلوك ذا صعدٍ ... وما لعينك لا ترقى مآقيها
قلت التنفس من تداب سيركم ... والعين تذرف دمعا من قذى فيها
حتى إذا ارتحلوا والليل معتكر ... خفضت من جنحه صوتى أناديها
يا من بها أنا هيمان ومختبل ... هل لى إِلَى الوصل من عقبى أرجيها
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن دريد، ﵀، قصيدة له أولها:
قلب تقطع فاستحال نجيعا ... فجرى فصار مع الدموع دموعا
ردت إِلَى أحشائه زفراته ... ففضضن منه جوانحا وضلوعا
عجبا لنار ضرمت فِي صدره ... فاستنبطت من جفنه ينبوعا
لهب يكون إذا تلبس بالحشا ... قيظاً ويظهر فِي الجفون ربيعا
وأنشدنا أَبُو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة، قَالَ: أنشدنا أَبُو العباس أحمد بن يحيى:
أما والذي لا خلد إلا لوجهه ... ولم يك فِي العز المنيع له كفو
لئن كان طعم الصبر مرافعته ... لقد يجتنى من غبه الثمر الحلو
وقرأنا عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد قول الشاعر:
نسى الأمانة من مخافة لقحٍ ... شمس تركن بضيعه مجزولا
أي نسي الأمانة من مخافة هذه اللقح، يعنى السياط، شبهها إذا ارتفعت بأيدى الرجال بأذناب الإبل إذا لقحت فرفعت أذنابها.
وشمس: فيها شماس لا تستقر.
وبضيعه: لحمه.
ومجزول: مقطوع.
стр. 80
مطلب حديث النسوة اللاتي أشرن عَلَى بنت الملك بالتزوج ووصفن لها محاسن الزوج وشرح غريب ذلك
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن دريد، ﵀، قَالَ: أَخْبَرَنَا السكن بن سعيد، عَنْ محمد بن عباد، عَنِ ابن الكلبى، عَنْ أبيه، قَالَ: كان قيل من أقيال حمير منع الولد دهراً، ثم ولدت له بنت فبنى لها قصرا منيفا بعيدا من الناس، ووكل بها نساء من بنات الأقيال يخدمنها، ويؤدبنها حتى بلغت مبلغ النساء، فنشأت أحسن منشأ وأتمه فِي عقلها وكمالها، فلما مات أبوها ملكها أهل مخلافها، فاصطنعت النسوة اللواتى ربينها وأحسنت إليهن، وكانت تشاورهن ولا تقطع أمرا دونهن، فقلن لها يوماً: يا بنت الكرام، لو تزوجت لتم لك الملك، فقَالَت: وما الزوج؟ فقَالَت إحداهن: الزوج عز من الشدائد، وفى الخطوب مساعد، إن غضبت عطف، وإن مرضت لطف، قَالَت: نعم الشىء هذا! فقَالَت الثانية: الزوج شعارى حين أصرد، ومتكئي حين أرقد، وأنسى حين أفرد، فقَالَت: إن هذا لمن كمال طيب العيش.
فقَالَت الثالثة: الزوج لما عنانى كاف، ولما شفنى شاف، يكيفني فقد الآلاف، ريقه كالشهد، وعناقه كالخلد، لا يمل قرانه، ولا يخاف حرانه، فقَالَت: أمهلننى أنظر فيما قلتن، فاحتجبت عنهن سبعا ثم دعتهن فقَالَت: قد نظرت فيما قلتن فوجدتنى أملكه رقى، وأبثه باطلي وحقي، فإن كان محمود الخلائق، مأمون البوائق، فقد أدركت بغيتى، وإن كان غير ذلك فقد طالت شقوتى، عَلَى أنه لا ينبغى إلا أن يكون كفئاً كريما يسود عشيرته، ويرب فصيلته، لا أتقنع به عارا فِي حياتى، ولا أرفع به شناراً لقومى بعد وفاتي فعليكنه فابغينه وترفقن فِي الأحياء، فأيتكن أتتنى بما أحب فلها أجزل الحباء، وعلي لها الوفاء، فخرجن فيما وجَّهتُهن له، وكن بنات مقاول ذوات عقل ورأى، فجاءتها إحداهن وهى عمرطة بنت زرعة بن ذى خنفر فقَالَت: قد أصبت البغية، فقَالَت: صفية ولا تسميه.
فقَالَت: غيث فِي المحل، ثمال فِي الأزل، مفيد مبيد، يصلح النائر، وينعش العاثر، ويغمر الندى، ويقتاد الأبى، عرضه وافر، وحسبه باهر، غض الشباب، طاهر الأثواب.
قَالَت: ومن هو؟ قَالَت: سبرة بن عوال بن شداد بن الهمال.
ثم خلت بالثانية، فقَالَت: أصبت من بغيتك شيئا؟ قَالَت: نعم، قَالَت: صفيه ولا تسميه.
قَالَت: مصامص النسب، كريم الحسب، كامل الأدب، غزيز العطايا، مألوف السجايا، مقتبل الشباب، خصيب الجناب، أمره ماض، وعشيره راض قَالَت: ومن هو؟ قَالَت: يعلى بن هزال بن ذى جدنٍ.
ثم خلت بالثالثة، فقَالَت: ما عندك؟
стр. 81
قَالَت: وجدته كثير الفوائد، عظيم المرافد، يعطى قبل السؤال، وينيل قبل أن يستنال، فِي العشيرة معظم، وفي الندي مكرم، جم الفواضل، كثير النوافل، بذال أموال محقق آمال، كريم أعمام وأخوال، قَالَت: ومن هو؟ رواحة بن خمير بن مضحى بن ذي هلاهلة، فاختارت يعلى بن هزال فتزوجته، فاحتجبت عَنْ نسائها شهرا ثم برزت لهن، فأجزلت لهن الحباء، وأعظمت لهن العطاء إسماعيل: المخلاف: الكورة.
وأرصد: أبرد.
ويرب: يجمع ويصلح.
وأنشدنا أَبُو بَكْرٍ لرجل يصف إبلا:
تربعت فِي حرضٍ وحمض ... جاءت تهض الأرض أي هض
يدفع عنها بعضها عَنْ بعض ... مثل العذارى شمن عين المغضى
تربعت: أقامت فِي الربيع.
والحرض: الأشنان.
والحمض: ما ملح من النبات.
وتهض: تدق.
وقوله: يدفع عنها بعضها عَنْ بعض، أي هي مستوية حسان كلها ليس فيها واحدة تبينها فتسبق إليها العين، ولكن إذا قيل: هذه أحسن، قيل: لا هذه، فيدفع بعضها عَنْ بعض العين أن تعينها.
وشمن: فتحن عين المغضي فينظر اليهن وهن مثل العذارى فِي الحسن
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن دريد، ﵀، قَالَ: أنشدنا أَبُو حاتم، عَنِ الأصمعى، لسلمى بن ربيعة:
حلت تماضر غربةً فاحتلت ... فلجاً وأهلك باللوى فالحلة
فكان فِي العينين حب قرنفل ... أو سنبلاً كحلت به فانهلت
زعمت تماضر إننى إما أمت ... يسدد أبينوها الأصاغر خلتى
تربت يداك وهل رأيت لقومه ... مثلى عَلَى يسرى وحين تعلتى
رجلاً إذا ما النائبات غشينه ... أكفى لمضلعةٍ وإن هى جلت
ومناخ نازلة كفيت وفارس ... نهلت قناتى من مطاه وعلت
وإذا العذارى بالدخان تقنعت ... واستعجلت هزم القدور فملت
دارت بأرزاق العفاة مغالق ... بيدى من قمع العشار الجلة
стр. 82
ولقد رأيت ثأى العشيرة بينها ... وكفيت جانبها اللتيا والتى
وصفحت عَنْ ذي جهلها ورفدتها ... ونصحي ولم تصب العشيرة زلتى
وكفيت مولاي الأجم جريرتي ... وحبست سأمتي عَلَى ذي الخلة
قَالَ: وروى عَنْ أبي يزيد: مولاي الأحم بالحاء.
: لمضلعة: أمر شديد تضلع صاحبها، أى تميله للوقوع.
والهزم: الصوت، يريد صوت الغليان.
والمغالق: يريد بها القداح التى يغلق بها الرهن.
والقمع: الأسنمة، واحدتها قمعة.
والعشار جمع عُشراء، وهى التي أتت عليها عشرة أشهر من حملها، ثم لا يزال ذلك اسمها حتى تضع وبعد ما تضع أياما.
والثأى: الفساد، وأصل ذلك الثأي فِي الخرز، وهو أن تنخرم الخرزتان فتصيرا واحدة، يُقَال: أثأيت الخرز إذا خزمته.
ورأبت: أصلحت.
والأجم: الذى لا رمح معه، وأما الأحم بالحاء: فالأقرب، والحميم: القريب.
والأعزل: الذى لا سلاح معه.
والأكشف: الذى لا ترس معه والأميل: الذى لا سيف معه، والأميل أيضاً: الذى لا يثبت عَلَى الخيل، قَالَ الأعشى:
غير ميل ولا عواوير فِي ... الهيجا ولا عزل ولا أكفال
: الميل جمع أميل.
والعواوير جمع عوار، وهو الجبان.
والعزل جمع أعزل.
والأكفال جمع كفل، وهو أيضاً الذى لا يثبت عَلَى الخيل مثل الأميل، غير أن الأميل الذى يميل إِلَى جانب، والكفل الذي يزول عَلَى متن فرس إِلَى كفله.
