مذهبه فيطلقون عليها الوجوه، والطرق؛ لاختلاف الأصحاب في حكاية المذهب.
وإذا كان للشافعي في المسألة قولان جديد وقديم، فمذهبه هو الجديد، وقد رجح أصحاب الشافعي مذهبه القديم؛ لاعتبارات في مسائل قليلة، حددها بعضهم بثلاث، وبلغ بها آخرون ثلاثين مسألة ونيف.
وليس معنى إفتاء الأصحاب في هذه المسائل بالمذهب القديم وترجيحهم لها، دليلاً على جواز نسبتها إلى الشافعي، بل هو محمول على أن اجتهادهم داخل المذهب أدى بهم إلى ترجيحها؛ لظهور أدلتها.
وإذا قالوا في مسألة الجديد كذا فإن القديم يكون بخلافه، وإذا قالوا القديم كذا، فإن الجديد بخلافه.
وإذا قالوا في مسألة: نصَّ الشافعي على كذا، فإنهم يعنون أن الشافعي صرح بالحكم في تلك المسألة تصريحا واضحا لا لبس فيه.
وإذا قالوا: الصحيح في المذهب كذا، فإن هذا يقضي بضعف القول الآخر في المسألة.
أمّا إذا كان في المسألة قولان أو وجهان صحيحان، وأحدهما أرجح من الآخر، فإنهم يقولون في الدلالة على الراجح: الأصح.
وإذا كان في المسألة قولان ظاهران، وأحدهما أكثر ظهورا من الآخر، فإنهم يقولون: الأظهر (١).
وهناك اختلافات في بعض هذه المصطلحات بين علماء المذهب، بل قد تختلف في مدونتين مؤلفهما واحد، يقول النووي في مقدمة (روضة الطالبين) مبينا مراده من بعض المصطلحات: "وحيث أقول: على قول أو وجه،
стр. 142
فالصحيح خلافه، وحيث أقول: على الصحيح أو الأصح، فهو من الوجهين، وحيث أقول: على الأظهر أو المشهور، فهو من القولين، وحيث أقول: على المذهب، فهو من الطريقين أو الطرق.
وإذا ضعف الخلاف قلت: على الصحيح أو المشهور، وإذا قوي قلت: على الأصح أو الأظهر" (١).
وذكر النووي أن الشيرازي في كتابه المهذب إذا أطلق أبا العباس فهو أحمد ابن عمر بن سريج، وإذا أطلق أبا إسحاق فهو المروزي، ويريد بأبي السعيد عند إطلاقة الاصطخري، وإذا أطلق الربيع فيريد به الربيع بن سليمان المرادي صاحب الشافعي (٢).
стр. 143
المبحث الرابع الإمام أحمد بن حنبل
المطلب الأول: مكانته وفضله وعلمه
هو الإمام أحمد بن محمد بن حنبل أبو عبد الله الشيباني، إمام أهل السنة، يقول فيه الشافعي: "خرجت من العراق، فما تركت رجلا أفضل، ولا أعلم، ولا أورع، ولا أتقى من أحمد بن حنبل" (١).
وقال يحيى بن معين فيه: "كان في أحمد خصال ما رأيتها في عالم قط: كان محدثا، وكان حافظا، وكان عالمًا، وكان ورعًا، وكان زاهدا، وكان عاقلاً" (٢).
ولد الإمام أحمد في مدينة بغداد في ربيع الأول من سنة أربع وستين ومائة، وتوفي والده وهو ابن ثلاث سنين، فكفلته أمّه، وتوفي الإمام أحمد يوم الجمعة، الثاني عشر من ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين ومائتين، وله من العمر سبع وسبعون سنة (٣) وقد كان في حداثته يأخذ العلم عن القاضي أبي يوسف صاحب أبي حنيفة، ثم ترك ذلك، وأقبل على سماع الحديث، وقد رحل في طلب العلم، وبلغ في ترحاله مكة والمدينة واليمن والكوفة والبصرة والشام (٤).
وأخذ العلم من يحيى بن معين، وإسحاق بن راهويه، والشافعي
стр. 144
وغيرهم، وقد ذكر الإمام أحمد في المسند وغيره الرواية عن الشافعي، وأخذ عنه جملة من أنساب قريش، وأخذ عنه الفقه، وحين توفي أحمد وجدوا في تركته رسالتي الشافعي: القديمة والجديدة (١).
وقد كان الشافعي يعظمه، ومما قاله له: "يا أبا عبد الله إذا صح عندكم الحديث فأعلمني به أذهب إليه"، يقول ابن كثير بعد نقله لقول الشافعي هذا: "وقول الشافعي له هذه المقالة تعظيم لأحمد، وإجلال له، وأنه عنده بهذه المثابة إذا صح أو ضعف يرجع إليه (٢) ".
وقد تبحر أحمد في علم الحديث، وفاق أقرانه، وأودع الأحاديث التي رواها في كتابه "المسند"، وقد حوى أكثر من ثلاثين ألف حديث، وكان يقول: "جمعته وانتقيته من أكثر من سبعمائة ألف حديث" (٣)، وقال ابنه عبد الله: سمعت أبا زرعة يقول: "كان أحمد ابن حنبل يحفظ ألف ألف حديث" (٤). وكان يحفظ علما واسعا، قيل لأبي زرعة: من رأيت من المشايخ المحدثين أحفظ؟ فقال: أحمد بن حنبل، حُزِمَتْ كتبه في اليوم الذي مات فيه، فبلغت اثني عشر حملا، وكل ذلك كان يحفظه أحمد عن ظهر قلبه (٥).
وقال ابن الجوزي: "وقد كان أحمد يذكر الجرح والتعديل من حفظه إذا سئل عنه كما يقرأ الفاتحة" (٦).
стр. 145
المطلب الثاني: الرد على من لم يعدّه من أهل الفقه
لم يعتبر ابن جرير الطبري في الخلافيات مذهب ابن حنبل، وكان يقول: إنما هو رجل حديث، لا رجل فقه، وامتحن لذلك، وقد أهْمَلَ مذهبه كثيرٌ ممن صنفوا في الخلافيات، كالطحاوي والدبوسي والنسفي في منظومته، والعلاء السمرقندي، والفراهي الحنفي، أحد علماء المائة السابعة، وكذلك أبو محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي المالكي في كتابه (الدلائل)، والغزالي في (الوجيز)، وأبو البركات النسفي في (الوافي)، ولم يذكره ابن قتيبة في (المعارف)، وذكره المقدسي في (أحسن التقاسيم) في أصحاب الحديث فقط، مع ذكره داود الظاهري في الفقهاء.
وهذا الذي ذهبوا إليه باطل لأمور:
الأول: وصف الأئمة له بالفقه، وثناؤهم عليه في ذلك، قال الإمام الشافعي ﵀ عند قدومه إلى مصر من العراق: "ما خلفت في العراق أحدا يشبه الإمام أحمد بن حنبل".
وقال أيضا: "أحمد إمام في ثماني خصال: إمام في الحديث، إمام في الفقه، إمام في اللغة، إمام في القرآن، إمام في الفقر، إمام في الزهد، إمام في الورع، إمام في السنة" (١).
وقال أبو زرعة: "ما رأيت مثل أحمد بن حنبل في فنون العلم، وما قام أحد بمثل ما قام به أحمد" (٢).
وقال عبد الرزاق: "ما رأيت أفقه ولا أورع من أحمد بن حنبل" (٣).
стр. 146
وقال أحمد بن سعيد الرازي: "ما رأيت أسود رأس أحفظ لحديث رسول الله ﷺ ، ولا أعلم بفقهه ومعانيه من أحمد" (١).
وقال الخلال: "كتب أحمد فقه الرأي وحَفِظها، ثمَّ لم يلتفت إليها، وكان إذا تكلم في الفقه تكلم كلام رجل قد انتقد العلوم، فتكلم عن معرفة" (٢).
الثاني: وقد بينه الإِمام أبو الوفاء علي بن عقيل قال: "ومن عجيب ما نسمعه عن هؤلاء الجهال أنهم يقولون: أحمد ليس بفقيه، لكنه محدث، وهذا غاية الجهل؛ لأنّه قد خرج عنه اختيارات بناها على الأحاديث بناء لا يعرفه أكثرهم، وخرج عنه دقيق الفقه ما ليس نراه لأحد منهم، وانفرد بما سلموه له من الحفظ، وشاركهم، وربما زاد على كبارهم".
ثمَّ ذكر مسائل دقيقه مما استنبطه الإمام، ثمَّ قال: "ومما وجدنا من فقه أحمد ودقة علمه أنه سئل عن رجل نذر أن يطوف بالبيت على أربع، قال: يطوف طوافين، ولا يطوف على أربع، كأنه نظر إلى المشي على أربع فرآه مثله، وخروجا عن صورة الحيوان إلى التشبه بالبهائم، فصانه وصان البيت عن الشهرة، ولم يبطل حكم القضية في المشي على اليدين، بل أبدلها بالرِّجلين اللتين هما آلة المشي" (٣).
