← Каваид фикха

Каваид фикха · id 917

المدخل إلى دراسة المدارس والمذاهب الفقهية

عمر سليمان الأشقر

Полный текст (216 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

أحدا أعلم من عالم المدينة). رواه الترمذي، وقال: حديث حسن (١). المطلب الثالث: ثناء العلماء عليه قال الشافعي: "مالك حجّة الله تعالى على خلقه" (٢). وقال أيضا: "إذا ذكر العلماء فمالك النجم، وما أحد أمنَّ عليَّ من مالك" (٣). ومن كلام ابن مهْديّ فيه: "ما رأيت أحدا أتمَّ عقلا، ولا أشدّ تقوى من مالك" (٤). وقال يحيى بن سعيد القطان: "ما في القوم أصح حديثا من مالك" (٥). وقال البخاري: "أصح الأسانيد: مالك عن نافع عن ابن عمر" (٦). وقال أبو داود: "أصح الأسانيد: مالك عن نافع عن ابن عمر، ثم مالك عن الزهري عن سالم عن أبيه، ثم مالك عن أبي الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة" (٧). وقد أجمع أشياخه وأقرانه فمن بعدهم على أنّه إمام في الحديث موثوق بصدق روايته، طبقت مناقبه وفضائله الآفاق.

стр. 107

المطلب الرابع: فقهه وصلابته في دينه كان الإمام مالك من أشدّ الناس تركا لشذوذ العلم، وأشدهم انتقادا للرجال، وأقلهم تكلفا، وأتقنهم حفظًا، عارفا بتفسير الغريب من الحديث، وقد فتح بموطئه الباب للمؤلفين من علماء الإسلام، وعلمهم كيفية التأليف والتصنيف وحسن التبويب، فاستحسن طريقه كل من أتى يعده، فسلكوه، فهو إمام كل مؤلف، وقدوة كل مصنف. وكان الإمام مالك مبالغا في تعظيم العلم والدين، حتى كان إذا أراد أن يُحدِّثَ توضأ، وجلس على صدر فراشه، وسرح لحيته، واستعمل الطيب، وتمكن من الجلوس على وقار وهيبة، ثمَّ حدّث، فقيل له في ذلك، فقال: "أحب أن أعظم حديث رسول الله ﷺ " (١). وكان صلبا في دينه، لم تغرّه الدنيا، ولم يرهبه السلطان، رُوي عن الإمام مالك أنّه قال: "دخلت على هارون الرشيد، فقال لي: يا أبا عبد الله ينبغي أن تختلف إلينا، حتى يسمع صبياننا منك "الموطأ"، قال: أعزَّ الله أمير المؤمنين، إن هذا العلم منكم خرج، فإن أعززتموه عزَّ، وإن ذللتموه ذلَّ، والعلمُ يُؤْتى ولا يأتي، فقال: صدقت، أخرجوا إلى المسجد، حتى تسمعوا مع الناس" (٢). وقد أراده الرشيد على الخروج معه إلى العراق فأبي، وأراده أن يحمل الناس على كتابه (الموطأ)، فأبي، وبين له أن (الموطأ) لم يجمع علم الرسول ﷺ ، ذلك أن علمه تفرق في الأمصار بتفرق الصحابة (٣). وقد امتحن الإمام وجلد في عهد الدولة العباسية بسبب فتواه بعدم وقوع

стр. 108

طلاق المكره، وقد كانوا يُكرهون الناس على الحلف بالطلاق عند البيعة (١)، فرأى الحكام أن الفتوى تنقض البيعه، وتهون الثورة. وقيل: إن امتحانه كان بسبب رفضه ولاية القضاء، مما يدل على أنّه لا يتعاون مع ولاة الأمر. المطلب الخامس: قواعد مذهب الإمام مالك ورث الإمام مالك -رحمه الله تعالى- علم أهل الحجاز عامة والمدينة خاصة، يقول ابن تيمية ﵀: "لا ريب عند أحد أن مالكا ﵁ أقوم الناس بمذهب أهل المدينة رواية ورأيا، فإنه لم يكن في عصره ولا بعده أقوم بذلك منه، كان له من المكانة عند أهل الإسلام -الخاص منهم والعام- ما لا يخفى على من له بالعلم أدنى إلمام (٢) ". وقال أيضًا: "يقال: إن مالكا أخذ جلَّ (الموطأ) عن ربيعة، وربيعة عن سعيد بن المسيب، وسعيد بن المسيب عن عمر، وعمر محدّث" (٣). وقال ابن المديني: "كان مالك يذهب إلى قول سليمان بن يسار، وسليمان ابن يسار يذهب إلى قول عمر بن الخطاب (٤) ". والإمام مالك لم يدوِّن أصول مذهبه وقواعده في الاستنباط ومناهجه في الاجتهاد، وإن كان قد صرح ببعضها، وأشار إلى بعض آخر. وجماع أصول مذهب مالك، بناء على ما صرح به، أو أشار إليه، أو استنبطه فقهاء مذهبه من الفروع المنقولة عنه، والآراء المدونة في موطئه هي: الكتاب، السنة، الإجماع، إجماع أهل المدينة، القياس، قول الصحابي،

стр. 109

المصلحة المرسلة، العرف والعادات، سدّ الذرائع، الاستحسان، الاستصحاب (١). وقد كان الإمام مالك يردد قول عمر بن عبد العزيز ويفقه الناس به: "سنَّ رسول الله ﷺ وولاة الأمر بعده سننا، الأخذ بها اتباع لكتاب الله تعالى، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد بعد هؤلاء تبديلها، ولا النظر في شيء خالفها، فمن اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن تركها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا". فالدين يؤخذ من كتاب الله وسنة رسول الله، وما قال به الخلفاء الراشدون، وما رواه الصحابة وأهل العلم والتقى من علماء المدينة، ومنهج مالك واضح لمن درس كتاب (الموطأ) وقد سبق أن ذكرنا تفسير الإمام مالك للمصطلحات التي حواها موطؤه. المطلب السادس: تحقيق القول في عمل أهل المدينة احتدم الجدل بين الإمام مالك ﵀ وأتباع مذهبه، وبين كثير من العلماء والأئمة في عمل أهل المدينة، فذهب الإمام مالك -رحمه الله تعالى- إلى أنه "إذا أجمع أهل المدينة على شيء صار إجماعًا مقطوعًا عليه، وإن خالفهم فيه غيرهم" (٢)، وهم يذهبون في هذا إلى تقديم عمل أهل المدينة المجمع عليه على القياس وأخبار الآحاد الصحيحة (٣)، ومن طالع كتاب الإمام الليث بن سعد ﵀ علم أن العلماء لم يتقولوا على الإمام مالك، وأن مذهبه اعتبار عملهم حجة ودليلاً.

стр. 110

والعلماء الأعلام يعرفون لأهل المدينة فضلهم وتقدمهم على غيرهم، ففي القرون الثلاثة التي أثنى عليها الرسول ﷺ كان مذهب أهل المدينة أصح مذاهب أهل المدائن، فكانوا يتأسون بأثر رسول الله ﷺ أكثر من سائر الأمصار، وكان غيرهم من أهل الأمصار دونهم في العلم بالسنة النبوية (١). ومما يدل على فضل أهل المدينة في الأعصار الثلاثة أن المدينة خلت من الباع في تلك الأعصار، فلم يخرج منها بدعة في أصول الدين البتة كما خرج من سائر الأمصار. . .، فالكوفة خرج منها التشيع والإرجاء، وانتشر بعد ذلك في غيرها، والبصرة خرج منها القدر والاعتزال، والنسك الفاسد، وانتشر بعد ذلك في غيرها، والشام كان بها النَّصْبُ والقدر، وأما التجهم فقد ظهر من ناحية خراسان، وهو شر الباع. . ." أما المدينة فكانت سليمة من ظهور البدع، وإن كان بها من هو مضمر لذلك، فكان عندهم مهانا مذموما. . . (٢). وتحقيق القول في هذه المسألة أن من عمل أهل المدينة ما هو حجة باتفاق العلماء، ومنها ما هو حجة باتفاق أكثرهم، ومنها ما هو حجة عند بعضهم، ومنها ما ليس بحجة عند جمهورهم، فهذه أربع مراتب: المرتبة الأولى: ما كان عملهم حجة باتفاق العلماء: وهو ما يجري مجرى النقل عن النبي ﷺ ، فلعلماء المدينة في هذا من السبق والتقدم ما ليس لغيرهم، فالأحاديث النبوية المدنية هي أشرف أحاديث أهل الأمصار، ومن تأمل أبواب البخاري وجده أول ما يبدأ في الباب بها ما وجدها، ثم يتبعها بأحاديث أهل الأمصار، وهذه كمالك عن نافع عن ابن عمر، وابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، ومالك عن هشام