والخلة بالفتح: الحاجة، والخلة بالضم: الصداقة
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن دريد، ﵀، قَالَ: أنشدنا عبد الرحمن، عَنْ عمه، قَالَ: أنشدني رجل من بني فزارة:
لا يبعد الله قوما إن سألتهم ... أعطوا وإن قلت يا قوم انصروا نصروا
وإن أصابتهم نعماء سابغة ... لم يبطروها وإن فاتتهم صبروا
الكاسرون عظاما لا جبور لها ... والجابرون فأعلى الناس من جبروا
стр. 83
فقلت: من يقول هذا؟ فقَالَ الذى يقول:
اذا نشرت نفسى تذكرت ما مضي ... وقومي إذ نحن الذرى والكواهل
واذ لي منهم جنة أتقى بها ... وجرثومة فيها حفاظ ونائل
وإذ لا ترون العين عنا لبغية ... ولا يتخطانا المروع الموائل
ولا يجد الأضياف عنا محولا ... اذا هب أرواح الشتاء الشمائل
إذ قيل أين المشتفى بدمائهم ... واين الروابى والفروع المعاقل
اشير الينا أو رأى الناس أننا ... لهم جنة ان قَالَ بالحق قائل
فأصبحت مثل النسر تحت جناحه ... قوادم صارتها اليه الحبائل
فلو ان قومي أكرمونى وأتأقوا ... سجالا به أسقي الذين أساجل
كففت الأذي ما عشت عَنْ حلمائهم ... وناضلت عَنْ أعراضهم من يناضل
ولكن قومي عزهم سفهاؤهم ... على الرأى حتى ليس للرأي حامل
تظوهر قام بالعدوان واختبل بالغني ... وشورك فِي الرأي الرجال الأماثل
ثم قام مغضبا متصاعرا كأن المحاجم عَلَى أخدعيه
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن دريد، ﵀، قَالَ: أنشدنا أَبُو حاتم ولم يسنده:
تود عدوي ثم تزعم أننى ... صديقك ان الرأى عنك لعازب
وليس أخى من ودنى رأى عينه ... ولكن أخي من ودنى وهو غاضب
وأنشدنا أَبُو عبد الله نفطويه، قَالَ: أنشدنا أحمد بن يحيى النحوى ثعلب:
أحب بلاد الله ما بين منعج ... الى وسلمى أن يصوب سحابها
بلاد بها الشباب تمائمي ... وأول أرض مس جلدي ترابها
стр. 84
مطلب ما قاله الشعراء فِي وصف الحديث مدحًا وذما
وأنشدنا أيضاً، قَالَ: أنشدنا أحمد بن يحيى النحوى:
منعمة يحار الطرف فيها ... كأن حديثها سكر الشباب
من المتصديات لغير سوء ... تسيل أذا مشت سيل الحباب
وأنشدنى أَبُو بَكْرِ بن دريد، ﵀، فِي خبر طويل:
وكنت اذا ما زرت سعدى بأرضها ... أرى الأرض تطوى لي ويدنو بعيدها
من الخفرات البيض ود جليسها ... متي انقضت أحدوثة لو تعيدها
وأنشدنا بعض أصحابنا فِي حسن الحديث:
فبتنا عَلَى رغم الحسود وبيننا ... حديث كمثل المسك شيبت به الخمر
حديث لو أن الميت نوجي ببعضه ... لأصبح حيا بعد ما ضمه القبر
وقرأت فِي نوادر إبن الأعرابى، عَنْ أبى عمر المطرز، قَالَ: أنشدنا أحمد بن يحيى النحوى، عَنِ ابن الأعرابي، لأعرابي:
وحديثها كالقطر يسمعه ... راعى سنين تتابعت جدبا
فأصاخ يرجو أن يكون حيا ... ويقول من فرح هيا ربا
وأحسن فِي هذا المعنى عَلَى بن العباس الرومى، أنشدناه الناجم، قَالَ: أنشدنا عَلَى بن العباس لنفسه:
وحديثها السحر الحلال لو أنه ... لم يجن قتل المسلم المتحرز
إن طال لم يملل وإن هى أوجزت ... ود المحدث أنها لم توجز
شرك العقول ونهزة ما مثلها ... للمطمئن وعقلة المستوفز
وأنشدنا بعض أصحابنا لبشار:
وكأن رصف حديثها ... قطع الرياض كسين زهرا
وكأن تحت لسانها ... هاروت ينفث فيه سحرا
وتخال ما جمعت عليه ... ثيابها ذهبا وعطرا
وكأنها برد الشراب ... صفا ووافق منك فطرا
стр. 85
قرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد، من خط إسحاق بن إبراهيم، لأعرابي:
أمر مجنبا عَنْ بيت ليلى ... ولم ألمم به وبي الغليل
أمر مجننا وهواى فيه ... فطرفى عنه منكسر كليل
وقلبى فيه مقتتل فهل لى ... إلى قلبى وساكنه سبيل
أؤمل أن أعل بشرب ليلى ... ولم أنهل فكيف لى العليل
وأنشدنا الأخفش لأبى عَلَى البصير:
غناؤك عندى يميت الطرب ... وضربك بالعود يحيى الكرب
ولم أر قبلك من قينةٍ ... تغنى فأحسبها تنتحب
ولا شاهد الناس إنسيةً ... سواك لها بدن من خشب
ووجه رقيب عَلَى نفسه ... ينفر عنه عيون الريب
فكيف تصدين عَنْ عاشق ... يودك لو كان كلباً كلب
ولو مازج النار فِي حرها ... حديثك أخمد منها اللهب
وأنشدنا ابن الأنبارى، قَالَ: أنشدنا أَبُو الحسن بن البراء:
فديتك، ليلى مذ مرضت طويل ... ودمعى لما لاقيت فيك همول
أأشرب كأسا أم أسر بلذة ... ويعجبنى ظبى أغن كحيل
وتضحك سنى أو تجف مدامعى ... وأصبوا إِلَى لهوٍ وأنت عليل
ثكلت إذا نفسى وقامت قيامتى ... وغالت حياتى عند ذلك غول
قَالَ أبو على: ومن أحسن ما سمعت فِي القسم قول الأشتر النخعى، ﵀:
بقيت وفرى وانحرفت عَنِ العلا ... ولقيت أضيافى بوجه عبوس
إن لم أشن عَلَى ابن هند غارةً ... لم تخل يوماً من نهاب نفوس
خيلاً كأمثال السعالى شرباً ... تعدو ببيضٍ فِي الكريهة شوس
حمى الحديد عليهم فكأنه ... لمعان برق أو شعاع شموس
стр. 86
وأنشدني بعض أصحابنا:
ولكن عبد الله لما حوى الغنى ... وصار له من بين إخوانه مال
رأى خلةً منهم تسد بماله ... فساهمهم حتى استوت فيهم الحال
مطلب حديث ليلي الأخيلية مع الحجاج وشرح الغريب من ذلك
وحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: حَدَّثَنِي أبى، قَالَ: أَخْبَرَنَا أحمد بن عبيد، عَنْ أبى الحسن المدائني، عمن حدثه، عَنْ مولى لعنبسة بن سعيد بن العاصى، قَالَ: كنت أدخل مع عنبسة بن سعيد بن العاصى إذا دخل عَلَى الحجاج، فدخل يوما، فدخلت إليهما، وليس عند الحجاج أحد إلا عنبسة، فأقعدني فجي الحجاج بطبق فيه رطب، فأخذ الخادم منه شيئا فجاءنى به، ثم جىء بطبق آخر حتى كثرت الأطباق.
وجعل لا يأتون بشيء إلا جاءنى منه بشىء، حتى ظننت أن ما بين يدي أكثر مما عندهما، ثم جاء الحاجب فقَالَ: امرأة بالباب؟ فقَالَ له الحجاج: أدخلها، فدخلت، فلما رآها الحجاج طأطأ رأسه حتى ظننت أن ذقنه قد أصاب الأرض، فجاءت حتى قعدت بين يديه، فنظرت فإذا امرأة قد أسنت حسنة الخلق ومعها جاريتان لها، وإذا هى ليلى الأخيلية، فسألها الحجاج عَنْ نسبها فانتسبت لها، فقَالَ له: يا ليلى: ما أتى بك؟ فقَالَت: إخلاف النجوم، وقلة الغيوم، وكلب البرد، وشدة الجهد، وكنت لنا بعد الله الرفد.