стр. 147
المطلب الثالث: محنة الإمام أحمد
أحدث المأمون في عصره القول بأن القرآن مخلوق، وليس كلام الله، وأكره الناس على قول ذلك، وفتن من لم يجبه إلى هذا القول، وثبت الإمام أحمد ثبوت الجبال الراسيات، وسجن وعذب وجلد، فلم يغير موقفه، وحفظ الله به الدين، وقد استمرت الفتنة مدة خلافة المأمون والمعتصم والواثق، فلما تولى المتوكل رفع الفتنة وأظهر السنة، وأكرم الإمام أحمد، وابتلي أحمد بالدنيا، فلم يتوجه إليها ولم تغره، وبقي على حاله لم يتغير.
المطلب الرابع: أصول مذهبه
بنى الإمام أحمد مذهبه على خمسة أصول:
الأصل الأوّل: الاعتماد على النصِّ عدم الالتفات إلى ما خالفه:
فإذا وجد النص أفتى بموجبه، ولم يلتفت إلى ما خالفه، ولا مَنْ خالفه كائناً من كان، ولهذا لم يلتفت إلى خلاف عمر في المبتوتة لحديث فاطمة بنت قيس، ولا إلى خلافه في التيمم للجنب لحديث عمار بن ياسر، ولا إلى خلافه في استدامة المحرم الطيب الذي تطيّب به قبل إحرامه، لصحة حديث عائشة في ذلك، ولا خلافه في منع المفرد والقارن من الفَسْخ إلى التمتع، لصحة أحاديث الفسخ.
وكذلك لم يلتفت إلى قول علي وعثمان وطلحة وأبيّ بن كعب في ترك الغسل من الإكسال (١)، لصحة حديث عائشة أنها فعلته هي ورسول الله ﷺ فاغتسلا، ولم يلتفت إلى قول ابن عباس، وإحدى الروايتين عن علي أن عدة المُتوفّى عنها الحامل أقصى الأجلين، لصحة حديث سُبيعة الأسْلمية، ولم
стр. 148
يلتفت إلى قول معُاذ ومعاوية في توريث المسلم من الكافر، لصحة الحديث المانع من التوارث بينهما، ولم يلتفت إلى قول ابن عباس في الصّرف (١)، لصحة الحديث بخلافه، ولا إلى قوله بإباحة لحوم الحُمر كذلك، وهذا كثير جداً.
ولم يكن يقدِّم على الحديث الصحيح عملا ولا رأيا ولا قياساً ولا قول صاحب، ولا عدم علمه بالمخالف الذي يسميه كثير من الناس إجماعاً، ويقدمونه على الحديث الصحيح.
وقد كذّب أحمد من ادعى هذا الإجماع، ولم يُسِغْ تقديمه على الحديث الثابت، وكذلك الشافعي أيضاً نصّ في رسالته الجديدة على أن ما لا يعلم فيه خلاف، لا يقال له إجماع، ولفظه: "ما لا يعلم فيه خلاف فليس إجماعاً". وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: ما يدعي فيه الرجل الإجماع فهو كذب، من ادعى الإجماع فهو كاذب، لعلّ الناس اختلفوا ما يدريه، ولم ينته إليه، فليقُل لا نعلم الناس اختلفوا، هذه دعوى بشر المرِّيسي والأصم، ولكنه يقول: لا نعلم الناس اختلفوا، أو لم يبلغني ذلك، هذا لفظه.
ونصوص رسول الله ﷺ أجلُّ عند الإمام أحمد وسائر أئمة الحديث من أن يقدِّموا عليها توهُّم إجماع، مضمونه عدم العلم بالمخالف، ولو ساغ لتعطلت النصوص، وساغ لكل من لم يعلم مخالفاً في حكم مسألة أن يقدِّم جهله بالمخالف على النصوص، فهذا هو الذي أنكره الإمام أحمد والشافعي من دعوى الإجماع لا ما يظنه بعض الناس أنه استبعاد لوجوده.
الأصل الثاني: ما أفتى به الصحابة:
فإنه إذا وجد لبعضهم فتوى لا يعرف له مخالف منهم فيها لم يعدُها إلى غيرها، ولم يقل: إن ذلك إجماع، بل من ورَعه في العبارة يقول: لا أعلم
стр. 149
شيئا يدفعه، أو نحو هذا، كما قال في رواية أبي طالب: لا أعلم شيئاً يدفع قول ابن عباس وابن عمر وأحد عشر من التابعين: عطاء، ومجاهد، وأهل المدينة على تَسَرِّي العبد، وهكذا قال أنس بن مالك: لا أعلم أحداً رد شهادة العبد، حكاه عنه الإمام أحمد، وإذا وجد الإمام أحمد هذا النوع عن الصحابة لم يقدم عليه عملا ولا رأيا ولا قياسا.
الأصل الثالث: إذا اختلف الصحابة أخذ ما كان أقرب إلى الكتاب والسنة:
إذا اختلف الصحابة تخيَّر من أقوالهم ما كان أقربها إلى الكتاب والسنة، ولم يخرج عن أقوالهم، فإن لم يتبين له موافقة أحد الأقوال حكى الخلاف فيها، ولم يجزم بقول. قال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ في مسائله: قيل لأبي عبد الله: يكون الرجل في قومه، فيسأل عن الشيء فيه اختلاف؟
قال: يفتي بما وافق الكتاب والسنة، وما لم يوافق الكتاب والسنة أمسك عنه. قيل له: أفيجاب عليه؟ قيل: لا.
الأصل الرابع: الأخذ بالمرسل والحديث الضعيف:
كان يأخذ بالمرسل والحديث الضعيف إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه، وهو الذي رجحه على القياس، وليس المراد بالحديث الضعيف عنده الباطل ولا المنكر، ولا ما في روايته متهم، بحيث لا يسوغ الذهاب إليه، والعمل به، بل الحديث الضعيف عنده قسِيم الصحيح، وقسم من أقسام الحسن، ولم يكن يقسِّم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف، بل إلى صحيح وضعيف، وللضعيف عنده مراتب، فإذا لم يجد في الباب أثراً يدفعه، ولا قول صاحب، ولا إجماعاً على خلافه، كان العمل به عنده أولى من القياس، وليس أحد من الأئمة إلا وهو موافقه على هذا الأصل، من حيث الجملة، فإنه ما منهم أحد إلا وقد قَدَّم الحديث الضعيف على القياس.
стр. 150
الأصل الخامس: القياس:
إذا لم يكن عند الإمام أحمد في المسألة نص، ولا قول صحابي، ولا أثر مرسل أو ضعيف عدل إلى الأصل الخاص، وهو القياس، فاستعمله للضرورة، وقد قال في كتاب الخلال: سألت الشافعي عن القياس، فقال: إنما يصار إليه عند الضرورة.
فهذه الأصول الخمسة هي أصول فتاويه، وعليها مدارها:
وقد يتوقف في الفتوى لتعارض الأدلة عنده، أو لاختلاف الصحابة فيها، أو لعدم اطلاعه فيها على أثر أو قول أحد من الصحابة والتابعين، وكان شديد الكراهة والمنع للإفتاء بمسألة ليس فيها أثر عن السلف، كما قال لبعض أصحابه: إيّاك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام، وكان يسَوِّغ استفتاء فقهاء الحديث وأصحاب مالك، ويدلُّ عليهم، ويمنع من استفتاء مَن يُعْرِضُ عن الحديث، ولا يَبْني مذهبه عليه، ولا يُسَوِّغ العمل بفتواه، قال ابن هانئ: سألت أبا عبد الله عن الذي جاء في الحديث: (أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار) (١).
قال أبو عبد الله: يفتي بما لم يسمع. قال: وسألته عمن أفتي بفُتْيا يعني فيها، قال: فإثمها على من أفتاها.
قلت: على أي وجه يفتي حتى يعلم ما فيها؟ قال: يفتى بالبحث لا يدري أيشْ أصلها.
وقال أبو داود في مسائله: ما أحصِي ما سمعت أحمد: سئل عن كثير مما فيه الاختلاف في العلم، فيقول: لا أدري، قال: وسمعته يقول: ما رأيت مثل ابن عُيْينة في الفتوى، أحسن فُتيْا منه كان أهونَ عليه أن يقول: لا أدري.
стр. 151
وهذا الذي اعتبره ابن القيم خمسة هو في الحقيقة أربعة، وهي: الكتاب، والسنة، وقول الصحابي، والقياس.
ثمَّ إن أصول الإمام أحمد لم تقتصر على أربعة، ولا على خمسة، كما هو مبين في أصول فقه الحنابلة (١).
فأصول الاستنباط عند الإمام هي: الكتاب، والسنة، والإجماع، وقول الصحابي، والقياس، والاستصحاب، والمصالح المرسلة، وسدّ الذرائع.
المطلب الخامس: تدوين مذهب أحمد ودواوين مذهب الحنابلة
كان الإمام أحمد يكره وضع الكتب التي تشتمل على التفريع والرأي، وما ذلك إلا ليتوفر الالتفات إلى النقل، ويزرع في القلوب التمسك بالأثر، وقد شغل وقته في جمع السنة والأثر وتفسير كتاب الله تعالى، ولم يؤلف كتابا في الفقه، وكان غاية ما كتبه فيه رسالة في الصلاة، كتبها إلى إِمام صلى وراءه، فأساء في صلاته، وهي رسالة قد طبعت ونشرت، وقد كتب أصحابه كلامه وفتاويه وانتشرت في الآفاق.