стр. 111

ابن عروة عن أبيه عن عائشة، وأبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة. . . (١). ومن ذلك نقلهم فعله، كنقلهم: أنه كان صلوات الله وسلامه عليه يخرج هو والناس كل عيد إلى المصلى، فيصلي به العيد، وأنه كان يخطبهم قائما على المنبر، وظهره إلى القبلة، ووجهه إليهم. . . . ومن ذلك نقلهم تقريره صلوات الله وسلامه عليه، كنقلهم إقراره على تلقيح النخل، وعلى تجارتهم التي كانوا يتاجرونها، وكإقرارهم على صنائعهم المختلفة من نجارة، وخياطة، وصياغة، وفلاحة، وإقرارهم على إنشاد الأشعار المباحة، وذكر أيام الجاهلية والمسابقة على الأقدام، وإقرارهم على الخيلاء في الحرب، ولبس ما نسجه الكفار من الثياب، وإنفاق ما ضربوه من الدراهم، وربما كان عليه صور ملوكهم، وإقراره على المزاح المباح، وعلى الشبع في الأكل، وعلى النوم في المسجد، وإقرارهم على أكل الزروع التي تداس بالأبقار من غير أمر لهم بغسلها، ومن ذلك نقلهم لِتَركه صلوات الله وسلامه عليه، وهو نوعان: أحدثنا: تصريحهم بأنه ترك كذا وكذا، ولم يفعله، كقولهم في شهداء أحد: ولم يغسلهم، ولم يصل عليهم، وقولهم في صلاة العيد، لم يكن أذان ولا إقامة ولا نداء، وقولهم في جمعه بين الصلاتين: ولا يسبح بينهما، ولا على أثر واحدة منهما. والثاني: عدم نقلهم لما لو فعله لتوفرت هممهم ودواعيهم أو أكثرهم أو واحد منهم على نقله، فحيث لم ينقله واحد منهم ألبتة، ولا حدّث به في مجمع أبدا، علم أنه لم يكن، وهذا كتركه التلفظ بالنية عند دخوله في الصلاة، وكتركه الدعاء بعد الصلاة مستقبلا للمأمومين. . .، وتركه الاغتسال للمبيت بمزدلفة، ولرمي الجمار، ولطواف الزيارة، ولصلاة الاستسقاء والكسوف. ومن ذلك نقل الأعيان وتعيين الأماكن، كنقلهم الصاع والمدَّ وتعيين موضع

стр. 112

المنبر، وموقفه للصلاة والقبر والحجرة، ومسجد قباء، وتعيين الروضة، والبقيع، والمصلى، ونحو ذلك، ونقل هذا جار مَجْرى نقل مواضع المناسك، كالصفا والمروة ومنى. ومن ذلك نقلهم العمل المستمر، كنقلهم الوقوف، والمزارعة، والأذان على المكان المرتفع، والأذان للصبح قبل الفجر، وتثنية الأذان، وإفراد الإقامة، والخطبة بالقرآن وبالسنن دون الخطبة الصناعية بالتسجيع والترجيع، التي لا تسمن ولا تغني من جوع، فهذا النقل، وهذا العمل حجة يجب اتباعها (١). يقول ابن تيمية في هذا النوع: "هذا مما هو حجة باتفاق العلماء، أما الشافعي وأحمد وأصحابهما، فهذا حجة عندهم بلا نزاع، كما هو حجة عند مالك، وذلك مذهب أبي حنيفة وأصحابه (٢)، يقول ابن عقيل في كتاب (النظريات الكبار) في مسألة استثناء الآصع المعلومة من الصبرة لمن احتج بأنه عمل أهل المدينة أجمعوا على ذلك عملا به، وهم أعرف بسيرة الرسول ﷺ ، وهم نقلة مكان قبره، وعين منبره، ومقدار صاعه، فكانت الثقة بهم كالثقة باجتماع المجتهدين، وتواتر الرواية عن المحدثين. وعندي أن إجماعهم حجة فيما طريقه النقل. . .، فنقلهم مقدم على كل نقل" (٣). المرتبة الثانية: وهي ما كان حجة باتفاق أكثرهم: العمل القديم بالمدينة قبل مقتل عثمان بن عفان، فهذا -كما يقول ابن تيمية- حجة في مذهب مالك، وهو المنصوص عن الشافعي، قال في رواية يونس بن عبد الأعلى: إذا رأيت قدماء أهل المدينة على شيء، فلا تتوقف في قلبك ريبا أنه الحق، وكذا ظاهر مذهب أحمد أن ما سنّه الخلفاء الراشدون

стр. 113

حجة يجب اتباعها. .، وقد ثبت في الحديث الصحيح، حديث العرباض بن سارية عن النبي ﷺ أنه قال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضُّوا عليها بالنواجذ. . .)، والمحكي عن أبي حنيفة يقتضي أن قول الخلفاء الراشدين حجة، وما يعلم بأهل المدينة عمل قديم على عهد الخلفاء الراشدين مخالف لسنة الرسول ﷺ (١). المرتبة الثالثة: ما هو حجة عند بعضهم: إذا تعارض في المسألة دليلان، كحديثين وقياسين جهل أيهما أرجح، وأحدهما يعمل بعمل أهل المدينة، ففي هذه المسألة نزاع، فمذهب بعض العلماء أن الجانب الذي فيه عمل أهل المدينة يرجح بالجانب الآخر، وهذا مذهب مالك والشافعي، ومذهب أبي حنيفة أنه لا يرجح به، ولأصحاب أحمد وجهان: أحدهما: وهو قول القاضي أبي يعلى وابن عقيل: أنه لا يرجح. والثاني: وهو قول أبي الخطاب وغيره أنه يرجح به، وقيل: هو المنصوص عن أحمد، ومن كلامه قال: إذا رأى أهل المدينة حديثا وعملوا به فهو الغاية، وكان يفتي على مذهب أهل المدينة، ويقدمه على مذهب أهل العراق. المرتبة الرابعة: وهو ما ليس بحجة عند جمهورهم: وهذا سبيله الاجتهاد، فإن عملهم الذي سبيله الاجتهاد ليس بحجة على غيرهم، فإنهم ليسوا بمعصومين عن الخطأ، واجتهادهم ليس معصوما، يقول ابن عقيل من الحنابلة: "وإنما لا يكون إجماعهم على عمل حجة في باب الاجتهاد؛ لأن معنا مثل ما معهم من الرأي" (٢). ويقول ابن القيم في هذه المسألة: "وأما العمل الذي طريقه الاجتهاد

стр. 114

والاستدلال، فهو معترك النزال، ومحل الجدال، قال القاضي عبد الوهاب: وقد اختلف أصحابنا فيه على ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أنه ليس بحجهً أصلًا. . . وهذا قول أبي بكر وأبي يعقوب الرازي، والقاضي أبي بكر بن منتاب، والطيالسي، والقاضي أبي الفرج، والشيخ أبي بكر الأبهري، وأنكر هؤلاء أن يكون هذا مذهبا لمالك، أو لأحد من معتمدي أصحابه. والوجه الثاني: أنه وإن لم يكن حجه، فإنه يرجح له اجتهادهم على اجتهاد غيرهم، وبه قال بعض أصحاب الشافعي. والثالث: إجماعهم من طريق الاجتهاد حجة، وإن لم يحرم خلافه كإجماعهم من طريق النقل، هذا مذهب قوم من أصحابنا، وهو الذي عليه كلام أحمد بن المعدل، وأبي بكر وغيرهما" (١). وذكر الشيخ أن في رسالة مالك إلى الليث بن سعد ما يدلُّ عليه، وقد ذكر أبو مصعب في مختصره مثل ذلك، والذي صرح به القاضي أبو الحسين ابن أبي عمر في مسألته التي صنفها على أبي بكر الصيرفي نقضا لكلامه على أصحابنا في إجماع أهل المدينة، وإلى هذا يذهب جل أصحابنا المغاربة أو جميعهم (٢). والذي حققه شيخ الإسلام ابن تيمية أن العمل المتأخر بالمدينة ليس بحجة، ومذهب الشافعي وأحمد وأبي حنيفة، والذي عليه أئمة الناس، أنه ليس بحجة شرعية، وهو قول المحققين من أصحاب مالك، وربما جعله بعض أهل المغرب من أصحابه حجة، وليس معه نص ولا دليل، بل هم أهل تقليد، كما يقول ابن تيمية. وابن تيمية، على سعة علمه، واطلاعه وتحقيقه لمذاهب أهل العلم، لم

стр. 115

ير في كلام مالك ما يوجب جعل هذا حجة، فإن الإمام مالك يذكر في موطئه الأصل المجمع عليه عندهم، فهو يحكي مذاهبهم، وتارة يقول: الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا يصير إلى الإجماع القديم، وتارة لا يذكر. ولو كان مالك يعتقد أن العمل المتأخر حجة يجب على جميع الأمة اتباعها، وإن خالفت النصوص، لوجب عليه أن يلتزم بذلك حدَّ الإمكان، كما يجب عليه أن يلزمهم اتباع الحديث والسنة الثابتة التي لا تعارض فيها وبالإجماع، وقد قال: إن أصحاب رسول الله ﷺ تفرقوا في الأمصار، وإنما جمعت علم أهل بلدي، أو كما قال (١). ترك أخبار الآحاد لعمل أهل المدينة يذهب كثير من المالكية إلى أن عمل أهل المدينة مقدَّم على أخبار الآحاد الصحيحة، ووجهة نظرهم أن عملهم بمنزلة روايتهم عن الرسول ﷺ ، ورواية جماعة عن جماعة أولى بالتقديم من رواية فرد عن فرد، ثم إن أهل المدينة أدرى بالسنة والناسخ والمنسوخ، وقد نقل الإمام مالك إجماع أهل المدينة في موطئه على نَيِّفٍ وأربعين مسألة (٢). وفي الرد على هذا المذهب نقول: لا يرتضى جمهور العلماء أن عمل أهل المدينة بمنزلة الرواية عن الرسول ﷺ دائما، فقد يكون عملهم مبني على اجتهاد علمائهم مما يخالفهم فيه غيرهم. وقد سبق القول: إن إجماعهم على هذا النحو ليس معصوما، وبذلك لا يجوز معارضة خبر الرسول ﷺ الثابت بالسند الصحيح بما يسمى بعمل أهل المدينة إذا كان إجماعهم على العمل من هذا النوع. وأما إذا كان عملهم مبنيًا على النقل عن الرسول ﷺ فهل يجوز أن يخالف