فقَالَ لها: صفى لنا الفجاج، فقَالَت: الفجاج مغبرة، والأرض مقشعرة، والمبرك معتل، وذو العيال مختل، والهالك للقل، والناس مسنتون، رحمة الله يرجون، وأصابتنا سنون مجحفة مبلطة، لم تدع لنا هبعاً، ولا ربعا، ولا عافطة ولا نافطة، أذهبت الأموال، ومزقت الرجال، وأهلكت العيال، ثم قَالَت: إنى قلت فِي الأمير قولا، قَالَ: هاتى، فأنشأت تقول: أحجاج لا يفلل سلاحك إنها المنايا بكف الله حيث تراها
أحجاج لا تعطى العصاة مناهم ... ولا الله يعطي للعصاة مناها
إذا هبط الحجاج أرضاً مريضةً ... تتبع أقصى دائها فشفاها
شفاها من الداء العضال الذى بها ... غلام إذا هز القناة سقاها
سقاها فرواها بشرب سجاله ... دماء رجال حيث مال حشاها
стр. 87
إذا سمع الحجاج رز كتيبةٍ ... أعد لها قبل النزول قراها
أعد لها مسمومةً فارسية ... بأيدي رجال يحلبون صراها
فما ولد الأبكار والعون مثله ... ببحر ولا أرضٍ يجف ثراها
قَالَ: فلما قَالَت هذا البيت قَالَ الحجاج: قاتلها الله! والله ما أصاب صفتى شاعر مذ دخلت العراق غيرها، ثم ألتفت إِلَى عنبسة بن سعيد فقَالَ: والله إنى لأعد للأمر عسى ألا يكون أبداً، ثم التفت إليها فقَالَ: حسبك، قَالَت: إنى قد قلت أكثر من هذا، قَالَ: حسبك! ويحك حسبك! ثم قَالَ: يا غلام، اذهب إِلَى فلان فقل له: اقطع لسانها، فذهب بها فقَالَ له: يقول لك الأمير: اقطع لسانها، قَالَ: فأمر بإحضار الحجام، فالتفتت إليه فقَالَت: ثكلتك أمك! أما سمعت ما قَالَ، إنما أمرك أن تقطع لسانى بالصلة، فبعث إليه يستثبته، فاستشاط الحجاج غضبا وهم بقطع لسانه وقَالَ: ارددها، فلما دخلت عليه قَالَت: كاد وأمانة الله يقطع مقولى، ثم أنشأت تقول:
حجاج أنت الذي ما فوقه أحد ... إلا الخليفة والمستغفر الصمد
حجاج أنت شهاب الحرب إن لقحت ... وأنت للناس نور فِي الدجى يقد
ثم أقبل الحجاج عَلَى جلسائه فقَالَ: أتدرون من هذه؟ قالوا: لا والله أيها الأمير، إلا أنا لم نر قط أفصح لسانا، ولا أحسن محاورة، ولا أملح وجها، ولا أرصن شعراً منها! فقَالَ: هذه ليلى الأخيلية، التى مات توبة الخفاجى من حبها! ثم التفت إليها فقَالَ: أنشدينا يا ليلى بعض ما قَالَ فيك توبة، قَالَت: نعم أيها الأمير، هو الذى يقول:
وهل تبكين ليلى إذا مت قبلها ... وقام عَلَى قبرى النساء النوائح
كما لو أصاب الموت ليلى بكيتها ... وجاد لها دمع من العين سافح
وأغبط من ليلى بما لا أناله ... بلى كل ما قرّت به العين طائح
ولو أن ليلى الأخيلية سلمت ... على ودونى جندل وصفائح
لسلّمت تسليم البشاشة أو زقاً ... إليها صدّى من جانب القبر صائح
стр. 88
فقَالَ زيدينا من شعره يا ليلى، قَالَت: هو الذى يقول:
حمامة بطن الواديين ترنمى ... سقاك من الغر الغوادى مطيرها
أبينى لنا لا زال ريشك ناعماً ... ولا زلت فِي خضراء غض نضيرها
وكنت إذا ما زرت ليلى تبرقعت ... فقد رابنى منها الغداة سفورها
وقد رابنى منها صدود رأيته ... وإعراضها عَنْ حاجتى وبسورها
وأشرف بالقور اليفاع لعلنى ... أرى نار ليلى أو يرانى بصيرها
يقول رجال لا يصيرك نأيها ... بلى كل ما شف النفوس يضيرها
بلى قد يضير العين أن تكثر ... البكا ويمنع منها نومها وسرورها
وقد زعمت ليلى بأنى فاجر ... لنفسى تقاها أو عليها فجورها
فقَالَ الحجاج: يا ليلى، ما الذى رابه من سفورك؟ فقَالَت: أيها الأمير، كان يلم بى كثيراً، فأرسل إِلَى يوما أن آتيك، وفطن الحى فأرصدوا له، فلما أتانى سفرت عَنْ وجهى، فعلم أن ذلك لشر فلم يزد عَلَى التسليم والرجوع، فقَالَ: لله درك! فهل رايت منه شيئاً تكرهينه؟ فقَالَت: لا والله الذى أسأله أن يصلحك، غير أنه قَالَ مرة قولا طننت أنه قد خضع لبعض الأمر، فأنشأت تقول:
وذى حاجةٍ قلنا له لا تبح بها ... فليس إليها ما حييت سبيل
لنا صاحب لا ينبغى أن نخونه ... وأنت لأخرى صاحب وحليل
فلا والله الذى أسأله أن يصلحك، ما رأيت منه شيئا حتى فرق الموت بيني وبينه، فقَالَ: ثم مه! قَالَت: ثم لم يلبث أن خرج فِي غزاة له فأوصى ابن عم له: إذا أتيت الحاضر من بنى عبادة فناد بأعلى صوتك:
عفا الله عنها هل أبيتن ليلةً ... من الدهر لا يسرى إِلَى خيالها
وأنا أقول:
وعنه عفا ربى وأحسن حاله ... فعزت علينا حاجة لا ينالها
قَالَ: ثم مه! قَالَت: ثم لم يلبث أن مات فأتانا نعيه، فقَالَ: أنشدينا بعض مراثيك فيه، فأنشدت:
стр. 89
لتبك عليه من خفاجة نسوة ... بماء شئون العبرة المتحدر
قَالَ لها: فأنشدينا، فأنشدته:
كأن فتى الفتيان توبة لم ينخ ... قلائص يفحصن الحصى بالكراكر
فلما فرغت من القصيدة قَالَ محصن الفقعسي، وكان من جلساء الحجاج: من الذى تقول هذه هذا فيه؟ فوالله إنى لأظنها كاذبة، فنظرت إليه ثم قَالَت: أيها الأمير، إن هذا القائل لو رأى توبة لسره ألا تكون فِي داره عذراء إلا هى حامل منه، فقَالَ الحجاج: هذا وأبيك الجواب وقد كنت عنه غنياً، ثم قَالَ لها: سلى يا ليلى تعطى، قَالَت: أعط فمثلك أعطى فأحسن، قَالَ: لك عشرون، قَالَت زد فمثلك زاد فأجمل، قَالَ: لك أربعون، قَالَت: زد فمثلك زاد فأكمل، قَالَ: لك ثمانون، قَالَت زد فمثلك زاد فتمم، قَالَ: لك مائة، واعلمى أنها غنم، فقَالَت: معاذ الله أيها الأمير! أنت أجود جودا، وأمجد مجدا، وأورى زندا، من أن تجعلها غنما، قَالَ: فما هى ويحك يا ليلى؟ قَالَت مائة من الإبل برعاتها، فأمر لها بها، ثم قَالَ: ألك حاجة بعدها؟ قَالَت: تدفع إليَّ النابغة الجعدى، قَالَ: قد فعلت، وقد كانت تهجوه ويهجوها، فبلغ النابغة ذلك، فخرج هاربا عائذا بعبد الملك، فاتبعته إِلَى الشام، فهرب إِلَى قتيبة بن مسلم بخرسان، فاتبعته عَلَى البريد بكتاب الحجاج إِلَى قتيبة، فماتت بقومس ويقَال: بحلوان: قولها: إخلاف النجوم، تريد: أخلفت النجوم التى يكون بها المطر فلم تأت بمطر.
وكَلَبُ البرد: شدته، وهذا مثل لأن الكَلَب السعار الذى يصيب الكلاب والذئاب.
والرفد:
стр. 90
المعونة، والرفد: العطية، ويقَال: رفدته: من الرفد، وأرفدته إذا أعنته عَلَى ذلك، وقَالَ الأصمعى: الرفد، بكسر الراء: القدح.
والرفد بالفتح: مصدر رفدته، والرفود من الإبل التى تملأ الرفد، وقَالَ أَبُو عبيدة: الرفد، بفتح الراء: القدح، وأنشد قول الأعشى:
رب رفد هرقته ذلك اليوم ... وأسرى من معشرٍ أقتال
قَالَ: والرفد، بالكسر: المعونة، وروى الأصمعى: رب رفد بكسر الراء.
والفجاج جمع فج، والفج: كل سعةٍ بين نشازين، كذا قَالَ أَبُو زيد: وقولها: والمبرك معتل، أرادت الإبل فأقامت المبرك مكانها لعلم المخاطب إيجازاً واختصارا، كما قالوا: نهاره صائم وليله قائم.
وقولها: وذو العيال مختل، أي مجتاح والخة الحاجة.
وقولها: والهالك للقل، أى من أجل القلة، وقولها: مسنتون أي مقحطون، والسنة: القحط، والسنون: القحوط.
ومجحفة: قاشرة.
وقولها: مبلطة، أى ملزقة بالبلاط، والبلاط: الأرض الملساء، وقَالَ الأصمعى: أبلط الرجل فهو مبلط إذا لزق بالأرض، وحكى يعقوب عَنْ غيره: أبلط فهو مبلط، وهو الهالك الذي لا يجد شيئا، قولها: لم تدع لنا هبعاً ولا ربعاً فالهبع: ما نتج فِي الصيف والربع: ما نتج فِي الربيع.
وقولها: ولا عافطة ولا نافطة، أى لم تدع لنا ضائنة ولا ماعزة، والعافطة: الضائنة، والعفط: الضرط، يُقَال: عفطت تعفط عفطا إذا ضرطت، فهى عافطة.
والنافطة: الماعزة، والنفط: العطاس، يُقَال: نفطت تنفط إذا عطست، فهى نافطة.
مطلب ما يُقَال فِي وصف الرجل لا يملك شيئا وشرح الغريب من ذلك
ومما يُقَال فِي هذا المعنى: ما له سبد ولا لبد، أى ما له ذو سبد وهو الشعر، ولا ذو لبدٍ وهو الصوف، فمعناه: ما له شاة ولا عَنْز.
وما له سارحة ولا رائحة، أى ما له ماشية تسرح أو تروح.
وما له ثاغية ولا راغية، فالثاغية: الشاة، والراغية: الناقة، لأنه يُقَال لأصوات الشاء: الثغاء، وقد ثغت تثغو، ولأصوات الإبل: الرغاء، وقد رغت ترغو، والعرب تقول: ما أثغانى ولا أرغانى، أى ما أعطانى ثاغية ولا راغية، وما أجلنى ولا أحشانى، أى ما أعطانى من جلة إبله ولا من حواشيها، والحواشى، واحدتها حاشية، وهى صغار الإبل.