ثم جاء أحمد بن محمد بن هارون أبو بكر الخلال، فصرف عنايته إلى جمع علوم أحمد بن حنبل، فطاف في البلاد للاجتماع بأصحاب أحمد، وكتب ما روي عنه بالإسناد، وصنف كتبا في ذلك، منها كتاب (الجامع)، ويقع في أكثر من عشرين مجلدا، وهذا الكتاب هو الأصل لمذهب أحمد، وقد روى بعض (مسائل الإمام أحمد) أبو داود سليمان بن الأشعث صاحب السنن، وطبعته مطبعة المنار بعناية الشيخ محمد رشيد رضا ﵀.
وصنف أبو القاسم عمر بن أبي علي الحسين الخرقي المتوفى سنة ٣٢٤ هـ كتابا مختصرا في فقه أحمد سمي بـ (مختصر الخرقي) وقد اشتهر هذا
стр. 152
الكتاب، وشرحه كثير من فقهاء المذهب، وقد زادت شروحه على ثلاثمائة شرح.
وأفضل هذه الشروح وأشهرها شرحان:
الأول: المغني للشيخ موفق الدين ابن قدامة المقدسي.
الثاني: شرح القاضي أبي يعلى محمد بن الحسين بن الفراء.
والمغني أكبر حجما من شرح أبي يعلى، ولم يقتصر ابن قدامة في المغني على المسائل التي يوردها الخرقي، بل يذكر المسألة التي ذكرها الخرقي، ويبين غالبا روايات إمام المذهب، بل يذكر أقوال أئمة المذاهب، ويذكر أدلتهم، ويبين الصحيح من الضعيف، كما يذكر أقوال الصحابة والتابعين، وهو مع ذلك يشرح أقوال الخرقي، ويدل على معانيها ومراميها.
والقاضي أبو يعلى متفق في منهجه مع ابن قدامة في ذكره للأدلة من الكتاب والسنة للمسائل التي يعرض لها، ولكنه يقتصر في شرحه على المسائل التي ذكرها الخرقي ولا يزيد عليها.
وشرح القاضي أبي يعلى في مجلدين كبيرين، وطريقته في أنه يذكر المسألة من الخرقي ثم يذكر من خالف فيها، ثم يقول فيها كذا، ويفيض في إقامة الدليل من الكتاب والسنة والقياس على طريقة الجدل، ولكنه لا يذكر في شرحه من مسائل الفقه إلا المسائل التي ذكرها الخرقي.
والشيخ الموفق ﵀ شيخ المذهب بحق، وقد عرف فقهاء الحنابلة وغيرهم قدره، فمؤلفاته أصبحت العمدة في فقه المذهب الحنبلي، وكما كان رجل علم، فإنه رجل تربية، وقد ألف عدة مؤلفات راعى فيها المستوى العلمي لطلبة العلم.
ألَّف الشيخ الموفق ثلاثة كتب غير المغني هي: (العمدة، والمقنع، والكافي).
راعى الموفق في مؤلفاته أربع طبقات: فصنف (العمدة) للمبتدئين، وقد
стр. 153
اقتصر فيه على المعتمد في المذهب، شرحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
ثمَّ ألَّف الموفق (المقنع) لمن ارتقى عن درجتهم، ولم يصل إلى درجة المتوسطين، فلذلك جعله عَريًّا عن الدليل والتعليل، وجعله وسطا بين التقصير والتطويل، غير أنه يذكر الروايات عن الإِمام أحمد، ليجعل لقارئه مجالا إلى كدِّ ذهنه؛ ليتمرن على التصحيح.
وصنف الشيخ الموفق الكافي للمتوسطين، وذكر فيه كثيراً من الأدلة لتسمو نفس قارئه إلى درجة الاجتهاد في المذاهب حينما يرى الأدلة، وترتفع نفسه إلى مناقشتها، ولم يجعلها قضية مسلمة، ثم ألف المغني لمن ارتقى درجة عن المتوسطين، وهناك يطلع قارئه على الروايات، وعلى خلاف الأئمة، وعلى كثير من أدلتهم، وعلى ما لهم وما عليهم من الأخذ والرد، فمن كان فقيه النفس حينئذ مرن نفسه على الاجتهاد المطلق، إن كان أهلا لذلك وتوفرت فيه شروطه (١).
شروح المقنع: بعد تأليف الموفق للمقنع أصبح مدار اهتمام علماء المذهب وطلابه، فقد تناولوه بالشرح والتدريس، والحفظ والإضافة والتعليق، والسبب في هذا الاهتمام الكبير أن الكتاب حاز المواصفات المثلى في نظر أهل العلم من الحنابلة علما وتصنيفا وترتيبا، استمع إلى ما قاله أحد فقهاء الحنابلة المحققين المدققين وهو علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي المتوفى سنة ٨٨٥ هـ: "إن المقنع في الفقه تأليف شيخ الإسلام موفق الدين أبي محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي -قدس الله روحه ونور ضريحه- من أعظم الكتب نفعا، وأكثرها جمعا، وأوضحها إشارة، وأسلسها عبارة، وأوسطها حجما، وأغزرها علما، وأحسنها تفصيلا وتفريعاً، وأجمعها تقسيما وتنويعا، وأكملها ترتيبا، وألطفها تبويبا، وقد حوى غالب أمهات مسائل المذهب، فمن حصلها فقد ظفر بالكنز والمطلب، فهو كما قال مصنفه
стр. 154
فيه: "جامع لأكثر الأحكام" ولقد صدق وبرّ ونصح" (١).
وهذه الشهادة شهادة قيمة، لأنها من عالم خبر هذا الكتاب، وعرف أسراره، ووقف على دقائقه، فإن كتابه الإنصاف وضعه كالشرح للمقنع.
وأوّل من وضع شرحا على (المقنع) ابن أخي الشيخ الموفق الشيخ عبد الرحمن بن أبي عمر محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي المتوفى سنة ٦٨٢ هـ وهذا الشرح كأنما هو من وضع الشيخ الموفق، فإن الشيخ عبد الرحمن قصد إلى كتاب عمه (المغني)، فأعاد ترتيبه على وفق ترتيب (المغني) وبذلك يكون الشرح الكبير للمقنع هو (المغني) بعد إعادة ترتيبه وفق ترتيب (المقنع)، فكأنما المتن والشرح هما من وضع عالم واحد هو الشيخ الموفق.
وقد صرح الشيخ عبد الرحمن في مقدمة الشرح الكبير (٢) أنه لم يترك من المغني إلا شيئا يسيرا من الأدلة، واستكمل فيه من غيره ما لم يجده فيه من الفروع والوجوه والروايات، ولم يزد عليه في الاستدلال إلا في عزوه الأحاديث التي لم يعزها الشيخ الموفق، يقول الشيخ عبد الرحمن في مقدمة الشرح الكبير: "هذا كتاب جمعته في شرح (كتاب المقنع) تأليف شيخنا الإمام العالم العلامة موفق الدين أبي عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي ﵁، اعتمدت في جمعه على كتابه المغني، وذكرت فيه من غيره ما لم أجده فيه من الفروع والوجوه والروايات، ولم أترك من المغني إلا شيئا يسيرا من الأدلة، وعزوت من الأحاديث ما لم يعز ما أمكنني عزوه" (٣). وقد طبع الشرح الكبير مع كتاب المغني في كتاب واحد.
стр. 155
ومع كل هذه المميزات التي تجعل الشرح الكبير أفضل من المغني وأجود، إلا أن الشهرة والانتشار والذكر بقيت للمغني، ولله في خلقه شؤون.
ومن شروح (المقنع) المبدعة كتاب (المبدع في شرح المقنع) لبرهان الدين أبي إسحاق: إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن مفلح الدمشقي المتوفى سنة ٨٨٤ هـ.
"وقد سلك المؤلف بهذا الشرح مسلك التحرر، وذكر الأدلة من الكتاب والسنة، مع تخريج موجز للأحاديث، ونقل أقوال العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، والمفتى به من المذهب، ومختلف روايات مسائل الإمام أحمد، وأقوال علماء المذهب الحنبلي" (١).
وقال صاحب المبدع بعد ثنائه على (المقنع): "فتصديت لأن أشرحه شرحا يبين حقائقه، ويوضح دقائقه، ويذلل من اللفظ صعابه، ويكشف عن وجه المعاني نقابه، أنبه فيه على ترجيح ما أطلق، وتصحيح ما أغلق، واجتهدت في الاختصار خوف الملل والإضجار" (٢).
وعلى الرغم من الاختصار الذي أشار إليه المؤلف إلا أن الطبعة المحققة الفاخرة التي نشرها المكتب الإسلامي لهذا الكتاب بلغت عشرة مجلدات كبار.
ولم يتعرض أبن مفلح في شرحه لمذاهب المخالفين إلا نادرا، فهو أنفع الشروح للمتوسطين، كما يقول ابن بدران (٣).