стр. 116

هذا الإجماع الأحاديث الصحيحة الثابتة؟ يقول ابن القيم: "من المحال عادة أن يجمعوا على شيء نقلا متصلا من عندهم إلى زمن رسول الله ﷺ وأصحابه، وتكون السنة الصحيحة الثابتة قد خالفته، هذا من أبين الباطل" (١). المطلب السابع تدوين مذهب مالك ودواوين مذهب المالكية دوَّن الإمام مالك كتابه (الموطأ)، وهو كتاب خلط فيه الحديث بفقه الصحابة والتابعين، وما تبين له وذهب إليه، وقد بينا منهجه الذي سار عليه في تأليفه وفقهه. وكان الإمام مالك في تدريسه ينهج الطريقه الإلقائية الخالية من المناقشة والجدال مع تلامذته، وكان تلامذته يدونون ما يروي لهم من أحاديث وآثار، وما يقوله من فتاوى في المسائل التي تعرض عليه، وكان لا يجيب إلا على المسائل الواقعة، وينفر من الفقه الافتراضي. وفقه مالك ليس مقصورا على (الموطأ)، فقد تلقى تلامذته عنه فقهه وحفظوه، ونقلوه إلى مختلف أصقاع العالم الإسلامي. وأشهر الكتب في الفقه المالكي بعد (الموطأ) كتاب (المدونة) لسحنون، وأصل المدونة هو كتاب الأسدية، نسبة إلى أسد بن الفرات المتوفى سنة ٢١٣ هـ. أدرك أسد بن الفرات الإمام مالك وأخذ عنه الموطأ، ثم ارتحل إلى العراق، فالتقى هناك بتلامذة الإمام أبي حنيفة، وتفقه بهم، وأخذ فقه الحنفية مجردًا، وحمله إلى ابن القاسم، ليقول له ما يراه مالك في تلك المسائل (٢).

стр. 117

وعبد الرحمن بن القاسم من الذين صحبوا مالكًا طويلاً ولازموه، فقد صحبه عشرين سنة، وحفظ عنه مسائله، يقال: إنه حفظ عنه ثلاثمائة جلد من مسائله (١). وقد دون أسد بن الفرات إجابات ابن القاسم في المسائل التي عرضها عليه، وعاد بها إلى القيروان حيث كان يعمل قاضيًا هناك، ونشرها في تلك الديار وسمي مؤلفه بالأسدية (٢). ولم يرتض كثير من فقهاء المالكية المنهج الذي سلكته الأسدية حيث أنزلت آراء مالك على فقه الحنفية، فالإمام مالك ﵀ كان يرفض الفقه الفرضي التقديري الذي عرف به الحنفية، ومن جهة أخرى فإن الفقه المالكي مثله في ذلك مثل الفقه الشافعي والحنبلي، كان يعتمد النصوص من الكتاب والسنة ويبني عليها الأحكام، ويقرن الأحكام بأدلتها، وهذا ظاهر فيما قام به الإمام مالك في موطئه، بينما كانت مدونات الفقه الحنفي فقها مجردا خلت من ذكر الأدلة عند تدوينها على يد مؤسسي المذهب. لقد أراد أسد بن الفرات أن يكون للمالكية فقها كفقه الحنفية، وقد أغرم أسد بدراسة الفقه الحنفي، فرحل في حياة مالك إلى العراق، ولازم محمد ابن الحسن صاحب أبي حنيفة، فأراد من فقهاء المالكية أن يجيبوا على مسائل الفقه الحنفي. عاد أسد بالمدونة إلى تونس، ولاحظ فقهاء المالكية المنهج الذي بنيت عليه المدونة المخالفة لمنهجية الإمام مالك، بل لاحظوا أن بعض الفروع تختلف عما عليه الفتوى عندهم، وكان من هؤلاء عبد السلام بن سعيد التنوخي الملقب بسحنون، فحمل المدونة مرة أخرى وعاد بها إلى ابن القاسم، واقترح عليه إعادة النظر فيها، والتدقيق في ذكر فقه الإمام مالك بحسب المروي عنه،

стр. 118

وقد ذكر ابن خلدون أن ابن القاسم رجع عن كثير من المسائل التي دونها في (الأسدية)، وأن سحنون كتب ما أملاه عليه ابن القاسم ودونه، وأثبت ما رجع عنه منها، وكتب ابن القاسم مع سحنون إلى أسد مطالبًا إياه بأن يمحو من أسديته ما رجع عنه، وأن يأخذ بكتاب سحنون، فأنف من ذلك، فترك الناس كتابه واتبعوا مدونة سحنون. ويسمى كتابه المدونة، كما يسمى المختلطة، لأن بعض المسائل وضعت في غير الأبواب المناسبة لها (١)، وبذلك صفى سحنون المدونة مما شابها، وأعاد إليها صيغة الإمام مالك في فقهه. وأصبحت (المدونة) هي الكتاب الأول عند فقهاء المالكية بعد (الموطأ)، ولذا فإن علماء المالكية إذا أطلقوا اسم الكتاب انصرف عندهم إلى المدونة، وقد اعتنى بها فقهاء المالكية عناية كبيرة، فكانت مدار بحثهم، وتناولوها بالرواية وبالشرح والاختصار، وهي عمدة عندهم على اختلاف بلادهم، فهي عمدة عند الأندلسيين والمغاربة كما هي عمدة عند العراقيين والمصريين. ودون عالم الأندلس الكبير عبد الملك بن حبيب السلمي كتاب (الواضحة في الفقه والسنن)، وقد اعتمد فيها على أحاديث الرسول ﷺ ، وخاصة: (الموطأ)، وقد أفرده بالشرح، وتناول غيره من الأحاديث، كما اعتمد أقوال الصحابة والتابعين، وطريقته في واضحته كطريقة مالك في موطئه، وضمت إلى هذا كله فقه مالك وفقه علماء المالكية من تلامذة الإمام فمن بعدهم، وللمؤلف اجتهادات واضحة منثورة في كتابه. وقد كانت الواضحة مفخرة علماء المالكية ومرجعهم حتى ظهور العتبية. وألف محمد بن أحمد العتبي الأندلسي كتاب (العتبية) أو (المستخرجة)، وقد اعتمد عليها علماء الأندلس وهجروا الواضحة وغيرها، وقد دون العتبي فيها آراء مالك، وآراء تلامذته الأعلام من بعده، وقد حفظ العتبي في

стр. 119

مؤلفه المسمى باسمه مرويات الإمام مالك، إلا أنه لم يمحص هذه الروايات، ولم يقارنها بالمرويات الأخرى، ولذا كثرت فيها الروايات المطروحة والمسائل الغريبة الشاذة. وقد ميز صحيح روايات العتبية، ابن رشد في كتابه (البيان والتحصيل). ودون محمد بن إبراهيم الإسكندري المعروف بابن المواز مؤلفا عرف بنسبته إليه، فقد سمي بـ (الموازية) وهو أجلُّ كتاب ألفه المالكيون وأصحه مسائل، وأبسطه كلاما وأوعبه. وألف القاضي إسماعيل بن إسحاق أحد فقهاء مالكية العراق كتاب (المبسوط)، وكتابه هذا يظهر طريقة فقهاء مالكية العراق في الفقه والتدوين. وإذا أطلق فقهاء المالكية اسم اللواوين، فإنهم يطلقونها على هذه المؤلفات السبعة التي ذكرناها وهي: المدونة، والواضحة، والعتبية، والموازية، والأسدية، والمبسوطة، والمجموعة. وإذا أطلقوا الأمهات، فإنهم يريدون بها الأربع الأولى من الدواوين، والحق أن الدواوين ستة؛ لأن الأسدية هي المدونة بعد إعادة ابن القاسم النظر فيها. وكان مدار اهتمام علماء المذهب على المدونة والواضحة والعتبية، يقول ابن خلدون: "عكف أهل القيروان على المدونة، وأهل الأندلس على الواضحة والعتبية، ثم اختصو ابن أبي زيد المدونة في كتابه المسمى بالمختصر، ولخصه أبو سعيد البرادعي من فقهاء القيروان في كتابه المسمى بالتهذيب، واعتمده المشيخة من أهل إفريقيا وأخذوا به، وتركوا ما سواه. وكذلك اعتمد أهل الأندلس على العتبية وهجروا الواضحة وما سواها، ولم يزل علماء المذهب يتعاهدون هذه الأمهات بالشرح والإيضاح والجمع، فكتب أهل أفريقية على المدونة ما شاء الله أن يكتبوا، مثل ابن يونس واللخمي وابن محرز والتونسي وابن بشير وأمثالهم.