وما له دقيقة ولا جليلة، والدقيقة: الشاة.
والجليلة: الناقة.
وما له حانة ولا آنة، فالحانة: الناقة تحنّ إِلَى ولدها.
والآنة: الأمة تئن
стр. 91
من شدة التعب أو من علة.
وما له هارب ولا قارب، فالهارب: الصادر عَنِ الماء، والقارب: الطالب للماء.
وما له عاو ولا نابح، أى ما له غنم يعوي بها الذئب أو ينبح فيها الكلب، فإذا نفى عنه العاوى والنابح فقد نفى عنه الغنم.
وما له هلع ولا هلعة، أى ما له جدى ولا عناق.
وما له زرع ولا ضرع.
وما له قد ولا قحف، فالقد: إناء من جلود، والقحف: إناء من خشب.
وما له أقذ ولا مريش، فالأقذ: السهم الذي لا قذة له، وهى الريش، وجمعها قذذ، والمريش: الذي عليه ريش.
وما له سعنة ولا معنة، أي ماله قليل ولا كثير، قَالَ النمر بن تولب:
ولا ضيعته فألام فيه ... فإن ضياع مالك غير معن
أى غير يسير ولا هين، قَالَ أَبُو العباس: فدل هذا عَلَى أن المعن: القليل، والسعن: الكثير
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: حَدَّثَنِي أبى، قَالَ: أَخْبَرَنَا محمد بن الحكم، عَنْ قطرب، قَالَ: يُقَال: ما له سعن ولا معن فالسعن: الودك.
والمعن: المعروف وأنشد بيت النمر، وقد مضى فِي الباب.
وما له دار ولا عقار، فالعقار: النخل.
وما له ستر ولا حجر، فالستر: الحياء، قَالَ زهير:
الستر دون الفاحشات ولا ... يلقاك دون الخير من ستر
والحجر: العقل، وإنما سمي حجر لأنه يحجر صاحبه عَنِ القبيح.
وما له أثر ولا عثير، فالعثير: الغبار، قَالَ الشاعر:
أثرن عليهم عثيراً بالحوافر.
قَالَ أَبُو العباس أحمد بن يحيى: ومعناه: أنه لا يغزو راجلا فيتبين أثره، ولا فارسا فيثير الغبار فرسه.
وما له حس ولا بس، أي ماله حركة، فالحس: ما يحس به، والِبس من قولهم: أبسست بالناقة، إذا قلت لها: بس بس لتدر.
وكسروا الباء ليكون عَلَى مثال حس.
وقَالَ أَبُو عبيدة: يُقَال: قدم فلان فما جاء بهلة ولا بلةٍ، فهلة: فرح، وبلة: أدنى بلل من الخير.
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن دريد، عَنْ أبى عثمان، عَنِ التوزى، عَنْ أبى عبيدة، لرجل من بنى تميم:
ولما رأين بنى عاصم ... دعون الذى كن أنسينه
فوارين ما كن حسرنه ... وأخفين ما كن يبدينه
يصف نساء سبين فأنسين الحياء، فأبدين وجوههن وحسرن رءوسهن، فلما رأين بنى عاصم أيقن أنهن قد أستنقذن، فراجعن حياءهن فسترن وجوههن وغطين رءوسهن.
стр. 92
مطلب ما وقع بين سبيع بن الحارث، وميثم بن مثوب، من المخاصمة بمجلس مرثد الخير، وخطبته فِي شأنهما، وإصلاحه ذات بينهما، وشرح غريب ذلك
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، ﵀، قَالَ: حَدَّثَنَا السكن بن سعيد الجرموزى، عَنْ محمد بن عباد، عَنِ ابن الكلبى، عَنْ أبيه، قَالَ: كان مرثد الخير بن ينكف بن نوف بن معد يكرب بن مضحى قيلا، وكان حدباً عَلَى عشيرته محباً لصلاحهم، وكان سبيع بن الحارث أخو علس، وعلس هو ذو جدن، وميثم بن مثوب بن ذى رعين تنازعا الشرف حتى تشاحنا وخيف أن يقع بين حييهما شر فيتفانى جذماهما، فبعث إليهما مرثد فأحضرهما ليصلح بينهما، فقَالَ لهما: إن التخبط وامتطاء الهجاج، واستحقاب اللجاج، سيقفكما عَلَى شفا هوةٍ فِي توردها بوار الأصيلة، وانقطاع الوسيلة، فتلافيا أمركما قبل انتكاث العهد، وانحلال العقد، وتشتت الألفة، وتباين السهمة، وأنتما فِي فسحة رافهة، وقدم واطدة، والمودة مثرية، والبقيا معرضة، فقد عرفتم أنباء من كان قبلكم من العرب من عصى النصيح، وخالف الرشيد، وأصغى إِلَى التقاطع، ورأيتم ما آلت إليه عواقب سوء سعيهم، وكيف كان صيور أمورهم، فتلافوا القرحة قبل: تفاقم الثأى، واستفحال الداء، وإعواز الدواء، فإنه إذا سفكت الدماء استحكمت الشحناء، وإذا استحكمت الشحناء تقضبت عرى الإبقاء وشمل البلاء، فقَالَ سبيع: أيها الملك، إن عداوة بنى العلات لا تبرئها الأساة، ولا تشفيها الرقاة، ولا تستقل بها الكفاة، والحسد الكامن، هو الداء الباطن، وقد علم بنو أبينا أنا لهم ردء إذا رهبوا، وغيث إذا أجدبوا، وعضد إذا حاربوا، ومفزع إذا نكبوا، وإنا وإياهم كما قَالَ الأول:
إذا ما علوا قالوا أبونا وأمنا ... وليس لهم عالين أم ولا أب
فقَالَ ميثم: أيها الملك، إن من نفس عَلَى ابن أبيه الزعامة، وجدبه فِي المقامة، واستكثر له قليل الكرامة، كان قرفاً بالملامة، ومؤنباً عَلَى ترك الاستقامة، وإنا والله ما نعتد لهم بيد إلا وقد نالهم منا كفاؤها، ولا نذكر لهم حسنة إلا وقد تطلع منا إليهم جزاؤها، ولا يتفيأ لهم علينا ظل نعمة إلا وقد قوبلوا بشرواها، ونحن بنو فحل مقرم لم تقعد بنا الأمهات ولا بهم، ولم تنزعنا أعراق السوء ولا إياهم، فعلام مط الخدود وخزر العيون، والجخيف والتصعر، والبأو والتكبر؟ ألكثرة عدد، أم لفضل جلد، أم لطول معتقد؟ وإنا وإياهم لكما كما قَالَ الأول:
стр. 93
لاه ابن عمك لا أفضلت فِي حسب ... عنى ولا أنت دياني فتخزوني
ومقاطع الأمور ثلاثة: حرب مبيرة، أو سلم قريرة، أو مداجاة وغفيرة، فقَالَ الملك: لا تنشطوا عقل الشوراد، ولا تلقحوا العون القواعد، ولا تؤرثوا نيران الأحقاد ففيها المتلفة المستأصلة، والجائحة والأليلة، وعفوا بالحلم أبلاد الكلم، وأنيبوا إِلَى السبيل الأرشد والمنهج الأقصد، فإن الحرب تقبل بزبرج الغرور، وتدبر بالويل والثبور؛ ثم قَالَ الملك:
ألا هل أتى الأقوام بذلى نصيحة ... حبوت بها منى سبيعا وميثما
وقلت اعلما أن التدابر غادرت ... عواقبه للذل والقل جرهما
فلا تقدحا زند العقوق وأبقيا ... عَلَى العزة القعساء أن تتهدما
ولا تجنيا حربا تجر عليكما ... عواقبها يوما من الشر أشأما
فإن جناة الحرب للحين عرضة ... تفوقهم منها الذعاف المقشما
حذار فلا تستنبثوها فإنها ... تغادر ذا الأنف الأشم مكشما
فقالا لا أيها الملك، بل نقبل نصحك، ونطيع أمرك، ونطفي الناثرة، ونحل الضغائن، ونثوب إِلَى السلم: قوله: تشاحنا، من الشحناء وهى العداوة.
والجذم: الأصل، قَالَ أوس بن حجر:
غنى تآوى بأولادها ... لتهلك جذم تميم بن مر
وكذلك الجذر، وجذور الحساب منه، وقَالَ أَبُو عمرو الشيبانى: الجذر بكسر الجيم.
وقَالَ أَبُو بَكْرٍ: التخبط: ركوب الرجل رأسه فِي الشر خاصة، ولم أسمع هذه الكلمة من غيره.
فأما التخمط بالميم: فالتكبر، وأنشد يعقوب:
وخطيب قوم قدموه أمامهم ... ثقة به متخمط تياح
стр. 94
وقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يُقَال: ركب الرجل هجاجة إذا لج ومحك.
والاستحقاب: استفعال من الحقيبة أو من الحقاب، فأما الحقيبة فما يجعل فيه الرجل متاعه من خرج أو غيره، وحقيبة الجمل التى تكون وراء الرجل تحشى تبنا أو حشيشا.
وقول نصيب فِي سليمان بن عبد الملك رحمهما الله تعالى:
أقول لركب قافلين لقيتهم ... قفا ذات أوشال ومولاك قارب
قفوا خبرونا عَنْ سليمان إننى ... لمعروفة من آل ودان طالب
فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ... لو سكتوا أثنت عليك الحقائب
من الحقيبة.
والحقاب: بريم تشد به المرأة وسطها.