ويذكر أبن بدران أن من شروح (المقنع)، (الممتع شرح المقنع) لسيف الدين أبي البركات أبن المنجا. قال في خطبته: "أحببت أن أشرح (المقنع) وأبين مراده، وأوضحه، وأذكر دليل كل حكم وأصححه".
стр. 156
وقد طبع (المقنع) أكثر من طبعة منها طبعة السلفية -بعناية محب الدين الخطيب، وعليه حاشية منقولة من خط العلامة سليمان ابن الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ويبدو أن هذه الحاشية للشيخ سليمان نفسه.
ومن المؤلفات الموضوعة على (المقنع) كتاب: (الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب أحمد) للعلامة المحقق مجدد المذهب الحنبلي علاء الدين أبي الحسن علي بن سليمان المرداوي المتوفى سنة ٨٨٥ هـ.
وصرح في مقدمة مصنفه بعد ثنائه على كتاب (المقنع) أن مقصده من وراء تأليف (الإنصاف) هو "بيان الصحيح من المذهب والمشهور والمعمول عليه والمنصور، وما اعتمده أكثر الأصحاب، وذهبوا إليه، ولم يعرجوا على غيره، ولم يعولوا عليه" (١).
والسبب الذي دعاه لذلك هو إطلاق الموفق في بعض المسائل التي عرضها في (المقنع) الخلاف من غير ترجيح (٢).
يقول ابن بدران: "وطريقة المرداوي في (الإنصاف) أنه يذكر في المسألة أقوال الأصحاب، ثمَّ يجعل المختار ما قاله الأكثر منهم، سالكا في ذلك مسلك ابن قاضي عجلون في تصحيحه لمنهاج النووي وغيره من كتب التصحيح، فصار كتابه مغنيا للمقلد عن سائر كتب المذهب.
ثم اقتضب منه كتابه المسمى (التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع)، (مطبوع)، فصحح فيه الروايات المطلقة في (المقنع)، وما أطلق فيه من الوجهين أو الأوجه، وقيد ما أخل به من الشروط، وفسر ما أبهم فيه من حكم أو لفظ، واستثنى من عمومه ما هو مستثنى على المذهب. . . فصار كتابه تصحيحا لغالب كتب المذهب" (٣).
стр. 157
ومما يحسن أن ينبه طلبة العلم عليه أن المرداوي في مقدمة كتابه (الإنصاف) وخاتمته ذكر المصطلحات الواردة في كتاب (المقنع) وكتاب (الإنصاف) وطريقة تحقيق المذهب، وهو بذلك يضع خلاصة جيدة لمصطلحات الفقه الحنبلي، التي تبصر طالب العلم، وتعرفه بالمذهب ومصطلحاته، وطرق التعرف على المذهب عند الحنابلة.
ومن الكتب التي خدمت المقنع كتاب (المطلع على أبواب المقنع) لأبي عبد الله شمس الدين محمد بن أبي الفتح البعلي الحنبلي المتوفى سنة ٧٠٩ هـ، قصد مؤلفه من تأليفه كما يقول في مقدمة مؤلفه: شرح ألفاظ المقنع المشكلة (١).
فهذا الكتاب ليس شرحا للمقنع، بل هو شرح للغاته، مثله في ذلك مثل كتاب "المغرب" للحنفية، وكتاب "المصباح المنير" للشافعية.
ومما ينبغي التنبيه إليه أن البعلي ترجم للأعلام الذين ورد ذكرهم في كتاب (المقنع)، وهذه خدمة ثانية للمقنع تضاف إلى شرحه غريب المقنع.
والحقيقة أن هذا الكتاب يعتبر شرحا لغريب فقه الحنابلة، إلا أن المؤلف تتبع غريب المقنع بحسب ورودها في الكتاب، وهذا مفيد لمن يطالع الكتاب، فيرجع إلى الغريب الذي يشكل عليه في (المطلع). أما الذي يريد أن يبحث عن لفظة أشكلت عليه لا يعرف موضعها من الكتاب؛ فإن الاستفادة من الكتاب لهذا الصنف من الناس قليلة، والأفضل من ذلك أن يرتب الغريب على الطريقة المعجمية، وقد جمع المكتب الإسلامي بين الحسنيين، فطبع الكتاب كما صنفه مؤلفه من غير تغيير، ثم جعل له معجما مرتبا على الحروف، يشير إلى موضع كل لفظة وردت في الكتاب بالأرقام.
وممن شرح (المقنع) الشيخ سعد الدين مسعود الحارثي المتوفى سنة ٧١١ هـ، والشيخ أبو المحاسن يوسف بن محمد المقدسي المتوفى سنة ٧١٩ هـ،
стр. 158
وسمى شرحه (كفاية المستقنع لأدلة المقنع) (١).
ووضع العلامة شرف الدين موسى بن أحمد الحجاوي مفتي الحنابلة في عصره في بلاد الشام المتوفى سنة ٩٦٠ هـ، كتاب (المحرر على المقنع) (٢).
وشرحه أيضا عبد الرحمن بن إبراهيم السعدي المتوفى سنة ٦٢٤ هـ شرحا محققا في ثلاثة مجلدات كبار، كما ذكره ابن رجب في مختصر طبقات الحنابلة (٣).
ومن الكتب المفيدة الجامعة في مذهب الحنابلة كتاب (المستوعب) لمجتهد المذهب محمد بن عبد الله بن الحسن السامري المتوفى سنة ٦١٦ هـ، جمع فيه كثيرا من كتب الحنابلة المشهورة التي تمثل المذهب، ولذا فإن من حصل هذا الكتاب أغناه عن جميع الكتب المذكورة فيه كما يقول مؤلفه (٤).
ومنها كتاب (الهداية) لأبي الخطاب الكلوذاني، وهو في مجلد ضخم حذا فيه حذو المجتهدين في المذهب المصححين لروايات الإمام، وقد وضع عليه مجد الدين ابن تيمية شرحا سماه (منتهى الغاية في شرح الهداية)، ولكنه لم يتم تبييضه (٥).
وألف مجد الدين أبن تيمية المتوفى سنة ٧٦٣ هـ كتاب (المحرر في الفقه) على مذهب الإمام أحمد بن حنبل قال في مقدمته: "هذا كتاب في الفقه على مذهب الإمام أبي عبد الله أحمد بن محمد الشيباني هذبته مختصرا، ورتبته محرراً، لأكثر مسائل الأصول، خاليا من العلل والدلائل،
стр. 159
واجتهدت في إيجاز لفظه، تيسيرا على طلاب حفظه" (١).
وقد وضع عليه ابن مفلح حاشية أسماها بـ (النكت والفوائد السنية على مشكل المحرر) للشيخ مجد الدين ابن تيمية.
وقد شرح (المحرر) عبد المؤمن بن عبد الحق بن عبد الله القطيعي الملقب بصفي الدين المتوفى سنة ٧٣٩ هـ، شرحا سماه: (تحرير المقرر في شرح المحرر) (٢).
ومنها كتاب (الفروع) لأبي عبد الله محمد بن مفلح المتوفى سنة ٧٦٣ هـ، وقد أثنى أهل العلم على هذا الكتاب ومدحوه، وهو لا يقتصر فيه على مذهب أحمد، بل يذكر المجمع عليه، والمتفق مع الإمام أحمد في المسألة، والمخالف له فيها من الأئمة الثلاثة وغيرهم.
وقد قال ابن مفلح في مقدمة كتابه: "هذا كتاب في الفقه على مذهب أحمد بت محمد بن حنبل الشيباني ﵁، اجتهدت في اختصاره وتحريره، ليكون نافعاً للطالب، وجردته عن دليله وتعليله غالباً، ليسهل حفظه وفهمه على الراغب" (٣) وشرحه ابن العماد الحموي شرحا سماه: (المقصد المنجح لفروع ابن مفلح)، وشرحه محب الدين أحمد بن نصر بن أحمد بن محمد البغدادي الأصل، ثم المصري، وشرحه عليه أشبه بالحواشي منه بالشروح (٤).
والنسخة المطبوعة من الفروع جعل معها في الحاشية كتاب: تصحيح الفروع للمرداوي.
ومنها كتاب (منتهى الإرادات في الجمع بين المقنع مع التنقيح وزيادات) لابن
стр. 160
النجار الشهير بالفتوحي المتوفى سنة ٩٧٢ هـ، وقد أصبح عمدة المذهب زمنا، وعكف عليه طلاب العلم وهجروا ما عداه، وكان غالب استمداده من كتاب الفروع لابن مفلح.
وقد شرحه الشيخ منصور البهوتي شيخ الحنابلة في عصره المتوفى سنة ١٠٥١ هـ، وشرحه موجود مطبوع (١).
ومنها (الاقتناع لطالب الانتفاع) لموسى بن أحمد الحجاوي المتوفى سنة ٩٦٨ هـ، وقد شرح كتابه هذا الشيخ منصور البهوتي في أربعة مجلدات.
ومنها (دليل الطالب) لمرعي بن يوسف الكرمي المتوفى سنة ١٠٣٣ هـ، وهو متن مختصر مشهور، يكاد يكون مختصرا لكتاب (منتهي الإرادات في الجمع بين المقنع والتنقيح وزيادات) للفتوحي، وشرحه الشيخ أحمد بن عوض ابن محمد المرداوي في مجلدين، وعليه عدة شروح وحواش، انظرها في مقدمة شرح دليل الطالب المسمى (نيل المآرب) لعبد القادر بن عمر الشيباني (ص ١٤) بتحقيق أخي الشيخ الدكتور محمد سليمان الأشقر.