стр. 120

وكتب أهل الأندلس على العتبية ما شاء الله أن يكتبوا مثل ابن رشد وأمثاله" (١). وقد ألف عبد الله بن أبي زيد عبد الرحمن القيرواني المتوفى سنة ٣١٠ هـ كتاب النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات، وهو كتاب جامع في فقه المالكية لما افترق في دواوينهم، أضاف الزيادات التي في تلك الدواوين إلى ما في المدونة، وهو كتاب ضخم يقع في تسعة عشر مجلدًا، يصل عدد صفحات كل مجلد إلى أربعمائة صفحة تقريبًا، وتوجد منه نسخة كاملة في أيا صوفيا بتركيا. وكتاب بهذا الاتساع وهذا الشمول لا بدَّ أنه استوعب كل مدونات الفقه المالكي إلى عصره (٢). يقول ابن خلدون في هذا الكتاب: "جمع ابن أبي زيد جميع ما في الأمهات من المسائل والخلاف والأقوال في كتاب النوادر، فاشتمل على جميع أقوال المذهب، وفرع الأمهات كلها في هذا الكتاب، ونقل ابن يونس معظمه في شرحه على المدونة" (٣). ومن الكتب الكبار في المذهب المالكي كتاب (الذخيرة للقرافي) (٦٢٦ - ٦٨٤)، فإنه حوى علمًا جمًا في مذهب المالكية، فإن مؤلفه كما يقول في مقدمته جمع له من تصانيف المذهب نحو أربعين تصنيفًا ما بين شرح وكتاب مستقل (٤). وقد جمع فيه بين الكتب الخمسة التي عكف عليها المالكيون شرقًا وغربًا، وهو يريد بالكتب الخمسة: المدونة لسحنون، والجواهر الثمينة في مذهب عالم

стр. 121

المدينة لجلال الدين ابن نجم بن شاس، والتلقين للقاضي عبد الوهاب بن نصر البغدادي، والتفريع لابن جلاب، والرسالة لابن أبي زيد القيرواني. ويبدو أن هذه الكتب هي المشهورة عند المالكية في ذلك الوقت. وقد الف أبو عمر عثمان بن أبي بكر المعروف بابن الحاجب المتوفى سنة ٦٤٦ هـ مختصرًا في الفقه المالكي عرف بمختصر ابن الحاجب، وقد علا ذكره وانتشر، وشغل به المالكية عن غيره، وهذا المختصر هو اختصار لكتاب التهذيب للبرادعي، وتهذيب البرادعي هو اختصار لمختصر بن أبي زيد الذي اختصر به المدونة (١). ثم جاء خليل بن إسحاق الكردي المتوفى سنة ٧٦٧ هـ فاختصر مختصر ابن الحاجب، وبالغ في اختصاره، واشتغل المالكية بهذا الكتاب حفظًا ومدارسة، ووضعوا عليه الشروح والحواشي، وهجروا غيره، وقد زادت الشروح والحواشي التي وضعت عليه على الستين (٢). وأكثر شروحه تحريرًا شرح الحطاب، وشرح المواق، وهما مطبوعان، ومن الشروح التي وضعت عليه شرح الزرقاني، وشرح الخرشي، والرهوني، وشرحه أحمد بن أحمد الدردير، المتوفى سنة ١١٩٣ هـ شرحًا سماه الشرح الصغير على أقرب المسالك إلى مذهب مالك، وعليه حاشية العلامة الشيخ أحمد بن محمد الصاوي (٣). وللدردير شرح آخر سماه بالشرح الكبير، وقد وضع عليه محمد عرفة الدسوقي حاشية، وقد طبع الكتاب والحاشية، وبهامشه تقريرات الشيخ عليش (٤).

стр. 122

المطلب الثامن: توجهات الفقه المالكي تتلمذ على مالك جمع كبير من طلبة العلم من مختلف البلاد، وطال عمر مالك وكثر تلامذته، وكثرت محفوظاتهم عنه، وتفرق تلامذته في حياته وبعد وفاته في البلاد حاملين معهم فقه إمام دار الهجرة ﵀. وعلى الرغم من أن المنهج الذي حملوه عن إمامهم منهج واحد، إلا أنه وقع شيء من التمايز بين تلامذته الذين تفرقت بهم الديار، وكان ذلك نتيجة طرائق الاستدلال التي اعتمدها كل فريق، ونتيجة إلى مدى علم كل فريق بالأحاديث وأقوال الصحابة، ويمكن إعادة هذا التمايز إلى الاختلاف في الأصول التي يعتمد عليها في الاستدلال. ولا يمكن أن نغفل تأثير البيئة التي يعيش فيها كل فريق في منهجه وطريقة تفكيره، فالعراقيون تأثروا بفقه أهل الرأي على نحو لم يتأثر به المدنيون. ولا شك أن طريقة تلامذته المدنيين هي التي تمثل طريقة الإمام، ففي المدينة عاش الإمام، وتأصل فقهه، ونما غرسه، وقد حمل فقهه فيها علماء أعلام كابن الماجشون، وابن دينار، وابن أبي حازم، وابن سلمة، وابن نافع وغيرهم. وطريقة العراقيين من فقهاء المالكية أوجدها تلامذة الإمام وأتباعه في تلك الديار، كابن مهدي، والقعنبي، وإسماعيل القاضي. وقد تأثرت طريقة العراقيين من فقهاء المالكية بطريقة أهل الفقه التقديري الفرضي من أهل الرأي، ونزعت إلى ما نزعوا إليه من الحوار والجدل، وتلاشى فقهاء المالكية العراقيين من العراق، وانقطعوا بعد منتصف القرن الخامس الهجري. وحل بمصر علماء أعلام من تلامذة الإمام مالك أمثال ابن القاسم، وأشهب، وابن وهب، وأصبغ، وابن عبد الحكم، وغيرهم، وكانت

стр. 123

مروياتهم عن مالك هي عمدة المذهب المالكي، وطريقة المصريين من فقهاء المالكية قريبة من طريقة المدنيين. وهناك طريقتان للمالكية غير الطرائق الثلاثة السابقة هي طريقة المغاربة من أهل تونس والقيروان وما جاور هذه البلاد، وطريقة أهل الأندلس، وقد بث تلامذة مالك وتلامذتهم فقه مالك في هذه الديار، وأنتجت تلك الديار كثيرا من علماء المالكية الأعلام أمثال ابن أبي زيد، وابن القابسي، والباجي، واللخمي، وعالم المغرب الفقيه الكبير ابن عبد البر، وابن رشد، والمحدث الفقيه الأصولي المفسر أبو بكر ابن العربي. المطلب التاسع: اصطلاحات المالكية هذه نبذة من اصطلاحات المالكية لخصتها من كلام الشيخ إبراهيم المختار أحمد عمر الجبرتي الزيلعي في مقدمته لكتاب: (مسائل لا يعذر فيها بالجهل) (١)، وصرح أنه جمعها من ديباجة (مواهب الجليل) للحطاب، ومن مقدمة حاشية العدوي على الخرشي، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير، والديباج لابن فرحون، ونفح الطيب للمقري، وغير ذلك من كتب المذهب، ليكون الطالب على بصيرة من عبارات علماء مذهبه. المراد بالفقهاء السبعة عندهم: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم ابن محمد بن أبي بكر الصديق، وخارجة بن زيد بن ثابت، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وسليمان بن يسار، واختلف في السابع، فقيل: أبو سلمة ابن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: سالم بن عبد الله، وقيل: أبو بكر ابن عبد الرحمن، ونظم ذلك بعضهم ذاهبا إلى القول الثالث فقال:

стр. 124

ألا كل من لم يقتدي بأئمة … فقسمته ضيزى عن الحق خارجه فخذهم عبيد الله عروة قاسم … سعيد أبو بكر سليمان خارجه ويطلقون العبادلة، ويريدون بهم أربعة، عبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عمر بن الخطاب؛ وعبد الله بن عباس، ونظم ذلك شرف الدين الأرمي قاضي البهنساء فقال: إن العبادلة الأخيار أربعة … مناهج العلم في الإسلام للناس ابن الزبير وابن العاص وابن أبي … حفص الخليفة والحبر ابن عباس ويريدون بالمدنيين من أتباع مالك: ابن كنانة، وابن الماجشون، ومطرف، وابن نافع، وابن مسلمة، ونظرائهم. ويطلقون المصريين ويريدون بهم: ابن القاسم، وأشهب، وابن وهب، وأصبغ بن الفرج، وابر عبد الحكم، ونظائرهم. وعندما يطلقون العراقيين فى مدوناتهم يشيرون بهم إلى: القاضي إسماعيل ابن إسحاق، والقاضي أبي الحسين بن القصار، وابن الجلاب، والقاضي عبد الوهاب، والقاضي أبي الفرج، والشيخ أبو بكر الأبهري ونظائرهم. أما المغاربة فيشيرون بهم إلى: الشيخ ابن أبي زيد، وابن القابسي، وابن اللباد، والباجي، واللخمي، وابن محرز، وابن عبد البر، وابن رشد، وابن العربي، والقاضي سند المخزومي، وابن شبلون، وابن شعبان. ومن نهج المالكية أنه إذا اختلف المصريون، والمدنيون، قدموا المصريين غالبا، وإذا اختلف المغاربة والعراقيون قدموا المغاربة، وإلى هذا أشار النابغة الشنقيطي في الطليحة فقال: ورجحوا ما شهر المغاربة. . . والشمس بالمشرق ليست غاربة قال الأجهوري تقديم المصريين على من سواهم ظاهر؛ لأنهم أعلام المذهب، لأن منهم ابن وهب، وابن القاسم، وأشهب، وكذا تقديم