والبريم: خيط فيه لونان، وهذا مثل، إما أن يكون أراد أنه احتزم باللجاج أو جعله فِي وعائه.
والهوة: الجوبة.
والبوار: الهلاك.
وقَالَ أَبُو زيد: الأصيلة والأصيل واحد.
والانتكاث: الانتقاض، والانكاث، واحدها نكث، وهو ما نقض من الأخبية والحبال ليعاد ثانية، ومنه بشير بن النكث.
والسهمة: القرابة.
ورافهة: ناعمة، من الرفاهية.
وواطدة: ثابتة.
ومثرية: متصلة، مأخوذ من الثرى، وهو التراب الندى، يُقَال: ثريت التراب إذا بللته، قَالَ جرير:
فلا توبسوا بينى وبينكم الثرى ... فإن الذى بينى وبينكم مثرى
ويقَالَ: قد ثريت بك، أي كثرت بك، وثرى بنو فلان بنى فلان، أى صاروا أكثر منهم.
وأثرى الرجل يثري إثراءً إذا كثر ماله، وإنه لمثرٍ.
والثراء والثروة جميعاً: كثرة الأموال، وقد تكون الثروة كثرة العدد.
وينشد بيت ابن مقبل:
وثروةٍ من رجال لو رأيتهم ... لقلت إحدى حراج الجر من أقر
فالثروة هاهنا كثرة العدد.
ويروى، وثورة من رجال، وهم الذين يثورون فِي الحرب.
ومعرضه: ممكنة، قد أمكنت من عرضها، أى من جنبها وناحيتها، يُقَال: قد أعرض لك الظبي فارمه، أي قد أمكنك من عرضه.
قَالَ الأصمعى: صار يصير صيرورة ومصيرا، والصيور: الأمر الذي يرجع إليه.
стр. 95
واستفحال الداء: اشتداده، وهو أن يصير مثل الفحل.
وتقضبت: تقطعت.
وشمل البلاء: عم، وشمل يشمل أفصح، قَالَ أَبُو عبيدة: شمل يشمل.
وأنشدنا:
كيف نومى عَلَى الفراش ولما ... تشمل الشأم غارة شعواء
والأساة: الأطباء، واحدهم آسٍ، قَالَ البعيث:
إذا قاسها الآسى النطاسى أدبرت ... غثيثتها وازداد وهيا هزومها
الغثيثة: ماسال من الجرح من مدة أو قيح.
والإساء: الدواء.
والردء: العون، قَالَ الله : ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص: ٣٤] .
والزعامة: الرياسة، ويقَالَ: السلاح، وهى هاهنا الرياسة، قَالَ لبيد:
تطير عدائد الأشراك شفعاً ... ووتراً والزعامة للغلام
وجدبه: عابه، وفى حديث عمر رضى الله عنه أنه جدب السمر بعد عتمةٍ، أى عابه، قَالَ ذو الرمة:
فيا لك من خد أسيلٍ ومنطقٍ ... رخيم ومن خلقٍ تعلل جادبه
والمقامة: المجلس، قَالَ الأصمعى: المجلس الناس، وأنشد بيت مهلهل:
نبئت أن النار بعدك أوقدت ... واستب بعدك يا كليب المجلس
قرفا، هكذا أملاه قرفاً عَلَى فعل، أى خليقا، وكان ابن الأعرابى يقول: يُقَال: أنت قرف من كذا، ولا يُقَال: قريف ولا قرف.
ويقَالَ: إنه لخليق لكذا وكذا، وقد خلق خلاقة، وإنه لجدير بكذا وكذا، وقد جدر جدارة، وإنه لحرى وحرى وحرٍ لذلك، وإنه لقمين بكذا وكذا وقمن وقمن، وإنه لعس أن يفعل ذلك ويثنى ويجمع، وليس يُقَال فيه: يعسو ولا يعسى، وإنه، لحجٍ به وحجى به، وقد حجى يحجي حجي، ولا يُقَال: أنت حجى بكذا ولا عسى.
ويقَالَ هي هذا كله: ما أخلقه وأجدره وأحراه وأعساه وأقمنه وأحجاه وما أقرفه.
ويقَالَ فِي هذا كله: أفعل به: أعس به، أقرف به.
: وقد روينا من غير طريق ابن الأعرابى: أنت قرف بكذا وحجى بكذا، وهما عندنا جائزان.
: ويقَالَ: قرف عليه يقرف قرفا إذا بغى عليه، وقرف فلان فلانا إذا وقع فيه
стр. 96
كأنه يقشره، وقرفت القرحة إذا قشرتها، ويقَالَ: تركتهم عَلَى مثل مقرف الصمغة، أي مقشرها، والقَرْف: القَشْر، والقِرْف: القِشْرة، والقرفة: القشرة، ولهذا سمي هذا التابل قرفة، لأنه لحاء شجر.
ويقَالَ: صبغ ثوبه بقرف السدر.
وقَالَ الأصمعي: أقرف الرجل غيره إذا دانى الهجنة فهو مقرف.
ويقَالَ: أخشى عليه القرف، أى مداناة المرض.
ويقَالَ: قرف فلان بسوء فهو مقروف، ومن قرفتك من القوم، أى من تتهم.
والمقارفة: الجماع، وفي حديث عائشة ﵂: إن كان رَسُول اللَّهِ صلى الله وعليه وسلم ليصبح جنبا عَنْ قرافٍ غير احتلام.
ويقَالَ: اقترف إذا اكتسب.
والقروف: الأوعية، واحدها قرف.
وشرواها: مثلها.
والمط والمد والمت بمعنى واحد.
والخزر: أن ينظر الرجل إِلَى أحد عرضيه، يُقَال: إنه ليتخازر لي إذا نظر إليه بمؤخر عينه ولم يستقبله بنظره
وأنشدنى أَبُو بَكْرِ بن دريد:
إذا تخازرت وما بى من خزر ... ثم كسرت العين من غير عور
ألفيتني ألوي بعيد المستمر ... أحمل ما حملت من خيرٍ وشرٍ
وقَالَ أَبُو عبيدة: الجخيف: التكبر.
حَدَّثَنَا بعض مشايخنا، عَنْ أبى العباس أحمد بن يحيى، أنه قَالَ: بلغنى أنه قيل للأصمعى: قَالَ أَبُو عبيدة: الجخيف: التكبر، والبأو: التكبر، قَالَ: أما البأو الجخيف فلا
وحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بن دريد، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حاتم، قَالَ: قلت للأصمعى: أتقول فِي التهدد: أبرق وأرعد؟ فقَالَ: لا، لست أقول ذلك إلا أن أرى البرق أو أسمع الرعد، فقلت: فقد قَالَ الكميت:
أبرق وأرعد يا يزيد ... فما وعيدك لى بضائر
فقَالَ: الكميت جرمقانى من أهل الموصل ليس بحجة، والحجة الذى يقول
إذا جاوزت من ذات عرقٍ ثنيةً ... فقل لأبى قابوس ما شئت فارعد
فأتيت أبا زيد فقلت له: كيف تقول من الرعد والبرق: فعلت السماء؟ فقَالَ: رعدت وبرقت، فقلت: فمن التهدد؟ قَالَ: رعد وبرق وأرعد وأبرق، فأجاز اللغتين جميعا، وأقبل أعرابي محرم
стр. 97
فأردت أن أسأله، فقَالَ لى أَبُو زيد: دعنى فأنا أعرف بسؤاله منك، فقَالَ: يا أعرابى، كيف تقول: رعدت السماء وبرقت، أو أرعدت وأبرقت؟ فقَالَ: رعدت وبرقت، فقَالَ أَبُو زيد: فكيف تقول للرجل من هذا؟ فقَالَ: أمن الجخيف تريد؟ ، يعنى التهدد، قلت: نعم، فقَالَ أقول: رعد وبرق وأرعد وأبرق.
وتخزوني: تقهرنى وتسوسنى، وقَالَ يعقوب: خزوته: قهرته.
والمداجاة: المساترة، قَالَ الأصمعى: دجا الليل يدجو إذا ألبس كل شيء، وأنشد غيره:
فما شب عمرو غير اغتم فاجرٍ ... أبى مذ دجا الإسلام لا يتحنف
يعنى: ألبس كل شيء.
قَالَ بعض العرب: ترى الحبارى الصقر فينتفش ريشها، فاذا سكن روعها دجا ريشها، أى ركب بعضه بعضا.
وقيل لأعرابى: بأى شيء تعرف حمل الشاة؟ فقَالَ: بأن تستفيض خاصرتاها، وتدجو شعرتها، ويحشف حياؤها.
وقوله: غفيرة، أي غفران، والعرب تقول: ليس فيهم غفيرة، أى لا يغفرون.
ويقَالَ: جاءوا جما غفيرا والجماء الغفير.
والغفر: زئبر الثوب، والغفر: الشعر الذى عَلَى ساق المرأة، والغفر: منزل من منازل القمر، كلها مسكنة الفاء مفتوحة الغين.
والغفر: ولد الأروية، والجمع أغفار.
والغفارة: السحابة تراها كأنها فوق السحابة، والغفارة: الجلدة التى تكون عَلَى رأس القوس فِي الحز يجرى عليها الوتر، والغفارة: خرفة تلبسها المرأة تحت مقنعتها توقى بها الخمار من الدهن.
ويقَالَ: غفر الرجل يغفر غفرا إذا برأ من مرضه، وغفر إذا نكس، قَالَ الشاعر:
خليلى إن الدار غفر لذى الهوى ... كما يغفر المحموم أو صاحب الكلم
وغفر الجرح يغفر غفرا إذا فسد، وغفر الرجل المتاع فِي الوعاء يغفر غفرا، ويقَالَ: اصبغ ثوبك بالسواد فإنه أغفر للوسخ، أى أغطى له.