ومن الكتب الجليلة في المذهب (غاية المنتهى في الجمع بين الإقناع والمنتهى) للشيخ مرعي بن يوسف الكرمي، سلك فيه مسالك المجتهدين وقام بشرحه ووضع الحواشي عليه بعض علماء الحنابلة.
ومن المؤلفات التي تذكر في هذا الباب (عمدة الراغب) لمنصور البهوتي، و (مختصر الشرح الكبير)، و (الإنصاف) للشيخ محمد بن عبد الوهاب.
والمتون المشتهرة التي هي العمدة في المذهب الحنبلي ثلاثة كما يقول ابن بدران، أقدمها مختصر الخرقي، وقد بقي هو الكتاب الأول عند الحنابلة، تناولوه بالدراسة والشرح والحفظ حتى ألف الموفق (المقنع)، فطارت شهرته في الآفاق، وبقي كذلك حتى ألف المرداوي (التنقيح المشبع)، ثم جاء بعده ابن النجار الشهير بالفتوحي، فجمع بين المقنع والتنقيح في كتابه (منتهى
стр. 161
الإرادات في الجمع بين المقنع والتنقيح وزيادات)، فعكف الناس عليه، وهجروا ما سواه من كتب الأقدمين كسلا منهم، ونسيانا لمقاصد علماء هذا المذهب (١).
وتبقى مؤلفات ابن قدامة وخاصة (المغني)، والشروح التي وضعت على (المقنع) وخاصة (المبدع)، وشرح القاضي أبي يعلى لمختصر الخرقي، وأمثال هذه المؤلفات التي تعنى بالدليل، ويحاول أصحابها جاهدين أن يتوصلوا إلى مراد الله في الأحكام هي المقصد الأسمى، الذي ينبغي أن يتجه طلبة العلم إلى نيله وتحصيله، والله المستعان.
ولا يفوتني في هذه العجالة أن أنوه إلى الفقه العظيم الذي ورثه لنا ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، فإنهما ينسبان إلى الحنابلة، مع أن فقههما قد خرج إلى المجال الرحب، فقه أئمة الإسلام، ولم يتقيدا بفقه مذهب واحد، إلا أن هذا لا يخرجهما عن إطار الفقه الحنبلي، فالحنابلة الذين نصروا الفقه القائم على الدين رحابهم واسعة، وآفاق فقههم لا تحد إلا بحدود الأدلة من الكتاب والسنة، وقد مثل هذا الفقه بهذه الرحابة والاتساع عدد كبير من فقهاء المذاهب، وكان لفقهاء الحنابلة من هؤلاء نصيب كبير، وقد مثل شيخ الإسلام وتلامذته وخاصة ابن القيم هذا الصنف من العلماء الأفذاد أحسن تمثيل.
المطلب السادس: مصطلحات الفقه الحنبلي
إذا أطق الحنابلة لفظ (القاضي) أرادوا به علامة زمانه: محمد بن الحسين ابن محمد بن خلف بن أحمد بن الفراء الملقب بأبي يعلى. والمتأخرون كصاحب الإقناع والمنتهى ومن بعدهما يطلقون لفظ (القاضي) على علاء الدين علي بن سليمان المرداوي صاحب الإنصاف.
стр. 162
ويلقبون المرداوي بـ (المنقح) لأنه نقح (المقنع) في كتابه (التنقيح المشبع).
وإذا أطلق المتأخرون (الشيخ) أرادوا به الشيخ موفق الدين ابن قدامة، وبعضهم يطلقه مريدا به شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد يطلقون عليه اسم (الإمام).
وإذا قالوا: (الشيخان) أرادوا بهما الموفق ومجد الدين عبد السلام ابن تيمية.
ويطلقون (الشارح) ويريدون به عبد الرحمن ابن أبي عمر ابن أخي الموفق شارح (المقنع).
وإذا شئت أن تطلع على مصطلحات الفقه الحنبلي في الأعلام والمدونات وطرق الدلالة على المذهب فعليك بالكتاب المَيم الجامع في هذا الموضوع الذي دونه الدكتور سالم علي النقي بعنوان (مصطلحات الفقه الحنبلي). ولابن بدران إلمامة بهذا الموضوع في كتابه (المدخل إلى مذهب أحمد) (١).
المطلب السابع: انتشار مذهب أحمد
لم يقدر لمذهب أحمد أن ينتشر كما انتشرت المذاهب الأخرى، ولم يخرج من حدود بلاد شيخه "العراق" إلا بعد القرن الرابع، وممن تحدث عن قلة أتباع المذهب في عصورهم الغزالي وابن خلدون، قال الغزالي: "وأمّا أحمد ابن حنبل فأتباعه أقلّ من أتباع هؤلاء، يعني مالكا والشافعي وأبا حنيفة" (٢).
ويقول ابن خلدون: "فأمّا مقلدة أحمد بن حنبل فمقلده قليل، وأكثرهم بالشام والعراق من بغداد، ونواحيها، وهم أكثر الناس حفظا للسنة ورواية الحديث" (٣).
стр. 163
وفي هذا العصر كاد أن ينقرض أتباعه في البلاد السورية، يقول ابن بدران الدمشقي المتوفى سنة ١٣٤٦ هـ: "ولا أرى أحدا يسألني عن مسألة في مذهب الإمام أحمد، لانقراض أهله في بلادنا، وتقلص ظله فيها" (١).
أقول: وفي بلادنا فلسطين بقية من الحنابلة في مدينة نابلس وما جاورها، وقد انتشر المذهب في بلاد نجد بعد أن قام الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في تلك الديار، وأحيا عقيدة السلف الصالح، التي كان الإمام أحمد عليها، وتابع أهلُ نجد مذهب أحمد، ونشر علماء نجد كتبه، ومدت الدولة يدها بسخاء لإحياء كتب الحنابلة، وخاصة كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم.
وأشهر تلامذته الذين نشروا مذهب الإمام أحمد ابناه: صالح وعبد الله، وأحمد بن محمد بن هانئ، وأبو بكر الأثرم، وعبد الملك بن عبد الحميد بن مهران الميموني، صحب أحمد أكثر من عشرين سنة، وأحمد بن محمد أبو بكر المروزي، وإبراهيم بن إسحاق الحربي.
المطلب الثامن: السبب في قلة أتباع مذهب أحمد
أغلب العلماء الذين اتبعوا أحمد ساروا سيرته في البعد عن الدنيا، ومجافاة السلاطين، وأخذ أنفسهم بالتعبد، والإقلال من التدريس، فقلل هذا من انتشار المذهب، لعدم وصول أتباعه إلى المناصب، والمراكز العلمية التي تجعل الناس يقبلون على المذهب، يقول أبو الوفاء علي بن عقيل أحد فقهاء المذهب الحنبلي: "هذا المذهب: يعني مذهب أحمد، إنما ظلمه أصحابه؛ لأنَّ أصحاب أبي حنيفة والشافعي إذا برع أحد منهم في العلم تولى القضاء وغيره من الولايات، فكانت الولاية سبباً لتدريسه واشتغاله بالعلم، فأما أصحاب أحمد فإنّه قل فيهم من يعلم بطرف من العلم إلا ويخرجه ذلك إلى التعبد
стр. 164
والتزهد لغلبة الخير على القوم، فينقطعون عن التشاغل بالعلم" (١).
ويقول ابن بدران متأسفا على قلة أتباع المذهب، معللا لذلك: "وأصاب هذا المذهب ما أصاب غيره من تشتت كتبه، حتى آلت إلى الاندراس، وأكب الناس على الدنيا، فنظروا إليه فإذا هو منهل سنة وفقه صحيح، لا مورد مال، فهجره كثير ممن كان متبعا له، رجاء طلب قضاء أو وظيفة، فمن ثمَّ تقلص ظله عن البلاد السورية وخصوصا في دمشق" (٢).
стр. 165
الباب الثالث
تقليد الأئمة
تمهيد: موقف المسلم من الأئمة
* الفصل الأول: الموجبون للتقليد.
* الفصل الثاني: المحرمون للتقليد.
* الفصل الثالث: القول المختار.
стр. 166
تمهيد
موقف المسلم من الأئمة:
الأئمة أصحاب المذاهب الفقهية من خيرة علماء الأمّة، وقد بذلوا قصارى جهدهم في دراسة النصوص من الكتاب والسنة، وأقوال الصحابة وعلماء التابعين وأتباع التابعين، وقد بذلوا قصارى جهدهم في تفقيه المسلمين، وحملهم على اتباع الحق، وتخرَّج بهم جمع كبير من أصحابهم وتلاميذهم، وبقيت مناهجهم في فقه النصوص، وفهمهم لها منارا يستفيد منها طلاب الحق وطلبة العلم، ولا زالت كتبهم التي دونت، أو التي دونها تلامذتهم، ثروة نستفيد منها.