стр. 125

المدنيين على المغاربة، إذ منهم الأخوان، ويظهر تقديم المغاربة على العراقيين، إذ منهم الشيخان. والقرينان في مدونات المالكية: أشهب، وابن نافع، فقرن أشهب مع ابن نافع لعدم بصره كما ذكره العدوي، وكان المتقدمون يطلقون القرينان على الإمام مالك، وابن عيينة، من ذلك قول الإمام الشافعي: مالك وابن عيينة القرينان، لولاهما لذهب علم الحجاز كما ذكره الدهلوي في (مقدمة المسوى شرح أحاديث الموطأ). والأخوان: مطرف، وابن الماجشون، وسميا بذلك لكثرة ما يتفقان عليه من الأحكام وملازمتها. والقاضيان: القاضي ابن القصار، والقاضي عبد الوهاب. والمحمدان: ابن المواز، وابن سحنون، وعند ابن عرفة: ابن المواز، وابن عبد الحكم. وإذا قيل محمد فهو ابن المواز. والمحمدون أربعة: وهم الذي اجتمعوا في عصر واحد من أئمة مذهب مالك ما لم يجتمع مثلهم في زمان، اثنان قرويان: ابن عبدوس، وابن سحنون، واثنان مصريان: ابن عبد الحكم، وابن المواز. والإمام في الفقه عندهم: المازري، ويطلق الشيخ عندهم على ابن أبي زيد. والصقليان: ابن يونس، وعبد الحق. والشيخان: أبو محمد عبد الله بن أبي زيد، وأبو الحسن علي القابسي. والروايات عندهم أقوال مالك، وهذا على قاعدة خليل. وغيره غالبا، والأقوال أقوال الصحابة، ومن بعدهم من المتأخرين، كابن رشد، ونحوه. والمراد بالاتفاق اتفاق أهل المذهب، وبالإجماع إجماع العلماء، وإذا قالوا

стр. 126

الجمهور عنوا بهم الأئمة الأربعة. والمذهب يطلق عند المتأخرين من أئمة المذهب على ما به الفتوى، من إطلاق الشيء على جزئه الأهم، كالحج عرفة؛ لأن ذلك هو الأهم عند الفقيه المقلد. والمراد بمذهبه ما قاله هو وأصحابه على طريقته، ونسب إليه مذهبا، لكونه على قواعده، وأصله الذي بنى عليه مذهبه، وليس المراد ما ذهب إليه وحده دون غيره من أهل المدينة. والطريقة عبارة عن شيخ، أو شيوخ يروون المذهب كله على ما نقلوه. والطرق: عبارة عن اختلاف الشيوخ في كيفية نقل المذهب. وسئل ابن عرفة: هل يجوز أن يقال في طريق من الطرق هذا مذهب مالك؟ فأجاب بأن من له معرفة بقواعد المذهب، ومشهور أقواله، والترجيح، والقياس يجوز له ذلك، بعد بذل وسعه في تذكر قواعد المذهب، ومن لم يكن كذلك لا يجوز له ذلك، إلا أن يعزوه إلى من قبله كالمازري، وابن رشد، وغيرهم. إذا قيل الأظهر: كان فيه إشعار بأن مقابله فيه ظهور أيضا؛ لأن الأظهر اسم تفضيل يقتضى المشاركة وزيادة. والمشهور: يقابله الغريب. والصحيح: يقابله الضعيف. والأصح: يشعر بصحة مقابله؛ لأنه اسم تفضيل، كالأظهر.

стр. 127

المطلب العاشر: انتشار مذهبه انتشر مذهب الإمام مالك في مصر وبلاد كثيرة، وكان مذهبه المذهب السائد بالأندلس، ولا يزال مذهبه سائدًا في بلاد المغرب، وصعيد مصر، والسودان. وتلامذته الذين نشروا فقهه كثيرون، منهم عبد الله بن وهب، لازم مالك عشرين سنة؛ ونشر مذهبه في مصر والمغرب، وتوفي سنة ١٩٧ هـ، وكان الإمام مالك يجله ويحترمه، وكان أعلم أصحاب مالك بالسنة والأثر. ومنهم عبد الرحمن بن القاسم الفقيه المصري، وهو الذي روى عنه الفقيه سحنون (المدونة) التي جمعت آراء المذهب المالكي، توفي سنة: ١٩١ هـ. ومنهم أشهب بن عبد العزيز القيسي، انتهت إليه رياسة الفقه في مصر، وتوفي سنة ٢٢٤ هـ.

стр. 128

المبحث الثالث الإمام الشافعي المطلب الأول: نسبه وعصره هو الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبد الله بن عبيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف بن قصي القرشي المطلبي الحجازي المكي، يلتقي مع رسول الله ﷺ في عبد مناف (١). ولد الشافعي بغزة، وقيل بعسقلان، وهما من الأراضي المقدسة التي بارك الله فيها، فإنهما على نحو مرحلتين من بيت المقدس، ثمَّ حمل إلى مكة وهو ابن سنتين، وتوفي بمصر، وكانت ولادته في سنة ١٥٠ هـ، في السنة التي توفي فيها الإمام أبو حنيفة، ووفاته في سنة ٢٠٤ هـ. أسلم جده السائب في يوم بدر، وكان قد شهد بدرا مشركًا، وكان حامل راية بني هاشم، فأسر، وفدى نفسه، وأسلم (٢). المطلب الثاني: فقهه وعلمه قال الشيخ أحمد محمد شاكر في مقدمة الرسالة: "ولو جاز لعالم أن يقلد عالما -لكان أولى الناس عندي أن يقلد: الشافعي، فإني أعتقد- غير غال ولا مسرف -أن هذا الرجل لم يظهر مثله في علماء الإسلام في فقه الكتاب والسنة، ونفوذ النظر فيهما، ودقة الاستنباط، مع قوة العارضة ونور البصيرة، والإبداع في إقامة الحجّة، وإفحام مناظره. فصيح اللسان، ناصع البيان، في الذورة العليا من البلاغة، تأدب بأدب

стр. 129

البادية، وأخذ العلوم والمعارف عن أهل الحضر، حتى سما عن كل عالم قبله وبعده، نبغ في الحجاز، وكان إلى علمائه مرجع الرواية والسنة، وكانوا أساطين العلم في فقه القرآن، ولم يكن الكثير منهم أهل لسن وجدل، وكادوا يعجزون عن مناظرة أهل الرأي، فجاء هذا الشاب يناظر وينافح، ويعرف كيف يقوم بحجته، وكيف يلزم أهل الرأي وجوب اتباع السنة، وكيف يُثبت لهم الحجة في خبر الواحد، وكيف يفصل للناس طرق فهم الكتاب على ما عرف من بيان العرب وفصاحتهم، وكيف يدلهم على الناسخ والمنسوخ من الكتاب والسنة، وعلى الجمع بين ما ظاهره التعارض فيهما أو في أحدهما" (١). ظهرت علامات النبوغ على الشافعي صغيرا، فقد كان الشافعي أول أمره فقيرًا، فلما سلموه إلى المعلم، ما كانوا يجدون أجرة المعلم، فكان المعلم يقصِّر في التعليم، إلا أن المعلم كما علم صبيا شيئا كان الشافعي يتلقف ذلك الكلام، ثمَّ لما قام المعلم عن مكانه أخذ الشافعي يعلم الصبيان تلك الأشياء، فنظر المعلم، فرأى الشافعي يكفيه أمر الصبيان أكثر من الأجرة التي كان يطلب منه، فترك طلب الأجرة، واستمرَّ على هذه الأحوال، حتى تعلم القرآن لتسع سنين (٢). ولما ختم الشافعي القرآن دخل المسجد الحرام، وأخذ يجالس العلماء ويحفظ الحديث (٣)، وقد حفظ موطأ مالك وهو ابن عشر سنين، وأفتى وهو ابن خمس عشرة، وقيل: ابن ثماني عشرة، وقد أذن له شيخه مسلم بن خالد في الإفتاء في ذلك السن المبكر (٤).