وقَالَ الأصمعى: نشطت العقدة: عقدتها، وأنشطتها: حللتها.
وأما قوله: ولا تلقحوا العون، فإنما هو مثل، وأصله فِي الإبل، يُقَال: لقحت الناقة إذا حملت وألقحها الفحل، ثم ضرب ذلك مثلا للحرب إذا ابتدأت.
والعون: جمع عوان وهي الثيب، يُقَال للحرب: عوان إذا كان قد قوتل فيها مرة بعد مرة.
وتؤرثوا: تذكوا، قَالَ أَبُو زيد: يُقَال:
стр. 98
أر نارك تاريةً، أي عظمها، ونمها تنمية مثله، وكذلك ذك نارك تذكيةً، أى ألق عليها حطبا أو بعراً لتهيج، واسم الذى يلقى عليها من الحطب أو البعر: الذكية، وارث نارك تأريثاً مثله، واسم ما تؤرث به النار: الإرث.
والألية: الثكل.
والجائحة: الاستئصال
أنشدنى أَبُو بَكْرٍ:
فهي الأليلة إن قتلت خؤولتي ... وهى الأليلة إن همو لم يقتلوا
والأليل: الأنين، قَالَ ابن ميادة:
وقولا لها ما تأمرين لوامقٍ ... له بعد نومات العيون أليل
أي أنين.
ويقَالَ: سمعت أليل الماء وخريره وقسيبه، أى صوت جريه.
والأبلاد: الآثار، واحدها بلد، وكذلك الندوب، واحدها ندب.
والحبار والحبر والعلوب: الآثار.
والدعس: الأثر.
والعاذر: الأثر، قَالَ ابن أحمر:
أزاحمهم بالباب إذ يدفعوننى ... وبالظهر منى من قرا الباب عاذر
والزبرج: السحاب الذى تسفره الريح، وهذا قول الأصمعى، وقَالَ أَبُو بَكْرِ بن دريد، ﵀: لا يُقَال: زبرج إلا أن تكون فيه حمرة.
والقل: القلة.
والذلة.
والقعساء: الثابتة.
وتفوقهم: تسقيهم الفواق.
والفواق: ما بين الحلبتين، كأنه بحلب حلية ثم يسكت ثم يحلب أخرى.
والمقشم والمقشب واحد.
وهو المخلوط.
ولا تستنبثوها: مثل، أي لا تخرجوا نبيثتها، وهو ما يخرج من البئر إذا حفرت، يريد: لا تثيروا الحرب.
ومكشم: مقطوع
وقرئ عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد، لأبى العميثل عبد الله بن خالد، وأنا أسمع
لقيت ابنة السهمي زينب عَنْ ... ونحن حرام مسى عاشرة العشر
وإنا وإياها لحتم مبيتنا ... جميعاً وسيرانا مغذ وذو فتر
قوله: عَنْ: عَنْ بعدٍ، أى بعد حين، يُقَال: ما ألقاه إلا عَنْ، أي بعد حين.
ونحن حرام، أى محرمون.
مسي عاشرة العشر، يعنى أنه لقيها بعرفاتٍ عشية عرفة وهو مسي عاشرة العشر.
وقوله: حتم مبينا، يقول: مبيت الناس بالمزدلفة لا يجاوزها أحد.
وسيرانا، أى سيري أنا مغذ، أى مسرع، وسيرها ذو فترٍ، أى ذو فتور وسكون لأنها يرفق بها.
стр. 99
ما قيل فِي طول الليل
وأنشدنا أَبُو بَكْرٍِ، ﵀، قَالَ: أنشدنا أَبُو حاتم، ولم يسم قائله، فِي طول الليل:
ألا هل عَلَى الليل الطويل معين ... إذا نزحت دار وحن حزين
أكابد هذا الليل حتى كأنما ... على نجمه ألا يغور يمين
فوالله ما فارقتكم قاليا لكم ... ولكن ما يقضى فسوف يكون
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرٍ لحندج بن حندج:
فِي ليل صولٍ تناهى العرض والطول ... كأنما ليله بالليل موصول
لا فارق الصبح كفى إن ظفرت به ... وإن بدت غرة منه وتحجيل
لساهرٍ طال فِي صولٍ تململه ... كأنه حية بالسوط مقتول
متى أرى الصبح قد لاحت مخايله ... والليل مزقت عنه السرابيل
ليل تحير ما ينحط فِي جهةٍ ... كأنه فوق منن الأرض مشكول
نجومه ركد ليست بزائلةٍ ... كأنما هن فِي الجو القناديل
ما أقدر الله أن يدنى عَلَى شحط ... من داره الحزن ممن داره صول
ألله يطوى بساط الأرض بينهما ... حتى يرى الربع منه وهو مأهول
وأنشدنا بعض أصحابنا لبشار:
خليلى ما بال الدجى لا تزحزح ... وما لعمود الصبح لا يتوضح
أضل النهار المستنير طريقه ... أم الدهر ليل كله ليس يبرح
وطال عَلَى الليل حتى كأنه ... بليلين موصول فما يتزحزح
:
стр. 100
وأحسن عدى بن الرقاع فِي هذا المعنى فقَالَ:
وكأن ليلى حين تغرب شمسه ... بسواد آخر مثله موصول
ولبعضهم فِي طول الليل:
ما النجوم الليل لا تغرب ... كأنها من خلفها تجذب
رواكداً ما غار غربها ... ولا بدا من شرقها كوكب
وقد ذكر الفرزدق العلة فِي طول الليل فقَالَ:
يقولون طال الليل والليل لم يطل ... ولكن من يبكى من الشوق يسهر
وقَالَ بشار فِي هذا المعنى:
لم يطل ليلى ولكن لم أنم ... ونفي عني الكرى طيف ألم
وإذا قلت لها جودى لنا ... خرجت بالصمت عَنْ لا ونعم
نفسى يا عبد عني واعلمي ... أنني يا عبد من لحم ودم
إن فِي بردى جسماً ناحلا ... لو توكأت عليه لانهدم
ختم الحب لها فِي عنقى ... موضع الخاتام من أهل الذمم
ولقد أحسن عَلَى بن بسام فِي هذا المعنى، أنشدنى ابنه أَبُو عَلَى، عَنْ أبيه:
لا أظلم الليل ولا أدعى ... أن نجوم الليل ليست تغور
ليلى كما شاءت فإن لم تجد ... طال وإن جادت فليلي قصير
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الله بن خلف، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن الوليد البزار، قَالَ: كان عَلَى بن الجهم يستنشدني كثيراً شعر خالد الكاتب، فأنشده فيقول: ما صنع شيئاً، ثم أنشدته يوما له:
رقدت ولم ترث للساهر ... وليل المحب بلا آخر
ولم تدر بعد ذهاب الرقاد ... ما صنع الدمع من ناظري
فقَالَ: قاتله الله! لقد أدمن الرمية حتى أصاب الغرة
стр. 101
وأنشدنا بعض أصحابنا لعلى بن العباس الرومى فِي طول الليل:
رب ليلٍ كأنه الدهر طولاً ... قد تناهى فليس فيه مزيد
ذي نجوم كأنهم نجوم الشيب ليست تزول لكن تزيد ولسعيد بن حميد فِي طول الليل:
يا ليل بل يا أبد ... أنائم عنك غد
يا ليل لو تلقى الذى ... ألقى بها أو تجد
قصر من طولك أو ... ضعف منك الجلد
اشكو إِلَى ظالمةٍ ... تشكو الذى لا تجد
وقف عليها ناظرى ... وقف عليها السهد
قَالَ أَبُو زيد: تقول العرب فِي مثلٍ لها: خبأة خير من يفعة سوءٍ أى بنت تلزم البيت تخبأ فيه نفسها خير من غلام سوء لا خير فيه.
قَالَ: ويقَالَ للرجل إذا ولدت له جارية: هنيئا لك النافجة وذلك أنه يزوج بنته فيأخذ مهرها إبلا إِلَى إبله فتنفجها.
قَالَ: ويقَالَ: أضب القوم إضبابا إذا تكلموا وصاح بعضهم إِلَى بعض، وأضبأ عَلَى الشىء إضباء فهو مضبئ إذا كتمه، وقَالَ الأصمعى: ضبأ فهو ضابئ إذا لصق بالأرض، قَالَ الأعشى:
أهوي لها ضابئ فِي الأرض مفتحص ... للحم قدماً خفى طالما خشعا
قَالَ: وأنشدنا أَبُو العباس بن الأحنف:
أيها الراقدون حولي أعينوني ... علي الليل حسبة وائتجارا
حدثونى عَنِ النهار حديثاً ... أو صفوه فقد نسيت النهارا
وأملى علينا الأخفش، وقرأتها عَلَى ابن الأنبارى لسويد بن أبى كاهل:
وإذا ما قلت ليل قد مضى ... عطف الأول منه فرجع
يسحب الليل نجوماً طلعاً ... فيواليها بطيئات التبع
ويزجيها عَلَى إبطائها ... مغرب اللون إذا الليل انقشع
стр. 102
مطلب حديث أوس بن حارثة ونصيحته لابنه مالك وشرح الغريب من ذلك
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن دريد، قَالَ: حَدَّثَنِي عمى، عَنْ أبيه، عَنْ هشام بن محمد الكلبى، عَنْ عبد الرحمن ابن أبى عبس الأنصارى، قَالَ: عاش الأوس بن حارثة دهراً وليس له ولد إلا مالك، وكان لأخيه الخزرج خمسة: عمرو وعوف وجشم والحارث وكعب، فلما حضره الموت قَالَ له قومه: قد كنا نأمرك بالتزوج فِي شبابك فلم تزوج حتى حضرك الموت، فقَالَ الأوس: لم يهلك هالك ترك مثل مالك، وإن كان الخزرج ذا عدد، وليس لمالك ولد، فلعل الذى استخرج العذق من الجريمة، والنار من الوثيمة، أن يجعل لمالك نسلا، ورجالا بسلا.