ولكن تبقى مذاهبهم فقها للكتاب والسنة، تُضَمُّ إلى فقه الصحابة وعلماء التابعين وأتباع التابعين من قبلهم (١)، ويبقى الكتاب والسنة، قبل ذلك وبعده، نهرا فياضا لا يمكن أن تحده فهوم الفقهاء، ويجب أن تبقى صلة المسلمين، وخاصة العلماء منهم، بالنهر الفياض والنبع الصافي، أقصد بذلك الكتاب والسنة، إلا أنه انتشر بعد الأئمة فهم خاطئ يقول بوجوب تقليد إمام من أئمة المذاهب، وأغرق هذا الاتجاه فيما ذهب إليه عندما حرّم أصحابه أتباع غير الأئمة الأربعة، حتى لو كان المقلد صحابيا أو تابعيا. . .
وسأحاول أن أبين هذه القضية، ومقدما لها بمقدمة أعرف فيها التقليد، ثم أبين حكمه، ثمَّ أعرض وجهة نظر الموجبين له، خاصة أولئك الذين يوجبون تقليد واحد من الأئمة الأربعة، وأبين مجانبة هذا القول للصواب، ثم أبين وجه نظر المحرمين للتقليد، وأخيراً أبين القول المختار في المسألة.
стр. 167
تعريف التقليد:
وتعريفات العلماء للتقليد متقاربة، فقد عرفه بعضهم بأنه أخذ للقول من غير معرفة بدليله، وقال آخرون: التقليد في الشرع الرجوع إلى قول لا حجّة لقائله عليه، فالمقلد يعتبر قول إمامه حجّة مطلقة، سواء أكانت أقواله صوابا موافقة للسنة، أو خطأ قد جاءت الآيات والأحاديث بضدها (١).
والدعوة إلى التقليد دعوة خطيرة؛ لأنها دعوة إلى الجمود الذي يؤدي إلى جعل الناس صما وبكما وعميا لا يفقهون، ودعاة التقليد يريدون أن يحجروا على القرائح أن تجول في مواطن الاستدلال والتنقيب عن الدليل، كما أن هذا المسلك يعطل المواهب البشرية التي منحها الله للإنسان للنظر والاعتبار والتفكير، وغاية هذه الدعوة حصر الشريعة في المذهب الذي يتمذهب به المقلد.
стр. 168
الفصل الأول الموجبون للتقليد
المبحث الأول: القائلون بهذا القول
أوجب طائفة كبيرة من الفقهاء -الذين جاؤوا بعد عصر الأئمة المجتهدين- التقليد، وقصروا الأخذ بالكتاب والسنة على من بلغ رتبة الاجتهاد، وقد سمّى الغزالي ﵀ الموجبين للتقليد بالحشوية والتعليمية (١)، ولكن هذا الرأي هو الذي عليه أكثر الفقهاء في عصر التقليد.
يقول صاحب مراقي السعود:
من لم يكن مجتهدا فالعمل … منه بمعنى النص مما يحظل
وقد شرح الناظم بيته هذا في كتابه "نشر البنود" فقال:
"يعني أن غير المجتهد يحظل له، أي يمنع أن يعمل بمعنى نص من كتاب أو سنة، وإن صح سندها؛ لاحتمال عوارضه من نسخ وتقييد وتخصيص، وغير ذلك من العوارض التي لا يضبطها إلا المجتهد، فلا يخلصه من الله إلا تقليد مجتهد، قاله القرافي" (٢).
وأغرق فريق وأوغل في دعوى إيجاب التقليد عندما أوجبوا تقليد واحد من الأئمة الأربعة دون غيرهم، وحرَّموا تقليد الصحابة وعلماء التابعين ومن بعدهم من الأئمة سوى الأربعة، جاء في جوهرة "التوحيد": "وواجب تقليد حبر منهم"، أي من الأئمة الأربعة، وقال الباجوري في حواشه على (الجوهرة) عند هذه العبارة: "ولا يجوز تقليد غيرهم، ولو كانوا من الصحابة؛ لأن مذاهبهم
стр. 169
لم تدون، ولم تضبط، ولكن جوز بعضهم ذلك في غير الإفتاء كما قال:
وجائز تقليد غير الأربعة … في غير الإفتاء وفي هذا سعة
ومن الذين منعوا تقليد غير الأربعة ابن الصلاح" (١).
ومن الذين ذهبوا إلى عدم جواز تقليد الصحابة الأسنوي، وقد تابع في ذلك ابن برهان في كتابه (الأوسط)، وعلل ذلك بعدم تدوين مذاهبهم وعدم ضبطها، فلا يتمكن المقلد من الاكتفاء بها، ويؤديه ذلك إلى الانتقال، ويذكر عن إمام الحرمين في (البرهان) أنه قال: أجمع المحققون على أن العوام ليس لهم أن يتعلقوا بمذهب أعيان الصحابة ﵃، بل عليهم أن يتبعوا مذاهب الأئمة الذين سبروا فنظروا، وبوبوا الأبواب، وذكروا أوضاع المسائل وجمعوها، وهذبوها، وبينوها (٢).
وبعض الذين يوجبون تقليد واحد من الأربعة يروق أن أقوال الأئمة، رضوان الله عليهم، مقدمة على نصوص الكتاب والسنة الواضحة الصريحة، ويحرمون على المقلد أن يأخذ من المذاهب الأخرى، ويتعللون لذلك بعلل سقيمة، كقولهم: علماؤنا السابقون أعلم منا بالنصوص، وربما اطلعوا على شيء لم نطلع عليه، وربما كان هذا منسوخا، أو لا يراد ظاهره.
وقد اشتط بعض المقلدين، حتى إن بعض الحنفية -غفر الله لهم- زعموا أن عيسى بن مريم عندما ينزل في آخر الزمان والمهدي عندما يبعثه الله، يحكمان بمذهب أبي حنيفة (٣).
هذا أبو الحسن الكرخي رئيس الحنفية في العراق في عصره يقول: "كل آية تخالف ما عليه أصحابنا، فهي مؤولة أو منسوخة، وكل حديث كذلك فهو مؤول أو منسوخ" (٤).
стр. 170
ويقول أبو عمرو ابن الصلاح في مقلد المذهب: "نص مذهب إمامه في حقه كنص الشارع في حق المجتهد المستقل" (١).
وقال الشعراني: "قال بعض المقلدين: لو وجدت حديثا في البخاري ومسلم لم يأخذ به إمامي لا أعمل به، وذلك جهل منه بالشريعة، وأوّل من يتبرأ منه إمام مذهبه، وكان الواجب عليه حمل كلام إمامه على أنه لم يظفر بذلك الحديث أو لم يصح عنده" (٢).
وجاوز الشيخ أحمد الصاوي حده وغلا غلوا عظيما حيث يقول: "ولا يجوز تقليد ما عدا الأربعة، ولو وافق قول الصحابة والحديث الصحيح والآية، فالخارج عن المذاهب الأربعة ضال مضل، وربما أداه ذلك للكفر؛ لأن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر" (٣).
انظر إلى هذا الغلو المشابه لغلو اليهود والنصاري في أحبارهم ورهبانهم، حيث حرّم تقليد غير الأئمة الأربعة، ولو كان المقلد أبا بكر، أو عمر، أو عثمان، أو علي، أو غيرهم من الصحابة الكرام، وزاد الطين بلّة بوجوب تقليدهم، ولو كان غيرهم معه نص حديث صحيح أو آية قرآنية، ولم يكتف بذلك، بل صرح بأن الخارج عن مذاهب الأربعة ضال مضل، وأنه قريب من الكفر. وبلغ غاية الإسفاف عندما زعم أن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر، وقد ردد هذا القول في غير موضع من حاشيته، وكيف يكون ظاهرهما من أصول الكفر، وأغلب الآيات والأحاديث ظواهر، وما أخذ الأئمة اجتهاداتهم إلا من هذه الظواهر، إن المسلم لا يملك إذ يقرأ هذه الأقوال الشنيعة إلا أن يقول: حسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 171
المبحث الثاني: الرد على من أوجب التقليد
أولا: لا دليل على الوجوب:
دعوى إيجاب التقليد دعوى مرفوضة، فلا واجب إلا من أوجبه الله ورسوله، ولم يرد في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ما يدلُّ على وجوب التقليد، ثمَّ التقليد مخالف لما كان عليه الحال في عهد الرسول ﷺ والصحابة والتابعين لهم بإحسان، بل مخالف لما كان عليه الأئمة رضوان الله عليهم، فقد كان في المسلمين في تلك الأيام علماء، وفيهم عوام، فكان عوام المسلمين يسألون العلماء عمّا يعرض لهم من مشكلات، وكانوا يسألونهم عن حكم الله في المسألة، ولم يوجبوا على المسلم أن يلتزم قول عالم من العلماء لا يتعداه.