стр. 130

المطلب الثالث: ثناء العلماء عليه قال عبد الله بن الإمام أحمد: "قلت لأبي: أي رجل كان الإمام الشافعي؟ فإني سمعتك تكثر الدعاء له. فقال لي: كان الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس، فانظر هل لهذين من خلف، أو عنهما من عوض" (١). وقال الإمام أحمد أيضًا: "ما أعلم أحدا أعظم منّة على الإسلام في زمن الشافعي من الشافعي، وإني لأدعو له في صلاتي: اللهمَّ اغفر لي ولوالدي، ولمحمد بن إدريس الشافعي" (٢). قال ابن كثير: "قد أثنى على الشافعي غير واحد من كبار الأئمة، منهم عبد الرحمن بن مهدي، وسأله أن يكتب له كتابا في الأصول، فكتب له الرسالة، وكان يدعو له في الصلاة دائما، وشيخه مالك بن أنس، وقتيبة ابن سعيد، وقال: هو إمام، وسفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد القطان، وكان يدعو له أيضا في صلاته، وأبو عبيد، وقال: ما رأيت أفصح، ولا أعقل، ولا أورع من الشافعي، ويحيى بن أكثم القاضي، وإسحاق بن راهويه، ومحمد بن الحسن وغيرهم مما يطول ذكرهم وشرح أقوالهم" (٣). وقال أبو ثور: "ما رأينا مثل الشافعي، ولا هو رأى مثل نفسه" (٤). وقال داود بن علي الظاهري: "للشافعي من الفضائل ما لم يجتمع لغيره، من شرف نسبه، وصحة دينه ومعتقده، وسخاوة نفسه، ومعرفته بصحة الحديث وسقمه، وناسخه ومنسوخه، وحفظه الكتاب والسنة، وسيرة الخلفاء، وحسن التصنيف، وجودة الأصحاب والتلامذة، مثل أحمد بن حنبل في زهده وورعه، وإقامته على السنة" (٥).

стр. 131

المطلب الرابع: شيوخه وتلامذته أخذ الشافعي علم أهل الحجاز، فقد أخذ الفقه عن مسلم بن خالد الزنجي، عن ابن جربج، عن عطاء، عن ابن عباس، وابن الزبير وغيرهما، عن جماعة من الصحابة، منهم: عمر، وعلى، وابن مسعود، وزيد بن ثابت (١)، ورحل إلى الإمام مالك ولزمه، وقرأ عليه (الموطأ)، وقال له الإمام مالك: "اتق الله واجتنب المعاصي، فإنه سيكون لك شأن". ورحل إلى العراق، وناظر محمد بن الحسن، واشتهر الشافعي في العراق، وفي الآفاق، وعظم قدره، وارتفعت مرتبته، وعكف عليه للاستفادة الصغار والكبار، والأئمة والأحبار من أهل الحديث والفقه وغيرهم، مثل أحمد بن حنبل، وأبو ثور، والحسين بن علي الكرابيسي، والحارث بن شريح البقال، والزعفراني وغيرهم (٢). المطلب الخامس: أصول مذهبه كان الشافعي ﵀ ذا عقل ثاقب، وفكر راجح، وبصيرة نيرة، وقد استطاع أن يستوعب علوم فقهاء الإسلام، فقد أخذ علم أهل الحجاز وفقههم، وحفظ الكتاب والسنن، وخالط أهل الرأي، ونظر في طريقتهم، واستطاع بعد نضوجه العلمي أن يضع منهجا فذا للطريقة التي ينبغي أن يسار عليها في التوصل إلى الأحكام. وقد كان الشافعي على مذهب مالك في بداية أمره، ولكنه استقل بمذهب عرف به بعد رحلاته في الأمصار الإسلامية، ومقابلته للعلماء، ومناظرته لهم، وقد ألف كتاب (الحجة) في العراق، وهو ما يسمى بمذهب الشافعي القديم، وسمي بذلك؛ لأنه رجع عن بعض أقواله عندما استقر بمصر،

стр. 132

وفي مصر ألف كتابه (الأم)، وهو يمثل مذهبه الجديد، وألف كتابه (الرسالة) في العراق، ويعد كتاب (الرسالة) أول كتاب يؤلف في علم "أصول الفقه"، ولذلك فإنه يعدُّ واضع علم أصول الفقه. والإمام الشافعي ذكر أصول مذهبه ومنهجه في الاستنباط في كتبه، وقد أوجزها في كتابه (الأم) حيث يقول: العلم طبقات شتى: الأولى: الكتاب والسنة إذا ثبتت السنة. الثانية: الإجماع فيما ليس فيه كتاب ولا سنة. الثالثة: أن يقول بعض أصحاب النبي ﷺ ، ولا نعلم له مخالفا من الصحابة في قوله. الرابعة: اختلاف أصحاب النبي ﷺ في ذلك. الخامسة: القياس على بعض الطبقات (١). ويقول في كتابه الرسالة: "ليس لأحد أبدا أن يقول في شيء حلَّ ولا حرم إلا من جهة العلم، وجهة العلم الخبر في الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس" (٢). وهو يرى تقدم الكتاب والسنة على بقية الأدلة، قال في (الأم): "لا يصار إلى شيء غير الكتاب والسنة وهما موجودان" (٣). وهو يحتج بخبر الواحد ما دام راويه ثقة عدلا، ولا يشترط في خبر الواحد الشهرة فيما تعمُّ به البلوى كما قال الأحناف، ولا أن يوافق عمل أهل المدينة، كما قال مالك، فهو يشترط صحة السند فقط.

стр. 133

ولا يطلق العمل بالمرسل كما فعل أبو حنيفة ومالك، بل قيده بشرط أن يؤيده دليل آخر، كان يكون راويه لا يرسل إلا عن ثقة، ولذلك قبِلَ مراسيل سعيد بن المسيب كلها، لتوفر هذا الشرط فيها، وفي هذا يقول في كتابه (الأم): "وليس المنقطع بشيء ما عدا منقطع ابن المسيب" (١). وهو يأخذ بظاهر الكتاب والسنة، لا يعدل عن هذا الظاهر، إلا إذا دلَّ الدليل على أنَّ المراد بالنصِّ غيره. ولم يجعل الإمام الشافعي من أصوله الاستحسان، وقد عقد في كتابه (الأم) كتابا بين فيه إبطال القول بالاستحسان (٢). ومما رفضه الشافعي القول بالمصالح المرسلة، وعمل أهل المدينة، والإجماع الذي يراه الشافعي حجّة ليس هو الإجماع الذي اشتهر في كتب الأصوليين، فالإجماع الذي يصح عنده هو الذي يكون (في الفرض الذي لا يسع جهله من الصلوات والزكاة وتحريم الحرام" (٣). أمّا أخبار الآحاد التي لا يُعْلمُ فيها خلاف، فلا يجيز الشافعي أن يقال فيه: هذا إجماع؛ لأن عدم العلم ليس دليلًا، فقد يكون الناس اختلفوا وهو لا يدري، والذي يقوله الشافعي في هذا المقام: "لا نعلمهم اختلفوا فيما لا نعلمهم اختلفوا فيه" (٤). ويقول: "ولا نقول هذا إجماع، فإن الإجماع قضاء على من لم يقل، ممن لا ندري ما يقول لو قال، وادعاء رواية الإجماع، وقد يوجد مخالف فيما ادعى فيه الإجماع" (٥).

стр. 134

والإمام الشافعي يقدم قول الصحابي على القياس، وإذا قال الصحابي قولا لم يخالفه فيه غيره لم يعدوه، وإذا اختلفوا تخير من أقوالهم، "وقد قال في مذهبه الجديد في كتاب الفرائض في ميراث الجدّ والأخوة: وهذا مذهب تلقيناه عن زيد بن ثابت، وعنه أخذنا أكثر الفرائض، وقال: القياس عندي قتل الراهب لولا ما جاء عن أبي بكر ﵁، فترك صريح القياس لقول الصديق، وقال في رواية الربيع عنه: والبدعة ما خالف كتابا أو سنة أو أثر بعض أصحاب النبي ﷺ ، فجعل ما خالف الصحابي بدعة" (١). والقياس عند الشافعي يعمل به للضرورة، فهو عنده كأكل الميتة لا يجوز تناولها وهو يجد سعة في غيرها، يقول ابن حجر العسقلاني: "والحاصل أن المصير إلى الرأي يكون عند فقد النص، وإلى هذا يومئ قول الشافعي فيما أخرجه البيهقي بسند صحيح إلى أحمد بن حنبل: سمعت الشافعي يقول: "القياس عند الضرورة" (٢). ويقول الشافعي في كتابه الرسالة: "ونحكم بالإجماع، ثم القياس، وهو أضعف من هذا، ولكنها منزلة ضرورة؛ لأنه لا يحل القياس والخبر موجود، كما يكون التيمم طهارة في السفر عند الإعواز من الماء، ولا يكون طهارة إذا وجد الماء، إنما يكون طهارة عند الإعواز" (٣). المطلب السادس: انتشار مذهبه وناشروه من تلامذته دون الشافعي أصول مذهبه وفقهه في حياته، وكان له تلامذة بررة أذاعوه وقاموا عليه ودونوه، يقول ابن خلدون: "وأمّا مقلدة الشافعي فمقلدوه بمصر أكثر مما في سواها، وقد انتشر مذهبه بالعراق وخراسان وما وراء النهر،

стр. 135

وقاسموا الحنفية في الفتوى والتدريس في جميع الأمصار (١). ومذهب الشافعي موجود الآن بالوجه البحري من القطر المصري، وفي فلسطين وعدن وحضرموت، وموجود بقلة في العراق وباكستان والمملكة العربية السعودية، وهو المذهب الغالب أو الرسمي في أندونيسيا (٢) وتلامذته الذين نشروا مذهبه كثيرون، منهم العراقيون، ومنهم المصريون. فالعراقيون هم نقلة مذهبه القديم، ومنهم الحسن بن محمد المعروف بالزعفراني المتوفى سنة ٢٦٠ هـ، وأبو علي الحسين بن علي المعروف بالكرابيسي المتوفى سنة ٢٦٤ هـ. أما تلامذته في مصر فهم نقلة مذهبه الجديد وأشهرهم: المزني: وهو إسماعيل بن يحيى المزني، ولد سنة ١٧٥ هـ، وتوفي سنة ٢٥٤ هـ، ويعتبر أمهر أصحاب الشافعي؛ لأنّه لازمه حين حضوره إلى مصر إلى أن توفي، والشافعية يعدُّونه مجتهدا مطلقا، حيث إنه خالف إمامه في بعض آرائه، وألف في المذهب كتبا كانت سببا في نشر المذهب وحفظه، منها مختصره المطبوع على هامش كتاب (الأم) (٣). ومنهم البويطي: وهو أبو يعقوب يوسف بن يحيى البويطي، من قرية بويط بصعيد مصر، وهو أكبر أصحاب الشافعي، تفقه على الشافعي، وحدث عنه، وكان الشافعي يعتمده في الفتيا، ويحيل عليه، وصنف مختصره المعروف في حياة الشافعي وقرأه عليه، ورشحه الشافعي ليجلس في مجلسه بعد وفاته، سجن في عهد الواثق في محنة القول بخلق القرآن، بسبب رفضه إجابتهم إلى ضلالهم، وتوفي في السجن سنة ٢٣١ هـ (٤).