يا مالك، المنية ولا الدنية، والعتاب قبل العقاب، والتجلد ولا التبلد.
واعلم أن القبر خير من الفقر، وشر شاربٍ المشتف، وأقبح طاعم المقتف، وذهاب البصر، خير من خير من كثير من النظر، ومن كرم الكريم، الدفاع عَنِ الحريم، ومن قل ذل، ومن أمر فل، وخير الغنى القناعة، وشر الفقر الضراعة، والدهر يومان، فيوم لك ويوم عليك، فإذا كان لك فلا تبطر، وإذا كان عليك فاصبر، فكلاهما سينحسر، فإنما تعز من ترى، ويعزك من لا ترى، ولو كان الموت يشترى لسلم منه أهل الدنيا، ولكن الناس فيه مستوون: الشريف الأبلج، واللئيم المعلهج، والموت المفيت، خير من أن يُقَال لك: هبيت، وكيف بالسلامة، لمن ليست له إقامة، وشر من المصيبة سوء الخلف، وكل مجموع إِلَى تلف، حياك إلهك! قَالَ: فنشر الله من مالكٍ بعدد بنى الخزرج أو نحوهم: قوله: فلعل الذى استخرج العذق من الجريمة.
العذق: النخلة نفسها بلغة أهل الحجاز، والعذق الكباسة.
والجريمة: النواة.
والوثيمة: هى الموثومة المربوطة، يريد به: قدح حوافر الخيل النار من الحجارة.
والعرب تقسم هذا الكلام فتقول: لا والذى أخرج العذق من الجريمة، والنار من الوثيمة.
لا فعلت كذا وكذا.
ومن أيمانهم: لا والذي شقهن خمسا من واحدة، يعنون الأصابع.
ويقولون: لا والذى أخرج قائبةً من قوب، يعنون: فرخاً من بيضة.
ويقولون: لا والذى وجهى زمم بيته، أى قصده وحذاءه.
والبسل: الشجعان، واحدهم باسل، والبسالة: الشجاعة، قَالَ
стр. 103
الفراء: الباسل: الذى حرم عَلَى قرنه الدنو منه لشجاعته، أى لشدته، لأنه لا يمهل قرنه ولا يمكنه من الدنو منه، أخذ من البسل وهو الحرام.
وقَالَ غيره: الباسل: الكريه المنظر، وإنما قيل للأسد: باسل، لكراهة وجهه وقبحه، يُقَال: ما أبسل وجه فلان، قَالَ أَبُو ذؤيب:
فكنت ذنوب البئر لما تبسلت ... وسربلت أكفانى ووسدت ساعدى
تبسلت: فظع منظرها وكرهت، وقَالَ: شيخنا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى: قَالَ الأصمعى: الباسل: المر، وقد يبسل الرجل سبل بسالةً إذا صار مراً.
والمشتف: المستقصى، يُقَال: استشف ما فِي إنائه واشتف إذا شرب الشفافة، وهى البقية تبقى فِي الإناء.
والمقتف: الآخذ بعجلة، ومنه سمى القفاف.
وأمر: كثر عدده، يُقَال: أمر القوم يأمرون إذا كثر عددهم، قَالَ لبيد:
نعلوهم كلما ينمى لهم سلف ... بالمشرفى ولولا ذاك قد أمروا
مطلب الكلام عَلَى مادة أمر وتفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ [الإسراء: ١٦]
وأنشدنا أَبُو زيد: أم جوارٍ ضنؤها غير أمر ضنؤها: نسلها.
وأمر المال وغيره يأمر أمرة وأمراً إذا كثر قَالَ الشاعر:
والإثم من شر ما يصال به ... والبر كالغيث نبته أمر
ويقَالَ فِي مثل: فِي وجه مالك تعرف أمرته، وأمرته، أى نماءه وكثرته، وقَالَ الله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ [الإسراء: ١٦] أى كثرنا، وقَالَ أَبُو عبيدة: يُقَال: خير المال سكة مأبورة، أو مهرة مأمورة، فالمأمورة: الكثيرة الولد، من آمرها الله، أى كثرها، وكان ينبغى أن يُقَال: مؤمرة، ولكنه أتبع مأبورة.
والسكة: السطر من النخل، وقَالَ الأصمعى: السكة: الحديدة التى يفلح بها الأرضون.
والمأبورة: المصلحة، يُقَال: أبرت النخل ابرة أبرا إذا لقحته وأصلحته.
وقد قرئ أمرنا مترفيها، عَلَى مثال فعلنا.
أَخْبَرَنَا القالى عَنِ ابن كيسان أنه قد يُقَال: أمره بمعنى آمره يكون فيه لغتان، فعل وأفعل.
وتعز: تغلب، ويقَالَ: عز فلان فلانا عزا.
وعز يعز عزا وعزة من العز.
وعز عَلَى
стр. 104
أهله عزازةً، من العز.
والمعلهج: المتناهى فِي الدناءة واللؤم، وكان أَبُو بَكْرٍِ يقول: هو اللئيم فِي نفسه وآبائه.
والهبيت: الأحمق الضعيف، قَالَ طرفة:
الهبيت لا فؤاد له ... والثبيت ثبته فهمه
وكان أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى يرويه: قيمه.
مطلب ما وقع بين رجل من العرب وزوجته من الخصام والمشاتمة
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، رحمه الله تعالى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عبد الرحمن، عَنْ عمه، قَالَ: سمعت امرأة من العرب تخاصم زوجها وهى تقول: والله إن شربك لاشتقاق، وإن ضجعتك لانجعاف، وإن شملتك لالتفاف، وإنك لتشبع ليلة تضام، وتنام ليلة تخاف، فقَالَ لها: والله إنك لكرواء الساقين، قعوا الفخذين، مقاء الرفغين، مفاضة الكشحين، ضيفك جائع، وشرك شائع: الانجعاف: الانصراع، يُقَال: ضربه فجأفه وجعفه وجفأه وكوره وجوره وجعفله، وقطره إذا ألقاه عَلَى أحد قطريه، قَالَ طفيل:
وراكضة ما تستجن بجنةٍ ... بعير حلالٍ غادرته مجعفل
وقَالَ لبيد رضى الله عنه:
فلم أر يوماً كان أكثر باكيا ... وحسناء قامت عَنْ طرافٍ مجور
وقَالَ ابن قيس الرقيات:
كالشارب النشوان قطره ... سمل الزقاق تفيض عبرتيه
وأتكأه إذا ألقاه عَلَى هيئة المتكئ.
وقَالَ أَبُو زيد: ضربه فقحزنه وجحدله إذا صرعه.
وقَالَ الأصمعى، وابن الأعرابى: بركعة: صرعه، وأنشد لرؤبة:
стр. 105
ومن همزنا عزه تبركعا ... على استه زوبعةً أو زوبعا
وقَالَ غيرهما: البركعة: القيام عَلَى أربع، ويقَالَ: تبركعت الحمامة لذكرها، أى بركت.
والكرواء: الدقيقة الساقين.
والكرا: دقة الساق، والكرى: النوم، والكرا: بمعنى الكروان، وكراء ممدودا: موضع.
وقَالَ أَبُو بَكْرٍِ: القعواء: المتباعدة ما بين الفخذين، ولم أسمع هذا من غيره، والذي ذكره اللغويون فِي كتبهم فيما قرأته الفجواء: المتباعدة ما بين الفخذين.
وقوله: مقاء، قَالَ أَبُو زيد: المقاء: الدقيقة الفخذين، وكذلك الرفغاء، وقَالَ الأصمعى المقاء: الطويلة، والمقق: الطول، ورجل أمق: طويل، قَالَ رؤبة:
لواحق الأقراب فيها كالمقق ... تفليل ما قارعن من سمر الطرق
يصف أتنا.
والمفاضة: المسترخية.
والكشحان: الخاصرتان، وهما الأيطلان والاطلان والقربان والصقلان، واحدهما قرب وصقل وكشح وإطل وأيطل
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، رحمه الله تعالى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حاتم، عَنْ عبيدة، قَالَ: دخل أَبُو جويرية الشاعر عَلَى خالد بن عبد الله يمدحه، فقَالَ له خالد ألست القائل:
ذهب الجود والجنيد جميعا ... فعلى الجود والجنيد السلام
أصبحنا ثاويين فِي بطن مرو ... ما تغني عَلَى الغصون الحمام
أذهب إِلَى الجود حيث دفنته فاستخرجه، قَالَ أَبُو جويرية: أنا قائل هذا، وأنا الذي أقول بعده، فوثب إليه الحرس ليدفعوه، فقَالَ خالد: دعوه لا نجمع عليه الحرمان ونمنعه الكلام، فأنشأ يقول:
стр. 106
لو كان يقعد فوق الشمس من كرم ... قوم بأولهم أو مجدهم قعدوا
أو خلد الجود أقواما ذوى حسب ... فيما يحاول من آجالهم خلدوا
قوم سنان أبوهم حين تنسبهم ... طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا
جن اذا فزعوا إنس اذا أمنوا ... مرزءون بها ليل إذا احتشدوا
محسدون عَلَى ما كان من نعم ... لا ينزع الله عنهم ماله حسدوا
قَالَ: فخرج من عنده ولم يعطه شيئا
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد للشماخ:
أعائش ما لأهلك لا أراهم ... يضيعون الهجان مع المضيع
وكيف يضيع صاحب مدفآت ... على أثباجهن من الصقيع
يعنى أن عائشة قَالَت له: لم تشدد عَلَى نفسك فِي المعيشة وتلزم الإبل والتعزب فيها، فرد عليها: ما لأهلك أراهم يتعهدون أموالهم ويصلحونها وأنت تأمريننى بإضاعة مالي، ثم أقبل عَلَى إبله يمدحها فقَالَ:
وكيف يضيع صاحب مدفآت أدفئن ... بكثرة الوبر عَلَى أثباجهن.