يقول ابن عبد البر: "أمّا التقليد فهو قبول قول الغير من غير حجّة، فمن أين يحصل به علم، وليس مستند إلى قطع، هو في نفسه بدعة محدثة؛ لأنَّا نعلم بالقطع أن الصحابة رضوان الله عليهم، لم يكن في زمانهم وعصرهم مذهب لرجل معين يُدْرك ويقلَّد، وإنما كانوا يرجعون في النوازل إلى الكتاب والسنة، أو إلى ما يتمخض بينهم من النظر عند فقد الدليل، وكذلك تابعوهم أيضا يرجعون إلى الكتاب والسنة، فإن لم يجدوا نظروا إلى ما أجمع عليه الصحابة، فإن لم يجدوا اجتهدوا، واختار بعضهم قول صحابي فرآه الأقوى في دين الله تعالى. ثمَّ كان القرن الثالث، وفيه كان أبو حنيفة ومالك والشافعي وابن حنبل، وكانوا على منهاج من مضى، لم يكن في عصرهم، مذهب رجل معين يتدارسونه. . . " (١).
وقال ابن القيم في التقليد: "وهذه بدعة قبيحة حدثت في الأمَّة، لم يقل بها أحد من أئمة الإسلام، وهم أعلى رتبة، وأجل قدرا، وأعلم بالله ورسوله من أن يلزموا الناس بذلك، وأبعد منه قول من قال: يلزم أن
стр. 172
يتمذهب بمذهب عالم من العلماء، وأبعد منه قول من قال: يلزمه أن يتمذهب بأحد المذاهب الأربعة" (١).
ثانيا: الإجماع على عدم وجوب تقليد عالم بعينه:
من الذين استنكروا قول من زعم وجوب تقليد أحد الأئمة الأربعة الحافظ العراقي، والزركشي، وعز الدين بن عبد السلام، والنووي، وكان عز الدين يذكر إجماعين يدلان على عدم وجوب تقليد شخص بعينه:
الأول: إجماع الصحابة على أنّه يجوز للعامي استفتاء أي عالم في مسألة، ولم ينقل عن السلف الحجر في ذلك، ولو كان ممتنعا لما جاز للصحابة إهماله، وعدم إنكاره؛ ولأن كل مسألة لها حكم في نفسها، فكما لم يتعين الأول للاتباع في الأولى إلا بعد سؤاله، فكذلك في الأخرى.
الثاني: إجماع الأمّة أن من أسلم لا يجب عليه اتباع إمام معين، فإذا قلد معينا، وجب أن يبقى ذلك التخيير المجمع عليه حتى يحصل دليل على رفعه، ولا سيما الإجماع لا يرفع إلا بما هو مثله في القوة.
وقال العراقي نقلا عن النووي: "الذي يقتضيه الدليل أنه لا يلزم الشخص التمذهب بمذهب، بل يستفتي من شاء، لكن من غير تتبع الرخص".
وقال الشعراني في (الدرر المنثورة): "لم يبلغنا عن أحد من السلف أنه أمر أحدا أن يتقيد بمذهب معين، ولو وقع منهم ذلك، لوقعوا في الإثم؛ لتفويتهم العمل بكل حديث لم يأخذ به ذلك المجتهد الذي أمر الخلق باتباعه وحده. والشريعة حقيقة إنما هي مجموع ما بأيدي المجتهدين كلهم لا بيد واحد منهم، ولم يوجب الله على أحد التزام مذهب معين بخصوصه لعدم عصمته. ومن أين جاء الوجوب والأئمة كلهم قد تبرؤوا من الأمر باتباعهم، وقالوا إذا بلغكم الحديث فاعملوا به، واضربوا بكلامنا عرض الحائط".
стр. 173
قال الحجوي: "وعمل الأئمة شرقا وغربا هو على ما قاله ابن عبد السلام، فلا تجد أهل مذهب إلا قد خرجوا عن مذهب إمامهم، إما إلى قول بعض أصحابه، وإما إلى خارج المذهب، إذ ما من إمام إلا قد انتقد عليه قول أو فعل خفي عليه فيه السنة، أو أخطأ في الاستدلال، فضعف مذهبه" (١).
وبهذا نعلم ما في قول الصاوي من التجني، عندما حرم الخروج عن المذاهب الأربعة، وزعم أن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر، يقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ -معقبا على قول الصاوي: "أما قوله بأنه لا يجوز الخروج عن المذاهب الأربعة، ولو كانت أقوالهم مخالفة للكتاب والسنة وأقوال الصحابة- فهو قول باطل بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة، وإجماع الأئمة أنفسهم، وأما قوله: إن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر، فهذا أيضا من أشنع الباطل وأعظمه، وصاحبه من أعظم الناس انتهاكا لحرمة كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، سبحانك هذا بهتان عظيم.
والتحقيق الذي لا شك فيه، وهو الذي كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ ، وعامة علماء المسلمين أنه لا يجوز العدول عن ظاهر الكتاب والسنة فى حال من الأحوال بوجه من الوجوه، حتى يقوم دليل صحيح شرعي، صارف عن الظاهر إلى المحتمل المرجوح، والقول إنّ العمل بظاهر الكتاب والسنة من أصول الكفر لا يصدر ألبتة عن عالم بكتاب الله وسنة رسوله، وإنما يصدر عمن لا علم له بالكتاب والسنة أصلا، لأنه لجهله بهما يعتقد ظاهرهما كفرا، والواقع في نفس الأمر أن ظاهرهما بعيد عما ظنه بُعد الشمس من اللمس" (٢).
стр. 174
ثالثا: إيجاب التقليد أدى إلى هجران الكتاب والسنة:
رأينا كيف منع صاحب (مراقي السعود) غير المجتهدين من العمل بمعنى النص، وجعل التفقه بالكتاب والسنة حكرا على المجتهدين، وقد أدى هذا إلى هجران الكتاب والسنة كليا، والاستغناء عنهما في جميع الأحكام؛ لأن المجتهدين معدومون بعد القرن الرابع كما يزعم المقلدون.
فهاهنا مقدمتان كما يقول الشيخ الشنقيطي:
الأولى: أن العمل بالكتاب والسنة لا يجوز إلا للمجتهدين.
الثانية: أن المجتهدين بعد القرن الرابع معدومون انعداما كليا.
وقد نتج عن هاتين المقدمتين: أن العمل بالكتاب والسنة ممنوع منعا باتًّا على جميع الناس، وليس للمسلمين إلا الاستغناء بالمذاهب المدونة.
لقد أوجب الله على أهل العلم، إذا نزلت بهم نازلة، أن يتجهوا إلى الكتاب والسنة، والمقلدون إذا نزلت بهم نازلة، زعموا أن الواجب عليهم هو الاتجاه إلى قول إمامهم.
رابعا: الزعم بأن العمل بالكتاب والسنة وقف على المجتهدين دون غيرهم زعم باطل:
كل من علم شيئا من الكتاب والسنة لا بدَّ له من العمل به والأخذ به، ولا يجوز أن يدعه لقول أحد، والأدلة على ذلك كثيرة منها:
١ - النصوص من الكتاب والسنة الآمرة بذلك أمراً عاماً مطلقا غير خاص بفريق من الناس دون غيرهم، وتخصيص هذه النصوص بالمجتهدين الجامعين لشروط الاجتهاد المعروفة عند متأخري الأصوليين يحتاج إلى دليل يجب الرجوع إليه.
والنصوص في هذا كثيرة، منها قوله تعالى:
стр. 175
﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ (١).
والمراد بما أنزل إلينا القرآن والسنة المبينة، لا آراء الرجال.
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١)﴾ (٢). فدلت الآية على أن من دعي إلى العمل بالقرآن والسنة وصدَّ عن ذلك أنه من جملة المنافقين؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٣)، والرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول بعد وفاته ﷺ هو الرد إلى سنته.
وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ (٤). وختام الآية فيه تهديد شديد لمن لم يعمل بالسنة، واكتفى بآراء الرجال.
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ (٢١)﴾ (٥)، والآية تلزم المسلم أن يجعل الرسول ﷺ قدوته وذلك باتباع سنته.
والنصوص في هذا كثيرة جداً يحتاج إيرادها إلى عدة صفحات.
٢ - أجمع المسلمون أن الكفار الذين واجههم الرسول ﷺ كانوا مطالبين بتدبر القرآن، والأخذ به والعمل به، مع أنهم لم يحصلوا شروط الاجتهاد
стр. 176
التي اشترطها الأصوليون.
وقد أنكر الله على الكفار عدم تدبرهم للكتاب: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ (١)، ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ (٢)، وذم الله من أعرض عن كتابه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (٢٢)﴾ (٣).
فلو كان العمل بالكتاب موقوفا على المجتهدين لما ذم الله العرب بإعراضهم عن الكتاب وعدم تدبرهم له.
٣ - شروط الاجتهاد لا تشترط إلا فيما فيه مجال للاجتهاد، والأمور المنصوصة في نص الكتاب وصحيح السنة -لا يجوز الاجتهاد فيها لأحد، ولا يصح الاجتهاد ألبتة في شيء يخالف الكتاب والسنة، وفي ذلك يقول الأصوليون: "لا اجتهاد مع النص".
ويجب أن يُعْلَمَ أن المذاهب التي فيها التقليد تختص بالأمور الاجتهادية، ولا تتناول ما جاء فيه نص صحيح من الوحي، سالم من المعارض.
قال خليل في مختصره في الفقه المالكي: "والمذهب لغة الطريق ومكان الذهاب، ثمَّ صار عند الفقهاء حقيقة عرفية فيما ذهب إليه إمام من الأئمة من الأحكام الاجتهادية" (٤).