стр. 136

ومنهم الربيع بن سليمان المرادي راوي كتاب (الأم)، وكتب نُسْخَة منه في حياة الشافعي. المطلب السابع: تدوين مذهب الشافعي ودواوين مذهب الشافعية ذكرنا من قبل أن الشافعي دون مذهبه بنفسه، ثم أعاد تدوينه بعد تمحيصه وتدقيقه مرة أخرى بمصر. يقول العلامة المحقق الشيخ أحمد شاكر في مقدمة تحقيقه لرسالة الشافعي: "ألف الشافعي كتبًا كثيرًا، بعضها كتبه بنفسه وقرأه على الناس أو قرؤوه عليه، وبعضُها أملاه إملاء، وإحصاء هذه الكتب عسير، وقد فقد كثيرٌ منها. فألف في مكة، وألف في بغداد وألف في مصر. والذي في أيدي العلماء من كتبه الآن ما ألفه في مصر، وهو كتاب (الأم) الذي جمع فيه الربيعُ بعض كتب الشافعي، وسماه بهذا الاسم، بعد أن سمع منه هذه الكتب، وما فاته سماعُه بين ذلك، وما وجده بخط الشافعي ولم يسمعه بينه أيضًا، كما يعلم ذلك أهلُ العلم ممن يقرؤون كتاب (الأم). و (كتابُ اختلاف الحديث) وقد طبع بمطبعة بولاق بحاشية الجزء السابع من الأم. و (كتابُ الرسالة). وهما مما روى الربيع عن الشافعي منفصلين، ولم يدخلهما في كتاب (الأم) " (١). وقد نقل تلامذة الشافعي مؤلفاته وما رووه عنه، ولم يكتفوا بذلك، بل عملوا على تعميق المذهب وتوسيعه بما وضعوه من مؤلفات، ومن هؤلاء المزني، وابن المنذر، وأبو ثور. وانتقل فقه الشافعي في مذهبه الجديد إلى بغداد عن طريق ابن القاسم عثمان بن سعيد الأنماطي، وقد تلقى هذا الفقه عن الربيع والمزني، وقام على نشر فقه الشافعي في الآفاق تلميذه الأنماطي أبو العباس أحمد بن سريج،

стр. 137

ونشره آخرون في أصقاع الأرض، في الشام، وما وراء النهر، ومرو، وخراسان، وقد انقسم أتباع الشافعي إلى طريقتين في الفقه: الأولى: طريقة أهل العراق، وعلى رأس أهل هذه الطريقة أبو حامد الإسفراييني، ومن أتباعها الماوردي، وأبو الطيب الطبري، والبندنيجي، والمحاملي. والثانية؛ طريقة الخراسانيين، وعلى رأس أهل هذه الطريقة القفال الصغير المروزي، ومن أعلامها أبو محمد الجويني، والقاضي حسين وغيرهم. ثم جاءَت طائفة من علماء الشافعية لم تتقيد بالنقل عن طريقة بعينها، بل أخذت تنقل عن هذه وهذه، بغض النظر عن كونها من العراق أو خراسان، أمثال الشاشي وإمام الحرمين والغزالي. ومن المؤلفات المعتمدة في فقه الشافعية: مختصر المزني (١٧٥ - ١٦٤ هـ)، وقد نال هذا الكتاب حظوة عند علماء الشافعية، وكان موضع اهتمام طلبة العلم، وامتلأ البلاد بمختصره كما يقول الذهبي، وكانت العروس يوضع في جهازها مختصر المزني (١). وقد اختصره من سائر كتب الشافعي من القديم والجديد، وأدخل فيه اجتهاداته وأحكامه (٢). وقد كثرت شروحه وتعددت، وقد ذكر هذه الشروح محقق كتاب الحاوي للماوردي (٣). وبين يدي وقت كتابه هذه السطور أحد شروحه، وهو كتاب الحاوي للماوردي: أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي (٣٦٤ - ٤٥٠ هـ).

стр. 138

وقد شرح به مذهب الشافعي، ذاكرًا فيه أقواله، مع بيان الجديد والقديم منهما، ثم يذكر أقوال الأئمة أبي حنيفة ومالك، وأحمد الموافقة والمخالفة للمذهب، وهو دائم الانتصار لمذهب الشافعي فيما خالفوه فيه. ثم يتبع ذلك بذكر أقوال الأصحاب، وإن كان لهم وجهان ذكرهما، ويخطئ ما يراه خاطئًا، ويصوب ما يراه صوابًا، ومن الكتب الكبار في مذهب الشافعية (كتاب نهاية المطلب في دراية المذهب) لإمام الحرمين، قال فيه ابن خلكان: "ما صنف في الإسلام مثله". ونهاية المطلب -كما يقول محقق كتاب الوسيط خلاصة للفقه الشافعي استخلصه إمام الحرمين من كتب الإمام الشافعي ككتاب "الأم" و"الرسالة" وغيرهما، ومن كتب أصحابه كمختصر المزني، والبويطي، وغيرهما، ومن كتب أصحاب الوجوه والترجيحات، بالإضافة إلى ما جاد به قريحة إمام الحرمين من استنباطات وترجيحات، وتفريعات، معتمدًا على كتاب الله وسنة رسوله، والأدلة المعتبرة. وما ذكره من آراء لأئمة المذاهب الآخرين، ومناقشاته القوية البليغة معهم" (١). وقد قام الغزالي تلميذ الجويني باختصار كتاب شيخه (نهاية المطلب في دراية المذهب) في كتابه (البسيط)، ومع ذلك فإنه جاء في ثمانية مجلدات مما دعاه إلى اختصاره في كتابه (الوسيط)، وفي ذلك يقول الغزالي: "فإني رأيت الهمم في طلب العلوم قاصرة، والآراء في تحصيلها فاترةً، وكان تصنيفي: (البسيط في المذهب) مع حسن ترتيبه وغزارة فوائده، ونقائه عن الحشو والتزويق، واشتماله على محض المهم، وعين التحقيق مستدعيًا همةً عاليةً، ونيةً مجردةً عما عدا العلم خالية، وهي عزيزة الوجودِ مع ما استولى على النفوس من الكسل والفتور، وصار (بحيث) لا يظفُر بها إلا على الندور، فعلمتُ أن النزول إلى حد الهمم حتمٌ، وأنَّ تقديرَ المطلوب على قدْرِ همةِ الطالبِ حزمٌ، فصنفتُ هذا الكتاب وسميته (الوسيط في المذهب) نازلاً

стр. 139

عن (البسيط) الذي هو داعية الإملال، مترقيًا عن الإيجاز القاضي بالإخلال، يقع حجمُهُ من كتاب (البسيط) موقع الشطر، ولا يعوزهُ من مسائل (البسيط) أكثرُ من ثلثِ العُشر، ولكني صغرتُ حجم الكتاب بحذفِ الأقوال الضعيفة، والوجوه المزيفة السخيفة، والتفريعات الشاذة النادرة، وتكلفتُ فيه مزيدَ تأنُّق في تحسين الترتيب، وزيادة تحذُّق في التنقيح، والتهذيب" (١). وقد اختصر الغزالي كتابه الوسيط في كتابه الوجيز، وقد قام بشرح الوجيز عبد الكريم بن محمد الرافعي المتوفى سنة ٦٢٣ هـ، في كتابه الموسوم بـ (فتح العزيز شرح الوجيز) وقد طبعت أجزاء منه على هامش كتاب المجموع. وقد قام باختصار فتح العزيز النووي في كتابه: روضة الطالبين وعمدة المحققين بسبب طوله واتساعه، وللغزالي كتاب رابع في غاية الاختصار في الفقه الشافعي هو كتاب الخلاصة. وفي الغزالي وكتبه الأربعة يقول أبو حفص دمر بن عبد العزيز بن يوسف الطرابلسي شعرًا (٢). هذب المذهب حبر … أحسن الله خلاصه ببسيط ووسيط … ووجيز وخلاصه ومن الكتب التي كان للشافعية بها عناية كتاب: (المهذب) لأبي إسحاق الشيرازي، وقد شرحه النووي شرحا موسعا في كتابه (المجموع) لكنه توفي قبل إتمامه له. والمهذب والوسيط كان عليهما مدار دروس المدرسين، وبحث المحصلين، المحققين، وحفظ الطلاب المعتنين فيما مضى وفي هذه الأعصار في جميع