والأثباج: الأوساط.
قَالَ: الأصمعى: ثبج كل شيء: وسطه، وغيره يقول: ظهره.
وروى أَبُو عبيد، عَنِ الأصمعي: الكتد: ما بين الكاهل إِلَى الظهر، والثبج نحوه، وهذه الأقوال متقاربة فِي المعنى.
والصقيع: البرد والندى.
ويقَالَ: الجليد.
وقَالَ الأصمعى: من أمثال العرب: إنه ليسر حسوا فِي ارتغاء، يضرب مثلا للرجل يريك أنه يعمل أمرا وهو يريد غيره.
والارتغاء: شرب الرغوة، يُقَال: رَغْوة ورِغوة ورُغوة.
يقول: فهو يظهر ذاك وهو يحسو اللبن.
ويقَالَ: سقط العشاء به عَلَى سرحان، يضرب مثلا للرجل يطلب الأمر التافه فيقع فِي هلكة.
وأصل المثل، أن دابة طلبت العشاء فهجمت عَلَى الأسد.
والسرحان: الأسد بلغة هذيل، وبلغة غيرهم من العرب: الذئب.
ويقَالَ: سبق سيف العذل، يضرب مثلا للأمر الذى قد تفاوت، وأصل هذا المثل، أن الحارث بن ظالم ضرب رجل بالسيف فقتله، فأخبر بعذره فقَالَ: سبق السيف العذل.
قَالَ أَبُو زيد: العرب تقول: إن كنت كاذباً فحلبت قاعداً، أي ذهبت إبلك
стр. 107
فحلبت الغنم.
وتقول: إن كنت كذوباً فشربت غبوقا بارداً، أى ذهب لبنك فشربت الماء البارد، والغبوق: ما اغتبقت حارا بالعشى،
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرٍ للشماخ:
إذا ما استافهن ضربن منه ... مكان الرمح من أنف القدوع
فقد جعلت ضغائنهن تبدو ... بما قد كان نال بلا شفيع
استافهن: شمهن، يعنى الحمار، فإذا فعل ذلك ضربن منه أعلى خيشومه، وهو مكان الرمح إذا قدعت به أنف الفرس، لأنهن قد حملن منه.
والقدوع: الذى يقدع ويرد بالرمح، وهو أن يرفع رأسه من عزة نفسه، أو من فرقٍ، أو لا يرضى للفحلة فيضرب أنفه وينحى عَنِ الطروقة، وهو وإن كان يقدع فهو قدوع، كما قالوا لما يحلب ويركب: حلوبة وركوبة.
وضغائنهن: ما فِي قلوبهن، أى كن يمكنه ولا يحتاج إِلَى شفيع، فلما حملن أبدين ضغائنهن المخبوءة
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الحسن الأسدى، قَالَ: كتب أحمد بن المعذل إِلَى أخيه عبد الصمد بن المعذل: إنى أرى المكروه من حيث يرتجى المحبوب، وقد شمل عرك وعم أذاك، وصرت فيك كأبى الابن العاق، إن عاش نغصه، وإن مات نقصه، وقد خشنت بقلبٍ جيبه لك ناصح والسلام.
فكتب إليه عبد الصمد:
أطاع الفريضة والسنة ... فتاه عَلَى الإنس والجنه
كأن لنا النار من دونه ... وأفرده الله بالجنة
وينظر نحوى إذا زرته ... بعين حماةٍ إِلَى كنه
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: أنشدنا أَبُو العباس أحمد بن يحيى النحوى، للأضبط بن قريع، وقَالَ: وبلغنى أن هذه الأبيات قيلت قبل الإسلام بدهر طويل وهى: لكل هم من الهموم سعه ... والمسى والصبح لا فلاح معه
ما بال من سره مصابك لا ... يملك شيئاً من أمره وزعه
стр. 108
أزود عن حوضه ويدفعنى ... يا قوم من عاذرى من الخدعه
حتى إذا ما انجلت عمايته ... أقبل يلحى وغيه فجعه
قد يجمع المال غير آكله ... ويأكل المال غير من جمعه
فاقبل من الدهر ما أتاك به ... من قرعينا بعيشه نفعه
وصل حبال البعيد إن وصل الحبل وأقص القريب إن قطعه
ولا تعاد الفقير علك أن ... تركع يوما والدهر قد رفعه
قَالَ أَبُو العباس: وكان الأصمعى ينشد:
فصل حبال البعيد إن وصل الحبل
: تقول العرب: لعلك وعلك ولعنك ولغنك، سمعه عيسى بن عمر من العرب، قرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد فِي شعر أبى النجم قَالَ عيسى بن عمر سمعت أبا النجم ينشد:
أغد لعلنا فِي الرهان نرسله
مطلب ما قيل الشيب والخضاب مدحًا وذمًا
وأنشدنى أَبُو بَكْرِ بن دريد، ﵀، لمحمود الوراق:
فاجاك من وفد المشيب نذير ... والدهر من أخلاقه التغيير
فسواد رأسك والبياض كأنه ... ليل تدب نجومه وتسير
وأنشدنى بعض أصحابنا قَالَ: أنشدنى أَبُو يعقوب بن الصفار لداود بن جهوة:
أقاسى البلا لا أستريح إِلَى غدٍ ... فيأتى غد إلا بكيت عَلَى أمس
سأبكى بدمع أو دمٍ أشتفى به ... فهل لى عذر إن بكيت عَلَى نفسي
стр. 109
سلام عَلَى الدنيا ولذة عيشها ... سلام غدو أو رواح إِلَى رمسى
وأنكرت شمس الشيب فِي ليل لمتى ... لعمرى لليلى كان أحسن من شمسى
كأن الصبا والشيب يطمس نوره ... عروس أناسٍ مات فِي ليلة العرس
وأنشدنا أَبُو محمد عبد الله بن جعفر النحوى، قَالَ: أنشدنا المبرد لمحمود الوراق:
أليس عجيباً بأن الفتى ... يصاب ببعض الذى فِي يديه
فمن بين باكٍ له موجعٍ ... وبين معز مغذ إليه
ويسلبه الشيب شرخ الشباب ... فليس يعزيه خلق عليه
وأنشدنا الأخفش للعكوك عَلَى بن جبلة:
جلال مشيبٍ نزل ... وأنس شبابٍ رحل
طوى صاحب صاحبا ... كذاك اختلاف الدول
أعاذلتى أقصرى ... كفاك المشيب العذل
بدا بدلا بالشباب ... ليت الشباب البدل
جلال ولكنه ... تحاماه حور المقل
وأنشدنا أَبُو عبد الله نفطويه لأبى دلف العجلى:
نظرت إِلَى بعين من لم يعدل ... لما تمكن طرفها من مقتلى
لما تبسم بالمشيب مفارقى ... صدت صدود مفارقٍ متحمل
فجعلت أطلب وصلها بتعطفٍ ... والشيب يغمزها بأن لا تفعلى
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، رحمه الله تعالى، قَالَ: أنشدنا أَبُو العباس أحمد بن يحيى النحوى:
أرى بصرى عَنْ كل يوم وليلة يكل ... وخطوى عَنْ مدى الخطو يقصر
ومن يصحب الأيام تسعين حجةً ... يغيرنه والدهر لا يتغير
لعمرى لئن أمسيت أمشى مقيدا ... لما كنت أمشي مطلق القيد أكثر
стр. 110
وأنشدني بعض أصحابنا:
حنتنى حانيات الدهر حتى ... كأنى خاتل يدنو لصيد
قريب الخطو يحسب من رآنى ... ولست مقيدا أنى بقيد
وقَالَ رجل لشيخ رآه يمشى: من قيدك يا شيخ؟ قَالَ: الذى خلفته يفتل فِي قيدك، يعنى الدهر
وأنشدنا أَبُو بَكْرٍ محمد بن السري السراج النحوي:
وعائب عابنى بشيبٍ ... لم يعد لما ألم وقته
فقلت إذ عابنى بشيبى ... يا عائب الشيب لا بلغته
وأنشدنا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: أنشدنا عبد الله بن خلف:
نصول الشيب طوقنى بطوق ... يلوح عَلَى من تحت السواد
إذا أبصرته فكأن وخزا ... بأطراف الأسنة فِي فؤادى
قَالَ: وأنشدنا أبى قَالَ: أنشدنى أَبُو عبد الله بن المطيخى:
إن الكبير إذا تناهت سنه ... أعيت رياضته عَلَى الرواض
وإذا دفعت إِلَى الصغير فإنما ... تكفيه منك إشارة الإيماض
وعليك من نسج الزمان عمامة ... خضب المشيب سوادها بياض
فالوعظ ينبو عَنْ صفاتك راجعا ... مثل السهام نبت عَنِ الأغراض
وممن مدح الشيب من الشعراء فأحسن دعبل حيث يقول:
أهلا وسهلا بالمشيب فإنه ... سمة العفيف وحلية المتحرج
وكأن شيبى نظم در زاهر ... فِي تاج ذى ملكٍ أغر متوج
وممن مدح الخضاب عبد الله بن المعتز حيث يقول:
وقالوا النصول مشيب جديد ... فقلت الخضاب شباب جديد
إساءة هذا بإحسان ذا ... فإن عاد هذا فهذا يعود
следующие страницы →