فقوله: "من الأحكام الاجتهادية" يدلّ على أن اسم المذهب لم يتناول مواقع النصوص الشرعية السالمة عن المعارض، وبناء على ذلك فإنه لا اجتهاد ولا تقليد في شيء يخالف نصا من كتاب أو سنة أو إجماع.
стр. 177
٤ - الذين يقولون بتوقف العمل بالكتاب والسنة على تحصيل شروط الاجتهاد ليس لهم مستند من الكتاب والسنة، يصرح بأنه لا يصح العمل بالكتاب والسنة إلا لمن حصل شروط الاجتهاد.
ونصوص الكتاب والسنة وإجماع المسلمين كلها دالة على أن العمل بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ لا يشترط له إلا شرط واحد، وهو العلم بحكم ما يعمل به منهما، ولا يشترط في العمل بالوحي شرط زائد على العمل بحكمه ألبتة.
ومراد متأخري الأصوليين بجميع الشروط التي اشترطوها هو تحقيق المناط؛ لأن العلم بالوحي لما كان هو مناط العمل به، أرادوا أن يحققوا هذا المناط؛ أي يبينوا الطرق التي يتحقق بها حصول العلم الذي هو مناط العمل.
فاشترطوا جميع هذه الشروط (١) ظنا منهم أنّه لا يمكن تحقيق حصول العلم بالوحي دونها، وهذا الظن فيه نظر؛ لأن كل إنسان له فهم، إذا أراد العمل بنص من كتاب أو سنة، فلا يمتنع عليه، ولا يستحيل أن يتعلم معناه، ويبحث عنه، هل هو منسوخ أو مخصص أو مقيد، حتى يعلم ذلك فيعمل به.
وسؤال أهل العلم: هل لهذا النص ناسخ أو مخصص أو مقيد مثلا؟ وإخبارهم بذلك ليس من نوع التقليد، بل هو نوع من الاتباع.
إن كثيرا من الفقهاء في العصور المتأخرة أوتوا فطنة وذكاء تؤهلهم لفهم أعوص القضايا، وتراهم نبغوا في علوم كثيرة، فإذا عرض الحديث في علم
стр. 178
من تلك العلوم تجدهم يخوضون فيها غير وجلين، ويأتون في بحوثهم وحديثهم بالنافع المفيد، مما يدل على أنهم بلغوا الغاية في تلك العلوم.
ولكن أصحاب هذه العقول يصابون بالذعر، إذا عرضت عليهم نصوص الكتاب والسنة، فتراهم يغلقون عقولهم، ويزعمون عدم العلم، كأن نصوص الكتاب والسنة لا تُفْقَهُ ولا تعلم، ولا يمكن أن يخلص أولو الألباب إلى معانى نصوصهما.
وقد تحدث صاحب (عمدة التحقيق) عن هذا الصنف من العلماء فقال: ما قولكم في العالم الذي يعرف دقائق علوم النحو وأصوله، والتصريف والاشتقاق، وخصائص العربية، وأسرار البلاغة، ودلائل الإعجاز من معان وبيان وبديع، وأصناف المعاني الدقيقة والجلية، ووجوه الاستعارات، وأقسام المجاز، وضروب التشبيه، وأنواع البديع، وعلم الوضع، وفنون الشعر كقرضه ونقده وقوافيه وعروضه، وما يتخلله من الزحاف والعلل والحكمة القديمة وعويصاتها، والمنطق ودقائقه، كتوجيه القضايا واختلاطها، وأشكال القياس وضروبه وردها، وعلوم الجدل وآداب البحث والمناظرة، والكلام ونظريات علمائه، وأصول الفقه وما يتخلله من تقسيم اللفظ إلى خاص وعام، ومشترك وظاهر، وخفي، ومجمل، ومفسر ونص وصريح، وكناية وعبارة وإشارة، إلى آخر ما هنالك من دقائق مسائله، كمسالك العلل، ودفع القياس وأضراب ذلك، وعلم المواريث ومناسخاته، والفقه ومصطلحات الفقهاء، وأقسامه وفصوله، كالقواعد، والضوابط، والفروق، والألغاز، والأشباه والنظائر، والمخارج الشرعية، وترجيح البينات، ومسائل الحيطان، وتقسيم الشرب، وأقسام الأوقاف، والأحكام السلطانية والقضائية، إلى غير ذلك من العلوم والفنون، حتى صار هذا العالم كالبحر الزاخر.
ثم إنه لم يقتصر على ذلك، بل أحرز ملكة عظيمة من فهم دقائق عبارات المتأخرين من علماء القرون الوسطى، ومن يليهم، التي عقدت تعقيداً جعلها أشبه بالألغاز لفرط إيجازها، حتى حالت بين قواعد العلوم الأصلية السمحة،
стр. 179
وبين أذهان طلابها، فأطالت عليهم مسافة طرق التحصيل، فتراهم يفنون أعمارهم في معالجتها لما انطوت عليه من المصطلحات المعميات بأوجز تعبير، فضلا عما درج في طيات الشروح، والحواشي، من التحقيقات، والتدقيقات، والإشكالات، والانتقادات، والقلقلات، والفنقلات، والاختلافات، فلا يقع نظرك على مقولة إلا تراها مفعمة بقولهم قال فلان: كذا، ورد عليه بكذا، وأجيب عنه بكذا، لكن فلاناً زيفه بقوله كذا، وإنَّ الأولى أن يقال: كذا، لكن ناقشه فلان، وكقولهم: فإن قلتَ قلتُ، وهلم جرا.
ولا يخفى على أرباب الاطلاع صعوبة أمثال كتب العضد والسعد والسيد والعصام والخيالي والفناري والكلنبوي.
وإليك نظائر امتحان الأذكياء، ونتائج الأفكار، وشرح الرضي، وحواشي يسين على الفاكهي، وعصام الدين على الجامي في النحو، وحواشي قول أحمد على الفناري في المنطق، وشرح العصام على رسالة الوضع، والمرآة والتلويح وحواشيهما، لا سيما الكلام على المقدمات الأربعة لعبد الحكيم السيالكوتي، وشرحي مختصر المنتهى وجمع الجوامع وحواشيهما، خصوصاً حاشية ابن قاسم العبادي على الأخير، وتحرير ابن الهمام وشرحه، وتقرير ابن أمير حاج، وفصول البدائع في علم الأصول.
وحواشي المقاصد والموقف، وحواشي الخيالي على شرح النسفية، والأمير على شرح عبد السلام في علم الكلام، والأطول والمطول والمختصر، وحواشيهما في المعاني والبيان وأشباهها.
فيا ليت شعري كيف يفهم هذه الكتب، وما اشتملت عليه مباحثها من التعقيد ومناقشات علمائنا سواء كانوا مصريين أو شاميين أو عراقيين أو هنديين أو تركيين، ويقررونها عن ظهر قلب، ويفهمونها تلامذتهم، وربما ناقش أغلبهم مؤلفيها، وأورد على عباراتهم إيرادات وعلق عليها اعتراضات
стр. 180
وتقريرات، تزيد في طين التشويش بلة، وفي عود الصلابة صعوبة على أذهان الطالبين؟ ثم بعد هذا وذلك يدعي أغلبهم -إن لم نقل جميعهم- العجز عن فهم كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ والاستنباط منهما، ولو حكماً واحداً، بحجة أنهم عوام غير قادرين على الاستنباط والاستدلال.
على حين أن الكتاب والسنة نيران لكون لغتهما عربية فصيحة خالية من التعقيد والإبهام، وتنزه الرب عن مخاطبة عباده بما لا يُفهم -ولله الحجة البالغة- وحاشا رسوله أن يبلغ أمته عن ربه بما يتعاصى فهمه.
والله خاطب الجميع في كتابه المنزل بلسان عربي مبين، ولم يخصه بالصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين الأولين؛ لأن جميع المسلمين مكلفون بالخطاب منذ البعثة إلى يوم يبعثون.
مع أنهم يناقضون أنفسهم باستدلالهم على وجوب التقليد بقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ (٤٣)﴾ الآية (١).
ونرى الكثير منهم يفسرون كتاب الله تعالى، ويخوضون عباب العلوم المتعلقة بتفسيره، ويشرحون كتب السنة، ويبذل بعضهم قصارى الجهد في تأويل النصوص، ليوقفها على أقوال إمامه وأتباعه.
وكلما ذكَّرهم مذكر يجيبونه بنحو قولهم: نحن عوام، لا قدرة لنا على الاستدلال والاستنباط، ولسنا من أهل الاجتهاد، ولا تسوغ لنا الجرأة على فتح باب أقفل منذ عصور، ولنا أسوة بمن سلف من العلماء الأعلام، الذين أحرزوا قصب السبق في مضمار العلم والتحقيق، وحلبة الورع والتقوى، واجتازونا بمراحل لا يمكننا أن نبلغ شأوها، ولم يَدَّع أحد منهم هذه الدعوى، فليسعنا ما يسعهم.
فيا عجبا، هل تقبل منهم هذه المعذرة عند الله تعالى، وهم على ما هم عليه من قوة الفهم لعبارات الكتب الغامضة، وحل رموزها، وكثرة التوسع