стр. 140

النواحي والأمصار كما يقول النووي (١). وقد حرر الرافعي والنووي مذهب الشافعية، وأهم كتب الرافعي (المحرر) وقد أخذه من كتاب (الوجيز) للغزالي. وقد اختصر النووي كتاب (المحرر) للرافعي في كتاب (المنهاج) ودعاه إلى اختصاره طوله وكبر حجمه. وجاء من بعد الرافعي والنووي جمع من علماء الشافعية ساروا مسارهم، واعتمدوا على مدوناتهم، وأصبحت مؤلفاتهم العمدة عند الشافعية. فمحمد الشربيني الخطيب وضع شرحا ضافيا على متن المنهاج للنووي المختصر من محرر الرافعي سماه (مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج). وشرحه أيضا الجمال الرملي في كتابه (نهاية المحتاج)، وابن حجر المكي في كتابه (تحفة المحتاج شرح المنهاج)، واختصر (منهاج) النووي زكريا الأنصاري في كتابه (المنهج). وكتابا الرملي وابن حجر المكي اللذان شرحا منهاج النووي عمدة علماء الشافعية في تحقيق المذهب. المطلب الثامن: مصطلحات فقهاء الشافعية للشافعي ﵀ مذهبان القديم والجديد، وقد يكون له في القديم أو الجديد أكثر من قول، ولأصحاب الشافعي وعلماء مذهبه اجتهادات كثيرة في مؤلفاتهم ومدوناتهم، ومن طالع كتب الشافعية فإنه يجب أن يتنبه إلى مدلول مصطلحاتهم، التي يستعملونها لتدل على قوة المذهب أو ضعفه. فاجتهادات الشافعي يطلقون عليها الأقوال، أما اجتهادات أصحابه وعلماء

стр. 141

مذهبه فيطلقون عليها الوجوه، والطرق؛ لاختلاف الأصحاب في حكاية المذهب. وإذا كان للشافعي في المسألة قولان جديد وقديم، فمذهبه هو الجديد، وقد رجح أصحاب الشافعي مذهبه القديم؛ لاعتبارات في مسائل قليلة، حددها بعضهم بثلاث، وبلغ بها آخرون ثلاثين مسألة ونيف. وليس معنى إفتاء الأصحاب في هذه المسائل بالمذهب القديم وترجيحهم لها، دليلاً على جواز نسبتها إلى الشافعي، بل هو محمول على أن اجتهادهم داخل المذهب أدى بهم إلى ترجيحها؛ لظهور أدلتها. وإذا قالوا في مسألة الجديد كذا فإن القديم يكون بخلافه، وإذا قالوا القديم كذا، فإن الجديد بخلافه. وإذا قالوا في مسألة: نصَّ الشافعي على كذا، فإنهم يعنون أن الشافعي صرح بالحكم في تلك المسألة تصريحا واضحا لا لبس فيه. وإذا قالوا: الصحيح في المذهب كذا، فإن هذا يقضي بضعف القول الآخر في المسألة. أمّا إذا كان في المسألة قولان أو وجهان صحيحان، وأحدهما أرجح من الآخر، فإنهم يقولون في الدلالة على الراجح: الأصح. وإذا كان في المسألة قولان ظاهران، وأحدهما أكثر ظهورا من الآخر، فإنهم يقولون: الأظهر (١). وهناك اختلافات في بعض هذه المصطلحات بين علماء المذهب، بل قد تختلف في مدونتين مؤلفهما واحد، يقول النووي في مقدمة (روضة الطالبين) مبينا مراده من بعض المصطلحات: "وحيث أقول: على قول أو وجه،

стр. 142

فالصحيح خلافه، وحيث أقول: على الصحيح أو الأصح، فهو من الوجهين، وحيث أقول: على الأظهر أو المشهور، فهو من القولين، وحيث أقول: على المذهب، فهو من الطريقين أو الطرق. وإذا ضعف الخلاف قلت: على الصحيح أو المشهور، وإذا قوي قلت: على الأصح أو الأظهر" (١). وذكر النووي أن الشيرازي في كتابه المهذب إذا أطلق أبا العباس فهو أحمد ابن عمر بن سريج، وإذا أطلق أبا إسحاق فهو المروزي، ويريد بأبي السعيد عند إطلاقة الاصطخري، وإذا أطلق الربيع فيريد به الربيع بن سليمان المرادي صاحب الشافعي (٢).

стр. 143

المبحث الرابع الإمام أحمد بن حنبل المطلب الأول: مكانته وفضله وعلمه هو الإمام أحمد بن محمد بن حنبل أبو عبد الله الشيباني، إمام أهل السنة، يقول فيه الشافعي: "خرجت من العراق، فما تركت رجلا أفضل، ولا أعلم، ولا أورع، ولا أتقى من أحمد بن حنبل" (١). وقال يحيى بن معين فيه: "كان في أحمد خصال ما رأيتها في عالم قط: كان محدثا، وكان حافظا، وكان عالمًا، وكان ورعًا، وكان زاهدا، وكان عاقلاً" (٢). ولد الإمام أحمد في مدينة بغداد في ربيع الأول من سنة أربع وستين ومائة، وتوفي والده وهو ابن ثلاث سنين، فكفلته أمّه، وتوفي الإمام أحمد يوم الجمعة، الثاني عشر من ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين ومائتين، وله من العمر سبع وسبعون سنة (٣) وقد كان في حداثته يأخذ العلم عن القاضي أبي يوسف صاحب أبي حنيفة، ثم ترك ذلك، وأقبل على سماع الحديث، وقد رحل في طلب العلم، وبلغ في ترحاله مكة والمدينة واليمن والكوفة والبصرة والشام (٤). وأخذ العلم من يحيى بن معين، وإسحاق بن راهويه، والشافعي

стр. 144

وغيرهم، وقد ذكر الإمام أحمد في المسند وغيره الرواية عن الشافعي، وأخذ عنه جملة من أنساب قريش، وأخذ عنه الفقه، وحين توفي أحمد وجدوا في تركته رسالتي الشافعي: القديمة والجديدة (١). وقد كان الشافعي يعظمه، ومما قاله له: "يا أبا عبد الله إذا صح عندكم الحديث فأعلمني به أذهب إليه"، يقول ابن كثير بعد نقله لقول الشافعي هذا: "وقول الشافعي له هذه المقالة تعظيم لأحمد، وإجلال له، وأنه عنده بهذه المثابة إذا صح أو ضعف يرجع إليه (٢) ". وقد تبحر أحمد في علم الحديث، وفاق أقرانه، وأودع الأحاديث التي رواها في كتابه "المسند"، وقد حوى أكثر من ثلاثين ألف حديث، وكان يقول: "جمعته وانتقيته من أكثر من سبعمائة ألف حديث" (٣)، وقال ابنه عبد الله: سمعت أبا زرعة يقول: "كان أحمد ابن حنبل يحفظ ألف ألف حديث" (٤). وكان يحفظ علما واسعا، قيل لأبي زرعة: من رأيت من المشايخ المحدثين أحفظ؟ فقال: أحمد بن حنبل، حُزِمَتْ كتبه في اليوم الذي مات فيه، فبلغت اثني عشر حملا، وكل ذلك كان يحفظه أحمد عن ظهر قلبه (٥). وقال ابن الجوزي: "وقد كان أحمد يذكر الجرح والتعديل من حفظه إذا سئل عنه كما يقرأ الفاتحة" (٦).

стр. 145

المطلب الثاني: الرد على من لم يعدّه من أهل الفقه لم يعتبر ابن جرير الطبري في الخلافيات مذهب ابن حنبل، وكان يقول: إنما هو رجل حديث، لا رجل فقه، وامتحن لذلك، وقد أهْمَلَ مذهبه كثيرٌ ممن صنفوا في الخلافيات، كالطحاوي والدبوسي والنسفي في منظومته، والعلاء السمرقندي، والفراهي الحنفي، أحد علماء المائة السابعة، وكذلك أبو محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي المالكي في كتابه (الدلائل)، والغزالي في (الوجيز)، وأبو البركات النسفي في (الوافي)، ولم يذكره ابن قتيبة في (المعارف)، وذكره المقدسي في (أحسن التقاسيم) في أصحاب الحديث فقط، مع ذكره داود الظاهري في الفقهاء. وهذا الذي ذهبوا إليه باطل لأمور: الأول: وصف الأئمة له بالفقه، وثناؤهم عليه في ذلك، قال الإمام الشافعي ﵀ عند قدومه إلى مصر من العراق: "ما خلفت في العراق أحدا يشبه الإمام أحمد بن حنبل". وقال أيضا: "أحمد إمام في ثماني خصال: إمام في الحديث، إمام في الفقه، إمام في اللغة، إمام في القرآن، إمام في الفقر، إمام في الزهد، إمام في الورع، إمام في السنة" (١). وقال أبو زرعة: "ما رأيت مثل أحمد بن حنبل في فنون العلم، وما قام أحد بمثل ما قام به أحمد" (٢). وقال عبد الرزاق: "ما رأيت أفقه ولا أورع من أحمد بن حنبل" (٣).
следующие страницы →